Verse. 3753 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

وَيَقُوْلُوْنَ مَتٰى ھٰذَا الْوَعْدُ اِنْ كُنْتُمْ صٰدِقِيْنَ۝۴۸
Wayaqooloona mata hatha alwaAAdu in kuntum sadiqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويقولون متى هذا الوعد» بالبعث «إن كنتم صادقين» فيه.

48

Tafseer

الرازي

تفسير : وهو إشارة إلى ما اعتقدوه وهو أن التقوى المأمور بها في قوله: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ } تفسير : [يس: 45] والإنفاق المذكور في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ } تفسير : [يس: 47] لا فائدة فيه لأن الوعد لا حقيقة له وقوله: {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ } أي متى يقع الموعود به، وفيه مسائل: المسألة الأولى: وهي أن إن للشرط وهي تستدعي جزاء ومتى استفهام لا يصلح جزاء فما الجواب؟ نقول هي في الصورة استفهام، وفي المعنى إنكار كأنهم قالوا إن كنتم صادقين في وقوع الحشر فقولوا متى يكون. المسألة الثانية: الخطاب مع من في قولهم: {إِن كُنتُمْ }؟ نقول الظاهر أنه مع الأنبياء لأنهم لما أنكروا الرسالة قالوا إن كنتم يا أيها المدعوون للرسالة صادقين فأخبرونا متى يكون. المسألة الثالثة: ليس في هذا الموضع وعد فالإشارة بقوله: {هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ } إلى أي وعد؟ نقول هو ما في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ } تفسير : [يس: 45] من قيام الساعة، أو نقول هو معلوم وإن لم يكن مذكوراً لكون الأنبياء مقيمين على تذكيرهم بالساعة والحساب والثواب والعقاب.

البيضاوي

تفسير : {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} يعنون وعد البعث. {مَا يَنظُرُونَ} ما ينتظرون. {إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً} هي النفخة الأولى. {تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ} يتخاصمون في متاجرهم ومعاملاتهم لا يخطر ببالهم أمرها كقوله: {أية : أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }تفسير : [يوسف: 107] وأصله يختصمون فسكنت التاء أدغمت ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين، وقرأ أبو بكر بكسر الياء للاتباع، وقرأ ابن كثير وورش وهشام بفتح الخاء على إلقاء حركة التاء إليه، وأبو عمرو وقالون به مع الإِختلاس وعن نافع الفتح فيه والإِسكان والتشديد وكأنه جوز الجمع بين الساكنين إذا كان الثاني مدغماً، وقرأ حمزة {يَخِصّمُونَ} من خصمه إذا جادله. {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً} في شيء من أمورهم. {وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} فيروا حالهم بل يموتون حيث تبغتهم. {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ} أي مرة ثانية وقد سبق تفسيره في سورة «المؤمنين». {فَإِذَا هُم مّنَ ٱلأَجْدَاثِ} من القبور جمع جدث وقرىء بالفاء. {إِلَىٰ رَبّهِمْ يَنسِلُونَ} يسرعون وقرىء بالضم. {قَالُواْ يٰوَيْلَنَا} وقرىء «يا ويلتنا». {مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} وقرىء «من أهبنا» من هب من نومه إذا انتبه ومن هبنا بمعنى أهبنا، وفيه ترشيح ورمز وإشعار بأنهم لاختلاط عقولهم يظنون أنهم كانوا نياماً، و {مَن بَعَثَنَا} و «من هبنا» على الجارة والمصدر، وسكت حفص وحده عليها سكتة لطيفة والوقف عليها في سائر القراءات حسن. {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ} مبتدأ وخبر و {مَا} مصدرية، أو موصولة محذوفة الراجع، أو {هَـٰذَا } صفة لـ {مَّرْقَدِنَا} و {مَا وَعَدَ} خبر محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف أي {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ}، أو {مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ} حق وهو من كلامهم، وقيل جواب للملائكة أو المؤمنين عن سؤالهم، معدول عن سننه تذكيراً لكفرهم وتقريعاً لهم عليه وتنبيهاً بأن الذي يهمهم هو السؤال عن البعث دون الباعث كأنهم قالوا: بعثكم الرحمن الذي وعدكم البعث وأرسل إليكم الرسل فصدقوكم وليس الأمر كما تظنون، فإنه ليس يبعث النائم فيهمكم السؤال عن الباعث وإنما هو البعث الأكبر ذو الأهوال. {إِن كَانَتْ} ما كانت الفعلة. {إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً} هي النفخة الأخيرة، وقرئت بالرفع على كان التامة. {فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} بمجرد تلك الصيحة وفي كل ذلك تهوين أمر البعث والحشر واستغناؤهما عن الأسباب التي ينوطان بها فيما يشاهدونه.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن استبعاد الكفرة لقيام الساعة في قولهم: {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} {أية : يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا} تفسير : [الشورى: 18] قال الله عز وجل: {مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَٰحِدَةً تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} أي: ما ينتظرون إلا صيحة واحدة، وهذه ــــ والله أعلم ــــ نفخة الفزع، ينفخ في الصور نفخة الفزع، والناس في أسواقهم ومعايشهم يختصمون ويتشاجرون على عادتهم، فبينما هم كذلك، إذ أمر الله عز وجل إسرافيل، فنفخ في الصور نفخة يطولها ويمدها، فلا يبقى أحد على وجه الأرض إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً، وهي صفحة العنق، يتسمع الصوت من قبل السماء، ثم يساق الموجودون من الناس إلى محشر القيامة بالنار تحيط بهم من جوانبهم، ولهذا قال تعالى: {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً} أي: على ما يملكونه، الأمر أهم من ذلك، {وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} وقد وردت ههنا آثار وأحاديث ذكرناها في موضع آخر، ثم يكون بعد هذا نفخة الصعق التي تموت بها الأحياء كلهم، ما عدا الحي القيوم، ثم بعد ذلك نفخة البعث.

المحلي و السيوطي

تفسير : قال تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ } بالبعث {إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ } فيه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ويقولون متى هذا الوعدُ إن كنتم صادقين} فيه وجهان: أحدهما: ما وعدوا به من العذاب، قاله يحيى بن سلام. الثاني: ما وعدوا به من الظفر بهم، قاله قتادة. قوله عز وجل: {ما ينظرون إلا صيحةً واحدة تأخذهم} قال السدي: هي النفخة الأولى من إسرافيل ينتظرها آخر هذه الأمة من المشركين، وروى نعيم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه فما يطويانه حتى تقوم، والرجل يخفض ميزانه فما يرفعه حتى تقوم، والرجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم، والرجل يرفع أكلته إلى فيه فما تصل إلى فيه حتى تقوم ". تفسير : {وهم يخصمون} فيه وجهان: أحدهما: يتكلمون في معايشهم ومتاجرهم، قاله السدي. الثاني: يخصمون في دفع النشأة الثانية، حكاه ابن عيسى. {فلا يستطيعون توصية} أي يستطيع بعضهم أن يوصي إلى بعض بما في يديه من حق. ويحتمل وجهاً ثانياً: أنه لا يستطيع أن يوصي بعضهم بعضاً بالتوبة والإقلاع. {ولا إلى إهلهم يرجعون} أي إلى منازلهم، قال قتادة لأنهم أعجلوا عن ذلك.

ابن عبد السلام

تفسير : {هَذَا الْوَعْدُ} من العذاب، أو ما وعدوا به من الظفر بهم.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ} أي القيامة والبعث "إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" وهذا إشارة إلى ما اعتقدوا أن التقوى المأمور بها في قوله: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ} تفسير : [يس:45] والإنفاق المذكور في قوله: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ} تفسير : [يس:47] لا فائدة فيه لأن لا حقيقة له وقولهم: {مَتَى هَذَا الوَعْدُ} أي متى يقع المَوْعُودُ به. فصل "إنْ" للشرط وهي تستدعي جزاء و "متى" استفهام لا تصلح جواباً فيه فما الجواب؟. قيل: هو في صورة الاستفهام وهو في المعنى إنكار كأنهم قالوا: إن كنتم صادقين في قوع الحشر فَقُولُوا متى يكون. فصل الظاهر أن هذا الخطاب مع الأنبياء لما أنكروا الرسالة قالوا إن كنتم أيها المُدَّعونَ للرسالة صادقين فأخبرونا متى يكون ما تَعِدُونَنَا به. فإن قيل: ليس في هذا الموضع وعد فالإِشارة بقوله: "هَذَا الوَعْد" إلى أي وعد؟ فالجواب: هو ما في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ} تفسير : [يس:45] من قيام الساعة، أو نقول: هو معلوم وإن لم يكن مذكوراً لكون الأنبياء مقيمين على تذكيرهم بالساعة والحساب والثواب والعقاب. قوله: {مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً}. قال ابن عباس: ما ينتظرون إلاّ الصيحة المعلومة يريد النفخة الأولى، والتنكير للتكثير. فإن قيل: هم ما كانوا ينتظرون بل كانوا يجزمون بعدمها. فالجواب: المراد بالانتظار فعلهم لأنهم كانوا يفعلون ما يستحق به فاعله الهوان وتعجيل العذاب وتقريب الساعة لولا حكم الله وعلمه بأنهم لا يفوتونه أو يقال: لما لم يكن قولهم "متى" استفهاماً حقيقياً قال ينتظرون انتظاراً غير حقيقي لأن القائل متى يفهم منه الانتظار نظر لقوله. فصل ذكر في الصيحة أموراً تدل على عظمها: أحدها: التنكير وثانيها: قوله "واحدة" أي لا يحتاج معها إلى ثانية. ثالثها: "تأخذهم" أي تَعْمُّهم بالأَخْذِ وتصلُ إلى مَنْ في الأرض مشارقِهَا ومَغَارِبها. قوله: "وَهُمْ يَخِصِّمُونَ" قرأ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من خَصَم يَخْصِمُ. والمعنى يخصم بعضهم بعضاً فالمفعول محذوف، وأبو عمرو وقالون بإخفاء فتحة الخاء، وتشديد الصاد. ونافع وابن كثير وهشام كذلك إلا أنه بإخلاص فتحة الخاء، والباقون بكسر الخاء وتشديد الصاد والأصل في القراءات الثلاث يَخْتَصِمُونَ فأدغمت التاء في الصاد. فنافع وابن كثير وهشام نقولا فتحتها إلى الساكن قبلها نقلاً كاملاً، وأبو عمرو وقالون اختلسا حركتها تنْبِيهاً على أن الخاء أصلها السكون والباقون حذفوا حركتها فالتقى ساكنان كذلك فكسر(وا) أولهما. فهذه أربع قراءات قرىء بها في المشهور، وروي عن أبي عمرو وقالون سكون الخاء وتشديد الصاد فالنحاة يستشكلونها للجمع بين ساكنين على غير حَدَّيْهمَا. وقرأ جماعة "يخِصِّمُونَ" بكسر الياء والخاء وتشديد الصاد وكسروا الياء إتباعاً. وقرأ أبيّ يَخْتَصِمُونَ على الأصل، وقال أبو حيان وروي عنهما - أي عن أبي عمرو وقالون - سكون الخاء، وتخفيف الصاد من خَصَم. قال شهاب الدين: هذه هي قراءة حَمْزةَ ولم يحكِها هو عنه، وهذا يشبه قوله: {أية : يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} تفسير : [البقرة: 20] في البقرة و "لاَ يَهْدِّي" في يُونُس وقرأ ابن مُحَيْصِن "يرجعون" مبنيٍّا للمفعول. فصل قال عليه (الصلاة و) السلام: "حديث : لَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرجُلاَنِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلاَ يَبِيعَانِهِ وَلاَ يَطْوِيَانِهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ الرَّجُلُ أَكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلاَ يَطْعَمُها ". تفسير : قوله: {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً} أي لا يقدرون على الإيصاء قال مقاتل: أي أعجلوا عن الوصية فماتوا {وَلاَ إلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} يَنْقَلِبُونَ. أي أنَّ الساعة لا تُمْهِلْهُم لشيء. واعلم أن قول القائل: فلان في هذه الحالة لا يوصي دون قوله لايستطيع التوصية لأن ما من لايوصي قد يستطيعها والتوصية بالقول، والقول يوجد أسرع مما يوجد الفعل فقال: لا يتسطيعون كلمة، فكيف الذي يحتاج إلى زمن طويل من أداء الواجبات ورد المظالم؟! واعتبار الوصية من بين سائر الكلمات يدل على أنه لا قدرة له على أهم الكلمات فإن وقت الموت الحاجة إلى الوصية أمسّ. والتنكير في التوصية للتعميم أي لا يقدر على توصية (ما) ولو كانت بِكَلِمةٍ يسيرة، ولأن الوصية قد تحصل بالإشارة، فالعاجز عنها عاجز عن غيرها. قوله: {وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} بيان لشدة الحاجة إلى التوصية، ثم بين ما بعد الصيحة الأولى فقال: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} أي نفخ فيه أخرى كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} تفسير : [الزمر:68] وقرأ الأعرج ونفخ في الصور بفتح الواو. وهي القبور واحدها جَدَث، وقرىء من الأجدافِ بالفاء. وهو لغة في الأجداث يقال: جَدَث، وجَدَف كثمَّ وفُمَّ، وثُوم، وفُوم. فإن فيل: أين يكون ذلك الوقت أجداث وقد زلزت الصيحة الجبال؟. فالجواب: أن الله يجمع أجزاء كل ميت في الموضع الذي أقْبِرَ فيه من ذلك الموضع وهو جدثه. قوله: {إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} أي يخرجون من القبور أحياء. وقرأ ابنُ أبي إِسحاق وأبو عمرو في رواية: يَنْسُلُونَ بضم السين، يقال: نَسَلَ الثعلبُ يَنْسِلُ ويَنْسُلُ إذا أسرع في عَدْوِهِ، ومنه قيل للولد: نَسَل لخروجه من ظهر أبيه وبطن أمه. فإن قيل: المسيء إذا توجه إلى من أحسن إليه يقدم رِجْلاً ويؤخر أخرى والنَّسلاَن سرعة الشيء فكيف يوجد بينهم ذلك؟ فالجواب: ينسلون من غير اختيارهم والمعنى أنه أراد أن يبين كمال قدرته ونفوذ إرادته حيث ينفخ في الصور فيكون في وقته جمع وإحياء وقيام وعدو في زمان واحد، فقوله: "إذَا هُمْ يَنْسِلُونَ" أي في زمان واحد ينتهون إلى هذه الدرجة وهي النسلان الذي لا يكون إلا بعد مراتب. فإن قيل: قال في آية {أية : فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} تفسير : [الزمر:68] وقال ههنا: {فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} والقيام غير النسلان فقوله في الموضعين: "إذا هم" يقتضي أن يكونا معاً. فالجواب من وجهين: الأول: أن القيام لا ينافي المشي السريع لأن الماشي قائم ولا ينافي النظر. الثاني: أن لسرعة الأمور كأن الكل في زمان واحد كقول القائل: شعر : 4183- مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِل مُدْبِرٍ مَعاً .................................. تفسير : واعلم أن النفختين تورثان تزلزلاً وانقلاباً للأجرام فعند اجتماع الأجرامِ يُفَرِّقها. وهو المراد بالنفخة الأولى وعند تفرق الأجرام يجمعها وهو النفخة الثانية. قوله: "يَٰوَيْلَنَا" العامة على الإضافة إلى ضمير المتكلمين دون تأنيث وهو "ويل" مضاف لما بعده. ونقل أبو البقاء أن "وَيْ" كلمة برأسها عن الكوفيين و"لنا" جار ومجرور انتهى. قال شهاب الدين: ولا معنى لهذا إلا بتأويل بعيد وهو أن يكون يا عَجَب لنا، لأن "وَيْ" تفسير بمعنى أعجب منا. وابنُ أَبِي لَيْلَى يا ويلتنا بتاء التأنيث وعنه أيضاً يَا وَيْلَتِي بإبدال التاء ألفاً. وتأويل هذه أن كل واحد منهم يقول يا ويلتي. قوله: "مَنْ بَعَثَنَا" العامة على فتح ميم "من" و "بعثنا" فعلاً ماضياً خبراً "لمنْ" الاستفهامية قبله، وابن عباس والضحاك وأبو نُهَيْك بكسر الميم على أنها حرف جر، و "بعثنا" مصدر مجرور "بمن" فـ "من" الأولى تتعلق بالويل والثانية تتعلق بالبعث. والمَرْقَدُ يجوز أن يكون مصدراً أي من رُقَادِنَا وأن يكون مكاناً وهو مفرد أقيم مُقَام الجمع والأول أحسن؛ إذ المصدر يفرد مطلقاً. فصل قال ابن عباس وأبيّ بن كعب وقتادة: إنما يقولون هذا لأن الله يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة، دعوا بالويل. وقال (أهل) المعاني: الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها صار عذاب القبر في جنبها كالنوم فقالوا: مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا. فإن قيل: لو قيل: فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون يقولون يا ويلنا كان أليق قال ابن الخطيب: نقول: معاذ الله وذلك لأن قوله إذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون إشارة إلى أنهم تعالى بأسرع زمان يجمع أجزاءهم ويؤلفها ويحييها ويحركها بحيث يقع نسلانهم في وقت النفخ مع أن ذلك لا بدّ له من الجمع والتأليف فلو قال يقولون لكان ذلك مثل الحال لينسلون أي ينسلون قائلين يا ويلنا وليس كذلك فإن قولهم: يا ويلنا قبل أن ينسلوا وإنما ذكر النسلان لما ذكرنا من الفائدة. فإن قيل: ما وجه تعلق "مَنْ بعَثنَا مِنْ مَرْقَدِنَا" بقولهم "يَا وَيْلَنَا"؟ فالجواب: لما بعثوا تذكروا ما كانوا يسمعون من الرسل فقالوا: يَاوَيْلَنَا أبَعَث الله البَعْثَ الموعود به أم كنا نِيَاماً هنا كما إذا كان إنسان موعوداً بأن يأتيه عدو لايطيقه ثم يَرَى رَجُلاً هائلاً يقبل عليه فيرتجف في نفسه ويقول أهذا ذاك أم لا؟. ويدل على هذا قولهم: "مِنْ مَرْقَدِنَا" حيث جعلوا القبور موضع الرُّقَاد إشارة إلى أنهم شكوا في أنهم كانوا نِيَاماً فنبهوا أو كانوا موتى فبعثوا وكان الغالب على ظنهم هو البعث فجمعوا بين الأمرين وقالوا من بعثنا إشارة إلى ظنهم أنه بعثهم الموعود به وقالوا من مرقدنا إشارة إلى توهمهم احتمال الانْتِبَاه. قوله: {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ} في "هذا" وجهان: أظهرهما: أنه مبتدأ وما بعده خبره. ويكون الوقف تامًّا على قوله: "مِن مَّرْقَدِنَا". وهذه الجملة حينئذ فيها وجهان: أحدهما: أنها مستأنفة إما من قول الله تعالى، أو من قول الملائكة، أو من قول المؤمنين للكفار. الثاني: أنها من كلام الكفار فيكون في محلّ نصب بالقَول. والثاني من الوجهين الأولين: (أن) "هذا" صفة "لمرقدنا" و {مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} منقطع عما قبله، ثم في "ما" وجهان: أحدهما: أنها في محل رفع بالابتداء والخبر مقدر أي الذي وعده الرحمن وصدق فيه المرسلون حق عليكم. وإليه ذهب الزجاج والزمخشري. والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هذا وعد الرحمن، وقد تقدم في أول الكهف أن حَفْصاً يقف على "مرقدنا" وقفةً لطيفة دون قطع نفس لئلا يتوهم أن اسم الإشارة تابع لـ "مَرْقَدِنَا". وهذان الوَجْهَانِ يقويان ذلك المعنى المذكور الذي تعمد الوقف لأجله، و"ما" يصحّ أن تكون موصولة اسمية أو حرفية كما تقدم. ومفعولا الوعد والصدق محذفوفان أي وَعَدَنَاهُ الرَّحْمَنُ وصَدَقَنَاهُ المرسلون والأصل "صدقنا فيه" ويجوز حذف الخافض وقد تقدم ذلك نحو: صَدَقَنِي سنَّ بكْرِ(هِ) أي في سنه. قوله: {إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} تقدمت قراءتا: {أية : صَيْحَةً وَاحِدَةً} تفسير : [يس:53] نصباً ورفعاً أي ما كانت النفخة إلا صيحة واحدة، ويدل على النفخة قوله: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ}. ويحتمل أن يقال: إنها كانت الواقعة وقرئت الصيحة مرفوعة على أن "كان" هي التامة بمعنى "ما وقعتْ إلاَّ صَيْحَةٌ" قال الزمخشري: لو كان كذلك لكان الأحسن أن يقال: إن كان؛ لأن المعنى حينئذ ما وقع شيء إلى صيحة لكن التأنيث جائز إحالته على الظاهر. ويمكن أن يقول الذي قرأ بالرفع إن قوله: {أية : إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} تفسير : [الواقعة: 1] تأنيث تهويل ومبالغة بدليل قوله تعالى: {أية : لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} تفسير : [الواقعة:2] فإنها للمبالغة فكذلك ههنا قال: {إنْ كانت إلا موتتنا الأولى} تأنيث تهويل، ولهذا جاءت أسماء يوم الحشر كلها مؤنثة كالقيامة والقارعة والحَاقّة والصَّاخَّة إلى غيرها. والزمخشري يقول: كاذبة بمعنى ليس لوقعتها نفس كاذبة وتأنيث أسماء الحشر لكون الحشر مسمى بالقيامة. وقوله "محضرون" دليل على أنّ كونهم ينسلون إجباريّ لا اختياريّ ثم بين ما يكون في ذلك اليوم فقال: {فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} فاليوم منصوب "بلاَ تُظْلَمُ"، و "شيئاً" إما مفعول ثانٍ وإما مصدر. فقوله: {لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ} ليأمن المؤمن (و) {وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ليَيْأسَ المجرمُ والكافر. فإن قيل: ما الفائدة في الخطاب عند الإشارة إلى يأس المجرم وترك الخطاب في الإشارة إلى أمان المؤمن؟ فالجواب: أن قوله: {لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} يفيد العموم وهو كذلك فإنه لا يظلم أحداً وأما "لا تجزون" فيختص بالكافر لأن الله يجزي المؤمن وإن لم يفعل فإن لله فضلاً مختصاً بالمؤمن وعدلاً عاماً فيه. وفيه بشارة.

ابو السعود

تفسير : {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي فيما تعدوننا بهِ من قيام السَّاعةِ مخُاطبـين لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لمَا أنَّهم أيضاً كانُوا يتلون عليهم آياتِ الوعيدِ بقيامها. ومعنى القُرْبِ في هذا إمَّا بطريق الاستهزاءِ وإمَّا باعتبارِ قُربِ العهدِ بالوعدِ. {مَا يَنظُرُونَ} جوابٌ من جهته تعالى أي ما ينتظرونَ {إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً} هي النَّفخةُ الأولى {تَأُخُذُهُمْ} مفاجأةً {وَهُمْ يَخِصّمُونَ} أي يتخاصمُون في متاجرِهم ومعاملاتِهم لا يخطر ببالِهم شيءٌ من مخايلها كقولِه تعالى: { أية : فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} تفسير : [سورة البقرة: الآية 55] فلا يغترُّوا بعدم ظهور علائِمها ولا يزعمُوا أنَّها لا تأتيهم. وأصلُ يخصِّمون يَخْتَصِمُون فُسكِّنت التَّاءُ وأُدغمتْ في الصَّادِ ثمَّ كُسرتْ الخاءلالتقاءِ السَّاكنينِ. وقُرىء بكسر الياءِ للاتباعِ، وبفتح الخاءِ على إلقاءِ حركةِ التَّاءِ عليه. وقُرىء على الاختلاسِ، وبالإسكانِ على تجويزِ الجمعِ بـين السَّاكنينِ إذا كان الثَّاني مُدغَماً وإنْ لم يكُن الأوَّلُ حرفَ مدَ. وقُرىء يَخْصِمُون من خَصَمَه إذا جَادَله. {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً} في شيءٍ من أمورِهم إنْ كانُوا فيما بـين أهليهم {وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} إنْ كانُوا في خارج أبوابِهم بل تبغتهم الصَّيحةُ فيموتون حيثُما كانُوا. {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ} هي النَّفخةُ الثَّانيةُ بـينها وبـين الأوُلى أربعون سنةً أي يُنفخ فيهِ. وصيغةُ الماضي للدلالةِ على تحقُّقِ الوقوعِ {فَإِذَا هُم مّنَ ٱلأَجْدَاثِ} أي القبورِ جمع جَدَثٍ وقرىء بالفاءِ {إِلَىٰ رَبّهِمْ} مالكِ أمرِهم على الإطلاقِ {يَنسِلُونَ} يُسرعون بطريقِ الإجبارِ دُونَ الأختيارِ لقولِه تعالى لدينا مُحضَرُون. وقُرىء بضمِّ السِّينِ. {قَالُواْ} أي في ابتداء بعثهم من القُبور {يٰوَيْلَنَا} احضُرْ فهذا أوانُك. وقُرىء يا ويلتَنَا. {مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} وقُرىء مَن أهبّنا من هبَّ من نومه إذا انتبه. وقُرىء من هَبّنا بمعنى أهبنا. وقيل: أصلُه هبَّ بنا فحُذف الجارُّ وأُوصل الفعلُ إلى الضَّميرِ، قيل فيه ترشيحٌ ورمزٌ وإشعادرٌ بأنَّهم لاختلاطِ عقولِهم يظنُّون أنَّهم كانوا نياماً. وعن مجاهدٍ أنَّ للكفَّار هجعةً يجدون فيها طعمَ النَّومِ فإذا صِيح بأهل القُبور يقولون ذلك. وعن ابن عبَّاسٍ وأُبـيِّ بنِ كعبٍ وقَتَادةَ رحمهم الله تعالى: أنَّ الله تعالى يرفعُ عنهم العذابَ بـينَ النَّفختينِ فيرقدُون فإذا بُعثوا بالنَّفخةِ الثَّانيةِ وشاهدُوا من أهوال القيامةِ ما شاهدُوا دَعَوا بالويلِ، وقالوا ذلك. وقيل: إذا عاينُوا جهنَّم وما فيها من أنواع العذابِ يصير عذابُ القبر في جنبِها مثلَ النَّومِ فيقولون ذلك، وقُرىء (مِن بَعْثنا) ومِن هَبّنا بمن الجارَّةِ والمصدرِ. والمرقدُ إمَّا مصدرٌ أي من رُقادِنا أو اسمُ مكانٍ أُريد به الجنسُ فينتظم مراقدَ الكلِّ {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ} جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ. وما موصولةٌ محذوفةٌ العائدِ أو مصدريةٌ وهو جواب من قبل الملائكةِ أو المؤمنينَ عُدل به عن سَننِ سؤالِهم تذكيراً لكُفرهم وتقريعاً لهم عليه وتنبـيهاً على أنَّ الذي يهُمهم هو السُّؤالُ عن نفسِ البعثِ ماذا هو دون السُّؤال عن الباعثِ كأنَّهم قالُوا بعثكم الرحمن الذي وعدكُم ذلك في كتبِه وأرسلَ إليكم الرُّسلَ فصدقُوكم فيه وليسَ الأمرُ كما تتوهمونَه حتَّى تسألُوا عن الباعثِ وقيل: هو من كلامِ الكافرينَ حيثُ يتذكّرون ماسمعُوه من الرُّسلِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ فيجيبونَ به أنفسَهم أو بعضَهم بعضاً وقيل هذا صفةٌ لمرقدنا وما وعدَ الخ خبرُ مبتدأ محذوفٍ أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ أي ما وعد الرَّحمنُ وصدقَ المرسلونَ حقٌّ.

القشيري

تفسير : يستعجلون هجومَ الساعة، ويستبطئون قيامَ القيامة - لا عن تصديقٍ يُريحهم من شَكِّهم، أو عن خوفٍ يمنعهم عن غَيِّهم، ولكن تكذيباً لدعوة الرسل، وإنكاراً لِصِحة النبوة، واستبعاداً للنشر والحشر. ويومَ القيامةِ هم في العذاب مُحـْضَرُون، ولا يُكْشَفُ عنهم، ولا يُنْصَرُون.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويقولون} اى اهل مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين انكارا واستبعادا {متى} [كى است] {هذا الوعد} بقيام الساعة والحساب والحزاء. ومعنى طلب القرب فى هذا اما بطريق الاستهزاء واما باعتبار قرب العهد بالوعد. والوعد يستعمل فى الخير والشر والنفع والضر والوعيد فى الشر خاصة. والوعد هنا يتضمن الامرين لانه وعد بالقيامة وجزاء العباد ان خيرا فخير وان شرا فشر. قال فى كشف الاسرار انما ذكر بلفظ الوعد دون الوعيد لانهم زعموا ان لهم الحسنى عند الله ان كان الوعد حقا. يقول الفقير هذا انما يتمشى فى المشركين دون المعطلة وقد سبق انهم زنادقة كانوا بمكة {ان كنتم صادقين} فى وعدكم فقولوا متى يكون وهذا الاستعجال بهجوم الساعة والاستبطاء لقيام القيامة انما وقع تكذيبا للدعوة وانكارا للحشر والنشر ولو كان تصديقا واقرارا واستخلاصا من هذا السجن وشوقا الى الله تعالى ولقائه لنفعهم جدا ولما قامت عليهم القيامة عند الموت كما لا تقوم على المؤمنين بل يكون الموت لهم عيدا وسرورا وفى المثنوى شعر : خلق در بازار يكسان مى روند آن بكى در ذوق وديكر دردمند همجنان در مرك وزنده مى رويم نيم در خسران ونيمى خسرويم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ويقولون} ـ استهزاء ـ: {متى هذا الوعْدُ} أي: وعد البعث والقيامة {إِن كنتم صادقين} فيما تقولون. خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال تعالى: {ما ينظرون} ينتظرون {إِلا صيحةً واحدةً} هي: النفخة الأولى، {تأخذُهُم وهم يَخِصِّمُون} يختصمون، يخصم بعضهم بعضاً في المعاملات، لا يخطر ببالهم أمرها، فتأتيهم بغتة. وقرأ حمزة ـ بسكون الخاء ـ من: خصمه: إذا غلبه في الخصومة. وفتح الباقون، مع الاختلاس والنقل وعدمهما. {فلا يستطيعُون توصيةً} فلا يستطيعون أن يوصوا في أمورهم بشيء، {ولا إِلى أهلِهِم يَرجِعُون} ولا يقدرون على الرجوع إلى منازلهم، بل يموتون حيث يسمعون الصيحة. {ونُفِخَ في الصُّور} النفخة الثانية، بعد خُلو الأرض أربعين سنة. والصور: القرن، أو: جمع صورة. {فإِذا هم من الأَجْدَاثِ} القبور {إِلى ربهم يَنْسِلُون} يُسرعون في المشي إلى المحشر. {قالوا يا ويلنا مَن بَعَثَنَا} مَن أنشرنا {من مَّرْقَدِنا} مضجعنا؟ قال مجاهد وأُبيّ بن كعب: للكفار هجعة يجدون فيها طعم النوم، فإذا صيح بأهل القبور، قالوا يا ويلنا مَن بعثنا؟ وأنكره ابن عطية، وقال: إنما هو استعارة، كما تقول في قتيل: هذا مرقده إلى يوم القيامة. فتقول الملائكة في جوابهم: {هذا ما وَعَدَ الرحمنُ وَصَدَقَ المرسلون} أو يقوله المؤمنون، أو: الكفار، يتذكرون ما سمعوه من الرسل، فيُجيبون به أنفسهم، أو بعضهم بعضاً. و "ما": مصدرية، أي: هذا وَعْدُ الرحمن وصِدق المرسلين، على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالوعد والصدْق. أو: موصولة، أي: هذا الذي وعده الرحمن والذي صَدَقه المرسلون، أي: والذي صدق فيه المرسلون. {إِن كانت} النفخة الأخيرة {إِلا صيحةً واحدةً فإِذا هم جميع لدينا مُحضَرُون} للحساب، ثم يقال لهم في ذلك اليوم: {فاليوم لا تُظلمُ نفسٌ شيئاً ولا تُجْزَونَ إِلا ما كنتم تعملون} من خير أو شر. الإشارة: إذا كبر يقين العبد صارت عنده الأمور المستقبلة واقعة، والآجلة عاجلة، فيستعد لها قبل هجومها، ويتأهّب للقائها قبل وقوعها، أولئك الأكياس، الذين نظروا إلى باطن الدنيا، حين نظر الناس إلى ظاهرها، واهتمُّوا بآجالها، حين اغترّ الناس بعاجلها، كما في الحديث في صفة أولياء الله. ثم بين الحقّ تعالى مآلهم، فقال: {إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ...}

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : كلمة "متى" ها هنا للاستعلام عن وقت قيام الساعة، وهي في عرف أهل الحكمة، سؤال عن نسبة الشيء إلى زمانه المعين أو حد منه، والزمان كالمكان من موجودات هذا العالم، لأنه كما ثبت في مقامه، مقدار الحركة السريعة اليومية يتحدد به سائر الحركات المستديرة والمستقيمة، وما يطابقها من الأزمنة والزمانيات، كما أن بموضوعه يتحدد سائر الأبعاد والأمكنة والمكانيات، والقيامة خارجة عن هذا العالم لأنها واقعة في مكمن حجب السماوات، فزمانها ومكانها نوعان آخران لا يمكن السؤال عنهما بـ "متى" و "أين"، كما لا يمكن السؤال بـ "ما هو" عما لا ماهية له، كالواحد الحقيقي والمقدس القيّومي، بل أمور القيامة كلها أسرار على العلم الإنساني بحسب طور هذه النشأة الدنيوية. فلا يتصور أن يحيط بها أحد ما دام في الدنيا، ولم يتخلص عن قيد الوهم وأسر الطبيعة وزمانة الهوى، ولكل موطن ونشأة نوع خاص من الشعور والإدراك، كما أن لكل محسوس من المحسوسات حاسّة مخصوصة، فعلم المبصرات عند البصر، وعلم المسموعات عند السمع، فكذا علم الساعة مردود إلى من كان عنده تعالى وحشر في حضرته، وليس للكفار قوة إدراك الساعة، كما ليس للأكمه قوة إدراك المبصرات. فقولهم: "متى هذا الوعد"؟ سؤال عما يستحيل الجواب عنه على موجبه، كما أن سؤال فرعون: "وما رب العالمين"، سؤال عما يستحيل الجواب عنه على موجبه، فإن أمر الساعة إذا كان كلمح البصر أو هو أقرب، وكان "متى" سؤالاً عن الزمان استحال جواب السائل عنه، وهو كقول الأكمه إذا وصف له المبصرات المتلونة، فقال: "كيف تشم هذه المبصرات"؟ أو "كيف تلمس هذه المتلونات"؟ والجواب الحق معه: أن علم المبصرات يوجد عند البصر، لا يمكن طلبها بالذوق واللمس. فالجواب الحق مع الكفار إذا قالوا: {مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}؟ أن يقال لهم: "العلم بذلك عند الله"، كما وقع في القرآن من قوله تعالى: {أية : عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ}تفسير : [لقمان:34] فمن يرجع إلى الله عزّ وجلّ، وحشر إليه وكان عنده، فلا بد وأن يعرف حينئذ حقيقة الساعة بالضرورة، لأنه عند الله، وعنده علم الساعة، فإذن بالضرورة، لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول "الله"، كما روي في الحديث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). فثبت وتحقّق تحقيقاً لا شك فيه، أن علم الساعة مردود إلى الله تعالى كما قال سبحانه: {أية : إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ}تفسير : [فصّلت:47]. وسؤال الكفرة والجهّال عن ذلك نوع من الضلال والإضلال، وليس لك أيها المؤمن بالله واليوم الآخر أن تعلم من أسرار القيامة وأغوارها، ما دمت في هذه النشأة البشرية، إلاّ أن إيمانك بالغيب وتصديقك بما جاء في الشريعة الحقة، تصديق الأكمه بوجود الألوان من جهة الخبر والإيمان بالغيب، لا من جهة الإدراك واليقين. وإياك أن تستشرف الإطلاع عليها من غير جهة الخبر والإيمان بالغيب، بأن تريد أن تعلمها بعقلك المزخرف ودليلك المزيّف، فتكون كالأكمه الذي يريد أن يعلم الألوان بذوقه أو شمّه أو سمعه أو لمسه، وهذا عين الجحود والإنكار لوجود الألوان، فكذلك الطمع في إدراك أحوال الآخرة بعلم الاستدلال وصنعة الكلام، عين الجحود والإنكار لها، فمن أراد أن يعرف القيامة بفطانته المعروفة وعقله المشهور، فقد جحدها وهو لا يشعر. فتأمل أولاً في حال الأكمه كيف ينبغي له أن يؤمن بالألوان من طريق الغيب، بأن يقطع نظره عن الحواس الأربع ومدركاتها، وعزلها عن أحكامها، حتى يمكن ويتصور له أن يؤمن بالغيب من غير تشبيه ولا تعطيل، ثم طالب بعد ذلك نفسك بمثل هذا الإيمان حتى تكون مؤمناً بالغيب، فتستعد لأن تصير موقناً بالآخرة، كما قال سبحانه: {أية : يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ}تفسير : [البقرة:3] - إلى أن قال -: {أية : وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} تفسير : [البقرة:4] فكانوا أولاً مؤمنين بالآخرة إيماناً بالغيب، وهذه المرتبة في الإيمان بالله واليوم الآخر، تتأدى بالمؤمن إلى العمل بالأركان من الصلاة والزكاة وغيرهما، والأعمال الصالحة بصدق النية وصفاء الطويّة، ينجر به إلى مرتبة الإيقان لقوله تعالى: {أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ}تفسير : [الحجر:99]. اشــارة نسبة قيام الساعة إلى أزمنة الدنيا، ليست كنسبة طرف الزمان إلى الزمان، ولا كنسبة شطر لاَحِقٍ إلى سابقه - كالجمعة مثلاً إلى الخميس وما قبلها - فان الدار الآخرة ليست منسلكة مع هذه الدار في سلك واحد، وكذا ليس حيّز الآخرة الى احياز الدنيا كنسبة فوق هذا العالم إلى ما هو دونه، لأن كلا منهما عالم آخر، والآخرة عالم تام برأسه لا يعوزه شيء من أشياء هذا العالم، ولا يتصل بغيره، ولا هو واقع في جهة من جهات هذا العالم بحسب الزمان والمكان، بل نسبة متاها إلى متى هذه الدنيا، أشبه بنسبة محيط الدائرة إلى مركزها من نسبة بعض الخط إلى بعض آخر أو حدّ منه إلى غيره، وكذلك الحال في قياس أيْنِها إلى أيون هذا العالم. لأن القيامة لو كانت واقعة في آخر شطر من أجزاء هذا الزمان الدنياوي، أو في أبعد شطر من أبعاض هذا المكان الحسي - كما زعمه أهل الظن والتخمين -، لكان بعيداً غاية البعد من النفوس الإنسانية وهو باطل، لأن الله تعالى وصفها بالقرب منّا بحسب الزمان والمكان جميعاً. أما الأول: فلقوله تعالى: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ}تفسير : [القمر:1]. وأما الثاني: فلقوله تعالى: {أية : وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} تفسير : [سبأ:51] {أية : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً}تفسير : [المعارج:6 - 7] فكان نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم)، يشاهد خازن الجنة ويتناول بيده من ثمارها وفواكهها، وكذلك علماء أمته، وهم المؤمنون حقاً بأحوال الآخرة، كانوا مشاهدين للقيامة، وهي كانت قائمة في حقهم، لأنهم كانوا محشورين في دنياهم إلى الحق، راجعين إلى الله. حديث : ولم يحكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بكون حارثة "مؤمناً حقيقياً" ما لم يكن مشاهداً يوم الآخرة، ناظراً إلى أحوالها، حيث قال: "أصبحت مؤمناً حقاً" قال (صلى الله عليه وآله وسلم)" "لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك"؟ قال: "رأيت أهل الجنة يتزاورون، ورأيت أهل النار يتعاوَوْنَ ورأيت عرش ربي بارزاً" فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "أصبت فالزم" . تفسير : وهذا الحديث متفق عليه بين الفريقين، وإن اختلف في صورة الألفاظ، فثبت أن قيام الساعة قريب عند أهل الحق، وأما أهل الظن والتخمين، وأرباب المجازفة في الكلام من غير خوض في المعارف، وتثبّت في الإيقان، فهم الذين يزعمون يوم القيامة بعيداً عن الإنسان بحسب الزمان {أية : وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً} تفسير : [الكهف:36] بحسب المكان {أية : وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} تفسير : [سبأ:53].

اطفيش

تفسير : {ويقولون متى هذا الوعد} يعنون البعث. {إن كنتم صادقين} فيه وقيل الاشارة للعذاب.

اطفيش

تفسير : {ويقُولُون} عطف على قوله: إذا قيل لهم أنفقوا الخ {مَتَى هذا الوَعْد} الوعد بالبعث، كان صلى الله عليه وسلم يكثر ذكره، ويذكر ما تضمنه، أو يشير اليه كذكر النار، فكانوا يذكرونه متى هو، ولو لم يذكره، ولا ما يبنى عليه، فإشارة القرب لقرب ذكره، أو ما يرجع اليه، أو لحضوره فى أذهانهم، ومرادهم أحضره لنا بأن يميتنا الله عز وجل فيبعثنا الآن، أو بأن يبعث من قبلنا أو بين لنا وقته بأجل نحضره، وقصدوا أنه حق بالاستهزاء فأحضره لنا، والمراد بالوعد الوعيد، لأنه صلى الله عليه وسلم يذكره ردها لهم، أو أرادوا الوعد بالخير لأنهم يقولون: إن بعثنا لقينا الخير من الله، أو بشفاعة ما نعبد من دونه، أو أرادوا الخير والشر لأنه يذكره ثوابا وعقابا {إنْ كُنْتم صادقين} فى إثبات الوعد.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ } عطف على الشرطية السابقة مفيد لإنكارهم البعث الذي هو مبدأ كل قبيح والنبـي صلى الله عليه وسلم لم يزل يعدهم بذلك، ومما يستحضر في أذهانهم ما تقدم من الأوامر فلذا أتوا بالإشارة إلى القريب في قولهم {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ } يعنون وعد البعث، وجوز أن يكون ذلك من باب الاستهزاء وأرادوا متى يكون ذلك ويتحقق في الخارج {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } فيما تقولون وتعدون فاخبرونا بذلك، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم/ والمؤمنين لما أنهم أيضاً كانوا يتلون عليهم الآيات الدالة عليه والآمرة بالإيمان به وكأنه لم يعتبر كونه شراً لهم ولذا عبروا بالوعد دون الوعيد، وقيل: إن ذاك لأنهم زعموا أن لهم الحسنى عند الله تعالى إن تحقق البعث بناء على أن الآية في غير المعطلة.

ابن عاشور

تفسير : ذكر عقب استهزائهم بالمؤمنين لمّا منعوهم الإِنفاق بعلة أن الله لو شاء لأطعمهم استهزاء آخر بالمؤمنين في تهديدهم المشركين بعذاب يحلّ بهم فكانوا يسألونهم هذا الوعد استهزاء بهم بقرينة قوله: {إن كنتم صادِقِينَ}، فالاستفهام مستعمل كناية عن التهكم والتكذيب. وأطلق الوعد على الإِنذار والتهديد بالشر لأن الوعد أعمّ ويتعين للخير والشر بالقرينة. واسم الإِشارة للوعد مستعمل في الاستخفاف بوعد العذاب كما في قول قيس بن الخطيم: شعر : متى يأت هذا الموتُ لا يُلف حاجة لنفسي إلا قد قضيتُ قضاءها تفسير : وإذا قد كان استهزاؤهم هذا يسوء المسلمين أعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأن الوعد واقع لا محالة وأنهم ما ينتظرون إلا صيحة تأخذهم فلا يُفلتون من أخذتها. وفعل {يَنظُرُونَ} مشتق من النَّظِرة وهو الترقب، وتقدم في قوله تعالى: { أية : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة } تفسير : في سورة [الأنعام: 158]. والصيحة: الصوت الشديد الخارج من حلق الإِنسان لزجر، أو استغاثة. وأطلقت الصيحة في مواضع في القرآن على صوت الصاعقة كما في قوله تعالى في شأن ثمود: { أية : فأخذتهم الصيحة } تفسير : [الحجر: 73]. فالصيحة هنا تحتمل المجاز، أي ما ينتظرون إلا صعقة أو نفخة عظيمة. والمراد النفخة الأولى التي ينقضي بها نظام الحياة في هذا العالم، والأخرى تنشأ عنها النشأة الثانية وهي الحياة الأبدية، فيكون أسلوب الكلام خارجاً على الأسلوب الحكيم إعراضاً عن جوابهم لأنهم لم يقصدوا حَقيقة الاستفهام فأجيبوا بأن ما أعد لهم من العذاب هو الأجدر بأن ينتظروه. ومعنى {تأخُذُهُم} تُهلكهم فجأة، شبه حلول صيحة العقاب بحلول المُغِيرين على الحيّ لأخذ أنعامه وسَبْي نِسائه، فأطلق على ذلك الحلولِ فعل {تأخُذُهُم} كقوله تعالى: { أية : فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية } تفسير : [الحاقة: 10] أي تحلّ بهم وهم يختصمون. وإسناد الأخذ إلى الصيحة حقيقة عقلية لأنهم يهلكون بصعقتها. ويحتمل أن تكون الصيحة على حقيقتها وهي صيحة صائحين، أي ما ينتظرون إلا أن يصاح بهم صيحة تنذر بحلول القتل، فيكون إنذاراً بعذاب الدنيا. ولعلها صيحة الصارخ الذي جاءهم بخبر تعَرّض المسلمين لركب تجارة قريش في بدر. و {يَخصّمُونَ} من الخصومة والخصام وهو الجدال، وتقدم في قوله: { أية : ولا تكن للخائنين خصيماً } تفسير : في سورة النساء (105)، وقوله: { أية : هذان خصمان } تفسير : في سورة الحج (19). وأصله: يختصمون فوقع إبدالُ التاء صاداً لقرب مخرجيهما طلباً للتخفيف بالإِدغام. واختلَف القراء في كيفية النطق بها، فقرأه الجميع بفتح الياء واختلفوا فيما عدا ذلك: فقرأ ورش عن نافع وابنُ كثير وأبو عمرو في رواية عنه {يَخصّمُونَ} بتشديد الصاد مكسورة على اعتبار التاء المبدلة صاداً والمسَكَّنةُ لأجل الإِدغام، ألقيت حركتُها على الخاء التي كانت ساكنة. وقرأه قالون عن نافع وأبو عمرو في المشهور عنه بسكون الخاء سكوناً مختلَساً (بالفتح) لأجل التخلص من التقاء الساكنين وبكسر الصاد مشدّدة. وقرأه عاصم والكسائي وابنُ ذكوان عن ابن عامر ويعقوبُ وخلف {يَخصّمُونَ} بكسر الخاء وكسر الصاد مشدّدة. وقرأه حمزة {يخْصِمون} بسكون الخاء وكسر الصاد مخففة مضارع (خَصم) قيل بمعنى جادل. وقرأ أبو جعفر {يخْصِّمون} بإسكان الخاء وبكسر الصاد مشددة على الجمع بين الساكنين. والاختصام: اختصامهم في الخروج إلى بدر أو في تعيين من يخرج لما حلّ بهم من مفاجآت لهم وهم يختصمون بين مصدق ومكذب للنذير. وإسناد الأخذ إلى الصيحة على هذا التأويل مجاز عقلي لأن الصيحة وقت الأخذ وإنما تأخذهم سيوف المسلمين. وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله: {وهُمْ يَخصّمُونَ} لإِفادة تقوّي الحكم وهو أن الصيحة تأخذهم. وفرع على {تأخُذُهُمْ} جملة {فَلا يَسْتَطِيعونَ توصِيَةً} أي لا يتمكنون من توصية على أهليهم وأموالهم من بعدهم كما هو شأن المحْتضَر، فإن كان المراد من الصيحة صيحة الواقعة كان قوله: {فَلا يَسْتَطِيعونَ توصِيَةً} كناية عن شدة السرعة بين الصيحة وهلاكهم، إذ لا يكون المراد مدلوله الصريح لأنهم لا يتركون غيرهم بعدهم إذ الهلاك يأتي على جميع الناس. وإن كان المراد من الصيحة صيحة القتال كان المعنى: أنهم يفزعون إلى مواقع القتال يوم بدر، أو إلى ترقب وصول جيش الفتح يوم الفتح فلا يتمكنون من الحديث مع من يُوصُونه بأهليهم. والتوصية: مصدر وَصَّى المضاعف وتنكيرها للتقليل، أي لا يستطيعون توصية ما. وقوله: {وَلاَ إلى أهْلِهِم يَرْجِعُونَ} يجوز أن يكون عطفاً على {تَوْصِيَةً}، أي لا يستطيعون الرجوع إلى أهلهم كشأن الذي يفاجئه ذعْر فيبادر بافتقاد حال أهله من ذلك. ويجوز أن يكون عطفاً على جملة «لا يستطيعون» فيكون مما شمله التفريع بالفاء، أي فلا يرجعون إلى أهلهم، أي هم هالكون على الاحتمالين، إلا أنه على احتمال أن يراد صيحة الحرب يخصص ضمير {يَرْجِعُونَ} بكبراء قريش الذين هلكوا يوم بدر لأنهم هم المتولُّون كِبْر التكذيب والعناد، أو الذين أكملوا بالهلاك يوم الفتح مثل عبد الله بن خطل الذي قتل يوم الفتح.

د. أسعد حومد

تفسير : {صَادِقِينَ} (48) - وَيَقُولُونَ لِلْمُؤِمِنِينَ، اسْتِهْزَاءً وَإِنْكَاراً لِقِيَامِ السَّاعَةِ والحِسَابِ وَالجَزَاءِ: مَتَى يَقَعُ البَعْثُ الذِي تُخَوِّفُونَنَا بِهِ، إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِيمَا تَقُولُونَ؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قولهم {مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ} [يس: 48] أي: الوعد بالآخرة وكلمة (الوعد) تدل على البشارة بالخير، على خلاف الوعيد وهو إنذار بالشرِّ، فعجيب منهم أنْ ينكروا الوعد وهو في صالحهم، وحظهم في الوعد لا في الوعيد. وهذا الاستفهام منهم على سبيل الإنكار، فليس هناك آخرة ولا حساب ولا جزاء، والعاقل منهم الذي يعترف بالآخرة يقول كما قال صاحب الجنة {أية : وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} تفسير : [الكهف: 36]. ومعنى {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [يس: 48] في قولكم بأن هناك بعثاً وحساباً، وواضح ما في إنكارهم للقيامة من تحدٍّ وعناد واستعجال لها. يقولون: أين هي القيامة التي تتكلم عنها، ائت بها الآن إنْ كنتَ صادقاً، ويظل الواحد منهم في هذا الجدل إلى أنْ تفاجئه القيامة. {مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} [يس: 49] يعني: ربما تفاجئه القيامة وهو في جداله هذا، وما المانع فالأمر لا يكلفنا إلا مجرد صيحة واحدة تأخذهم وتقضي عليهم جميعاً. وهذا إنذار لأهل الغفلة الذين غفلوا عن البعث والحشر والحساب، وشغلتهم الدنيا في تجارتهم وفي زراعتهم ومشاكل حياتهم، حتى أضاعوا الحياة في أخذ وردٍّ وجدال وخصام إلى أنْ فاجأتهم القيامة؛ لذلك يقول الشاعر: إياك أن تجادل في شيء كان في يدك فأخذه منك غيرك. شعر : نَفْسِي التي تملِكُ الأشياءَ ذَاهِبَةٌ فكيفَ آسَى عَلَى شَيءٍ لَهَا ذَهَباً تفسير : ومعنى {تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} [يس: 49] يعني: تفاجئهم وهم في جدالهم وخصامهم، ومعنى {يَخِصِّمُونَ} [يس: 49] أي: يختصمون، فقُلِبت التاء صاداً، وأدغمت في الصاد للدلالة على المبالغة. والأَخْذُ يدل على الشدة {أية : أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ} تفسير : [القمر: 42]. وقوله: {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً} [يس: 50] يعني: تفاجئهم الصيحة والقيامة، بحيث لا يتمكن أحد أنْ يُوصي أحداً، والوصية معروفة وهي أنْ يُوصِي الإنسان أهله وأولاده بما هو مهم في حياتهم؛ لذلك رأينا سيدنا رسول الله في حجة الوداع لما أحسَّ بدُنُو الأجل أوصى المسلمين في خطبته الجامعة للُبِّ الدين وأسسه، كذلك مَنْ أقبل على أجله واستشعر نهايته عليه أنْ يوصي مَنْ يحرص عليه بالأشياء المهمة. إذن: فَهُم في هذا الموقف لا يسعفهم الوقت لكي يُوصِى بعضهم بعضاً {وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} [يس: 50] حتى ولا هذه يستطيعونها. فالقيامة إذن لا ينبغي أن يستبطئها أحد؛ لأنها تأتي بغتة؛ لذلك أخفاها الله، واستأثر سبحانه وحده بعلمها ليظل الإنسان على ذِكْر لها، ينتظرها في كل وقت، والقيامة بالنسبة للإنسان لا تعني بالضرورة الآخرة، إنما مجرد أنْ يموت فقد قامت القيامة في حقه، فبالموت لم يَعُدْ له عمل، ولا توبة، ولا استدراك لشيء. ثم يقول الحق سبحانه: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ ...}.