Verse. 3754 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

مَا يَنْظُرُوْنَ اِلَّا صَيْحَۃً وَّاحِدَۃً تَاْخُذُہُمْ وَہُمْ يَخِصِّمُوْنَ۝۴۹
Ma yanthuroona illa sayhatan wahidatan takhuthuhum wahum yakhissimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

قال تعالى: «ما ينظرون» أي ينتظرون «إلا صيحة واحدة» وهي نفخة إسرافيل الأولى «تأخذهم وهم يخصِّمون» بالتشديد أصله يختصمون نقلت حركة التاء إلى الحاء وأدغمت في الصاد، أي وهم في غفلة عنها بتخاصم وتبايع وأكل وشرب وغير ذلك، وفي قراءة يخصمون كيضربون، أي يخصم بعضهم بعضا.

49

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً } أي لا ينتظرون إلا الصيحة المعلومة والتنكير للتكثير، فإن قيل هم ما كانوا ينتظرون بل كانوا يجزمون بعدمها، فنقول الانتظار فعلي لأنهم كانوا يفعلون ما يستحق به فاعله البوار وتعجيل العذاب وتقريب الساعة لولا حكم الله وقدرته وعلمه فإنهم لا يقولون أو نقول لما لم يكن قوله متى استفهاماً حقيقياً قال ينتظرون انتظاراً غير حقيقي، لأن القائل متى يفهم منه الانتظار نظراً إلى قوله. وقد ذكروا ههنا في الصيحة أموراً تدل على هولها وعظمها أحدها: التنكير يقال لفلان مال أي كثير وله قلب أي جريء وثانيها: واحدة أي لا يحتاج معها إلى ثانية وثالثها: تأخذهم أي تعمهم بالأخذ وتصل إلى من في مشارق الأرض ومغاربها، ولا شك أن مثلها لا يكون إلا عظيماً. وقوله: {تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ * فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ }، مما يعظم به الأمر لأن الصيحة المعتادة إذا وردت على غافل يرجف فإن المقبل على مهم إذا صاح به صائح يرجف فؤاده بخلاف المنتظر للصيحة، فإذا كان حال الصيحة ما ذكرناه من الشدة والقوة وترد على الغافل الذي هو مع خصمه مشغول يكون الارتجاف أتم والإيحاف أعظم، ويحتمل أن يقال: {يَخِصّمُونَ } في البعث ويقولون لا يكون ذلك أصلاً فيكونون غافلين عنه بخلاف من يعتقد أنه يكون فيتهيأ له وينتظر وقوعه فإنه لا يرتجف وهذا هو المراد بقوله تعالى: {أية : فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء } تفسير : [الزمر: 68] ممن اعتقد وقوعها فاستعد لها، وقد مثلنا ذلك فيمن شام برقاً وعلم أن سيكون رعد ومن لم يشمه ولم يعلم ثم رعد الرعد ترى الشائم العالم ثابتاً والغافل الذاهل مغشياً عليه، ثم بين شدة الأخذ وهي بحيث لا تمهلهم إلى أن يوصوا. وفيه أمور مبينة للشدة أحدها: عدم الاستطاعة فإن قول القائل فلأن في هذا الحال لا يوصي دون قوله لا يستطيع التوصية لأن من لا يوصي قد يستطيعها الثاني: التوصية وهي بالقول والقول يوجد أسرع مما يوجد الفعل فقال: لا يستطيعون كلمة فكيف فعلاً يحتاج إلى زمان طويل من أداء بالواجبات ورد المظالم الثالث: اختيار التوصية من بين سائر الكلمات يدل على أنه لا قدرة له على أهم الكلمات فإن وقت الموت الحاجة إلى التوصية أمس الرابع: التنكير في التوصية للتعميم أي لا يقدر على توصية ما ولو كانت بكلمة يسيرة، ولأن التوصية قد تحصل بالإشارة فالعاجز عنها عاجز عن غيرها الخامس: قوله: {وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ } بيان لشدة الحاجة إلى التوصية لأن من يرجو الوصول إلى أهله قد يمسك عن الوصية لعدم الحاجة إليها، وأما من يقطع بأنه لا وصول له إلى أهله فلا بد له من التوصية، فإذا لم يستطع مع الحاجة دل على غاية الشدة. وفي قوله: {وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ } وجهان أحدهما: ما ذكرنا أنهم يقطعون بأنهم لا يمهلون إلى أن يجتمعوا بأهاليهم وذلك يوجب الحاجة إلى التوصية وثانيهما: أنهم إلى أهلهم لا يرجعون، يعني يموتون ولا رجوع لهم إلى الدنيا، ومن يسافر سفراً ويعلم أنه لا رجوع له من ذلك السفر ولا اجتماع له بأهله مرة أخرى يأتي بالوصية.

المحلي و السيوطي

تفسير : قال تعالى {مَا يَنظُرُونَ } أي ينتظرون {إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً } وهي نفخة إسرافيل الأولى {تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ } بالتشديد: أصله يختصمون نقلت حركة التاء إلى الخاء وأدغمت في الصاد، أي وهم في غفلة عنها بتخاصم وتبايع وأكل وشرب وغير ذلك، وفي قراءة «يَخْصِمُونَ» كيضربون، أي يخصم بعضهم بعضاً.

ابن عبد السلام

تفسير : {صَيْحَةً} النفخة الأولى ينتظرها آخر هذه الأمة من المشركين {يَخِصِّمُونَ} يتكلمون، أو يخصِّمون في دفع النشأة الثانية.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون‏}‏ قال‏:‏ ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏تهيج الساعة الناس والرجل يسقي ماشيته، والرجل يصلح حوضه، والرجل يقيم سلعته في سوقه، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه، فتهيج بهم وهم كذلك ‏{‏فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون‏}‏ قال‏:‏ اعجلوا عن ذلك ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله ‏{‏ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون‏} ‏ قال‏:‏ هذا مبتدأ يوم القيامة‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وهم يخصمون‏}‏ قال‏:‏ يتكلمون‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال‏:‏ لينفخن في الصور والناس في طرقهم، وأسواقهم، ومجالسهم، حتى أن الثوب ليكون بين الرجلين يتساومان، فما يرسله أحدهما من يده حتى ينفخ في الصور فيصعق به، وهي التي قال الله ‏{‏ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون‏}‏‏ . وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه في هذه الآية قال‏:‏ تقوم الساعة والناس في أسواقهم، يتبايعون، ويذرعون الثياب، ويحلبون اللقاح، وفي حوائجهم ‏ {‏فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون‏}‏ ‏. وأخرج عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر عن الزبير بن العوّام رضي الله عنه قال‏:‏ إن الساعة تقوم والرجل يذرع الثوب، والرجل يحلب الناقة، ثم قرأ ‏{‏فلا يستطيعون توصيةً‏}‏ ‏. وأخرج سعيد بن منصور والبخاري ومسلم وابن المنذر وأبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه‏.‏ ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه، فلا يسقي فيه‏.‏ ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته، فلا يطعمه‏.‏ ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فمه فلا يطعمها‏ ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏{‏تأخذهم وهم يخصمون‏} ‏ قال‏:‏ تذرهم في أسواقهم، وطرقهم ‏ {‏فلا يستطيعون توصية‏} ‏ قال‏:‏ لا يوصي بعضهم إلى بعض‏.‏ والله أعلم‏.

اسماعيل حقي

تفسير : {ما ينظرون} جواب من جهته والنظر بمعنى الانتظار اى ما ينتظر كفار مكة {الا صيحة واحدة} لا تحتاج الى ثانية هى النفخة الاولى التى هى نفخة الصعق والموت والصيحة رفع الصوت {تأخذهم} مفاجأة وتصل الى جميع اهل الارض. والاخذ حوز الشئ وتحصيله وذلك تارة بالتناول نحو {أية : معاذ الله ان نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده} تفسير : وتارة بالقهر نحو {أية : لا تأخذه سنة ولا نوم} تفسير : ويقال اخذته الحمى ويعبر عن الاسير بالمأخوذ والاخيذ {وهم يخصمون} اصله يختصمون فقلبت التاء صادا ثم اسكنت وادغمت فى الصاد الثانية ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين وخاصمته نازعته واصل المخاصمة ان يتعلق كل واحد بخصم الآخر بالضم اى جانبه وان يجذب كل واحد خصم الجوالق من جانب وهو الجانب الذى فيه العروة. والمعنى والحال انهم يتخاصمون ويتنازعون فى تجاراتهم ومعاملاتهم ويشتغلون بامور دنياهم حتى تقوم الساعة وهم فى غفلة عنها فلا يغتروا لعدم ظهور علامتها ولا يزعموا انها لا تأتيهم. عن ابن عباس رضى الله عنهما قال تهيج الساعة والرجلان يتبايعان قد نشرا اثوابهما فلا يطويانها والرجل يلوط حوضه فلا يستقى منه والرجل قد انصرف بلبن لقحته فلا يطعمه والرجل قد رفع اكلته الى فيه فلا يأكلها ثم تلا {تأخذهم وهم يخصمون} ـ روى ـ ان الله تعالى يبعث ريحا يمانية ألين من الحرير واطيب رائحة من المسك فلا تدع احدا فى قلبه مثقال ذرة من الايمان الاقبضته ثم يبقى شرار الخلق مائة عام لا يعرفون دينا وعليهم تقوم الساعة وهم فى اسواقها يتبايعون. فان قلت هم ما كانوا منتظرين بل كانوا جازمين بعدم الساعة والصيحة. قلت نعم الا انهم جعلوا منتظرين نظرا الى ظاهر قولهم متى يقع لان من قال متى يقع الشئ الفلانى يفهم من كلامه انه ينتظر وقوعه

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : قرء ابن كثير وورش ومحمد بن حبيب عن الأعشى، وروح وزيد عن يعقوب "يخصمّون" بادغام التاء في الصاد مع فتح الخاء، وقرء أبو عمرو بفتح الخاء أيضاً إلاّ أنه يشمه الفتح ولا يشبعه، وقرء أهل المدينة غير ورش "يخْصمون" ساكنة الخاء مشددة الصاد، وقرء حمزة "يخصمون" ساكنة الخاء من خصمه، وقريء "يخصمون" مكسورة الصاد "وَيَخِصِمون" اتباع الياء الخاء في الكسر. كَشفٌ إلهامي قد أشرنا في الآية السابقة أن سرّ القيامة من الأسرار العظيمة التي لا يمكن كشفها للمحبوسين في حبس هذا الزمان والمكان، والمسجونين بسجن هذا العالم مع هذه الأقران، ولم يجز للأنبياء (عليهم السلام) كشفها للناس ما داموا في قبور هذه الحواس {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَآ * إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا} تفسير : [النازعات:42 - 45]، يعني لا رخصة لهم في كشف حقيقتها، بل لهم أن ينذروا بأهوالها وشدائدها وبعض حالاتها وأشراطها ومقدماتها. ولهذا ذكر الله تعالى ها هنا شيئاً من أشراطها ومقدماتها، ونبّه على أنهم - أي المحجوبين بقيود هذه النشأة الفانية - ما يمكنهم أن ينظروا من حالاتها إلاّ صيحة واحدة - أي نفخة واحدة - وهي النفخة الأولى التي تأتيهم بغتة وتفنيهم كلهم وهم يخصّمون، يشتغلون بخصوماتهم في شهواتهم ومجادلاتهم في معاملاتهم ومتاجرهم، يتبايعون في الأسواق ويتنافسون بالأموال والأقوال، ويتفاخرون بالأنساب والألقاب، وسائر ما يتشاجرون فيه ويتخاصمون به. وبالجملة، تبغتهم وهم في أمنهم وغفلتهم كما ورد في الحديث: "حديث : تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه، فما يطويانه حتى تقوم، والرجل يرفع أكلته إلى فيه، فما تصل إلى فيه حتى تقوم، والرجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم ". تفسير : وقيل: وهم يختصمون هل ينزل بهم العذاب أم لا؟. ومعنى يَخِصِّمون: يخصم بعضهم بعضاً. وقيل: تأخذهم وهم عند أنفسهم يَخِصِّمُون في الحجة في أنهم لا يبعثون. رَمْزٌ عَرْشي "الصَّيحة": ضَربٌ من النفخة، وهي النفخة التي يصحبها شدة وهلاك وعذاب، واللفظ كما مرّ مستعار لتأثير الفاعل الحق في إنشاء الصور، وإفادة الأرواح، إما في هذا العالم بوساطة ملك روحاني أو روح بشري، أو في عالم الآخرة تشبيهاً له بالنفخ في مادة النار - كالفحم وما أشبهه - الموجب تارة لاشتعال النار الكامنة، أو حصولها في الفحم بسبب مجاورته لنار أخرى، وتارة لخمودها. وذلك أن النفوس الحيوانية الإنسانية بمنزلة نيران أو أنوار ملكوتية حاصلة في مواد الأبدان، ولطائف أعضائه الدخانية والبخارية، المجاورة بسبب صفائها ولطافتها لنار عالم الملكوت، حادثة فيها عند حصول الاستعداد التام والتسوية بالنفخ الإلهي، كما في قوله تعالى: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} تفسير : [الحجر:29] أو بواسطة عبده المقرب كما في قوله تعالى: {أية : فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران:49]. وكما أن المادة الدخانية المجاورة للنار الحسية، إنما تصير ناراً مشتعلة بواسطة نفخات متعددة، بعضها يحصل لها أصل الحرارة والكون، وبعضها شدة التسخين والنارية، وبعضها التنوير والإضاءة، فكذلك خلق الله في مادة الإنسان صوراً ثلاثاً بالنفخات الثلاث. فبالنفخة الأولى تتولد قوة النماء والتغذّي، وبالثانية تتولد قوة الحس والحركة، وبالثالثة تتولد قوة النطق وإدراك المعقول. ففي الأولى كان الإنسان بمنزلة النائم، وفي الثانية بمنزلة (حيران) ذي هيمان، كمن تنبّه من نوم شديد، وفي الثالثة ينبعث من نوم الغفلة ويستيقظ من رقدة الجهالة قائماً منتصباً لطلب العلوم ومعرفة الأحوال، والتفطّن بحال من أوجده وبعثه من نومه الجمادي، وسنته النباتية، وحيرته الحيوانية، شاكراً لنعمته تعالى، عارفاً بحقه، طالباً لخدمته، سالكاً سبيل قربه وجواره، منخرطاً في سلك عباده الصالحين. وإنما يستكمل بعد الإنتباه بكمال بعد كمال، من ساعده التقدير ووافقه التدبير بإضافات ونفخات أخرى رحمانية، وإلهامات وإعلامات تترى سبحانية، يرتقي بكل منها من عالم إلى عالم، ومن نشأة إلى نشأة أخرى، حتى بلغ الغاية القصوى، ويرجع إلى ربه الأعلى، بعد استنارته بنوره القدسي، رجوع النار الكامن في الحطب بعد حصولها بالنفخات، واشتعالها إلى نار عظيمة هي فوق هذا العالم الأدنى. فالعالم بمنزلة شجرة ثمرتها "الإنسان"، والإنسان كشجرة ثمرتها "العقل النظري"، وهو "كلمة طيبة" أصلها ثابت وفرعها في السماء، وهو أيضا كشجرة ثمرتها "العقل الفعّال" و "الروح القدسي"، الذي يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، وهذا الروح القدسي كشجرة ثمرتها "لقاء الله الواحد القهار" يهدي الله لنوره من يشاء من عباده، فارتقى نور العبد إلى نور الرب بعد أن هبط منه وحصل بنفخه في مكامن الكون. فإذا علمت هذا فاعلم، أن وحدة النفخ وكثرته، باعتبار وحدة المتعلق به وكثرته، ولما كان لمجموع النفوس والأرواح - بل لجميع العالم - وحدة بها يكون الجميع أمراً واحداً - كما ثبت في مقامه - فتكون النفخات المتعلقة بها نفخة واحدة. وأيضاً قد ثبت وتحقق وانكشف وتنور، أن التعاقب والتجدد والتكثر والتعدد الواقعين في هذا العالم بحسب الحضور والغيبة في المكانيات، والمضي والحالية في الزمانيات، إنما يكونان بالقياس إلى الموجودات الواقعة في هذا العالم، لتقيد (ليعتد) وجود كل منها بمادة مخصوصة، وانحصاره في زمان معين، وأما بالقياس إلى العوالي والشواهق العقلية والنفسية، وما هو فوق الإمكان ووراء الحدوث، فالمتغيّرات الزمانية كلها كآن واحد، والمختلفات المكانية كلها كنقطة واحدة، فعلى هذا كون النفخات الكثيرة حسب كثرة المواد والأزمنة، نفخة واحدة بالقياس إليه لا يحتاج إلى مؤنة بيان وبرهان، وللاشعار بأن جميع الممكنات حاصلة من فيض واحد من جانب الحق، ونفخة واحدة وكلمة جامعة هي كلمة "كن"، وعبر عن انبساط الفيض النوري الوجودي عنه تعالى على هياكل الممكنات بـ "النفس الرحماني" المشتمل على الحروف الوجودية، والكلمات الكونية، الطالع من أفق شمس الحقيقة في صباح نور الأزل، المنتشر ضوئه في أهوية الهويات الممكنة، وسطوح قوابل الماهيات الاستعدادية، المنقسم باعتبار كل موطن من مواطن القرب والبعد، ومنزل من منازل العلو والسفل، إلى الجواهر العقلية والنفسية والطبيعية، والأعراض الكمية والكيفية والنسبية. ثم اعلم بعد ذلك، أن من الجائز أن يكون نفخة واحدة إحياء لقوم وإهلاكاً لآخرين - إما بحسب الإختلاف في نحو الصدور من النافخ رحمة وغضباً، كاختلاف نفخة من الإنسان توجب حصول النارية، وأخرى منه توجب إخمادها - كما مرت إليه الإشارة في قوله تعالى: {أية : فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} تفسير : [يس:29]. وإما بحسب اختلاف القوابل مع وحدة النفخ، بأن تكون نفخة واحدة رحمة على قرية وغضباً على أخرى، وحياة لقوم وممات للآخرين، أو يكون راحة لأحد، في وقت وكراهة ومشقة له في وقت آخر، أو يكون مكروهاً لطائفة في أعينهم وهو خير لهم، أو محبوباً عندهم وهو في الواقع شر لهم، كما في قوله تعالى: {أية : وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ} تفسير : [البقرة:216] الآية. ألا ترى كيف أخرج الله الجنين من مضيق بطن أمه إلى فضاء العالم وهو مكروه له، مع كونه عين الرحمة له، حيث غفر ذنوبه الطبيعية التي اقترفها، وسيئآته المادية التي اجترحها، منذ كونه نطفة وعلقة - من تلطخه بالأنجاس وتغذيه بدم الحيض وهو أنجس المحرّمات، وإخلاده إلى أرض الرحم بصحبة الظلمات - فطهره عن تلوث الأنجاس والاخباث، وعوض له عن دم الحيض بلبن سائغ شرابه من منبع نهر كالسلسبيل ليتغذى به بدنه. وتتقوى قواه الجسمانية فيستريح في سعة العالم، ويتعيّش في فضاء الأرض من حين تبدلت هذه الأرض عن أرض الرحم، ويتبوء منها حيث يشاء، فخرج من ذنوبه السابقة كيوم ولدته أمه. وكذلك إذا بلغ درجة العلم والتميز، وخرج من نوم الجهالة، غفر الله له ما تقدم من ذنوب الجهل والنقصان. وسيئات العمى والحرمان، وطهّره عن دَنَس الغباوة والضلالة، وعوّض له من الأغذية الجسمانية منذ أخذت في النقصان والقصور بالأغذية النفسانية التي هي ألوان المعارف والتصورات والأغراض الإنسانية. ومن ها هنا ينبغي أن يعلم ويتحقق، أن إله الدنيا والآخرة لما كان واحداً وسنّته لا تتبدل ولا تتحول، فإذا كان منذ كون الإنسان وخلقه من لدن كونه جماداً ونباتاً ومضغة وعلقة إلى تمام خلقته وكمال عقله، كل صيحة من الله وقعت عليه، أو نفخة نفخت فيه يوجب له تحولاً من حياة دنيّة إلى حياة هي أشرف وأعلى، فالظاهر أن إماتة الله وتوفيّه للإنسان، وإخراجه إياه عن بطن هذا العالم يوجب له حياة كاملة تامة لا قصور معها ولا زوال، ولا آفة ولا مرض ولا حزن، فيستحكم عند ذلك رجاؤه، ويقوى طمعه في جود الله، بين الصيحة العظيمة وأن كانت ذات تهويل وفزع أكبر وزلزلة عظيمة صعق بها من في السموات والأرض، إلاّ أن جانب المغفرة أرجح وفضاء الرحمة أبسط وأوسع، فربما تكون هذه الصيحة لطفاً لطائفة - وإن كانت سخطاً لأخرى - أو تكون إماتة في نشأة وهي بعينها إحياء في نشأة أخرى، كما أن موت الحواس حياة للعقل، وموت الإرادة حياة الحقيقة، لأن الدنيا والآخرة متقابلتان - ما يوجب فناء أحداهما فهو يوجب بقاء الأخرى - وسيأتيك زيادة كشف في تفسير النفخة الثانية.

الجنابذي

تفسير : {مَا يَنظُرُونَ} اى ما ينتظرون {إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} هى النّفخة الاولى يعنى انّ انتظارهم ليس الاّ النّفخة الاولى الّتى هى نفخة الاماتة وبعد النّفخة الاولى يكون الموعود {تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} يختصمون، قرئ يخصّمون بفتح الياء وكسر الخاء وتشديد الصّاد، وبكسر الياء كذلك، وبفتح الخاء والياء وتشديد الصّاد وباسكان الخاء وتشديد الصّاد، وقيل: انّه غلط والكلّ مغيّر اختصم، وقرئ من الثّلاثىّ المجرّد يعنى تأخذهم حال كونهم مخاصمين فى معاملاتهم، فى حديثٍ: تقوم السّاعة والرّجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه فما يطويانه حتّى تقوم، والرّجل يرفع اكلته الى فيه فما تصل الى فيه حتّى تقوم، والرّجل يليط حوضه ليسقى ماشيته فما يسقيها حتّى تقوم، وقيل: هم يختصمون هل ينزل بهم العذاب ام لا؟.

اطفيش

تفسير : {ما ينظرون} ينتظرون. {إلا صيحة واحدة} هي النفخة الاولى. {تأخذهم وهم يخصمون} في متاجرهم ومعاملاتهم لا يخطر ببالهم امر منها وهم عنها غافلون وهذا تقريب للساعة ولا فإنما نقوم على آخر الأمة تقوم والرجل ينشر ثوبه لآخر يبيعه له فما يطوي حتى تقوم والرجل يخفض ميزانه ويرفعه والرجل يصلح حوضه لسقي الدواب فما يسقيها حتى تقوم والرجل رفع لقمة فما تصل فاه حديث رواه ابو هريرة واول من يسمع النفخ رجل يصلح حوضه فيصعق ويسمعه الناس فيصعقون وقيل وهم يخصمون في دفع البعث وانكاره هي انفسهم واصلة يخصمون يختصمون نقلت فتحت التاء للحاء وابدلت صادا وادغمت الصاد في الصاد وكذا قرأ نافع في رواية ورش وابن كثير وهشام وكذا قرأ ابو عمرو، لكن يختلس فتحة الخاء، وروي غير ورش عن نافع اسكان الخاء وهو رواية قالوا كأنه اجاز الجمع بين الساكنين اذا كان الثاني مدغما ولو كان الاول غير مد ولعله اختلس فظن مسكنا وبعض حذف فتحة التاء وابدل وادغم وكسر الخاء تخليصا من التقاء الساكنين وقرأ بعض بكسر الياء أيضا تبعا للخاء وبه قرأ ابو بكر وقراء ابي يختصمون على الأصل وقرىء يخصمون بالتخفيف من خصمه اذا جادله وهو قراءة حمزة.

اطفيش

تفسير : {ما ينْظُرون} ما ينتظر المشركون أهل مكة وغيرهم فى ذلك الوقت {إلا صَيحة واحِدةً} عظيمة، نفخة الموت، والانتظار إنما هو لكونها لا بد منها، فكأنهم أقروا بها، ولمناسبة قولهم متى هذا الوعد {تأخُذُهم} تأخذ أرواحهم {وهُم يخصِّمُون} بلا إيذان لهم بحضورها ولا علامة لحضورها وهم فى طرقهم وأسواقهم، ومجالسهم وخصوماتهم والرجلان يتبايعان فلا يتم البيع، ولا يطوى الثوب فيسقط من اليد، والرجل يلوط حوضه فلا يسقى منه، والرجل انصرف بلبن نعجته أو لقحته فلا يطعمه، والرجل يرجع لقمته الى فيه فلا يأكلها، كما فى البخارى ومسلم، وهم كلهم فى النار، إذ لا تقوم على مؤمن، ولا على من يقول الله، والواو للحال، والأصل يختصمون، نقلت فتحة التاء للخاء، وأبدلت صادا، أو أدغمت فى الصاء.

الالوسي

تفسير : {مَا يَنظُرُونَ } جواب من جهته تعالى أي ما ينتظرون {إِلاَّ صَيْحَةً } عظيمة {وٰحِدَةٌ } وهي النفخة الأولى في الصور التي يموت بها أهل الأرض. وعبر بالانتظار نظراً إلى ظاهر قولهم{أية : مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ}تفسير : [يس: 48] أو لأن الصيحة لما كانت لا بد من وقوعها جعلوا كأنهم منتظروها {تَأُخُذُهُمْ } تقهرهم وتستولي عليهم فيهلكون {وَهُمْ يَخِصّمُونَ } أي يتخاصمون ويتنازعون في معاملاتهم ومتاجرهم لا يخطر ببالهم شيء من مخايلها كقوله تعالى: {أية : فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }تفسير : [الأعراف: 95] فلا يغتروا بعدم ظهور علائمها حسبما يريدون ولا يزعمون أنها لا تأتي. وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن ابن عمر قال: «لينفخن في الصور والناس في طرقهم وأسواقهم ومجالسهم حتى إن الثوب ليكون بين الرجلين يتساومان فما يرسله أحدهما من يده حتى ينفح في الصور فيصعق به» وهي التي قال الله تعالى {مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً } الخ، وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبـي هريرة قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتقومن الساعة والرجل يليط حوضه فلا يسقي منه ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن نعجته فلا يطعمه ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فمه فلا يطعمها»تفسير : . وأصل {يَخِصّمُونَ} يختصمون وبه قرأ أبـي فسكنت التاء وأدغمت في الصاد بعد قلبها صاداً ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين، وجوز أن يكون الكسر لاتباع حركة الصاد الثانية والساكن لا يضر حاجزاً. وقرأ الحرميان وأبو عمرو والأعرج وشبل وابن قسطنطين بإدغام التاء في الصاد ونقل حركتها وهي الفتحة إلى الخاء، وأبو عمرو أيضاً وقالوا بخلف باختلاس حركة الخاء وتشديد الصاد، وعنهما إسكان الخاء وتخفيف الصاد من خصمه إذا جادله، والمفعول عليها محذوف أي يخصم بعضهم بعضاً، وقيل يخصمون مجادلتهم عن أنفسهم، وبعضهم يكسر ياء المضارعة إتباعاً لكسرة الخاء وشد الصاد، وكسر ياء المضارعة لغة حكاها سيبويه عن الخليل في مواضع، وعن نافع أنه قرأ بفتح الياء وسكون الخاء وتشديد الصاد المكسورة، وفيها الجمع بين الساكنين على حده المعروف، وكأنه يجوز الجمع بينهما إذا كان الثاني مدغماً كان الأول حرف مد أيضاً أم لا، وهذا ما اخترناه في نقل القراءات تبعاً لبعض الأجلة والرواة في ذلك مختلفون.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَاحِدَةً} (49) - وَيَرُدُّ اللهُ تََعَالَى عَلَى سُؤَالِ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئينَ بِالرُّسُلِ: إِنَّهُمْ لاَ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ نَفْخَةً وَاحِدَةً فِي الصُّورِ فَتَأخُذُ جَمِيعَ من فِي الأَرْضِ مِنَ الخَلاَئِقِ بَغْتَةً، وَهُمْ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَمَعَايِشِهِمْ، يَتَجَادَلُونَ وَيَتَخَاصَمُونَ فِي شُؤُونِ الدُّنْيَا، فَتَصْعَقُ الخَلاَئِق جَمِيعاً. صَيْحَةً وَاحِدَةً - نَفْخَةَ المَلَكِ فِي الصُّورِ التي تَصْعَقُ أَهْلَ الأَرْضِ يَخِصِّمُونَ - يَتَخَاصَمُونَ فِي أُمُورِهِمْ وَهُمْ غَافِلُونَ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 800 : 11 : 11 - قال سفين، كان عبد الله يقرأ {صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ}. [الآية 49].

همام الصنعاني

تفسير : 2488- معمَر، عن محمد بن زياد - مَوْلَى بني جمح - في قوله تعالى: {صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ}: [الآية: 49]، قال: سمعت أبا هريرة يقول: إنَّ السَّاعَةَ لتقوم على الرجلين وهما ينشران الثوب يتبايعانه. 2489- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أية : بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}تفسير : : [الصافات: 84]، قال: سليم من الشِّرْكِ.