Verse. 380 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

اُولٰۗىِٕكَ جَزَاۗؤُھُمْ اَنَّ عَلَيْہِمْ لَعْنَۃَ اللہِ وَالْمَلٰۗىِٕكَۃِ وَالنَّاسِ اَجْمَعِيْنَ۝۸۷ۙ
Olaika jazaohum anna AAalayhim laAAnata Allahi waalmalaikati waalnnasi ajmaAAeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أولئك جزاؤهم أنَّ عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».

87

Tafseer

القرطبي

تفسير : أي إن داموا على كفرهم. وقد تقدّم معنى لعنة الله والناس في «البقرة» فلا معنى لإعادته. {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي لا يؤخرون ولا يؤجّلون، ثم ٱستثنى التائبين فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} هو الحارث بن سُوَيْد كما تقدّم. ويدخل في الآية بالمعنى كلُّ من راجع الإسلام وأخلص.

البيضاوي

تفسير : {أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَـئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} يدل بمنطوقه على جواز لعنهم، وبمفهومه على نفي جواز لعن غيرهم. ولعل الفرق أنهم مطبوعون على الكفر ممنوعون عن الهدى مؤيسون عن الرحمة رأساً بخلاف غيرهم، والمراد بالناس المؤمنون أو العموم فإن الكافر أيضاً يلعن منكر الحق والمرتد عنه ولكن لا يعرف الحق بعينه. {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} في اللعنة، أو العقوبة، أو النار وإن لم يجز ذكرهما لدلالة الكلام عليهما. {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ }. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي من بعد الارتداد. {وَأَصْلَحُواْ} ما أفسدوا، ويجوز أن لا يقدر له مفعول بمعنى ودخلوا في الصلاح. {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} يقبل توبته. {رَّحِيمٌ} يتفضل عليه. قيل: إنها نزلت في الحارث بن سويد حين ندم على ردته فأرسل إلى قومه أن سلوا هل لي من توبة، فأرسل إليه أخوه الجلاس بالآية فرجع إلى المدينة فتاب. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْرًا} كاليهود كفروا بعيسى والإِنجيل بعد الإِيمان بموسى والتوراة، ثم ازدادوا كفراً بمحمد والقرآن، أو كفروا بمحمد بعدما آمنوا به قبل مبعثه ثم ازدادوا كفراً بالإصرار والعناد والطعن فيه والصد عن الإيمان ونقض الميثاق، أو كقوم ارتدوا ولحقوا بمكة ثم ازدادوا كفراً بقولهم نتربص بمحمد ريب المنون أو نرجع إليه وننافقه بإظهاره. {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} لأنهم لا يتوبون، أو لا يتوبون إلا إذا أشرفوا على الهلاك فكني عن عدم توبتهم بعدم قبولها تغليظاً في شأنهم وإبرازاً لحالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة، أو لأن توبتهم لا تكون إلا نفاقاً لارتدادهم وزيادة كفرهم، ولذلك لم تدخل الفاء فيه. {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلضَّالُّونَ} الثابتون على الضلال. {إِن ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَبًا} لما كان الموت على الكفر سبباً لامتناع قبول الفدية أدخل الفاء ها هنا للإِشعار به، وملء الشيء ما يملؤه. و {ذَهَبًا} نصب على التمييز. وقرىء بالرفع على البدل من {مّلْء} أو الخبر لمحذوف. {وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ} محمول على المعنى كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً، أو معطوف على مضمر تقديره فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً لو تقرب به في الدنيا ولو افتدى به من العذاب في الآخرة، أو المراد ولو افتدى بمثله كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ }تفسير : [المائدة: 36] والمثل يحذف ويراد كثيراً لأن المثلين في حكم شيء واحد {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} مبالغة في التحذير وإقناط لأن من لا يقبل منه الفداء ربما يعفى عنه تكرماً {وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ} في دفع العذاب ومن مزيدة للاستغراق. {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ} أي لن تبلغوا حقيقة البر الذي هو كمال الخير، أو لن تنالوا بر الله الذي هو الرحمة والرضى والجنة. {حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} أي من المال، أو ما يعمه وغيره كبذل الجاه في معاونة الناس، والبدن في طاعة الله والمهجة في سبيله. روي (أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال: يا رسول الله إن أحب أموالي إلي بيرحاء فضعها حيث أراك الله، فقال: حديث : بخ بخ ذاك مال رابح أو رائح، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين.تفسير : وجاء زيد بن حارثة بفرس كان يحبها فقال: هذه في سبيل الله فحمل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد فقال: زيد إنما أردت أن أتصدق بها فقال عليه السلام: حديث : إن الله قد قبلها منك). تفسير : وذلك يدل على أن إنفاق أحب الأموال على أقرب الأقارب أفضل، وأن الآية تعم الإِنفاق الواجب والمستحب. وقرىء «بعض ما تحبون» وهو يدل على أن من للتبعيض ويحتمل التبيين. {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ} أي من أي شيء محبوب أو غيره ومن لبيان ما. {فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} فيجازيكم بحسبه. {كُلُّ ٱلطَّعَامِ} أي المطعومات والمراد أكلها. {كَانَ حِـلاًّ لّبَنِي إِسْرٰءيلَ} حلالاً لهم، وهو مصدر نعت به ولذلك استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث قال تعالى: {أية : لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ }تفسير : [الممتحنه: 10] {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ} يعقوب. {عَلَىٰ نَفْسِهِ} كلحوم الإِبل وألبانها. وقيل كان به عرق النسا فنذر إن شفي لم يأكل أحب الطعام إليه وكان ذلك أحبه إليه. وقيل: فعل ذلك للتداوي بإشارة الأطباء. واحتج به من جوز للنبي أن يجتهد، وللمانع أن يقول ذلك بإذن من الله فيه فهو كتحريمه ابتداء. {مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ} أي من قبل إنزالها مشتملة على تحريم ما حرم عليهم لظلمهم وبغيهم عقوبة وتشديداً، وذلك رد على اليهود في دعوى البراءة مما نعى عليهم في قوله تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـٰتٍ }تفسير : [النساء: 160] وقوله: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ }تفسير : [الأنعام: 146] الآيتين، بأن قالوا لسنا أول من حرمت عليه وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعده حتى انتهى الأمر إلينا فحرمت علينا كما حرمت على من قبلنا، وفي منع النسخ والطعن في دعوى الرسول عليه السلام موافقة إبراهيم عليه السلام بتحليله لحوم الإِبل وألبانها. {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أمر بمحاجتهم بكتابهم وتبكيتهم بما فيه من أنه قد حرم عليهم بسبب ظلمهم ما لم يكن محرماً. روي: أنه عليه السلام لما قاله لهم بهتوا ولم يجسروا أن يخرجوا التوراة. وفيه دليل على نبوته.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أُوْلَٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَٰئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ }.

الخازن

تفسير : {أولئك جزاؤهم} يعني الذين كفروا بعد إيمانهم {أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها} أي في عذاب اللعنة وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة {لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون} أي لا يؤخرون عن وقت العذاب لا يؤخر عنهم من وقت إلى وقت ثم استثنى سبحانه وتعالى فقال: {إلاّ الذين تابوا من بعد ذلك} يعني من بعد ارتدادهم وكفرهم وذلك أل الحارث بن سويد الأنصاري لما لحق بالكفار ندم على ذلك فأرسل إلى قومه أن سلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة؟ ففعلوا ذلك فأنزل الله تعالى إلاّ الذين تابوا من بعد ذلك وأصحلوا الله فبعث بها إليه أخوه الجلاس مع رجل من قومه، فأقبل إلى المدينة تائباً وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم توبته وحسن إسلامه {وأصلحوا} أي وضموا إلى التوبة الأعمال الصالحة فبيَّن أن التوبة وحدها لا تكفي حتى يضاف إليها العمل الصالح. وقيل: معناه وأصلحوا باطنهم مع الحق بالمراقبات وظاهرهم مع الخلق بالعبادات والطاعات {فإن الله غفور رحيم} أي غفور لقبائحهم في الدنيا بالستر رحيم في الآخرة بالعفو وقيل: غفور بإزالة العذاب رحيم بإعطاء الثواب. قوله عز وجل: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم} نزلت في اليهود وذلك أنهم كفروا بعيسى والإنجيل بعد إيمانهم بموسى وغيره من أنبيائهم ثم ازدادوا كفراً يعني كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وقيل نزلت في اليهود والنصارى وذلك أنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم لما رأوه بعد إيمانهم به قبل مبعثه لما ثبت عندهم من نعته وصفته في كتبهم ثم ازدادوا كفراً يعني ذنوباً في حال كفرهم. وقيل نزلت في جميع الكفار وذلك أنهم أشركوا بالله بعد إقرارهم بأن الله خالقهم ثم ازدادوا كفراً يعني بإقامتهم على كفرهم حتى هلكوا عليه، وقيل زيادة كفرهم هو قولهم نتربص بمحمد ريب المنون وقيل نزلت في أحد عشر رجلاً من أصحاب الحارث بن سويد الذين ارتدوا عن الإسلام فلما رجع الحارث إلى الإسلام أقاموا على كفرهم بمكة وقالوا: نقيم على الكفر ما بدا لنا ومتى أردنا الرجعة ينزل فينا مثل ما نزل في الحارث فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فمن دخل منهم في الإسلام قبلت توبته ونزل فيمن مات منهم على كفره: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار} الآية. فإن قلت قد وعد الله قبول التوبة ممن تاب فما يعني قوله لن تقبل توبتهم؟ قلت اختلف المفسرون في معنى قوله: لن تقبل توبتهم فقال الحسن وعطاء وقتادة والسدي: لن تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت وهو وقت الحشرجة لأن الله تعالى قال: {أية : وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن} تفسير : [النساء: 18] فإن الذي يموت على الكفر لا تقبل توبته كأنه قال إن اليهود أو الكفار أو المرتدين الذين فعلوا ما فعلوا ثم ماتوا على ذلك لن تقبل توبتهم وقال ابن عباس: إنهم الذين ارتدوا وعزموا على إظهار التوبة لستر أحوالهم والكفر في ضمائرهم وقال أبو العالية: هم قوم تابوا من ذنوب عملوها في حال للشرك ولم يتوبوا من الشرك فإن توبتهم في حال الشرك، غير مقبولة. وقال مجاهد: لن تقبل توتبهم إذا ماتوا على الكفر وقال ابن جرير الطبري: معنى لن تقبل توبتهم أي مما ازدادوا من الكفر على كفرهم بعد إيمانهم لا من كفرهم لأن الله تعالى لما وعد أن يقبل التوبة عن عباده وأنه قابل توبة كل تائب من كل ذنب لقوله تعالى: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} علم أن المعنى الذين لا تقبل التوبة منه غير المعنى الذي تقبل التوبة منه فعلى هذا فالذي لا تقبل التوبة منه هو الازدياد على الكفر بعد الكفر لا يقبل الله منه توبة ما أقام على كفره لأن الله تعالى لا يقبل عمل مشرك ما أقام على شركه، فإذا تاب من شركه وكفره وأصلح فإن الله كما وصف نفسه غفور رحيم. وقوله تعالى: {وأولئك هم الضالون} يعني هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً وهم الذين ضلوا عن سبيل الحق وأخطؤوا منهاجه.

ابن عادل

تفسير : وفي قوله: {جَزَآؤُهُمْ} وجهان: أحدهما: أن يكون مبتدأ ثانياً، و {أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ} في محل رفع؛ خبراً لـ "جَزَاؤُهُمْ" والجملة خبر لـ "أولئك". والثاني: أن يكون "جَزَاؤُهُمْ" بدلاً من "أولَئِكَ" بدل اشتمال، و {أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ} خبر "أولئك". وقال هنا: {جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ} وقال - هناك -: {أية : أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 161] دون "جزاؤهم" قيل: لأن هناك وقع الإخْبار عمن توفِّيَ على الكُفْر، فمن ثَمَّ حتم الله عليه اللعنة، بخلافه هنا، فإن سبب النزول في قوم ارتدوا ثم رجعوا للإسلام، ومعنى: "جَزَاؤُهُمْ" أي: جزاء كفرهم وارتدادهم، وتقدم القول في قراءة الحسن "النَّاس أجمعون" وتخريجها. قوله: "خالدين" حال من المضير في "عَلَيْهِمْ" والعامل فيها الاستقرار؛ أو الجارّ؛ لقيامه مقام الفعلِ، والضمير في "فِيهَا" للَّعنة، ومعنى الخلود في اللعن فيه وجهان: الأول: أنهم يوم القيامة لا تزال تلعنهم الملائكةُ والمؤمنون، ومَنْ معهم في النار، ولا يخلو حالٌ من أحوالهم من اللعنة. الثاني: أن اللَّعْنَ يوجب العقابَ، فعبَّر عن خلود أثر اللعن بخلود اللعنِ، ونظيره قوله: {أية : مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً خَالِدِينَ فِيهِ} تفسير : [طه: 100-101] وقال ابن عباس: قوله: "خالدين فيها" أي في "جهنم"، فعلى هذا الكناية عن غير مذكور. و {لاَ يُخَفَّفُ} جملة حالية أو مستأنفة، و {إِلاَّ ٱلَّذِينَ} استثناء متصل. فصل اعلم أن لعنة الله مخالفة للعنة الملائكة؛ لأن لعنته بالإبعاد من الجنة، وإنزال العذاب، واللعنة من الملائكة، ومن الناس هي بالقول، وكل ذلك مستحق لهم بسبب ظلمهم وكفرهم. فإن قيل: لم عَمَّ جَمِيع النَّاس، ومَنْ يُوافِقهُ لا يَلْعَنُهُ؟ فَالجوابُ مِن وُجوهٍ: أحدها: قال أبو مُسْلِمٍ: لَهُ ان يَلْعَنَهُ، وَإن كَانَ لاَ يَلْعَنُهُ. الثاني: أنَّهُم فِي الآخرةِ يَلْعَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، لِقَوْلِهِ تَعالَى: {أية : كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} تفسير : [الأعراف: 38] وقال: {أية : ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} تفسير : [العنكبوت: 25] وعلى هَذا فَقَدْ حَصَلَ اللَّعْنُ للكفارِ ومن يوافقهم. الثالث: كأن الناسَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ، والْكُفَّار لَيْسُوا مِن النَّاس. الرابع: وهو الأصح - أنَّ جميعَ الْخَلقِ يَلْعَنُونَ المُبْطِلَ والكَافِرَ، وَلَكِنَّهُ يَعْتَقِدُ فِي نَفْسِهِ أنَّهُ لَيْسَ بمُبْطِلٍ وَلا بكافرٍ فَإذا لَعَن الكافِرَ - وَكَانَ هُو فِي عِلم اللهِ كَافراً - فَقَدْ لَعَنَ نَفْسَه، وَهُوَ لا يَعْلَم ذَلكَ. قوله: "لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون" مَعْنَى الإنْظَار: التَّأخِيْرُ، قَالَ تَعالى: {أية : فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَة} تفسير : [البقرة: 280] والمَعْنَى: لاَ يُخَفَّفُ، وَلا يُؤخَّر من وَقتٍ إلى وَقْتٍ، ثُم قَال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} ثمَ بَيَّن أن التوبة وحدَها لا تَكْفِي، حَتَّى يُضافَ إليها العملُ الصالحُ، فَقالَ: {وَأَصْلَحُواْ} أي: أصلحوا باطنهم مع الحق بِالمُراقَباتِ، وَمَعَ الْخَلْقِ بالعِبَادَاتِ، وَذَلِكَ أنَّ الحَارثَ بن سُويد لَمَّا لَحِق بالكُفَّار نَدِم، وأرسل إلى قومه أن سَلُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَفَعَلُوا فَأنْزَلَ اللهُ {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فَحَمَلَهَا إليه رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَقَرأها عَلَيهِ، فَقَالَ الْحَارثُ: إنك واللهِ ما عَلِمْتُ - لَصَدُوقٌ، وَإنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصدقُ منك؛ وإنَّ اللهَ - عَزَّ وجل - لأصْدَقُ الثلاثة، فرجع الحارثُ إلى المَدِينَةِ، وَأسْلَمَ، وحسن إسلامه. وفي قوله: {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وجهان: الأول: أن الله غفور لقبائحهم في الدنيا بالستر، رحيم في الآخرة بالعفو. الثاني: غفور بإزالة العقاب، رحيم بإعطاء الثواب، ونظيره قوله: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَف}تفسير : [الأنفال: 38]. ودخلت الفاء في قوله: "فإن الله" لشبه الجزاء؛ إذ الكلام قد تضمَّن معنى: إن تابوا فإن الله يغفر لهم.

ابو السعود

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافِهم بما مر من الصفات الشنيعة وما فيه من معنى البعدِ لما مر مراراً أو هو مبتدأ وقوله تعالى: {جَزَآؤُهُمْ} مبتدأ ثانٍ وقوله تعالى: {أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَـئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} خبرُه والجملةُ خبرٌ لأولئك وهذا يدلُّ بمنطوقه على جواز لعنِهم وبمفهومِه ينفي جوازَ لعنِ غيرِهم، ولعل الفرقَ بـينهم وبـين غيرِهم أنهم مطبوعٌ على قلوب ممنوعون عن الهدىٰ آيِسون من الرحمة رأساً بخلاف غيرِهم، والمرادُ بالناس المؤمنون أو الكلُّ فإن الكافرَ أيضاً يلعن مُنكِرَ الحقِّ والمرتدِّ عنه، ولكن لا يعرِف الحقَّ بعينه {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} في اللعنة أو العقوبةِ أو النار وإن لم تُذكر لدَلالة الكلامِ عليها {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي يُمهَلون {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي من بعد الارتدادِ {وَأَصْلَحُواْ} أي ما أفسدوا أو دخلوا في الصلاح {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فيَقبلُ توبتَهم ويتفضّلُ عليهم وهو تعليلٌ لما دل عليه الاستثناءُ، وقيل: نزلت في الحارثِ بنِ سويد حين ندِم على رِدَّته فأرسل إلى قومه أن يسألوا: هل لي من توبة؟ فأرسل إليه أخوه (الجُلاّس) الآيةَ فرجَع إلى المدينة فتاب {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْرًا} كاليهود كفروا بعيسى عليه السلام والإنجيلِ بعد الإيمانِ بموسى عليه الصلاة والسلام والتوراة، ثم ازدادوا كفراً حيث كفروا بمحمد عليه الصلاة والسلام والقرآنِ أو كفروا به عليه السلام بعد ما آمنوا به قبل مبعثِه ثم ازدادوا كفراً بالإصرار عليه والطعنِ فيه والصدِّ عن الإيمان ونقضِ الميثاق أو كقوم ارتدوا ولحِقوا بمكةَ ثم ازدادوا كفراً بقولهم: نتربّصُ به رَيْبَ المنون أو نرجِعُ إليه فننافِقُه بإظهار الإيمان. {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} لأنهم لا يتوبون إلا عند إشرافِهم على الهلاك فكنّى عن عدم توبتِهم بعدم قبولِها تغليظاً في شأنهم وإبرازاً لحالهم في صورة حالِ الآيسين من الرحمة، أو لأن توبتَهم لا تكونُ إلا نفاقاً لارتدادهم وازديادِهم كفراً، ولذلك لم تدخُلْ فيه الفاء {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلضَّالُّونَ} الثابتون على الضلال.

القشيري

تفسير : أولئك قصارى حالهم ما سبق لهم من حكمه في ابتداء أمرهم، ابتداؤهم ردُّ القسمة، ووسائطهم الصدُّ عن الخدمة، ونهايتهم المصير إلى الطرد والمذلة.

البقلي

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ} ابتداهم فى حجاب المكر وختم احوالهم بالاستدراج وهذا غاية الطرد والابعاد عن بساط الوصال سوى او لهم واخروهم وردهم بعد كونهم فى المعاملات الى ما حكم عليهم فى سابق علوم الازليات خالدين فيها الا سبيل لهم الى معرفة وجود جلاله وكمال قدرته فيزداد غيهم على غيهم ولا يخرجون من طبقات الفجران والحرمان الى مشاهدة {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ} الذين سبق لهم حسن الايمان بمشية الازل وقفوا بامتحانه فى بحار الفتنة والشهوة فادركتهم انوار عناية الازلية واخلصتهم من اسجان النفوس واصفاء الشياطين وفوت عيون اسرارهم بكحل سناء العناية حتى تروا خبائث اعمالهم فتابوا منها وتركوها استحياء من ربهم حيث يروا منه السباقة التى سبقت لهم بنعت العناية والرعاية والكفاية.

اسماعيل حقي

تفسير : {اولئك} المذكورون باعتبار اتصافهم بما مر من الصفات الشنيعة {جزاؤهم ان عليهم لعنة الله} وهو ابعاده من الجنة وانزال العقوبة والعذاب {والملائكة} ولعنهم بالقول كالناس {والناس اجمعين} والمراد بالناس المؤمنون لانه لو اريد به جميع الناس لزم ان يلعن كل واحد منهم جميع من يوافقهم ويخالفهم ولا وجه لان يلعن الانسان من يوافقه ويحتمل أن يراد به الجميع بناء على ان جميع الخلق يلعنون المبطل والكافر ولكنه يعتقد فى نفسه انه ليس بمبطل ولا كافر فاذا لعن الكافر وكان هو فى علم الله كافرا فقد لعن نفسه وان كان لا يعلم ذلك.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {أولئك} المرتدون عن الإسلام - {جزاؤهم}: أن تلعنهم الملائكة والناسُ أجمعون، مؤمنُهم وكافرهم، لأن الكافر يلعنُ من ترك دين الحق، وإن كان لا يشعر بمن هو على الحقّ. {خالدين} في اللعنة، أو في النار، لدلالة السياق عليها، أو في العقوبة. {لا يخفّف عنهم العذاب} ساعة، ولا هم يُمهلون عنها لحظة. ثم إنَّ الحارث نَدِم، وأرسل إلى قومه أن اسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم، هل لي من توبة؟

الطوسي

تفسير : إن قيل: إذا كان لعن الملائكة والناس أجمعين تابعاً للعن الله، فهلا اقتصر عليه في الذكر؟ قيل الوجه في ذلك ان لا يوهم أن لعنهم لا يجوز إلا لله عز وجل كما لا يجوز أن يعاقبهم إلا الله أو من يأمرهم بذلك. وليس في قوله: {والناس أجمعين} دلالة على أنه يجوز للكافر أن يلعن نفسه، لأن لعنه لنفسه دعاء عليها بالابعاد من رحمة الله. وذلك يوجب رغبته فيما دعا به، ولا يجوز لأحد أن يرغب في أن يعاقبه الله، لأن ذلك ينافي الزجر به والتحذير منه. وأما رغبة المؤمن في أن يعاقب الله الكافر فجائز حسن، لأنه لا ينافي زجره بل هو أبلغ في زجره، فان قيل: لم قال: {والناس أجمعين} ومن وافق الكافر في مذهبه لا يرى لعنه؟ قيل عن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها - إن له أن يلعنه، وإنما لا يفعله لجهله بأنه يستحق اللعن. ويصح منه معرفة الله، ومعرفة استحقاق اللعن لكل كافر، فحينئذ يعلم أن له أن يلعنه وإنما لا يصح أن يلعن الكافر مع اعتقاده أنه لا يستحق اللعن، لأنه لو صح ذلك لأدى إلى أن يصح أن يلعن نفسه لمشاركته له فيما استحق به اللعن. وقد بينا فساده. والثاني - أن ذلك في الآخرة، لأن بعضهم يلعن بعضاً. وقد استقرت عليهم لعنة الجميع، وإن كانت على التفريق. والثالث - أن يحمل لفظ الناس على الخصوص، فيحمل على ثلاثة فصاعداً، فلذلك قال: {أجمعين} وكان يجوز أن يرفع {والملائكة والناس أجمعين} لأن الأول تقديره عليهم أن يلعنهم الله، فيحمل الثاني على معنى الأول، كما قال الشاعر: شعر : هل أنت باعث دينار لحاجتنا أو عبد رب أخا عون بن مخراق تفسير : والاتباع أجود ليكون الكلام على نسق واحد، وإنما ذكر وعيد الكفار ها هنا مع كونه مذكوراً في مواضع كثيرة في القرآن، للتأكيد وتغليظاً في الزجر لأنه لما جرى ذكر الكافر عقب ذلك بلعنه، ووعيده، كما إذا جرى ذكر المؤمن عقب ذلك بالرحمة ليكون أرغب له في فعل الطاعة والتمسك بالايمان.

الجنابذي

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} يعنى تبعيد الله او دعاء الله باللّعنة عليهم.

اطفيش

تفسير : {أُوْلَـئِكَ}: الذين كفروا بعد إيمانهم. {جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أى أولئك جزاؤهم ثبوت لعنة الله عليهم، فأولئك: مبتدأ، وجزاء: مبتدأ ثان، والمصدر من خبر إن خبر لجزاء، وجزء وخبره: خبر أولئك، وإن جعلنا جزاء بدلا اشتمالياً، وجعلنا المصدر من خبر إن خبر لأولئك، لم يصح على إطلاقه لأنه فيه الإخبار عن الجنة بالمصدر، ويصح من حيث مراعاة البدل، فإن الخبر مثلا تارة يراعى فيه المبدل منه، وتارة البدل، وتقديم {عليهم} على {لعنة} لا يفيد الحصر، لأن غير هؤلاء من أصحاب الكبائر ملعون أيضاً، كما ورد لعن شارب الخمر وحاملها، وغيرهما، فالتقديم جاء على طريق العرب فى الاهتمام، ولعنة الله بالإبعاد عن الجنة، وإنزال العقاب، ولعنة الملائكة والناس بالكلام، و{أجمعين} توكيد للناس لأن الكافر أيضاً يلعن الكافرين بالحق على العموم ويدعى أنه غير كافر، فإذا كان عند الله كافراً، فقد لعن نفسه، أو توكيد ما تقدم، فيراد بالناس العموم أيضاً، ويجوز أن يراد به المؤمنون.

الالوسي

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ } أي المذكورون المتصفون بأشنع الصفات وهو مبتدأ، وقوله سبحانه: {جَزَآؤُهُمْ } أي جزاء فعلهم مبتدأ ثان، وقوله عز شأنه: {أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } خبر المبتدأ الثاني، وهو وخبره خبر المبتدأ الأول قيل: وهذا يدل بمنطوقه على جواز لعنهم، ومفهومه ينفي جواز لعن غيرهم، ولعل الفرق بينهم وبين غيرهم حتى خص اللعن بهم أنهم مطبوع على قلوبهم ممنوعون بسبب خباثة ذواتهم وقبح استعدادهم من الهدى آيسون من رحمة الله تعالى بخلاف غيرهم، والخلاف في لعن أقوام بأعيانهم ممن ورد لعن أنواعهم ـ كشارب خمر معين مثلاً مشهور ـ والنووي على جوازه استدلالا بما ورد أنه صلى الله عليه وسلم مر بحمار وسم في وجهه فقال: حديث : لعن الله تعالى من فعل هذا تفسير : وبما صح أن الملائكة تلعن من خرجت من بيتها بغير إذن زوجها، وأجيب بأن اللعن هناك للجنس الداخل فيه الشخص أيضاً، واعترض بأنه خلاف الظاهر كتأويل إن وراكبها بذلك ـ والاحتياط لا يخفى ـ والمراد من ـ الناس ـ إما المؤمنون لأنهم هم الذين يلعنون الكفرة، أو المطلق لأن كل واحد يلعن من لم يتبع الحق، وإن لم يكن غير متبع بناءاً على زعمه.

ابن عاشور

تفسير : الإشارة للتنبيه على أنهم أحرياء بما يَرد بعد اسم الإشارة من الحُكم عليهم. وتقدم معنى {لعنة الله والملائكة إلى قوله {أية : أجمعين}تفسير : في سورة البقرة (161). وتقدم أيضاً معنى {أية : إلا الذين تابوا وأصلحوا}تفسير : في سورة البقرة (160)، ومعنى {فإن الله غفور رحيم} الكناية عن المغفرة لهم. قيل نزلت في الحارث ابن سويد الأنصاري من بني عمرو بن عوف الذي ارتدّ ولحق بقريش وقيل بنصارى الشام، ثم كتب إلى قومه ليسألهم هل من توبة، فسألوا رسول الله فنزلت هذه الآية فأسلم ورجع إلى المدينة وقوله: {فإن الله غفور رحيم} علة لكلام محذوف تقديره الله يغفر لهم لأنه غفور رحيم.

د. أسعد حومد

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} {وَٱلْمَلاۤئِكَةِ} (87) - وَهَؤُلاَءِ يَسْتَحِقُّونَ سَخَطَ اللهِ وَغَضَبَهُ، وَسَخَطَ المَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ جَمِيعاً، إِذْ أنَّهُمْ مَتَى عَرَفُوا حَقِيقَةَ حَالِهِمْ لَعَنُوهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : واللعنة هي الطرد من الرحمة، والله يعلم كل ملعون منهم، وما داموا قد طُرِدوا من رحمة الله فالملائكة وهم المؤمنون بالله إيمان المشهد يرددون اللعنة، والمؤمنون من خلق الله يرددون اللعنة، وكذلك يلعنهم جميع الناس، وكيف يلعنهم كل الناس سواء أكانوا مؤمنين أم كفاراً؟ كيف يلعنهم الكافرون؟ إن الكافر عندما يرى إنساناً يرتكب معصية ما فإنه ينزله من نظره ويحتقره وإن لم يكن مؤمناً. وهَب أن كافراً وجد إنساناً يخرج على المنهج ويفعل معصية ويرتكب جُرماً ألا يلعن الكافر مثل ذلك الإنسان؟ إنه يلعنه لأن الفطرة المركوزة التي فطر الله الناس عليها ترفض ذلك ولا ترتضيه. وهكذا شاء الحق أن يجعلهم ككفار يتلاعنون فيما بينهم، ونجد أن جميع الناس يلعنونهم كذلك؛ لأنهم قد خرجوا عن منهج الله بالكفر بعد الإيمان، وهم مع ذلك خالدون في اللعنة قال تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ...}.