٣٦ - يس
36 - Yaseen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
51
Tafseer
الرازي
تفسير : أي نفخ فيه (مرة) أخرى كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } تفسير : [الزمر: 68] وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال تعالى في موضع آخر: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } وقال ههنا: {فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبّهِمْ يَنسِلُونَ } والقيام غير النسلان وقوله في الموضعين: {فَإِذَا هُم } يقتضي أن يكون معاً نقول الجواب: عنه من وجهين أحدهما: أن القيام لا ينافي المشي السريع لأن الماشي قائم ولا ينافي النظر وثانيهما: أن السرعة مجىء الأمور كأن الكل في زمان واحد كقول القائل: شعر : مكر مفر مقبل مدبر معا [كجلمود صخر حطه السيل من عل] تفسير : المسألة الثانية: كيف صارت النفختان مؤثرتين في أمرين متضادين الأحياء والإماتة؟ نقول لا مؤثر غير الله والنفخ علامة، ثم إن الصوت الهائل يزلزل الأجسام فعند الحياة كانت أجزاء الحي مجتمعة فزلزلها فحصل فيها تفريق، وحالة الموت كانت الأجزاء متفرقة فزلزلها فحصل فيها اجتماع فالحاصل أن النفختين يؤثران تزلزلاً وانتقالاً للأجرام فعند الاجتماع تتفرق وعند الافتراق تجتمع. المسألة الثالثة: ما التحقيق في إذا التي للمفاجأة؟ نقول هي إذا التي للظرف معناه نفخ في الصور فإذا نفخ فيه هم ينسلون لكن الشيء قد يكون ظرفاً للشيء معلوماً كونه ظرفاً، فعند الكلام يعلم كونه ظرفاً وعند المشاهدة لا يتجدد علم كقول القائل إذا طلعت الشمس أضاء الجو وغير ذلك، فإذا رأى إضاءة الجو عند الطلوع لم يتجدد علم زائد، وأما إذا قلت خرجت فإذا أسد بالباب كان ذلك الوقت ظرف كون الأسد بالباب. لكنه لم يكن معلوماً فإذا رآه علمه فحصل العلم بكونه ظرفاً له مفاجأة عند الإحساس فقيل إذا للمفاجأة. المسألة الرابعة: أين يكون في ذلك الوقت أجداث وقد زلزلت الصيحة الجبال؟ نقول يجمع الله أجزاء كل واحد في الموضع الذي قبر فيه فيخرج من ذلك الموضع وهو جدثه. المسألة الخامسة: الموضع موضع ذكر الهيبة وتقدم ذكر الكافر ولفظ الرب يدل على الرحمة فلو قال بدل الرب المضاف إليهم لفظاً دالاً على الهيبة هل يكون أليق أم لا؟ قلنا: هذا اللفظ أحسن ما يكون، لأن من أساء واضطر إلى التوجه من أحسن إليه يكون ذلك أشد ألماً وأكثر ندماً من غيره. المسألة السادسة: المسيء إذا توجه إلى المحسن يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، والنسلان هو سرعة المشي فكيف يوجد منهم ذلك؟ نقول: ينسلون من غير اختيارهم، وقد ذكرنا في تفسير قوله: {أية : فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ } تفسير : [الصافات: 19] أنه أراد أن يبين كمال قدرته ونفوذ إرادته حيث ينفخ في الصور، فيكون في وقته جمع وتركيب وإحياء وقيام وعدو في زمان واحد، فقوله: {فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ } يعني في زمان واحد ينتهون إلى هذه الدرجة وهي النسلان الذي لا يكون إلا بعد مراتب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} هذه النفخة الثانية للنشأة. وقد بيّنا في سورة «النمل» أنهما نفختان لا ثلاث. وهذه الآية دالة على ذلك. وروى المبارك بن فضالة عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بين النفختين أربعون سنة: الأولى يميت الله بها كلّ حيّ، والأخرى يحيي الله بها كل ميّت»تفسير : . وقال قتادة: الصُّور جمع صُورَة؛ أي نفخ في الصور والأرواح. وصُورَة وصُور مثل سُورَة البناء وسُور؛ قال العَجَّاج:شعر : ورُبَّ ذِي سُرَادِقٍ مَحْجُورِ سِرْتُ إليهِ في أَعالِي السُّورِ تفسير : وقد روي عن أبي هريرة أنه قرأ: «وَنُفِخَ فيِ الصُّورِ». النحاس: والصحيح أن «الصور» بإسكان الواو: القَرْن؛ جاء بذلك التوقيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك معروف في كلام العرب. أنشد أهل اللغة:شعر : نحنُ نَطَحْنَاهُمْ غَداةَ الْغُورَيْن بالضَّابِحاتِ في غُبَار النَّقْعَيْن نَطْحًا شديداً لا كَنَطْحِ الصُّورَيْن تفسير : وقد مضى هذا في «الأنعام» مستوفًى. {فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ} أي القبور. وقرىء بالفاء «مِنَ الأَجْدَافِ» ذكره الزمخشري. يقال: جَدَثٌ وَجَدَفٌ. واللغة الفصيحة الجدث (بالثاء) والجمع أَجْدُث وأجداث؛ قال المتنخِّل الهذليّ:شعر : عَرفتُ بأَجْدُثٍ فنِعافِ عِرْقٍ عَلاَماتٍ كتَحبِير النِّمَاطِ تفسير : وٱجتدثَ: أي ٱتخذ جَدَثاً. {إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} أي يخرجون؛ قاله ٱبن عباس وقتادة. ومنه قول ٱمرىء القيس:شعر : فَسُلِّي ثِيابي منْ ثِيَابِكِ تَنْسُليِ تفسير : ومنه قيل للولد نَسْل؛ لأنه يخرج من بطن أمه. وقيل: يسرعون. والنَّسَلان والعَسَلان: الإسراع في السير، ومنه مشية الذئب؛ قال:شعر : عسَلانَ الذِّئْبِ أَمْسَى قَارِباً بَرَدَ الليلُ عليه فَنَسَلْ تفسير : يقال: عَسَل الذئبُ ونَسَل، يَعْسِل ويَنْسِل، من باب ضرب يضرب. ويقال: يَنسُل بالضم أيضاً. وهو الإسراع في المشي؛ فالمعنى يخرجون مسرعين. وفي التنزيل: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} تفسير : [لقمان: 28]، وقال: {أية : يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} تفسير : [القمر: 7]، وفي {أية : سَأَلَ سَآئِلٌ}تفسير : [المعارج: 1]: {أية : يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ }تفسير : [المعارج: 43] أي يسرعون. وفي الخبر: شكونا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم الضعف فقال «عليكم بالنَّسْل» أي بالإسراع في المشي فإنه ينشط. قوله تعالى: {قَالُواْ يٰوَيْلَنَا} قال ٱبن الأنباري: «يَاوَيْلَنَا» وقف حسن ثم تبتدىء {مَن بَعَثَنَا}. وروي عن بعض القراء «يَاوَيْلَنَا مِنْ بَعْثِنَا» بكسر مِنْ والثاء من البعث. روي ذلك عن عليّ رضي الله عنه؛ فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على قوله: {يٰوَيْلَنَا} حتى يقول {مِن مَّرْقَدِنَا}. وفي قراءة أبيّ بن كعب «مَنْ هَبَّنَا» بالوصل «مِنْ مَرْقَدِنَا» فهذا دليل على صحة مذهب العامة. قال المهدوي: قرأ ٱبن أبي ليلى: «قَالُوا يَاوَيْلَتَنَا» بزيادة تاء وهو تأنيث الويل، ومثله: {أية : يٰوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ} تفسير : [هود: 72]. وقرأ عليّ رضي الله عنه «يَاوَيْلَتَا مِنْ بَعثِنَا» فـ «ـمن» متعلقة بالويل أو حال من «ويلتا» فتتعلق بمحذوف؛ كأنه قال: يا ويلتا كائناً مِن بعثنا؛ وكما يجوز أن يكون خبراً عنه كذلك يجوز أن يكون حالاً منه. و «مِن» من قوله: {مِن مَّرْقَدِنَا} متعلقة بنفس البعث. ثم قيل: كيف قالوا هذا وهم من المعذبين في قبورهم؟ فالجواب أن أُبيّ بن كعب قال: ينامون نومة. وفي رواية فيقولون: ياويلتا من أَهَبَّنَا من مرقدنا. قال أبو بكر الأنباري: لا يحمل هذا الحديث على أن «أَهبَّنا» من لفظ القرآن كما قاله من طعن في القرآن، ولكنه تفسير «بَعَثَنَا» أو معبر عن بعض معانيه. قال أبو بكر: وكذا حفظته «مَن هَبَّنَا» بغير ألف في أهبنا مع تسكين نون مَن. والصواب فيه على طريق اللغة «مَنَ اهَبَنَا» بفتح النون على أن فتحة همزة أهب ألقيت على نون «من» وأسقطت الهمزة؛ كما قالت العرب: من اخبرك من اعلمك؟ وهم يريدون من أخبرك. ويقال: أهببتُ النائم فهبّ النائمُ. أنشدنا أحمد بن يحيى النحوي:شعر : وعَاذِلَة هَبَّتْ بِلَيْلٍ تَلُومُني ولم يَعتمرْني قبل ذاكَ عَذُول تفسير : وقال أبو صالح: إذا نفخ النفخة الأولى رفع العذاب عن أهل القبور وهجعوا هجعة إلى النفخة الثانية وبينهما أربعون سنة؛ فذلك قولهم: «مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا» وقاله ٱبن عباس وقتادة. وقال أهل المعاني: إن الكفار إذا عاينوا جهنم وما فيها من أنواع العذاب صار ما عذبوا به في قبورهم إلى جنب عذابها كالنوم. قال مجاهد: فقال لهم المؤمنون: {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ}. قال قتادة: فقال لهم من هدى الله {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ}. وقال الفراء: فقال لهم الملائكة: {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ}. النحاس: وهذه الأقوال متفقة؛ لأن الملائكة من المؤمنين وممن هدى الله عز وجل. وعلى هذا يتأول قول الله عز وجل: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ }تفسير : [البينة: 7] وكذا الحديث: «حديث : المؤمن عند الله خير من كل ما خلق»تفسير : . ويجوز أن تكون الملائكة صلى الله عليهم وغيرهم من المؤمنين قالوا لهم: «هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ». وقيل: إن الكفار لما قال بعضهم لبعض: «مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنَا» صدّقوا الرسل لما عاينوا ما أخبروهم به، ثم قالوا: «هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ» فكذبنا به؛ أقروا حين لم ينفعهم الإقرار. وكان حفص يقف على «مِنْ مَرْقَدِنَا» ثم يبتدىء فيقول: «هَذَا». قال أبو بكر بن الأنباري: «مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا» وقف حسن؛ ثم تبتدىء: «هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ» ويجوز أن تقف على مرقدِنا هذا» فتخفض هذا على الإتباع للمرقد، وتبتدىء: «مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ» على معنى بَعْثكم ما وعد الرحمن؛ أي بَعْثكم وعد الرحمن. النحاس: التمام على «مِنْ مَرْقَدِنَا» و «هَذَا» في موضع رفع بالابتداء وخبره «مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ». ويجوز أن يكون في موضع خفض على النعت لـ «مَرْقَدِنَا» فيكون التمام «مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا». «مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ» في موضع رفع من ثلاث جهات. ذكر أبو إسحاق منها ٱثنتين قال: يكون بإضمار هذا. والجهة الثانية أن يكون بمعنى حق ما وعد الرحمن بعثكم. والجهة الثالثة أن يكون بمعنى بعثكم ما وعد الرحمن. {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} يعني إن بعثهم وإحياءهم كان بصيحة واحدة وهي قول إسرافيل: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، والشعور المتمزِّقة! إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وهذا معنى قوله الحق: {أية : يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ } تفسير : [قۤ: 42]. وقال: {أية : مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ} تفسير : [القمر: 8] على ما يأتي. وفي قراءة ٱبن مسعود إن صحّ عنه «إِنْ كَانَتْ إِلاَّ زَقْيَةً وَاحِدَةً» والزقية الصيحة؛ وقد تقدّم هذا. {فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} «فَإذَا هُمْ» مبتدأ وخبره «جَمِيعٌ» نكرة، و «مُحْضَرُونَ» من صفته. ومعنى «مُحْضَرُونَ» مجموعون أحضروا موقف الحساب؛ وهو كقوله: {أية : وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ}تفسير : [النحل: 77]. قوله تعالى: {فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} أي لا تنقص من ثواب عمل. {وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} «مَا» في محل نصب من وجهين: الأول أنه مفعول ثانٍ لما لم يسم فاعله. والثاني بنزع حرف الصفة؛ تقديره: إلا بما كنتم تعملون؛ أي تعملونه فحذف.
ابن كثير
تفسير : هذه هي النفخة الثالثة، وهي نفخة البعث والنشور للقيام من الأجداث والقبور، ولهذا قال تعالى: { فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} والنسلان: هو المشي السريع؛ كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُفِضُونَ} تفسير : [المعارج: 43] {قَالُواْ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} يعنون: قبورهم التي كانوا يعتقدون في الدار الدنيا أنهم لا يبعثون منها، فلما عاينوا ما كذبوا به في محشرهم، {قَالُواْ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا}؟ وهذا لا ينفي عذابهم في قبورهم؛ لأنه بالنسبة إلى مابعده في الشدة كالرقاد. قال أبي بن كعب رضي الله عنه ومجاهد والحسن وقتادة: ينامون نومة قبل البعث. قال قتادة: وذلك بين النفختين، فلذلك يقولون: من بعثنا من مرقدنا؟ فإذا قالوا ذلك، أجابهم المؤمنون، قاله غير واحد من السلف: {وَهَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ} وقال الحسن: إنما يجيبهم بذلك الملائكة، ولا منافاة، إذ الجمع ممكن، والله سبحانه وتعالى أعلم. وقال عبد الرحمن بن زيد: الجميع من قول الكفار {يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ} نقله ابن جرير، واختار الأول، وهو أصح، وذلك لقوله تبارك وتعالى في الصافات: {أية : وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} تفسير : [الصافات: 20 ــــ 21] وقال الله عز وجل: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَـٰنَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [الروم: 55 ــــ 56]. وقوله تعالى: {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَٰحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} كقوله عز وجل: {أية : فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَٰحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ } تفسير : [النازعات: 13 ــــ 14] وقال جلت عظمته: {أية : وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} تفسير : [النحل: 77] وقال جل جلاله: {أية : يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 52] أي: إنما نأمرهم أمراً واحداً، فإذا الجميع محضرون، {فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} أي: من عملها، {وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ } هو قرن النفخة الثانية للبعث، وبين النفختين أربعون سنة {فَإِذَا هُم } أي المقبورون {مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ } القبور {إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ } يخرجون بسرعة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ونفخ في الصور} وهذه هي النفخة الثانية للنشأة وقيل إن بينهما أربعين سنة. روى المبارك بن فضالة عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : بين النفختين أربعون: الأولى يميت الله سبحانه بها كل حي، والآخرة يحيي الله بها كل ميت " تفسير : والنفخة الثانية من الآخرة. وفي الأولى قولان: أحدهما: أنها من الدنيا، قاله عكرمة. الثاني: أنها من الآخرة، قاله الحسن. {فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون} والأجداث القبور، وأحدها جدث. وفي قوله تعالى {ينسلون} ثلاثة تأويلات: أحدها: يخرجون، قاله ابن عباس وقتادة، قال الشاعر: شعر : ..................... فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي تفسير : الثاني: يسرعون، كقول الشاعر: شعر : عسلان الذئب أمسى قاربا بَرَدَ الليلُ عليه فنسل تفسير : الثالث: يتخلصون من السلو، قاله ابن بحر. قوله عز وجل: {قالوا يا ويلنا من بعثنا مِن مَرقدنا} قال قتادة: هي النومة بين النفختين لا يفتر عنهم عذاب القبر إلا فيها. وفي تأويل هذا القول قولان: أحدهما: أنه قول المؤمنين ثم يجيبون أنفسهم فيقولون: {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} حكاه ابن عيسى. الثاني: أنه قول الكفار لإنكارهم البعث فيقال لهم: {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون}. وفي قائل ذلك لهم قولان: أحدهما: أنه قول المؤمنين لهم عند قيامهم من الأجداث معهم، قاله قتادة. الثاني: أنه قول الملائكة لهم، قاله الحسن. وفي {هذا} وجهان: أحدهما: أنه إشارة إلى المرقد تماماً لقوله تعالى {من بعثنا من مرقدنا هذا} وعليه يجب أن يكون الوقف. الثاني: أنه ابتداء {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} فيكون إشارة إلى الوعد ويكون الوقف قبله والابتداء منه.
ابن عطية
تفسير : هذه نفخة البعث، و {الصور} القرن في قول جماعة المفسرين وبذلك تواترت الأحاديث، وذهب أبو عبيدة إلى أن {الصور} جمع صورة خرج مخرج بسر وبسرة وكذلك قال سورة البناء جمعها سور، والمعنى عنده وعند من قال بقوله نفخ في صور بني آدم فعادوا أحياء، و {الأجداث} القبور، وقرأ الأعرج "في الصوَر" بفتح الواو جمع صورة، و {ينسلون} معناه يمشون بسرعة، والنسلان مشية الذئب، ومنه قول الشاعر: شعر : عسلان الذيب أمسى قارباً برد الليل عليه فنسل تفسير : وقال ابن عباس: {ينسلون} يخرجون، وقرأ جمهور الناس "ينسِلون" بكسر السين، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو عمرو أيضاً "ينسُلون" بضمها، ونداؤهم الويل بمعنى هذا وقتك وأوان حضورك وهو منادى مضاف، ويحتمل أن يكون نصب الويل على المصدر والمنادى محذوف، كأنهم قالوا يا قومنا ويلنا، وقرأ ابن أبي ليلى "يا ويلتنا" بتاء التأنيث، وقرأ الجمهور "مَن بعثنا" بفتح الميم على معنى الاستفهام، وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما أنها قرآ "مِن بْعثِنا" بكسر الميم على أنها لابتداء الغاية، وسكون العين وكسر الثاء على المصدر، وفي قراءة ابن مسعود، "من أهبنا من مرقدنا" أي من نبهنا، وفي قراءة أبي بن كعب "من هبنا"، قال أبو الفتح ولم أرَ لها في اللغة أصلاً ولا مر بنا مهبوب، ونسبها أبو حاتم إلى ابن مسعود رضي الله عنه، وقولهم {من مرقدنا} يحتمل أن يريدوا من موضع الرقاد حقيقة، ويروى عن أبي بن كعب وقتادة ومجاهد أن جميع البشر ينامون نومة قبل الحشر. قال القاضي أبو محمد: وهذا غير صحيح الإسناد، وإنما الوجه في قولهم {من مرقدنا} أنها استعارة وتشبيه، كما تقول في قتيل هذا مرقده إلى يوم القيامة، وفي كتاب الثعلبي: أنهم قالوا {من مرقدنا} لأن عذاب القبر كان كالرقاد في جنب ما صاروا إليه من عذاب جهنم، وقال الزجاج: يجوز أن يكون هذا إشارة إلى المرقد، ثم استأنف بقوله، {ما وعد الرحمن} ويضمر الخبر حق أو نحوه، وقال الجمهور: ابتداء الكلام {هذا ما وعد الرحمن}، واختلف في هذه المقالة من قالها، فقال ابن زيد: هي من قول الكفرة أي لما رأوا البعث والنشور الذي كانوا يكذبون به في الدنيا قالوا {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} وقالت فرقة: ذلك من قول الله تعالى لهم على جهة التوبيخ والتوقيف، وقال الفراء: هو من قول الملائكة، وقال قتادة ومجاهد: هو من قول المؤمنين للكفرة على جهة التقريع، ثم أخبر تعالى أن أمر القيامة والبعث من القبور ما هو {إلا صيحة واحدة} فإذا الجميع حاضر محشور، وقرأت فرقة "إلا صيحةً" بالنصب، وقرأت فرقة "إلا صيحةٌ" بالرفع، وقد تقدم إعراب نظيرها، وقوله {فاليوم} نصب على الظرف، ويريد يوم القيامة، والحشر المذكور وهذه مخاطبة يحتمل أن تكون لجميع العالم.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَنُفِخَ فِى الصُّورِ} نفخة البعث يبعث بها كل ميت والأولى يموت بها كل حي وبينهما أربعون سنة والنفخة الثانية من الآخرة والأولى من الدنيا، أو الآخرة "ح" {الأَجْدَاثِ} القبور {يَنسِلُونَ} يخرجون، أو يسرعون.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ}: هذه نَفْخَةُ البعثِ، والأجْدَاثُ: القبُور، و{يَنسِلُونَ} أي يَمْشُونَ مُسْرِعِين. وفي قراءة ابن مسعود: «مَنْ أَهَبَّنَا مِنْ مَرْقَدِنَا»، وَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وغيرهِ: أن جميعَ البَشَرِ يَنَامُونَ نَوْمَةً قَبْلَ الحشرِ. قال * ع *: وهذا غيرُ صحيحِ الإسْنَاد، وإنما الوجهُ في قولهم: {مِن مَّرْقَدِنَا}: أنها اسْتَعَارَةٌ؛ كَمَا تَقُولُ في قتيلٍ: هذا مرقَدُه إلى يومِ القيامةِ. وقوله: {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ} جوَّزَ الزَّجَّاجُ أنْ يكونَ «هذا» إشارةً إلى المَرْقَدِ، ثم اسْتَأنَفَ {مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ} ويُضْمِرُ الخبرَ «حق» أو نحوه، وقال الجمهور: ابتداءُ الكلامِ: {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ} واخْتُلِفَ في هذه المقَالَةِ مَنْ قالَها؟ فقال ابن زيد: هيَ مِنْ قَوْلِ الكفرةِ، وقال قتادة ومجاهد: هي من قولِ المؤمنينَ للكفارِ. وقال الفراء: هي مِنْ قَوْلِ الملائكةِ، وقالت فرقة: هي مِنْ قَوْلِ اللَّهِ ـــ تعالى ـــ على جِهَةِ التَّوْبِيخ، وباقي الآية بيِّنٌ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث} قال: النفخة الأخيرة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما {فإذا هم من الأجداث} يعني من القبور {إلى ربهم ينسلون} قال: يخرجون. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه، مثله. وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {من الأجداث} قال: القبور قال: هل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول عبد الله بن رواحة: شعر : حيناً يقولون اذ مروا على جدثي أرشده يا رب من غاز وقد رشدا تفسير : قال أخبرني عن قوله {إلى ربهم ينسلون} قال: النسل المشي الخبب قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت نابغة بن جعدة وهو يقول: شعر : عملان الذنب أمشي فاريا يرد الليل عليه فنسل تفسير : وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن علي رضي الله عنه أنه قرأ {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} . وأخرج ابن الأنباري عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: ينامون نومة قبل البعث، فيجدون لذلك راحة فيقولون {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} . وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه في قوله {من بعثنا من مرقدنا} قال: ينامون قبل البعث نومة. وأخرج هناد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن مجاهد قال: للكفار هجعة يجدون فيها طعم النوم قبل يوم القيامة، فإذا صيح بأهل القبور يقول الكافر {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} فيقول المؤمن إلى جنبه {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} . وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: يقول المشركون {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} فيقول المؤمن {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} قال: أولها للكفار، وآخرها للمسلمين. قال الكفار {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} وقال المسلمون {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه في الآية قال: كانوا يرون أن العذاب يخفف عنهم ما بين النفختين، فلما كانت النفخة الثانية، قالوا: {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} . وأخرج ابن أبي حاتم رضي الله عنه في الآية قال: ينامون قبل البعث نومة، فإذا بعثوا قال الكفار {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} قال: فتجيبهم الملائكة {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} . وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {فإذا هم جميع لدينا محضرون} قال: عند الحساب.
القشيري
تفسير : يموتون قَهْراً، ويُحْشَرُونَ جَبْراً، ويلقون أمراً، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً. {قَالُواْ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} يموتون على جهلٍ، لا يعرفون ربَّهم، ويُبْعَثُون على مِثْلِ حالِهم، لا يعرفون مَنْ بَعَثَهم، ويعدون ما كانوا فيه في قبورهم من العقوبة الشديدة - بالإضافة إلى ما سَيَلْقَوْنَ من الآلام الجديدة - نوماً ورقاداً، وسيطئون من الفراق المبرح والاحتراق العظيم الضخم مهاداً، لا يذوقون بَرْداً ولا شراباً إلا حميماً وغَسَّاقاً، ولقد عوملوا بذلك استحقاقاً: فقد قال جل ذكره:- {فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.
اسماعيل حقي
تفسير : {ونفخ فى الصور} اى ينفخ فى الصور وصيغة الماضى للدلالة على تحقق الوقوع والنفخ نفخ الريح فى الشئ: وبالفارسية [دردميد] والجمهور على اسكان واو الصور. وفيه وجهان. احدهما انه القرن الذى ينفخ فيه اسرافيل عليه السلام وفيه بعدد كل روح ثقبة هى مقامه فالمعنى ونفخ فى القرن نفخا هو سبب لحياة الموتى. والثانى جمع صورة كصوف جمع صوفة ويؤيد هذا الوجه قراءة بعض القراء ونفخ فى الصور بفتح الواو فالمعنى ونفخ فى الصور الارواح وذلك ايضا بنفخ القرن والمراد النفخة الثانية التى يحيى الله بها كل ميت لا النفخة الاولى التى يميت الله بها كل حى وبينهما اربعون سنة تبقى الارض على حالها مستريحة بعدما مر بها من الاهوال العظام والزلازل وتمطر سماؤها وتجرى مياهها وتطعم اشجارها ولاحى على ظهرها من المخلوقات فاذا مضى بين النفختين اربعون عاما امطر الله من تحت العرش ماء غليظا كمنى الرجال يقال له ماء الحيوان فتنبت اجسامهم كما ينبت البقل وتأكل الارض ابن ادم الاعجب الذنب فانه يبقى مثل عين الجرادة لا يدركه الطرف فينشأ الخلق من ذلك وتركب عليه اجزاؤه كالهباء فى شعاع الشمس فاذا تكاملت الاجساد يحيى الله تعالى اسرافيل فينفخ فى الصور فيطير كل روح الى جسده ثم ينشق عنه القبر {فاذا هم} بغتة من غير لبث اى الكفار كما دل عليه ما بعد الاية {من الاجداث} اى القبور جمع جدث محركة وهو القبر كما فى القاموس. فان قيل اين يكون فى ذلك الوقت اجداث وقد زلزلت الصيحة الجبال. اجيب بان الله يجمع اجزاء كل ميت فى الموضع الذى اقبر فيه فيخرج من ذلك الموضع وهو جدثه {الى ربهم} اى الى دعوة ربهم ومالك امرهم على الاطلاق وهى دعوة اسرافيل للنشور او الى موقف ربهم الذى اعد للحساب والجزاء وقد صح ان بيت المقدس هى ارض المحشر والمنشر وكل من الجارين متعلق بقوله {ينسلون} كما دل عليه قوله {أية : يوم يخرجون من الاجداث سراعا} تفسير : اى يسرعون بطريق الاجبار دون الاختيار لقوله تعالى {أية : لدينا محضرون} تفسير : من نسل الثعلب ينسل اسرع فى عدوه والمصدر نسل ونسلان واذا المفاجأة بعد قوله {ونفخ فى الصور} اشارة الى كمال قدرته تعالى والى ان مراده لا يتخلف عن ارادته زمانا حيث حكم بان النسلان وهو سرعة المشى وشدة العدو يتحقق فى وقت النفخ لا يتخلف عنه مع ان النسلان لا يكون الا بعد مراتب وهى جمع الاجزاء المتفرقة والعظام المتفتة وتركيبها واحياؤها وقيام الحى ثم نسلانه. فان قيل قال تعالى فى آية اخرى {أية : فاذا هم قيام ينظرون} تفسير : وقال ههنا {فاذا هم من الاجداث الى ربهم ينسلون} والقيام غير النسلان وقد صدر كل واحد منهما فى موضعه باذا المفاجأة فيلزم ان يكونا معا. والجواب من وجهين. والاول ان القيام لا ينافى المشى السريع لان الماشى قائم ولا ينافى النظر ايضا. والثانى ان الامور المتعاقبة التى لا يتخلل بينها زمان ومهلة تجعل كأنها واقعة فى زمان واحد كما اذا قيل مقبل مدبر
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو {في شغل} خفيفة. الباقون بضم الغين مثقلة، وهما لغتان. وقرأ ابو جعفر {فكهون} بغير ألف حيث وقع، وافقه حفص والداحوني عن ابن ذكوان في (المطففين). وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما {في ظلل} على انه جمع ظلة مثل ظلمة وظلم وتحفة وتحف، الباقون {في ظلال} مثل برمة وبرام، وقلة وقلال. وقيل: هو جمع ظل وظلال، وهو الكن، كما قال {أية : يتفيؤ ظلاله} تفسير : وقال ابو عبيدة: هو جمع الظل أظلال. يقول الله تعالى مخبراً {ونفخ في الصور} وقيل: إن الصور قرن ينفخ فيه إسرافيل فيخرج من جوفه صوت عظيم يميل العباد اليه، لأنه كالداعي لهم إلى نفسه. وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة مثل بسرة وبسر، ولو جعلوه مثل (ظلمة، وظلم) لقالوا: صور بفتح الواو، وهو مشتق من الميل، صاره يصوره صوراً إذا أماله ومنه قوله {أية : فصرهن إليك} تفسير : أي أملهن اليك ومنه الصورة، لأنها تميل إلى مثلها بالمشاكلة. وقوله {فإذا هم من الأجداث} وهو جمع جدث، وهو القبر، فلغة اهل العالية بالثاء، ولغة أهل السافلة بالفاء يقولون: جدف إلى ربهم ينسلون أي يسرعون والنسول الاسراع في الخروج كما قال الشاعر: شعر : عسلان الذئب أمسى قارباً برد الليل عليه فنسل تفسير : يقال: نسل ينسل وينسل نسولا، قال امرؤ القيس: شعر : وإن تك قد ساءتك مني خليقة فسلي ثيابي من ثيابك تنسل تفسير : وقال قتادة: الموتة بين النفختين. ثم حكى ما يقول الخلائق إذا حشروا، فانهم {يقولون يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} أي من حشرنا من منامنا الذي كنا فيه نياماً، ثم يقولون {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} في ما أخبرونا عن هذا المقام وعن هذا البعث. فان قيل: هذا ينافي قول المسلمين الذين يقولون: الكافر يعذب في قبره، لأنه لو كان معذباً لما كان في المنام!. قيل: يحتمل ان يكون العذاب في القبر ولا يتصل إلى يوم البعث، فتكون النومة بين الحالين. يحتمل لو كان متصلا أن يكون ذلك عبارة عن عظم ما يشاهدونه ويحضرون فيه يوم القيامة، فكأنهم كانوا قبل ذلك في مرقد، وإن كانوا في عذاب لما كان قليلا بالاضافة إلى الحاضر. وقال قتادة: قوله {هذا ما وعد الرحمن}حكاية قول المؤمن. وقال ابن زيد والجبائي: هو قول الكفار، وهو أشبه بالظاهر، لأنه تعالى حكى عنهم انهم يقولون: يا ويلنا، والمؤمن لا يدعو بالويل لعلمه بماله من نعيم الجنة. وقال الفراء: هو من قول الملائكة. وقال تعالى مخبراً عن سرعة بعثهم وسرعة اجتماعهم {إن كانت إلا صيحة واحدة} والمعنى ليست المدة إلا مدة صيحة واحدة {فإذا هم جميع لدينا محضرون} ثم حكى تعالى ما يقوله - عز وجل - يومئذ للخلائق فانه يقول لهم {فاليوم لا تظلم نفس شيئاً} أي لا ينقص من له حق من حقه شيئاً من ثواب او عوض او غير ذلك، ولا يفعل به مالا يستحقه من العقاب بل الامور جارية على العدل {ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} ومعناه لا يجازى الانسان إلا على قدر عمله، إن كان عاملا بالطاعة جوزي بالثواب. وإن كان عاصياً جوزي بالعقاب على قدر عمله من غير زيادة عليه ولا نقصان، إلا أن يتفضل الله باسقاط عقابه. ثم قال تعالى {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون} يعني يشغلهم النعيم الذي يغمرهم بسرورهم به عن غيره. وقال ابن مسعود وابن عباس: الشغل كناية عن افتضاض الابكار. وقيل استماع الألحان {فاكهون} قال ابن عباس: معناه فرحون. وقال مجاهد: عجبون، وقيل: ذو فاكهة، كما يقال لاحم شاحم أي ذو لحم وشحم، وعاسل ذو عسل، قال الحطيئة: شعر : وعززتني وزعمت انك لابن في الصيف تامر تفسير : أي ذو لبن وتمر. وقيل: فاكه وفكه مثل حاذر وحذر. والفكه الذي يتمرى بالشيء. ثم اخبر عن حال أهل الجنة فقال {هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك} فالازواج جمع زوجة وهي حرة الرجل الذي يحل له وطؤها. ويقال للمرأة زوج ايضاً بغير هاء في الموضع الذي لا يلتبس بالذكر، والظلال الستار عن وهج الشمس وسمومها، فاهل الجنة في مثل ذلك الحال في الطيبة من الظلال الذي لا حر فيه ولا برد. وقيل: الظل الكن وجمعه ظلال. وقيل هو جمع ظلة وظلال، مثل قلة وقلال، ومن قرأ ظلل، فعلى وزن ظلمة وظلم، وقلة وقلل. والارائك جمع أريكة وهي الوسادة، وجمعها وسائد، ويجمع أيضاً أرك كقولهم سفينة وسفن وسفائن، وهذه جلسة الملوك العظماء من الناس. وقيل الارائك الفرش، قال ذو الرمة: شعر : خدوداً جفت في السير حتى كأنما يباشرن بالمعزاء مس الارائك تفسير : وقال عكرمة وقتادة: الارائك الحجال على السرر {متكئون} فمتكئ مفتعل من توكأت، إلا أن الواو أبدلت تاء. ثم قال {لهم فيها} في الجنة {فاكهة، ولهم ما يدعون} أي ما يتمنون، وقال ابو عبيدة: يقول العرب: ادع على ما شئت أي تمن ما شئت، وقيل: معناه إن من ادعى شيئاً فهو له بحكم الله تعالى، لانه قد هذبت طباعهم، فلا يدعون إلا ما يحسن منهم. وقوله {سلام قولاً من رب رحيم} معناه ولهم سلام قولا من رب رحيم يسمعونه من الله تعالى ويؤذنهم بدوام الأمن والسلامة ودوامهما مع سبوغ النعمة والكرامة. ثم يقول للعصاة {امتازوا اليوم أيها المجرمون} ومعناه انفصلوا معاشر العصاة وامتازوا، الذين اجترموا وارتكبوا من المعاصي من جملة المؤمنين، وقال قتادة: معناه اعتزلوا معاشر العصاة عن كل خير، يقال تميز الشيء تميزاً، وميزته تمييزاً، وأنماز انميازاً. ثم حكى ما يقول تعالى لهم فانه يقول لهم {ألم أعهد إليكم يا بني آدم} يعني على لسان أنبيائه {أن لا تعبدوا الشيطان} فجعل عبادتهم للاوثان بأمر الشيطان عبادة له {إنه لكم عدو مبين} أي، وقلت لكم أن الشيطان لكم عدو مبين أي ظاهرة عداوته لكم.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : هذه هي النفخة الثانية التي يحيي بها أموات القبور للبعث والنشور، وإن للنفخ صورة ونتيجة هي روحه وسرّه: أما صورته: فإخراج الهواء من جوف النافخ إلى جوف المنفوخ فيه حتى يشتعل الحطب أو الفحم، وبالجملة، الجسم القابل للصورة الناريّة، فالنفخ سبب الإشتعال، وصورة النفخ مستحيل في حق الله، لأنه قيّوم صمد لا جوف له، والمسبب والنتيجة غير محال في حقه، وقد يستعار بالسبب والمبدء عن المسّبب والفعل المستعار منه، فيعبّر عن نتيجة الغضب بالغضب، وعن نتيجة الإنتقام بالانتقام، كما في قوله تعالى: {أية : وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} تفسير : [الفتح:6] وقوله: {أية : فَٱنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} تفسير : [الأعراف:136] فإن حقيقة الغضب مستحيلة في حقه تعالى، لأنه عبارة عن نَوْعِ تغيّر ونقصان في الغضبان، يتأذى به ويتشفى بالانتقام، ونتيجته اهلاك المغضوب عليه أو إيلامه، يعبّر به عن النتيجة، فكذا يعبّر عن نتيجة النفخ بالنفخ - وإن لم يكن على صورة النفخ - فيكون مجازاً مُرْسلاً -. هكذا قيل، والأرجح عندي أن النفخ ها هنا عبارة عن مجرد إنشاء الأرواح تشبيهاً بإنشاء النار، كتشبيه آلة النفخ بالصُّور على وزان تشبيه الأرواح الكامنة في مكامن استعداداتها من الأبدان وغيرها بالنيران المختفية في مكامن موادها الحَطَبيّة والدخانية، فيكون في الكلام استعارة مصرّحة أو مكنّية أو تمثيلية، كل منها باعتبار. هذا إذا كانت موضوعات هذه الألفاظ مما اشترط فيها كونها ذوات أشكال وأوضاع وهيئات جسمانيّة، وإلاّ فمن الممكن أن يستعمل - ولو بحسب العرف الخاص ولسان الشريعة - على معان هي غايات المعاني اللغوية وملاكها وأسرارها وبواطنها، فتكون معقولات شرعية مستعملة في معانيها الحقيقية عند أهل الحق. فالصور - بسكون الواو - هو في اللغة بمعنى "القرن"، فاستعير أو نقل كما علمتَ لما يقع به النفخ مطلقاً، سواء كان من قرن أو جوهر آخر، سواء كان محسوساً أم غير محسوس، بل هو جوهر من جواهر عالم الملكوت الأعلى اسمه "روح القدس"، به يحيي الله أموات الأشباح الإنسانية بالأرواح الفائضة من هذا الروح الأعظم، وهو الذي اشتعل به نور النفس في فتيلة النطفة عند التسوية أولاً، كما أشار إليه تعالى بقوله: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}تفسير : [الحجر:29]. فقد علم أن النافخ ها هنا إنما هو الله بذاته، أو بواسطة ملك مقرّب هو الروح الإسرافيلي المقدس - المتوسط في فيض الحياة العقليّة والنور النطقي بين الله وبين الأرواح الجزئية الإنسانية التي هي أنوار ملكوتية متعلقة بالأبدان - كتوسط الشمس في فيض النور الحسي والحرارة الغريزيّة بين الله وبين الأكوان العنصرية وطبائعها المستنيرة بالأنوار الحسيّة والحياة الدنيويّة. ومنهم من جعل "الصور" جمع "صورة"، وأكد ذلك بتحرك "الواو" في قراءة بعض القرّاء، والمراد منها الصورة النوعية تتهيأ بها الأجسام الإنسانية لقبول النفس، فيكون المراد منها ما يقبل النفخ الإلهي، لا ما يقع به النفخ من الروح الإسرافيلي المشار إليه في قوله: {ونُفِخْتُ فيه من روحي} [الحجر:29]. فإن قلت: جميع الأشياء إنما حصلت من إيجاد الله لها برحمته وفيضه، فما معنى هذه النسبة؟ فإنها مما يؤذن بمزيد اتصال واقتران، فإن كان نسبه إلى نفسه لأن وجود هذه الروح منه فالجميع كذلك، وقد نسب البشر إلى الطين ومنه قد حصل روح سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن كان معناه أنه جزء من الله أفاض على القالب كما يفيض الماء من إناء مملوء إلى إناء، أو كما يعطي المال على السائل، فهذا يوجب تجزية ذات الله الواحد وتكثير أحديته، وهو ممتنع، فقد بطل كون إفاضته بمعنى انفصال شيء عن شيء. قلنا: الكلام فيه موهم، والعبارة عنه قاصرة عن بيان معنى هذه الإفاضة، ولتكتف الضعفاء البصائر، القاصرون في إدراك العلوم الإلهية بمثال الشمس في هذا القول، فإن الشمس لو نطقت وقالت: "أفضت على الأرض من نوري" لكان حقاً وصدقاً، ويكون معنى هذه النسبة، أن النور الحاصل منها على وجه الأرض من جنس نورها الذي يوجب حياة المكونات، ونشوء الحيوان والنبات، وانبعاث النائمين من النفوس عن مراقد هي كقبور الأموات، ويقهر الظلمات ويعذب الكفرة الخفافيش والفويسقات، ويطرد المؤذيات، ويبعد مَرَدَةَ الجن والشياطين برواجم الساطعات. وهذه الجنسية ثابتة وإن كان الفائض الواقع على وجه الأرض من النور في غاية الضعف بالقياس إلى نور الشمس. فعلى هذا القياس، قد علم أن "الروح" منزه عن الجهة والإشارة والجسمية ولوازمها المكانية والزمانية، وفي قوته العلم بحقائق الماهيات، والاطلاع على المغيبات، والاقتدار على احضار صور المجردات، واستخدام ملائكة القوى والروحانيات، وأخذ الأرض بقبضته وطيّ السماوات بيمينه، وهذه كلها توجب مضاهاة له مع الله وتشبه بأخلاقه تعالى، كما أشير إليه في الحديث النبوي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلذلك وقعت له هذه الإضافة المعنوية وخصت بهذه الكرامة الإلهية من بين سائر الموجودات التي ليست لها درجة التجرد عن الماديات والإحاطة بالعقليات. قوله: "من الأجداث" وهو جمع "جَدَث" أي: من القبور، وهي لغة أهل العالية، ويقول أهل السافلة بالفاء "والنسول": الإسراع في الخروج، أي: يخرجون سراعاً من القبور إلى الموضع الذي يحكم الله فيه، لا حكم لغيره هناك. مكاشفة قرآنية ومن الأسرار العظيمة المتعلقة بقوله تعالى: {فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} انه لما تحقق وانكشف لذوي البصائر المستنيرة بنور الله والصدور المنشرحة للإسلام، أن الدنيا مثال الآخرة، والقالب ظل القلب، فأحوال كل منهما شاهدة على أحوال الأخرى، والعاقبة نتيجة السابقة، والظاهر عنوان الباطن، فَنَسْلُ الأبدان من القبور إلى مواقف الآخرة، كنسل الأرواح من الأبدان إلى المواقف الإلهية، ليعلم أن الرب تعالى غاية قصد الإنسان وسعيه، كما أنه مبدء كونه وحدوثه، ويتحقق حينئذ معنى قوله تعالى: {إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ}. وهذا مما لا يتيسّر لأحد الإطلاع عليه إلاّ من جهة معرفة مبادئ تكون الإنسان وغاياته بعدما تصور وتحقق أن الإنسان ذو وجهين، أحد وجهيه جسماني مظلم متغير في ذاته قابل للفناء، والآخر منهما روحاني منير ثابت دائم بدوام علته الفياضة، باق ببقاء ربه الحي القيوم {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} تفسير : [الرحمن:26 - 27] والوجه الجسماني، انما حياته ودوامه بالوجه النفساني، ومنه يصل الخير والمدد إلى هذا الوجه، ولو انقطع عن هذا فيضه لحظة لخرب سريعاً، وانهدم بناؤه وتعطلت آلاته وتفسخت صورته، فأنت إذا طلبت مبدء الإنسان وفتشت عنه، فعليك أن تطلب وتفتش مبدء جوهريته جميعاً - الجسماني والروحاني -. فاعلم أولاً، أن غاية كل شيء ترتبط بمبدئه، بل هي عينه، كما وقعت الإشارة إليه مراراً، وأن المبدء والغاية كلما كانا أرفع من الوقوع تحت الأكوان المتغيرة، كانا إلى جهة الوحدة والجمعية أقرب، وكلما كانا أدنى وأنزل، كانا إلى التعدد والإفتراق أَمْيَلَ. ثم اعلم أنه لا بد للخلق من المرور على المنازل والمراتب عند النزول عن عالم الوحدة والجمعية، ثم الصعود إليها - ان ساعده التوفيق -، بل لكل من الأكوان الطبيعية مبادئ مترتبة في النزول، وغايات مترتبة في الصعود إلى جهة الحق، ومبدء كل شيء وغايته. فمعرفة المبدء والغاية للإنسان، بل لكل شيء، أفضل أجزاء العلوم الحقيقية والمعارف النبوية، والعلم بمعاد الإنسان وما يؤول إليه حاله، من أهم المطالب، وهو الدواء النافع والدرياق الأعظم والأكسير الأحمر، والجهل بالآخرة هو السم الناقع والمرض المهلك، وبه تكون مرارة النزع عند الموت، والفزع عند البعث للنفوس المريضة بداء الجهالة، فمن عرف أن مجيئه من أين، عرف أن ذهابه إلى أين، ومن تأمل في كل واحد واحد من الأفاعيل التي لها غايات اختيارية أو طبيعية أو ذاتيه، وتدبر فيما هو المبدء بالذات لصدورها، وما هو الغاية لوردوها، لعلم يقيناً أن الغاية في كل شيء، هي بعينها ما هو المبدء على وجه أشرف وأرفع. ونحن سنبيّن العلم بحقائق المبادئ المتقدمة لوجود الإنسان بكلا جزئيه على وجه الإجمال، ونشير إلى أن العلم بالغايات يناط بالعلم بالبادئ ليستنتج وينكشف عن ذلك، الحكم بأن الأرواح الإنسانية لا بد لها من رجوعها إلى ربها، إما راضية مَرْضِيّة، مشرقة زاهرة ناضرة ناظرة، وإما منحوسة منكوسة الرؤوس، مسجونة مقيدة بالسلاسل، محبوسة بالأغلال، مطرودة من باب الله، معذبة بنار الله: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ}تفسير : [السجدة:12] ليتحقق أن الكل - مع اختلاف دواعيهم ومساعيهم وتكثّر نشآتهم وحالاتهم - راجعون إليه تعالى، وينكشف معنى قوله تعالى: {فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ}. أما تحصيل مبادي تكوّن الإنسان وأسباب تحققه بكلا جزئيه الجسماني والروحاني، فمبادي جوهره الجسماني بعد الأسباب القصوى المشتركة بين الكل من الملأ الأعلى والجواهر الملكوتيّة أمور: أولها: القوة اليهولانية التي هي قوة صِرْفَة واستعداد محض. ثم: مرتبة الجسم المطلق الذي لا نعت له سوى الامتداد والانبساط في الأبعاد، وهو مناط النقص والآفة، ومنبع الجهل والنسيان والكفر، إذ لا حضور لصورة جزء منه عند جزء آخر، والعلم ليس إلاّ ادراك صورة الشيء، وها هنا غاب الكل عن الكل، والنفس إذا تعلقت به غابت عن نفسها ونسيت عالمها وربها {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ} تفسير : [الحشر:19]. ثم: الجسم الطبيعي المركب، الذي وجدت له صورة طبيعية غير الصورة الامتدادية، هي مبدء الكيفيات الفعلية والانفعالية. ثم: الجسم النباتي الذي له صورة تفعل النماء وتطلب الغذاء، كالنطفة التي حصلت فيها قوة الجذب والنشوّ، وهي العَلَقة، ليصير بعد ذلك كالمُضْغَة. ثم: الجسد الحيواني الذي يقبل الحس والحركة الإختيارية كالجنين والطفل. ثم: البدن الإنساني الذي فيه قوة التمييز بين الضارّ والنافع، والخير والشر. فهذه خمسة مباديء وأجزاء متداخلة، وخمسة حُجُب مترتبّة جسمانيّة للإنسان عن باريه سبحانه بحسب هويته الجسمانية. وأما المراتب التي له بإزائها بحسب هويته الروحانية عند ذوي الأبصار، فأولها كحال النفس وقت تعلقها بالجسم المفرد الذي لا نعت له سوى الجسمية، ويكون اسمها في هذه المرتبة: "القوة الطبيعية"، ثم كحالها عند كونها في الجسم المركّب، واسمها عند ذلك: "القوة المزاجية". ثم كوقوعها في درجة الأجسام النباتية، واسمها حينئذ: "النفس النباتية". ثمّ كصيرورتها نفساً حيوانية كما في مرتبة الجنينية أو الصبوية فإن أحدهما "حيوان نائم" والآخر "حيوان مستيقظ". ثم كصيرورتها نفساً آدمية كما في مرتبة البلوغ، وها هنا غاية امتزاج النفس بالبدن، وتواصلهما بقواهما وآلاتهما، ونهاية تعانقهما بجنودهما، والحق أن يقال عند ذلك: يبرز الإسلام كله والكفر كله. ثم بعده يفترقان في التوجه إلى الغاية، ويستدعيان البلوغ إلى الوطن الأصلي، فيتغالبان، فيقع التطارد بين جند الملائكة والشياطين في معركة القلب، والقلب متردد بينهما، وهو في التغيّر والإنقلاب دائماً من جهة هذه الأسباب. فالشهوات وأغراض الدنيا الدنيّة، منبعثة من القوى البدنية بوسوسة الشيطان، وهو موجود خلقه الله لعمارة هذه النشأة الأولى وبنائها بجنوده الشريرة من الشهوة، والعضب، والكبر، والحسد، وطول الأمل، ونسيان الآخرة، واليأس من رحمة الله، والأمن من مَكْر الله، وغيرها مما يجري مجرى هذه الصفات. والعلوم والمعارف، والتقدس والتقوى، منبعثة من القوى الروحانية بإلهام المَلَك، وهو موجود أبدعه الله لعمارة الدار الآخرة بجنوده الخيّرة الفاضلة من الصبر، والشكر، والخضوع، والتواضع، والزهد، والقناعة، والخوف، والرجاء، والتملّق، والدعاء، والهيبة، والخشية وغيرها مما يجري مجرى هذه، فالقلب واقع - ما دام التطارد باق بين الجندين - في ما بين الملك وإلهامه والشيطان وإلهامه، لقوله تعالى: {أية : فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} تفسير : [الشمس:8] ولقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : قلب المؤمن بين اصبعين من أصابع الرحمان" تفسير : إلى أن يفتح القلب لأحدهما فيوطنّه الروح، فيكون اجتياز الثاني مجرد اختلاس، وبه يتحقق حكم السعادة والشقاوة في الآخرة. فمراتب الروح بعد ذلك الفتح بسبب الغاية أيضاً خمس: فإنها إذا تهيأت لرحمة الله، واكتساب الأسباب واستعداد النظر في عالم الملكوت، كان اسمها "العقل العملي" و "النفس المطمئنة". وإذا نظرت في حقائق الأشياء وتأملت في المعالم الإلهية والمقاصد الإيمانية، تسمى بـ "العقل النظري" و "النفس الفاكرة" وإذا حصلت لها قوة الحفظ والاسترجاع تسمى بـ "النفس الحافظة"، فإذا حصلت لها قوة المكالمة الحقيقية مع الحق، ومشاهدة الحقائق بنور مستفاد من الله يقذف في قلبه، تسمى بـ "النفس الناطقة". وإذا اتصلت إلى لقاء الله وانخرطت في المقرّبيين تسمى بـ "روح القدس"، وحينئذ بلغت إلى غايتها الأصلية، من غير علوق شيء من الأضداد والخصوم، ومزاحمة شيء من العوائق والمؤذيات والهموم. وأما إذا كانت الغلبة للجزء الظُلماني بجنوده الظُلمانية وقواه الشيطانية، وكان الروح أسيراً بيد الشيطان وجنوده، فلا يبالي في أي واد تهلكه من أودية الظلمات، وفي أي دركة تستهويه من دركات الجهالات. وهذه الدركات الجحيميّة معادن الشياطين، ومهالك الروح الإنسانية عند متابعة النفس والشيطان، ومع ذلك يكون مرجع الكل إلى ربهم {أية : وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} تفسير : [الكهف:47] إلاّ أن حشر الخلائق إليه تعالى على أنحاء مختلفة حسب أعمالهم ودرجاتهم، فبعضهم مستوياً وبعضهم منكوساً، ولقوم على سبيل الوفد: {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} تفسير : [مريم:85] ولقوم على وجه التعذيب: {أية : وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ} تفسير : [فصّلت:19] {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ}تفسير : [مريم:68] - وبالجملة - حَشْرُ كل أحد إلى عمله، أو إلى ما يعمل لأجله ويحبه: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ} تفسير : [الصافات:22] حتى أنه: "لو أحب حجراً لحُشِرَ معه". تنبيه هذه الاختلافات الكثيرة متحققة فيما يحشر إليه الناس، ومع ذلك فالجميع محشورون إلى الله، ألاَ إلى الله تصير الأمور، وإليه مصير كل صائر، كما إليه بدو كل باد، وإليه معاد كل موجود، كما منه نشوء كل ناش، الله يبدء الخلق ثم يعيده ثم إليه تُحشرون، وذلك لسعة مملكته وتعدد جهاته وكثرة أسمائه وشدة قوّته، وإحاطة علمه وسمعه وبصره، وتجرد ذاته عن الأغشية والحُجُب، فالزمان علّة التغير والتجدد مطلقاً، والمكان علّة التكثّر والتعدد مطلقاً، وهما مناط الغَيْبة والخفاء، فإذا ارتفعا في القيامة، ارتفعت الحُجُب بين الخلائق فيجتمع الخلائق كلهم الأولون والآخرون في عرصة القيامة لأهل القيامة، فهي يوم الجمع {أية : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ}تفسير : [التغابن:9]. مكاشفة أخرى في تصوير معنى هذه الآية وخروج الخلق سراعاً من القبور إلى الله واسراعهم من الأجداث إلى ربهم مما يجب أن يعلم كل من له نصيب من علم الكتاب، وله قدم في العمل بما فيه من الخطاب، أن الإنسان من لَدُن حدوثه وتولده عند كونه نطفة ذات صورة طبيعية، إلى نهاية أمره، يكون أبداً في التحّول والانتقال نفساً وبدناً، وفي السفر والارتحال سراً وعلناً، وفي التبدل والتطور من منزل إلى منزل، ومن حال إلى حال، ومن صورة إلى صورة، ومن صفة إلى صفة إلى هذا الوقت الذي بلغ أشدَّه. وهذا أمر يظهر لمن نظر في أحوال الإنسان، ولاحظ ترقيّاته وتوجهاته من كونه أولاً نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم جنيناً، ثم خلقاً آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين. ثم يتدرج في التوغل في نشأة أخرى من كونه صبيّاً مميزاً، ثم رجلاً عاقلاً، ثم صبوراً شكوراً، ثم حكيماً وقوراً، وهكذا لا يزال في الإمعان إلى تقوية الباطن وتوهين الظاهر، والتقرب إلى عالم الغيب والخروج عن عالم الشهادة يسيراً يسيراً، فيصير كهلاً، ثم شيخاً، ثم هرماً مضمحلاً، ثم فانياً، كل ذلك بحسب طبعه وجوهره - لا بأمر اتفاقيٍّ أو عرضي أو قسري -. ثم إذا بطلت منه هذه الحياة الدنيوية، بطلت صورة التأليف، وحصل الافتراق والانفصال. ثم لا يبقى في هذا الانفصال أيضاً، بل يمعن البدن في الانحلال والتوجه إلى مركز الاتصال حتى ينتهي إلى الأرضية، ثم إلى الهيوليّة والجوهرية الصرفة، ويمعن النفس إذا كانت على الاستقامة في أطوارها وأحوالها، حتى تبلغ الغاية القصوى التي موطنها الأصلي، وذلك لأن كل متوجه ومتحول من مرتبة إلى مرتبة ومن منزل إلى منزل بحسب الطبع، فله لا محالة حيث يرتحل ويبعد من مرتبة ويتوجه ويسلك إلى مرتبة أخرى تكون غاية طبيعية ذاتية هي آخر ما يطمئن إليه ويسكن لديه ويتوطّن فيه، ولا بد أيضاً أن تكون هي أصلح الحالات وأوفقها له في ذاته، وأنسب المراتب والدرجات وأليقها لديه بجوهره، وما ذلك إلاّ ما يكون مبدء ذاته ومقّوم وجوده. فغاية ما يسافر إليه الشيء، يجب أن يكون أول ما سافر منه، وهو الموطن الطبيعي والمعدن الأصلي - دون غيره من المراتب والغايات الإضافية والحدود التي في الأوساط، لأن كلاً منها لو كان غاية حقيقية، لما وقع التوجه منه إلى غيره توجهاً طبيعياً ذاتيّاً - ودأب الرحمة الإلهيّة أن يمسك الشيء على أشرف الحالات التي تليق به، وأعلى المراتب التي تتصور في حقه، من غير انتقال منه وارتحال عنه. وتمامية الشيء وكماله إنما يحصل له عند وصوله إلى الحالة الأصلية التي كانت له بحسب الذات، إذ هي مما يوافق ذاته ويلائم طباعه، وكل ما يكون غير تلك الحالة من سائر الحالات، فهي لا محالة غريبة عن ذاتها مؤلمة لها، والحالات الغريبة عن الشيء تزول عنه، فيرجع الشيء آخر الأمر إلى الصفة الأصليّة التي له أولاً كما مرّ. والحالة الأصلية للشيء، إنما تحصل له في مأواها الطبيعي، والمأوى الطبيعي للنفوس والأرواح الإنسانية، عالم الآخرة التي هي باطن هذا العالم الظاهر، وغيب هذه الشهادة، وهو عالم الأرواح وموطنها الحقيقي ومعادها بحسب طبقاتها ودرجاتها ومعادنها "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة". ومبادئ النفوس ومواطنها مختلفة، وكلها من عالم الملائكة النورانيّة - على كثرة طبقاتهم -، وكل منها يرجع إلى أصله إن لم يزاحمها شيء من العوائق والسيئآت {أية : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ}تفسير : [الإسراء:84] {أية : وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} تفسير : [الأنعام:132]. فالنفوس الصالحة المَرْضِية، تُحشر في زمرة الملائكة وتأوي إلى رحمة الله، والنفوس الشقيّة تُحشر مع الشياطين، ممنوعة عن عالمها، مطرودة عن باب الله، محرومة عن مواطنها، وما لم تصل النفس إلى عالمها ومعدنها، لم تسكن ولم تطمئن من انزعاجها واستفزازها، لأنها كانت في مأواها الأصلي حيّة مختارة لطيفة، عالمة، قادرة بقوة مبدعها وسائحة في عالمها، فرحانة مطمئنة عند بارئها في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فإذا هبطت من عالمها ومأواها وجنّة أبيها، وانحطت إلى السفل، وجولت إلى الدنيا وأجسامها المكدرة الظلمانية، انقلبت حياتها موتاً، وتبدل اختيارها اضطراراً، ولطافتها كثافة، وقدرتها عجزاً، وعلمها جهلاً، فزالت كرامتها وشرفها وكمالها إلى المذلة والهوان والخسّة والنقص والوبال، وصدرت منه معاصي كثيرة وآثار (آثام - ن) غريبة، كمن عرض له مرض شديد وحمّى، فظهرت منه آثار كثيرة غريبة، كالحرارة الشديدة - وهي علامة النار -، والثقل العظيم - وهو أثر الأرض -، وتورمت أطرافه - وهو أثر الهواء - وسال العرق من مساماته وعن عروقه كقطرات الأمطار، وهكذا الحال على الاتصال إلى أن يعود إلى الحالة السابقة الأصلية، فتنعدم هذه التولدات، وتنعقد منه شيئاً فشيئاً إلى أن يزول بالكلية - ان ساعده التوفيق -. وهكذا حال النفس في سقوطها عن مرتبتها وهبوطها عن نشأتها، حيث تكوّنت منها أمور مختلفة عند نقصانها وضعفها الذي يلحقها بسبب بعدها عن مقرها وعالمها، إذ البعد عن الموطن الأصلي منشأ (مثار - ن) الضعف والآفة، ومناط الكثرة والإنقسام، وتوزع البال واختلاف الأحوال، فإذا عادت إلى معادها، زالت الكثرة والتفرقة عنها بالكلية، كأنها لم تكن إن لم تزاحمها قيود السلاسل والأغلال المستصحبة إيّاها من جهة اقترانها بالأرذال، وعلوق غبار الهيئات الرديّة وظلمات الأعمال البدنية المقترنة بها، بسبب مجاورة أقران السوء، وشؤم صحبتهم ورجس خلطتهم. أَوَ لاَ ترى إلى الماء النازل من السماء، كيف كان مجموعاً في مأواه الأصلي، ذا وقار وثقل واطمئنان وصفاء تتراءى فيه الصور والنقوش، فإذا انتقل إلى حيّز النار، تبدلت الجمعية بالتفرقة، والثقل بالخفة، والاطمئنان بالإضطراب، والصفاء والاستقامة بالكدورة والإعوجاج، فوقع إلى أودية الفراق وشُعَب الإفتراق، ثم إذا رجع إلى مأواه الذي كان فيه، زالت الأحوال الغريبة والآفات، وعادت الحالة الأصلية، وكن قد خرج عن فطرتها، ثم عاد إليها بعد تطورات وتشكُّلات بأشكال غريبة، وتسميات بأسماء كثيرة، فكان بحراً، فإذا تبخّر سُمِّي "بخاراً"، وإذا تراكم بخاراً سمي "سحاباً"، وإذا تقاطر سحابه سمي "مطراً"، وإذا سال يسمى "نهراً"، وإذا اتصل النهر بالبحر يسمى "بحراً" كما كان. وكذا القياس في غيره من الأركان، وفي كل جماد ونبات وحيوان، فانظر إلى حال السمك في مكان السمندل، والسمندل في مكان السمك {أية : قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ}تفسير : [الأنعام:98].
الجنابذي
تفسير : {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} اعنى النّفخة الثّانيّة وقد سبق فى سورة المؤمنون بيان وتفصيل للصّور والنّفخ، ولمكث الخلائق بين النّفختين، وكيفيّة النّفخ واحيائهم {فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ} اى من القبور التّرابيّة او من القبور البرزخيّة، عن الباقر (ع): انّ القوم كانو فى القبور فلمّا قاموا حبسوا انّهم كانوا نياماً {إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} يسرعون.
اطفيش
تفسير : {ونفخ في الصور} نفخة ثانية وهي نفخة البعث وبينهما اربعون سنة كما مر ينزل ماء كالنطفة فينبتون وقد فقدوا بالكلية او بقي بعض وقيل يبقى عجم الذنب من كل احد ومنه يركب الانسان وليس بمتعين ولا بمعين فان الله الذي اوجدهم من عدم قادر ان يوجدهم بعد العدم بالكلية والصور القرن، وقرىء الصور بفتح الواو على أنه جمع صورة ويجوز في قراءة الاسكان ان يكون جمع صورة ايضا كبقر وبقرة. {فإذا هم من الأجداث} القبور وقرىء الاجداف بابدال الثاء فاء والضمير للموتى المقبورين بدليل ذكر الاجداث الذي هو جمع جدث معنى قبر والموتى غير المقبورين مثلهم. {إلى ربهم ينسلون} يخرجون منها احياء، وقيل يسرعون وقرىء بضم السين.
اطفيش
تفسير : {ونُفخ} نفخة البعث بعد نفخة الموت بأربعين عاما، هم فيها غير معذبين، ولا المسلمون منعمون فيها، بل موتى كالنوام، كما روى عن ابن عباس، وروى عن أبى مجاهد: ان للموتى نومة قبل البعث {في الصُّور} هو مفرد بمعنى صورة متسعة فى بيوت، منها الأرواح ترجع الى أبدانهم، وهو الصحيح الواردة به السنة، أو فى صورات الأبدان على أنه جمع صورة، ويدل قراءة فتح الواو، وذكر القرطبى أن لإسرافيل أعوانا فى النفخ {فإذا هُم من الأجْداثِ} القبور، والواحد جدث بفتحتين متعلق مع قوله تعالى: {إلى ربِّهم} بقوله تعالى: {ينْسِلُون} وقدما للحصر، والفاصلة والنسل المشى بسرعة فى لين، والمراد هنا بإجبار كما قال: " أية : محضرون" تفسير : [يس: 32، 53] وهذا النسل مع نظر لقوله تعالى: " أية : فإذا هم قيام ينظرون" تفسير : [الزمر: 68] أو قل وقت النظر حتى كأنه جزء من وقت النسل بعده، والرب بمعنى المالك، وذكره لمعنى رجوعهم الى من أحسن اليهم، فلم يشكروا فهم يساقون الى العقاب.
الالوسي
تفسير : {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ } هي النفخة الثانية بينها وبين الأولى أربعون [سنة] أي ينفح فيه، وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع. وقرأ الأعرج {ٱلصُّوَر} بفتح الواو وقد مر الكلام في ذلك {فَإِذَا هُم مّنَ ٱلاْجْدَاثِ } أي القبور جمع/ جدث بفتحتين. وقرىء بالفاء بدل الثاء والمعنى واحد {إِلَىٰ رَبِّهِمْ} مالك أمرهم {يَنْسلُونَ } يسرعون بطريق الإجبار لقوله تعالى: {أية : لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ }تفسير : [يس: 32] قيل: وذكر الرب للإشارة إلى إسراعهم بعد الإساءة إلى من أحسن إليهم حين اضطروا إليه، ولا منافاة بين هذه الآية وقوله تعالى: {أية : فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ }تفسير : [الزمر: 68] لجواز اجتماع القيام والنظر والمشي أو لتقارب زمان القيام ناظرين وزمان الإسراع في المشي. وقرأ ابن أبـي إسحق وأبو عمرو بخلاف عنه بضم السين.
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن تكون الواو للحال والجملة موضع الحال، أي ما ينظرون إلا صيحة واحدة وقد نفخ في الصور الخ.. ويجوز أن تكون الواو اعتراضية، وهذا الاعتراض واقع بين جملة { أية : ما ينظُرُونَ إلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً } تفسير : [ يس: 49] الخ... وجملة { أية : ولو نشاء لطمسنا } تفسير : [يس: 66]. والمقصود: وعظهم بالبعث الذي أنكروه وبما وراءه. والماضي مستعمل في تحقق الوقوع مثل { أية : أتى أمر الله } تفسير : [النحل: 1]. والمعنى: وينفخ في الصور، أي ويَنفخ نافخ في الصور، وهو الملَك الموكّل به، واسمه إسرافيل. وهذه النفخة الثانية التي في قوله تعالى: { أية : ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } تفسير : [الزمر: 68]. و«إذا» للمفاجأة وهي حصول مضمون الجملة التي بعدها سريعاً وبدون تهيّؤ. وضمير {هم} عائد إلى ما عادت إليه الضمائر السابقة. ويجوز أن يعود إلى معلوم من المقام، أي فإذا الناس كلّهم ومنهم المتحدث عنهم. و{الأجداث}: جمع جَدَث بالتحريك، وهو القبر. و{يَنسِلُونَ} يمشون مشياً سريعاً. وفعله من باب ضَرب وورد من باب نصر قليلاً. والمصدر: النسَلان، على وزن الغليان لما في معنى الفعل من التقليب والاضطراب، وتقدم في آخر سورة الأنبياء. وهذا يقتضي أنهم قُبِروا بعد الصيحة التي أخذتهم فإن كانت الصيحة صيحة الواقعة فالأجداث هي ما يعلوهم من التراب في المدة التي بين الصيحة والنفخة. وقد ورد أن بينهما أربعين سنة إذ لا يبقى بعد تلك الصيحة أحد من البشر ليَدفِن من هلَك منهم، وإن كانت الصيحة صيحة الفزع إلى القتل فالأجداث على حقيقتها مثل قليب بدر. ومعنى: {إلَىٰ ربّهِم} إلى حكم ربهم وحسابه، وهو متعلق بـــ {يَنسِلُونَ}.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة النفخة الأخيرة، والصور قرن من نور ينفخ فيه الملك نفخة البعث، وهي النفخة الأخيرة، وإذا نفخها قام جميع أهل القبور من قبورهم، أحياء إلى الحساب والجزاء. وقوله: {فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ} جمع جدث بفتحتين، وهو القبر، وقوله: ينسلون: أي يسرعون في المشي من القبور إلى المحشر، كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ} تفسير : [المعارج: 43] وقال تعالى: {أية : يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً} تفسير : [ق: 44] الآية. وكقوله تعالى: {أية : يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ} تفسير : [القمر: 7ـ8] الآية. وقوله: {مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ} أي مسرعين مادِّي أعناقهم على أشهر التفسيرين، ومن إطلاق نسل بمعنى أسرع: قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 96] وقول لبيد: شعر : عسلان الذئب أمسى قارباً برد الليل عليه فنسل تفسير : وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن أهل القبور يقومون أحياء عند النفخة الثانية، جاء موضحاً في آيات كثيرة في كتاب الله تعالى كقوله تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} تفسير : [الزمر: 68]. وقوله تعالى: {أية : إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} تفسير : [يس: 53]، وهذه الصيحة هي النفخة الثانية كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ} تفسير : [ق: 42] أي الخروج من القبور وقوله تعالى: {أية : فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ} تفسير : [النازعات: 13ـ14] والزجرة: هي النفخة الثانية. والساهرة: وجه الأرض، والفلاة الواسعة، ومنه قول أبي كبير الهذلي: شعر : يرتدن ساهرة كأن جميمها وعميمها أسداف ليل مظلم تفسير : وقول لأشعث بن قيس: شعر : وساهرة يضحى السراب مجللاً لأقطارها قد حببتها متلثما تفسير : وكقوله تعالى: {أية : فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ} تفسير : [الصافات: 19] وقوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} تفسير : [الروم: 25] وهذه الدعوة بالنفخة الثانية، وقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} تفسير : [الإسراء: 52] الآية. إلى غير ذلك من الآيات.
د. أسعد حومد
تفسير : (51) - ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ أُخْرَى (هِيَ نَفْخَةُ النُّشُورِ)، فَتَخْرُجُ الأَمْوَاتُ مِنَ القُبُورِ أَحْيَاءً، وَيُسْرِعُونَ فِي الخُرُوجِ والمَشْيِ إِلَى المَحْشَرِ لِيَقِفُوا بَيْنَ يَدَي اللهِ تَعَالَى. الأَجْدَاثِ - القُبُورِ. يَنْسِلُونَ - يُسْرِعُونَ فِي الخُرُوجِ والمَشْيِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله سبحانه: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} [يس: 51] أي: البوق الذي ينفخ فيه إسرافيل، وهذه هي نفخة البعث، وتسبقها نفخة الصَّعْق التي تُميتهم وتخمدهم، لذلك يقول سبحانه: {أية : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} تفسير : [الزمر: 68]. فإنْ قُلْتَ: النفخة واحدة، فكيف تميت الأولى وتحيي الثانية؟ نقول: النفخة في الصُّور ما هي إلا علامة فقط للحدث أمّا الفاعل على الحقيقة فهو الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يميت في الأولى، ويحيي في الثانية. ومعنى {ٱلأَجْدَاثِ} [يس: 51] القبور {إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} [يس: 51] يعني: يُسرعون وأصل كلمة {يَنسِلُونَ} [يس: 51] من نسل الخيوط بعضها عن بعض، نقول: الثوب (ينسل) يعني: تخرج بعض الخيوط من أماكنها من اللُّحْمة أو السُّدَّة، لذلك نقول: (كفف) الخياطة يعني: امنع هذا (التنسيل) بأن تُمسك الخيوط بعضها إلى بعض، فلا تنفلت. فإذا ما خرجوا من الأجداث ورأوا الحقيقة التي طالما كذَّبوها قالوا: {يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} [يس: 52] هم الذين يقولون ويدْعُون على أنفسهم بالويل والثبور؛ لا أحد يقول لهم: ويلكم إنما يقولونها هم لأنفسهم، وهذا بيان للحسرة على ما فاتهم. والمعنى: يا ويلنا احضر، فهذا أوانك، لأن الأمر فوق ما نحتمل، ولا نستطيع دفعه، والإنسان حين يُفاجأ بفساد رأيه يعود على نفسه باللوم، بل قد يضربها ويعذبها. وعجيب منهم أنْ يقولوا الآن {مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} [يس: 52] فيعترفون بأن الموت كان مجرد مَرْقَد، والمرقد لا بُدَّ بعده من يقظة. عندها يردُّ عليهم: {هَذَا} أي: ما تروْنَه من أمور القيامة {مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ} [يس: 52] ويجوز أنْ يكون اسم الإشارة {هَذَا} إشارة إلى {مَّرْقَدِنَا} في {مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا} [يس: 52]. الحق - سبحانه وتعالى - أخبر أنه جامعُ الناس ليوم لا ريب فيه، وأن مَنْ أفلت من عقوبات الدنيا وعذاب الحياة التي يعيشون فيها، فإن الله مُدَّخِر له عذاباً من نوع أشد؛ لأن الذين قاموا بالدعوة إلى الله أول الأمر واضطهِدوا وأُوذوا، منهم من مات في الاضطهاد قبل أنْ يرى انتصار الإسلام وغلبة المسلمين، وقبل أنْ يرى انتقامَ الله من أعدائه، فإذا كان الأمر كذلك فلا بُدَّ أن يُرِي الله هؤلاء المؤمنين عاقبةَ الكافرين وما نزل بهم من العذاب. والوعد هنا رغم أنه إنذار بالشرِّ الذي ينتظرهم، إلا أنه في حقهم يُسمَّى وَعْداً لا وعيداً، لماذا؟ لأن التحذير من الشر قبل الوقوع فيه نعمة كبرى، كما في قوله تعالى في سورة الرحمن: {أية : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 35-36]. فجعل النار والشُّواظ من آلاء الله؛ لأنه يُخوِّفهم بها، ويحذرهم منها، ولم يفاجئهم بها وهم أصحاء، ويسمعون ويبصرون، ويقدرون على الرجوع إلى الله والتوبة إليه، فهم في وقت المهلة والتدارك. وكما تُحذِّر ولدك من الرسوب إنْ هو أهمل دروسه وتتوعده، إذن: فالوعيد هنا عَيْن النعمة؛ لذلك سُمِّي وعداً لا وعيداً. ومعنى: {وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ} [يس: 52] أى: في البلاغ عن الله {إِن كَانَتْ} [يس: 53] أي: ما كانت النفخة {إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} [يس: 53] لا تتكرر؛ لأن الذي يُكرر الفعل البشر، ومعنى تكراره أن الفعل الأول لم يكُنْ كافياً ولم يَفِ بالغرض منه، أمَّا هنا فالفاعل الله عز جل. {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يس: 53] إذا هنا فجائية، فبمجرد الصيحة أُحْضِروا جميعاً رغماً عنهم، وبدون اختيارهم، ومُحضر اسم مفعول من أحضر. يعني: أُجبر على الحضور والمثول بين يدي الله للحساب. وفي الآية السابقة {أية : وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} تفسير : [يس: 32] فزادتْ (كل) الدالة على شمول الأفراد، إنما قد يكون شمول الأفراد تتابعاً مجموعة تلوْ الأخرى، لكن هنا يأتون مجموعين ليرى التابع متبوعه، والضال مَنْ أَضلَّه .. الخ؛ لذلك يسمونها الفاضحة.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} معناه من القُبورِ. واحدُها جَدثٌ. ويَنسِلون: معناه يُسرعونَ.
الجيلاني
تفسير : وبالجملة: متى سمعوا الصيحة الأولى ماتوا فجأة بلا إمهال لهم ساعة {وَ} بعدما ماتوا بالصيحة الأولى، وصاروا كسائر الأموات {نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} مرة أخرى بعد الصيحة الأولى {فَإِذَا هُم} أي: جميع الأموات، صاروا أحياء قائمين هائمين، خارجين {مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ} أي: القبور {إِلَىٰ رَبِّهِمْ} الذي يناديهم للعرض والجزاء {يَنسِلُونَ} [يس: 51] يذهبون ويسرعون طوعاً وكرهاً؛ إذ لا مرجع لهم سواه، ولا ملجأ إلا هو. ثم لما أفاقوا من ولههم وحيرتهم ورأوا مقدمات العذاب والنكال {قَالُواْ} أي: بعضهم لبعض متحيرين متحسرين: {يٰوَيْلَنَا} وهلكنا، تعال فهذا أوانك {مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} أي: قبرنا الذي كنا فيه مستودعين؛ أي: كل منا مستودع على صاحبه، وإن كان هناك عذاب أيضاً، لكن لا تفضيح، أو المعنى: من أيقظنا عن نومنا الذي كنا عليه قبل النفخة الثانية المجيئة، وبعد النفخة الأولى المهيئة، إنما قالوا تحسراً وتحزناً. ثم قيل لهم حينئذ من قبل الحق: {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ} أي: يومكم هذا هو اليوم الموعود الذي وعده الرحمن، وأخبره على ألسنة رسله وكتبه؛ لينقذكم من عذابه بمقتضى سعة رحمته {وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ} [يس: 52] في جميع ما جاءوا من قِبل ربهم من الأمور المتعلقة بالنشأة الأخرى، وأنتم من كمال بغيكم وبغضكم على الله ورسوله في النشأة الأولى أنكرتم الرحمن وكذبتم الرسل الكرام، فاليوم يلقاكم ما كذبتم به. ثم قال سحبانه تقريعاً وتوبيخاً على المشركين المنكرين لقدرته وكمال عزته وسطوته واستقلاله في تصرفات ملكه وملكوته، وإظهاراً لعلو شأنه وسمو برهانه بأن أمثال هذه المقدورات في جنب قدرتنا الكاملة في غاية اليسر والسهولة؛ لذلك {إِن كَانَتْ} أي: ما كانت الفعلة منا في أمر البعث وقيام الساعة وحشر الأموات {إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} صادرة بأمرنا فجأة، وهي الصيحة الثانية، أو ما وقعت الفعلة منا وبأمرنا إلا صيحة واحدة {فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ} أي: كل الأموات مجموعون {لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يس: 53] عندنا، مع أنه صدر عنا في إحضارهم وجمعهم إلا صيحة واحدة دفعية. {فَٱلْيَوْمَ} أي: بعد حضر الكل لدينا واجتمع عندنا للعرض والحساب وتنقيد الأعمال، وجزاء الأفعال الصادرة عنهم في دار الاختبار {لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} ولا تنقص من أجور أعمالها الصالحة {وَ} لا تزاد أيضاً على فاسدها على مقتضى عدلنا، بل {لاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [يس: 54] أي: بمقتضى عملهم، إن كان خيراً فخير وإن شراً فشر.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} [يس: 51] يشير إلى نفخ إسرافيل المحبَّة في صور القلب، وإذا السر والروح والخفى من أحداث أوصاف البشرية إلى نفخ إسرافيل وهم يرجعون بعضهم بالسير وبعضهم بالطير، { قَالُواْ يٰوَيْلَنَا} [يس: 52] أي: من رقادنا في الغفلة {مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} [يس: 52] غير فضل الله وكرمه، {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ} [يس: 52] من كمال رحمته {وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ} [يس: 52] فيما بلغوا من ألطاف الحق تعالى، {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} [يس: 53] يشير إلى جذبة واحدة، {فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يس: 53] بالخروج من لدنهم والغيبة عنهم. {فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} [يس: 54] من استحقاقها وما هي مستعدة لقبوله، {وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [يس: 54]، فمن عمل للدنيا يُجرى من الدنيا، ومن عمل للآخرة يُجرى منها، ومن عمل لله يُجرى عواطف حسانه وشواهد سلطانه. ثم أخبر عن أهل الجنان وأرباب الجنان بقوله تعالى: {إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} [يس: 55] وفيه إشارة: منها: إنه لما كان الغالب عليهم طلب الجنة والأخذ بمجامع قلبهم أَمْرُها: أضيفوا إليها، قيل لهم: إن أصحاب الجنة كما أنه من الغالب عليه طلب الدنيا، وهو في أسْرِها أضيف إليها، وقيل له: صاحب الدنيا. ومنها: إنها لما كانت هممهم مقصورة عل طلب الجنة شغلهم الله بالفاكهة مع أزواجهم عن طلب الله دون المعاشقة عند المشاهدة والمعاينة، وهو قوله: {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ} [يس: 56] أي: يكونوا متكئين على هذه الحالة وهذه الأحوال، وإن جلت عنهم بالنسبة إلى أصحاب الجحيم، ولكنها بالإضافة إلى أحوال السادة والأكابر من الملوك والسلاطين، الذين هم أهل الله وخاصته يتقامرون. وعلى هذا يدل قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أكثر أهل الجنة البله"تفسير : ، عن بعض أرباب النظر أنه كان واقفاً على باب الجامع يوم الجمعة، والخلق قد فرغوا من الصلاة وهم يخرجون عن الجامع، قال: "هؤلاء حشر الجنة"، وللمجالسة أقوام آخرون، ومن كان في الدنيا عن الدنيا حُراً فلا يبعد أن يكون في الجنة عن الجنة حراً، {أية : يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : [البقرة: 105]، ولعل يكون هذا الخطاب لأقوام فارغين عن الالتفات إلى الكونين مراقبين للمشاهدات، الذين قال الله فيهم: {أية : فَإِذَا فَرَغْتَ}تفسير : [الشرح: 7] بعني: عن تعلقات الكونين {أية : فَٱنصَبْ} تفسير : [الشرح: 7]؛ أي: اطلب الحق تعالى: {أية : وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ} تفسير : [الشرح: 8]، فيقول لهم: {إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} [يس: 55] {وَأَزْوَاجُهُمْ} [يس: 56] أي: أشكالهم، فارغبوا أنتم إليَّ واشتغلوا بي، وتنعموا بنعيم وصالي، وتلذذوا لمشاهدة جمالي، وتصدروا بطالعة جلالي. وقيل: قرئ عند الشبلي قوله: {إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ...} [يس: 55] الآية، فشهق شهقة وغاب فلما أفاق قال: فإنهم مساكين لو علموا أنهم عما شغلوا لهلكوا. ومنها: {إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ}، يعني: في الدنيا {فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} بأنواع الطاعات والعبادات عن طلب الحق والشوق إلى لقائه كانوا يطلبون منه، وما كانوا يطلبون كما روي عن يحيى بن معاذ أنه قال: رأيتُ ربَّ العزة في منامي، فقال لي: يا معاذ كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد، فإنه يطلبني. وروي عن أبي يزيد أنه قال: رأيت ربي في المنام، فقال لي: يا أبا يزيد أنا بدك اللازم فالزم بدك. فاعلم أن كل مطلوب يوجد في الآخرة أنه ثمرة بذر طلبه في الدنيا، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يموت الناس على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه ". تفسير : ومنها: يجود كمال كرمه أنه تعالى يخاطب بهذا الأقوام من عصاة الموحدين، وهم في العرصات بعد لم يدخلوا الجنة، فيقول الحق تعالى لهم: {أية : يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ}تفسير : [الزمر: 53] إن كان أهل النار لا يتفرغون إليكم لأهوالهم، وما هم فيه من صعوبة أحوالهم، وأهل الجنة وأصحابها اليوم في شغل عنكم في لذاتهم، وما وجدوا من أفضالهم مع أهاليهم وأشكالهم، فليس لكم اليوم إلا أنا من فرط كرمي و رحمتي، فيدعون منه السلامة عن النار برحمته، ودخول الجنة بكرمه، فيعطي سؤلهم ويبذل مأمولهم، وذلك تحقيق قوله: {لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ * سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} [يس: 57-58]. ومنها: إن لله عباداً استخصَّهم للتخلق بأخلاقه في سر قوله: "حديث : كنت له سمعاً وبصراً فبي يسمع وبي يبصر"تفسير : ، فلا يشغلهم شأن اشتغالهم بأبدانهم مع أهلهم عن شأن شهود مولاهم في الجنة، كما أنهم اليوم مستديمون لمعرفته بأي حال من حالاتهم، ولا يقدح اشتغالهم باستيفاء حظوظهم من معارفهم، ويقول: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} [يس: 58]، يشير إلى أن سلامه تبارك وتعالى كان قولاً منه بلا واسطة وأكَّده بقوله: {مِّن رَّبٍّ} ليعلم أنه ليس سلام على لسان سفيره، قوله: "من رحيم" فالرحمة في تلك الحالة أنه يرزقهم الرؤية في حال ما تسلم عليهم؛ ليكمل لهم النعمة. وإشارة أخرى أن السلام من الرب الرحيم لو لم يكن صادراً عند تجليه جل جلاله لأهل الجنة لتلاشت من سطوة جلاله الجنة وما فيها، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج على بساط قرب أو أدنى في خلوة "حديث : لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل"تفسير : ؛ بتجلي ذاته وصفاته سبحانه وتعالى على وجه لم يتخصص به أحد من العالمين قبله ولا بعده، ما أثبته إلا قوله تعالى: "حديث : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"تفسير : ، ما سلم من تلك السطوة إلا في حفاوة سلامه كما سلم إبراهيم عليه السلام من البرد حين قال: {أية : يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [الأنبياء: 69]، وبقوله: {وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} [يس: 59] يشير إلى امتياز المؤمن بيمينه، وبإيتاء كتاب الكافر بشماله، وبثقل الميزان بالنور وبخفّه بالظلمة، وثبات القدم على الصراط وزلة القدم.... وغير ذلك.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : النفخة الأولى، هي نفخة الفزع والموت، وهذه نفخة البعث والنشور، فإذا نفخ في الصور، خرجوا من الأجداث والقبور، ينسلون إلى ربهم، أي: يسرعون للحضور بين يديه، لا يتمكنون من التأنِّي والتأخر، وفي تلك الحال، يحزن المكذبون، ويظهرون الحسرة والندم، ويقولون: { يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا } أي: من رقدتنا في القبور، لأنه ورد في بعض الأحاديث، أن لأهل القبور رقدة قبيل النفخ في الصور، فيجابون، فيقال [لهم:] { هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } أي: هذا الذي وعدكم اللّه به، ووعدتكم به الرسل، فظهر صدقهم رَأْيَ عين. ولا تحسب أن ذكر الرحمن في هذا الموضع، لمجرد الخبر عن وعده، وإنما ذلك للإخبار بأنه في ذلك اليوم العظيم، سيرون من رحمته ما لا يخطر على الظنون، ولا حسب به الحاسبون، كقوله: { الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ } { وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ } ونحو ذلك، مما يذكر اسمه الرحمن، في هذا. { إِنْ كَانَتْ } البعثة من القبور { إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً } ينفخ فيها إسرافيل في الصور، فتحيا الأجساد، { فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ } الأولون والآخرون، والإنس والجن، ليحاسبوا على أعمالهم. { فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا } لا ينقص من حسناتها، ولا يزاد في سيئاتها، { وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } من خير أو شر، فمن وجد خيرا فليحمد اللّه على ذلك، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
همام الصنعاني
تفسير : 2490- عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي في قوله: {يَنسِلُونَ}: [الآية: 51]، قال يزفون على أقدامِهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):