Verse. 3750 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

وَاِذَا قِيْلَ لَہُمُ اتَّقُوْا مَا بَيْنَ اَيْدِيْكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُوْنَ۝۴۵
Waitha qeela lahumu ittaqoo ma bayna aydeekum wama khalfakum laAAallakum turhamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم» من عذاب الدنيا كغيرهم «وما خلفكم» من عذاب الآخرة «لعلكم ترحمون» أعرضوا.

45

Tafseer

الرازي

تفسير : وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى لما عدد الآيات بقوله: {أية : وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ... وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ... وَءايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ } تفسير : [يس: 33، 37، 41] وكانت الآيات تفيد اليقين وتوجب القطع بما قال تعالى ولم تفدهم اليقين، قال فلا أقل من أن يحترزوا عن العذاب فإن من أخبر بوقوع عذاب يتقيه، وإن لم يقطع بصدق قول المخبر احتياطاً فقال تعالى إذا ذكر لهم الدليل القاطع لا يتعرفون به وإذا قيل لهم اتقوا لا يتقون فهم في غاية الجهل ونهاية الغفلة، لا مثل العلماء الذين يتبعون البرهان، ولا مثل العامة الذين يبنون الأمر على الأحوط، ويدل على ما ذكرنا قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } بحرف التمني أي في ظنكم فإن من يخفى عليه وجه البرهان. لا يترك طريقة الاحتراز والاحتياط، وجواب قوله: {إِذَا قِيلَ لَهُمْ ٱتَّقَوْاْ } محذوف معناه وإذا قيل لهم ذلك لا يتقون أو يعرضون، وإنما حذف لدلالة ما بعده عليه وهو قوله تعالى: {أية : وَمَا تَأْتِيهِم مّنْ ءَايَةٍ مّنْ آيات ربهم } تفسير : [الأنعام: 4] وفي قوله تعالى: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ } وجوه أحدها: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ } الآخرة فإنهم مستقبلون لها {وَمَا خَلْفَكُمْ } الدنيا فإنهم تاركون لها وثانيها: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُم } من أنواع العذاب مثل الغرق والحرق، وغيرهما المدلول عليه بقوله تعالى: {أية : وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ } تفسير : [يس: 43] وما خلفكم من الموت الطالب لكم إن نجوتم من هذه الأشياء فلا نجاة لكم منه يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَمَتَـٰعاً إِلَىٰ حِينٍ } تفسير : [يس: 44] وثالثها: ما بين أيديكم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم فإنه حاضر عندكم وما خلفكم من أمر الحشر فإنكم إذا اتقيتم تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم والتكذيب بالحشر رحمكم الله وقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } مع أن الرحمة واجبة، فيه وجوه ذكرناها مراراً ونزيد ههنا وجهاً آخر وهو أنه تعالى لما قال: {ٱتَّقَوْاْ } بمعنى أنكم إن لم تقطعوا بناء على البراهين فاتقوا احتياطاً قال: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } يعني أرباب اليقين يرحمون جزماً وأرباب الاحتياط يرجى أن يرحموا، والحق ما ذكرنا من وجهين أحدهما: اتقوا راجين الرحمة فإن الله لا يجب عليه شيء وثانيهما: هو أن الاتقاء نظراً إليه أمر يفيد الظن بالرحمة فإن كان يقطع به أحد لأمر من خارج فذلك لا يمنع الرجاء فإن الملك إذا كان في قلبه أن يعطي من يخدمه أكثر من أجرته أضعافاً مضاعفة لكن الخدمة لا تقتضي ذلك، يصح منه أن يقول افعل كذا ولا يبعد أن يصل إليك أجرتك أكثر مما تستحق.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن تمادي المشركين في غيهم وضلالهم، وعدم اكتراثهم بذنوبهم التي أسلفوها، وما يستقبلون بين أيديهم يوم القيامة: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ} قال مجاهد: من الذنوب، وقال غيره: بالعكس، {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي: لعل الله باتقائكم ذلك يرحمكم ويؤمنكم من عذابه، وتقدير الكلام: أنهم لا يجيبون إلى ذلك، بل يعرضون عنه، واكتفى عن ذلك بقوله تعالى: {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِمْ} أي: على التوحيد وصدق الرسل {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} أي: لا يتأملونها ولا يقبلونها ولا ينتفعون بها. وقوله عز وجل: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللهُ} أي: إذا أمروا بالإنفاق مما رزقهم الله على الفقراء والمحاويج من المسلمين، {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ} أي: عن الذين آمنوا من الفقراء، أي: قالوا لمن أمرهم من المؤمنين بالإنفاق محاجين لهم فيما أمروهم به: {أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ} أي: هؤلاء الذين أمرتمونا بالإنفاق عليهم، لو شاء الله لأغناهم ولأطعمهم من رزقه، فنحن نوافق مشيئة الله تعالى فيهم، {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: في أمركم لنا بذلك. قال ابن جرير: ويحتمل أن يكون من قول الله عز وجل للكفار حين ناظروا المؤمنين، وردوا عليهم، فقال لهم: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} وفي هذا نظر، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ } من عذاب الدنيا كغيركم {وَمَا خَلْفَكُمْ } من عذاب الآخرة {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } أعرضوا.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وإذا قيل لهم اتَّقوا ما بين أيديكم وما خلْفكم} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: ما بين أيديكم ما مضى من الذنوب، وما خلفكم ما يأتي من الذنوب، قاله مجاهد. الثاني: ما بين أيديكم من الدنيا، وما خلفكم من عذاب الآخرة، قاله سفيان. الثالث: ما بين أيديكم عذاب الله لمن تقدم من عاد وثمود، وما خلفكم من أمر الساعة، قاله قتادة. ويحتمل تأويلاً رابعاً: ما بين أيديكم ما ظهر لكم، وما خلفكم ما خفي عنكم. {لعلكم ترحمون} معناه لكي ترحموا فلا تعذبوا. ولهذا الكلام جواب محذوف تقديره: إذا قيل لهم هذا أعرضوا عنه. قوله عز وجل: {وما تأتيهم مِن آيةٍ مِنْ آيات ربِّهم} فيها ثلاثة تأويلات: أحدها: من آية من كتاب الله، قاله قتادة. الثاني: من رسول، قاله الحسن. الثالث: من معجز، قاله النقاش. ويحتمل رابعاً: ما أنذروا به من زواجر الآيات والعبر في الأمم السالفة. قوله عز وجل: {وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم اللهُ قال الذين كفروا} الآية. فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم اليهود أمروا بإطعام الفقراء فقالوا {أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} قال الحسن. الثاني: أنهم الزنادقة أمروا فقالوا ذلك، قاله قتادة. الثالث: أنهم مشركو قريش جعلوا لأصنامهم في أموالهم سهماً فلما سألهم الفقراء أجابوهم بذلك، قاله النقاش. ويحتمل هذا القول منهم وجهين: أحدهما: إنكارهم وجوب الصدقات في الأموال. الثاني: إنكارهم على إغناء من أفقره الله تعالى ومعونة من لم يعنه الله تعالى. {إن أنتم إلا في ضلال مبين} فيه قولان: أحدهما: أنه من قول الكفار لمن أمرهم بالإطعام، قاله قتادة. الثاني: أنه من قول الله تعالى لهم حين ردوا بهذا الجواب، حكاه ابن عيسى.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} ما مضى من ذنوبكم وما خلفكم ما يأتي من الذنوب، أو ما بين أيديكم من الدنيا وما خلفكم عذاب الآخرة، أو مابين أيديكم عذاب [الله لمن تقدم] كعاد وثمود وما خلفكم أمر الساعة وجواب هذا الكلام أعرضوا.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {يخصمون} بفتحتين ثم كسر الصاد المشددة: ابن كثير وورش وسهل ويعقوب وأصله "يختصمون" أدغمت التاء في الصاد بعد نقل حركتها إلى الخاء، وقرأ أبو جعفر ونافع غير ورش بسكون الخاء، وقرأ أبو عمرو باشمام الفتحة قليلاً وقرأ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من الخصم ثلاثياً. الباقون: بكسر الخاء للاتباع وتشديد الصاد. وروى خلف عن يحيى بكسر الياء والخاء والتشديد. {شغل} بضمتين: عاصم وخلف وابن عامر ويزيد ويعقوب. {فكهون} وبابه بغير ألف: يزيد. {ظل} بضم الظاء وفتح اللام: حمزة وعلي وخلف على أنه جمع ظلة. الآخرون: {ظلال} جمع ظل {جبلاً} بضم الجيم وسكون الباء. ابن عامر وأبو عمرو. وقرأ أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل بكسرتين واللام مشددة، وقرأ يعقوب بضمتين والتشديد. والباقون: بضمتين والتخفيف {ننكسه} مشدداً: حمزة وعاصم غير مفضل. الآخرون: بالتخفيف من النكس. {تعقلون} بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب {لتنذر} على الخطاب أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب {يقدر} على صيغة المضارع: يعقوب {كن فيكون} بالنصب: ابن عامر وعلي. الوقوف: {ترحمون} ه {معرضين} ه {رزقكم الله} لا لأن ما بعده جواب "إذا" {أطعمه} لا كذلك لاتحاد المقول ولئلا يبتدأ بما لا يقوله مسلم. وجوز جار الله أن يكون قوله {إن أنتم} قول الله أو حكاية قول المؤمنين لهم فالوقف جائز. {مبين} ه {صادقين} ه {يخصمون} ه {يرجعون} ه {ينسلون} ه {مرقدنا} ه لئلا يوهم أن هذا صفة وما بعده منفي وفيه وجوه أخر نذكرها في التفسير {المرسلون} ه {محضرون} ه {تعملون} ه {فاكهون} ه ج لاحتمال أن {هم} تأكيد الضمير {أزواجهم} عطف عليه و {في ظلال} ظرف {فاكهون}، ولاحتمال أن ما بعده مبتدأ وخبره {متكئون} {يدعون} ه ج لأنه من المحتمل أن يكون {سلام} خبر محذوف اي عليهم سلام يقول قولاً، وأن يكون {سلام} بدل {ما يدعون} اي لهم ما يتمنون وهو سلام {سلام} ط ج لحق الحذف {رحيم} ه {المجرمون} ه {الشيطان} ج لأن التقدير فإنه {مبين} ه لا للعطف {اعبدوني} ج {مستقيم} ه {كثيراً} ه {تعقلون} ه {توعدون} ه {تكفرون} ه {يكسبون} ه {يبصرون} ه {يرجعون} ه {في الخلق} ط {يعقلون} ه له ج {مبين} ه {الكافرين} ه {مالكون} ه {يأكلون} ه {مشارب} ه {يشكرون} ه {ينصرون} ج {نصرهم} لا لأن الواو للحال {محضرون} ه {قولهم} ه لئلا يوهم أن ما بعده مقول الكفار {يعلنون} ه {مبين} ه خلقه} ط {رميم} ه {مرة} ط {عليم} ه لا لأن {الذي} بدل {توقدون} ه {مثلهم} ط لانتهاء الاستفهام {العليم} ه {فيكون} ه {ترجعون} ه. التفسير: لما بين الآيات المذكورة حكى أنهم في غاية الجهالة ونهاية الضلالة، لا مثل العلماء الذين يتبعون البرهان، ولا كالعوام الذين يبنون أمورهم على الأحوط إذا أنذرهم منذر انتهوا عن ارتكاب المنهي خوفاً من تبعته وطمعاً في منفعته وإليه الإشارة بقوله {لعلكم ترحمون} أي في ظنكم فإن الذي لا تفيده الآيات يقيناً فلا أقل من أن يحترز من العذاب ويرجو الثواب أخذاً بطريقة الاحتياط، ونظير الآية ما مرّ في أوّل سورة سبأ {أية : أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض}تفسير : [الآية: 9] وعن مجاهد: أراد ما تقدّم من ذنوبكم وما تأخر. وعن قتادة: ما بين أيديكم من وقائع الأمم وما خلفكم أي من أمر الساعة. وقيل: ما بين أيديكم من أمر الساعة. وقيل: ما بين أيديكم الآخرة فإنهم مستقبلون لها، وما خلفكم الدنيا فإنهم تاركون لها. أو ما بين أيديكم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم فإنه حاضر عندهم وما خلفكم من أمر فإنكم إذا اتقيتم تكذيب محمد لى الله عليه وسلم والحشر رحمكم الله. أو ما بين أيديكم من أنواع العذاب كالحرق والغرق المدلول عليه بقوله {وإن نشأ نغرقهم} ما خلفكم الموت الطالب لكم يدل على قوله {ومتاعاً إلى حين} وجواب "إذا" محذوف وهو لا يتقون أو يعرضون، يدل عليه ما بعده مع زيادة فائدة هي دأبهم الإعراض عند كل آية. ويحتمل أن يكون قوله {وما تأتيهم} متعلقاً بما قبله وهو قوله {يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون}. {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين} يعني إذا جاءتهم الرسل كذبوهم فإذا أتوا بالآيات أعرضوا عنها. وقوله {الم يروا} إلى قوله {لعلكم ترحمون} اعتراض. ثم أشار إلى أنهم كما يخلون بجانب التعظيم لأمر الله حيث قيل لهم اتقوا فلم يتقوا يخلون بجانب الشفقة على خلق الله ولا ينفقون إذا أمروا بالإنفاق على أنهم خوطبوا بأدنى الدرجات في التعظيم والإشفاق، فإن أدنى الانقياد الاتقاء من العذاب، وأدنى الإشفاق هو إنفاق بعض ما في التصرف من مال الله، فأين هم من معشر أقبلوا بالكلية على الله وبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله؟ وفي قوله {مما رزقكم الله} إشارة إلى أن الله تعالى قادر على إغناء الفقير وإعطائه ولكنه جعل الغني واسطة في الإنفاق على الفقير. فالسعيد من عرف حق التوسيط وانتهز فرصة الإمكان وعلم أن الإنفاق سبب للبركة في الحال ومجلبة للثواب في المآل. وقوله {قال الذين كفروا} دون أن يقول "قالوا" تسجيل عليهم بالكفر. وقوله {للذين آمنوا} مزيد تصوير لجهالتهم حين قالوا لهؤلاء الأشراف ما قالوا. وقوله {أنطعم} دون "أننفق" إظهار لغاية خستهم فإن الإطعام أدون من الإنفاق ومن بخل بالأدون فهو بأن يبخل بالأكثر أولى. وقوله {من لو يشاء الله أطعمه} كلام في نفسه حسن لكنهم ذكروه في معرض الدفع فلهذا استوجبوا الذم وقد بين الله خطأهم بقوله {مما رزقكم الله} فإن من في خزائنه مال وله في يد الغير مال فإنه مخير إن اراد أعطى زيداً مما في خزائنه وإن شاء أعطاه مما في يد الغير وليس لذلك الغير أن يقول لم أحلته عليّ. وقوله {إن أنتم إلا في ضلال مبين} بناء على ما اعتقدوه أن الأمر بالإنفاق ضائع، لأنه سعي في إبطال مشيئة الله ولم يعلموا أن الضلال لا يتعدّاهم أيه سلكوا، وذلك أنهم لم ينظروا إلى الأمر والطلب وبادروا إلى الاعتراض، والطاعة هي اتباع الأمر لا الاستكشاف عن الغرض والغاية. ومن جملة تعنتهم أنهم استبطؤا الموعود على التقاء والإنفاق قائلين {إن كنتم} أيها المدّعون للرسالة {صادقين} فأخبرونا متى يكون هذا الموعود به من الثواب والعقاب فأجابهم الله تعالى بقوله {ما ينظرون إلا صيحة واحدة} كأنهم بالاستبطاء كانوا منتظرين شيئاً. وتنكير صيحة للتهويل ووصفها بواحدة تعظيم للصيحة وتحقير لشأنهم أي صيحة لا يحتاج معها إلى ثانية، وفي قوله {تأخذهم} أي تعمهم بالأخذ مبالغة أخرى، وكذا في قوله {وهم يخصمون} أي يشتغلون بمتاجرهم ومعاملاتهم وسائر ما يتخاصمون فيه ومع ذلك يصعقون. وقيل: تأخذهم وهم يختصمون في أمر البعث قائلين إنه لا يكون. ثم بالغ في شدّة الأخذ بقوله {فلا يستطيعون توصية} وفي قوله {لا يستطيعون} دون أن يقول "فلا يوصون" مبالغة لأن من لا يوصي قد يستطيعها، وكذلك في تنكير توصية الدال على التقليل، وكذا في نفس التوصية لأنها بالقول والقول يوجد أسرع من الفعل من أداء الواجبات وردّ المظالم، وقد تحصل التوصية بالإشارة فالعاجز عنها عاجز عن غيرها. وفي قوله {ولا إلى أهلهم يرجعون} بيان لشدّة الحاجة إلى التوصية فإن الذي يقطع بعدم الوصول إلى أهله كان إلى الوصية أحوج. وفيه تنبيه على أن الميت لا رجوع له إلى الدنيا ولا اجتماع له بأهله مرة أخرى إلى حين يبعثون. ثم بين حال النفخة الثانية، والأجداث القبور والنسلان العدو. وكيف صارت النفختان مؤثرتين في أمرين متضادين الإماتة والإحياء؟ نقول: لا مؤثر إلا الله، والنفخ علامة على أن الصوت يوجد التزلزل وأنه قد يصير سبباً لافتراق الأجزاء المجتمعة تارة ولاجتماع المتفرقة أخرى. ثم إن أجزاء كل بدن قد تحصل في موضع هو بمنزلة جدثه، أو أعطى للأكثر حكم الكل. وذكر الرب في هذا الموضع للتخجيل فإن من أساء واضطر إلى الحضور عند من أحسن إليه كان أشدّ ألماً وأكثر ندماً. وقوله {ينسلون} لا ينافي قوله في موضع آخر {أية : فإذا هم قيام ينظرون}تفسير : [الزمر: 68] فلعل ذلك في أول الحالة ثم يحصل لهم سرعة المشي من غير اختيارهم. ويمكن أن يقال: إن هيئة الانتظار ليست بمنافاة للمشي بل مؤكدة له ومعينة عليه. وفي "إذا" المفاجأة إشارة إلى أن الإحياء والتركيب والقيام والعدو كلها تقع في زمان النفخ. ثم بين أنهم قبل النسلان {قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} كأنهم شكوا في أنهم كانوا موتى فبعثوا أو كانوا نياماً فتنبهوا فجمعوا في السؤال بين الأمرين: البعث والمرقد. عن مجاهد: للكفار. هجعة يجدون فيها طعم النوم فإذا صيح بأهل القبور قالوا ذلك، ثم أجابهم الملائكة في رواية ابن عباس، والمتقون على قول الحسن {هذا ما وعد الرحمن} كأنه قيل: ليس بالبعث الذي عرفتموه وهو بعث النائم من مرقده حتى يهمكم السؤال عن الباعث أن هذا هو البعث الأكبر الذي وعده الرحمن في كتبه المنزلة على لسان رسله الصادقين. والظاهر أن {هذا} مبتدأ {وما وعد الرحمن} إلى آخره خبره، و"ما" مصدرية أي هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالمصدر. ويجوز أن يكون "ما" موصولة أي هذا الذي وعده الرحمن وصدقه المرسلون أي صدقوا فيه. وجوّز جار الله أن يكون {هذا} صفة للمرقد و {ما وعد} خبر مبتدأ محذوف أي هذا وعد الرحمن، أو مبتدأ محذوف الخبر أي ما وعده الرحمن وصدقه المرسلون حق عليكم. وقيل: إن قوله {هذا ما وعد الرحمن} من كلام الكافرين كأنهم تذكروا ماسمعوا من الرسل فأجابوا به انفسهم، أو أجاب بعضهم بعضاً، ثم عظم شأن الصيحة بالنسبة إلى المكلفين وحقر أمرها بالإضافة إلى الجبار قائلاً {إن كانت إلا صيحة} الآية. وقد مر نظيره. ثم بين ما يكون في ذلك اليوم قائلاً {فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون} أيها الكافرون {إلا ما كنتم تعملون} وفيه إشارة إلى أن عدله عام وفضله خاص بأهل الإيمان وفيه أنهم إذا جمعوا لم يجمعوا إلا للعدل أو الفضل فالفاء فيه كما في قول القائل للوالي أو للقاضي: جلست للعدل فلا تظلم. أي ذلك يقتضي هذا ويستعقبه. وقوله {ما كنتم تعملون} إشارة إلى عدم الزيادة فإن الشيء لا يزيد على عينه كقولك: فلان يجازيني حرفاً بحرف. أي لا يترك شيئاً. ويجوز أن يراد الجنس أيّ لا تجزون إلا جنس العمل حسناً أو سيئاً. ثم فصل حال المحسنين بطريق الحكاية في ذلك اليوم تصويراً للموعود وترغيباً فيه فقال {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل} لا يكتنه كنهه وفيه وجوه أقواها أنهم مشغولون عن هول ذلك اليوم بما لهم من الكرامات والدرجات. وقوله {فاكهون} مؤكد لذلك المعنى أي شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور. وثانيها أنه بيان لحالهم ولا يريد أنهم شغلوا عن شيء بل المراد أنهم في عمل، ثم بين عملهم بأنه ليس بشاق بل هو ملذ محبوب. وثالثها أنهم تصوروا في الدنيا أموراً يطلبونها في الجنة فإذا رأوا فيها ما لم يخطر ببالهم اشتغلوا به عنها. وعن ابن عباس أن الشغل افتضاض الأبكار أو ضرب الأوتار. وقيل: التزاور. وقيل: ضيافة الله. وعن الكلبي: هم في شغل عن أهاليهم من أهل النار لا يهمهم أمرهم لئلا يدخل عليهم تنغيص من تنعمهم. والفاكه والفكه المتنعم المتلذذ ومنه الفاكهة لأنها تؤكل للتلذذ لا للتغذي والفكاهة الحديث لأجل التلذذ لا للضرورة. والأزواج ظاهرها زوج المرأة وزوجة الرجل. وقيل: أراد اشكالهم في الأحساب وأمثالهم في الإيمان كقوله {أية : وآخر من شكله أزواج}تفسير : [ص: 58] قال أهل العرفان: من شرائط السماع الزمان والمكان والإخوان فقوله {هم وأزواجهم في ظلال} إشارة إلى عدم الوجوه الموحشة وأن لهم في ظل الله ما يمنع الإيذاء كقوله {أية : لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً}تفسير : [الدهر: 13] وقوله {على الأرائك متكئون} دليل على القوة والفراغة والتمكن من أنواع الملاذ. وقوله {لهم فيها فاكهة} إشارة إلى سائر أنواع الملاذ الزائدة على قدر الضرورة. وقوله {ولهم ما يدّعون} إشارة إلى دفع جميع حوائجهم وما يخطر ببالهم. قال الزجاج: هو افتعل من الدعاء أي ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم. وقال جار الله: هو للاتخاذ اي ما يدعون به أو ما يدعون به أو ما يدعون لأنفسهم كقولك: يشتوي. أي اتخذ لنفسه شواء. أو هو بمعنى التداعي. وعلى الوجهين إما أن يراد كل ما يدعو به الله أحد أو كل ما يطلبه من صاحبه فإنه يجاب له بذلك، أو يراد أن كل ما يصح أن يدعى به ويطلب فهو حاصل لهم قبل الطلب. وقيل: معناه يتمنون من قولهم: ادّع عليّ ما شئت أي تمنه عليّ. وقيل: هو من الدعوى وذلك أنهم كانوا يدّعون في الدنيا أن الله هو مولاهم وأن الكافرين لا مولى لهم بينه قوله {سلام} يقال لهم {قولاً من رب رحيم} أي من جهته بواسطة الملائكة. وقيل: اراد لهم ما يدّعون سالم خالص لا شوب فيه. و{قولاً} اي عدة وعلى هذا يكون قوله {لهم} للبيان و{ما يدعون سلام} مبتدأ وخبر كقولك: لزيد الشرف متوفر. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون {قولاً} نصباً على التمييز لأن السلام من الملك قد يكون قولاً وقد يكون إشارة. وقال أهل البيان قوله {وامتازوا} معطوف على المعنى كأنه قيل: دوموا أيها المؤمنون في النعيم وامتازوا اليوم أيها المجرمون. أو قلنا لأهل الجنة: إنكم في شغل وقلنا لأهل النار: امتازوا وهو كقوله {أية : فريق في الجنة وفريق في السعير}تفسير : [الشورى: 7] أو تميزوا في أنفسكم غيظاً وحنقاً فلا دواء لألمكم ولا شفاء لسقمكم كقوله في صفة جهنم {أية : تكاد تميز من الغيظ} تفسير : [الملك: 8] أو افترقوا خلاف ما للمؤمن من الاجتماع بالإخوان فلا عذاب كفرقة الأخدان يؤيده ما روي عن الضحاك: لكل كافر بيت من النار يكون فيه لا يرى ولا يُرى. وعن قتادة: أراد اعتزلوا عن كل خير ترجون، أو امتازوا عن شفعائكم وقرنائكم. أو المراد تميزهم بسواد الوجه وزرقة العين وبأخذ الكتاب بالشمال وبخفة الميزان وغير ذلك. وقال صاحب المفتاح: قوله {إن أصحاب الجنة} إلى آخر الآيات خطاب لأهل المحشر بدلالة الفاء في قوله {فاليوم لا تظلم} بعد قوله {إن كانت إلا صيحة} وقد جاء في التفاسير أن قوله {إن أصحاب الجنة} إنما يقال حين يسار بهم إلى الجنة فيؤل معنى الكلام إلى قول القائل إن أصحاب الجنة منكم يا أهل المحشر يؤل حالهم إلى أسعد حال فليمتازوا عنكم إلى الجنة، وامتازوا أنتم عنهم أيها المجرمون. ثم كان لسائل أن يقول: إن الإنسان خلق ظلوماً جهولاً والجهل عذر فبين الله تعالى أن الأعذار زائلة قائلاً {ألم أعهد إليكم} والآية إلى قوله {أفلم تكونوا تعقلون} شبه اعتراض، فيه توبيخ لأهل النار وما ذلك العهد عن بعضهم أنه الذي مر ذكره في قوله {أية : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل}تفسير : [طه: 115] وقيل: هو المذكور في قوله {أية : وإذ خذ ربك من بني آدم من ظهورهم} تفسير : [الأعراف: 172] وقيل: هو المبين على لسان الرسل. ومعنى {لا تعبدوا} لا تطيعوا ولا تنقادوا وسوسته وتزيينه. وقوله {هذا} إشارة إلى ما عهد إليهم من مخالفته الشيطان وعبادة الرحمن. قال أهل المعاني: التنوين في قوله {صراط} للتعظيم إذ لا صراط أقوم منه، أو للتنويع اي هذا بعض الطرق المستقيمة، ففيه توبيخ لهم على العدول عنه كما يقول الرجل لولده وقد نصحه النصح البالغ: هذا فيما أظن قول نافع غير ضار. وفي ذكر الصراط ههنا إشارة إلى أن الإنسان في دار التكليف مسافر والمجتاز في بادية يخاف فيها على نفسه وماله لا يكون عنده شيء أهم من معرفة طريق قريب آمن. ثم بين لهم عدواة الشيطان بقوله {ولقد أضل منكم جبلاً} وهو في لغاته كلها بمعنى الخلق من جبله الله على كذا أي طبعه عليه. عن علي رضي الله عنه أنه قرأ {جيلاً} بياء منقوطة من تحت بنقطتين. ثم أشار إلى محل امتياز المجرمين إليه بقوله {هذه جهنم} وقوله {اصلوها} أمر إهانة وتنكيل نحو ذق. وفي قوله {اليوم} إشارة إلى أن اللذات قد مضت وأيامها قد انقضت وليس بعد ذلك إلا العقاب. روى أهل التفسير أنهم يجحدون يوم القيامة كفرهم في الدنيا فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم. وفي الحديث "حديث : يقول العبد يوم القيامة إني لا أجيز شاهداً إلا من نفسي فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي فتنطق بأعماله ثم يُخلى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنت أناضل" تفسير : قال المتكلمون: إنه لا يبعد من الله تعالى إنطاق كل جرم من الأجرام إنطاق اللسان وهو فاعل لما يشاء. قال الحكيم: إنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانهتاك أستارهم فيقفون ناكسي الرؤوس وقوف القنوط اليؤس. وتكلم الأعضاء عبارة عن ظهور إمارات الذنوب عليهم بحيث لا يبقى للإنكار مجال كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إذا ظهر أمارات الحزن وأسبابه. ثم إنه تعالى أسند الختم إلى نفسه وأسند التكلم والشهادة إلى الأيدي والأرجل لكيلا يقال: إن الإقرار بالإجبار غير مقبول. وأيضاً إنه أسند التكلم إلى الأيدي والشهادة إلى الأرجل لأن الأعمال مستندة إلى الأيدي غالباً كقوله {وما عملته أيديهم} {أية : فبما كسبت ايديكم} تفسير : [الشورى: 30] فهي كالعاملة، والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره. وإنما جعلت الشهادة عليهم منهم لأن غيرهم إما صالحون وهم أعداء للمجرمين فلهم أن يقولوا شهادتهم غير مقبولة في حقنا، وإما فاسقون وشهادة الفسقة غير مقبولة شرعاً. وههنا نكتة وهي أن الختم لازم للكفار في الدارين، ختم الله على قلوبهم في الدنيا وكان قولهم بأفواههم كما قال {أية : يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم}تفسير : [آل عمران: 167] ثم إذا ختم على أفواههم أيضاً في الآخرة لزم أن يكون قولهم بسائر أعضائهم. هذا وقد ذكرنا مراراً أنه تعالى كلما يذكر تمسك الجبرية يذكر عقيبه تمسك القدرية وبالعكس. وكان للقدرية أن تتمسك بقوله {يكسبون} {يكفرون} حيث أسند الله الكفر والكسب إليهم فلا جرم عقبه بتمسك الجبري وهو قوله {ولو نشاء لطمسنا} ووجه التمسك أن إعماء البصائر شبه إعماء الأبصار، وسلب القوّة العقلية كسلب القوّة الجسمية. فكما أنه لو شاء لطمس على أبصارهم حتى لا يهتدوا إلى الطريق القاهر الظاهر ولو شاء لسلب قوّة جسومهم بالمسخ حتى لا يقدروا على تقدم ولا تأخر، فكذلك إذا شاء أعمى البصائر وسلب قواهم العقلية حتى لم يفهموا دليلاً ولم يتفكروا في آية. والطمس محو أثر شق العين. قال جار الله {فاستبقوا الصراط} أصله فاستبقوا إلى الصراط فانتصب بنزع الخافض. والمعنى لو شاء لمسح أعينهم فلو راموا أن يسبقوا إلى الصراط الذي عهدوه واعتادوا على سلوكه إلى مساكنهم لم يقدروا عليه إذ الصراط طريق الاستباق، والاستباق مضمن معنى الابتدار. فالمراد لو شاء لأعماهم حتى لو أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف أو مبتدرين إياه كما كان هجيراهم لم يستطيعوا. أو يجعل الصراط مسبوقاً لا مسبوقاً إليه، فالمعنى لو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوه لعجزوا ولم يقدروا إلى على سلوك الطريق المعتاد كالعميان يهتدون فيما ألفوا من المقاصد والجهات دون غيرها. عن ابن عباس: أراد لمسخناهم قردة وخنازير. وقيل: حجارة. عن قتادة: لأقعدناهم على أرجلهم أو أزمناهم على أرجلهم. والمكان والمكانة واحد أراد مسخاً مجمداً بحيث لا يقدرون أن يرجعوا مكانهم. وإنما قدم الطمس على المسخ تدرّجاً من الأهون إلى الأصعب، فإن الأعمى قد يهتدي إلى وجوه التصرف بأمارت عقلية أو حسية غير البصر. وأما الممسوخ على مكانه فلا يهتدي إلى شيء أصلاً. ولمثل ما قلنا قدم المضيّ على الرجوع فإن سلوك طريق قد رآه مرة يكون أهون مما لم يره اصلاً، فنفى أوّلاً استطاعة الصعب ثم نفى استطاعة الأهون أيضاً لأجل المبالغة. وحين قطع الأعذار بسبق الإنذار وذلك في قوله {ألم أعهد إليكم} شرع في قطع عذر آخر للكافر وهو أن يقول: لم يكن لبثنا في الدنيا إلا يسيراً ولو عمرتنا لما وجدت منا تقصيراً فقال الله تعالى {ومن نعمره ننكسه في الخلق} كقوله {أية : ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} تفسير : [الحج: 5] {أفلا تعقلون} أنكم كلما دخلتم في السن ضعفتم وقد عمرتم ما تمكنتم فيه أن النظر والعمل، ومن لم يأت بالواجب في زمان الإمكان لم يأت به في زمن الأزمان. وعن بعضهم: شعر : طوى العصران ما نشراه مني فأبلى جدّتي نشر وطيّ أراني كل يوم في انتقـــــاص ولا يبقى على النقصان شيّ تفسير : وقال آخر: شعر : أرى الأيام تتركني وتمضي وأوشك أنها تبقى وأمضي علامة ذاك شيب قد علاني وضعف عند إبرامي ونقضي وما كذب الذي قد قال قبلي إذا ما مر يوم مر بعضي تفسير : وحيث بين أصل الوحداينة والحشر في هذه السورة مرات أقربها قوله {وأن اعبدوني} وقوله {هذه جهنم} إلى آخرها عاد إلى أصل الرسالة بقوله {وما علمناه الشعر} وإنما لم يقل وما علمناه السحر ولا الكهانة مع أنهم ادّعوا أنه ساحر كاهن لأنه ما تحدّاهم إلا بالقرآن. وإنما نسبوه إلى السحر عند إظهار فعل خارق كشق القمر وحنين الجذع إليه، ونسبوه إلى الكهانة عند إخباره عن الغيوب وهو نوع خاص من الكلام من غير اعتبار الفصاحة اللفظية والمعنوية. قال جار الله معنى قوله {وما ينبغي له} أنه لا يتأتى له ولا يتسهل كما جعلناه أمياً لا يهتدي للخط. وروي عن الخليل أن الشعر كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثير من الكلام ولكن كان لا يتأتى له. قال: وما روي أنه صلى الله عليه وسلم. شعر : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب تفسير : وقال: شعر : هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت تفسير : كلام اتفاقي من غير قصد وتعمد، والشعر كلام موزون مقفى مع تعمد. وقيل: أراد نفي الشعر عن القرآن فقال {وما علمناه} بتعليم القرآن {الشعر وما ينبغي} القرآن أن يكون شعراً وأنا أقول: الأحسن أن يقال: ما ينبغي له معناه أنه لا يليق بجلالة منصبه لأن الشعر مادته كلام يفيد تأثيراً دون التصديق وهو التخييل، وأما الوزن والقافية فهما كالصورة ويفيدانه ترويجاً وتزييناً فجلَّ رتبته من التخييل الذي هو قريب من المغالطة، ولهذا لم يؤمر بأن يدعو بهما إلى سبيل ربه. وإنما أمر بأن يدعو إلى الدين باسئر أصناف الكلام حيث قيل {أية : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} تفسير : [النحل: 125] ونظيره قوله ههنا {إن هو إلا ذكر} أي موعظة {وقرآن مبين} ذو البيان أو الإبانة وأنه يشمل البرهان والجدل. أما البرهان فظاهر، وأما الجدل فلأن النتيجة إذا كانت في نفسها حقة. فالرجل العالم المحق ليس عليه إلا إفحام الخصم الألدّ وإلزامه بمقدّمات مسلمة أو مشهورة، ومما يؤيد ما ذكرنا ما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ قول طرفة: شعر : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد تفسير : هكذا: ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار. ولا ريب أنه كان يتأتى له رواية الشعر إن لم يتأت له فرصة، وما ذاك إلا للتنزه عما يشبه ما يشين رتبته ولا يوافق وغزاه. ويروى أنه صلى الله عليه وسلم حين قال: شعر : هل أنت إلا إصبع دميت تفسير : انقطع الوحي أياماً حتى قالت الكفار إن محمداً قد ودعه ربه وقلاه، وهذا أحد أسباب نزول تلك الآية. ولمثل ما قلنا لم يروَ عنه كلام منظوم وإن كان حقاً وصدقاً كالذي قاله بعض الشعراء في التوحيد والحقائق. وقد أشار إلى نحو ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن من الشعر لحكمة"تفسير : وقد مر في تفسير قوله سبحانه في آخر الشعراء {أية : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} تفسير : [الآية: 227] وذلك أن الشاعر يقصد لفظاً فيوافقه معنى حكمي. وبالجملة لا يخلو الشعر عن تكلف مّا، وقد يدعوه النظم إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ، فأين الشارع من الشاعر؟ ثم بين كون القرآن منزلاً على هذا الوجه بقوله {لتنذر} يا محمد أو لينذر هو أي القرآن {من كان حياً} عاقلاً متأملاً. ويجوز أن تكون الحياة عبارة عن الإيمان، أو المراد بالحي من يؤل حاله إلى الإيمان. أو المراد بالإنذار الانتفاع به مثل {أية : هدى للمتقين} تفسير : [البقرة: 2] {أية : إنما تنذر من اتبع الذكر}تفسير : [يس: 11] وقوله {ويحق القول} كقوله في أول السورة {لقد حق القول} وقد مر وهذا كلام مطابق من حيث المعنى كأنه قال: لتنذر من كان حياً ويحق القول على من كان ميتاً لأن الكافر في عداد الموتى. ثم عاد إلى تقرير دلائل الوحدانية مع تعداد النعم فقال {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت} أي من جملة ما عملته {أيدينا} فاستعار عمل الأيدي لتفرده بالأحداث والإيجاد مع اشتمال المحدث والموجد على غرائب وعجائب حتى قال فيه {أية : أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت}تفسير : [الغاشية: 17] وقوله {فهم لها مالكون} إشارة إلى اتمام الإنعام في خلق الأنعام. وقوله {وذللناها لهم} إشارة إلى ما فوق التمام فقد يملك الشيء ولا يكون مسخراً، ومن الذي يقدر على تذليل الإبل لولا أمر الله بتسخيرها حتى قال بعضهم: شعر : يصرف الصبيّ بكل وجه ويحبسه على الخسف الجرير وتضربه الوليدة بالهراوي فلا غير لديه ولا نكير تفسير : والجرير حبل يجعل للبعير بمنزلة العذار للدابة. ومن زعم أن الملك بمعنى الضبط من قوله: لا أملك رأس البعير أن يفر. يلزمه التكرار. ثم فصل بعض منافعها بقوله {فمنها ركوبهم} والركوب والركوبة ما يركب كالحلوب والحلوبة، والتاء للمبالغة. وقيل: للوحدة والمنافع كالجلود والأوبار والأصواف، ذكرها بالاسم العام لما في تفصيلها من الطول. والمشارب جمع مشرب وهو موضع الشرب اي الأواني المتخذة من جلودها، أو هو الشرب كالألبان والأسمان. وحين وبخهم على عدم الشكر بقوله {أفلا يشكرون} زاد في توبيخهم بقوله {واتخذوا من دون الله آلهة} أي وضعوا الشرك مكان الشكر فلا أظلم منهم. وفي قوله {لعلهم ينصرون} إلى قوله {محضرون} وجهان: أحدهما أنهم طمعوا في أن يتقوّوا بهم ويعتضدوا بمكانهم والأمر عكس ذلك حيث هم جند لآلهتهم معدّون يخدمونهم ويذبون عنهم من غير نفع في آلهتهم. وثانيهما اتخذوهم لينصرونهم عند الله بالشفاعة، والأمر على خلاف ذلك حيث إن آلهتهم يوم القيامة جند محضرون لعذابهم لأنهم يجعلون وقوداً للنار. ووجه ثالث وهو أن يكون قوله {وهم لهم جند محضرون} تأكيداً لعدم الاستطاعة فإن من حضر واجتمع ثم عجز عن النصرة يكون في غاية الضعف بخلاف من لم يتأهب ولم يجمع أنصاره. ثم عقب دليل التوحيد بالرسالة مسلياً رسوله بقوله {فلا يحزنك قولهم} باتخاذ الشريك لله أو بالطعن في الرسالة أو بالإيذاء في والتهديد. ثم علل عدم الحزن بقوله {إنا نعلم ما يسرون} من النفاق وسائر العقائل الفاسدة {وما يعلنون} من الشرك وسائر الأفعال القبيحة، أو يسرون من المعرفة بالله ويعلنون من العناد وجوّز جار الله فتح "أن" على تقدير لام التعليل، بل جوز أن تكون المفتوحة بدلاً من {قولهم} والمكسورة مفعولاً لـ {ـقولهم} ويكون نهي الرسول عن ذلك كنهيه عن الشرك في قوله {أية : ولا تكونن من المشركين}تفسير : [الأنعام: 14] ثم اردف الرسالة بالحشر مع أن فيه دليلاً آخر على التوحيد مأخوذاً من الأنفس، فإن الأول كان مأخوذاً من الآفاق. وفي قوله {فإذا هو خصيم مبين} وجهان: أحدهما فإذا هو بعد ما كان ماء مهيناً رجل مميز منطيق معرب عما في ضميره كقوله {أية : أو من يُنَشَّؤُاْ في الحلية وهو في الخصام غير مبين}تفسير : [الزخرف: 18] فقوله {من نطفة} إشارة إلى أدنى ما كان عليه الإنسان وقوله {فإذا هوخصيم مبين} إشارة إلى أعلى ما حصل عليه الآن، لأن أعلى أحوال الناطق أن يقدر على المخاصمة والذب عن نفسه بالكلام الفصيح. وثانيهما قول كثير من المفسرين إنها نزلت في جماعة من كفار قريش تكلموا في البعث فقال للهم أبيّ بن خلف الجمحي: واللات والعزى لأصيرن إلى محمد ولأخصمنه. وأخذ عظماً بالياً فجعل يفتته بيده ويقول: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمّ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم ويبعثك ويدخلك جهنم. قال أهل البيان: سمى قولهم {من يحيي العظام وهي رميم} مثلاً لأن إنكار قدرة الله تعالى على إحياء الموتى قصة عجيبة. وفيه تشبيه الخالق اللقادر العليم بالمخلوق العاجز عن خلق أدنى بعوضة الجاهل بما يجري عليه من الأحوال. والرميم اسم لما بلي من العظام كالرمة والرفات ولا يبعد أن يكون صفة. ولم تؤنث بتقدير موصوف محذوف أي شيء رميم، أو لأنه بمعنى فاعل كقوله {أية : إن رحمة الله قريب}تفسير : [الأعراف: 56] وفي الآية دليل ظاهر على أن عظام الميتة نجسة لأن الموت والحياة يتعاقبان عليها. وقال أصحاب أبي حنيفة: إنها طاهرة وإن الحياة لا تحل فيها فلا يتصور موتها، وكذا الشعر والعصب. وتأوّلوا الآية بأن المراد بإحياء العظام ردّها على ما كانت عليه غضة طرية في بدن حيّ حساس. واعلم أن المنكرين للحشر منهم من اكتفى في إنكاره بمجرد الاستبعاد كقوله {من يحيي العظام وهي رميم} فأزال استبعادهم بتصوير الخلق الأول فإن الذي قدر على جعل النطفة المتشابهة الأجزاء إنساناً مختلف الأبعاض والأعضاء، مودعاً فيه الفهم والعقل وسائر أسباب المزية والفضل، فهو على إعادتها أقدر. ومنهم من ذكر شبهة وهي كقولهم: إن الإنسان بعد العدم لم يبق شيئاً فكيف يصح إعادة المعدوم عقلاً؟ أو كقولهم: إن الذي تفرقت أجزاؤه في أبدان السباع وجدران الرباع كيف يجمع ويعاد؟ أو كقولهم إن إنسانأً إذا نشأ مغتذياً بلحم إنسان آخر فلا بد أن لا يبقى للآكل وللمأكول جزء يمكن إعادته. فأجاب الله تعالى عن الأول بقوله {يحييها الذي أنشأها أوّل مرة} يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً فإنه يعيده وإن لم يكن شيئاً. وعن الباقيتين بقوله {وهو بكل خلق عليم} فيجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع والسباع وهكذا يعلم الأصلي من الفضلي فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل والمأكول. ثم شبه خلق الإنسان بل الحيوان من قبل إيداع الحرارة الغريزية التي بها قوام الحياة في جوهر رطب طريّ بإنشاء الشجر الخضر الذي تنقدح منه النار. قالت العرب: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار أي استكثر واستغزر يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ - وهو ذكر علىالعفار- وهي أنثى- فتنقدح النار بإذن الله عز وجل. وعن ابن عباس: ليس من شجرة إلا وفيها نار إلا العناب قالوا: ولذلك يتخذ منه كذينقات القصارين. قلت: ويشبه أن يكون كل شجرة في غاية الصلابة هكذا إلا أن يكون له سبب خاص به كما يروى أنه معجزة لموسى عليه السلام فإنه قد رأى النار فيها فلا ينبغي لغيره أن يراها. ثم أكد قدرته الكاملة على خلق الإنسان إبداء وإعادة بتذكر خلق السموات والأرض الذي هو أكبر من خلق الناس. ثم أثبت ما نفاه مستفهماً للتقرير بقوله {بل وهو الخلاق} الكثير الخلق الكامل فيه {العليم} بكل جوهر وعرض وما يطلق عليه اسم الشيئية. ثم بين أن إيجاده ليس متوقفاً إلا على تعلق الإرادة بالمقدور وقد مر تقريره في أوائل "البقرة" وغيرها. قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء. وأجيب بأن الآية دلت على أنه حين تعلق الإرادة به شيء، أما إنه قبل ذلك شيء فكلا. ثم ختم السورة بتقرير المبدأ والمعاد على الإجمال. فقوله {بيده ملكوت كل شيء} إشارة إلى المبدأ. وقوله {وإليه ترجعون} إشارة إلى المعاد وإذا تقرر الطرفان فما بينهما الوسط المشتمل على التكاليف والرسالة، فهذه الآية كالنتجية للمقدمات السابقة في السورة. عن ابن عباس: كنت لا أعلم ما روي في فضائل يس وقراءتها كيف خصت بذلك فإذا أنه لهذه الآية. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس"تفسير : فذكر الإمام الغزالي رضي الله عنه أن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر وأنه مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه فلذلك سماها قلب القرآن. وقال غيره: إن الأصول الثلاثة التي يتعلق بها نصيب الجنان وهي التوحيد والرسالة والحشر مكررة في هذه السورة. وليس فيها شيء من بيان وظيفة اللسان ولا العمل بالأكان. فلما كان أعمال القلب لا غير سماه قلباً، ولهذا ورد في الأخبار أنه ينبغي أن تقرأ على الميت حالة النزع وذلك ليزداد بها قوة قلبه، فإن الأعضاء الظاهرة وقتئذ ساقطة المنة، والقلب مقبل على الله معرض عما سواه ولنا فيه وجه هو بالتأويل أشبه فلنذكره هناك. الـتأويل: {اتقوا ما بين أيديكم} من الدنيا وشهواتها {وما خلفكم} من نعيم الجنة ولذاتها {لعلكم ترحمون} بمشاهدة الجمال وأنوار الكمال {ونفخ في الصور} إشارة إلى نفخ إسرافيل المحبة في صور القلب، فإذا السر والروح والخفى من أجداث أوصاف البشرية {إلى ربهم ينسلون} يرجعون بعضها بالسير وبعضها بالطيران {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل} شغلهم الله بالمفاكهة عن المشاهدة كما قال بعض الصوفية: والناس يخرجون من مسجد الجامع هؤلاء حشو الجنة. وللمجالسة اقوام آخرون وهم الفارغون من الالتفات إلى الكونين. قال الله تعالى {أية : فإذا فرغت} تفسير : [الشرح: 7] أي من تعلقات الكونين {أية : فانصب}تفسير : [الشرح: 7] لطلب الوصال. ويحكى أن الآية قرئت في مجلس الشبلي رضي الله عنه فشهق شهقة وغاب، فلما أفاق قال: مساكين لو علموا أنهم عم شغلوا لهلكوا. ويحتمل أن يقال: إنهم اليوم أي في الدنيا ف شغل بأنواع الطاعات والعبادات من طلب الحق والشوق إلى لقائه كما يحكى عن يحيى بن معاذ أنه قال: رايت رب العزة في منامي فقال لي: ابن معاذ، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني. ويمكن أن يقال: إنهم اليوم في الدنيا في شغل بالطاعات والرضا بما قسم الله عن طلب اللذات والفوائد وارتكاب المحرمات والزوائد. أو يقال: إنه خطاب للعصاة فإن أهل الله هم المستغرقون في بحار عظمة الله، وأهل الجنة مشتغلون باستيفاء اللذات وليس العصاة إلا رحمتي وكرمي كما قال {أية : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله}تفسير : [الزمر: 53] {وتشهد أرجلهم} في بعض الأخبار المروية أن عبداً لتشهد عليه أعضاؤه بالذلة فتتطاير شعرة من جفن عينه فتستأذن بالشهادة له فيقول الحق تعالى: تكلمي يا شعرة جفن عين عبدي واحتجي عن عبدي. فتشهد له بالبكاء من خوفه فيغفر له وينادي مناد: هذا عتيق الله بشعرة. {ومن نعمره ننكسه} إن السالك إذا عمر صار في آخر الأمر إلى الفناء في الله حتى لا يبقى منه ما يستند الفعل إليه. وفي قوله {وما علمناه الشعر} إشارة إلى أن العلوم والصنائع كلها من الله تعالى وبتعليمه وإلهامه. {من الشجر الأخضر} وهو شجرة البشرية نار المحبة {توقدون} مصباح قلوبكم. وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن قلب القرآن يس"تفسير : لأن ذكره صلى الله عليه وسلم رمز إليه في أول السورة وفي آخرها. أما الأول فقد مر في تفسير لفظ {يس} وأما الثاني فلأن قوله {فسبحان} إلى آخره يدل على المبدأ والمعاد تصريحاً، وعلى الرسالة ضمناً، ولا ريب أن القلب خلاصة كل ذي قلب، وإنه صلى الله عليه وسلم كان خلاصة المخلوقات وكان خلقه القرآن الذي نزل على قلبه، وكأن فاتحة السورة وخاتمتها مبنية على ذكره منبئة عن سره كالقلب في جوف صاحبه فلأجل هذه المناسبات أطلق على {يس} أنه قلب القرآن والله ورسوله أعلم بأسرار كلامه.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ} جوابها محذوف أي أعرضوا يدل عليه بعده: {إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ}. وعلى هذا فلفظ "كانوا" زائدٌ، قال ابن عباس: ما بين أيديكم يعني الآخرة فاعملوا لها، وما خلفكم يعني الدنيا فاحْذَرُوها ولا تغترّوا بها. وقيل: ما بين أيديكم وقائع الله فيمن كان قبلكم من الأمم وما خلفكم عذاب الآخرة قاله قتادة ومقاتل، "لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ". قوله: {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} أي دلالة على صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا كانوا عنها معرضين. وهذا الاستئناف في محل (نصب) حال كما تقدم في نظائره، وهذه الآية متعلقة بقوله تعالى: {أية : يَٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} تفسير : [يس:30] أي إذا جاءتهم الرسل كذبوا وإذا أتوا بالآيات أعْرَضُوا. قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُوا} لما عدد الآيات بقوله: ({وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ}) (و) "آيةٌ لَهُمُ اللِّيْلُ" (و) {آيةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ} وكانت الآيات تفيد اليقين والقطع ولم تفدهم اليَقِينَ قال فلا أقلَّ من أن يَحْترزوا وقوع العذاب، فإن من أخبر بوقوع العذاب يتقيه وإن مل يقطع بصِدق المخبر احْتِيَاطاً فقال تعالى: إذا ذكرتم الدليل القاطع لا يعترفون به فإذا قيل لهم اتقوا لا يتقون فهم في غاية الجهل ونهاية الغفلة لا مثل العلماء الذين يبنون الأمر على الأحوط ويدل على ذلك قوله تعالى: "لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" بحرف التمنِّي أي أن يخفى عليه البرهان لا يترك الاحتراز والاحْتِيَاطَ. قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱلله} أي أعطاكم الله. وهذا إشاءة إلى أنهم بخلوا بجميع التكاليف لأن المكلف يجب عليه التعظيم لجانب الله والشفقة على خلق الله وهم تركوا التعظيم حيث قيل لهم: اتَّقُوا (فلم يَتَّقُوا) وتركوا الشفقة على خلق الله حيث قيل لهم: أَنْقِقُوا ولم ينفقوا فما الحكمة في حذف الجواب في قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ}؟ وههنا أجاب وأتى بأكثر من الجواب ولو قال: "وإذا قيل لهم أنفقوا قالوا أنُطْعِمُ مَنْ لو يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ" لكان كافياً فما الفائدة في قوله تعالى: {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} فالجواب: أن الكفار كانوا يقولون بأنَّ الإطعام من الصِّفات الحميدة وكانوا يفتخرون بطُعمةِ الأضياف فأوردوا في ذلك على المؤمنين معتقدين بأن أفعالنا مَنًّا ولولا إطعامنا مَنَّا لما اندفعت حاجة الضيف وأنتم تقولون: إنّ إلهكم يرزق من يشاء فَلِمَ تقولون لنا: أنفقوا؟ فلما كان غرضهم الرد على المؤمنين، لا الامتناع من الإطعام قال تعالى عنهم:{قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} إشارة إلى الرد. وأما قوله: {اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} فلم يكن لهم رد على المؤمنين فأعرضوا فأعرض (الله) عن ذكر إعراضهم لحصول العِلْمِ به. فصل قال المفسرون: إن المؤمنين قالوا لكفار مكة: أَنْفِقُوا على المساكين مما زعمتم أنه لله من أموالكم وهو ما جعلوا لله من حُرُوثهم وأَنْعَامهم "قَالوا أَنُطْعِمُ" أنرزق "مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللُّهُ" رزقه ثم لم يرزقه مع قدرته عليه فنحن نوافق مشيئة الله فلا نطعم من لم يطعمه الله. وهذا مما يتمسك به البخلاء يقولون: لا نعطي من حرمه الله. وهذا الذي يزعمون باطل؛ لأن الله تعالى أغنى بعض الخلق وأفقر بعْضَهم ابتلاءً فمنع الدنيا من الفقير لا بخلاً، وأمر الغني بالإنفاق لا حاجة إلى ماله ولكن ليبلو الغنيّ بالفقير فيما فرض له في مال الغني ولا اعتراض لأحد على مشيئة الله وحكمه في خلقه. فإن قيل: ما الفائدة من تغيير اللفظ في جوابهم حيث لم يقولوا: أننفق من لو يشاء الله رزقه وذلك أنهم أمروا بالإنفاق في قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ} فكان جوابهم أن يقولوا: أننفقُ؛ فَلِمَ قالوا: أنطعم؟. فالجواب: أن في هذا بيانَ غاية مخالفتهم لأنهم إذا أمروا بالإنفاق والإنفاق يدخل فيه الإطعام وغيره فمل يأتوا بالإنفاق ولا بأقلَّ منه وهو الإطعام. وهذا كقول القائل لغيره: "أَعْطِ زَيْداً دِينَاراً" فيقول: لاَ أُعْطِيهِ دِرْهماً مع أن المطابق هو أن يقول لا أعطيه ديناراً ولكن المبالغة في هذا الوجه أتمّ. فكذلك ههنا. فإن قيل: قولهم: {مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ} كلام حق فلماذا ذكر في معرض الذَّمِّ؟. فالجواب: لأن مرادهم كان الإنكارَ لقدرة الله أو لعدم جواز الأمر بالإنفاق مع قدرة الله وكلاهما فاسدٌ فبيّن الله ذلك بقوله: {مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللهُ} فإنه يدل على قدرته ويصحِّح أمره بالإعطاء لأن من كان له في يد الغير مال وله في خزانته مال فهو مخير إن أراد أعطى مما في خزانته وإن أراد أمر من عنده المال بالإعطاء، ولا يجوز أن يقول من في يده مال: في خزانتك أكثر مما في يدي أعطه منه. قوله: {مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ} مفعول "أَنُطْعِمُ" و "أَطْعَمَهُ" جواب "لو" وجاء على أحد الجَائِزين (و) هو تجرده من اللام. والأفصح أن يكون بلام، نحو: {أية : لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً} تفسير : [الواقعة:65] قوله: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} يقول الكفار للمؤمنين: ما أنت إلا في خطأ بيِّن في اتِّباعكم محمداً وترك ما نحن عليه وهذا إشارة إلى أنهم قطعوا المؤمنين بهذا الكلام وأن أمرهم بالإنفاق مع قولهم بقدرة الله ظاهر الفساد واعتقادهم هو الفاسد. فصل اعلم أَنَّ "إنْ" وردت للنفي بمعنى "ما" وكان الأصل في "إن" أنْ تكون للشرط والأصل في "مَا" أن تكون للنفي لكنهما اشتركا من بعض الوجوه فتعارضا. واستعمل "ما" في الشرط، واستعمل "إن" في النفي. أما وجه اشتراكهما فهو أن كل واحدة منها حرف مركب من حرفين متقاربين فإن الهمزة تقرب من الأنف والميم من النون ولا بد أن يكون المعنى الذي يدخل عليه "ما" و "إنْ" لا يكون ثابتاً أما في "ما" فظاهر وأما في "إنْ" فلأنك إذا قلت: "إنْ جَاءَ زَيْدٌ أَكْرِمْه" ينبغي أن لا يكون منه في الحال (مجيء) فاستعمل إِنْ مكان "ما". وقيل: "إنْ زَيْدٌ قَائِمٌ" أي ما زيد بقائم. واستعمل ما في الشرط تقول: مَا تَصْنَعْ أَصْنَعْ والذي يدل على ما ذكرنا أن "ما" النافية تستعمل بحيث لا تستعمل إن (وذلك) لأنك تقول: "مَا إنْ جَلَسَ زَيْدٌ" فتجعل إنْ "صلة" ولا تقول: "إنْ جَلَسَ زَيْدٌ"، بمعنى النفي وبمعنى الشرط تقول: إِمَّا ترين فتجعل "إنْ" أصلاً و "ما" صلة فدلنا هذا على أَنَّ "إنْ" في الشرط أصل و "ما" دخيل فيه و"ما" في النفي بالعَكْسِ. فصل قوله: "إنْ أَنْتُمْ" يفيد ما لا يفيد قوله: {أَنْتُمْ فِي ضَلاَلٍ} لأنه يوجب الحصر وأنه ليسُوا في غير الضَّلالِ، ووصف الضلال بالمُبِين أي أنه لظِهوره تبين نفسه أنه ضلال أي في ضلالٍ لا يخفى على أحد أنه في ضَلالَ. وقوله: "في ضلال" يفيد كونهم مَغْمُورِينَ فيه غائصين، فأما قوله في موضع آخر: "عَلَى بَيِّنَةٍ" و "عَلَى هُدى" فهو إشارة إلى كونهم راكبينَ متن الطريق المستقيم قَادِرينَ عليه. فصل إنما وصفوا المؤمنين بأنهم في ضَلالَ مبين لظنهم أن كلام المؤمنين متناقض ومن يتناقض كلامهُ يكون في غاية الضلال. قال ابن الخطيب: ووجه ذلك أنهم قالوا: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه وهذا إشارة إلى أن الله إن شاء أن يطعمهم فهو يطعمهم فكان الأمر بإطعامهم أمراً بتحصيل الحاصل وإن لم يشأ إطعامهم لا يقدر أحدٌ على إطعامهم لامتناع وقوع ما لم يشأ فلا قدرة لنا على الإطعام فكيف تأمروننا بالإطعام؟‍‍! ووجه آخر وهو أنهم قالوا إن أراد الله تجويعهم فلو أطْعَمْنَاهُم يكون ذلك سعياً في إبطال فعل الله وأنه لا يجوز وأنتم تقولون أطعموهم فهو ضلال. واعلم أنه لم يكن في الضلال إلا هم حيث نظروا إلى المراد ولم ينظروا إلى الطلب والأمر وذلك لأن العبد إذا أمره السِّيدُ بأمر لا ينبغي الاطِّلاَعُ على المقصود الذي لأجله الذي أمره به مثاله إذا أراد الملك الركوب للهجوم على عَدُوِّه بحيث لا يَطَّلع عليه أحد وقال للعبد: أَحْضِر المركوبَ فلو تطلع واستكشف المقصود الذي لأجله الركوب لنسب إلى أنه يريد أن يطلع عدوه على الحَذَرِ منه وكشف سره فالأدب في الطاعة هو اتباع الأمر لا تتبع المراد فاللَّه تعالى إذ(ا) قال: أنفقوا مما رزقكم الله لا يجوز أن يقال: لِمَ لَمْ يطعمهم (الله) مما في خزائنه؟.

القشيري

تفسير : هذه صفاتُ مَنْ سَيَّبَهم في أودية الخذلان، وَوَسَمهم بِسِمَةِ الحرمان، وأصَمَّهم عن سماع الـرُّشْد، وصَدَّهم بالخذلان عن سلوكِ القصد، فلا تأتيهم آيةٌ في الزَّجْرِ إلا قابلوها بإعراضهم، وتجافوا عن الاعتبار بها على دوام انقباضهم، وإذا أُمِرُوا بالإنفاقِ والإطعام عارضوا بأنَّ الله رازقُ الأنام، وإن يَشَأْ نَظَرَ إليهم بالإنعام: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱلله قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ}.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا قيل لهم} اى لكفار مكة بطريق الانذار: وبالفارسية [وجون كفته شود مر كافرا نراكه] {اتقوا} [بترسيد] {ما بين ايديكم} اى العقوبات النازلة على الامم الماضية الذين كذبوا رسلهم واحذروامن ان ينزل بكم مثلها ان لم تؤمنوا جعلت الوقائع الماضية باعتبار تقدمها عليهم كأنها بين ايديهم {وما خلفكم} من العذاب المعد لكم فى الآخرة بعد هلاككم جعلت احوال الآخرة باعتبار انها تكون بعد هلاكهم كأنها خلفهم او ما بين ايديكم من امر الآخرة فاعملوا لها وما خلفكم من الدنيا فلا تغتروا بها وقيل غير ذلك وما قدمناه اولى لان الله خوف الكفار فى القرآن بشيئين احدهما العقوبات النازلة على الامم الماضية والثانى عذاب الآخرة {لعلكم ترحمون} اما حال من واو اتقوا اى راجين ان ترحموا او غاية لهم اى كى ترحموا فتنجوا من ذلك لما عرفتم ان مناط النجاة ليس الا رحمة الله وجواب اذا محذوف اى اعرضوا عن الموعظة حسبما اعتادوه وتمرنوا عليه وزادوا مكابرة وعنادا كما دلت عليه الآية الثانية شعر : كسى را كه بندار درسر بود مبندار هركز كه حق بشنود زعلمش ملال آيد ازو عظ ننك شقايق بباران نرويد زسنك تفسير : وفى التأويلات النجمية {واذا قيل لهم اتقوا ما بين ايديكم} اى احذروا من الدنيا وما فيها من شهواتها ولذائذها {وما خلفكم} من الآخرة وما فيها من نعيمها وحورها وقصورها واشجارها واثمارها وانهارها وفيها ما تشتهى الانفس وتلذك الاعين منها {لعلكم ترحمون} بمشاهدة الجمال ومكاشفة الجلال وكمالات الوصال. وقال بعضهم {اتقوا ما بين ايديكم} من احوال القيامة الكبرى {وما خلفكم} من احوال القيامة الصغرى فان الاولى تأتى من جهة الحق والثانية تأتى من جهة النفس بالفناء فى الله وبالتجرد عن الهيآت البدنية فى الثانية والنجاة منها والرحمة هى الخلاص من الغضب بالكلية فانه ما دامت فى النفس بقية فالعبد لا يخلو عن غضب وحجاب وتشديد بلاء وعذاب

ابن عجيبة

تفسير : قلت: جواب "إذا" محذوف، أي: أعرضوا، فدلّ عليه قوله: "معرضين". يقول الحق جلّ جلاله: {وإِذا قيل لهم} أي: كفار قريش: {اتقوا ما بين أيديكُم وما خلفَكُم} أي: ما تقدّم من ذنوبكم، وما تأخّر مما أنتم تعملونه بعدُ، أو: ما بين أيديكم: ما سلف من مثل الوقائع التي حلَّت بالأمم المكذبة قبلكم، وما خلفكم من أمر الساعة، أو: ما بين أيديكم من فتنة الدينا، وما خلفكم من عذاب الآخرة. {لعلكم تُرحمون} لتكونوا في رجاء رحمة الله، فإذا قيل لهم ذلك أعرضوا. قال تعالى: {وما تَأتيهم من آيةٍ من آيات ربهم} الدالة على وحدانيته تعالى، وصدق رسوله، {إِلا كانوا عنها معرضين} لا يلتفتون إليها، ولا يرفعون لها رأساً، فـ "من" الأولى لتأكيد النفي، والثاني للتبعيض، أي: دأبهم الإعراض عن كل آية وموعظة. {وإذا قيل لهم أَنفقوا مما رزقكم اللهُ} أي: تصدّقوا على الفقراء، {قال الذين كفروا} من مشركي مكة {للذين آمنوا أَنُطْعِمُ من لو يشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ} عن ابن عباس رضي الله عنه: كان بمكة زنادقة، فإذا أُمروا بالصدقة على المساكين، قالوا: لا والله، أيُفقره الله ونُطعمه نحن؟!. قيل: سبب الآية: أن قريشاً لَمّا أسلم ضعفاؤهم، قطعوا عنهم صِلاتهم، فندبهم بعضُ المؤمنين إلى ذلك، فقالوا تلك المقالة. وقيل: إن قريشاً شَحَّتْ ـ بسبب أزمة نزلت بهم ـ على المساكين، مؤمِنهم وكافرهم، فندبهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى النفقة على المساكين، فقالوا على سبيل الجهل: أَنُطعم قوماً أراد الله فقرهم وتعذيبهم. ومن أمثالهم: كن مع الله على المدبر، حتى كان الرجل يرعى إبله، فيجعل السِمَان في الخصب، والمهازيل في الجدب، فإذا قيل له في ذلك، قال: أُكرم ما أَكرم الله، وأُهين ما أهان الله. ويحتمل أن يكون قولهم ذلك استهزاءً، فكأنهم قالوا: لِمَ لا يرزقهم إلهك الذي تزعم. قال الكواشي: قد يتمسّك بهذه الآية بعضُ البخلاء، فيقول: لا أُعطي مَن حرمه الله. وليس هذا بصحيح؛ لأن الله تعالى أغنى وأفقر، وجعل للفقير جزءاً من مال الغني كما يشاء. وفي الإحياء: أن المراد بالصدقة وشرعها: التخلُّص من رذيلة البخل، وذكل نفع يعود على المتصدق، بإخراجه عن حب الدنيا، وتعلُّق قلبه بها، الصادّ عن الله، وهؤلاء لم يفهموا حكمة الله، فقالوا ما قالوا. هـ. ثم قال: {إِن أنتم إِلا في ضلال مبين} في أمركم لنا بالنفقة، أو في غير ذلك من دينكم، أو: يكون من قول الله تعالى للكفرة. الإشارة: وإذا قيل للعامة: اتقوا ما بين أيديكم، من شدائد الدنيا، وما خلفكم، من أهوال الآخرة، لعلكم تُرحمون فيهما؛ فإن التقوى الكاملة تحفظ الرجل في حياته وبعد مماته، وربما يسري الحفظ إلى عقبه، كما هو مشاهد في عقب أولياء الله. أو: إذا قيل لهم: اتقوا خواطر التدبير فيما بين أيديكم؛ إذ ليس أمره بيدكم، فجُل ما تبنيه من التدبير تهدمه رياح التقدير، وخواطر التدبير، فيما سلف قبلكم، إذ فيه تحصيل الحاصل، وتعطيل الوقت بلا فائدة. {لعلكم تُرحمون} بمقام الرضا، وسكون القلب وراحته تحت مجاري القضاء، أعرضوا وانهمكوا في أودية الغفلة والخواطر. وما تأتيهم من آية دالة على وحدانيته تعالى، وانفراده بالخلق والتدبير، إلا كانوا عنها معرضين. قال القشيري: هذه صفة مَن سَيَّبَهم في أودية الخذلان، ووَسَمَهم بسِمَة الحرمان، وأصَمَّهم عن سماع الرُّشْد، وصَدَّهم بالخذلان عن سلوك القصد، فلا تأتيهم آيةٌ في الزَّجْرِ إلا قابلوها بإعراضهم، وتجافوا عن الاعتبار بها، على دوام انقباضهم، وإذا أُمِرُوا بالإنفاق والإطعام عارضوا بأنَّ الله رازقُ الأنام، وإذا شاءَ نَظَرَ إليهم بالإِنعام. هـ. ثم ذكر استعجالهم البعث، فقال: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَذَا...}

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : وإذا قيل للمشركين والفجّار، المنافقين المغترِّين بعقولهم القاصرة، وفطانتهم المبترة: اتقوا ما بَيْنَ أيديكم من أمر الآخرة، فاعملوا لها، واحذروا عقوبتها وعذاب نيرانها، وما خَلْفَكُم من أمر الدنيا، فأحذروها ولا تغترّوا بظاهر زينتها وَرَوْنقها وَتَزْويقها، وذلك كما في قوله تعالى: {أية : أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [سبأ:9]. لعلَّكم تُرحمون: أي لتكونوا على رجاء رحمة من الله، لأن من خاصيّة الإتّقاء استجلاب الرحمة الالهية. وعن مجاهد: اتقوا ما مضى من الذنوب، وما يأتي من الذنوب، أراد به: اتقوا عذاب الله بالتوبة للماضي، والإجتناب للمستقبل. وعن قتادة: اتقوا العذاب المُنْزَل على الأمم الماضية، وما خلفَكم من عذاب الآخرة. وروى الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: "معناه اتقوا ما بينَ أيديكم من الذنوب، وما خلفَكم من العقوبة". وسيأتي لك لهذا الوجه زيادة تحقيق وتطبيق. وأما جواب "إذا" فهو محذوف، دلَّ عليه قوله: {أية : إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ}تفسير : [يس:46] تقدير الكلام: إذا قيل لهم اتقوا أعْرَضوا عن التأمل في الحُجَج والبيِّنات، وعن التفكر في أمور الآخرة، عن مأخذ العلوم اليقينيّة دون ظواهر النقول والحكايات. مكاشفة قلبية إعلم أن المعلوم المكشوف عند أهل الله، أن تكرار الأفاعيل والأعمال، يوجب حدوث الأخلاق والمَلَكَات، وهي مما سيظهر في النشأة الآخرة بصورة تُنَاسِبُها، فما هو سبب إيلام الأشقياء في العقبى، من الحيّات والعقارب والنيران والحميم، والزَّقُوم، فهو بعينه موجود في سرّ قلبه، ومكنون باطنه، وإن لم تشاهده هذه العين وهذه الحواس، لأنها ينحصر إدراكها، بملاحظة الظواهر في صورها الدنيوية، وأما إدراكها بحقائقها وصورها الباطنية، فإنما تختص بذلك مشاعر باطنية ومدارك أخروية. فما وَرَدَ الأمر باتقائه في قوله: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ}، يرجع إلى أمر واحد، تارةً يكون في الدنيا بطور يناسب ظهوره في هذه النشأة، من صورة شهية مُلِذَّة تتلذذ به الحواس، ويشتاق له الوَهْم الحيواني والتخيّل البهيمي، وتارة يكون في الآخرة، بطور يناسب ظهوره فيها، من صورة مؤلمة موحشة مؤذية: تتألم بها نفوس الأشقياء، ويستوحش منها كلٌ من المشتغلين بها ها هنا، قائلاً عند كشف الغطاء ورفع الحجاب وحلول العذاب: {أية : يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ}تفسير : [الزخرف:38]. فبالحقيقة، ما يكون في الآخرة سبب إيلام المعذَّبين، ومنشأ عقوبة الفاسقين، هو معهم ها هنا، وفي إهابهم من العقائد الباطلة والنيّات الفاسدة والأغراض النفسانية والدواعي الحيوانية، من حب المال والجاه والكِبْر، والفَخْر والحسد، والرُّعونَة والمكر، والحيلة والرياء، وطلب الشُّهرة ومَيْل الرياسة، وغير ذلك من الأمور، التي تندرج جميعها تحت حب الدنيا، التي هي رأس كل خطيئة. وهو "التنيّن" الذي يَتَوَلَّد منه للمحب للدنيا، المعرض عن طلب الآخرة، تسع وتسعون حيّة، لكل حيّة تسعة وتسعون رأساً، ينهشونه ويلحسونه وينفخون في جسمه إلى يوم القيامة، كما ورد في الحديث في باب عذاب الكافر في قبره، فهذا التنيّن متمكِّن من صميم فؤاد الكفّار والمنافقين، ينهشهم ويلحسهم، لكن لا يُدْرِكونَ إيلام لَدْغه ولَسْعه، وإيحاش هيئته وشكله، لسُكْر نفوسهم بمسكرات الدنيا، ونوم غفلتهم بمرقّدات الهوى، واشتغالهم بمزَخْرَفات هذه الأدنى. وأهل الآخرة لصحة معرفتهم، وقوة بصيرتهم، يشاهدون إيلام هذه المشتهيات، وَيتَّقون سميّةَ هذه الحيّات، المكنونة تحت نقوشها المُزَخْرَفات، المستورة عن إدراك المُكِبيّن على طلب اللّّذات، وتحصيل المألوفات الحسِّيات، المعرِضينَ عما أعد الله لعباده الصالحين، من إدراك الحقائق المعقولات، والمعارف الالهيات، مِمّا لا عينٌ رأَتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ. تعليم فُرقاني فيه سر ربَّاني هل تعلم ما النكتة في التعبير عن الصُّور الواقعة في الدنيا، التي هي دار المتغيِّرات والمتجدِّدات، ودار الزراعة والحراسة، بـ "مَا خَلْفَكُمْ"، وفي التعبير عن أمور الآخرة التي هي دار الباقيات الثابتات، ودار الثمرة والجزاء بـ "ما بينَ أيديكم". النكتة فيه، أن نَفْسَ الإنسان من جملة المكوِّنات لها، توجُّه طبيعي إلى عالم الآخرة وعالم البقاء، فهي منذ خُلِقَت مجبولة بحسب الفطرة، على أن تسافر من منزل إلى منزل، وتتخطى من مرتبة إلى مرتبة، ومن حالة إلى حالة، ومن طَوْر إلى طَوْر، حتى تنتهي إلى آخر منزل من منازل الدنيا، وأول منزل من منازل الآخرة، ولكل إنسان، سواء كان من السعداء أو الأشقياء، درجة معيَّنة في الآخرة، ومقام من الجنة والنار يقف عنده - هو آخر سَيْره ومنتهى سَفَره - إذ السلوك منقطع هناك، فالمنازل والدرجات هناك، بحسب مراتب السير ها هنا، كمالاً ونقصاً. فإذا تقرر هذا فنقول: ما مِن منزل من المنازل الدنيوية، ونشأة من النشآت الصورية، إلاّ وتتجاوزه النفوس وتتخطاه، وتجعله خَلْفَ ظهرها، وما من منزل من منازل الآخرة، إلاّ وتستقبله نفس من النفوس، وتجعله نصْب عينها، ويكون حاضراً بين يديها، فكل نفس من النفوس البشرية، لها جادة معلومة عند الله تسير فيها، بحسب ما يَسَّر الله لها، فإن كانت بحسب ما تَقَرَّر في القضاء السابق، أنها من جملة الأشقياء، فهي أبداً تتقوَّى في تجوهرها، وتشتد في صورة طينتها، وتتطور في أطوار شقاوتها ودرجات بُعْدِها من رحمة ربها، إلى أن بَلَغَتْ غايةَ أشُدِّها الباطني. وإن كانت بحسب التقدير من السعداء، فلا تزال تتقوى روحها بالأغذية الروحانية العلمية، والأشربة العملية، فتترقى من طور إلى طور في سعادتها، وسَلْكِ سبيل سيرها، ودرجاتِ قربها من الرحمان، إلى أن بلغت أشدَّها العقلي. ورُشْدَها المعنوي، فإذا رُفعَ الحجاب، وكُشِفَ الغطاء، كانت كل واحدة منها في مرتبتها التي بلغت إليها طرفةَ عَيْن. وإنما الغرض الأصلي من إرسال الرسل وإنزال الكتب، الاعلامُ والتأكيد لأهل الهداية، وزيادة التشويق والترغيب والإنذار والترهيب لهم، وإبلاغ الحجة على أهل الشقاوة والجحود، وزيادة الإبعاد والطرد والحجاب فيهم، فإن التعليم والإرشاد لا يوجب لأهل النقمة إلاّ غيّاً وضلالاً، كما أن الماء الصافي، لا يزيد في الجِيفَة إلاّ تَعْفيناً وإفساداً، كقوله تعالى: {أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ}تفسير : [البقرة:26] وكقوله تعالى: {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ}تفسير : [الأنفال:42]. فقوله: "اتَّقوا": خطاب للمشركين أو لجميع المكلَّفين، إلاّ أن السامع لهذا الكلام، والمطيع له، من عَرَفَ نهاية حال الواغلين في الشهوات، ووخامةَ عاقبة المتلذِّذين بهذه المزخرفات، وأما الجُهَّال والمنافقون، فشأْنهم الإعراض عن سماع هذه الآيات، والإستهزاء بِمَن أتى بالحجج والبيّنات، كما دلَّت عليه هذه الآية وما يتلوها كنايةً وتصريحاً. وقوله: "ما بينَ أيديكم": إشارة إلى الصورة المؤلِمة التي يشاهدها الأشقياء في القبر والقيامة، وعند البعث والحَشْر، وعند الصراط والسِّياق إلى الجحيم. وقوله: "وما خَلَفكم": إشارة إلى الأعمال والأفعال القبيحة، المؤدِّية إلى المَلَكات والأخلاق الردية في عالم القلب الإنساني، المنكوس إلى السُّفْل، المنتجة في عالم الآخرة إلى الصورة المؤلمة الموحشة المعذبة، من النيران والجحيم وسلاسلها وأغلالها، وحميمها وزقّومها، وعقاربها وحيّاتها، ووهداتها.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} من حوادث الدّنيا وعذابها، او من عقبات الآخرة وعقوباتها {وَمَا خَلْفَكُمْ} يعلم بالمقايسة، وعن الصّادق (ع) معناه اتّقوا ما بين ايديكم من الذّنوب وما خلفكم من العقوبة {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} اعرضوا ولم يقبلوا حذف الجواب بقرينة قوله {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ...}.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ} أي: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} من وقائع الله بالكفّار، أي: لا ينزل بكم ما نزل بهم. {وَمَا خَلْفَكُمْ} عذاب الآخرة بعد عذاب الدنيا. يقوله النبي عليه السلام للمشركين. وهذا تفسير الحسن. وقال الكلبي: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ}: من أمر الآخرة، اتّقوها واعملوا لها، {وَمَا خَلْفَكُمْ} الدنيا إذا كنتم في الآخرة، فلا تغترّوا بها، أي: بالدنيا، فإنكم لتأتون الآخرة. وقال مجاهد: اتّقوا ما بين أيديكم وما خلفكم من الذنوب. قال: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي: لكي ترحموا. قوله: {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} تفسير الحسن: ما يأتيهم من رسول. قوله عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ} وهذا تطوّع {قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ اللهُ أَطْعَمَهُ} فإذا لم يشأ الله أن يطعمه لم نطعمه {إنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} يقوله المشركون للمؤمنين. قال: {وَيَقُولُونَ مَتَى هذَا الْوَعْدُ} أي: هذا العذاب {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي: يكذّبون به. قال الله: {مَا يَنظُرُونَ} أي: ما ينتظر كفار آخر هذه الأمة الدائنين بدين أبي جهل وأصحابه {إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} أي: النفخة الأولى، بها يكون هلاكهم {تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} [أي: يختصمون] في أسواقهم يتبايعون، يذرعون الثياب، ويخفض أحدهم ميزانه ويرفعه، ويحلبون اللّقاح، وغير ذلك من حوائجهم. ذكر أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه، فما يطويانه حتى تقوم الساعة، وتقوم الساعة والرجل يخفض ميزانه ويرفعه، وتقوم الساعة والرجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم الساعة، وتقوم الساعة والرجل قد رفع لقمة إلى فيه فما تصل إلى فيه حتى تقوم الساعة . تفسير : قال بعض أهل العلم: قضى الله ألا تأتيكم الساعة إلا بغتة، يعني قوله تعالى: (أية : لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً) تفسير : [الأعراف: 187].

اطفيش

تفسير : {وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم} الذي بين ايديهم الوقائع التي خلت في الأمم والذي خلفهم عذاب الآخرة وعليه قتادة ومقاتل او الذي بين ايديهم نوازل السماء والذين خلفهم نوائب الأرض أو الذي بين ايديهم عذاب الدنيا والذي خلفهم عذاب الاخرة وعليه الكلبي وابن عباس أو الذي بين ايديهم ما قدموا من الذنوب والذي خلفهم ما يتأخر منها وعليه مجاهد والحسن وقيل قال بالوجه الأول ويجوز العكس في تلك الأوجه كلها فإن يجعل ما ذكر انه ما بين ايديهم هو ما خلفهم وما ذكر أنه هو ما خلفهم هو ما بين ايديهم. {لعكم ترحمون} أي اتقوا ذلك راجين الرحمة او لتكونوا على رجاء رحمة فان الرجاء هو الطمع مع الأخذ في الأسباب وجواب اذا محذوف أي أعرضوا وذلك أن عادتهم الاعراض عن الموعظة والتذكير والتمرن على الاعراض ويدلك لذلك قوله عز وجل {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين} لا يتدبرونها.

اطفيش

تفسير : {وإذا قِيلَ لهُم} للمشركين مطلقا، أو لأهل مكة {اتقوا} احذروا {مَا بيْن أيْديكُم} مثل ما بين أيديكم من عذاب الأمم قبلكم على الكفر، أو اتقوا موجبه وهو الكفر {وما خَلْفَكم} عذاب الآخرة أو عكس ذلك، أو ما تقدم من ذنوبكم وما تأخر، أى عقابها، وزعم بعض أن المراد نوازل السماء ونوازل الأرض، وبعض أن المراد المكاره من حيث يحتسبون، ومن حيث لا يحتسبون {لعلَّكم تُرحمون} كى ترحموا أو قائلين لعلنا نرحم، والرحمة الإنجاء من العذاب، وجواب إذا محذوف تقديره أعرضوا.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } الخ بيان لإعراضهم عن الآيات التنزيلية بعد بيان إعراضهم عن الآيات الآفاقية التي كانوا يشاهدونها وعدم تأملهم فيها أي إذا قيل لأهل مكة بطريق الإنذار بما نزل من الآيات أو بغيره {ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ } قال قتادة ومقاتل: أي عذاب الأمم التي قبلكم، والمراد/ اتقوا مثل عذابهم {وَمَا خَلْفَكُمْ } أي عذاب الآخرة، وقال مجاهد في رواية عكس ذلك، وجاء عنه في رواية أخرى ما بين أيديهم ما تقدم من ذنوبهم وما خلفهم ما يأتي منها، وعن الحسن مثله، وقيل ما بين أيديهم نوازل السماء وما خلفهم نوائب الأرض، وقيل ما بين أيديهم المكاره من حيث يحتسبون وما خلفهم المكاره من حيث لا يحتسبون، وحاصل الأمر على ما قيل اتقوا العذاب أو اتقوا ما يترتب العذاب عليه. {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } حال من واو اتقوا أو غاية له [أي] راجين أن ترحموا أو كي ترحموا، وفسرت الرحمة بالإنجاء من العذاب، وجواب (إذا) محذوف ثقة بانفهامه من قوله تعالى: {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ...}.

ابن عاشور

تفسير : تخلص الكلام من عدم انتفاعهم بالآيات الدالة على وحدانية الله إلى عدم انتفاعهم بالأقوال المبلَّغة إليهم في القرآن من الموعظة، والتذكير بما حلّ بالأمم المكذبة أن يصيبهم مثلُ ما أصابهم، وبعدم انتفاعهم بتذكير القرآن إياهم بالأدلة على وحدانية الله، وعلى البعث. وبناء فعل {قِيلَ} للمجهول لظهور أن القائل هو الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغه عن الله تعالى، أي قيل لهم في القرآن. وما بين الأيدي يراد منه المستقبل، وما هو خلف يراد منه الماضي، قال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: { أية : مصدقاً لما بين يديَّ من التوراة } تفسير : [آل عمران: 50]، أي ما تقدمني. وذلك أن أصل هذين التركيبين تمثيلان فتارة ينظرون إلى تمثيل المضاف إليه بسائر إلى مكان فالذي بين يديه هو ما سيرد هو عليه، والذي من ورائه هو ما خلَّفه خلْفه في سيره، وتارة ينظرون إلى تمثيل المضاف بسائر، فهو إذا كان بين يدي المضاف إليه فقد سبقه في السير فهو سَابق له وإذا كان خلف المضاف إليه فقد تأخر عنه فهو وارد بعده. وقد فسرت هذه الآية بالوجهين فقيل: ما بين أيديكم من أمر الآخرة وما خلفكم من أحوال الأمم في الدنيا، وهو عن مجاهد وابن جبير عن ابن عباس. وقيل: ما بين أيديكم أحوال الأمم في الدنيا وما خلفكم من أحوال الآخرة وهو عن قتادة وسفيان. ومتى حمل أحد الموصولَين على ما سبق من أحوال الأمم وجب تقدير مضافين قبل {ما} الموصولة هما المفعول، أي اتقوا مثلَ أحوال ما بين أيديكم، أو مثل أحوال ما خلفكم، ولا يقدر مضافان في مقابله لأن مَا صْدَق {ما} الموصولة فيه حينئذٍ هو عذاب الآخرة فهو مفعول {اتَّقُوا}. وتقدم قوله تعالى: { أية : فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها } تفسير : في سورة البقرة (66). و (لعلّ) للرجاء، أي ترجى لكم رحمة الله، لأنهم إذا اتقوا حذروا ما يوقع في المتقى فارتكبوا واجتنبوا وبادروا بالتوبة فيما فرط فرضي ربهم عنهم فرحِمهم بالثواب وجنّبهم العقاب. والكلام في (لعل) الواردة في كلام الله تعالى تقدم عند قوله تعالى: { أية : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون } تفسير : في سورة البقرة (21). وجواب {إذا} محذوف دل عليه قوله في الجملة المعطوفة {إلاَّ كَانُوا عنها مُعْرِضِينَ}. فالتقدير هنا: كانوا معرضين. وجملة {ما تأتِيهم من ءايَةٍ من ءايٰتِ ربِهم إلاَّ كانوا عَنها مُعْرِضين} واقعة موقع التذييل لما قبلها، ففيها تعميم أحوالهم وأحوالِ ما يُبلَّغونه من القرآن؛ فكأنه قيل: وإذا قيل لهم اتقوا أعرضوا، والإِعراض دأبهم في كل ما يقال لهم. والآيات: آيات القرآن التي تنزل فيقرؤها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، فأطلق على بلوغها إليهم فعل الإِتيان ووصفها بأنها من آيات ربهم للتنويه بالآيات والتشنيع عليهم بالإِعراض عن كلام ربهم كفراً بنعمة خلقه إياهم. و{ما} نافية، والاستثناء من أحوال محذوفة، أي ما تأتيهم آية في حال من أحوالهم إلا كانوا عنها معرضين. وجملة {كانُوا عنها مُعْرِضِينَ} في موضع الحال.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 45- وإذا قيل لهم: خافوا مثل ما جرى للأمم الماضية بتكذيبهم، وخافوا عذاب الآخرة الذى تتعرضون له بإصراركم على الكفر - رجاء أن يرحمكم ربكم إذا اتقيتموه - أعرضوا. 46- وما تجيئهم من حجة من حجج ربهم دالةً على وحدانية الله وقدرته إلا كانوا عنها منصرفين. 47- وإذا قيل لهم أنفقوا على الفقراء مما رزقكم الله قال الكافرون للمؤمنين: أنطعم من لو أراد الله إطعامه، فنعاند بهذا مشيئة الله؟ ما أنتم - أيها الداعون إلى الإنفاق - إلا فى عمى واضح عن الحق. 48- ويقولون للمؤمنين - استهزاء بهم -: متى يقع هذا الذى وعدتمونا به إن كنتم صادقين فيما وعدتم؟! 49- ما ينتظرون إلا صوتاً واحداً يقضى عليهم بغتة، وهم يتنازعون فى شئون الدنيا، غافلين عن الآخرة. 50- فلا يستطيعون - لسرعة ما نزل بهم - أن يُوصلوا بشئ، ولا أن يرجعوا إلى أهلهم. 51- ونفخ فى الصور نفخة البعث، فإذا الأموات يخرجون من قبورهم مسرعين للقاء الله. والصور والنفخ فيه مما استأثر الله بعلمه.

القطان

تفسير : ما بين ايديكم: ما جرى للأمم السابقة. وما خلفكم: عذاب الآخرة. يخصِّمون: بكسر الصاد المشددة، يتخاصمون. الاجداث: جمع جدث، القبر. ينسِلون: يخرجون من قبورهم. من مرقدنا: من مكان نومنا، كأنهم كانوا نائمين في قبورهم. واذا قيل لهؤلاء المكذّبين: خافوا ان يصيبكم مثلُ ما جرى للأمم الماضية بتكذيبهم الرسل، وخافوا عذاب الآخرة لعلّ الله يرحمكم - أعرضوا وولّوا مستكبرين. ولا تجيئهم حجة من حجج الله الدالة على وحدانيته الا كانوا عنها منصرفين. أما اذا قيل لهم أنفِقوا على الفقراء والمحتاجين مما رزقكم الله، قالوا للمؤمنين: أتطلبون منا ان نطعم من لو أراد الله إطعامه لفعل!؟ انكم حقاً في ضلال مبين. ويقول الكافرون مستهزئين: متى يحصل هذا البعث الذي تعدوننا به! {مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} ستأتيهم الساعة بغتة، وما ينتظرون الا صوتاً واحداً يقضي عليهم بغتة، وهم يتنازعون في شئون الدنيا غافلين عن الآخرة. ثم بين الله سرعة حدوثها وأنها كلمح البصر او هي اقرب فقال: {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} يومذاك لن يوصوا في اموالهم بشيء، ولن يرجعوا الى أهلهم. وقد رويت في ذلك احاديث كثيرة تبين هول ذلك الموقف. ثم بين الله أنهم بعد موتهم يُنفخ في الصور النفخةَ الثانية، نفخةَ البعث من القبور فقال: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} وبعد النفخة الثانية يخرجون من قبورهم مسرعين الى الله.... وكل هذه المواقف من الحياة الاخرى لا نعلم عن حقيقتها شيئا الا ما ورد في القرآن الكريم. ثم بيّن الله تعالى انهم يعجبون حين يرون انفسهم قد خرجوا من قبورهم للبعث فيقولون: {قَالُواْ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا؟} من الذي أفاقنا من نومنا وبعثنا الى هذا الموقف!؟ فيقال لهم: {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ....} لَقد صدقَ المرسلون فيما أخبروا عنه. ثم تأتي الصيحة الأخيرة: {فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} ويقف الجميع صفاً صفا منتظمين منتظرين حسابهم وجزاءهم، وعند ذلك يعلن القرار: {فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} فيذهب اهل الجنة الى الجنة، واهل النار الى النار، ويلقى كلٌّ جزاءه بالعدل. قراءات قرأ ابن عامر وعاصم والكسائي: يَخِصّمون بفتح الياء وكسر الخاء والصاد المشددة. وقرأ ابن كثير وابو عمرو: يَخَصمون: بفتح الياء والخاء وتشديد الصاد المكسورة. وقرأ نافع: يخْصّمون: باسكان الخاء وتشديد الصاد وبهذا يكون جمع بين ساكنين. وفي المصحف الذي طبعه الملك الحسن في المغرب يَخَصّمون بفتح الياء والخاء وتشديد الصاد المسكورة. وقرأ حمزة: يخْصِمون: باسكان الخاء وكسر الصاد بدون تشديد.

د. أسعد حومد

تفسير : (45) - وَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلاَءِ، المُكَذِّبِينَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: احْذَرُوا أَنْ يَحِلَّ بِكُمْ مَا حَلَّ بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ مُكَذِّبِي الأُمَمِ الخَالِيَةِ، مِنْ دَمَارٍ وَهَلاَكٍ، واخْشَوا عَذَابَ اللهِ الذِي يَسْتَقْبِلُكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَآمنُوا بِاللهِ، وَأَطِيعُوا رَسُولَهُ، وَاعْمَلُوا صَالِحاً لَعَلَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْكُمْ وَيَرْحَمُكُمْ.. أَعْرَضُوا مُسْتَكْبِرِينَ، وَظَلُّوا فِي غَيِّهِمْ وَضَلاَلِهِمْ سَادِرِينَ.

الثعلبي

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} أي ما بين أيديكم من الآخرة فاعملوا لها {وَمَا خَلْفَكُمْ} من أمر الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها. قاله ابن عباس، وقال مجاهد: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ}: ما يأتي من الذنوب، {وَمَا خَلْفَكُم}: ما مضى من الذنوب. الحسن. {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} يعني وقائع الله فيمن كان قبلكم من الأُمم {وَمَا خَلْفَكُم} من أمر الساعة. مقاتل: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} عذاب الأُمم الخالية، {وَمَا خَلْفَكُم}: عذابُ الآخرة. {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، والجواب محذوف تقديره: إذا قيل لهم هذا، أعرضوا، دليله ما بعده: {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱلله قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنُطْعِمُ}: الرزق {مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ} يتوهمون أنّ الله تعالى لما كان قادراً على إطعامه وليس يِشاء إطعامه، فنحن أحق بذلك. نزلت في مشركي مكة حين قال لهم فقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اعطونا ما زعمتم من أموالكم أنها لله، وذلك قوله: {أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً}تفسير : [الأنعام: 136] فحرموهم، وقالوا: لو شاء الله أطعمكم فلا نُعطيكم شيئاً حتى ترجعوا إلى ديننا. {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} في اتباعكم محمداً ومخالفكتم ديننا. عن مقاتل بن حيان، وقال غيره: هو من قول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم. {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أنا نُبعث؟ فقال الله تعالى: {مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} وهي نفخة إسرافيل {تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} أي يختصمون ويُخاصم بعضهم بعضاً. واختلفت القراء فيه؛ فقرأ ابن كثير وورش وأبو عبيد وأبو حاتم بفتح الخاء وتشديد الصاد ومثله روى هشام عن أهل الشام: لما أدغموا نقلوا حركة التاء إلى الخاء. وقرأ أبو جعفر وأيوب ونافع غير ورش ساكنة الخاء مخففة الصاد، وقرأ أبو عمرو: بالإخفاء، وقرأ حمزة: ساكنة الخاء مخففة الصاد، أي يغلب بعضهم بعضاً بالخصام، وهي قراءة أُبي بن كعب، وقرأ الباقون: بكسر الخاء وتشديد الصاد.{فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً}: فلا يقدرون على أنْ يوصي بعضهم بعضاً، {وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ * وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} وهي النفخة الأخيرة: نفخة البعث، وبين النفختين أربعون سنة، {فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ} أي القبور، واحدها جدث {إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} يخرجون، ومنه قيل للولد: نسلاً؛ لأنه يخرج من بطن أُمّه، والنسلان والعسلان: الإسراع في السير. {قَالُواْ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} أي منامنا قال أُبي بن كعب وابن عباس وقتادة: إنما يقولون هذا؛ لأن الله رفع عنهم العذاب فيما بين النفختين فيرقدون، وقال أهل المعاني: إنّ الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها صار ماعذبوا في القبور في جنبها كالنوم، فقالوا: {مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} ؟ ثم قال: {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ}: أقرّوا حين لم ينفعهم الإقرار، وقال مجاهد: يقول الكفار: {مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} ؟ ويقول المؤمنون: {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ}. {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}، محل {مَا} نصب من وجهين: أحدهما: مفعول ما لم يسمَّ فاعله. والثاني: بنزع حرف [الخفض]، أي بـ(ما). {إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ}، قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وشيبة بجزم الغين، واختاره أبو حاتم، وقرأ الآخرون: بضم الغين، واختاره أبو عبيد، وهما لغتان مثل السُّحْت والسُّحُت ونحوهما. واختلف المفسرون في معنى الشغل. فأخبرنا محمد بن حمدون قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا أبو الأزهر قال: حدّثنا أسباط بن محمد عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس في قول الله تعالى: {إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ} قال: افتضاض الأبكار. وأخبرني فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا أحمد بن الوليد الشطوي قال: حدّثنا محمد بن موسى قال: حدّثنا معلى بن عبد الرَّحْمن قال: حدّثنا شريك عن عاصم الأحول عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عادوا أبكاراً ". تفسير : وقال الكلبي والثمالي والمسيب: يعني في شُغل عن أهل النار وعما هم فيه، لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم، وقال وكيع بن الجراح: يعني في السماع، سئل يحيى بن معاذ: أي الأصوات أحسن؟ قال: مزامير أُنس في مقاصير قدس بألحان تجميل في رياض تمجيد في مقعد صدق عند مليك مقتدر. وقال ابن كيسان: يعني في زيارة بعضهم بعضاً، وقيل: في ضيافة الله وقيل: في شغلهم بعشرة أشياء: ملك لا عزل معه، وشباب لا هرم معه، وصحة لا سقم معها، وعزّ لا ذل معه، وراحة لا شدة معها، ونعمة لا محنة معها، وبقاء لا فناء معه، وحياة لا موت معها، ورضا لا سخط معه، وأُنس لا وحشة معه. وقيل: شغلهم في الجنة بسبعة أنواع من الثواب لسبعة أعضاء: فأما ثواب الرِجل فقوله {أية : ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينََ}تفسير : [الحجر: 46]، وثواب اليد قوله: {أية : يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً}تفسير : [الطور: 23]، وثواب الفرج قوله: {أية : وَحُورٌ عِينٌ}تفسير : [الواقعة: 22]، وثواب البطن قوله: {أية : كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً}تفسير : [الطور: 19] الآية، وثواب اللسان قوله: {أية : وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [يونس: 10] وثواب الأُذن قوله: {أية : لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً * إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً}تفسير : [الواقعة: 25 - 26]، وثواب العين قوله: {أية : وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ}تفسير : [الزخرف: 71]. قال طاووس: لو علم أهل الجنة عمّن شغلوا ما هنّأهم ما اشتغلوا به، وسئل بعض الحكماء عن قوله (عليه السلام): "أكثر أهل الجنة البله" قال: لأنهم في شغل بالنعيم عن المنعم، ثم قال: من رضي بالجنة عن الله فهو أبله. {فَاكِهُونَ} قرأ العامة: بالألف، وقرأ أبو جعفر (فكهون وفكهين)بغير ألف حيث كانا، وهما لغتان: كالحاذر والحذر والفارهِ والفرهِ، وقال الكسائي: الفاكه والفاكهة مثل شاحم ولاحم ولابن وتامر، واختلف العلماء في معناهما، فقال ابن عباس: فرحون. مجاهد والضحاك: معجبون. السدي: ناعمون. {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ}: حلائلهم {فِي ظِلاَلٍ} قرأ العامة بالألف وكسر الظاء على جمع (ظلّ)، وقرأ ابن مسعود وعبيد بن عمير وحمزة والكسائي وخلف: (ظلل) على جمع (ظلة). {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ} يعني السُرر في الحجال، واحدتها أريكة، مثل سفينة وسفن وسفائن وقيل: هي الفرش، {مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ} قال ابن عباس: يسألون. قال مقاتل: يتمنون ويريدون، وقيل: معناه. من ادّعى منهم شيئاً فهو له بحكم الله عز وجل؛ لأنهم لا يدعون إلاّ ما يحسن. {سَلاَمٌ} قرأ العامة بالرفع، أي لهم سلام، وقرأ النخعي: بالنصب على القطع والمصدر. أخبرني الحسن بن محمّد بن عبد الله الحافظ قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا أحمد بن الفرج المقرئ قال: حدّثنا محمد بن عبد الملك أبي الشوارب قال: حدّثنا أبو عاصم عبد الله بن عبد الله العباداني قال: حدّثنا الفضل بن عيسى الرقاشي، وأخبرنا عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق المؤذن قال: حدّثني أبو بكر أحمد بن محمد بن موسى الملحمي الأصفهاني قال: حدّثنا الحسن بن أبي علي الزعفراني قال: حدّثنا ابن أبي الشوارب قال: حدّثنا أبو عاصم قال: حدّثنا الفضل الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الربّ عزّ وجل قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة. فذلك قوله عز وجل {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ماداموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم، فيبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم ". تفسير : {وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} قال ابن عباس: تفرقوا. أبو العالية: تميزوا. السدي: كونوا على حدة. قتادة: اعدلوا عن كل خير. الضحاك: إنّ لكل كافر في النار بيتاً، يدخل ذلك البيت ويردم به بالنار فيكون فيه أبد الآبدين فلا يرى ولا يُرى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : تعلمون أن (إذَا) أداة الشرط التي تفيد التحقيق. أما (إنْ) فتفيد الشكّ، ومعنى {لَهُمُ} أي: للكافرين، وجاء الفعل {قِيلَ} هكذا مبنياً للمجهول ليفيد العموم، فكأن كل مؤمن عليه أنْ يقول، وأنْ ينصح، وأن يأخذ بيد غيره إلى طريق الله. والحق سبحانه في هذه الآية يقول لعباده المؤمنين: يا عبادي، يا مَنْ آمنتم بي، وصدَّقتم رسلي، لكني أحب ألاَّ تدخروا وُسْعاً لتنقذوا خَلْقي من غضبي عليهم، حين يُصِرُّون على الكفر ويقيمون عليه. وهذا نوع من الرجاء في المؤمنين أنْ يأخذوا بيد الكفار، وأن ينقذوهم من دواعي غضب الله عليهم، وهذا المعنى داخل تحت قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ". تفسير : ومعنى {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} [يس: 45] أي: ما هو أمامكم، وما ينتظركم من البعث والحشر والسؤال والحساب، ثم النار {وَمَا خَلْفَكُمْ} [يس: 45] يعني: ما سبقكم من العبر بالمكذِّبين قبلكم، وكيف كانت عاقبتهم ونهاية كفرهم {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [يس: 45] رجاء أنْ يرحمكم الله. إذن: فينبغي أن يكون في بال المؤمن أنْ يمهد السبيل لرحمة الكافر، وأنْ يحاول وُسْعه أن ينقذه، وأنْ يعطف عليه، لا أنْ يسلك معه مسلَك اللدد والخصومة التي لا تجدي.

همام الصنعاني

تفسير : 2486- معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ}: [الآية: 45]، قال: ما بين أيديكم مِنَ الوَقائِع الَّتي قد خَلَتْ {وَمَا خَلْفَكُمْ}: [الآية: 45]، مَنْ أَمْرِ السَّاعَةِ.