٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
86
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما عظم أمر الإسلام والإيمان بقوله {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلأَخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } تفسير : [آل عمران: 85] أكد ذلك التعظيم بأن بيّن وعيد من ترك الإسلام، فقال: {كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في سبب النزول أقوال الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في عشرة رهط كانوا آمنوا ثم ارتدوا ولحقوا بمكة ثم أخذوا يتربصون به ريب المنون فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية، وكان فيهم من تاب فاستثنى التائب منهم بقوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } الثاني: نقل أيضاً عن ابن عباس أنه قال: نزلت في يهود قريظة والنضير ومن دان بدينهم كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا مؤمنين قبل مبعثه، وكانوا يشهدون له بالنبوّة، فلما بعث وجاءهم بالبينات والمعجزات كفروا بغياً وحسداً والثالث: نزلت في الحرث بن سويد وهو رجل من الأنصار حين ندم على ردته فأرسل إلى قومه أن اسألوا لي هل لي من توبة؟ فأرسل إليه أخوه بالآية، فأقبل إلى المدينة وتاب على يد الرسول صلى الله عليه وسلم وقبل الرسول صلى الله عليه وسلم توبته، قال القفال رحمه الله: للناس في هذه الآية قولان: منهم من قال إن قوله تعالى: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا } تفسير : [آل عمران: 85] وما بعده من قوله {كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ } إلى قوله {أية : وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلضَّالُّونَ}تفسير : [آل عمران: 90] نزل جميع ذلك في قصة واحدة، ومنهم من جعل ابتداء القصة من قوله {أية : إِن ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ }تفسير : [آل عمران: 90] ثم على التقديرين ففيها أيضاً قولان أحدهما: أنها في أهل الكتاب والثاني: أنها في قوم مرتدين عن الإسلام آمنوا ثم ارتدوا على ما شرحناه. المسألة الثانية: اختلف العقلاء في تفسير قوله {كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ } أما المعتزلة فقالوا: إن أصولنا تشهد بأنه تعالى هدى جميع الخلق إلى الدين بمعنى التعريف، ووضع الدلائل وفعل الألطاف، إذ لو يعم الكل بهذه الأشياء لصار الكافر والضال معذوراً، ثم إنه تعالى حكم بأنه لم يهد هؤلاء الكفار، فلا بد من تفسير هذه الهداية بشيء آخر سوى نصب الدلائل، ثم ذكروا فيه وجوهاً الأول: المراد من هذه الآية منع الألطاف التي يؤتيها المؤمنين ثواباً لهم على إيمانهم كما قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } تفسير : [العنكبوت: 69] وقال تعالى: {أية : وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى } تفسير : [مريم: 76] وقال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى } تفسير : [محمد: 17] وقال: {أية : يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ }تفسير : [المائدة: 16] فدلت هذه الآيات على أن المهتدي قد يزيده الله هدىً الثاني: أن المراد أن الله تعالى لا يهديهم إلى الجنة قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ } تفسير : [النساء: 168، 169] وقال: {أية : يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَـٰرُ } تفسير : [يونس: 9] والثالث: أنه لا يمكن أن يكون المراد من الهداية خلق المعرفة فيه لأن على هذا التقدير يلزم أن يكون أيضاً من الله تعالى لأنه تعالى إذا خلق المعرفة كان مؤمناً مهتدياً، وإذا لم يخلقها كان كافراً ضالاً، ولو كان الكفر من الله تعالى لم يصح أن يذمهم الله على الكفر ولم يصح أن يضاف الكفر إليهم، لكن الآية ناطقة بكونهم مذمومين بسبب الكفر وكونهم فاعلين للكفر فإنه تعالى قال: {كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ } فضاف الكفر إليهم وذمهم على ذلك الكفر فهذا جملة أقوالهم في هذه الآية، وأما أهل السنة فقالوا: المراد من الهداية خلق المعرفة، قالوا: وقد جرت سنة الله في دار التكليف أن كل فعل يقصد العبد إلى تحصيله فإن الله تعالى يخلقه عقيب قصد العبد، فكأنه تعالى قال: كيف يخلق الله فيهم المعرفة وهم قصدوا تحصيل الكفر أو أرادوه والله أعلم. المسألة الثالثة: قوله {واشهدوا} فيه قولان: الأول: أنه عطف والتقدير بعد أن آمنوا وبعد أن شهدوا أن الرسول حق، لأن عطف الفعل على الاسم لا يجوز فهو في الظاهر وإن اقتضى عطف الفعل على الاسم لكنه في المعنى عطف الفعل على الفعل الثاني: أن الواو للحال بإضمار (قد) والتقدير: كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم حال ما شهدوا أن الرسول حق. المسألة الرابعة: تقدير الآية: كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم، وبعد الشهادة بأن الرسول حق، وقد جاءتهم البينات، فعطف الشهادة بأن الرسول حق، على الإيمان، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه، فيلزم أن الشهادة بأن الرسول حق مغاير للإيمان وجوابه: إن مذهبنا أن الإيمان هو التصديق بالقلب، والشهادة هو الإقرار باللسان، وهما متغايران فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على أن الإيمان مغاير للإقرار باللسان وأنه معنى قائم بالقلب. المسألة الخامسة: اعلم أنه تعالى استعظم كفر القوم من حيث أنه حصل بعد خصال ثلاث أحدها: بعد الإيمان وثانيها: بعد شهادة كون الرسول حقاً وثالثها: بعد مجيء البينات، وإذا كان الأمر كذلك كان ذلك الكفر صلاحاً بعد البصيرة وبعد إظهار الشهادة، فيكون الكفر بعد هذه الأشياء أقبح لأن مثل هذا الكفر يكون كالمعاندة والجحود، وهذا يدل على أن زلة العالم أقبح من زلة الجاهل. أما قوله تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } ففيه سؤالان: السؤال الأول: قال في أول الآية {كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا } وقال في آخرها {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } وهذا تكرار. والجواب: أن قوله {كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ } مختص بالمرتدين، ثم إنه تعالى عمم ذلك الحكم في المرتد وفي الكافر الأصلي فقال: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ }. السؤال الثاني: لم سمي الكافر ظالماً؟. الجواب: قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }تفسير : [لقمان: 13] والسبب فيه أن الكافر أورد نفسه موارد البلاء والعقاب بسبب ذلك الكفر، فكان ظالماً لنفسه. ثم قال تعالى: {أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَـئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا } والمعنى أنه تعالى حكم بأن الذين كفروا بعد إيمانهم يمنعهم الله تعالى من هدايته، ثم بيّن أن الأمر غير مقصور عليه، بل كما لا يهديهم في الدنيا يلعنهم اللعن العظيم ويعذبهم في الآخرة، على سبيل التأبيد والخلود. واعلم أن لعنة الله، مخالفة للعنة الملائكة، لأن لعنته بالإبعاد من الجنة وإنزال العقوبة والعذاب واللعنة من الملائكة هي بالقول، وكذلك من الناس، وكل ذلك مستحق لهم بسبب ظلمهم وكفرهم فصح أن يكون جزاء لذلك وههنا سؤالان: السؤال الأول: لم عم جميع الناس ومن يوافقه لا يلعنه؟. قلنا: فيه وجوه الأول: قال أبو مسلم له أن يلعنه وإن كان لا يلعنه الثاني: أنه في الآخرة يلعن بعضهم بعضاً قال تعالى: {أية : كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا }تفسير : [الأعراف: 38] وقال: {أية : ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً } تفسير : [العنكبوت: 25] وعلى هذا التقدير فقد حصل اللعن للكفار من الكفار والثالث: كأن الناس هم المؤمنون، والكفار ليسوا من الناس، ثم لما ذكر لعن الثلاث قال: {أَجْمَعِينَ } الرابع: وهو الأصح عندي أن جميع الخلق يلعنون المبطل والكافر، ولكنه يعتقد في نفسه أنه ليس بمبطل ولا بكافر، فإذا لعن الكافر وكان هو في علم الله كافراً، فقد لعن نفسه وإن كان لا يعلم ذلك. السؤال الثاني: قوله {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } أي خالدين في اللعنة، فما خلود اللعنة؟. قلنا: فيه وجهان الأول: أن التخليد في اللعنة على معنى أنهم يوم القيامة لا يزال يلعنهم الملائكة والمؤمنون ومن معهم في النار فلا يخلو شيء من أحوالهم، من أن يلعنهم لاعن من هؤلاء الثاني: أن المراد بخلود اللعن خلود أثر اللعن، لأن اللعن يوجب العقاب، فعبر عن خلود أثر اللعن بخلود اللعن، ونظيره قوله تعالى: {أية : مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وِزْراً * خَـٰلِدِينَ فِيهِ } تفسير : [طه: 100، 101] الثالث: قال ابن عباس قوله {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } أي في جهنم فعلى هذا الكناية عن غير مذكور، واعلم أن قوله {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } نصب على الحال مما قبله، وهو قوله تعالى: {عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ }. ثم قال: {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } معنى الانظار التأخير قال تعالى: {أية : فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ }تفسير : [البقرة: 280] فالمعنى أنه لا يجعل عذابهم أخف ولا يؤخر العقاب من وقت إلى وقت وهذا تحقيق قول المتكلمين: إن العذاب الملحق بالكافر مضرة خالصة عن شوائب المنافع دائمة غير منقطعة، نعوذ منه بالله. ثم قال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } والمعنى إلا الذين تابوا منه، ثم بيّن أن التوبة وحدها لا تكفي حتى ينضاف إليها العمل الصالح فقال: {وَأَصْلَحُواْ } أي أصلحوا باطنهم مع الحق بالمراقبات وظاهرهم مع الخلق بالعبادات، وذلك بأن يلعنوا بأنا كنا على الباطل حتى أنه لو اغتر بطريقتهم الفاسدة مغتر رجع عنها. ثم قال: {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وفيه وجهان الأول: غفور لقبائحهم في الدنيا بالستر، رحيم في الآخرة بالعفو الثاني: غفور بإزالة العقاب، رحيم بإعطاء الثواب، ونظيره قوله تعالى: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } تفسير : [الأنفال: 38] ودخلت الفاء في قوله {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لأنه الجزاء، وتقدير الكلام: إن تابوا فإن الله يغفر لهم.
القرطبي
تفسير : قال ٱبن عباس: إن رجلاً من الأنصار أسلم ثم ٱرتدّ ولحق بالشرك ثم ندم؛ فأرسل إلى قومه: سَلُوا لِي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي مِنْ توبة؟ فجاء قومُه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل له من توبة؟ فنزلت {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} إلى قوله: {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فأرسل إليه فأسلم. أخرجه النسائي. وفي رواية: أن رجلاً من الأنصار ٱرتدّ فلحق بالمشركين، فأنزل الله {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ} إلى قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} فبعث بها قومُه إليه، فلما قرئت عليه قال: والله ما كذَبني قومي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أكذبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله، والله عز وجل أصدق الثلاثة؛ فرجع تائباً، فقبِل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركه. وقال الحسن: نزلت في اليهود لأنهم كانوا يبشِّرون بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ويَسْتَفْتِحون على الذِين كفروا؛ فلما بُعِث عانَدُوا وكفروا، فأنزل الله عز وجل {أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}. ثم قيل: «كيف» لفظة ٱستفهام ومعناه الجحْد، أي لا يهدي الله. ونظيره قوله: {أية : كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ} تفسير : [التوبة: 7] أي لا يكون لهم عهد؛ وقال الشاعر:شعر : كيف نومي على الفِراش ولَمَّا يشمل القومَ غارةٌ شَعْواءُ تفسير : أي لا نوم لي. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} يقال: ظاهر الآية أَنَّ مَن كفر بعد إسلامه لا يهديه الله ومن كان ظالماً، لا يهديه الله؛ وقد رأينا كثيراً من المرتدِّين قد أسلموا وهداهم الله، وكثيراً من الظالمين تابوا عن الظلم. قيل له: معناه لا يهديهم الله ما داموا مقيمين على كفرهم وظلمهم ولا يُقبِلون على الإسلام؛ فأما إذا أسلموا وتابوا فقد وفقهم الله لذلك. والله تعالى أعلم.
البيضاوي
تفسير : {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ} استبعاد لأن يهديهم الله فإن الحائد عن الحق بعد ما وضح له منهمك في الضلال بعيد عن الرشاد. وقيل نفي وإنكار له وذلك يقتضي أن لا تقبل توبة المرتد، {وَشَهِدُواْ} عطف على ما في {أَيْمَـٰنِهِمْ} من معنى الفعل ونظيره فأصدق وأكن، أو حال بإضمار قد من كفروا وهو على الوجهين دليل على أن الإِقرار باللسان خارج عن حقيقة الإِيمان. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} الذين ظلموا أنفسهم بالإِخلال بالنظر ووضع الكفر موضع الإِيمان فكيف من جاءه الحق وعرفه ثم أعرض عنه.
ابن كثير
تفسير : قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع البصري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم، فأرسل إلى قومه أن: سلوا لي رسول الله، هل لي من توبة؟ فنزلت: {كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ} إلى قوله {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فأرسل إليه قومه، فأسلم، وهكذا رواه النسائي والحاكم وابن حبان من طريق داود بن أبي هند، به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقال عبد الرزاق: أنبأنا جعفر ابن سليمان، حدثنا حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: جاء الحارث بن سويد، فأسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كفر الحارث، فرجع إلى قومه، فأنزل الله فيه: {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} إلى قوله {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قال: فحملها إليه رجل من قومه، فقرأها عليه، فقال الحارث: إنك ـ والله ما علمت ـ لصدوق، وإن رسول الله لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة، قال: فرجع الحارث، فأسلم، فحسن إسلامه، فقوله تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتٌُ} أي: قامت عليهم الحجج والبراهين على صدق ما جاءهم به الرسول، ووضح لهم الأمر، ثم ارتدوا إلى ظلمة الشرك، فكيف يستحق هؤلاء الهداية بعدما تلبسوا به من العماية؟ ولهذا قال تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}. ثم قال تعالى: { أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أي: يلعنهم الله، ويلعنهم خلقه، {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} أي: في اللعنة، {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي: لا يفتر عنهم العذاب، ولا يخفف عنهم ساعة واحدة، ثم قال تعالى: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وهذا من لطفه وبره ورأفته ورحمته وعائدته على خلقه؛ أن من تاب إليه، تاب عليه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {كَيْفَ } أي لا {يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَٰنِهِمْ وَشَهِدُواْ } أي شهادتهم {أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَ} قد {جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ } الحجج الظاهرات على صدق النبي صلى الله عليه وسلم {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ } أي الكافرين.
الشوكاني
تفسير : قوله: {كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا } هذا الاستفهام معناه الجحد، أي: لا يهدي الله، ونظيره قوله تعالى: {أية : كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 7] أي: لا عهد لهم، ومثله قول الشاعر:شعر : كَيْفَ نَومْي عَلى الفِراش ولما تَشْمل الشَامَ غَارة شَعْواءُ تفسير : أي: لا نوم لي. ومعنى الآية: لا يهدي الله قوماً إلى الحق كفروا بعد إيمانهم، وبعدما شهدوا أن الرسول حق، وبعد ما جاءتهم البينات من كتاب الله سبحانه، ومعجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } جملة حالية، أي: كيف يهدي المرتدّين، والحال أنه لا يهدي من حصل منهم مجرد الظلم؛ لأنفسهم، ومنهم الباقون على الكفر، ولا ريب أن ذنب المرتدّ أشدّ من ذنب من هو باق على الكفر؛ لأن المرتدّ قد عرف الحق، ثم أعرض عناداً، وتمرّداً. قوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى القوم المتصفين بتلك الصفات السابقة، وهو: مبتدأ خبره الجملة التي بعده. وقد تقدّم تفسير اللعن. وقوله: {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } معناه: يؤخرون ويمهلون. ثم استثنى التائبين: فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ }: أي: من بعد الارتداد {وَأَصْلَحُواْ } بالإسلام ما كان قد أفسدوه من دينهم بالردّة. وفيه دليل على قبول توبة المرتد إذا رجع إلى الإسلام مخلصاً، ولا خلاف في ذلك فيما أحفظ. قوله: {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً }. قال قتادة، وعطاء الخراساني، والحسن: نزلت في اليهود، والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بنعته، وصفته: {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً } بإقامتهم على كفرهم، وقيل: ازدادوا كفراً بالذنوب التي اكتسبوها، ورجحه ابن جرير الطبري، وجعلها في اليهود خاصة. وقد استشكل جماعة من المفسرين قوله تعالى: {لن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} مع كون التوبة مقبولة، كما في الآية الأولى، وكما في قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ }تفسير : [الشورى: 25] وغير ذلك، فقيل: المعنى: لن تقبل توبتهم بعد الموت. قال النحاس: وهذا قول حسن، كما قال تعالى: {أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَـٰتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنّى تُبْتُ ٱلآنَ } تفسير : [النساء: 18] وبه قال الحسن، وقتادة، وعطاء، ومنه الحديث: «حديث : إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»تفسير : ؛ وقيل: المعنى: لمن تقبل توبتهم التي كانوا عليها قبل أن يكفروا؛ لأن الكفر أحبطها، وقيل: لمن تقبل توبتهم إذا تابوا من كفرهم إلى كفر آخر، والأولى أن يحمل عدم قبولهم التوبة في هذه الآية على من مات كافراً غير تائب، فكأنه عبر عن الموت على الكفر بعدم قبول التوبة، وتكون الآية المذكورة بعد هذه الآية، وهي قوله: {إِن ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ } في حكم البيان لها. قوله: {مّلْء ٱلأرْضِ ذَهَبًا } الملء بالكسر مقداراً ما يملأ الشيء، والملء بالفتح: مصدر ملأت الشيء، و{ذهبا} تمييز، قاله الفراء وغيره. وقال الكسائي: نصب على إضمار من ذهب. كقوله: {أية : أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً } تفسير : [المائدة: 95] أي: من صيام. وقرأ الأعمش: «ذهب» بالرفع على أنه بدل من ملء، والواو في قوله: {وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ } قيل: هي مقحمة زائدة، والمعنى: لو افتدى به. وقيل: فيه حمل على الغنى كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية، ولو افتدى بملء الأرض ذهباً. وقيل: هو عطف على مقدر، أي: لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً لو تصدق به في الدنيا، ولو افتدى به من العذاب أي: بمثله. وقد أخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتد، ولحق بالمشركين، ثم ندم، فأرسل إلى قومه: أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لي من توبة؟ فنزلت: {كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ } إلى قوله: {غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فأرسل إليه قومه، فأسلم. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد نحوه، وقال: هو الحارث بن سويد. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن السدي نحوه، وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، عن ابن عباس، نحوه أيضاً. وقد روى عن جماعة نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: {كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ }. قال: هم أهل الكتاب من اليهود عرفوا محمداً، ثم كفروا به. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن الحسن قال: هم أهل الكتاب من اليهود، والنصارى، وذكر نحو ما تقدّم عنه. وأخرج البزار، عن ابن عباس: أن قوماً أسلموا، ثم ارتدوا، ثم أسلموا، ثم ارتدوا، فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْرًا } قال السيوطي: هذا خطأ من البزار. وأخرج ابن جرير، عن الحسن في الآية قال: اليهود، والنصارى لن تقبل توبتهم عند الموت. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية قال: هم اليهود كفروا بالإنجيل، وعيسى، ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في الآية قال: إنما نزلت في اليهود، والنصارى كفروا بعد إيمانهم، ثم ازدادوا كفراً بذنوب أذنبوها، ثم ذهبوا يتوبون من تلك الذنوب في كفرهم، ولو كانوا على الهدى قبلت توبتهم، ولكنهم على الضلالة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله: {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً } قال: نموا على كفرهم. وأخرج ابن جرير، عن السدي في قوله: {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً } قال: ماتوا وهم كفار: {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } قال: إذا تاب عند موته لم تقبل توبته. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله: {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } قال: تابوا من الذنوب، ولم يتوبوا من الأصل. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: {وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ } قال: هو كل كافر. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يجاء بالكافر يوم القيامة، فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به، فيقول نعم، فيقال له لقد سئلت ما هو أيسر من ذلك، فذلك قوله تعالى: {إِن ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ...} "تفسير : الآية.
الماوردي
تفسير : قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَن تُقْبَلَ تَوبَتُهُمْ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنهم اليهود كفروا بالمسيح ثم ازدادوا كفراً بمحمد لن تقبل توبتهم عند موتهم، وهذا قول قتادة. والثاني: أنهم أهل الكتاب لن تقبل توبتهم من ذنوب ارتكبوها مع الإقامة على كفرهم، وهذا أبي العالية. والثالث: أنهم قوم ارتدوا ثم عزموا على إظهار التوبة على طريق التورية، فأطلع الله نبيهَّ وعلى سريرتهم، وهذا قول ابن عباس. والرابع: أنهم اليهود والنصارى كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم به قبل مبعثه، ثم ازدادوا كفراً إلى حضور آجالهم، وهذا قول الحسن.
ابن عطية
تفسير : قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآيات من قوله: {كيف يهدي الله} نزلت في الحارث بن سويد الأنصاري، كان مسلماً ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة؟ قال: فنزلت {كيف يهدي الله} الآيات، إلى قوله {إلا الذين تابوا} فأرسل إليه قومه فأسلم، وقال مجاهد: حمل الآيات إليه رجل من قومه فقرأها عليه، فقال له الحارث، إنك والله لما علمت لصدوق، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة، قال: فرجع الحارث فأسلم وحسن إسلامه، وقال السدي: نسخ الله تعالى، بقوله: {إلا الذين تابوا} قوله {أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله}. قال الفقيه أبو محمد: وفي هذه العبارة تجوز كثير، وليس هذا بموضع نسخ، وقال عكرمة: نزلت هذه الآية في أبي عامر الراهب والحارث بن سويد بن الصامت ووحوح بن الأسلت في اثني عشر رجلاً، رجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش ثم كتبوا إلى أهليهم هل لنا من توبة؟ فنزلت هذه الآيات وقال ابن عباس أيضاً والحسن بن أبي الحسن: إن هذه الآيات نزلت في اليهود والنصارى، شهدوا بنعت الرسول صلىالله عليه وسلم وآمنوا به، فما جاء من العرب حسدوه، وكفروا به ورجح الطبري هذا القول، وقال النقاش: نزلت هذه الآيات في طعيمة بن أبيرق. وقال الفقيه القاضي: وكل من ذكر فألفاظ الآية تعممه. وقوله تعالى: {كيف} سؤال عن حال لكنه سؤال توقيف على جهة الاستبعاد للأمر كما قال عليه السلام: كيف تفلح أمة أدمت وجه نبيها؟ فالمعنى أنهم لشدة هذه الجرائم يبعد أن يهديهم الله تعالى، وقوله تعالى: {وشهدوا} عطف على {كفروا} بحكم اللفظ، والمعنى مفهوم أن الشهادة قبل الكفر، والواو لا ترتب، وقال قوم: معنى قوله {بعد إيمانهم} بعد أن آمنوا فقوله {وشهدوا} عطف على هذا التقدير، وقوله تعالى {والله لا يهدي القوم الظالمين} عموم معناه الخصوص فيمن حتم كفره وموافاته عليه، ويحتمل أن يريد الإخبار عن أن الظالم في ظلمه ليس على هدى من الله، فتجيء الآية عامة تامة العموم، و"اللعنة" الإبعاد وعدم الرحمة والعطف، وذلك مع قرينة الكفر زعيم بتخليدهم في النار، ولعنة الملائكة قول، و {الناس}: بنو آدم، ويظهر من كلام أبي علي الفارسي في بعض تعاليقه، أن الجن يدخلون في لفظة الناس، وأنشد على ذلك، [الوافر] شعر : فقلتُ إلى الطَّعامِ فَقَالَ مِنْهُمْ أُناسٌ يَحْسُدُ الأَنَسَ الطَّعاما تفسير : قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والذي يظهر، أن لفظة {الناس} إذا جاءت مطلقة، فإنما هي في كلام العرب بنو آدم لا غير، فإذا جاءت مقيدة بالجن، فذلك على طريقة الاستعارة، إذ هي جماعة كجماعة، وكذلك {أية : برجال من الجن} تفسير : [الجن: 6] وكذلك {أية : نفر من الجن} تفسير : [الجن: 1]، ولفظة النفر أقرب إلى الاشتراك من رجال وناس، وقوله تعالى: {أية : من الجنة والناس} تفسير : [الناس: 6] قاض بتباين الصنفين، وقوله تعالى: {والناس أجمعين} إما يكون لمعنى الخصوص في المؤمنين ويلعن بعضهم بعضاً، فيجيء من هذا في كل شخص منهم أن لعنة جميع الناس، وإما أن يريد أن هذه اللعنة تقع في الدنيا من جميع الناس على من هذه صفته، وكل من هذه صفته - وقد أغواه الشيطان- يلعن صاحب الصفات ولا يشعر من نفسه أنه متصف بها، فيجيء من هذا أنهم يلعنهم جميع الناس في الدنيا حتى أنهم ليلعنون أنفسهم، لكن على غير تعيين، والضمير في قوله: {خالدين فيها} قال الطبري: يعود على عقوبة الله التي يتضمنها معنى اللعنة، وقال قوم من المفسرين: الضمير عائد على اللعنة. قال الفقيه الإمام أبو محمد: وقرائن الآية تقتضي أن هذه اللعنة مخلدة لهم في جهنم: فالضمير عائد على النار، وإن كان لم يجر لها ذكر، لأن المعنى يفهمها في هذا الموضع كما يفهم قوله تعالى: {أية : كل من عليها فان} تفسير : [الرحمن: 26] أنها الأرض، وقد قال بعض الخراسانيين في قوله تعالى: {أية : إنما أنت منذر من يخشاها} تفسير : [النازعات: 45] إن الضمير عائد على النار و {ينظرون} في هذه الآية، بمعنى يؤخرون، ولا راحة إلا في التخفيف أو التأخير فهما مرتفعان عنهم، ولا يجوز أن يكون {ينظرون} هنا من نظر العين إلا على توجيه غير فصيح لا يليق بكتاب الله تعالى وقوله جل وعز {إلا الذين تابوا} استثناء متصل يبين ذلك قوله تعالى: {من بعد ذلك} التوبة: الرجوع، والإصلاح عام في القول والعمل، وقوله تعالى: {فإن الله غفور رحيم} وعد، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "والناس أجمعون".
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ...} الآيات: قال ابنُ عَبَّاس: نَزَلَتْ هذه الآياتُ من قوله: {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ} في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ الأنْصَارِيِّ، كان مُسْلِماً، ثم ٱرتدَّ وَلحِقَ بالشرك، ثم نَدِمَ، فأرْسَلَ إلَى قَوْمِهِ؛ أنْ سَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فنزلَتِ الآياتُ إلى قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ}، فأرسلَ إلَيْهِ قومُهُ، فأسْلَمَ، قال مجاهدٌ: وحَسُنَ إسْلاَمُهُ، وقال ابنُ عَبَّاسٍ أيضًا والحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ: نَزلَتْ في اليَهُودِ والنَّصَارَىٰ، شهدوا ببَعْثِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وآمنوا به، فلَمَّا جاء من العَرَب، حَسَدُوه، وكَفَرُوا به، ورجَّحه الطبري. وقال النقِّاش: نزلَتْ في طُعَيْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ. قال * ع *: وكُلُّ مَنْ ذُكِرَ، فألفاظ الآيةِ تعمُّه. وقوله تعالى: {كَيْفَ}: سؤالٌ عن حال لكنَّه سؤال توقيفٍ علَىٰ جهة الاستبعادِ للأمْر، فالمعنَىٰ أنهم لشدَّة هذه الجرائِمِ يبعد أنْ يهديَهُم اللَّه جميعًا، وباقي الآيةِ بيِّن. قال الفَخْر: وٱستعظم تعالَىٰ كُفْرَ هؤلاء المرتدِّين بَعْدَ حصولِ هذه الخِصَالِ الثَّلاث؛ لأن مثل هذا الكُفْر يكونُ كالمعانَدَة والجُحُود؛ وهذا يدلُّ على أنَّ زَلَّة العالِمِ أقبَحُ مِنْ زلَّة الجَاهل. اهـــ.
ابن عادل
تفسير : الاستفهام فيه كقوله: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ }تفسير : [البقرة: 28]. وقيل: الاستفهام - هنا - معناه النَّفْي كقوله: [الخفيف] شعر : 1532- كَيْفَ نَوْمي عَلَى الْفِرَاش وَلَمَّا تَشمَلِ الشَّامَ غَارَةٌ شَعْوَاءُ؟ تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 1533- فَهَذِي سُيُوفٌ يَا صُدَيُّ بْنَ مَالِكٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ كَيْفَ بِالسَّيْفِ ضَارِبُ؟ تفسير : يعني: أين بالسيف؟ {وَشَهِدُوۤاْ} في هذه الجملة ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنها معطوفة على "كَفَرُوا" و "كَفَرُوا" في محل نَصْب؛ نعتاً لِـ "قوماً" أي: كيف يهدي من جمع بين هذين الأمرين، وإلى هذا ذهب ابنُ عطيةَ والحَوْفِيُّ وأبو البقاء، وردَّه مكيّ، فقال: لا يجوز عطف "شَهِدُوا" على "كَفَرُوا" لفساد المعنى. ولم يُبَيِّن جهَةَ الفساد، فكأنه فهم الترتيب بين الكفر والشهادة، فلذلك فَسَد المعنى عنده. وهذا غير لازم؛ فإن الواو لا تقتضي ترتيباً، ولذلك قال ابن عطيةَ: "المعنى مفهوم أن الشهادة قبل الكُفْر، والواو لا تُرَتِّب". الثاني: أنها في محل نصب على الحال من واو "كَفَرُوا" فالعامل فيها الرافع لصاحبها، و "قد" مضمرة معها على رأي - أي كفروا وقد شهدوا، وإليه ذهب جماعةٌ كالزمخشريِّ، وأبي البقاء وغيرهما. قال أبو البقاء: "ولا يجوز أن يكون العامل "يَهْدِي"؛ لأنه يهدي من شَهِدَ أن الرسولَ حق". يعني أنه لا يجوز أن يكون حالاً من "قَوْماً" والعاملُ في الحالِ "يَهْدِي" لما ذكر من فساد المعنى. الثالث: أن يكون معطوفاً على "إيمَانِهِمْ" لما تضمَّنه من الانحلال لجملة فعلية؛ إذ التقدير: بعد أن آمنوا وشهدوا، وإلى هذا ذهب جماعة. قال الزمخشريُّ: أن يُعْطَف على ما في "إيمانهم" من معنى الفعل؛ لأن معناه: بعد أن آمنوا، كقوله: {أية : فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن} تفسير : [المنافقون: 10] وقول الشاعر: [الطويل] شعر : 1534- مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً وَلاَ نَاعِبٍ إلاَّ بِبَيْنٍ غُرَابُهَا تفسير : وجه تنظيره ذلك بالآية والبيت يوهم ما يسوِّغ العطف عليه في الجملة، كذا يقول النحاة: جزم على التوهم أي لسقوط الفاء؛ إذْ لو سقطت لانجزم في جواب التحضيض، ولذا يقولون: توهَّم وجودَ الباء فَجَرَّ. وفي العبارة - بالنسبة إلى القرآن - سوء أدبٍ، ولكنهم لم يقصدوا ذلك. وكان تنظير الزمخشري بغير ذلك أولى، كقوله: {أية : إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} تفسير : [الحديد: 18]. إذ هو في قوة: إن الذين تصدقوا وأقرضوا. وقال الواحدي: "عطف الفعل على المصدر؛ لأنه أرادَ بالمصدر الفعلَ، تقديره: كفروا بالله بعد أن آمنوا، فهو عطف على المعنى، كقوله: [الوافر] شعر : 1535- لَلُبْسُ عَبَاءةٍ وَتَقَرُّ عَيْنِي أحَبُّ إلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ تفسير : معناه: لأن ألبس عباءةً وتقرَّ عيني". وظاهر عبارة الزمخشري والواحدي أن الأول مؤوَّل لأجل الثاني، وهذا ليس بظاهر؛ لأنا إنما نحتاج إلى ذلك لكون الموضع يطلب فِعْلاً، كقوله: {إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ} لأن الموصول يطلب جملة فعلية، فاحتجنا أن نتأول اسم الفاعل بفعله، وعطفنا عليه و "أقرضُوا" وأما "بعد إيمانهم" وقوله: "للبس عباءة"، فليس الاسم محتاجاً إلى فِعل، فالذي ينبغي هو أن نتأوَّل الثاني باسم؛ ليصحَّ عطفه على الاسم الصريح قبله، وتأويله بأن تأتي معه بـ "أن" المصدريَّة مقدَّرةً، تَقْدِيرُهُ: بعد إيمانهم وأن شهدوا أي وشهادتهم، ولهذا تأول النحويون قوله: للُبْسُ عباءة وتقرَّ: وأن تَقَرَّ، إذ التقدير: وقرة عيني، وإلى هذا ذهب أبو البقاء، فقال: "التقدير: بعد أن آمنوا وأن شهدوا، فيكون في موضع جر، يعني أنه على تأويل مصدر معطوف على المصدر الصحيح المجرور بالظرف". وكلام الجرجاني فيه ما يشهد لهذا، ويشهد لتقدير الزمخشريِّ؛ فإنه قال: قوله "وَشَهِدُوا" منسوق على ما يُمْكن في التقدير، وذلك أن قوله: "بعد إيمانهم" يمكن أن يكون: بعد أن آمنوا، و "أن" الخفيفة مع الفعل بمنزلة المصدر، كقوله: {أية : وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُم} تفسير : [البقرة: 184]، أي: والصوم. ومثله مما حُمِل فيه على المعنى قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِل} تفسير : [الشورى: 51] فهو عطف على قوله: "إلا وحياً" ويمكن فيه: إلاَّ أن يُوحِيَ إليه، فلما كان قوله: "إلا وحياً" بمعنى: إلا أن يُوحِي إليه، حمله على ذلك. ومثله من الشعر: [الطويل] شعر : 1536- فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَيْنِ مُنْضِجٍ صَفِيفَ شواءٍ أوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلِ تفسير : خفض قوله: قدير؛ لأنه عطف على ما يمكن في قوله: منضج؛ لأنه أمكن أن يكون مضافاً إلى الصفيف، فحملَه على ذلك، فإتيانه بهذا البيت نظير إتيان الزمخشريِّ بهذه الآيةِ الكريمةِ والبيت المتقدميْن؛ لأنه جر "قدير" - هنا - على التوهُّم، كأنه توهَّم إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله؛ تخفيفاً، فَجرَّ على التوهُّم كما توهم الآخر وجود الباء في قوله: ليسوا مصلحين؛ لأنها كثيراً ما تزاد في خبر "ليس". فإن قيل: إذا كان تقدير الآية: كيف يهدي اللهُ قوماً كفروا بعد الإيمانِ وبعد الشهادةِ بأن الرسول حق، وبعد أن جاءَهم البيِّنات، فعطف الشهادة بأن الرسول حَقٌّ يقتضي أنه مغاير للإيمان. فالجواب: أن الإيمان هو التصديق بالقلب، والشهادة هي الإقرار باللسان، فهما متغايران. وقوله: "أن الرسول" الجمهور على أنه وَصْف بمعنى المُرْسَل، وقيل: هو بمعنى الرسالةِ، فيكون مصدراً، وقد تقدم. فصل في سبب النزول أقوالٌ: الأول: قال ابنُ عباسٍ: نزلت في عشرة رهط، كانوا آمنوا، ثم ارتدُّوا، ولَحِقُوا بمكةَ، ثم اخذوا يتربصون به ريب المنون، فأنزل اللهُ فيهم هذه الآيةَ، وكان منهم مَنْ آمن، فاستثنى التائبَ منهم بقوله: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} تفسير : [البقرة: 160]. الثاني: رُوِيَ - أيضاً - عن ابن عباسٍ أنها نزلت في يهود قُرَيْظَةَ والنضير، ومن دان بدينهم، كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا مؤمنين به قبل بَعْثه، وكانوا يشهدون له بالنبوةِ، فلما بُعثَ، وجاءهم بالبينات والمعجزات كفروا بَغياً وَحَسَداً. الثالث: نزلت في الحرث بن سُوَيْد الأنصاري حين ندم على رِدَّتِه، فأرسل إلى قومه أن سَلُوا: هل لي من توبة؟ فأرسل إليه أخوه بالآية، فأقبل إلى المدينة، وتاب، وقبل الرسولُ صلى الله عليه وسلم توبته. قال القفال: للناس في هذه الآية قولان: منهم من قال: إنَّ قوله تعالى: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِينا} تفسير : [آل عمران: 85] وما بعده إلى قوله {أية : وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ} تفسير : [آل عمران: 90] نزل جميعه في قصة واحدة، ومنهم من قال: ابتداء القصة من قوله "إلا الذين تابوا" إلى "إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار" على التقديرين ففيها - أيضاً - قولان: أحدهما: أنها في أهل الكتاب. والثاني: أنها في قوم مرتدين عن الإسلام، آمنوا ثم ارتدوا. فصل قالت المعتزلةُ: أصولنا تشهد بأن الله هدى جميعَ الخلقِ إلى الدِّينِ؛ بمعنى: التعريف ووضع الدلائل وفعل الألطاف، فلو لم يَعُمّ الكُلَّ بهذه الأشياء لصار الكافرُ والضالُّ معذوراً، ثم إنه تعالى - حكم بأنه لم يَهْدِ هؤلاء الكفارَ، فلا بد من تفسير هذه الهدايةِ بشيء آخرَ سوى نَصْب الدلائل، ثم ذكروا فيه وجوهاً: الأول: أن المراد من هذه الهداية منع الألطاف التي يؤتيها المؤمنين؛ ثواباً لهم على إيمانهم، كقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}تفسير : [العنكبوت: 69] وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى} تفسير : [محمد: 17] وقوله: {أية : يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَه} تفسير : [المائدة: 16] فهذه الآيات تدل على أن المهتدي قد يزيده الله هدًى. الثاني: أن المراد أنه - تعالى - لا يهديهم إلى الجنة، قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّم} تفسير : [النساء: 168-169] وقال: {أية : يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَار} تفسير : [يونس: 9]. والثالث: أنه لا يمكن أن يكون المرادُ من الهداية خلق المعرفة فيه؛ لأنه - على هذا التّقْدِيرِ - يلزم أن يكون الكفر - أيضاً - من الله؛ لأنه - تعالى - إذا خلق المعرفةَ فيه كان مؤمناً مهتدياً، وإذا لم يخلقها كان كافراً ضَالاً، وإذا كان الكفر من الله - تعالى - لم يَصِحّ أن يذُمَّهم الله - تعالى - على الكفر، ولم يَصِحّ أن يُضاف الكفرُ إليهم، لكن الآية ناطقة بأنهم مذمومون بسبب الكفر، وكونهم فاعلين للكفر، فإنه قال: {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ}؟ فأضاف الكفر إليهم، وذمَّهم عليه. وقال أهل السنة: المرادُ من الهداية خلق المعرفة، وقد جَرَت سُنَّة اللهِ في دار التكليفِ أن كلِّ فِعْلٍ يقصد العبد إلى تحصيله، فإن الله - تعالى - يخلقه عقيب القصد من العبد، فكأنه - تعالى - قال: كيف يخلق الله فيهم المعرفةَ والهدايةَ وهم قصدوا تحصيلَ الكفر وأرادوه؟ فإن قيل: قال - في أول الآية -: {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ} وقوله في آخرها: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} يقتضي التكرار. فالجواب: أن الأولَ مخصوص بالمرتد، والثاني عمّ ذلك الحكم في المرتد والكافر الأصلي، وسمي الكافر ظالماً؛ لقوله: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13] والسبب فيه أن الكافر أوْرد نفسَه مواردَ البلاء والعقاب؛ بسبب ذلك الكفر، فكان ظالماً لنفسه. قال القرطبي: "فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي أن مَنْ كفر بعد إسلامه لا يهديه اللهُ، ومن كان ظالماً لا يهديه الله، وقد رأينا كثيراً من المرتدين أسلموا وهداهم اللهُ، وكثيراً من الظالمين تابوا عن الظُّلْم. فالجواب: أن معناه لا يهديهم الله ما داموا مقيمين على كُفْرِهم وظُلْمهم ولا يُقبِلون على الإسلام، فأما مَنْ أسلموا وتابوا فقد وَفَّقَهُمُ اللهُ لذلك".
السيوطي
تفسير : أخرج النسائي وابن حبان وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار فأسلم ثم ارتد ولحق بالمشركين، ثم ندم فأرسل إلى قومه: أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل لي من توبة؟ فنزلت {كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم} إلى قوله {فإن الله غفور رحيم} فأرسل إليه قومه فأسلم. وأخرج عبد الرزاق ومسدد في مسنده وابن جرير وابن المنذر والباوردي في معرفة الصحابة قال: جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كفر فرجع إلى قومه، فأنزل الله فيه القرآن {كيف يهدي الله قوماً كفروا} إلى قوله {رحيم} فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه فقال الحارث: إنك ـ والله ـ ما علمت لصدوق، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق منك، وأن الله عز وجل لأصدق الثلاثة. فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن السدي في قوله {كيف يهدي الله قوماً} الآية قال: أنزلت في الحارث بن سويد الأنصاري، كفر بعد إيمانه. فأنزلت فيه هذه الآيات، ثم نزلت {إلا الذين تابوا...} الآية. فتاب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن مجاهد في قوله {كيف يهدي الله قوماً...} الآية. قال: نزلت في رجل من بني عمرو بن عوف كفر بعد إيمانه فجاء الشام. وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن مجاهد في الآية قال: هو رجل من بني عمرو بن عوف كفر بعد إيمانه قال: قال ابن جريج، أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: لحق بأرض الروم فتنصَّر، ثم كتب إلى قومه: أرسلوا هل لي من توبة؟ فنزلت {إلا الذين تابوا} فآمن ثم رجع. قال ابن جريج: قال عكرمة: نزلت في أبي عامر الراهب، والحارث بن سويد بن الصامت، ووحوح بن الأسلت، في اثني عشر رجلاً رجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش. ثم كتبوا إلى أهلهم هل لنا من توبة؟! فنزلت {إلا الذين تابوا من بعد ذلك...} الآيات. وأخرج ابن إسحق وابن المنذر عن ابن عباس، أن الحارث بن سويد قتل المجدر بن زياد، وقْيس بن زيد أحد بني ضبيعة يوم أحد، ثم لحق بقريش فكان بمكة، ثم بعث إلى أخيه الجلاس يطلب التوبة ليرجع إلى قومه. فأنزل الله فيه {كيف يهدي الله قوماً} إلى آخر القصة. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح مولى أم هانئ، أن الحرث بن سويد بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لحق بأهل مكة، وشهد أحداً فقاتل المسلمين، ثم سقط في يده فرجع إلى مكة، فكتب إلى أخيه جلاس بن سويد يا أخي إني ندمت على ما كان مني، فأتوب إلى الله وأرجع إلى الإسلام؟ فاذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن طمعت لي في توبة فاكتب إليَّ. فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله {كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم} فقال قوم من أصحابه ممن كان عليه يتمنع ثم يراجع الإسلام. فأنزل الله {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون}. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم} قال: هم أهل الكتاب عرفوا محمداً ثم كفروا به. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في الآية قال: هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رأوا نعت محمد في كتابهم، وأقرُّوا به، وشهدوا أنه حق. فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك، فأنكروه وكفروا بعد اقرارهم حسداً للعرب حين بعث من غيرهم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ} الآية. مَنْ أبعده عن استحقاق الوصلة في سابق حكمه فمتى يقربه من بساط الخدمة بفعله في وقته؟ ويقال: الذي أقصاه حكم (الأول) متى أدناه صدق العمل؟ والله غالبٌ على أمره.
البقلي
تفسير : {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ} الاية اى من فطرة الله على غير استعداد المعرفة وحكم عليه بالكفر فى سابق الازل لم يهده الى مشاهدة الايمان واليقين لان الاستعداد من لوازم المعرفة ومن لم يكن له استعداد الطريقة لم يقع فى قلبه انوار التجلى ومن خاض فى بحر القهر ولزم فى قعر بعد البعد لم يكن له سبيل الى حال قربا لقرب قال الاستاد من عبده عن استحقاق الوصلة فى سابق حكمه حتى يقربه من بساط الخدمة بفضله فى وقته وقيل من اقصاه حكم الازل متى ادناه صدق العمل والله غالب على امره.
اسماعيل حقي
تفسير : {كيف يهدى الله} الى الحق {قوما كفروا بعد ايمانهم} قيل هم عشرة رهط ارتدوا بعدما آمنوا ولحقوا بمكة وهو استبعاد لان يهدى قوما هم معاندون للحق مكابرون فيه غير خاضعين بان يخلق فيهم الاهتداء ويوفقهم لا كتساب الاهتداء وانما يخلق الاهتداء ويوفق على كسب ذلك ويقدر هم عليه اذا كانوا خاضعين متواضعين للحق راغبين فيه فالمراد من الهداية خلق الاهتداء وقد جرت سنة الله فى دار التكليف على ان كل فعل يقصد العبد الى تحصيله فان الله تعالى يخلقه عقيب قصد العبد فكأنه تعالى قال كيق يخلق فيهم المعرفة والاهتداء وهو قصدوا تحصيل الكفر وارادوه {وشهدوا ان الرسول حق} اى صادق فيما يقول {وجاءهم البينات} اى الشاهد من القرآن على صدقه. قوله وشهدوا عطف على ايمانهم باعتبار انحلاله الى جملة فعليه فانه فى قوة ان يقال بعد ان آمنوا وبعد ان شهدوا وهو دليل على ان الاقرار باللسان خارج عن حقيقة الايمان ضرورة ان المعطوف مغاير للمعطوف عليه {والله لا يهدى القوم الظالمين} اى الذين ظلموا انفسهم بالاخلال بالنظر ووضع الكفر موضع الايمان فكيف من جاء الحق وعرفه ثم اعرض عنه. فان قيل ظاهر الآية يقتضى ان من كفر بعد اسلامه لا يهديه الله ومن كان ظالما لا يهديه الله وقد رأينا كثيرا من المرتدين اسلموا وهداهم وكثيرا من الظالمين تابوا عن الظلم. فالجواب ان معناه لا يهديهم ما داموا مقيمين على الرغبة فى الكفر وفى الثبات عليه ولا يقبلون على الاسلام واما اذا تحروا اصابة الحق والاهتداء بالادلة المنصوبة فحينئذ يهديهم الله بخلق الاهتداء فيهم.
الطوسي
تفسير : النزول: قال الحسن: نزلت هذه الآية في أهل الكتاب الذين كانوا يؤمنون بالنبي (صلى الله عليه وسلم) قبل مبعثه بما يجدونه في كتبهم من صفاته ودلائله، فلما بعثه الله جحدوا ذلك، وانكروه.. وقال مجاهد، والسدي: نزلت في رجل من الانصار يقال له الحارث بن سويد ارتد عن الاسلام، ثم تاب، وحسن إسلامه فقبل الله إسلامه بقوله: {إلا الذين تابوا} فيما بعد تمام الآية. وكذلك رويناه عن أبي عبد الله (ع) وقيل نزلت في قوم أرادوا من النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يحكم لهم بالاسلام، وفي قلوبهم الكفر، فاطلعه الله على أسرارهم وما في ضمائرهم. اللغة، والمعنى: وقوله {كيف} أصلها للاستفهام، والمراد بها ها هنا إنكار أن تقع هذه الهداية من الله تعالى. وإنما دخل (كيف) معنى الانكار مع أن أصلها الاستفهام، لأن المسئول يسأل عن أغراض مختلفة، فقد يسأل للتعجيز عن إقامة البرهان، وقد يسأل للتوبيخ مما يظهر من معنى الجواب في السؤال، وقد يسأل لما يظهر فيه من الانكار، فالأصل فيه الاستفهام، لكن من شأن العالم إذا أورد مثل هذا أن يصرف إلى غير الاستعلام إلا أنه يراد من المسئول طلب الجواب، فان قيل كيف خص هؤلاء المذكورون بمجيىء البينات مع أنها قد جاءت كل مكلف للايمان قيل عنه جوابان: أحدهما - لأن البينات التي جاءتهم هي ما في كتبهم من البشارة بالنبي (صلى الله عليه وسلم). الثاني - للتبعيد من حال الهداية والتفحيش لتجويزها في هذه الفرقة. وقوله: {والله لا يهدي القوم الظالمين} فالهداية ها هنا تحتمل ثلاثة أشياء. أولها سلوك طريق أهل الحق المهتدين بهم في المدح لهم والثناء عليهم. الثاني - في اللفظ الذي يصلح به من حسنت نيته. وكان الحق معتمده، وهو أن يحكم لهم بالهداية. الثالث - في ايجاب الجواب الذي يستحقه من خلصت طاعته، ولم يحبطهما بسوء عمله. فان قيل كيف أطلق قوله: {والله لا يهدي القوم الظالمين} مع قوله {فأما ثمود فهديناهم} قلنا: لأنه لا يستحق اطلاق الصفة بالهداية إلا على جهة المدحة كقوله أولئك الذين هدى الله. فأما بالتقييد، فيجوز لكل مدلول إلى طريق الحق اليقين. وليس في الآية ما يدل على صحة الاحباط، للايمان ولا إحباط المستحق عليه من الثواب، لأنه لم يجر لذلك ذكر. وقوله: {كفروا بعد إيمانهم} يعني بعد إظهارهم الايمان وشهادتهم أن الرسول حق، وإن كانوا في باطنهم منافقين. وليس فيها أنهم كانوا في باطنهم مؤمنين مستحقين للثواب، فزال ذلك بالكفر فلا متعلق بذلك في صحة الاحباط.
الجنابذي
تفسير : {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ} اشارة الى المرتدّ الملّىّ اى لا يهديه الله الى الايمان فانّ الاسلام طريق الايمان وهدايةٌ اليه او الى الآخرة والجنان {قَوْماً كَفَرُواْ} بالله او بالرّسول او بما جاء به من الاحكام او بقوله فى حقّ خليفته {بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} ايماناً عامّاً بالبيعة العامّة او ايماناً خاصّاً بالبيعة الخاصّة {وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ} عطف على ايمانهم بتقدير اداة المصدر او على كفروا او حال بتقدير قد {وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} المعجزات او الادلّة الواضحات على حقّيّة الرّسول {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} جملة حاليّة فى مقام التّعليل والمعنى لا يهديهم لانّهم ظلموا أنفسهم وقواهم وظلموا الاسلام وصاحب الاسلام بخروجهم عنه والله لا يهدى القوم الظالمين فهو اشارة على قياس اقترانىّ من الشّكل الاوّل هكذا: انّهم ظالمون وكلّ ظالم لا يهديه الله فانّهم لا يهديهم الله.
اطفيش
تفسير : {كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءهُمُ الْبَيِّنَاتُ}: الاستفهام للاستبعاد، والهداية هنا بمعنى التوفيق لا بمعنى البيان، استبعد الله أن يوفقهم الهدى والحال أنه معاندون مكابرون، وإنما يوفق الله الكافر إذا خضع، لأن يرى الحق ما هو ويجوز أن يكون الاستفهام للنفى بهذا المعنى، وإما أن يكون للنفى بمعنى أنه لا تقبل توبة المرتد أصلا، فلا يجوز لاتفاق الأمة على قبولها، وشهدوا: مقدر بحرف المصدر، أى وإن شهدوا - بفتح الهمزة - فيأول الفعل بمصدر معطوف على إيمانهم، أى بعد إيمانهم وشهادتهم، ويجوز أن يكون من العطف على المعنى المسمى فى غير القرآن عطف توهم، وذلك أن المعنى بعد أن آمنوا وشهدوا، كقوله {أية : فأصدق وأكن}.تفسير : سأل سيبويه الخليل فقال: جزم أكن لأن أصدق يجزم لو سقط الفاء قبله، ويجوز أن يكون شهدوا حالا من واو كفروا، أو من منع قرن لجملة الماضوية بواو الحال، قدر قد، فتكون قد وما بعدها حالا، والآية دليل لبعض أصحابنا، ولجمهور الأشعرية على أن الإيمان تصديق القلب، وأما الإقرار فللعبادة، والإعلام بما فى القلب وللأحكام، وذلك أن الشهادة باللسان، وقد ذكرت بعد الإيمان ولجمهور أصحابنا، وبعض الأشعرية: أن يقولوا ذكر الشهادة بعد الإيمان ذكر للجزء بعد ذكر الكل، الحكمة فى ذلك لجزء، وهو الإقرار من حيث إنه المشاهد، دون ما فى قلوبهم، وذلك أن جمهورنا وبعض الأشعرية، يقولون: إن الإيمان التصديق والإقرار معاً فى الشرع، وإنه لا يخرج من الشرك إن اقتصر على التصديق دون الإقرار، والرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والبينات: المعجزات، وآيات القرآن. قال ابن عباس والحسن: نزلت الآية فى اليهود والنصارى، شهدوا ببعث النبى صلى الله عليه وسلم، وآمنوا به، لنعته فى كتبهم، فلما جاء من العرب حسدوه، وكفروا به، مع أنه قد جاءهم بالبينات، ورجح الطبرى هذا، وفى رواية عن ابن عباس نزلت فى الحار ابن سويد الأنصارى كان مسلماً ثم أرتد، ولحق بمكة ثم سأل هل لهُ توبة، فنزلت الآية إلى قوله {أية : إلا الذين تابوا}تفسير : وقال النقاش: نزلت فى طعيمة بن أبيرق، وقال مجاهد: فى رجل من بنى عمرو بن عوف كفر بعد إيمانه، ولعله عنى به الحارث بن سويد، ويشمل ذلك كله غير ما رويت عن ابن عباس، أولا ما قيل أنها نزلت فى اثنى عشر رجلا ارتدوا ولحقوا بمكة، منهم الحارث وطعيمة المذكوران، ووجوج بن الأسلت. {وَاللَّهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}: أى لا يهديهم، فوضع الظاهر موضع المضمر، ليصفهم بالظلم، أى والله لا يهدى هؤلاء الكاملين فى الظلم فهذا تأكيد لقوله {كيف يهدى الله. .} إلخ، ويجوز أن يفسر القوم الظالمون بالعموم، فيشتمل القوم فى قوله {كَيفَ يَهدِى الله قَوماً..} إلخ، وغيرهم من كل ظالم، والظالم من نقض خط نفسه بالكفر، ووضع الشىء فى غير موضعه، إذ وضعوا الكفر موضع الإيمان، أو قصر فى النظر، والمصدق واحد، ويجوز أن يراد غير القوم المذكورين أولا، فيكون هذا كالحجة على الكلام السابق، فإنه إذا كان الظالم الذى هو مشرك باق على شركه، لا يهدى ما دام فى رغبته فى الظلم، فكيف يهدى من آمن وجاءه الحق مقرراً بما آمن به، ثم أعرض وكفر.
اطفيش
تفسير : {كيْفَ يَهْدِى اللهُ} هداية توفيق، وأما هداية بيان فوقعت لهم {قَوْماً} هم هؤلاء الاثنا عشر المرتدون، استبعد هدايتهم أو نفاها، لأنهما كهم فى الضلال بالردة بعد غاية وضوح دين الإسلام، كما قال {كَفَرُوا بَعْدِ إِيَمَانِهم} وذلك فى الاثنى عشر المذكورين، قضى الله عليهم ألا يتوبوا إلا الحارث بن سويد، وليس كل مرتد لا يتوب، فإن بعض المرتدين تابوا وأصلحوا، وقد شرط الله تعالى فى خذلانهم قوله: {أية : فيمت وهو كافر} تفسير : [البقرة: 217]، فيجوز أن يموت المرتد بعد توبته من الردة، والآية استبعاد لتوبة المرتد، لا نفى، أو هى نفى فى حق الاثنى عشر، لعلم الله أنهم لم يتوبوا من قلوبهم، ولا يصلحون، ولو أرسلوا من مكة إلى أهلهم بالمدينة، انظروا، هل لنا من توبة، فالآية مؤيسة لهم عن أن يوفقوا، وقيل الآية فى اليهود والنصارى، آمنوا به صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، ولما بعث كفروا حسدا، إذ كان من غيرهم {وَشَهِدُوا أن الرَّسُولَ حَقٌ} عطف على المعنى كما يقال فى غير القرآن عطف توهم، كأنه قيل بعد ما آمنوا وشهدوا فهو محفوظ بعد إيمانهم وشهادتهم أن الرسول حق، أو حذف حرف المصدر، أى وما شهدوا، أى وشهادتهم، أو نزل الفعل منزلة الاسم، كما هو أحد أوجه فى، تسمع بالمعيدى خبر من أن تراه، أو كفروا والحال أنهم قد شهدوا أن الرسول حق، والآية دليل على أن الإقرار، غير الإيمان، بل الإيمان تصديق بالقلب، والإقرار وهو الشهادة إخبار باللسان عما فى القلب، وقد يشهد ويقر ويوهم أن قلبه مواطىء للسانه وليس كذلك، ولا يكفى الاعتقاد عن الإقرار فى التوحيد عند الجمهور، وذلك أن العطف يقتضى التغاير والقيد، وهو الحال مثلا غير المقيد وَجَآءَهُمُ البَيِّنَاتُ} الحجج الظاهرة على صدق النبى صلى الله عليه وسلم عطف على شهدوا، أو المراد، والحال أنهم جاءهم البينات {وَاللهُ لاَ يَهْدِى القَوْمَ الظالِمِينَ} هؤلاء المرتدين أو مطلق الكافرين بالردة أو بغيرها فقد ظلم نفسه وغيره. {أُوْلَئِكَ جَزَآءُهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}.
الالوسي
تفسير : {كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ } إلى الدين الحق {قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ } أخرج عبد بن حميد وغيره عن الحسن أنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى رأوا نعت محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم وأقروا وشهدوا أنه حق فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك فأنكروه وكفروا بعد إقرارهم حسداً للعرب حين بعث من غيرهم. وأخرج ابن أبـي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس مثله، وقال عكرمة: هم أبو عامر الراهب والحرث بن سويد في اثني عشر رجلاً رجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش ثم كتبوا إلى أهلهم هل لنا من توبة؟ فنزلت الآية فيهم وأكثر الروايات على هذا والمراد من الآية استبعاد أن يهديهم ـ أي يدلهم دلالة موصلة ـ لا مطلق الدلالة قاله بعضهم، وقيل: إن المعنى كيف يسلك بهم سبيل المهديين بالإثابة لهم والثناء عليهم وقد فعلوا ما فعلوا، وقيل: إن الآية على طريق التبعيد كما يقال: كيف أهديك إلى الطريق وقد تركته أي لا طريق يهديهم به إلى الإيمان إلا من الوجه الذي هداهم به وقد تركوه ولا طريق غيره، وقيل: إن المراد كيف يهديهم إلى الجنة ويثيبهم والحال ما ترى؟! {وَشَهِدُواْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ } وهو محمد صلى الله عليه وسلم {حَقّ } لا شك في رسالته {وَجَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ } أي البراهين والحجج الناطقة بحقية ما يدعيه، وقيل: القرآن، وقيل: ما في كتبهم من البشارة به عليه الصلاة والسلام، {وَشَهِدُواْ } عطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل لأنه بمعنى آمنوا، والظاهر أنه عطف على المعنى كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُصَّدّقِينَ وَٱلْمُصَّدّقَـٰتِ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ}تفسير : [الحديد: 18] لا على التوهم كما توهم؛ واختار بعضهم تأويل المعطوف ليصح عطفه على الاسم الصريح قبله بأن يقدر معه أن المصدرية أي: وإن شهدوا أي وشهادتهم على حد قوله:شعر : ولبس عباءة وتقرّ عيني أحب إليّ من لبس الشفوف تفسير : وإلى هذا ذهب الراغب وأبو البقاء، وجوز عطفه على {كَفَرُواْ } وفساد المعنى يدفعه أن العطف لا يقتضي الترتيب فليكن المنكر الشهادة المقارنة بالكفر أو المتقدمة عليه، واعترض بأن الظاهر تقييد المعطوف بما قيد به المعطوف عليه وشهادتهم هذه لم تكن بعد إيمانهم بل معه أو قبله؛ وأجيب بالمنع لأنه لا يلزم تقييد/ المعطوف بما قيد به المعطوف عليه ولو قصد ذلك لأخر، وقيل: يمنع من ذلك العطف أنهم ليسوا جامعين بين الشهادة والكفر، وأجيب بالمنع بل هم جامعون وإن لم يكن ذلك معاً، ومن الناس من جعله معطوفاً على {كَفَرُواْ } ولم يتكلف شيئاً مما ذكر، وزعم أن ذلك في المنافقين وهو خلاف المنقول والمعقول، والأكثرون من المحققين على اختيار الحالية من الضمير في {كَفَرُواْ } وقد معه مقدرة، ولا يجوز أن يكون العامل ـ يهدي ـ لأنه يهدي من شهد أن الرسول حق وعليه، وعلى تقدير العطف على الإيمان استدل على أن الإقرار باللسان خارج عن حقيقة الإيمان، ووجه ذلك أن العطف يقتضي بظاهره «المغايرة» بين المعطوف والمعطوف عليه وأن الحالية تقتضي التقييد ولو كان الإقرار داخلاً في حقيقة الإيمان لخلا ذكره عن الفائدة، ولو كان عينه يلزم تقييد الشيء بنفسه ولا يخفى ما فيه، وادعى بعضهم أن المراد من الإيمان الإيمان بالله، ومن الشهادة المذكورة الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم، والأمر حينئذ واضح فتدبر. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ } أي الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بالإخلال بالنظر، ووضع الكفر موضع الإيمان فكيف من جاءه الحق وعرفه ثم أعرض عنه؛ ويجوز حمل الظلم مطلقه فيدخل فيه الكفر دخولاً أولياً، والجملة اعتراضية أو حالية.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي يناسب ما سبقه من التنويه بشرف الإسلام. (وكيف) استفهام إنكاري والمقصود إنكار أن تحصل لهم هداية خاصة وهي إما الهداية الناشئة عن عناية الله بالعبد ولطفه به، وإسنادها إلى الله ظاهر؛ وإما الهداية الناشئة عن إعمال الأدلة والاستنتاج منها، وإسنادُها إلى الله لأنّه موجد الأسباب ومسبّباتها. ويجوز أن يكون الاستفهام مستعملاً في الاستبعاد، فإنهم آمنوا وعلموا ما في كتب الله، ثمّ كفروا بعد ذلك بأنبيائهم، إذ عبدَ اليهود الأصنام غير مرة، وعبد النصارى المسِيح، وقد شهدوا أنّ محمداً صادق لقيام دلائل الصدق، ثم كابروا، وشككوا الناس. وجاءتهم الآيات فلم يتعظوا، فلا مطمع في هديهم بعد هذه الأحوال، وإنما تسري الهداية لمن أنصف وتهيّأ لإدراك الآيات دون القوم الذين ظلموا أنفسهم. وقيل نزلت في اليهود خاصّة. وقيل نزلت في جماعة من العرب أسلموا ثم كفروا ولحقوا بقريش ثم ندموا فراسلوا قومهم من المسلمين يسألونهم هل من توبة فنزلت، ومِنهم الحارث بن سويد، وأبو عامر الراهب، وطُعيمة بن أُبَيْرِق. وقوله: {وشهدوا} عطف على {إيمانهم} أي وشهادتهم، لأنّ الاسم الشبيه بالفعل في الاشتقاق يحسن عطفه على الفعل وعطفُ الفعل عليه.
الواحدي
تفسير : {كيف يهدي الله} هذا استفهامٌ معناه الإِنكار، أَيْ: لا يهدي الله {قوماً كفروا بعد إيمانهم} أَي: اليهود كانوا مؤمنين بمحمَّدٍ عليه السَّلام قبل مبعثه، فلمَّا بُعث كفروا به، وقوله: {وشهدوا} أَيْ: وبعد أنْ شهدوا {أنَّ الرسول حقٌّ وجاءهم البينات} ما بيِّن في التَّوراة {والله لا يهدي القوم الظالمين} أَيْ: لا يرشد مَنْ نقض عهود الله بظلم نفسه. {أولئك جزاؤهم أنَّ عليهم لعنة الله} مثل هذه الآية ذُكر في سورة البقرة. {إلاَّ الذين تابوا من بعد ذلك} أَيْ: راجعوا الإِيمان بالله وتصديق نبيِّه {وأصلحوا} أعمالهم. {إنَّ الذين كفروا بعد إيمانهم} وهم اليهود {ثم ازدادوا كفراً} بالإِقامة على كفرهم {لن تقبل توبتهم} لأنهم لا يتوبون إلاَّ عند حضور الموت، وتلك التَّوبة لا تُقبل. {إنَّ الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً} وهو القدر الذي يملؤها. يقول: لو افتدى من العذاب بملء الأرض ذهباً لم يُقبل منه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 86- إن الله لا يوافق قوماً شهدوا بأن الرسول حق، وجاءتهم الأدلة على ذلك، ثم بعد ذلك كفروا به، وبمعجزاته، فكان ذلك ظلماً منهم، والله لا يوفق الظالمين. 87- أولئك عقوبتهم عند الله استحقاق غضبه عليهم، ولعنته، ولعنة صفوة الخلق جميعاً من ملائكة وبشر. 88- لا تفارقهم اللعنة، ولا يخفف عنهم العذاب، ولا هم يمهلون. 89- لكن الذين أقلعوا عن ذنوبهم، ودخلوا فى أهل الصلاح وأزالوا ما أفسدوا، فإن الله تعالى يغفر لهم برحمته ذنوبهم، لأن المغفرة والرحمة صفتان من صفات ذاته العلية. 90- وإن قبول التوبة والرحمة بالغفران شرطهما الاستمرار على الإيمان، فالذين يجحدون الحق بعد الإذعان والتصديق، ويزدادون بهذه الردة جحوداً وفساداً وإيذاء للمؤمنين، لن يقبل الله سبحانه وتعالى - توبتهم لأنها لا يمكن أن تكون صادقة خالصة، وقد صاروا بعملهم بعيدين عن الحق منصرفين عنه. 91- وإن الذين جحدوا الحق ولم يذعنوا له واستمروا عليه حتى ماتوا وهم جاحدون، لن يستطيع أحدهم أن يفتدى نفسه من عذاب الله - سبحانه وتعالى - شيئاً، ولو كان الذى يقدمه فدية له ما يملأ الأرض من الذهب إن استطاع، وعذابهم مؤلم شديد الإيلام. 92- لن تنالوا - أيها المؤمنون - الخير الكامل الذى تطلبونه ويرضاه الله تعالى، إلا إذا بذلتم مما تحبون وأنفقتموه فى سُبُل الله المتنوعة، وإن كان الذى تنفقونه قليلا أو كثيراً، نفيساً أو غيره، فإن الله يعلمه لأنه العليم الذى لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كيف يهدي الله قوما: الإستفهام هنا للإستبعاد، والهداية الخروج من الضلال. البينات: الحجج من معجزات الرسل وآيات القرآن المبيّنة للحق في المعتقد والعمل. الظالمين: المتجاوزين الحد في الظلم المسرفين فيه حتى أصبح الظلم وصفاً لازماً لهم. لعنة الله: طرد الله لهم من كل خير، ولعنة الملائكة والناس دعاؤهم عليهم بذلك. ولا هم ينظرون: ولا هم يمهلون من أَنْظَره إذا أمهله ولم يعجِّل بعذابه. أصلحوا: أصلحوا ما أفسدوه من أنفسهم ومن غيرهم. معنى الآيات : ما زال السياق في أهل الكتاب وإن تناولت غيرهم ممن ارتد عن الإِسلام من بعض الأنصار ثم عاد إلى الإِسلام فأسلم وحسن إسلامه ففي كل هؤلاء يقول تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} فقد كفر اليهود بعيسى عليه السلام، وشهدوا أن الرسول محمداً حق وجاءتهم الحجج والبراهين على صدق نبوته وصحة ما جاء به من الدين الحق، والله حسب سنته في خلقه لا يهدي من أسرف في الظلم وتجاوز الحد فيه فأصبح الظلم طبعاً من طباعه فلهذا كانت هداية من هذه حاله مستبعدة للغاية، وإن لم تكن مستحيلة ثم أخبر تعالى عنهم متوعداً لهم فقال: {أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} {خَالِدِينَ فِيهَا} أي في تلك اللعنة الموجبة لهم عذاب النار {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي ولا يمهلون ليعتذروا، أولا يخفف عنهم العذاب. ثم لما لم تكن توبتهم مستحيلة ولأن الله تعالى يحب توبة عباده ويقبلها منهم قال تعالى فاتحاً باب رحمته لعباده مهما كانت ذنوبهم {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} الكفر والظلم، {وَأَصْلَحُواْ} نفوسهم بالإِيمان وصالح الأعمال {فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فكان هذا كالوعد منه سبحانه وتعالى بأن يغفر لهم ذنوبهم ويرحمهم بدخول الجنة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- التوغل في الشر والفساد أو الظلم والكفر قد يمنع العبد من التوبة. ولذا وجب على العبد إذا أذنب ذنباً أن يتوب منه فوراً، ولا يواصله مصراً عليه خشية أن يحال بينه وبين التوبة. 2- التوبة مقبولة متى قامت على أسسها واستوفت شروطها ومن ذلك الإِقلاع عن الذنب فوراً، والندم على ارتكابه، والاستغفار والعزم على العودة إلى الذنب الذي تاب منه، وإصلاح ما أفسده مما يمكن إصلاحه.
القطان
تفسير : كيف يوفق الله أو يهدي قوماً تركوا الطريق المستقيم بعد ان شهدوا ان الرسول حق، وجاءتهم الشواهد القاطعة على ذلك من القرآن وسائر المعجزات! انهم يستحقون سخط الله وغضبه، وسخط الملائكة والناس أجمعين، خالدين في هذه اللعنة الى الأبد. ولن يخفف الله عنهم العذاب ولن يُمهلهم عنه.. إلا الذين تابوا من ذنوبهم نادمين عليها ثم أصلحوا أنفسهم. هؤلاء يغفر الله لهم ذنوبهم ويرحمهم، لأن ذلك من صفاته. روى كثير من المحدّثين وأصحاب السِير أن أبا عامر الراهب وسويد بن الحارث وجماعةً من الأنصار ارتدّوا عن الإسلام وذهبوا الى قريش، ثم ندم سويد ونفر منهم فكتبوا الى أهلهم: هل لنا من توبة، فنزلت هذه الآية. فعاد سويد ومن معه وحسُن اسلامهم. وأصر أبو عامر وجماعة ولحقوا ببلاد الروم وماتوا على الكفر.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِيمَانِهِمْ} {ٱلْبَيِّنَاتُ} {ٱلظَّالِمِينَ} (86) - أَسْلَمَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ ثُمَّ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِالشِّرْكِ، ثُمَّ نَدِمَ فَأَرْسَلَ إلَى قَوْمِهِ أنْ اسْألُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وَمَا بَعْدَهَا فَعَادَ إلى الإِسْلاَمِ. فَالذِينَ يَرْتَدُّونَ عَنِ الإِسْلاَمِ بَعْدَ أنَ تَبَّينَ لَهُمْ هُدَاهُ، وَقَامَتَ لَدَيْهِمِ البَرَاهِينُ عَلَى صِدْقِهِ، وَصِدْقِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ الرَّسُولُ، كَيْفَ يَسْتَحِقُونَ الهِدَايَةَ؟ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إنَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَالِمِينَ أنْفُسَهُمْ، الجَانِينَ عَلَيهَا، لأَنَّهُمْ تَنَكَّبُوا عَنِ الطَّرِيقِ القَوِيمِ، وَتَرَكُوا هِدَايَةَ العَقْلِ، بَعْدَ أنْ ظَهَرَ نُورُ النُّبُوَّةِ، وَعَرَفُوهُ بِالبَيِّنَاتِ.
الثعلبي
تفسير : {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ}: لفظه استفهام ومعناه جحد، أي لا يهدي الله. قال الشاعر: شعر : كيف نومي على الفراش ولمّا تشمل الشام غارة شعواء تفسير : أي لا نوم لي، نظير قوله: {أية : كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ} تفسير : [التوبة: 7]: أي لا يكون لهم عهد، وقيل: معناه كيف يستحقون العبادة؟ وقيل: معناه كيف يهديهم الله للمغفرة إلى الجنّة والثواب؟ {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [التوبة: 19] أي لا يرشدهم ولا يوفقهم، وهو خاص فيمن علم الله عز وجل منهم، وأراد ذلك منهم، وقيل: معناه: لا يثيبهم ولا ينجيهم [إلى الجنة]. {أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ...} [آل عمران: 87] إلى قوله: {إِلا الَّذِينَ تَابُوا} وذلك أنّ الحرث بن سويد لما لحق بالكفار ندم، فأرسل إلى قومه أن اسألوا رسول الله هل له من توبة؟ ففعلوا ذلك فأنزل الله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 89] لما كان، فحملها إليه رجل من قومه وقرأها عليه، فقال الحرث: إنّك والله ما علمت لصدوق، وأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق منك، وأنّ الله عز وجل لأصدق الثلاثة، فرجع الحرث إلى المدينة وأسلم وحسن إسلامه. وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في رجل من بني عمرو بن عوف كفر بعد إيمانه ولحق بالروم فتنصّر، فأنزل الله عز وجل فيه هذه الآيات: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً...}. قال الحسن وقتادة وعطاء الخراساني: نزلت هذه الآية في اليهود، كفروا بعيسى (عليه السلام) والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم، ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. أبو العالية: نزلت في اليهود والنصارى، كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم لما رأوه وعرفوه بعد إيمانهم بنعته وصفته في كتبهم، ثم ازدادوا ذنوباً في حال كفرهم. مجاهد: نزلت في الكفار كلهم، أشركوا بعد إقرارهم بأنّ الله خالقهم، ثم ازدادوا كفراً أي أقاموا على كفرهم حتى هلكوا عليه. الحسن: كلّما نزلت عليم آية كفروا بها فازدادوا كفراً. قطرب: كما ازدادوا كفراً بقولهم نتربص بمحمد ريب المنون. الكلبي: نزلت في أحد عشر أصحاب الحرث بن سويد، لما رجع الحرث قالوا: نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا، فمتى ما أردنا الرجعة رجعنا، فينزل فينا ما نزل في الحرث، فلمّا فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دخل في الإسلام من دخل منهم فقبلتْ توبته، فنزل فيمن مات منهم كافراً {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ} الآية، فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} وقد سبقت حكمة الله تعالى في قبول توبة من تاب؟ قلنا: اختلف العلماء فيه، فقال بعضهم: لن يقبل توبتهم عند الغرغرة والحشرجة. قال الحسن وقتادة وعطاء: لن يقبل توبتهم لأنّهم لا يؤمنون إلاّ عند حضور الموت، قال الله تعالى: {أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ...} تفسير : [النساء: 18]الآية. مجاهد: لن يقبل توبتهم بعد الموت إذا ماتوا على الكفر. ابن عباس وأبو العالية: لن يقبل توبتهم ما أقاموا على كفرهم {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً} أي حشوها، وقدر ما يملأ الأرض من شرقها إلى غربها ذهباً، نصب على التفسير في قول الفراء. وقال المفضّل: ومعنى التفسير أن يكون الكلام تاماً وهو مبهم، كقولك: عندي عشرون، فالعدد معلوم والمعدود مبهم، وإذا قلت: عشرون درهماً فسّرت العدد، وكذلك إذا قلت: هو أحسن الناس، فقد أخبرت عن حسنه ولم تبين في أي شيء هو، فإذا قلت: وجهاً أو فعلا منه فإنّك بيّنته ونصبته على التفسير، وإنّما نصبته لأنّه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه، فلمّا خلا من هذين نصب لأنّ النصب أخف الحركات فجُعل لكل ما لا عامل فيه، وقال الكسائي: نصب ذهباً على إضمار من، أي من ذهب كقولهم: وعدل ذلك صياماً أي من صيام. {وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ}: روى قتادة عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟ فيقول: نعم، فيقال لقد سئلت ما هو أيسر من ذلك"تفسير : ، قال الله: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [آل عمران: 91]. {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ}: يعني الجنّة، قاله ابن عباس ومجاهد وعمر بن ميمون والسدّي، وقال عطية: يعني الطاعة. أبو روق: يعني الخير، مقاتل بن حيان: التقوى، الحسن: لن يكونوا أبرارا. {حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}: أي مما تهوون ويعجبكم من كرائم أموالكم وأحبّها إليكم طيّبة بها أنفسكم، صغيرة في أعينكم. مجاهد والكلبي: هذه الآية منسوخة، نسختها آية الزكاة. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: أراد بهذه الآية الزكاة يعني: حتى تخرجوا زكاة أموالكم، وقال عطاء: لن تنالوا شرف الدين والتقوى حتى تتصدقوا وأنتم أصحّاء أشحّاء، تأملون العيش، وتخشون الفقر، وقال الحسن: كل شيء أنفقه المسلم من ماله يبتغي به وجه الله تعالى فإنّه من الذي عنى الله سبحانه بقوله: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} حتى التمرة. حديث : وروي أنّ أبا طلحة الأنصاري كان من أكثر الأنصار نخلا بالمدينة، وكان أحب أمواله إليه بئر ماء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلمّا نزلت {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله إنّ الله يقول: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} وإنّ أحبّ أموالي إليّ بئر ماء وإنّها صدقة أرجو برّها وذخرها عند الله عز وجل، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بخ بخ، ذلك مال رابح لك وقد عرفت ما قلت، وإنّي أرى أن تجعلها في الأقربين" . تفسير : فقال له: أفعل يا رسول الله، فقسّمها في أقاربه وبني عمّه. وروى معمّر عن أيوب وغيره قال: لما نزلت: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} حديث : جاء زيد بن حارثة بفرس كانت له يحبّها وقال: هذه في سبيل الله، فحمل عليها النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد. فكان زيداً واجداً في نفسه وقال: إنّما أردت أن أتصدق به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أما إنّ الله قد قبلها منك" . تفسير : وقال حوشب: حديث : لمّا نزلت {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ} قالت امرأة لجارية لها لا تملك غيرها: أعتقك وتقيمين معي غير أنّي لست أشرط عليك ذلك، فقالت: نعم، فلمّا أعتقتها ذهبت وتركتها فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته به فقال النبي صلى الله عليه وسلم "دعيها فقد حجبتك عن النار، وإذا سمعت بسبيي قد جاءني فأتيني" . تفسير : وروى شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قالوا: كتب عمر بن الخطّاب (رضي الله عنه) أن يبتاع جارية من سبي جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى، فقال سعد بن أبي وقاص: فدعا بها عمر فأعجبته فقال: إنّ الله عز وجل يقول: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} فأعتقها. وروى حمزة بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر قال: خطرت على قلبي هذه الآية: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ...} فتذكرت ما أعطاني الله، فما كان شيء أعجب إليّ من فلانة فقلت: هي حرة لوجه الله، ولولا أنني لا أعود في شيء جعلته لله عز وجل لنكحتها. ويقال: ضاف أبا ذر الغفاري ضيف فقال للضيف: إنّي مشغول فاخرج إلى أبواء فإنّ لي بها إبلا فأتني بخيرها، فذهب وجاء بناقة مهزولة فقال له أبو ذر: جئتني بشرها، فقال: وجدت خير الإبل فحلها فتذكرت يوم حاجتكم إليه، فقال أبو ذر: إنّ يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي مع أنّ الله عز وجل يقول: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}. وعن رجل من بني سليم يقال له عبد الله بن سيدان عن أبي ذر قال: في المال ثلاث شركاء: القدر لا يستأمرك أن تذهب بخيرها أو شرها من هلاك أو موت أو فعل، والوارث ينتظرك أن تضع رأسك ثم يستاقها وأنت ذميم، والثالث أنت فإن استطعت أن لا يكون أعجب إليك مالا فإنّ الله عز وجل يقول: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}، وإنّ هذا الجمل كان مما أحب من مالي فأحببت أن أقدّمه لنفسي. وروي عن ربيع بن خيثم أنّه وقف سائل على بابه، فقال: أطعموه سكراً فقيل: ما يصنع هذا بالسكّر فنطعمه خبزاً فهو أنفع له، فقال: ويحكم أطعموه سكّراً ؛ فإنّ الربيع يحب السكّر. وروي عن الربيع بن خيثم أيضاً أنّه جاءه سائل في ليلة باردة، فخرج إليه فرآه كأنّه مقرور قال: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} فنزع برتشاً له وأعطاه إياه وذكر أنّه كساه عروة. وبلغنا أن زبيدة أم جعفر اتخذت مصحفاً في تسعين قطعة كتب بالذهب على الرق وجعلت ظهورها من الذهب مرصعة بالجواهر، فبينما هي تقرأ القرآن ذات يوم فقرأت هذه الآية، فلم يكن شيء أحبّ إليها من المصحف، فقالت: عليَّ بالصاغة، فأمرت بالذهب والجواهر حتى بيعت وأمرت حتى حفرت الآبار وأشرف الحياض بالبادية. وقال أبو بكر الورّاق: دلّهم بهذه الآية على الفتوة، وقال: لن تنالوا برّي بكم إلاّ ببرّكم أخوانكم والإنفاق عليهم من أموالكم وجاهكم وما تحبّون، فإذا فعلتم ذلك نالكم برّي وعطفي. {وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}: أي فإنّ الله يجازي عليه لأنّه إذا علمه جازى عليه، وتأويل (ما) تأويل الشرط والجزاء وموضعها نصب لينفقوا، المعنى: وأي شيء ينفقون فإنّ الله به عليم.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إننا نرى هنا الأسلوب البديع؛ إن الحق سبحانه يدعونا أن نتعجب من قوم كفروا بعد الإيمان، إنهم لو لم يعلنوا الإيمان من قبل لقلنا: إنهم لم يذوقوا حلاوة الإيمان، لكن الذي آمن وذاق حلاوة الإيمان كيف يقبل على نفسه أن يذهب إلى الكفر ؟ إنه التمرد المركب. وقد يتساءل إنسان قائل: ما دام الله لم يهدهم، فما ذنبهم؟ نقول له: يجب أن تتذكر ما نكرره دائماً، لتتضح القضية في الذهن لأنها قضية شائعة وخاصة عند غير الملتزمين، الذين يقول الواحد منهم: إن الله لم يرد هدايتي، فماذا أفعل أنا؟ إن ذلك استدلال لتبرير الانحراف ومثل هذا القول لا يصدر إلا من المسرف على نفسه، ولا يأتي هذا القول أبداً من طائع لله، إن الذي يقول: "إن المعصية إنما أرادها الله مني، فما ذنبي؟" يجب أن يعرف أن الطاعة من الله، فلماذا لم يقل: "إن الطاعة من الله فلماذا يثيبنا عليها؟ لماذا تغفل أيها العاصي عن ذكر ثواب الطاعة، وتقف عند المعصية وتقول: "إن الله قد كتب على المعصية فلماذا يعذبني؟" كان يجب أن نقول أيضاً: "ما دام قد كتب علي الطاعة فلماذا يعطيني عليها ثواباً؟". إننا نقول لمن يبرر لنفسه الانحراف: إنك تريد أن تأخذ من الطاعة ثوابها، وتريد أن تهرب من عقاب المعصية. وأنت تحتاج إلى أن تفهم الأمر على حقيقته، لقد قلت من قبل: إن "الهداية" تأتي بمعنيين "هَدَى" أي دل على الطريق الموصلة للغاية المرجوة ولم يصنع شيئاً أكثر من ذلك والمثال هو إشارات المرور الصماء؛ إن كل إشارة توضح طريقاً معينا وتهدي إليه، وإشارة أخرى توضح طريقاً آخر وتهدي إليه. ولا يوجد أحد عند هذه الإشارة يأخذ بيد إنسان ويقول له: أنا سآخذ بيدك وأصلح العربة عندما تقف منك، أو أركب معك لأوصلك إلى غايتك. إن هذه الإشارة هي هداية فقط، إي أنها دلالة على الطريق الموصلة إلى الغاية المرجوة والله سبحانه وتعالى قد هدى الناس جميعاً المؤمن منهم والكافر أيضاً، أي دلّهم سبحانه على الطريق الموصل للغاية. وانقسم الناس بعد ذلك إلى قسمين: قسم قبِل هذا المنهج وارتضاه وسار كما يريد الله، وساعة أن راح هذا المؤمن إلى جناب الله وآمن به، فكأن الحق يقول له: إنك آمنت بي وبمنهجي، لذلك ستكون لك جائزة أخرى، وهي أن أعينك وأخفف عليك الأمور، وهذه هي الهداية الثانية التي يعطيها الله جائزة لمن آمن به وارتضى منهجه وتعني "المعونة"، إن الله يعطي عبده المؤمن حلاوة الطاعة، ويجعله مقبلاً عليها بنشاط. إذن فالهداية تكون مرة "دلالة" وتكون مرة ثانية "معونة" إنني أكرر هذا القول حتى يتضح الأمر في أذهاننا جميعاً، ولنذكره دائماً، ونقول: مَن يعين الإنسان؟ إن الذي يعينه هو من آمن به، أما من كفر بالله، فلا يعينه الله. وسبق أن قلت مثلاً - وما زلت أضربه -: إن إنساناً ما يسير في طريق ثم التبس عليه الطريق الموصل للغاية كالمسافر إلى الإسكندرية مثلاً، وبعد ذلك وجد شرطياً واقفاً فسأله: أين الطريق إلى الإسكندرية؟ فيشير الشرطي إلى الطريق الموصل إلى الإسكندرية قائلاً للسائل: هذا هو الطريق الصحيح إلى الإسكندرية. إن الشرطي هنا قد دل هذا الإنسان، لكن عندما يقول السائل للشرطي: "الحمد لله أنني وجدتك هنا لأنك يسرت لي السبيل" فهذا القول يأسر قلب الشرطي، فيزيد من إرشاداته للسائل ويوضح له بالتفصيل الدقيق كيف يصل إلى الطريق، وينبهه إلى أي عقبة قد تعترضه، وإن زاد السائل في شكره للشرطي، فإن ذلك يأسر وجدان الشرطي أكثر، ويتطوع ليركب مع السائل ليوصله إلى الطريق، شارحاً له ما يجب أن يتجنبه من عقبات، وبذلك يكون الشرطي قد قدم كل المعونة لمن شكره. لكن لنفترض أن رجلاً آخر سأل الشرطي عن الطريق، فكذب الرجل الشرطي، وفي مثل هذا الموقف يتجاهل الشرطي مثل هذا الرجل، وقد ضربت هذا المثل للتقريب لا للتشبيه. إن الحق يدل أولا بهداية الدلالة، وقد هدى الله الناس جميعاً، أي دلهم على المنهج، فمن ذهب إلى رحابه وآمن به، أعطاه الله هداية ثانية، وهي هداية المعونة والتيسير. {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ}تفسير : [محمد: 17]. إن الحق يعطيهم حلاوة الهداية وهي التقوى، كأن الحق يقول للعبد المؤمن: ما دمت قد أقبلت عليَِّ بالإيمان فلك حلاوة الإيمان، أما الذي يكفر، والذي يظلم نفسه بالشرك، فالحق يمنع عنه هداية المعونة؛ لأنه قد رأى هداية الدلالة ولم يؤمن بها. إذن فالاستفهام في قوله تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} [آل عمران: 86] هو تساؤل يراد به الإنكار والاستبعاد لا عن الهداية الأولى وهي هداية الدلالة، ولكنه عن هداية المعونة، أي: كيف أعين من كفر بي؟ والمقصود بهذا القول هو بعض من أهل الكتاب الذين جاءهم نعت الرسول صلى الله عليه وسلم في كتبهم حتى إن عبد الله بن سلام وهو منهم، يقول: لقد عرفت محمداً حين رأيته كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد، ومصداق ذلك ما يقوله الحق سبحانه وتعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}تفسير : [الأعراف: 157]. والتعبير القرآني الدقيق لم يقل: يجدون وصفة مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل إنما يقول الحق: {أية : ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ ..}تفسير : [الأعراف: 157]. كأن الذي يقرأ التوراة والإنجيل يمكنه أن يرى صورة النبي عليه الصلاة والسلام من دقة الوصف، لقد عرفته التوراة وعرفه الإنجيل معرفة مفصلة وشاملة، مع نطق وقول يؤكد ذلك وهناك فرق بين أن "تعرف" وبين أن "تقول" ؛ فقد يعرف الإنسان ويكتم ما عرف، ولكنهم عرفوا الرسول صلى الله عليه وسلم واعترفوا بذلك، فقد كانوا من قبل يستفتحون به على الذين كفروا، قال الحق سبحانه: {أية : وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [البقرة: 89]. لقد أخذوا الرسول صلى الله عليه وسلم قبل مجيئه نصرة على الكافرين، فقالوا: سيأتي نبي ونتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم. فماذا فعلوا؟ إن الحق يجيب: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [البقرة: 89]. إذن هم آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم من قبل مجيئه، فلما جاء كفروا به. انظر إلى العدالة من الحق سبحانه وتعالى، حين يريد أن يدلهم على موقف الصدق والحق والكرامة الإيمانية: {أية : قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ}تفسير : [الرعد: 43]. إن الذين عندهم علم الكتاب هم اليهود والنصارى، هؤلاء يشهدون أن محمداً رسول الله، وإن القرآن بعدالته ينصف التوراة والإنجيل وهي الكتب التي بين أيديهم، {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ} [آل عمران: 86] لقد آمنوا به رسولاً من منطوق كتبهم، ثم أعلنوها حينما قالوا: "يأتي نبي نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم". فإذا كانوا قد صنعوا ذلك، فكيف يهديهم الله؟ إنهم ليس لديهم الاستعداد للهداية، ولم يقبلوا على الله بشيء من الحب، لذلك فهو سبحانه لا يعينهم على الهداية ولو أقبلوا على الله لأعانهم قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ}تفسير : [محمد: 17]. وهؤلاء لم يهتدوا، فلذلك تركهم الله بدون هداية المعونة، وهذا يوضح لنا معنى القول الحق: {أية : وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً}تفسير : [النساء: 88]. إن الذين لم يهتدوا بهداية الدلالة فلم يؤمنوا يضلهم الله أي يتركهم في غيهم وكفرهم، أي أنه ما دام هناك من لم يؤمن بالله فهل يمسك الله بيده ليهديه هداية المعونة؟ لا؛ لأنه إذا لم يؤمن بالأصل وهو هداية الدلالة، فكيف يمنحه الله هداية المعونة؟ وما دام لم يؤمن بالله أكان يصدق التيسيرات التي يمنحها الله له؟ لا. إنه لا يصدقها، ويجب أن تعلم أن هداية الدلالة هداية عامة لكل مخاطب خطاباً تكليفيا، وهو الإنسان على إطلاقه، أما هداية المعونة فهي لمن أقبل مؤمناً بالله وكأن الحق يقول له: "أنت آمنت بدلالتي فخذ معونتي" أو "أنت أهل لمعونتي" أو "ستجد التيسير في كل الأمور"، أما الذي كفر فلا يهديه الله.. إن الحق سبحانه لا يعين الكافر؛ لأن المعونة تقتضي ابتداء فعلاً من المُعان، والكافر لم يفعل ما يمكن أن ينال به هذه المعونة، فهو لم يؤمن، لذلك يكون القول الفصل: "والله لا يهدي القوم الكافرين" ويكون القول الحق "والله لا يهدي القوم الفاسقين" ويكون القول الحق "والله لا يهدي القوم الظالمين". إن هؤلاء هم الظالمون الذين ارتكبوا الظلم الأصيل وهو الشرك بالله كما قال الحق: {أية : وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان: 13]. والحق عندما يتركهم فإنه يزيدهم ضلالاً، ويختم على قلوبهم، فلا يعرفون طريقاً إلى الإيمان: {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [آل عمران: 86]. لقد جاءهم الرسول بالآيات الدالة على صدق رسالته، ولكنهم ظلموا أنفسهم الظلم الكبير العظيم، وهو الشرك بالله، ولكن هل هذه الآية قد نزلت في أهل الكتاب الذين كان عندهم نعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإشارات وبشارات به؟ أو نزلت من أجل شيء آخر هو أن أناسا آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم كفروا به؟ إن القول الحق يتناول الفئتين، وينطبق عليهم، سواء أكانوا من أهل الكتاب الذين آمنوا بالرسل من قبل ولم يؤمنوا برسالة محمد عليه الصلاة والسلام، أم من الذين آمنوا برسالة رسول الله ثم كفروا به، كما حدث من بعضهم في عهد الرسول، مثال ذلك طعمة بن أبيرق، وابن الأسلت والحارث بن سويد، هؤلاء أعلنوا الإيمان واتجهوا إلى مكة ومكثوا فيها، تاب منهم واحد وأخذ له أخوه ضماناً عند رسول الله، والباقون لم يتوبوا. إن القول الحق يتناول الفئتين، وينطبق عليهم جميعاً قوله تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [آل عمران: 86]. ويفصل لنا الحق سبحانه جزاء هؤلاء بقوله الحكيم: {أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا من باب الاستبعاد، أي: من الأمر البعيد أن يهدي الله قوما اختاروا الكفر والضلال بعدما آمنوا وشهدوا أن الرسول حق بما جاءهم به من الآيات البينات والبراهين القاطعات { والله لا يهدي القوم الظالمين } فهؤلاء ظلموا وتركوا الحق بعدما عرفوه، واتبعوا الباطل مع علمهم ببطلانه ظلما وبغيا واتباعا لأهوائهم، فهؤلاء لا يوفقون للهداية، لأن الذي يرجى أن يهتدي هو الذي لم يعرف الحق وهو حريص على التماسه، فهذا بالحري أن ييسر الله له أسباب الهداية ويصونه من أسباب الغواية. ثم أخبر عن عقوبة هؤلاء المعاندين الظالمين الدنيوية والأخروية، فقال { أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون } أي: لا يفتر عنهم العذاب ساعة ولا لحظة، لا بإزالته أو إزالة بعض شدته، { ولا هم ينظرون } أي: يمهلون، لأن زمن الإمهال قد مضى، وقد أعذر الله منهم وعمرهم ما يتذكر فيه من تذكر، فلو كان فيهم خير لوجد، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه.
النسائي
تفسير : قوله تعالى:{كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} [86] 85- أنا محمد بن عبد الله بن بَزيع، نا يزيد - وهو ابن زُرَيع، نا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: حديث : كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد، ولحق بالشرك ثم ندم فأرسل إلى قومه: سلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة؟ فجاء قومه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن فلانا قد ندم، وإنه قد أمرنا أن نسألك: هل له من توبة؟ فنزلت {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} إلى {فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فأرسل إليه، فأسلم .
همام الصنعاني
424تفسير : - عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الحسن في قوله تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ}: [الآية: 86]، قال: هم أهل الكتاب كانوا يجدون محمداً صلى الله عليه وسلم مكتوباً في كتابهم، ويستفتحون به، فكفروا بعد إيمانهم به. 425- قال معمر وقال الكلبي: هم قومٌ ارتدوا بعد إيمانهم. 426- عبد الرزاق، قال: أنبأنا جعفر بن سليمان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد قال: جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه، فأنزل الله تعالى فيه القرآن: {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} - إلى - {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: [الآيات: 86-89]، فحملها إليه رجلٌ من قومه فقرأها عليه، قال: فقال الحارث: والله إنَّك ما علمتُ لصدُوقٌ، وإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة. قال: فرجع الحارث فأسلم فحَسُن إسلامه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):