Verse. 3752 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

وَاِذَا قِيْلَ لَہُمْ اَنْفِقُوْا مِمَّا رَزَقَكُمُ اؙ۝۰ۙ قَالَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا لِلَّذِيْنَ اٰمَنُوْۗا اَنُطْعِمُ مَنْ لَّوْ يَشَاۗءُ اللہُ اَطْعَمَہٗۗ۝۰ۤۖ اِنْ اَنْتُمْ اِلَّا فِيْ ضَلٰلٍ مُّبِيْنٍ۝۴۷
Waitha qeela lahum anfiqoo mimma razaqakumu Allahu qala allatheena kafaroo lillatheena amanoo anutAAimu man law yashao Allahu atAAamahu in antum illa fee dalalin mubeenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا قيل» أي قال فقراء الصحابة «لهم أنفقوا» علينا «مما رزقكم الله» من الأموال «قال الذين كفروا للذين آمنوا» استهزاءً بهم «أنطعم من لو يشاء الله أطعمه» في معتقدكم هذا «إن» ما «أنتم» في قولكم لنا ذلك مع معتقدكم هذا «إلا في ضلال مبين» بيَّن وللتصريح بكفرهم موقع عظيم.

47

Tafseer

الرازي

تفسير : إشارة إلى أنهم يبخلون بجميع ما على المكلف، وذلك لأن الملكف عليه التعظيم لجانب الله والشفقة على خلق الله وهم تركوا التعظيم حيث قيل لهم {ٱتَّقَوْاْ } فلم يتقوا وتركوا الشفقة على خلق الله حيث قيل لهم: {أَنفِقُواْ } فلم ينفقوا وفيه لطائف الأولى خوطبوا بأدنى الدرجات في التعظيم والشفقة فلم يأتوا بشيء منه وعباد الله المخلصون خوطبوا بالأدنى فأتوا بالأعلى إنما قلنا ذلك لأنهم في التقوى أمروا بأن يتقوا ما بين أيديهم من العذاب أو الآخرة وما خلفهم من الموت أو العذاب وهو أدنى ما يكون من الاتقاء، وأما الخاص فيتقي تغيير قلب الملك عليه وإن لم يعاقبه ومتقى العذاب لا يكون إلا للبعيد، فهم لم يتقوا معصية الله ولم يتقوا عذاب الله، والمخلصون اتقوا الله واجتنبوا مخالفته سواء كان يعقابهم عليه أو لا يعاقبهم، وأما في الشفقة فقيل لهم: {أَنفِقُواْ مِمَّا } أي بعض ما هو لله في أيديكم فلم ينفقوا، والمخلصون آثروا على أنفسهم وبذلوا كل ما في أيديهم، بل أنفسهم صرفوها إلى نفع عباد الله ودفع الضرر عنهم الثانية: كما أن في جانب التعظيم ما كان فائدة التعظيم راجعة إلا إليهم فإن الله مستغن عن تعظيمهم كذلك في جانب الشفقة ما كان فائدة الشفقة راجعة إلا إليهم، فإن من لا يرزقه المتمول لا يموت إلا بأجله ولا بد من وصول رزقه إليه، لكن السعيد من قدر الله إيصال الرزق على يده إلى غيره الثالثة: قوله: {مِمَّا رَزَقَكُمُ } إشارة إلى أمرين أحدهما: أن البخل به في غاية القبح فإن أبخل البخلاء من يخبل بمال الغير وثانيهما: أنه لا ينبغي أن يمنعكم من ذلك مخافة الفقر فإن الله رزقكم فإذا أنفقتم فهو يخلفه لكم ثانياً كما رزقكم أولاً وفيه مسائل أيضاً: المسألة الأولى: عند قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ } حذف الجواب، وههنا أجاب وأتى بأكثر من الجواب وذلك لأنه تعالى لو قال: وإذا قيل لهم أنفقوا قالوا: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه لكان كافياً، فما الفائدة في قوله تعالى: {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ }؟ نقول الكفار كانوا يقولون بأن الإطعام من الصفات الحميدة وكانوا يفتخرون به، وإنما أرادوا بذلك القول رداً على المؤمنين فقالوا نحن نطعم الضيوف معتقدين بأن أفعالنا ثناء، ولولا إطعامنا لما اندفع حاجة الضيف وأنتم تقولون إن إلهكم يرزق من يشاء، فلم تقولون لنا أنفقوا؟ فلما كان غرضهم الرد على المؤمنين لا الامتناع من الإطعام. قال تعالى عنهم: {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ } إشارة إلى الرد، وأما في قولهم: {أية : ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ } تفسير : [يس: 45] فلم يكن لهم رد على المؤمنين فأعرضوا وأعرض الله عن ذكر إعراضهم لحصول العلم به. المسألة الثانية: ما الفائدة في تغيير اللفظ في جوابهم حيث لم يقولوا أننفق على من لو يشاء الله رزقه، وذلك لأنهم أمروا بالإنفاق في قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ } فكان جوابهم بأن يقولوا أننفق فلم قالوا: {أَنُطْعِمُ }؟ نقول فيه بيان غاية مخالفتهم وذلك لأنهم إذا أمروا بالإنفاق والإنفاق يدخل فيه الإطعام وغيره لم يأتوا بالإنفاق ولا بأقل منه وهو الإطعام وقالوا لا نطعم، وهذا كما يقول القائل لغيره أعط زيداً ديناراً يقول لا أعطيه درهماً مع أن المطابق هو أن يقول لا أعطيه ديناراً ولكن المبالغة في هذا الوجه أتم فكذلك ههنا. المسألة الثالثة: كان كلامهم حقاً فإن الله لو شاء أطعمه فلماذا ذكره في معرض الذم؟ نقول لأن مرادهم كان الإنكار لقدرة الله أو لعدم جواز الأمر بالاتفاق مع قدرة الله وكلاهما فاسد بين الله ذلك في قوله: {مِمَّا رَزَقَكُمُ } فإنه يدل على قدرته ويصحح أمره بالإعطاء لأن من كان له في يد الغير مال وله في خزائنه مال فهو مخير إن أراد أعطى مما في خزائنه وإن أراد أمر من عنده المال بالإعطاء ولا يجوز أن يقول من بيده ماله في خزائنك أكثر مما في يدي أعطه منه، وقوله: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } إشارة إلى اعتقادهم أنهم قطعوا المؤمنين بهذا الكلام وأن أمرهم بالإنفاق مع قولهم بقدرة الله ظاهر الفساد واعتقادهم هو الفاسد وفيه مباحث لغوية ومعنوية. أما اللغوية: فنقول: {إن } وردت للنفي بمعنى ما، وكان الأرض في إن أن تكون للشرط والأصل في ما أن تكون للنفي لكنهما اشتركا من بعض الوجوه فتقارضا واستعمل ما في الشرط واستعمل إن في النفي، أما الوجه المشترك فهو أن كل واحد منهما حرف مركب من حرفين متقاربين فإن الهمزة تقرب من الألف والميم من النون ولا بد من أن يكون المعنى الذي يدخل عليه ما وأن لا يكون ثابتاً أما في ما فظاهر، وأما في إن فلأنك إذا قلت إن جاءني زيد أكرمه ينبغي أن لا يكون له في الحال مجىء فاستعمل إن مكان ما، وقيل إن زيد قائم أي ما زيد بقائم واستعمل ما في الشرط تقول ما تصنع أصنع، والذي يدل على ما ذكرنا أن ما النافية تستعمل حيث لا تستعمل إن وذلك لأنك تقول ما إن جلس زيد فتجعل إن صلة ولا تقول إن جلس زيد بمعنى النفي وبمعنى الشرط تقول إما ترين فتجعل إن أصلاً وما صلة، فدلنا هذا على أن إن في الشرط أصل وما دخيل وما في النفي بالعكس. البحث الثاني: قد ذكرنا أن قوله: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ } يفيد ما لا يفيد قوله: أنتم في ضلال لأنه يوجب الحصر وأنه ليسوا في غير الضلال. البحث الثالث: وصف الضلال بالمبين قد ذكرنا معناه أنه لظهوره يبين نفسه أنه ضلال أي في ضلال لا يخفى على أحد أنه ضلال. البحث الرابع: قد ذكرنا أن قوله: {فِي ضَلَـٰلٍ } يفيد كونه مغمورين فيه غائصين، وقوله في مواضع {أية : عَلَىٰ بَيّنَةٍ } تفسير : [الأنعام: 57] و {أية : عَلَىٰ هُدًى } تفسير : [البقرة: 5] إشارة إلى كونهم راكبين متن الطريق المستقيم قادرين عليه. وأما المعنوية: فهي أنهم إنما وصفوا الذين آمنوا بكونهم في ضلال مبين لكونهم ظانين أن المؤمن كلامه متناقض ومن تناقض كلامه يكون في غاية الضلال، إنما قلنا ذلك لأنهم قالوا: {أَنُطْعِمُ لَّوْ يَشَاء ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ } إشارة إلى أن الله إن شاء أن يطعمهم كان يطعمهم فلا تقدر على إطعامهم لأنه يكون تحصيلاً للحاصل، وإن لم يشأ الله إطعامهم لا يقدر أحد على إطعامهم لامتناع وقوع ما لم يشأ الله فلا قدرة لنا على الإطعام، فكيف تأمرونا بالإطعام ووجه آخر: وهو أنهم قالوا أراد الله تجويعهم فلو أطعمناهم يكون ذلك سعياً في إبطال فعل الله وأنه لا يجوز وأنتم تقولون أطعموهم فهو ضلال ولم يكن في الضلال إلا هم حيث نظروا إلى المراد ولم ينظروا إلى الطلب والأمر، وذلك لأن العبد إذا أمره السيد بأمر لا ينبغي أن يكشف سبب الأمر والإطلاع على المقصود الذي أمر به لأجله. مثاله: الملك إذا أراد الركوب للهجوم على عدوه بحيث لا يطلع عليه أحد وقال لعبده أحضر المركوب، فلو تطلع واستكشف المقصود الذي لأجله الركوب لنسب إلى أنه يريد أن يطلع عدوه على الحذر منه وكشف سره، فالأدب في الطاعة وهو اتباع الأمر لا تتبع المراد، فالله تعالى إذا قال: أنفقوا مما رزقكم لا يجوز أن يقولوا: لم لم يطعمهم الله مما في خزائنه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ } أي قال فقراء الصحابة {لَهُمْ أَنفِقُواْ } علينا {مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } من الأموال {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ } استهزاء بهم {أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ } في معتقدكم هذا؟ {إن} ما {أَنتُمْ } في قولكم لنا ذلك مع معتقدكم هذا {إِلاَّ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ } بيِّن، وللتصريح بكفرهم موقع عظيم.

ابن عطية

تفسير : الضمير في قوله {لهم} لقريش، وسبب الآية أن الكفار لما أسلم حواشيهم من الموالي وغيرهم من المستضعفين قطعوا عنهم نفقاتهم وجميع صلاتهم وكان الأمر بمكة أولاً فيه بعض الاتصال في وقت نزول آيات الموادعة فندب أولئك المؤمنون قرابتهم من الكفار إلى أن يصلوهم وينفقوا عليهم مما رزقهم الله، فقالوا عند ذلك {أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} قال الرماني: ونسوا ما يجب من التعاطف وتآلف المحقين وقالت فرقة: بل سبب الآية أن قريشاً شحت بسبب أزمة على المساكين جميعاً، مؤمن وغير مؤمن وندبهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى النفقة على المساكين فقالوا هذا القول، وقولهم يحتمل معنيين من التأويل: أحدهما يخرج على اختيارات لجهال العرب، فقد روي أن أعرابياً كان يرعى إبله فجعل السمان في الخصب والمهازيل في المكان الجدب فقيل له في ذلك فقال: أكرم ما أكرم الله وأهين ما أهان الله، فيخرج قول قريش على هذا المعنى كأنهم رأوا الإمساك عمن أمسك الله عنه رزقه، ومن أمثالهم "كن مع الله كالمدبر"، والتأويل الثاني أن يكون كلامهم بمعنى الاستهزاء بقول محمد صلى الله عليه وسلم إن ثم إلهاً هو الرزاق فكأنهم قالوا لم لا يرزقهم إلهك الذي تزعم أي نحن لا نطعم من لو يشاء هذا الإله الذي زعمت أطعمه. قال القاضي أبو محمد: وهذا كما يدعي إنسان أنه غني ثم يحتاج إلى معونتك في مال فتقول له على جهة الاحتجاج والهزء به أتطلب معونتي وأنت غني أي على قولك، وقوله تعالى: {إن أنتم إلا في ضلال مبين} يحتمل أن يكون من قول الكفرة للمؤمنين، أي في أمركم لنا في نفقة أموالنا وفي غير ذلك من دينكم، ويحتمل أن يكون من قول الله عز وجل للكفرة استئناف وزجرهم بهذا، ثم حكى عنهم على جهة التقرير عليهم قولهم {متى هذا الوعد} أي متى يوم القيامة الذي تزعم، وقيل أرادوا متى هذا العذاب الذي تهددنا به وسموا ذلك وعداً من حيث قيدته قرائن الكلام أنه في شر والوعد متى ورد مطلقاً فهو في خير وإذا قيدته بقرينة الشر استعمل فيه، والوعيد دائماً إنما هو في الشر، و {ينظرون} معناه ينتظرون، و {ما} نافية، وهذه الصيحة هي صيحة القيامة والنفخة الأولى في الصور رواه عبد الله بن عمر وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حديث أبي هريرة أن بعدها نفخة الصعق ثم نفخة الحشر وهي التي تدوم، فما لها من فواق، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والأعرج وشبل وابن القسطنطين المكي "يَخَصِّمون" بفتح الياء والخاء وشد الصاد المكسورة، وأصلها يختصمون نقلت حركة التاء إلى الخاء وأدغمت التاء الساكنة في الصاد، وقرأ نافع وأبو عمرو أيضاً "يَخْصِّمون" بفتح الياء وسكون الخاء وشد الصاد المكسورة وفي هذه القراءة جمع بين الساكنين ولكنه جمع ليس بجمع محض ووجهها أبو علي، وأصلها يختصمون حذفت حركة التاء دون نقل ثم أدغمت في الصاد، وقرأ عاصم والكسائي وابن عامر ونافع أيضاً والحسن وأبو عمرو بخلاف عنه "يَخِصِّمون" بفتح الياء وكسر الخاء وشد الصاد المكسورة أصلها يختصمون عللت كالتي قبلها، ثم كسرت للالتقاء، وقرأت فرقة "يِخِصِّمون" بكسر الياء والخاء وشد الصاد المكسورة عللت كالتي قبلها ثم أتبعت كسرة الخاء كسرة الياء، وفي مصحف أبي بن كعب "يختصمون" ومعنى هذه القراءات كلها أنهم يتحاورون ويتراجعون الأقوال بينهم ويتدافعون في شؤونهم، وقرأ حمزة "يخصمون" وهذه تحتمل معنيين أحدهما المذكور في القراءات أي يخصم بعضهم بعضاً في شؤونهم والمعنى الثاني يخصمون أهل الحق في زعمهم وظنهم، كأنه قال تأخذهم الصيحة وهم يظنون بأنفسهم أنهم قد خصموا وغللوا لأنك تقول خاصمت فلاناً فخصمته إذا غلبته، وقوله تعالى: {فلا يستطيعون توصية} عبارة عن إعجال الحال، والتوصية مصدر من وصى، وقوله تعالى: {ولا إلى أهلهم يرجعون} يحتمل ثلاث تأويلات: أحدها ولا يرجع أحد إلى منزله وأهله لإعجال الأمر بل تفيض نفسه حيثما أخذته الصيحة، والثاني معناه {ولا إلى أهلهم يرجعون} قولاً وهذا أبلغ في الاستعجال وخص الأهل بالذكر لأن القول معهم في ذلك الوقت أهم على الإنسان من الأجنبيين وأوكد في نفوس البشر، والثالث تقديره {ولا إلى أهلهم يرجعون} أبداً، فخرج هذا عن معنى وصف الاستعجال إلى معنى ذكر انقطاعهم وانبتارهم من دنياهم، وقرأ الجمهور "يَرجِعون" بفتح الياء وكسر الجيم، وقرأ ابن محيصن بضم الياء وفتح الجيم.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} اليهود أمروا بإطعام الفقراء فقالوا ذلك "ح" أو الزنادقة أو مشركو قريش جعلوا لأصنامهم سهماً من أموالهم فلما سألهم الفقراء أجابوهم بذلك. {إِنْ أَنتُمْ إِلا فِى ضَلالٍ مُّبِينٍ} قول الكفار لمن أمرهم بالإطعام، أو قول الله للكفار لما ردوا هذا الجواب.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ...} الآية، الضميرُ في قوله {لَهُمْ} لقريشٍ؛ وسبب الآيةِ أن الكفارَ لمَّا أسلمَ حواشِيهم مِنَ الموالي وغيرِهِمْ، والمستضعفين، قطعوا عنهم نَفَقَاتِهم وصِلاَتِهم، وكان الأمرُ بمكةَ أوَّلاً فيه بعض الاتِّصَال في وقت نزول آيات المُوَادَعَةِ، فَنَدَبَ أولئك المؤمنونَ قَرَابَاتِهم من الكفارِ، إلى أَنْ يَصِلُوهُمْ ويُنْفِقُوا عليهم، مِمَّا رَزَقَهُم اللَّه؛ فقالوا عند ذلك: {أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ}. وقالتْ فرقة: سبب الآيةِ أنَّ قريشاً شَحَّتْ بِسَبَبِ أزمةٍ على المساكينِ جميعاً مُؤمن وَغَيْرِ مؤمن، فَنَدَبَهُم النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى النَّفَقَةِ على المساكينَ، وقولهُم يَحْتَمِلُ معنيين: أحدهما يخرَّج على اختيارٍ لجُهَّالِ العَرَبِ، فَقَد رُوِيَ أن أعْرَابِيًّا كان يرعى إبله فيجعلُ السِّمَانَ في الْخِصْبِ، والمَهَازِيلَ في المَكَانِ الجَدْبِ، فقيل له في ذلك؛ فقال: أكْرِمُ مَا أَكْرَمَ اللَّهُ وأهين ما أهانَ اللَّهُ، فيخرَّج قولُ قريشٍ على هذا المعنى، ومن أمثالهم: «كُنْ مَعَ اللَّهِ عَلَى المدبِرِ». والتأويل الثاني: أن يكونَ كلامُهم بمعنى الاسْتِهْزَاءِ بقول محمد ـــ عليه السلام ـــ إنَّ ثَمَّ إلٰهاً هو الرزَّاقُ، فكأنهم قالوا: لِمَ لاَ يَرْزُقُهم إلٰهُك الذي تزعم، أي: نحن لا نطعم من لو يشاء هذا الإلٰه الذي زعمْتَ، لأطْعَمَهُ. وقوله تعالى: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} يَحْتَمِلُ أَنْ يكونَ من قول الكَفَرَةِ للمؤمنين، أي: في أمركم لنا بالنفقةِ؛ وفي غير ذلكَ من دينكم، ويحتملُ أن يكون من قولِ اللَّهِ تعالى للكفرةِ. وقولهم: {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} أي: متى يوم القيامة. وقيل: أرادوا: متى هذا العذابُ الذي تَتَهَدَّدُنَا به، و{مَا يَنظُرُونَ} أي: يَنْتَظِرُونَ، و«ما» نافيةٌ، وهذه الصيحةُ هي صيحةُ القيامةِ؛ وهي النَّفْخَةُ الأولَى، وفي حديثِ أبي هريرةَ أن بَعْدَهَا نَفْخَةَ الصَّعْقِ، ثم نَفْخَةَ الحَشْرِ، وهي التي تَدُومُ؛ فَمَا لها مِنْ فَوَاقٍ، وأصل {يَخِصِّمُونَ}: يَخْتَصِمُونَ، والمعنى: وهم يَتَحَاوَرُونَ ويتراجعونَ الأَقْوَالَ بَيْنَهُمْ، وفي مُصْحَف أُبَيِّ بن كَعْبٍ «يختصمون»، {وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ}؛ لإعجالِ الأمْرِ، بلْ تَفِيضُ أنفُسهم؛ حيثُ مَا أخَذَتْهُم الصيحةُ.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا قيل لهم} اى للكافرين بطريق النصحية {انفقوا} على المحتاجين {مما رزقكم الله} اى بعض ما اعطاكم بطريق التفضل والانعام من انواع الاموال فان ذلك مما يرد البلاء ويدفع المكاره {قال الذين كفروا} بالصانع تعالى وهم زنادقة كانوا بمكة. والزنديق من لا يعتقد الها ولا بعثا ولا حرمة شئ من الاشياء {للذين آمنوا} تهكما بهم وبما كانوا عليه من تعليق الامور بمشيئة الله تعالى حيث كانوا يقولون لو شاء الله لا غنى فلانا ولو شاء الله لاعزه ولو شاء لكان كذا وكذا وانما حمل على التهكم لان المعطلة ينكرون الصانع فلا يكون جوابهم المذكور عن اعتقاد وجدّ {أنطعم} من أموالنا حسبما تعظوننا به: وبالفارسية [آيا طعام دهيم] اى لا نطعم فان الهمزة للانكار والطعام فى الاصل البر وقوله عليه السلام فى ماء زمزم "حديث : انه طعام طعم وشفاء سقم" تفسير : فتنبيه منه انه غذاء بخلاف سائر المياه {من لو يشاء الله اطعمه} اى على زعمكم: يعنى [خداكه بزعم شما قادرست براطعام خلق بايستى كه ايشانرا طعام دهدجون او طعام نداد ما نيز نمى دهيم {ان انتم} [نيستيد شما اى مؤمنان] {الا فى ضلال مبين} الضلال العدول عن الطريق المستقيم ويضاده الهداية ويقال الضلال لكل عدول عن المنهج عمدا كان او سهوا يسيرا كان او كثيرا ولهذا صح ان يستعمل فيمن يكون منه خطأ ما كما فى المفردات. والمعنى فى خطأ بين بالفارسية [كمراهى آشكارا] حيث تأمروننا بما يخالف مشيئة الله تعالى [واين سخن ازايشان خطا بود براى آنكه بعض مردم را خداى تعالى توانكر ساخته وبعضى را درويش كذشته وبجهت ابتلا حكم فرموده كه اغنيا مال خدايرا بفقرا دهند بس مشيت را بهانه ساختن وامر الهى راكه بانفاق فرموده فرو كذاشتن محض خطا وعين جفاست شعر : درويش را خدا بتوانكر حواله كرد تاكار او بسازد وفارغ كند دلش ازروى بخل اكر نشود ملتفت بوى فردا بود ندامت واندوه حاصلش تفسير : وفى الحديث "حديث : لو شاء الله لجعلكم اغنياء لا فقير فيكم ولو شاء لجعلكم فقراء لا غنى فيكم ولكنه ابتلى بعضكم ببعض لينظر كيف عطف الغنى وكيف صبر الفقير" تفسير : وهذه الآية ناطقة بترك شفقتهم على خلق الله وجملة التكاليف ترجع الى امرين التعظيم لامر الله والشفقة على خلق الله وهم قد تركوا الامرين جميعا وقد تمسك البخلاء بما تمسكوا به حيث يقولون لا نعطى من حرم الله ولو شاء لاغناه نعم لو كان مثل هذا الكلام صادرا عن يقين وشهود وعيان لكان مفيدا بل توحيدا محضا يدور عليه كمال الايمان ولكنهم سلكوا طريق التقليد والانكار والعناد ومن لم يهد الله فما له من هاد. وكان لقمان يقول اذ امر بالاغنياء يا أهل الننعيم لا تنسوا النعيم الاكبر واذا مر بالفقراء يقول اياكم ان تغبنوا مرتين. وعن على رضى الله عنه ان المال حرث الدنيا والعمل الصالح حرث الآخرة وقد يجمعهما الله لا قوام. قال الفضيل رحمه الله من اراد عز الآخرة فليكن مجلسه مع المساكين نسأل الله تعالى فضله الكثير ولطفه الوفير فانه مسبب الاسباب ومنه فتح الباب: وفى المثنوى شعر : ما عيال حضرتيم وشير خواه كفت الخلق عيال للاله آنكه او از آسمان باران دهد هم تواند كو زرحمت نان دهد كل يوم هو فى شأن بخوان مرورا بى كار وبى فعلى مدان

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : إذا قيل للمشتغلين بالجَمْع والإدِّخار، الناسين للآخرة والرجوع إلى الواحد القهار - لانهِماكِهِم في طلب اللذّات واقتناء الشهوات، واستغراقهم في أبحر الشواغل الماديّات، ورقودهم في مراقد الجهالات-: أنفِقوا شيئاً مما رزقكم الله في طاعته، وأخرِجوا ما أَوْجَبَ عليكم إخراجه من أموالكم، احتجّ الذين كفروا، وستروا أنوار الحق بظلمات صفاتهم الرديَّة، وأفعالِهم القبيحة للَّذِين آمنوا وشهدوا آياتِ معرفة الله بنور بصيرتهم، في منع حقوق الله، وإنكار فرائضه، وإِبْطال أحكامه، بأن قالوا: "كيف نُطْعِمُ مَنْ يَقدِر الله على اطعامه، ولو شاء إطعامَه أطعَمَه؟ فإذا لم يُطْعِمْ دلَّ على أنه لم يَشَأ". وهذه شبهة واهية ومغلطة داحضة، احتج بها طائفة من أهل الإباحة والضلال، وانحبل بمثل هذه الحبال كثير من العوام والجهّال، وهي أوهَنُ من بيت العنكبوت. ونظيرُ هذا القول، قول من قال: "إن الله غنيٌّ عن عبادتنا، وغني عن أن يستقرض منّا، فأي معنى لقوله تعالى: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}تفسير : [البقرة:245] وغني عن المعاملة معنا، فما وجه قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ}تفسير : [التوبة:111]؟ ولو شاء إطعام المساكين لأطعم، ولا حاجة لنا إلى صرف أموالنا إليهم". فانظر كيف كانوا صادقين في دعواهم، وكيف هلكوا بصدقهم، كأكثر المتكلمين في مجالس العوام والحكام، الممارين مع أهل الحق في مسائل الحلال والحرام، بتمهيد بعض المقدمات المقبولة من النقليات، طلباً للشُبُهات، وإحلالاً للمحرمات، فسبحان من إذا شاء أهلَكَ بالصدق، وإذا شاء أسْعدَ بالجهل، {أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} تفسير : [البقرة:26]. وأما إفساد حجتهم، وحَسْم مادة شبهتهم فبأنه يجب أن يعلم كل أحد، أن الصفات والأخلاق، مواريث الأفعال والمعاملات، وأن الأعمال علاج لمرض القلوب، ودواء لما في الصدور، والأمراض الباطنية حاجبة عن وصول العبد إلى سعادة الأبد، وهي مما لا شعور بها لأكثر الخلق، إلاّ مَنْ ألْهَمَهُ الله من الأنبياء والأولياء، ولكل مرض من أمراض القلوب دواء مخصوص، وله قدر معلوم عند الله، والطبيب إذا أثنى على الدواء، لم يدل ذلك على أن الدواء مراد لعينه، وعلى أن له فضيلة في نفسه، بل المطلوب الأصلي، هو الشفاء اللازم من تناول الدواء. فهؤلاء الجهلة الناقصون، لمّا ظنوا أنهم استخدموا لأجل المساكين، أو لأجل الله، ثم قالوا: "لا حظَّ لنا في المساكين، ولا حظَّ لله فينا وفي أموالنا وسعينا وجهادنا مع الأعداء، أنفقنا أو أمسكْنا، بارَزْنا أم قعدنا" فقد هلكوا بهذه البضاعة من العقل والتمييز، وتمرّدوا عن طاعة الشريعة بهذه المرتبة الضعيفة من الفطانة، فضلّوا عن السبيل، وانخرطوا في سلك الحمقى الأضاليل، ولم يعلموا أن المسكين الآخذ لِمَا لَكَ من المال، - وهو المهلك لك في المآل -، يزيل منك بواسطته مرض البخل المهلك، ويستخرج من قلبك حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة، وحب الدينار الذي هو أس كل فاحشة، كالحجّام، يستخرج الدم منك، ليخرج بخروج الدم العلة المهلكة من باطنك، فالحجّام خادم لك، جالبُ نفع إليك، لأنك تخدمه وتجلب نفعاً إليه، ولا يخرج الحجام عن كونه خادماً، بأن يكون له غرض في أن يصبغ شيئاً بالدم. فهكذا الصدقات، وانفاق المساكين بالمال والطعام، مطهرة للبواطن ومزكية للقلوب عن خبائث المَلكَات، وأمراض الصفات المهلكات، ولهذه الدقيقة امتنع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أخذها، وانتهى عن تناولها، كما نهى عن كسب الحجّام، وسمّى الصدقة "وسخ أبدان (أموال) الناس"، وشرّف أهل بيته (عليهم السلام) بالصيانة عنها. فإذا ثبت عندك أن الأعمال مؤثرات في القلب، والقلب بحسب تأثيرها، يستعد لقبول الهداية ويستنير بنور المعرفة، فإذا انكشف لديك هذا القول الكلي، والقانون الأصلي، الساري حكمه في جميع الأوامر والنواهي الشرعية، وسائر التكاليف الدينية، فاعلم أن الجواب عن قول الكفار: "لو شاء الله اطعامَ المساكين لأطعَمهُم"، أن التكليف من الله شيء غير المَشِيَّة، وتكليف الله عبادَه بشيء من الطاعات، يضاهي إعلام الطبيب للمريض دواءً خاصاً يوجب استفراغاً لمواده الفاسدة، كالحجامة وغيرها، مع استغنائه عن ذلك، فكذلك الباري يكلف عباده مع كونه غنيّاً عن العالمين. ثم أن نفس التكليف بتناول الدواء من الطبيب، لا ينافي علمه بعدم تناول المريض له، فكذا تكليفه تعالى، لا ينافي تحقق علمه الأزلي، وقضائه السابق، بعدم قبول بعض العباد تكليفه، لما في ذلك من المصلحة الكلِّية والفائدة. فإن رجعوا وقالوا: "فما الفائدة في التكليف في حق من لا يقبل ذلك من الكفّار والفساق، حيث لم تتعلق المشيّة الأزلية بقبولهم، بل تعلقت بعدم قبولهم"؟. قلنا: فائدته ترجع إلى من سواهم من المؤمنين المطيعين، الذين تؤثر فيهم الدعوة والتكليف، والإنذار والتخويف {أية : إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا} تفسير : [النازعات:45]. كما أن فائدة نور الشمس، تعود إلى أصحاب العيون الصحيحة. وأما فائدة ذلك بالنسبة إلى من ختم الله على قلوبهم، وعلى أبصارهم غشاوة، فكفائدة نور الشمس بالنسبة إلى الأكْمَه والأعمش {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ} تفسير : [التوبة:125] غاية ذلك، إلزام الحجة وإقامة البيّنة عليهم ظاهراً {أية : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ} تفسير : [النساء:165] {أية : وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} تفسير : [طه:134] وهو بالحقيقة، النعي عليهم بأنهم في أصل الخلقة ناقصون أشقياء. وهذا المعنى ربما لا يظهر لهم أيضاً لغاية نقصانهم، كما أن الأكْمَه ربما لا يُصدِّق أولي الأبصار، ولا يعرف أن التقصير منه، وأن سائر الشرائط، من محاذاة المرئي، وظهور المبصر موجود، وإنما يعرف نقصانهم أرباب الأبصار، فكذلك يعرف قصورَ الناقصين عن البلوغ إلى قبول أحكام الدين، وإدراك معالم الحق واليقين، ذوو البصائر السليمة عن غشاوة الإمتراء، وآفة القصور والعمى. تَتِمَّةٌ اختلف أهل التفسير في هؤلاء الذين قالوا ذلك، فَعَن الحسن: أن هؤلاء هم اليهود حين أُمروا باطعام الفقراء. وعن مقاتل: إنهم مشركو قريش، قال لهم فقراء أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "أَطْعمونا من أموالكم ما زعمتم أنه لله" يعنون به قوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ} تفسير : [الأنعام:136] فحرموهم، وقالوا: (لو شاء الله لأطعمكم). وقيل، هم الزنادقة كانوا في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يسمعون المؤمنين يعلّقون أفعال الله بمشيّته وإرادته فيقولون: "لو شاء الله لأغنى فلاناً"، و "لو شاء الله لأَعزَّ فلاناً"، و "لو شاء لكان كذا"، فأخرجوا هذا الجواب مخرج الاستهزاء بالمؤمنين وبما كانوا يقولونه من تعليق الأمور بمشيئة الله، معناه: أنطعم المقول فيه هذا القول منكم؟ وذلك لأنهم كانوا دافعين أن يكون الغنى والفقر من الله، لأنهم كانوا معطلة غير قائلين بالصانع. وعن ابن عباس: كان بمكة زنادقة، فإذا أُمِروا بالصَّدقة على المساكين قالوا: "لا والله، أيفقره الله ونطعمه نحن"؟. وقيل: كانوا يوهمون أن الله تعالى لما كان قادراً على اطعامه ولا يشاء إطعامه فنحن أحق بذلك. وقيل: كانوا يقولون: "إن كان هو الرزاق فلا فائدة في التماس الرزق مِنّا وقد رَزَقَنا وَحَرَمَكُم فَلِم تأمرون بإعطاء من حَرَمَهُ الله"؟. وقوله: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}، يحتمل أن يكون قول الله للكفار، ويحتمل أن يكون حكاية قول المؤمنين لهم، ويحتمل أن يكون من تتمة جوابهم للمؤمنين.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رِزَقَكُمُ ٱلله} على المحتاجين {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله او بمحمّدٍ (ص) او بعلىٍّ (ع) وولايته {لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} مخاطبين لهم {أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ} تخصيص المؤمنين بالخطاب امّا للتّهكّم بهم كأنّهم تعرّضوا بانّكم مقرّون بالله وانّه رازق كلّ مرزوقٍ فلو كان الامر كما تذكرون كنتم انتم اولى باطعامه، او مقصودهم ابداء العذر فى عدم الانفاق بانّ الله اولى منّا بالاعطاء فلمّا لم يشأ الله اطعامهم كنّا اولى بعدم الاطعام {إِنْ أَنتُمْ} فى هذا القول او فى الاقرار بالله او بمحمّدٍ (ص) او بعلىٍّ (ع) {إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ} اى وعد العذاب الّذى تعدوننا انتم وصاحبكم او وعد القيامة واحياؤنا للجزاء وعذابنا عندها {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فى انّ لنا مُبدءً وانّه يبعثنا بعد موتنا، وانّ محمّداً (ص) رسولٌ منه وانّ ما يقوله صدق.

اطفيش

تفسير : {وإذا قيل لهم أنفقوا} أي لقريش. {مما رزقكم الله} على فقرائكم والفقراء مطلقا من نفقة واجبة او غير واجبة. {قال الذين كفروا} جحدوا الله. {للذين آمنوا} تهكما بهم وبإقرارهم بالله عز وجل وبتعليقهم المشيئة له. {أنطعم من لو يشاء الله} في زعمكم أن الله ثابت وأن المشيئة له. {أطعمه} جواب لو وقال ابن عباس كانت بمكة زنادقة فاذا امروا بالصدقة على المساكين قالوا لا والله ايفقره الله ونطعمه نحن ونطقهم بالله تبع للمؤمنين لا اقرار به وكانوا دافعين ان يكون الفقراء والغناء من الله والعز والذل وغير ذلك وجحدوا الله كيف نطعم المقول فيه فيما بينكم لو يشاء الله اطعمه وكانوا يسمعون المؤمنين يعلقون الفقر والغنى والعز والذل لمشيئة الله وعلى قول ابن عباس يكون ضمير لهم لقريش والقول لقريش قول للزنادقة لانهم يسمعون القول المقول لقريش مع العلم بان قريشا امروا بالانفاق للغنى فيهم وفي الزنادقة اغنياء فكانه قيل لهم انفقوا الضمير لأهل مكة وفيهم جاحد الله ومقر به وقيل الذين كفروا هم قريش وكفرهم جحودهم النبي والقرآن وكفران النعمة وجحود النبي والقرآن جحود لله ولو أقروا به وعبر عنهم بالظاهر ليصفهم بالكفر فذلك على هذا من وضع الظاهر موضع المضمر أو الضمير في لهم للناس مطلقا والذين كفروا قريش أو الزنادقة فلا وضع للظاهر موضع المضمر. روي أن فقراء اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لمشركي قريش اعطونا مما زعمتم من اموالكم انها لله وذلك لقولهم ان من اموالنا كذا وكذا من حرث وانعام نصيبا لله فحرموهم وقالوا لو شاء الله لاطعمكم وقيل قالت قريش ذلك استهزاء وكان العاصي بن وائل السهمي اذا سأله المسكين قال له اذهب إلى ربك هو اولى مني بك ويقول قد منعه أفأطعمه انا. روى اعرابي يجعل ابله السمان في الخصب والمهازل في الجذب ويقول اكرم ما اكرمه الله واهين من اهانه الله وربما قال بعض البخلاء ذلك ويحهم الم يعلموا ان الله سبحانه اغنى بعض الناس وافقر بعضا ابتلاء الم يعلموا ان الغني خزانة الله للفقراء فاي ما غنى امسك فقد منع ما ائتمنه الله ليعطيه لأهله عن أهله ويتوهم بعض المشركين ان الله اذا منعه ولم يشأ اطعامه فانا احق بذلك وكذا بعض الزنادقة يقولونه على فرض وجود الله لا اقرارا به. {إن أنتم إلا في ضلال مبين} حيث امرتمونا بما يخالف مشيئة الله او حيث تصدقتم وتأمرون بالصدقة زعما انكم مبعوثون فمأجورون او حيث أقررتم بالله وتصدقتم أو امرتم بها رجاء ثوابه او هذا خطاب الله سبحانه وتعالى للكفرة او كلام للمؤمنين خاطبوا به الكفرة وحكاه الله والظاهر أنه من قول الكفرة للمؤمنين وذلك من الكفار شح وقيل بغضا لفقرائهم الذين آمنوا من اقاربهم ومواليهم وكانوا قطعوا عنهم النفقة ليرتدوا.

اطفيش

تفسير : {وإذا قيل} أى قال المؤمنون والنبى صلى الله عليه وسلم {لَهُم أنْفقُوا} على الفقراء والأرحام، وفى وقت القحط {ممَّا رزَقَكُم الله} من الأموال، فضلا منه كما قال: " أية : وأحسن كما أحسن الله" تفسير : [القصص: 77] ذمهم الله على ترك الإنفاق بعد ذمهم على ترك التقوى، وعلى عدم مبالاتهم بنصح الناصح مع عظم جنايتهم، ومع أن الصدقة تدفع البلاء، مع أنه ما أمرهم بإنفاق الكل، بل ببعض {قال الَّذين كفروا} أى قالوا فوضع الظاهر ليصفهم بالكفر، أعنى أن هذا النصح الكريم من جملة ما يذكر فيه علة الحكم، ولو شاء الله تعالى لقال قالوا كافرين، أو قالوا لكفرهم، فيفيد العلة وهى الكفر {للَّذين آمنُوا} للنبى وللمؤمنين القائلين لم أنفقوا مما رزقكم الله. {أنطْعِمُ مَن لَو يَشاءُ الله} إطعامه {أطْعمهُ} أسلم بعض الفقراء فقطع عنهم قرابتهم أو مواليهم المشركون النفقة، فأمرهم المسلمون بالإنفاق، وذلك فى مكة، أو أقحطوا فشحوا فأمروهم بالإنفاق على الفقراء مؤمنين أو كافرين،وأجابوا بالإطعام الذى هو خاص، والإنفاق المأمور به عام لما يؤكل، وللدراهم وغيرها لأنهم يفتخرون بالإطعام، ولان غير الطعام يراد للطعام فى الجملة، ولا سيما فى القحط أو نطعم بمعنى نعطى كقولك: أطعمت فلانا وسقا من ير، أى أعطيته، إذ لا يأكل وسقا مرة ولا هو يأكله بلا علاج إصلاح طعام، إلا أن هذا المثال أقرب لأنه فى الأكل، لكن يصلح دليلا لأنه لم يشترط الأكل، فإن شاء أعطاه بعد أخذه فى دين عليه مثلا، وقالوا: أنطعم الخ جواب بلا مناسبة، مجازفة فى الرد على من طلب الإنفاق. وقد قيل: أقاربهم الضعفاء هم القائلون أطعمونا وقيل: القائلون كفار بالله فعابوا على من يقول شاء الله كذا أو إن يشأ الله، وفى هذا مناسبة فى الجواب باعتبار قول المؤمنين إن شاء الله تعالى، وكان العاصى ابن وائل السهمى إذا سأله سائل قال: اذهب الى ربك فهو أولى منى بك، وبقول قد منعه أفأطعمه أنا وأخطأ، فإن الله عز وجل أغنى بعضا، وأفقر بعضا ابتلاء لا بخلا منه تعالى، وقيل: قالوا ذلك استهزاء {إن أنتُم إلا في ضلالٍ مبينٍ} فى قولكم: أنفقوا بأمر الله، فان الله لم يأمرنا، أو فى قولكم: من شاء الله أطعمه، وقيل: نزلت الآية فى اليهود، إذ أمروا بالانفاق على الفقراء وأبوا، وهو ضعيف ولا سيما أن السورة مكية، ويجوز أن يكون {إن أنتم إلا في ضلال مبين} خطاباً من الله عز وجل للمشركين مطلقا، أو لأهل مكة، ويبعد أو لا يجوز أن يكون من كلام، المؤمنين للفصل وللتكليف بتقدير سؤال، كأنه قيل: فما قال المؤمنون.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رِزَقَكُمُ ٱلله } أي أعطاكم سبحانه بطريق التفضل والإنعام من أنواع الأموال، وعبر بذلك تحقيقاً للحق وترغيباً في الإنفاق على منهاج قوله تعالى: {أية : وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ }تفسير : [القصص: 77] وتنبيهاً على عظم جنايتهم في ترك الامتثال بالأمر، وكذلك الإتيان بمن التبعيضية، والكلام على ما قيل لذمهم على ترك الشفقة على خلق الله تعالى إثر ذمهم على ترك تعظيمه عز وجل بترك التقوى، وفي ذلك إشارة إلى أنهم أخلوا بجميع التكاليف لأنها كلها ترجع إلى أمرين التعظيم لله تعالى والشفقة على خلقه سبحانه، وقيل هو للإشارة إلى عدم مبالاتهم بنصح الناصح وإرشاده إياهم إلى ما يدفع/ البلاء عنهم نظير قوله تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ }تفسير : [يس: 45] الخ والمعنى عليه: إذا قيل لهم بطريق النصيحة والإرشاد إلى ما فيه نفعهم أنفقوا بعض ما آتاكم الله من فضله على المحتاجين فإن ذلك مما يرد البلاء ويدفع المكاره {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ } والأول أظهر. والظاهر أن الذين كفروا هم الذين قيل لهم أنفقوا وعدل عن ضميرهم إلى الظاهر إيماء إلى علة القول المذكور، وفي كون القول للذين آمنوا إيماء إلى أنهم القائلون. قيل: لما أسلم حواشي الكفار من أقربائهم ومواليهم من المستضعفين قطعوا عنهم ما كانوا يواسونهم به وكان ذلك بمكة قبل نزول آيات القتال فندبهم المؤمنون إلى صلة حواشيهم فقالوا: {أَنُطْعِمُ } الخ، وقيل: شحت قريش بسبب أزمة على المساكين من مؤمن وغيره فندبهم النبـي صلى الله عليه وسلم إلى النفقة عليهم فقالوا هذا القول، وقيل: قال فقراء المؤمنين أعطونا ما زعمتم من أموالكم أنها لله تعالى فحرموا وقالوا ذلك، وروي هذا عن مقاتل، وقال ابن عباس: كان بمكة زنادقة إذا أمروا بالصدقة قالوا لا والله أيفقره الله تعالى ونطعمه نحن وكانوا يسمعون المؤمنين يعلقون الأفعال بمشيئة الله تعالى يقولون لو شاء الله تعالى لأغنى فلاناً ولو شاء لأعزه ولو شاء سبحانه لكان كذا فأخرجوا هذا الجواب مخرج الاستهزاء بالمؤمنين وبما كانوا يقولون. وقال القشيري أيضاً: إن الآية نزلت في قوم من الزنادقة لا يؤمنون بالصانع وأنكروا وجوده فقولهم {لَّوْ يَشَاء ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ} من باب الاستهزاء بالمسلمين. وجوز أن يكون مبنياً على اعتقاد المخاطبين ويفهم من هذا أن الزنديق من ينكر الصانع، وقد حقق الأمر فيه على الوجه الأكمل ابن الكمال في "رسالة" مستقلة فارجع إليها إن أردت ذلك. وعن الحسن وأبـي خالد أن الآية نزلت في اليهود أمروا بالإنفاق على الفقراء فقالوا ذلك. وظاهر ما تقدم يقتضي أنها في كفار مكة أمروا بالإنفاق مما رزقهم الله تعالى وهو عام في الإطعام وغيره فأجابوا بنفي الإطعام الذي لم يزالوا يفتخرون به دلالة على نفي غيره بالطريق الأولى ولذا لم يقل أننفق. وقيل لم يقل ذلك لأن الإطعام هو المراد من الإنفاق أو لأن {نُطْعِمُ } بمعنى نعطي وليس بذاك، و {أَطْعَمَهُ } جواب {لَوْ } وورود الموجب جواباً بغير لام فصيح ومنه {أية : أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَـٰهُمْ }تفسير : [الأعراف: 100](أية : لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً}تفسير : [الواقعة: 70] نعم الأكثر مجيئه باللام. والظاهر أن قوله تعالى: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } من تتمة قول الذين كفروا للذين آمنوا أي ما أنتم إلا في ضلال ظاهر حيث طلبتم منا ما يخالف مشيئة الله عز وجل، ولعمري إن الإناء ينضح بما فيه فإن جوابهم يدل على غاية ضلالهم وفرط جهلهم حيث لم يعلموا أنه تعالى يطعم بأسباب منها حث الأغنياء على إطعام الفقراء وتوفيقهم سبحانه له، ويجوز أن يكون جواباً من جهته تعالى زجر به الكفرة وجهلهم به أو حكاية لجواب المؤمنين لهم فيكون على الوجهين استئنافاً بيانياً جواباً لما عسى أن يقال ما قال الله تعالى أو ما قال المؤمنون في جوابهم؟

ابن عاشور

تفسير : كانوا مع ما هم عليه من الكرم يشحّون على فقراء المسلمين فيمنعونهم البذل تشفّياً منهم فإذا سمعوا من القرآن ما فيه الأمر بالإِنفاق أو سألهم فقراء المسلمين من فضول أموالهم أو أن يعطوهم ما كانوا يجعلونه لله من أموالهم الذي حكاه الله عنهم بقوله: { أية : وجعلوا للَّه مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً } تفسير : [الأنعام: 136] فلعل من أسلم من الفقراء سألوا المشركين ما اعتادوا يعطونهم قَبْل إسلامهم فيقولون أعطوا مما رزقكم الله وقد سمعوا منهم كلمات إسلامية لم يكونوا يسمعونها من قبل، وربما كانوا يحاجونهم بأن الله هو الرزاق ولا يقع في الكون كائن إلا بإرادته فجعل المشركون يتعللون لمنعهم بالاستهزاء فيقولون: لا نُطعم من لو يشاء الله لأطعمه، وإذا كان هذا رزقناه الله فلماذا لم يرزقكم، فلو شاء الله لأطعمكم كما أطعمنا. وقد يقول بعضهم ذلك جهلاً فإنهم كانوا يجهلون وضع صفات الله في مواضعها كما حكى الله عنهم: { أية : وقالوا لو شاء الرحمان ما عبدناهم } تفسير : [الزخرف: 20]. وإظهار الموصول من قوله: {قَالَ الذيِنَ كَفَرُوا} في مقام الإِضمار مع أن مقتضى الظاهر أن يقال: قالوا أنطعم الخ لنكتة الإِيماء إلى أن صدور هذا القول منهم إنما هو لأجل كفرهم ولأجل إيمان الذين سئل الإِنفاق عليهم. روى ابنُ عطية: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المشركين بالإِنفاق على المساكين في شدة أصابت الناس فشحّ فيها الأغنياء على المساكين ومنعوهم ما كانوا يعطونهم. واللام في قوله: {لِلَّذِينَ ءَامَنُوا} يجوز أن تكون لتعدية فعل القول إلى المخاطب به أي خاطبوا المؤمنين بقولهم: {أنُطعِمُ مَن لو يَشاءُ الله أطعَمَهُ}، ويجوز أن تكون اللام للعلة، أي قال الذين كفروا لأجل الذين آمنوا، أي قالوا في شأن الذين آمنوا كقوله تعالى: { أية : الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا } تفسير : [آل عمران: 168] وقوله: { أية : وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه } تفسير : [الأحقاف: 11] أي قالوا ذلك تعلة لعدم الإِنفاق على فقراء المؤمنين. والاستفهام في {أنُطْعِمُ} إنكاري، أي لا نطعم من لو شاء الله لأطعمهم بحسب اعتقادكم أن الله هو المطعم. والتعبير في جوابهم بالإِطعام مع أن المطلوب هو الإِنفاق: إمّا لمجرد التفنن تجنباً لإِعادة اللفظ فإن الإِنفاق يراد منه الإِطعام، وإمّا لأنهم سئلوا الإِنفاق وهو أعمّ من الإِطعام لأنه يشمل الإِكساء والإِسكان فأجابوا بإمساك الطعام وهو أيسر أنواع الإِنفاق، ولأنهم كانوا يعيّرون من يشحّ بإطعام الطعام وإذا منعوا المؤمنين الطعام كان منعهم ما هو فوقه أحرى. وجملة {إنْ أنتُمْ إلاَّ في ضَلالٍ مُبِينٍ} من قول المشركين يخاطبون المؤمنين، أي ما أنتم في قولكم: {أنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} وما في معناه من اعتقاد أن الله متصرف في أحوالنا إلا متمكن منكم الضلال الواضح. وجعلوه ضلالاً لجهلهم بصفات الله، وجعلوه مبيناً لأنهم يحكمون الظواهر من أسباب اكتساب المال وعدمه. والجملة تعليل للإِنكار المستفاد من الاستفهام.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وإذا قيل لهم أنفقوا: أي وإذا قال فقراء المؤمنين في مكة للأغنياء الكافرين أنفقوا علينا. مما رزقكم الله: أي من المال. أنطعم من لو يشاء الله أطعمه: أي قالوا للمؤمنين استهزاء بهم أنطعم من لو يشاء الله أطعمه. إن أنتم إلا في ضلال مبين: أي ما أنتم أيها الفقراء إلا في ضلال مبين في اعتقادكم الذي أنتم عليه. متى هذا الوعد: أي البعث الآخر إن كنتم صادقين فيه. ما ينظرون إلا صيحة واحدة: أي ما ينتظرون إلا صيحة واحدة وهي نفخة إسرافيل. تأخذهم وهم يخصمون: أي تأخذهم الصيحة وهم يتخاصمون في البيع والشراء والأكل والشرب إذ تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون. فلا يستطيعون توصية: أي فلا يقدر أحدهم أن يوصي وصيّة. ولا إلى أهلهم يرجعون: بل يهلكون في أماكنهم من الأسواق والمزارع والمصانع أو المقاهي والملاهي. فإذا هم من الأجداث: أي القبور إلى ربهم ينسلون أي يخرجون بسرعة. قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا: أي قال الكفار: من بعثنا من قبورنا؟ هذا ما وعد الرحمن: أي هذا ما وعد به الرحمن وصدق المرسلون أي فيما أخبروا به. معنى الآيات: قوله تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} أي وإذا قيل لأولئك المشركين المكذبين الملاحدة والقائل هم المؤمنون فقد روي أن أبا بكر الصديق كان يطعم مساكين المسلمين فلقيه أبو جهل فقال يا أبا بكر أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء؟ قال: نعم. قال: فما باله لا يطعمهم؟ قال ابتلى قوماً بالفقر وقوماً بالغنى وأمر الفقراء بالصبر، وأمر الأغنياء بالإِعطاء، فقال أبو جهل، والله يا أبا بكر إن أنت إلا في ضلال مبين. أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء، وهو لا يطعمهم ثم تطعمهم أنت فنزلت هذه الآية وبهذه الرواية اتضح معنى الآية الكريمة {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} أي للكفار {أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱلله} على المساكين {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} الآمرين لهم بالإِنفاق {أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ} قالوا هذا استهزاء وكفروا {إِنْ أَنتُمْ} أي ما أنتم أيها المسلمون {إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي إلا في ذهاب عن الحق وجور عن الرشد مبين لمن تأمله وتدبّر فيه. وقوله {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي ويقول أولئك الملاحدة المكذبون بالبعث استهزاء واستعجالا: متى هذا الوعد الذي تعدوننا به أيها المسلمون إن كنتم صادقين في دعواكم. قال تعالى {مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} وهي نفخة إسرافيل في الصور وهي نفخة الفناء {تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} أي يختصمون في أسواقهم يبيعون ويشترون، وفي مجالسهم العامة والخاصة إذ تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون قال تعالى {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً} يوصي بها أحدهم لابنه أو أخيه، ولا إلى أهلهم أي منازلهم وأزواجهم وأولادهم يرجعون بل يصعقون في أماكنهم. وقوله تعالى {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} أي صور إسرافيل وهو قرن ويقال له البوق أيضاً نفخة البعث من القبور أحياء فإذا هم من الأجداث جمع جدث وهو القبر ينسلون أي ماشين مسرعين إلى ربهم لفصل القضاء والحكم بينهم فيما اختلفوا فيه في هذه الدنيا من إيمان وكفر وإحسان وإساءة وعدل وظلم. قالوا يا ويلنا أي نادوا ويلهم وهلاكهم لما شاهدوا من أهوال الموقف {مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} وأجابهم المؤمنون بقولهم {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ} إذ واعدنا الله بلقائه وأخبرتنا الرسل به وبتفاصيله وقوله تعالى {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} أي ما هي إلا صيحة واحدة لإِسرافيل فإِذا الكل واقف بين يدي الله تعالى ليحاسب ويجزي قال تعالى {فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} أي في هذا اليوم الذي وقفت الخليقة فيه بين يدي ربها لا تظلم نفس شيئاً لا بنقص حسنة من حسناتها ولا بزيادة سيئة على سيئاتها، ولا تجزون أيها العباد إلا ما كنتم تعملون من خير وشر. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان علو الكافرين وطغيانهم وسخريتهم واستهزائهم، وذلك لظلمة الكفر على قلوبهم. 2- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر مبادئها ونهاياتها. 3- الساعة لا تأتي إلا بغتة. 4- الانقلاب الكوني الذي يحدث لعظمه اختلفت آراء أهل العلم في تحديد النفخات فيه والظاهر أنها أربع الأولى نفخة الفناء والثانية نفخة البعث والثالثة نفخة الفزع والصعق والرابعة نفخة القيام بين يدي رب العالمين. 5- تقرير العدل الإِلهي يوم الحساب والجزاء ليطمئن كل عامل على أنه يجزى بعمله لا غير.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُوۤا} {ضَلاَلٍ} (47) - وَإِذَا أُمِرُوا بِالإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَهُم اللهُ عَلَى الفُقَرَاءِ والمُحْتَاجِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ، قَالُوا لِمَنْ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ. أَتَأمُروننا بِأَنْ نُنْفِقَ أَمْوَالَنَا عَلَى أُنَاسٍ لَوْ شَاءَ الله لأَغْنَاهُمْ، وَأَطْعَمَهُمْ مِنْ رِزْقِهِ، فَنَحْنُ فِي عَدَمِ الإِنْفَاقِ إِنَّمَا نُوَافِقُ مَشيئَةَ اللهِ التي اقْتَضَتْ أَنْ يَكُونَ هَؤُلاَءِ فُقَرَاءَ، وَأَنْتُمْ بِأْمْرِكُمِ إِيَّانَا بالإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ فِي ضَلاَلٍ وَجَهَالَةٍ وَاضِحَيْنِ لأَِنَّكُمْ تَأْمُرُونَنَا بِمُعَانَدَةِ مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى. وَقَدْ تَذَرَّعَ هَؤُلاَءِ بِهَذِهِ الحُجَجِ الوَاهِيَةِ مِنْ الشبَه لِيَسْتُرُوا بُخْلَهُمْ بِأْمْوَالِهِمْ أَنْ يُنْفِقُوهَا فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ اللهُ، وَفِي مُوَاسَاةِ عِبَادِ اللهِ، واللهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَرْزُقَ جَمِيعَ خَلْقِهِ. وَلَكِنَّهُ يَبْتَلِي الخَلْقَ بالأَوَامِر والزَّوَاجِرِ لِيَعْلَمَ مَنْ يُطِيعُ أمرَهُ، وَيَمْتَثِلُ لِمَشِيئَتِهِ، وَمَنْ يُعْرِضُ عَنْ ذَلِكَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا لون آخر من عنادهم وقَلْبهم للحقائق، فإذا قال لهم الناصح {أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱلله} [يس: 47] يعني: مما استخلفكم فيه لا مما عندكم، وملَكه لكم يكون الرد {أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ} [يس: 47] هكذا يقلب الكافر حقائق الأمور ويتبجحون بالباطل. {أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ} [يس: 47] يعني: لسنا بخلاء بل نحب أنْ ننفق، وأن ننفذ مرادات الله في خَلْقه، والله يريد أن يمنع الرزق عن هؤلاء، فكيف نرزقهم نحن، إننا لو أنفقنا عليهم لكنا معاندين مخالفين لمراد الله، ولو شاء الله لأطعمهم. ولم يقفوا بعنادهم عند هذا الحدِّ، إنما يتمادَوْنَ فيتهمون المؤمنين بالضلال المبين {إِنْ أَنتُمْ} [يس: 47] يعني: ما أنتم {إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [يس: 47] سبحان الله، لماذا؟ لأنكم تعارضون مراد الله، وتُطعمون مَنْ حرمه الله وتجيرون عليه. نعم، الحق سبحانه رب الجميع، ويرزق الجميع، ويطعمنا ويسقينا، لكنه سبحانه يريد أنْ يشهد عطف عباده على عباده لتسير حركتهم في الحياة بلا غِلٍّ، وبلا حقد، فالفقير حين ينال من خير الغنيِّ لا يحقد عليه ولا يحسده، بل يتمنى دوام النعمة عنده، ثم إن الغِنَى والفقر عَرَض ينتقل ويزول، والواقع يشهد بذلك.

الجيلاني

تفسير : {وَ} هم أيضاً من كمال قسوتهم وبغيهم أمثالكم {إِذَا قِيلَ لَهُمْ} إمحاضاً للنصح وتنبيهاً لهم على حض الخير: {أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱلله} من فواضل نعمكم إلى الفقراء الفاقدين لها؛ لتتصفوا بالكرم وتفوزوا بمرتبة الإيثار {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وكذبوا منهم بآيات الله بعدما سمعوا الأمر الإلهي الوارد على الإنفاق من ألسن المؤمنين {لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} إلى المصدقين الممتثلين بأوامر الله ونواهيه إيماناً واحتساباً على سبيل الإنكار والاستبعاد: {أَنُطْعِمُ} أي: تأمروننا أيها الجاهلون الضالون أن نعطي ونطعم {مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ} القادر المقتدر على إطعام عباده جملة {أَطْعَمَهُ} وبعدما لم يشأ مع قدرته لم يطعمهم، فأنتم من تلقاء أنفسكم تأمروننا بالإطعام، وبالجملة: {إِنْ أَنتُمْ} أي: ما أنتم بدينكم وأمركم بما لا يشاء ولا يرضى منه سبحانه {إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [يس: 47] وغواية عظيمة ظاهرة، ادعيتم الإيمان بالله، وأمرتم بخلاف مشيئته وإرادته. {وَ} مهما سمعوا من المؤمنين أمثال هذه الأوامر الجالبة لروح الله ورحمته في اليوم الموعود {يَقُولُونَ} على سبيل الاستهزاء والتهكم: {مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ} الذي أوعدنا به، عينوا لنا وقته {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [يس: 48] في دعواكم، يعنون بها صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ثم قال سبحانه في جواب هؤلاء الضالين المبطلين: {مَا يَنظُرُونَ} وينتظرون هؤلاء المنكرون المعاندون {إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} هائلة {تَأْخُذُهُمْ} بغتة {وَهُمْ} حين وقوعها {يَخِصِّمُونَ} [يس: 49] أي: يختصمون ويتخاصمون بعضهم مع بعض في العقود والمعاملات. ومتى فاجأتهم الصيحة الفظيعة الفجيعة {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} ولا يقدرون {تَوْصِيَةً} وإيصاءً كما هو المعروف بين الناس في حال النزع؛ أي: لا يمهلهم الفزع المهلك مقدار أن يأتوا بالوصية {وَلاَ} يمهلهم أيضاً {إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} [يس: 50] أي: ينقلبون إلى بيوتهم، ويتكلمون مع أهليهم.

همام الصنعاني

تفسير : 2487- حدثنا معمر عن الكلبي، في قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱلله}: [الآية: 47]، قال: نزلت في الزنادقة.