٣٦ - يس
36 - Yaseen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
55
Tafseer
الرازي
تفسير : وقوله: {فِي شُغُلٍ } يحتمل وجوهاً: أحدهما: في شغل عن هول اليوم بأخذ ما آتاهم الله من الثواب، فما عندهم خبر من عذاب ولا حساب، وقوله: {فَـٰكِهُونَ } يكون متمماً لبيان سلامتهم فالله لو قال: في شغل جاز أن يقال هم في شغل عظم من التفكر في اليوم وأهواله، فإن من يصيبه فتنة عظيمة ثم يعرض عليه أمر من أموره ويخبر بخسران وقع في ماله، يقول أنا مشغول عن هذا بأهم منه، فقال: {فَـٰكِهُونَ } أي شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور وثانيها: أن يكون ذلك بياناً لحالهم ولا يريد أنهم شغلوا عن شيء بل يكون معناه هم في عمل، ثم بين عملهم بأنه ليس بشاق، بل هو ملذ محبوب وثالثها: في شغل عما توقعوه فإنهم تصوروا في الدنيا أموراً وقالوا نحن إذا دخلنا الجنة لا نطلب إلا كذا وكذا، فرأوا ما لم يخطر ببالهم فاشتغلوا به، وفيه وجوه: غير هذه ضعيفة أحدها: قيل افتضاض الأبكار وهذا ما ذكرناه في الوجه الثالث أن الإنسان قد يترجح في نظره الآن مداعبة الكواعب فيقول في الجنة ألتذ بها، ثم إن الله ربما يأتيه ما يشغله عنها وثانيها قيل في ضرب الأوتار وهو من قبيل ما ذكرناه توهم وثالثها في التزاور ورابعها: في ضيافة الله وهو قريب مما قلنا لأن ضيافة الله تكون بألذ ما يمكن وحينئذ تشغله تلك عما توهمه في دنياه وقوله: {فَـٰكِهُونَ } خبر إن، و {فِي شُغُلٍ } بيان ما فكاهتهم فيه يقال زيد على عمله مقبل، وفي بيته جالس فلا يكون الجار والمجرور خبراً ولو نصبت جالساً لكان الجار والمجرور خبراً. وكذلك لو قال في شغل فاكهين لكان معناه أصحاب الجنة مشغولون فاكهين على الحال وقرىء بالنصب والفاكه الملتذ المتنعم به ومنه الفاكهة لأنها لا تكون في السعة إلا للذة فلا تؤكل لدفع ألم الجوع، وفيه معنى لطيف. وهو أنه أشار بقوله: {فِي شُغُلٍ } عن عدمهم الألم فلا ألم عندهم، ثم بين بقوله: {فَـٰكِهُونَ } عن وجدانهم اللذة وعادم الألم قد لا يكون واجداً للذة. فبين أنهم على أتم حال ثم بين الكمال بقوله: {هُمْ وَأَزْوٰجُهُمْ } وذلك لأن من يكون في لذة قد تتنغص عليه بسبب تفكره في حال من يهمه أمره فقال: {هُمْ وَأَزْوٰجُهُمْ } أيضاً فلا يبقى لهم تعلق قلب، وأما من في النار من أقاربهم وإخوانهم فيكونون هم عنهم في شغل، ولا يكون منهم عندهم ألم ولا يشتهون حضورهم والأزواج يحتمل وجهين: أحدهما: أشكالهم في الإحسان وأمثالهم في الإيمان كما قال تعالى: {أية : مِن شَكْلِهِ أَزْوٰجٌ } تفسير : [ص: 58]، وثانيهما: الأزواج هم المفهومون من زوج المرأة وزوجة الرجل كما في قوله تعالى: {أية : إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } تفسير : [المعارج: 30] وقوله تعالى: {أية : وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا } تفسير : [البقرة: 234] فإن المراد ليس هو الإشكال، وقوله: {فِي ظِلَـٰلٍ } جمع ظل وظلل جمع ظلة والمراد به الوقاية عن مكان الألم، فإن الجالس تحت كن لا يخشى المطر ولا حر الشمس فيكون به مستعداً لدفع الألم، فكذلك لهم من ظل الله ما يقيهم الأسواء، كما قال تعالى: {أية : لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } تفسير : [فاطر: 35] وقال: {أية : لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً } تفسير : [الإنسان: 13] إشارة إلى عدم الآلام وفيه لطيفة أيضاً وهي أن حال المكلف، إما أن يكون اختلالها بسبب ما فيه من الشغل، وإن كان في مكان عال كالقاعد في حر الشمس في البستان المتنزه أو يكون بسبب المكان، وإن كان الشغل مطلوباً كملاعبة الكواعب في المكان المكشوف، وإما أن يكون بسبب المأكل كالمتفرج في البستان إذا أعوزه الطعام، وإما بسبب فقد الحبيب، وإلى هذا يشير أهل القلب في شرائط السماع بقولهم: الزمان والمكان والإخوان قال تعالى: {فِي شُغُلٍ فَـٰكِهُونَ } إشارة إلى أنهم ليسوا في تعب وقال: {هُمْ وَأَزْوٰجُهُمْ } إشارة إلى عدم الوحدة الموحشة وقال: {فِي ظِلَـٰلٍ عَلَى ٱلأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ } إشارة إلى المكان وقال: {لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ } إشارة إلى دفع جميع حوائجهم وقوله: {مُتَّكِئُونَ } إشارة إلى أدل وضع على القوة والفراغة فإن القائم قد يقوم لشغل والقاعد قد يقعد لهم. وأما المتكىء فلا يتكىء إلا عند الفراغ والقدرة لأن المريض لا يقدر على الإتكاء، وإنما يكون مضطجعاً أو مستلقياً والأرائك جمع أريكة. وهي السرير الذي عليه الفرش وهو تحت الحجلات فيكون مرئياً هو وما فوقه وقوله: {لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌ } إشارة إلى أن لا جوع هناك، وليس الأكل لدفع ألم الجوع، وإنما مأكولهم فاكهة، ولو كان لحماً طرياً، لا يقال قوله تعالى: {أية : وَلَحْمِ طَيْرٍ مّمَّا يَشْتَهُونَ } تفسير : [الواقعة: 21] يدل على التغاير وصدق الشهوة وهو الجوع لأنا نقول قوله: {مّمَّا يَشْتَهُونَ } يؤكد معنى عدم الألم لأن أكل الشيء قد يكون للتداوي من غير شهوة فقال مما يشتهون لأن لحم الطير في الدنيا يؤكل في حالتين إحداهما: حالة التنعم والثانية: حالة ضعف المعدة وحينئذ لا يأكل لحم طير يشتهيه، وإنما يأكل ما يوافقه ويأمره به الطبيب، وأما أنه يدل على التغاير، فنقول مسلم ذلك لأن الخاص يخالف العام، على أن ذلك لا يقدح في غرضنا، لأنا نقول إنما اختار من أنواع المأكول الفاكهة في هذا الموضع لأنها أدل على التنعم والتلذذ وعدم الجوع والتنكير لبيان الكمال، وقد ذكرناه مراراً وقوله: {لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌ } ولم يقل يأكلون، إشارة إلى كون زمام الاختيار بيدهم وكونهم مالكين وقادرين وقوله: {وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ } فيه وجوه: أحدها لهم فيها ما يدعون لأنفسهم أي دعاؤهم مستجاب، وحينئذ يكون هذا افتعالاً بمعنى الفعل كالاحتمال بمعنى الحمل والارتحال بمعنى الرحيل، وعلى هذا فليس معناه أنهم يدعون لأنفسهم دعاء فيستجاب دعاؤهم بعد الطلب بل معناه ولهم ما يدعون لأنفسهم أي ذلك لهم فلا حاجة لهم إلى الدعاء والطلب، كما أن الملك إذا طلب منه مملوكه شيئاً يقول لك ذلك فيفهم منه تارة أن طلبك مجاب وأن هذا أمر هين بأن تعطي ما طلبت، ويفهم تارة منه الرد وبيان أن ذلك لك حاصل فلم تطلبه فقال تعالى: ولهم ما يدعون ويطلبون فلا طلب لهم وتقريره هو أن يكون ما يدعون بمعنى ما يصح أن يطلب ويدعى يعني كل ما يصح أن يطلب فهوحاصل لهم قبل الطلب، أونقول المراد الطلب والإجابة وذلك لأن الطلب من الله أيضاً فيه لذة فلو قطع الله الأسباب بينهم وبينه لما كان يطيب لهم فأبقى أشياء يعطيهم إياها عند الطلب ليكون لهم عند الطلب لذة وعند العطاء، فإن كون المملوك بحيث يتمكن من أن يخاطب الملك في حوائجه منصب عظيم، والملك الجبار قد يدفع حوائج المماليك بأسرها قصداً منه لئلا يخاطب الثاني: ما يدعون ما يتداعون وحينئذ يكون افتعالا بمعنى التفاعل كالاقتتال بمعنى التقاتل، ومعناه ما ذكرناه أن كل ما يصح أن يدعو أحد صاحبه إليه أو يطلبه أحد من صاحبه فهو حاصل لهم الثالث: ما يتمنونه الرابع: بمعنى الدعوى ومعناه حينئذ أنهم كانوا يدعون في الدنيا أن لهم الله وهو مولاهم وأن الكافرين لا مولى لهم. فقال لهم في الجنة ما يدعون به في الدنيا، فتكون الحكاية محكية في الدنيا، كأنه يقول في يومنا هذا لكن أيها المؤمنون غداً ما تدعون اليوم، لا يقال بأن قوله: {إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَـٰكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوٰجُهُمْ فِي ظِلَـٰلٍ } يدل على أن القول يوم القيامة لأنا نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن قوله: {هُمْ } مبتدأ {وَأَزْوٰجُهُمْ } عطف عليهم فيحتمل أن يكون هذا الكلام في يومنا هذا يخبرنا أن المؤمن وأزواجه في ظلال غداً وله ما يدعيه والجواب الثاني: وهو أولى هو أن نقول: معناه لهم ما يدعون أي ما كانوا يدعون. لا يقال بأنه إضمار حيث لا ضرورة وإنه غير جائز لأنا نقول على ما ذكرنا يبقى الادعاء مستعملا في معناه المشهور لأن الدعاء هو الإتيان بالدعوى وإنما قلنا إن هذا أولى لأن قوله: {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } تفسير : [يس: 58] هو في دار الآخرة وهو كالتفسير لقوله: {مَّا يَدَّعُونَ } ولأن قوله: {مَّا يَدَّعُونَ } مذكور بين جمل كلها في الآخرة فما يدعون أيضاً ينبغي أن يكون في الآخرة وفي الآخرة لا يبقى دعوى وبينة لظهور الأمور والفصل بين أهل الثبور والحبور.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ } قال ٱبن مسعود وٱبن عباس وقتادة ومجاهد: شغلهم ٱفتضاض العَذَارى. وذكر الترمذيّ الحكيم في كتاب مشكل القرآن له: حدّثنا محمد بن حميد الرّازي، حدّثنا يعقوب القُمِّي، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية، عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود في قوله: {إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ } قال: شغلهم ٱفتضاض العذارى. حدثنا محمد بن حميد، حدثنا هارون بن المغيرة، عن نهشل، عن الضحاك، عن ٱبن عباس بمثله. وقال أبو قِلابة: بينما الرجل من أهل الجنة مع أهله إذ قيل له تحوّل إلى أهلك فيقول أنا مع أهلي مشغول؛ فيقال تحوّل أيضاً إلى أهلك. وقيل: أصحاب الجنة في شغل بما هم فيه من اللذات والنعيم عن الاهتمام بأهل المعاصي ومصيرهم إلى النار، وما هم فيه من أليم العذاب، وإن كان فيهم أقرباؤهم وأهلوهم؛ قاله سعيد بن المسيّب وغيره. وقال وكيع: يعني في السماع. وقال ٱبن كيسان: «فِي شُغُلٍ» أي في زيارة بعضهم بعضاً. وقيل: في ضيافة الله تعالى. وروى أنه إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين عبادي الذين أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب؟ فيقومون كأنما وجوههم البدر والكوكب الدريّ، ركباناً على نجب من نور أزمتها من الياقوت، تطير بهم على رؤوس الخلائق، حتى يقوموا بين يدي العرش، فيقول الله جل وعز لهم: السلام على عبادي الذين أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب، أنا ٱصطفيتكم وأنا ٱجتبيتكم وأنا ٱخترتكم، ٱذهبوا فادخلوا الجنة بغير حساب فَـ {لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ }. فيمرون على الصراط كالبرق الخاطف فتفتح لهم أبوابها. ثم إن الخلق في المحشر موقوفون فيقول بعضهم لبعض: يا قوم أين فلان وفلانٰ؟ وذلك حين يسأل بعضهم بعضاً فينادي منادٍ {إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ }. و «شُغُلٍ» و «شُغْلِ» لغتان قرىء بهما؛ مثل الرُّعُبِ والرعْبِ؛ والسحُت والسحْت؛ وقد تقدم. {فَاكِهُونَ} قال الحسن: مسرورون. وقال ٱبن عباس: فرحون. مجاهد والضحاك: معجبون. السّدّي: ناعمون. والمعنى متقارب. والفكاهة المزاح والكلام الطيّب. وقرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج: «فَكِهُونَ» بغير ألف وهما لغتان كالفارِه والفَره، والحاذَر والحَذِر؛ قاله الفراء. وقال الكسائي وأبو عبيدة: الفاكه ذو الفاكهة؛ مثل شاحم ولاحِم وتامِر ولابِن، والفَكِه: المتفكّه والمتّنعم. و «فَكِهُون» بغير ألف في قول قتادة: معجبون. وقال أبو زيد: يقال رجل فكِه إذا كان طيب النفس ضحوكاً. وقرأ طلحَة بن مُصرِّف: «فَاكِهِينَ» نصبه على الحال. {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ } مبتدأ وخبره. ويجوز أن يكون «هُمْ» توكيداً «وَأَزْوَاجُهُمْ» عطف على المضمر، و «مُتَّكِئُونَ» نعت لقوله «فَاكِهُونَ». وقراءة العامة: «فِي ظِلاَلٍ» بكسر الظاء والألف. وقرأ ٱبن مسعود وعبيد بن عمير والأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وخلف: «في ظُلَلٍ» بضم الظاء من غير ألف؛ فالظلال جمع ظِلّ، وظُلَل جمع ظُلّة. {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ} يعني السُّرر في الحجال واحدها أريكة؛ مثل سفينة وسفائن؛ قال الشاعر:شعر : كأنّ أحمرارَ الوردِ فوق غُصُونِه بوقتِ الضحى في روضةِ المتضاحِك خُدُودُ عذارَى قد خَجِلن من الحَيَا تَهَادَيْنَ بالريحان فوق الأَراَئِكِ تفسير : وفي الخبر عن أبي سعيد الخدري قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أهل الجنة كلما جامعوا نساءهم عُدن أبكاراً»تفسير : . وقال ٱبن عباس: إنّ الرجل من أهل الجنة ليعانق الحوراء سبعين سنة، لا يملّها ولا تملّه، كلما أتاها وجدها بكراً، وكلما رجع إليها عادت إليه شهوته؛ فيجامعها بقوة سبعين رجلاً، لا يكون بينهما منيّ؛ يأتي من غير منيّ منه ولا منها. {لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ} ٱبتداء وخبر. {وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ} الدال الثانية مبدلة من تاء، لأنه يفتعلون من دعا أي من دعا بشيء أعطيه. قاله أبو عبيدة؛ فمعنى «يَدَّعُونَ» يتمنون من الدعاء. وقيل: المعنى أن من ٱدعى منهم شيئاً فهو له؛ لأن الله تعالى قد طبعهم على ألا يدّعي منهم أحد إلا ما يجمُل ويحسن أن يدّعيه. وقال يحيى بن سلام: «يَدَّعُونَ» يشتهون. ٱبن عباس: يسألون. والمعنى متقارب. قال ٱبن الأنباري: «وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ» وقف حسن، ثم تبتدىء: «سَلاَمٌ» على معنى ذلك لهم سلام. ويجوز أن يرفع السلام على معنى ولهم ما يدّعون مسلّم خالص. فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على «مَا يَدَّعُونَ». وقال الزجاج: «سلام» مرفوع على البدل من «ما» أي ولهم أن يسلّم الله عليهم، وهذا منَى أهلِ الجنة. وروي من حديث جرير بن عبد الله البَجَليّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الربّ تعالى قد ٱطلع عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة فذلك قوله: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ }. فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركاته عليهم في ديارهم»تفسير : ذكره الثعلبي والقشيري. ومعناه ثابت في صحيح مسلم، وقد بيّناه في «يونس» عند قوله تعالى: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} تفسير : [يونس: 26]. ويجوز أن تكون «ما» نكرة، و «سَلاَمٌ» نعتاً لها؛ أي ولهم ما يدعون مسلّم. ويجوز أن تكون «ما» رفع بالابتداء، و «سلام» خبر عنها. وعلى هذه الوجوه لا يوقف على «وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ». وفي قراءة ٱبن مسعود «سلاماً» يكون مصدراً، وإن شئت في موضع الحال؛ أي ولهم ما يدعون ذا سلام أو سلامة أو مسلَّماً؛ فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على «يَدَّعُونَ». وقرأ محمد بن كعب القُرَظي «سِلمٌ» على الاستئناف كأنه قال: ذلك سلم لهم لا يتنازعون فيه، ويكون «وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ» تاماً. ويجوز أن يكون «سَلاَمٌ» بدلاً من قوله: {وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ}، وخبر «مَا يَدَّعُونَ» «لِهم». ويجوز أن يكون «سَلاَمٌ» خبراً آخر، ويكون معنى الكلام أنه لهم خالص من غير منازع فيه. {قَوْلاً} مصدر على معنى قال الله ذلك قولاً. أو بقوله قولاً، ودلّ على الفعل المحذوف لفظ مصدره. ويجوز أن يكون المعنى ولهم ما يدعون قولاً؛ أي عدة من الله. فعلى هذا المذهب الثاني لا يحسن الوقف على «يَدَّعُونَ». وقال السجستاني: الوقف على قوله «سَلاَمٌ» تام؛ وهذا خطأ لأن القول خارج مما قبله. قوله تعالى: {وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} ويقال تميّزوا وٱمّازوا وٱمتازوا بمعنى؛ ومزته فٱنماز وٱمتاز، وميّزته فتميّز. أي يقال لهم هذا عند الوقوف للسؤال حين يؤمر بأهل الجنة إلى الجنة؛ أي ٱخرجوا من جملتهم. قال قتادة: عزلوا عن كل خير. وقال الضحاك: يمتاز المجرمون بعضهم من بعض؛ فيمتاز اليهود فرقة، والنصارى فرقة، والمجوس فرقة، والصابئون فرقة، وعبدة الأوثان فرقة. وعنه أيضاً: إن لكل فرقة في النار بيتاً تدخل فيه ويردّ بابه؛ فتكون فيه أبداً لا تَرَى ولا تُرَى. وقال داود بن الجرّاح: فيمتاز المسلمون من المجرمين، إلا أصحاب الأهواء فيكونون مع المجرمين.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن أهل الجنة: أنهم يوم القيامة إذا ارتحلوا من العَرَصات، فنزلوا في روضات الجنات، أنهم في شغل عن غيرهم بما هم فيه من النعيم المقيم والفوز العظيم. قال الحسن البصري وإسماعيل ابن أبي خالد: في شغل عما فيه أهل النار من العذاب. وقال مجاهد: {شُغُلٍ فَـٰكِهُونَ} أي: في نعيم معجبون، أي: به، وكذا قال قتادة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: فاكهون، أي: فرحون. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن المسيب وعكرمة والحسن وقتادة والأعمش وسليمان التيمي والأوزاعي في قوله تبارك وتعالى: {إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِى شُغُلٍ فَـٰكِهُونَ} قالوا: شغلهم افتضاض الأبكار، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عنه: {شُغُلٍ فَـٰكِهُونَ} أي: بسماع الأوتار، وقال أبو حاتم: لعله غلط من المستمع، وإنما هوافتضاض الأبكار. وقوله عز وجل: {هُمْ وَأَزْوَٰجُهُمْ} قال مجاهد: وحلائلهم، {فِى ظِلَـٰلٍ} أي: في ظلال الأشجار {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ}. قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والسدي وخصيف: {ٱلأَرَآئِكِ} هي السرر تحت الحجال. (قلت): نظيره في الدنيا هذه التخوت تحت البشاخين، والله سبحانه وتعالى أعلم. وقوله عز وجل: {لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌ} أي: من جميع أنواعها، {وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ} أي: مهما طلبوا وجدوا من جميع أصناف الملاذ. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، حدثنا محمد بن مهاجر عن الضحاك المعافري عن سليمان بن موسى. حدثني كريب: أنه سمع أسامة بن زيد رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ألا هل مشمر إلى الجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور كلها يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سلامة، وفاكهة خضرة وخير ونعمة في محلة عالية بهية» تفسير : قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها، قال صلى الله عليه وسلم «حديث : قولوا: إن شاء الله» تفسير : فقال القوم: إن شاء الله، وكذا رواه ابن ماجه في كتاب الزهد من "سننه" من حديث الوليد بن مسلم عن محمد بن مهاجر به. وقوله تعالى: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} قال ابن جريج: قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}: فإن الله تعالى نفسه سلام على أهل الجنة، وهذا الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما؛ كقوله تعالى: {أية : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَـٰمٌ} تفسير : [الأحزاب: 44]. وقد روى ابن أبي حاتم ههنا حديثاً، وفي إسناده نظر، فإنه قال: حدثنا موسى بن يوسف، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا أبو عاصم العباداني، حدثنا الفضل الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : بينا أهل الجنة في نعيمهم، إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، فذلك قوله تعالى: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} قال: فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم وفي ديارهم»تفسير : . ورواه ابن ماجه في كتاب السنة من "سننه" عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب به. وقال ابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، حدثنا حرملة عن سليمان بن حميد قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال: إذا فرغ الله تعالى من أهل الجنة والنار، أقبل في ظلل من الغمام والملائكة، قال: فيسلم على أهل الجنة، فيردون عليه السلام، قال القرظي، وهذا في كتاب الله تعالى: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} فيقول الله عز وجل: سلوني، فيقولون: ماذا نسألك أي رب؟ قال: بلى سلوني، قالوا: نسألك أي رب رضاك، قال: رضائي أحلكم دار كرامتي، قالوا: يا رب فما الذي نسألك؟ فوعزتك وجلالك وارتفاع مكانك لو قسمت علينا رزق الثقلين، لأطعمناهم ولأسقيناهم ولألبسناهم ولأخدمناهم، لاينقصنا ذلك شيئاً، قال تعالى: إن لدي مزيداً، قال: فيفعل ذلك بهم في درجهم حتى يستوي في مجلسه، قال: ثم تأتيهم التحف من الله عز وجل، تحملها إليهم الملائكة، ثم ذكر نحوه. وهذا خبر غريب، أورده ابن جرير من طرق، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ أَصْحَٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِى شُغُلٍ } بسكون الغين وضمها. عما فيه أهل النار مما يتلذذون به كافتضاض الأبكار، لا شغل يتعبون فيه، لأن الجنة لا نصب فيها {فَٰكِهُونَ } ناعمون خبر ثان لإن، والأول في شغل.
الشوكاني
تفسير : لما ذكر الله سبحانه حال الكافرين أتبعه بحكاية حال عباده الصالحين. وجعله من جملة ما يقال للكفار يومئذٍ زيادة لحسرتهم، وتكميلاً لجزعهم، وتتميماً لما نزل بهم من البلاء، وما شاهدوه من الشقاء، فإذا رأوا ما أعدّه الله لهم من أنواع العذاب، وما أعدّه لأوليائه من أنواع النعيم، بلغ ذلك من قلوبهم مبلغاً عظيماً، وزاد في ضيق صدورهم زيادة لا يقادر قدرها. والمعنى: {إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ } في ذلك {ٱليَوْمَ فِى شُغُلٍ } بما هم فيه من اللذات، التي هي ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، عن الاهتمام بأمر الكفار، ومصيرهم إلى النار، وإن كانوا من قراباتهم. والأولى عدم تخصيص الشغل بشيء معين. وقال قتادة، ومجاهد: شغلهم ذلك اليوم بافتضاض العذارى. وقال وكيع: شغلهم بالسماع. وقال ابن كيسان: بزيارة بعضهم بعضاً، وقيل: شغلهم كونهم ذلك اليوم في ضيافة الله. قرأ الكوفيون وابن عامر: {شغل} بضمتين. وقرأ الباقون بضم الشين، وسكون الغين: وهما لغتان كما قال الفراء. وقرأ مجاهد، وأبو السماك بفتحتين. وقرأ النحوي، وابن هبيرة بفتح الشين، وسكون الغين. وقرأ الجمهور {فَـٰكِهُونَ } بالرفع على أنه خبر إنّ، و{في شغل} متعلق به، أو في محل نصب على الحال، ويجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر إنّ، و{فاكهون} خبر ثانٍ. وقرأ الأعمش، وطلحة بن مصرف "فاكهين" بالنصب على أنه حال، و{في شغل} هو: الخبر. وقرأ الحسن، وأبو جعفر، وأبو حيوة، وأبو رجاء، وشيبة، وقتادة، ومجاهد "فكهون" قال الفراء: هما لغتان كالفاره، والفره، والحاذر، والحذر. وقال الكسائي، وأبو عبيدة الفاكه: ذو الفاكهة مثل تامر ولابن، والفكه: المتفكه، والمتنعم. وقال قتادة: الفكهون: المعجبون. وقال أبو زيد: يقال رجل فكه: إذا كان طيب النفس ضحوكاً. وقال مجاهد والضحاك كما قال قتادة. وقال السدّي كما قال الكسائي. {هُمْ وَأَزْوٰجُهُمْ فِى ظِلَـٰلٍ عَلَى ٱلأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ } هذه الجملة مستأنفة مسوقة لبيان كيفية شغلهم، وتفكههم، وتكميلها بما يزيدهم سروراً، وبهجة من كون أزواجهم معهم على هذه الصفة من الاتكاء على الأرائك، فالضمير، وهو: {هم} مبتدأ، {وأزواجهم} معطوف عليه، والخبر {متكئون}، ويجوز أن يكون هم تأكيداً للضمير في {فاكهون}، وأزواجهم معطوف على ذلك الضمير، وارتفاع متكئون على أنه خبر لمبتدأ محذوف، و{في ظلال} متعلق به أو حال، وكذا على الأرائك، وجوّز، أبو البقاء: أن يكون {فِى ظِلَـٰلٍ } هو: الخبر، و {عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ } مستأنف. قرأ الجمهور: {في ظلال} بكسر الظاء، وبالألف، وهو: جمع ظلّ. وقرأ ابن مسعود، وعبيد بن عمير، والأعمش، ويحيـى بن وثاب، وحمزة، والكسائي، وخلف "في ظلل" بضم الظاء من غير ألف جمع ظلة، وعلى القراءتين، فالمراد: الفرش، والستور التي تظللهم كالخيام، والحجال، والأرائك جمع أريكة، كسفائن جمع سفينة، والمراد بها: السرر التي في الحجال. قال أحمد بن يحيـى ثعلب: الأريكة لا يكون إلا سريراً في قبة. وقال مقاتل: إن المراد بالظلال أكنان القصور. وجملة {لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌ } مبينة لما يتمتعون به في الجنة من المآكل، والمشارب، ونحوها. والمراد فاكهة كثيرة من كل نوع من أنواع الفواكه {وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ } "ما" هذه هي: الموصولة، والعائد محذوف، أو موصوفة، أو مصدرية، و{يدّعون} مضارع ادّعى. قال أبو عبيدة: يدّعون: يتمنون، والعرب تقول: ادّع عليّ ما شئت: أي تمنّ، وفلان في خير ما يدّعي أي: ما يتمنى. وقال الزجاج: هو من الدعاء، أي: ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم، من دعوت غلامي، فيكون الافتعال بمعنى: الفعل كالاحتمال بمعنى: الحمل، والارتحال بمعنى: الرحل. وقيل: افتعل بمعنى: تفاعل، أي: ما يتداعونه كقولهم: ارتموا، وتراموا. وقيل: المعنى: إن من ادّعى منهم شيئاً، فهو له، لأن الله قد طبعهم على أن لا يدّعي أحد منهم شيئاً إلاّ وهو يحسن ويجمل به أن يدّعيه، "وما" مبتدأ، وخبرها {لهم}، والجملة معطوفة على ما قبلها. وقرىء "يدعون" بالتخفيف، ومعناها واضح. قال ابن الأنباري: والوقف على يدّعون وقف حسن، ثم يبتدىء {سَلَـٰمٌ } على معنى: لهم سلام، وقيل: إن سلام هو خبر "ما" أي: مسلم خالص، أو ذو سلامة. وقال الزجاج: سلام مرفوع على البدل من "ما" أي: ولهم أن يسلم الله عليهم، وهذا مني أهل الجنة، والأولى أن يحمل قوله: {وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ } على العموم، وهذا السلام يدخل تحته دخولاً أوّلياً، ولا وجه لقصره على نوع خاص، وإن كان أشرف أنواعه تحقيقاً لمعنى العموم، ورعاية لما يقتضيه النظم القرآني. وقيل: إن سلام مرتفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: سلام يقال لهم {قَوْلاً }، وقيل: إن سلام مبتدأ، وخبره الناصب لـ {قولا}: أي سلام يقال لهم قولاً، وقيل: خبره من ربّ العالمين، وقيل: التقدير: سلام عليكم هذا على قراءة الجمهور، وقرأ أبيّ، وابن مسعود، وعيسى "سلاماً" بالنصب إما على المصدرية، أو على الحالية بمعنى: خالصاً، والسلام: إما من التحية، أو من السلامة. وقرأ محمد بن كعب القرظي "سلم" كأنه قال: سلم لهم لا يتنازعون فيه، وانتصاب {قولاً} على المصدرية بفعل محذوف على معنى: قال الله لهم ذلك قولاً، أو يقوله لهم قولاً، أو يقال لهم قولاً: {مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } أي: من جهته. قيل: يرسل الله سحابة إليهم بالسلام. وقال مقاتل: إن الملائكة تدخل على أهل الجنة من كل باب يقولون: سلام عليكم يا أهل الجنة من ربّ رحيم. {وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ } هو على إضمار القول مقابل ما قيل للمؤمنين أي: ويقال للمجرمين: امتازوا أي: انعزلوا، من مازه غيره، يقال: مزت الشيء من الشيء: إذا عزلته عنه، ونحيته. قال مقاتل: معناه اعتزلوا اليوم - يعني: في الآخرة - من الصالحين. وقال السدّي: كونوا على حدة. وقال الزجاج: انفردوا عن المؤمنين. وقال قتادة: عزلوا عن كل خير. وقال الضحاك: يمتاز المجرمون بعضهم من بعض، فيمتاز اليهود فرقة، والنصارى فرقة، والمجوس فرقة، والصابئون فرقة، وعبدة الأوثان فرقة. وقال داود بن الجراح: يمتاز المسلمون من المجرمين إلا أصحاب الأهواء، فإنهم يكونون مع المجرمين. ثم وبخهم الله سبحانه، وقرعهم بقوله: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِى آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَـٰنَ }، وهذا من جملة ما يقال لهم. والعهد: الوصية، أي: ألم أوصكم، وأبلغكم على ألسن رسلي: أن لا تعبدوا الشيطان أي: لا تطيعوه. قال الزجاج: المعنى: ألم أتقدّم إليكم على لسان الرسل يا بني آدم. وقال مقاتل: يعني: الذين أمروا بالاعتزال. قال الكسائي: لا للنهي، وقيل: المراد بالعهد هنا: الميثاق المأخوذ عليهم حين أخرجوا من ظهر آدم. وقيل: هو ما نصبه الله لهم من الدلائل العقلية التي في سماواته، وأرضه، وجملة {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } تعليل لما قبلها من النهي عن طاعة الشيطان، وقبول وسوسته، وجملة {وَأَنِ ٱعْبُدُونِى } عطف على {أن لا تعبدوا}، وأن: في الموضعين هي المفسرة للعهد الذي فيه معنى القول، ويجوز أن تكون مصدرية فيهما أي: لم أعهد إليكم بأن لا تعبدوا بأن اعبدوني، أو ألم أعهد إليكم في ترك عبادة الشيطان، وفي عبادتي {هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ } أي: عبادة الله، وتوحيده، أو الإشارة إلى دين الإسلام. ثم ذكر سبحانه عداوة الشيطان لبني آدم، فقال: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً } اللام هي: الموطئة للقسم، والجملة مستأنفة للتقريع والتوبيخ، أي: والله لقد أضلّ إلخ. قرأ نافع، وعاصم {جبلاً} بكسر الجيم، والباء، وتشديد اللام، وقرأ أبو عمرو، وابن عامر بضم الجيم، وسكون الباء، وقرأ الباقون بضمتين مع تخفيف اللام، وقرأ ابن أبي إسحاق، والزهري، وابن هرمز بضمتين مع تشديد اللام، وكذلك قرأ الحسن، وعيسى بن عمر، والنضر بن أنس، وقرأ أبو يحيـى، وحماد بن سلمة، والأشهب العقيلي بكسر الجيم، وإسكان الباء، وتخفيف اللام قال النحاس: وأبينها القراءة الأولى. والدليل على ذلك أنهم قد قرءوا جميعاً {أية : والجبلة الأوّلين} تفسير : [الشعراء: 184] بكسر الجيم، والباء، وتشديد اللام. فيكون جبلاً جمع جبلة، واشتقاق الكل من جبل الله الخلق أي: خلقهم، ومعنى الآية: أن الشيطان قد أغوى خلقاً كثيراً كما قال مجاهد. وقال قتادة: جموعاً كثيرة، وقال الكلبي: أمماً كثيرة. قال الثعلبي: والقراءات كلها بمعنى: الخلق، وقرىء "جيلاً" بالجيم، والياء التحتية. قال الضحاك: الجيل الواحد عشرة آلاف، والكثير ما يحصيه إلا الله عزّ وجلّ، ورويت هذه القراءة عن عليّ بن أبي طالب، والهمزة في قوله: {أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ } للتقريع، والتوبيخ، والفاء للعطف على مقدّر يقتضيه المقام كما تقدّم في نظائره أي: أتشاهدون آثار العقوبات؟ أفلم تكونوا تعقلون؟ أو أفلم تكونوا تعقلون عداوة الشيطان لكم؟ أو أفلم تكونوا تعقلون شيئاً أصلاً؟ قرأ الجمهور: {أفلم تكونوا تعقلون} بالخطاب، وقرأ طلحة، وعيسى بالغيبة. {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } أي: ويقال لهم عند أن يدنوا من النار: هذه جهنم التي كنتم توعدون بها في الدنيا على ألسنة الرسل، والقائل لهم الملائكة، ثم يقولون لهم: {ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } أي: قاسوا حرّها اليوم، وادخلوها، وذوقوا أنواع العذاب فيها بما كنتم تكفرون أي: بسبب كفركم بالله في الدنيا، وطاعتكم للشيطان، وعبادتكم للأوثان، وهذا الأمر أمر تنكيل، وإهانة كقوله: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } تفسير : [الدخان: 49] {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوٰهِهِمْ } اليوم ظرف لما بعده، وقرىء "يختم" على البناء للمفعول، والنائب الجار والمجرور بعده. قال المفسرون: إنهم ينكرون الشرك، وتكذيب الرسل كما في قولهم: {أية : وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 23]، فيختم الله على أفواههم ختماً لا يقدرون معه على الكلام، وفي هذا التفات من الخطاب إلى الغيبة للإيذان بأن أفعالهم القبيحة مستدعية للإعراض عن خطابهم، ثم قال: {وَتُكَلّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } أي: تكلمت أيديهم بما كانوا يفعلونه، وشهدت أرجلهم عليهم بما كانوا يعملون. قرأ الجمهور {تكلمنا} و{تشهد}، وقرأ طلحة بن مصرف "ولتكلمنا" و"لتشهد" بلام كي. وقيل: سبب الختم على أفواههم ليعرفهم أهل الموقف. وقيل: ختم على أفواههم لأجل أن يكون الإقرار من جوارحهم؛ لأن شهادة غير الناطق أبلغ في الحجة من شهادة الناطق لخروجه مخرج الإعجاز. وقيل: ليعلموا أن أعضاءهم التي كانت أعواناً لهم في معاصي الله صارت شهوداً عليهم، وجعل ما تنطق به الأيدي كلاماً، وإقراراً؛ لأنها كانت المباشرة لغالب المعاصي، وجعل نطق الأرجل شهادة؛ لأنها حاضرة عند كل معصية، وكلام الفاعل إقرار، وكلام الحاضر شهادة، وهذا اعتبار بالغالب، وإلا فالأرجل قد تكون مباشرة للمعصية كما تكون الأيدي مباشرة لها. {وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ } أي: أذهبنا أعينهم، وجعلناها بحيث لا يبدو لها شقّ، ولا جفن. قال الكسائي: طمس يطمس، ويطمس، والمطموس، والطميس عند أهل اللغة الذي ليس في عينيه شقّ كما في قوله: {أية : وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ } تفسير : [البقرة: 20]. ومفعول المشيئة محذوف أي: لو نشاء أن نطمس على أعينهم لطمسنا. قال السدّي، والحسن: المعنى: لتركناهم عمياً يتردّدون لا يبصرون طريق الهدى، واختار هذا ابن جرير {فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصّرٰطَ } معطوف على {لطمسنا} أي: تبادروا إلى الطريق ليجوزوه، ويمضوا فيه، والصراط منصوب بنزع الخافض أي: فاستبقوا إليه، وقال عطاء، ومقاتل، وقتادة: المعنى: لو نشاء لفقأنا أعينهم، وأعميناهم عن غيهم، وحوّلنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى، فأبصروا رشدهم، واهتدوا، وتبادروا إلى طريق الآخرة، ومعنى {فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ } أي: كيف يبصرون الطريق، ويحسنون سلوكه، ولا أبصار لهم. وقرأ عيسى بن عمر "فاستبقوا" على صيغة الأمر، أي: فيقال لهم: استبقوا، وفي هذا تهديد لهم. ثم كرّر التهديد لهم، فقال: {وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَـٰهُمْ عَلَىٰ مَكَــٰنَتِهِمْ } المسخ: تبديل الخلقة إلى حجر، أو غيره من الجماد، أو بهيمة، والمكانة: المكان، أي: لو شئنا لبدّلنا خلقهم على المكان الذي هم فيه. قيل: والمكانة أخص من المكان كالمقامة، والمقام. قال الحسن: أي: لأقعدناهم {فَمَا ٱسْتَطَـٰعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ } أي: لا يقدرون على ذهاب، ولا مجيء. قال الحسن: فلا يستطيعون أن يمضوا أمامهم؛ ولا يرجعوا وراءهم، وكذلك الجماد لا يتقدّم، ولا يتأخر. وقيل: المعنى لو نشاء لأهلكناهم في مساكنهم، وقيل: لمسخناهم في المكان الذي فعلوا فيه المعصية. وقال يحيـى بن سلام: هذا كله يوم القيامة. قرأ الجمهور {على مكانتهم} بالإفراد. وقرأ الحسن، والسلمي، وزرّ بن حبيش، وأبو بكر عن عاصم "مكاناتهم" بالجمع. وقرأ الجمهور {مضياً} بضم الميم، وقرأ أبو حيوة "مضياً" بفتحها، وروي عنه: أنه قرأ بكسرها، ورويت هذه القراءة عن الكسائي. قيل: والمعنى: ولا يستطيعون رجوعاً، فوضع الفعل موضع المصدر لمراعاة الفاصلة، يقال: مضى يمضي مضياً: إذا ذهب في الأرض، ورجع يرجع رجوعاً: إذا عاد من حيث جاء. {وَمَن نّعَمّرْهُ نُنَكّـسْهُ فِى ٱلْخَلْقِ } قرأ الجمهور {ننكسه} بفتح النون الأولى، وسكون الثانية، وضم الكاف مخففة. وقرأ عاصم، وحمزة بضم النون الأولى، وفتح الثانية، وكسر الكاف مشدّدة. والمعنى: من نطل عمره نغير خلقه، ونجعله على عكس ما كان عليه أوّلاً من القوّة والطراوة. قال الزجاج: المعنى: من أطلنا عمره نكسنا خلقه، فصار بدل القوّة الضعف، وبدل الشباب الهرم، ومثل هذه الآية قوله سبحانه: {أية : وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً } تفسير : [الحج: 5]، وقوله: {أية : ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ } تفسير : [التين: 5]، ومعنى {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }: أفلا تعلمون بعقولكم أن من قدر على ذلك قدر على البعث، والنشور. قرأ الجمهور: "يعقلون" بالتحتية. وقرأ نافع، وابن ذكوان بالفوقية على الخطاب. ولما قال كفار مكة: إن القرآن شعر، وإن محمداً شاعر، ردّ الله عليهم بقوله: {وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشّعْرَ }، والمعنى: نفى كون القرآن شعراً، ثم نفى أن يكون النبيّ شاعراً، فقال: {وَمَا يَنبَغِى لَهُ } أي: لا يصح له الشعر، ولا يتأتى منه، ولا يسهل عليه لو طلبه، وأراد أن يقوله، بل كان إذا أراد أن ينشد بيتاً قد قاله شاعر متمثلاً به كسر وزنه، فإنه لما أنشد بيت طرفة بن العبد المشهور، وهو قوله:شعر : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد تفسير : قال: ويأتيك من لم تزوّده بالأخبار، وأنشد مرّة أخرى قول العباس بن مرداس السلمي:شعر : أتجعل نهبي ونهب العبيـ ـد بين عيينة والأقرع تفسير : فقال: بين الأقرع وعيينة، وأنشد أيضاً:شعر : كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهياً تفسير : فقال أبو بكر: يا رسول الله، إنما قال الشاعر:شعر : كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً تفسير : فقال: أشهد أنك رسول الله، يقول الله عزّ وجلّ: {وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشّعْرَ وَمَا يَنبَغِى لَهُ } وقد وقع منه صلى الله عليه وسلم كثير من مثل هذا. قال الخليل: كان الشعر أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثير من الكلام، ولكن لا يتأتى منه. انتهى. ووجه عدم تعليمه الشعر، وعدم قدرته عليه. التكميل للحجة، والدحض للشبهة، كما جعله الله أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وأما ما روي عنه صلى الله عليه وسلم من قوله:شعر : هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت تفسير : وقوله:شعر : أنا النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب تفسير : ونحو ذلك، فمن الاتفاق الوارد من غير قصد كما يأتي ذلك في بعض آيات القرآن، وليس بشعر، ولا مراد به الشعر، بل اتفق ذلك اتفاقاً كما يقع في كثير من كلام الناس، فإنهم قد يتكلمون بما لو اعتبره معتبر لكان على وزن الشعر، ولا يعدّونه شعراً، وذلك كقوله تعالى: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } تفسير : [آل عمران: 92] وقوله: {أية : وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ } تفسير : [سبأ: 13] على أنه قد قال الأخفش إن قوله:شعر : أنا النبيّ لا كذب تفسير : ليس بشعر. وقال الخليل في كتاب العين: إن ما جاء من السجع على جزأين لا يكون شعراً. قال ابن العربي: والأظهر من حاله أنه قال: لا كذب برفع الباء من كذب، وبخفضها من عبد المطلب.قال النحاس: قال بعضهم: إنما الرواية بالإعراب، وإذا كانت بالإعراب لم يكن شعراً، لأنه إذا فتح الباء من الأوّل، أو ضمهما، أو نوّنها، وكسر الباء من الثاني خرج عن وزن الشعر. وقيل: إن الضمير في {له} عائد إلى القرآن أي: وما ينبغي للقرآن أن يكون شعراً {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ } أي: ما القرآن إلا ذكر من الأذكار، وموعظة من المواعظ {وَقُرْآنٌ مُّبِين} أي: كتاب من كتب الله السماوية مشتمل على الأحكام الشرعية {لّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً } أي: لينذر القرآن من كان حياً، أي: قلبه صحيح يقبل الحق، ويأبى الباطل، أو لينذر الرسول من كان حياً. قرأ الجمهور بالياء التحتية، وقرأ نافع، وابن عامر بالفوقية، فعلى القراءة الأولى المراد: القرآن، وعلى الثانية المراد: النبي صلى الله عليه وسلم {وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي: وتجب كلمة العذاب على المصرّين على الكفر الممتنعين من الإيمان بالله، وبرسله. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله: {فِى شُغُلٍ فَـٰكِهُونَ } قال: في افتضاض الأبكار. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن مسعود في الآية قال: شغلهم: افتضاض العذارى. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة، وقتادة مثله. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن ابن عمر قال: إن المؤمن كلما أراد زوجة وجدها عذراء. وقد روي نحوه مرفوعاً عن أبي سعيد، مرفوعاً عند الطبراني في الصغير، وأبي الشيخ في العظمة. وروي أيضاً نحوه عن أبي هريرة مرفوعاً عند الضياء المقدسي في صفة الجنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فِى شُغُلٍ فَـٰكِهُونَ } قال: ضرب الأوتار. قال أبو حاتم: هذا لعله خطأ من المستمع، وإنما هو افتضاض الأبكار. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال: {فَـٰكِهُونَ }: فرحون. وأخرج ابن ماجه، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة، والبزار، وابن أبي حاتم، والأجرّي في الرؤية، وابن مردويه عن جابر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الربّ قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، وذلك قول الله: {سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } قال: فينظر إليهم، وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره، وبركته عليهم في ديارهم»تفسير : . قال ابن كثير: في إسناده نظر. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: إن الله هو يسلم عليهم. وأخرج أحمد، ومسلم، والنسائي، والبزار، وابن أبي الدنيا في التوبة، واللفظ له، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس في قوله: {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوٰهِهِمْ } قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فضحك حتى بدت نواجذه، قال: «حديث : أتدرون مما ضحكت؟» تفسير : قلنا: لا يا رسول الله، قال: حديث : من مخاطبة العبد ربه يقول: يا ربّ ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: إني لا أجيز عليّ إلا شاهداً مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، فيختم على فيه. ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه، وبين الكلام، فيقول: بعداً لكنّ، وسحقاً، فعنكن كنت أناضل»تفسير : . وأخرج مسلم، والترمذي، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي سعيد، وأبي هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يلقى العبد ربه، فيقول الله: قل: ألم أكرمك، وأسوّدك، وأزوّجك، وأسخر لك الخيل، والإبل، وأذرك ترأس، وترتع؟ فيقول: بلى أي ربّ، فيقول: أفظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا، فيقول: إني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني، فيقول مثل ذلك، ثم يلقى الثالث، فيقول له مثل ذلك، فيقول: آمنت بك، وبكتابك، وبرسولك، وصليت، وصمت، وتصدّقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول: ألا نبعث شاهدنا عليك، فيفكر في نفسه من الذي يشهد عليّ، فيختم على فيه، ويقال لفخذه: انطقي، فتنطق فخذه، وفمه، وعظامه بعمله ما كان، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط عليه»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث أبي موسى نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: {وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ } قال: أعميناهم، وأضللناهم عن الهدى {فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ } فكيف يهتدون. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَـٰهُمْ } قال: أهلكناهم {عَلَىٰ مَكَــٰنَتِهِمْ } قال: في مساكنهم. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم قال: بلغني أنه قيل لعائشة: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان أبغض الحديث إليه، غير أنه كان يتمثل ببيت أخي بني قيس، فيجعل أوّله آخره يقول: ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار، فقال أبو بكر: ليس هكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني والله ما أنا بشاعر، ولا ينبغي لي»تفسير : وهذا يردُّ ما نقلناه عن الخليل سابقاً أن الشعر كان أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثير من الكلام، وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استراث الخبر تمثل ببيت طرفة:شعر : ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل من الأشعار:شعر : ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد تفسير : وأخرج البيهقي في سننه عن عائشة قالت: ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت شعر قط إلا بيتاً واحداً:شعر : تفاءل بما تهوى يكن فلقلما يقال لشيء: كان، إلا تحقق تفسير : قالت عائشة: ولم يقل تحققاً لئلا يعربه، فيصير شعراً، وإسناده هكذا: قال: أخبرنا أبو عبيد الله الحافظ: يعني: الحاكم حدّثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن نعيم، حدّثنا أبو محمد عبد الله بن هلال النحوي الضرير، حدّثنا علي بن عمرو الأنصاري، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، فذكره. وقد سئل المزّي عن هذا الحديث فقال: هو منكر، ولم يعرف شيخ الحاكم، ولا الضرير.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {إن أصحاب الجنة اليوم في شُغُل فاكهون} فيه أربعة أقاويل: أحدها: في افتضاض الأبكار، قاله الحسن وسعيد بن جبير وابن مسعود وقتادة. الثاني: في ضرب الأوتار، قاله ابن عباس ومسافع بن أبي شريح. الثالث: في نعمة، قاله مجاهد. الرابع: في شغل مما يَلقى أهل النار، قاله إسماعيل بن أبي خالد وأبان بن تغلب. وروي بضم الغين وقرىء بتسكينها وفيها وجهان: أحدهما: أن الشغل بالضم المحبوب. الثاني: الشغل بالإسكان يعني المروة، فعلى هذا لا يجوز أن يقرأ بالإسكان في أهل الجنة ولا يقرأ بالضم في أهل النار. {فاكهون} ويقرأ: فكهون، بغير ألف. وفي اختلاف القراءتين وجهان: أحدهما: أنها سواء ومعناهما واحد يقال فاكه وفكه كا يقال حاذر وحذر قاله الفراء. الثاني: أن معناهما في اللغة مختلف فالفكه الذي يتفكه بأعراض الناس. والفاكه ذو الفاكهة، قاله أبو عبيد وأنشد: شعر : فكه إلى جنب الخوان إذا عدت نكْباء تقلع ثابت الأطنابِ تفسير : وفيه ها هنا أربعة تأويلات: أحدها: فرحون، قاله ابن عباس. الثاني: ناعمون، قاله قتادة. الثالث: معجبون، قاله مجاهد. الرابع: ذو فاكهة كما يقال شاحم لاحم أي ذو شحم ولحم، وكما قال الشاعر: شعر : وغررتني وزعمت أنَّك لابنٌ بالصيف تامر تفسير : أي ذو لبن وتمر. قوله عز وجل: {هم وأزواجُهم في ظلال} فيه وجهان: أحدهما: وأزواجهم في الدنيا من وافقهم على إيمانهم. الثاني: أزواجهم اللاتي زوّجهم الله تعالى بهن في الجنة من الحور العين. {في ظِلال} يحتمل وجهين: أحدهما: في ظلال النعيم. الثاني: في ظلال تسترهم من نظر العيون إليهم. قوله عز وجل: {لهم فيها فاكهةٌ ولهُم ما يَدَّعون} فيه أربعة تأويلات: أحدها: ما يشتهون، قاله يحيى بن سلام. الثاني: ما يسألون، قاله ابن زياد. الثالث: ما يتمنون، قاله أبو عبيدة. الرابع: ما يدعونه فيأتيهم، قاله الكلبي قال الزجاج: وهو مأخوذ من الدعاء. ويحتمل خامساً: ما يدّعون أنه لهم فهو لهم لا يدفعون عنه، وهم مصروفون عن دعوى ما لا يستحقون. قوله عز وجل: {سلامٌ قولاً مِن رَبِّ رحيم} فيه وجهان: أحدهما: أنه سلام الله تعالى عليهم إكراماً لهم، قاله محمد بن كعب. الثاني: أنه تبشير الله تعالى لهم بسلامتهم.
ابن عطية
تفسير : هذا إخبار من الله عز وجل عن حال أهل الجنة بعقب ذكر أهوال يوم القيامة وحالة الكفار، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن مسعود وابن عباس ومجاهد والحسن وطلحة وخالد بن إلياس "في شُغْل" بضم الشين وسكون الغين، وقرأ الباقون "في شُغُل" بالضم فيهما وهي قراءة أهل المدينة والكوفة، وقرأ مجاهد وأبو عمرو أيضاً بالفتح فيهما، وقرأ ابن هبيرة على المنبر "في شَغْل" بفتح الشين وسكون الغين وهي كلها بمعنى واحد، واختلف الناس في تعيين هذا الشغل، فقال ابن مسعود وابن عباس وابن المسيب: في افتضاض الأبكار، وحكى النقاش عن ابن عباس سماع الأوتار، وقال مجاهد معناه نعيم قد شغلهم. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو القول الصحيح وتعيين شيء دون شيء لا قياس له، ولما كان النعيم نوعاً واحداً من حيث هو نعيم وحده فقال {في شغل} ولو اختلف لقال في أشغال، وحكى الثعلبي عن طاوس أنه قال: لو علم أهل الجنة عمن شغلوا ما همهم ما شغلوا به، قال الثعلبي: وسئل بعض الحكماء عن قوله عليه السلام "حديث : أكثر أهل الجنة البله" تفسير : فقال: لأنهم شغلوا بالنعيم عن المنعم، وقرأ جمهور الناس "فاكهون" معناه أصحاب فاكهة كما تقول لابن وتامر وشاحم ولاحم، وقرأ أبو رجاء ومجاهد ونافع أيضاً وأبو جعفر "فكهون" ومعناه طربون وفرحون مأخوذ من الفكاهة أي لا همّ لهم، وقرأ طلحة والأعمش وفرقة "فاكهين" جعلت الخبر في الظرف الذي هو قوله {في شغل} ونصب "فاكهين" على الحال، وقوله تعالى: {هم} ابتداء و {أزواجهم} و {في ظلال} خبره ويحتمل أن يكون {هم} بدلاً من قوله {فاكهون} ويكون قوله {في ظلال} في موضع الحال كأنه قال مستظلين، وقرأ جمهور القراء "في ظلال" وهو جمع ظل إذ الجنة لا شمس فيها وإنما هواؤها سجسج كوقت الأسفار قبل طلوع الشمس، ويحتمل قوله {في ظلال} أن يكون جمع ظلة قال أبو علي كبرمة وبرام وغير ذلك، وقال منذر بن سعيد: {ظلال} جمع ظلة بكسر الظاء. قال القاضي أبو محمد: وهي لغة في ظلة، وقرأ حمزة والكسائي "في ظلل" وهي جمع ظلة وهي قراءة طلحة وعبد الله وأبي عبد الرحمن، وهذه عبارة عن الملابس والمراتب من الحجال والستور ونحوها من الأشياء التي تظل، وهي زينة، و {الأرائك} السرر المفروشة، قال بعض الناس: من شروطها أن تكون عليها حجلة وإلا فليست بأريكة، وبذلك قيدها ابن عباس ومجاهد والحسن وعكرمة، وقال بعضهم: الأريكة السرير كان عليه حجلة أو لم يكن، وقوله تعالى: {ولهم ما يدعون} بمنزلة ما يتمنون قال أبو عبيدة: العرب تقول: ادع علي ما شئت بمعنى تمن علي، وتقول: فلان فيما ادعى أي فيما دعى به لأنه افتعل من دعا يدعو وأصل هذا يدتعيون نقلت حركة الياء إلى العين وحذفت الياء لاجتماعها مع الواو الساكنة فصار يدتعون قلبت التاء دالاً فأدغمت الدال فيها وخصت الدال بالبقاء دون التاء لأنها حرف جلد، والتاء حرف همس. قال الرماني: المعنى أن من ادعى شيئاً فهو له لأنهم قد هذبت طباعهم فلا يدعون إلا ما يحسن منهم، وقوله تعالى: {سلام} قيل: هي صفة لما أي مسلم لهم وخالص، وقيل: هو ابتداء، وقيل؛ هو خبر ابتداء، وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب وعيسى الثقفي والغنوي "سلاماً" بالنصب على المصدر، وقرأ محمد بن كعب القرطبي "سلم" وهو بمعنى سلام، و {قولاً} نصب على المصدر وقوله تعالى: {وامتازوا اليوم} الآية فيه حذف تقديره ونقول للكفرة وهذه معادلة لقوله لأصحاب الجنة {سلام}، {وامتازوا} معناه انفصلوا وانحازوا لأن العالم في الموقف إنما هم مختلطون، ثم خاطبهم تعالى لما تميزوا توقيفاً لهم وتوبيخاً على عهده إليهم ومخالفتهم عهده، وقرأ جمهور الناس "أعهَد" بفتح الهاء، وقرأ الهذيل وابن وثاب، "ألمِ إعهَد" بكسر الميم والهمزة وفتح الهاء وهي على لغة من يكسر أول المضارع سوى الياء، وروي عن ابن وثاب "ألم أعهِد" بكسر الهاء، يقال عهد وعهد، وعبادة الشيطان هي طاعته والانقياد لإغوائه، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي "أنُ اعبدون" بضم النون من أن أتبعوا بها ضمة الدال واو الجماعة أيضاً، وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة "وأنِ اعبدون" بكسر النون على أصل الكسر للالتقاء، وقوله تعالى {هذا صراط مستقيم} إشارة إلى الشرائع، فمعنى هذا أن الله تعالى عهد إلى بني آدم وقت إخراج نسلهم من ظهره أن لا يعبدوا الشيطان وأن يعبدوا الله تعالى وقيل لهم هذه الشرائع موجودة وبعث تعالى آدم إلى ذريته ولم تخل الأرض من شريعة إلى ختم الرسالة بمحمد صلى الله عليه وسلم، والصراط الطريق، ويقال إنها دخيلة في كلام العرب وعربتها.
ابن عبد السلام
تفسير : {شُغُلٍ} عما يلقاه أهل النار، أو افتضاض الأبكار، أو الطرب أو النعمة {فَاكِهُونَ} وفكهون واحد كحاذر وحذر، أو الفكه الذي يتفكه بالطعام [أو بأعراض] الناس والفاكه ذو الفاكهة وها هنا فرحون "ع"، أو ناعمون، أو معجبون، أو ذو فاكهة كشاحم [ولاحم ولابن] وتامر.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِى شُغُلٍ} قال ابن عباس وغيره: هو افْتِضَاضُ الأبكار. وقال ابن عباس أيضاً: هو سماع الأوتارِ. وقال مجاهد: معناهُ: نعيمٌ قَدْ شَغَلَهُمْ. قال * ع *: وهذا هو القول الصحيح؛ وتعيينُ شَيْءٍ دونَ شَيْءٍ لا قياسَ له. وقوله سبحانه: {هُمْ وَأَزْوٰجُهُمْ فِى ظِلَـٰلٍ} جاءَ في «صحيح البخاري» وغيره عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَال: «حديث : سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ: إمامٌ عادِلٌ، وَشَابٌ نَشَأَ في عِبَادَةِ رَبِّه، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِالمَسْجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا في اللَّه، اجتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيه، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ؛ فَقَال: إنِّي أخافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ؛ فَأَخْفَاهَا حَتَّىٰ لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَىٰ خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ»تفسير : انتهى. وهذا الظِّلُّ المذكورُ في الحديث؛ هو في المَحْشَرِ. قال الشيخ ابن أبي جَمْرَةَ (رضي اللَّه عنه): وظِلاَلُ الآخِرَةِ، ما فيها مُباحٌ؛ بل كلُّها قد تملكت بالأَعْمَالِ التي عملها العاملون الذين هَدَاهُم اللَّه تعالى؛ فليسَ هناك لصعلوكِ الأَعْمَالِ ظلٌّ، انتهى؛ وهو كما قال، فشَمِّرْ عَنْ سَاقِ الجِدِّ؛ إن أردْتَ الفوز؛ أيُّها الأخُ والسلام. و{ٱلأَرَائِكِ}: السررُ المفروشةُ، قيل: ومِنْ شَرْطِها أنْ تَكُونَ عليها حَجَلَة وإلاَّ فليستْ بأرِيكةٍ؛ وبذلك قيَّدها ابن عَبَّاسٍ وغيره. وقوله: {مَّا يَدَّعُونَ} بمنزلةِ ما يَتَمَنَّوْنَ. قال أبو عُبَيْدَةَ: العربُ تقولُ: ٱدَّعِ عَلَيَّ ما شِئْتَ بمعنى: تَمَنَّ عَلَيَّ. وقوله: {سَلَـٰمٌ} قِيلَ: هي صفةٌ، أي: مُسَلَّمٌ لَهُم، وخالصٌ، وقِيل: هو مبتدأ، وقيل: هو خبرُ مبتدإٍ.
ابن عادل
تفسير : ثم بيّن حال المحسن فقال: { إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} فقوله: "فِي شُغُلٍ" يجوز أن يكون خبراً لـ "إنّ" و "فَاكِهُونَ" خبر ثانٍ وأن يكون "فاكهون" هو الخبر و "فِي شُغُلٍ" يتعلق به، وأن يكون حالاً، وقرأ الكوفيون وابنُ عامر "شُغُلٍ" بضمتين. والباقون بضم سكون. وما لغتان للحجازيين قاله الفراء، ومجاهدٌ وأبو السَّمَّال بفتحتين. ويزيد النحويّ وابنُ هُبَيْرَة بفتح وسكون. وهما (لغتان) أيضاً. والعامة على رفع "فاكهون" على ما تقدم. والأعمشُ وطلحةُ "فاكِهينَ" نصباً على الحال، والجار الخبر. والعامة أيضاً على فاكهين بالألف بمعنى أصحاب فاكهة كلاَبِنٍ وتَامِرٍ ولاَحِمٍ، والحسنُ وأبُو جَعْفَر وأبو حَيْوَة وأبو رجاء وشيبة وقتادة ومجاهد "فكهون" بغير ألف بمعنى طربون فرحون من الفُكَاهَةِ بالضم. وقيل: الفاكِهُ والفكه بمعنى المتلذذ والمتنعم لأن كلاًّ من الفاكهة والفكاهة مما يُتَلَذَّذُ بِهِ ويتنعم كحاذر وحذر، وقرىء "فَكِهِينَ" بالقصر والياء على ما تقدم. وفَكهُونَ بالقصر وضم الكاف، يقال: رجل فَكِه وفكُه كرجل ندِس وندُس وحَذِر وحذُر. فصل اختلفوا في الشغل فقال ابن عباس: في افتضاض الأبكار، وقال وكيع بن الجراح: في السماع. وقال الكلبي: في شغل عن أهل النار وما هم فيه لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم. وقال ابن كيسان: في زيارة بعضهم بعضاً. وقيل: في ضيافةِ الله فاكهون. وقيل: في شغل عن هَوْلِ اليوم بأخذ ما آتاهم الله من الثواب فما عندهم خير من عذاب ولا حساب. وقوله "فَاكِهُونَ" متمّمٌ لبيان سلامتهم فإنه لو قال: في شُغُل جاز أن يقال هم في شغل أعظم من التذكر في اليوم وأهواله فإن من يصيبه فتنة عظيمة ثم يعرض عليه أمر من أموره أو يخبر بخُسْران وقع في ماله يقول أنا مشغول عن هذا بأهمَّ منه فقال: فاكهونَ أي شغلوا عنه باللّذة والسُّرُور لا بالوَيْلِ والثُّبُور. وقال ابن عباس: فاكهون فَرِحُونَ. قوله: "هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ" يجوز في "هم" أن يكون تأكيداً للضمير المستكنِّ في: "فَاكِهُونَ" و "أَزْوَاجُهُمْ" عطف على المستكن، ويجوز أن يكون تأكيداً للضمير المستكنِّ في "شُغُل" إذا جعلناه خبراً و"أزواجهم" عطف عليه (مستكن ويجوز أن أيضاً). كذا ذكره أبو حيان. وفيه نظر من حيثُ الفصلُ بين المؤكد والمؤكد بخير "أن"، ونظيره أن نقول: "إنَّ زَيْداً فِي الدَّارِ قَائمٌ هُو وعَمْرو" على أن يجعل "هو" تأكيداً للضمير في قولك: "في الدار"، وعلى هذين الوجهين يكون قوله: "مُتَّكِئُونَ" خبراً آخر لـ "إنّ" و "فِي ظِلاَلِ" متعلق به أو حال، و"عَلَى الأَرَائِكِ" متعلق به، ويجوز أن يكون "هم" مبتدأ ومتكئون خبره والجاران على ما تقدم، وجوز أبو البقاء أن يكون "فِي ظِلاَلٍ" هو الخبر قال "وعلى الأرائك" مستأنف. وهي عبارة موهمة غير الصواب ويرد بذلك أن "مُتَّكِئُونَ" خبر مبتدأ مضمر و "على الأرائك" متعلق به، فهذا وجه استئنافه لا أنه خبر مقدم و "متكئون" مبتدأ مؤخر إذا لا معنى له. وقرأ عبد الله "مُتَّكِئِينَ" نصباً على الحال. وقرأ الأخوان "في ظُلَلٍ" بضم الظاء والقصر. وهو جمع ظُلَّة نحو غُرْفَةٍ وغُرَفٍ، وحُلَّةٍ وحُلَلِ. وهي عبارة عن الفرش والستور والباقون بكسر الظاء والألف جمع ظُلَّةٍ أيضاً كحلَّةٍ وحِلاَل وبُرْمة وَبِرام أو جمع "فِعْلَةٍ" بالكسر إذ يقال: ظُلَّةٌ وظِلَّةٌ بالضم والكسر، كلُقْحَةٍ ولِقَاحٍ إلاَّ أن فِعَالاً لا ينقاس فيها أو جمع "فِعْل" نحو: ذِئْب وذِئَاب ورِيحٍ ورِيَاحٍ. فصل الأَرَائِكُ هي السرر في الحِجال واحدها أَريكة. قال ثعلب: لا تكون أريكة (جمع) حتى يكون عَلَيْها حجْلة. "متكئون" ذَوْ(و) اتّكَاء. وهو إشارة إلى الفراغ. وقوله "هُمْ وأَزْوَاجُهُمْ" إشارة إلى عدم الوحشة {لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ} إشارة إلى دفع جميع جوائجهم. وقوله: {لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ} إشارة إلى أن لا جوع هناك لأن التفكه لا يكون لدفع ألم الجوع. قوله: {وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ} في "ما" هذه ثلاثة أوجه: موصولة اسمية (أو) نكرة موصوفة والعائد على هذين محذوف (أو) مصدرية. و"يَدَّعُونَ" مضارع ادَّعى افْتَعَلَ من دَعَا يَدْعُو؛ وأُشْربَ التمني. قال أبو عبيدة: العرب تقول: "ادَّع عليَّ ما شِئْتَ" أي تَمَنَّ، و"فُلاَنٌ في خَيْر مَا يَدَّعِي" أي ما يتمنى، وقال الزجاج: هو من الدعاء أي ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم، من: دَعوتُ غلاميَ. فيكون الافتعال بمعنى الفعل كالاحتمال بمعنى الحمل والارتحال بمعنى الرحل. وقيل: افتعل بمعنى تفاعل أي ما يتداعونه كقولهم: ارْتَمَوْا وَتَرَاموا، و"ما" مبتدأ وفي خبرها وجهان: أظهرهما: أنه الجار قبلها. والثاني: أنه "سَلاَم" أي مسلم خالص أو ذو سَلاَمةٍ. قوله: "سَلاَمٌ" العامة على رفعه وفيه أوجه: أحدها: ما تقدم من كونه خبر "مَا يَدَّعُونَ". الثاني: أنه بدل منها. قاله الزمخشري. قال أبو حيان: وإذا كان بدلاً كان "مَا يَدَّعُونَ" خصوصاً والظاهر أنه عموم في كل ما يدعونه وإذا كان عموماً لم يكن بدلاً منه. الثالث: أنه صفةٍ "لِمَا" وهذا إذا جعلتها نكرة موصوفة. أما إذا جعلتها بمعنى الذي أو مصدرية تعذر ذلك لتخالفهما تعريفاً وتنكيراً. الرابع: أنه خبر مبتدأ مضمير أي هو سلام. الخامس: أنه مبتدأ خبره الناصب لـِ (ـقوله) "قَوْلاً" أي سَلامَ يُقَالُ لَهُمْ قَوْلاً. وقيل: تقديره سَلاَمٌ عليكم. السادس: أنه مبتدأ وخبره "مِنْ ربّ". و "قَوْلاً" مصدر مؤكد لمضمون الجملة وهو مع عامله معترض بين المبتدأ والخبر، وقرأ أبيّ وعبدُ الله وعيسى سَلاَماً بالنصب. وفيه وجهان: أحدهما: أنه حال، قال الزمخشري: أي لهم مرادهم خالصاً. والثاني: أنه مصدر (أي) يُسَلمُونَ سَلاَماً إما من التحية وإما من السلامة. و "قَوْلاً" إما مصدر مؤكد، وإما منصوب على الاختصاص. قال الزمخشري: وهو الأوجه و"منْ رَبِّ" إما صفة لـ "قَوْلاً" وإما خبر "سلام" كما تقدم. وقرأ القُرَظِيُّ "سِلْمٌ" بالكسر السكون، وتقدم الفرق بينهما في البقرة. فصل إذا قيل: بأن سلام بدل مِنْ "مَا يَدَّعُونَ" فكأنه تعالى قال لهم ما يدعون ونبَّه ببدله فقال: لهم سلام فيكون مبتدأ وخبره الجار والمجررو كما يقال: "فِي الدَّارِ رَجُلٌ ولِزَيْدٍ مَالٌ" وإن كان في النحو ليس كذلك بل هو بدل وبدل النكرة م المعرفة جائز، فتكون "ما" بمعنى الذي معرفة، وسلام نكرة. ويحتمل على هذا أن يقال: "ما" في قوله تعالى: {مَّا يَدَّعُونَ} لا موصوفة ولا موصولة بل هي نكرة تقديره لهم شَيْءٌ يَدَّعُونَ، ثم بين بذكر البدل فقال: "سَلاَم". والأول أصحّ. وإن قيل: سلام خبر "ما" و "لهم" لبيان الجهة فتقديره ما يدعون سلام لهم أي خالص لهم. والسَّلاَمُ بمعنى السالم والسليم، يقال: عَبْدٌ سَلاَم أي سليمٌ من العيوب كما يقال: لِزَيْدٍ الشَّرَفُ متوفر فالجَارّ والمجرور يكون لبيان من له ذلك، "والشرف" هو المبتدأ "ومتوفر" خبره، وإن قيل: "سلام" منقطع عما قبله وهو مبتدأ وخبره محذوف فتقديره: سَلاَمٌ عَلَيْهِمْ ويكون ذلك إخباراً من الله تعالى في يومنا هذا كأنه تعالى حكى لنا وقال: إنَّ أصحاب الجنة في شغل، ثُمَّ لمَّا بين كمال حالهم قال: سلام عليهم كقوله تعالى: {أية : سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ} تفسير : [الصافات:79] و {أية : وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الصافات:181] فيكون الله تعالى أحسن إلى عباده المؤمنين كما أحسن إلى عباده المرسلين. أو يقال تقديره: سلام عليكم ويكون التفاتاً حيث قال لهم كذا وكذا، ثم قال: {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} تفسير : [الأنعام:54] فصل إذا قيلَ: إنَّ "قَوْلاً" منصوب على المصدر فتقديره على قولنا إن المراد لهم سلام هو أن يقال لهم سَلاَم يَقُولُهُ اللَّهُ قَوْلاً. أو تقول الملائكة قَوْلاً، وعلى قولنا ما يدعون سلام لهم فتقديره قال الله ذلك قولاً ووعدهم أن لهم ما يدعون سلامٌ وعداً، وعلى قولنا: سلام عليهم فتقديره أقُولُهُ قَوْلاً، وقوله {مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} يكون لبيان (أن) السلام منه أي سلام عليهم من رب رحيم أقوله قولاً، ويحتمل أن يقال على هذا بأنه تمييز؛ لأن السلام قد يكون قولاً وقد يكون فِعلاً فإن من يدخل على الملك يطأطىءُ رأسه يقال: سلمت على الملك فهو حينئذ كقول القائل: موجودة حُكْماً لا حِسًّا. فصل روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : بَيْنَا أَهْلُ الجَنَّةِ في نَعِيمِهمْ إذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ فَرَفَعُوا رُؤوسَهُمْ فَإذَا الرَّبُّ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوقهِمْ فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الجَنَّةِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَلاَ يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِن النَّعِيم مَا دَامُوا يَنْظُرُون إليْهِ حَتَّى يَحْتَجب عَنْهُمْ فَيَبْقَى نُورُهُ وبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ في دِيارهِمْ" تفسير : . وقيل: تسلم عليهم الملائكة من ربهم كقوله: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم} تفسير : [الرعد: 23-24] أي يقولون سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم، وقيل: يعطيهم السلامة. قوله: "وامتازوا" على إضمار قول مقابل لما قيل للمؤمنين أي ويقال للمجرمين امتازوا أي انعزلوا من مَازَهُ يَمِيزُهُ. قال المفسرون: إن المجرم يرى منزلة المؤمن ورفعته (ويرى ذِلّة نفسه) فيتحسر فيقال: امتازوا اليوم. وقيل: المعنى ادخلوا مساكنكم من النار، وقال أبو العالية تميزوا، وقال السدي: كونوا على حِدَة. وقال الزجاج: انفردوا عن المؤمنين والمجرم هو الذي يأتي بالجريمة. وقيل إن قوله وامتازوا أمر تكوين فحين يقول فيميزون بسيماهم ويظهر على جباههم أو في وجوههم سواد كما قال تعالى: {أية : يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} تفسير : [الرحمن:41].
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون} قال: يعجبون. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون} قال: شغلهم النعيم عما فيه أهل النار من العذاب. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {في شغل فاكهون} قال: في افتضاض الأبكار. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون} قال: شغلهم افتضاض العذارى. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وقتادة، مثله. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن المؤمن كلما أراد زوجة وجدها عذراء. وأخرج البزار والطبراني في الصغير وأبو الشيخ في العظمة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عادوا أبكاراً ". تفسير : وأخرج المقدسي في صفة الجنة عن أبي هريرة رضي الله عنه حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه سئل أنطؤ في الجنة؟ قال: نعم. والذي نفسي بيده دحماً دحماً، فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكراً ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {في شغل فاكهون} قال: ضرب الأوتار قال أبو حاتم: هذا خطأ من السمع إنما هو افتضاض الأبكار. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وأزواجهم} قال: حلائلهم.
السلمي
تفسير : قال طاوس: لو علموا عن من شغلوا ما هناهم ما اشتغلوا به. قال ابن عطاء: شغلهم فى الجنة استصلاح أنفسهم لميقات المشاهدة وهذا من أعظم الاشتغال. قال الجنيد - رحمة الله عليه -: أحيا أقوامًا بالراحة فى مقعد صدق عند مليك مقتدر فهم متقلبون فى الراحة واللقاء والرضوان والمشاهدة ثم منّ عليهم بزيادة منه فقال: {إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} حظوظ الأنفس عن هذا المعدن وهذا المشهد وسئل بعض المشايخ عن قول النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : أكثر أهل الجنة البله"تفسير : . قال: لأنهم فى شغل فاكهون شغلهم النعيم عن المنعم. وسئل بعضهم أيضًا عن ذلك فقال: مَنْ رضى من الله بالجنة فهو أبله. قال القاسم فى قوله: {إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} قال: أهل الجنة فى درجاتهم على تفاوت ظاهر ومعانٍ مختلفة فمنهم من هو مربوط بشهوة بطنه وفرجه ومنهم من هو مربوط برؤية الصفات والنعوت ومنهم من ظهر له من فضل الحق ومننه فهو يقول: الحمد لله الذى أحلنا دار المقامة من فضله ومنهم من هو مربوط بحقيقة حقه مغيب عن ظاهره وحكمه مستتر فيما لم يزل مستترًا فيه من تقديره وتصريفه واختياره ومنهم من هو فى مقعد صدق عند مليك مقتدر. قال الحسين: إن الحق قطع أهل الجنة بتجليه عن الالتذاذ بالجنة لأنه أفناهم بتجليه عنها لئلا تدوم بهم اللذة فيقع بهم الملك فرجوعهم إلى إياهم بعد تجلى الحق لهم يوفر اللذة عليهم والخلق لا يلتذ به.
القشيري
تفسير : إنما يضافُ العبدُ إلى ما كان الغالبَ عليه ذِكْرُه بمجامع قلبِه، فصاحبُ الدنيا مَنْ في أسْرِها، وأصحابُ الجنة مَنْ هم طُلاّبُها والساعون لها والعاملون لِنَيْلِها؛ قال تعالى مخبراً عن أقوالهم وأحوالهم: {أية : لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ}تفسير : [الصافات: 61]. وهذه الأحوال - وإن جَلَّتْ منهم ولهم - فهي بالإضافة إلى أحوال السادة والأكابر تتقاصر، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أكثر أهل الجنة البُلْه" تفسير : ومَنْ كان في الدنيا عن الدنيا حُرَّاً فلا يبعد أن يكون في الجنة عن الجنة حراً، والله يختص برحمته من يشاء. وقيل إنما يقول هذا الخطاب لأقوام فارغين، فيقول لهم: {إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} وهم أهل الحضرة والدنو، لا تشغلهم الجنة عن أُنس القربة، وراحات الوصلة، والفراغ للرؤية. ويقال: لو عَلِمُوا عمَّن شُغِلُوا لَمَا تَهنَّأوا بما شُغِلُوا. ويقال بل إنما يقول لأهل الجنة: {إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ} كأنه يخاطبهم مخاطبة المُعاينة إجلالاً لهم كما يقال: الشيخ يفعل كذا، ويُرَادُ به: أنت تفعل كذا. ويقال: إنما يقول هذا لأقوام في العرصة أصحاب ذنوب لم يدخلوا النار، ولم يدخلوا الجنة بَعْدُ لِعِصْيانِهِم؛ فيقول الحق: عبدي.. أهلُ النار لا يتفرغون إليك لأهوالهم، وما هم فيه من صعوبة أحوالهم، وأهل الجنة وأصحابها اليومَ في شُغْلٍ عنك لأنهم في لذَّاتهم، وما وجدوا من أفضالهم مع أهلهم وأشكالهم؛ فليس لك اليوم إلا نحن! وقيل شغلهم تأهبهم لرؤية مولاهم، وذلك من أتم الأشغال، وهي أشغالٌ مؤنِسَةٌ مريحةٌ لا مُتْعِبَةٌ موحِشَةٌ. ويقال: الحقُّ لا يتعلَّق به حقُّ ولا باطل؛ فلا تَنَافِيَ بين اشتغالهم بأبدانهم مع أهلهم، وشهودهم مولاهم، كما أنهم اليومَ مشغولون مستديمون لمعرفته بأي حالةٍ هم، ولا يَقْدَحُ اشتغالهم - باستيفاء حُظُوظِهم - في معارفهم. ويقال شَغَلَ نفوسهم بشهواتها حتى يخلص الشهود لأسرارهم على غيبةٍ من إحساس النَّفْس الذي هو أصعب الرُّقباء، ولا شيء أعلى من رؤية الحبيب مع فَقْدِ الرقيب.
البقلي
تفسير : اذا دخل اهل الجنة فى الجنة وتنعموا بها يكشف الله جماله لهم بالبديهة فيكونون فى شغل من المشاهدة عن نعيم الجنة ناظرون الى الحق بالحق ويفرحون بما نالوا من جماله وجلاله قال ابن عطا شغلهم فى الجنة استصلاح انفسهم لميقات المشاهدة وهذا من اعظم الاشتغال وقال الجنيد احيا اقواما بالراحة فى مقعد صدق عند مليك مقتدر فهم متقلبون فى الراحة واللقاء والرضوان والمشاهدة ثم من عليهم بزيادة منه فقال ان اصحاب الجنة اليوم فى شغل شغلهم حظوظ الا نفس عن هذا المعدن وهذا المشهد وسئل البعض المشائخ عن قول النبى صلى الله عليه وسلم اكثر اهل الجنة البله قال لانهم فى شغل فاكهون شغلهم النعيم عن المنعم وقال الحسين ان الحق قطع اهل الجنة بتجليه عن الالتذاذ بالجنة لانه اقتاهم بتجليه عنها لئلا تدوم بهم اللذة فيقع بهم الملك فرجوعهم الى أياهم بعد تجلى الحق لهم يوفر اللذة عليهم والحق لا يلتذ به.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان اصحاب الجنة} الخ من جملة ما سيقال لهم يومئذ زيادة لحسرتهم وندامتهم فان الاخبار بحسن حال اعدائهم اثر بيان سوء حالهم مما يزيدهم مساءة على مساءة {اليوم} اى يوم القيامة مستقرون {فى شغل}. قال فى المفردات الشغل بضم الغين وسكونها العارض الذى يذهل الانسان. وفى الارشاد والشغل هو الشان الذى يصدر المرء ويشغله عما سواه من شؤونه لكونه اهم عنده من الكل اما الايجابه كمال المسرة والبهجة او كمال المساءة والغم والمراد هنا هو الاول والتنوين للتفخيم اى فى شغل عظيم الشان {فاكهون} خبر آخر لان من الفكاهة بفتح الفاء وهى طيب العيش والنشاط بالتنعم واما الفكاهة بالضم فالمزاج والشطارة اى حديث ذوى الانس ومنه قول على رضى الله عنه لا بأس بفكاهة يخرج بها الانسان من حد العبوس والمعنى متنعمون بنعيم مقيم فائزون بملك كبير. ويجوز ان يكون فاكهون هو الخبر وفى شغل متعلق به ظرف لغوله اى متلذذون فى شغل فشغلهم شغل التلذذ لا شغل فيه تعب كشغل اهل الدنيا. والتعبير عن حالهم هذه بالجملة الاسمية قبل تحققها تنزيل للمترقب المتوقع منزلة الواقع للايذان بغاية سرعة تحققها ووقوعها ولزيادة مساءة المخاطبين بذلك وهم الكفار ثم ان الشغل فسر على وجوه بحسب اقتضاء مقام البيان ذلك. منها افتضاض الابكار وفى الحديث "حديث : ان الرجل ليعطى قوة مائة رجل فى الاكل والشرب والجماع" تفسير : فقال رجل من اهل الكتاب ان الذى يأكل ويشرب يكون له الحاجة فقال عليه السلام "حديث : يفيض من جسد احدهم عرق مثل المسك الاذفر فيضمر بذلك بطنه" تفسير : وفى الحديث "حديث : ان احدهم ليفتض فى الغداة الواحدة مائة عذراء" تفسير : قال عكرمة فتكون الشهوة فى اخراهن كالشهوة فى اولاهن وكلما افتضها رجعت على حالها عذراء ولا تجد وجع الافتضاض اصلا كما فى الدنيا وجاء رجل فقال يا رسول الله أنفضى الى نسائنا فى الجنة كما نفضى اليهن فى الدنيا قال "حديث : والذى نفسى بيده ان المؤمن ليفضى فى اليوم الواحد الى الف عذراء" تفسير : [عبد الله بن وهب كفت كه در جنت غرفه ايست كه ويرا عاليه كفته مى شود دروى حوريست ويرا غنجه كفته مى شود هر كاه كه دوست خداى بوى آيد آيد بوى جبرائيل اذن دهد ويرا بس برخيزد براطرافش باوى جهار هزار كنيزك باشد كه جمع كنند دامنهاى وى وكيسوهاى ويرا بخور كنند از براى وى بمجمر هاى بى آتس. كفته امد در صحبت بهشتيان منى ومذى وفضولات نباشد جنانكه دردنيا بلى لذت صحبت آن باشدكه زير هر تار موى يك قطره عرق بيايدكه رنكش رنك عرق بود وبويس بوى مشك]. وفى الفتوحات المكية ولذة الجماع هناك تضاعف على لذة الجماع اهل الدنيا اضعافا مضاعفة فيجد كل من الرجل والمرأة لذة لا يقدر قدرها لو وجداها فى الدنيا غشى عليهما من شدة حلاوتها لكن تلك اللذة انما تكون بخروج ريح اذ لا منى هناك كالدنيا كما صرحت به الاحاديث فيخرج من كل من الزوجين ريح كرائحة المسك وليس لاهل الجنة ادبار مطلقا لان الدبر انما خلق فى الدنيا مخرجا للغائط ولا غائط هناك ولولا ان ذكر الرجل او فرج المرأة يحتاج اليه فى جماعهم لما كان وجد فى الجنة فرج لعدم البول فيها ونعيم اهل الجنة مطلق والراحة فيها مطلقة الاراحة النوم فليس عندهم من نعيم راحته شئ لانهم لا ينامون ولا يعرف شئ الا بصده. ومنها سماع الاصوات الطيبة والنغمات اللذيذة [جون بنده مؤمن دربهست آرزوى سماع]. كند رب العزت اسرافيل را بفرستد تابر جانب راست وى بايستد وقرآن خواندن كيرد داود برجب بايستد زبور خواندن كيرد بندد سماع همى كند تاوقت وى خوش كردد وجان وى در شهود جانان مستغرق رب العزت در آن دم برده جلال بردارد ديدار بنمايد بنده بجام شراب طهور بنوازد طه ويس خواندن كيرد جان بنده آنكه بحقيقت در سماع آيد]. ثم انه ليس فى الجنة سماع المزامير والاوتار بل سماع القرآن وسماع اصوات الابكار المغنية والاوراق والاشجار ونحو ذلك كما سبق بعض ما يتعلق بهذا المقام فى اوائل سورة الروم واواخر الفرقان. قال بعض العلماء السماع محرك القلب مهيج لما هو الغالب عليه فان كان الغالب عليه الشهوة والهوى كان حراما والا فلا. قال بعض الكبار اذا كان الذكر بنغمة لذيذة فله فى النفس اثر كما للصورة الحسنة فى النظر ولكن السماع لا يتقيد بالنغمات المعروفة فى العرف اذ فى ذلك الجهل الصرف فان الكون كله سماع عند صاحب الاستماع فالمنتهى غنى عن تغنى اهل العرف فان محركه فى باطنه وسماعه لا يحتاج الى الامر العارض الخارج المقيد الزائد. ومنها التزاور: يعنى [شغل ايشان دربهشت ريارت يكديكرست اين بزيارت آن ميرود وآن بزيارت اين مى آيد وقتى بيعمبران بزيارت صديقان واوليا وعلما روند وقتى صديقان واوليا وعلما بزيارت بيغمبران روند وقتى همه بهم جمع شوند بزيارت دركاه عزت وحضرت الهيت روند] وفى الحديث "حديث : ان اهل الجنة يزورون ربهم فى كل يوم جمعة فى رحال الكافور واقربهم منه مجلسا اسرعهم اليه يوم الجمعة وابكرهم غدوا " تفسير : قال بعض الكبار ان اهل النار يتزاورون لكن على حالة مخصوصة وهى ان لا يتزاور الا اهل كل طبقة مع اهل طبقته كالمحرور يزور المحرورين والمقرور يزور المقرورين فلا يزور المقرور محرورا وعكسه بخلاف اهل الجنة للاطلاق والسراح الذى لاهلها المشاكل للنعيم ضدما لاهل النار من الضيق والتقييد ومنها ضيافة الله تعالى [خدايرا عز وجل دو ضيافت است مر بندكانرا يكى اندر ربض بهشت بيرون بهشت ويكى اندر بهشت ولكن آن ضيافت كه در بهشت است متكرر ميشود جنانكه] رؤيت وما ظنك بشغل من سعد بضيافة الله والنظر الى وجهه وفى الحديث "حديث : اذا نظروا الى الله نسوا نعيم الجنة " تفسير : ومنها شغلهم عما فيه اهل النار على الاطلاق وشغلهم عن اهاليهم فى النار لا يهمهم ولا يبالون بهم ولا يذكرونهم كيلا يدخل عليهم تنغيص فى نعيمهم: يعنى [بهشتيانرا جندان ناز ونعيم بودكه ايشانرا برواى اهل دوزخ نبود نه خبرايشان برسند نه برواى ايشان دارندكه نام ايشان بريد] وذلك لان الله تعالى ينسيهم يخرجهم من خاطرهم اذ لو خطر ذكرهم بالبال تنغص عيش الوقت [وكفته اند شغل بهشتيان ده جيزاست ملكى كه درو عزل نه. جوانى كه با اوبيرى نه. صحتى بردوام كه با او بيمارى نه. عزى بيوسته كه با او ذل نه. راحتى كه با او شدت نه. نعمتى كه با او محنت نه بقايى كه با او فنان نه. حياتى كه با او مرك نه. رضايى كه با او سخط نه. انسى كه ما او وحشت نه] والظاهر ان المراد بالشغل ما هم فيه من فنون الملاذ التى تلهيهم عما عداهم الكلية أى شغل كان. وفى الآية اشارة الى ان اهل النار لانعم لهم من الطعام والشراب والنكاح وغيرها لان النعيم من تجلى الصفات الجمالية وهم ليسوا من اهله لان حالهم القهر والجلال غير ان بعض الكبار قال اما اهل النار فينامون فى اوقات ببركة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وذلك هو القدر الذى ينالهم من النعيم فنسأل الله العافية انتهى وهذا كلام من طريق الكشف وليس ببعيد اذ قد ثبت فى تذكرة القرطبى ان بعض العصاة ينامون فى النار الى وقت خروجهم منها ويكون عذابهم نفس دخولهم فى النار فانه عار عظيم وذل كبير ألا يرى ان من حبس فى السجن كان هو عذابا له بالنسبة الى مرتبته وان لم يعذب بالضرب والقيد ونحوهما ثم انا نقول والعلم عند الله تعالى. [ودر بحر الحقائق كويد مراد از اصحاب جنت طالبان بهشت اندكه مقصد ايشان نعيم جنات بوح حق سبحانه وتعالى ايشانرا بتنعم مشغول كرداند وآن حال اكرجه نسبت بادوزخيان ازجلائل احوال است نسبت باطالبان حق بغايت فرو مى نمايد واينجا سر "اكثر اهل الجنة البله" بى توان برد]. وعن بعض ارباب النظر انه كان واقفا على باب الجامع يوم الجمعة والخلق قد فرغوا من الصلاة وهم يخرجون من الجامع قال هؤلاء حشو الجنة وللمجالسة اقوام آخرون. وقد قرئ عند الشبلى رحمه الله قوله تعالى {ان اصحاب الجنة} الخ فشهق شهقة وغاب فلما افاق قال مساكين لو علموا انهم عما شغلوا لهلكوا: يعنى [بيجاركان اكرد انندكه از كه مشغول شده اند فى الحال درورطه هلاك مى افتند. ودر كشف الاسرار از شيخ الاسلام الانصارى نقل ميكند كه مشغول نعمت بهشت ازان عامه مؤمنانست اما مقربان حضرت از مطالعه شهود وملاحظة نور وجود يك لحظه بانعيم بهشت نبردازند] قال على رضى الله عنه لو حجبت عنه ساعة لمت شعر : روزيكه مرا وصل تودر جنك آيد از حال بهشتيان مرا ننك آيد وربى تو بصحراى بهشتم خوانند صحراى بهشت بر دلم تنك آيد تفسير : وفى التأويلات النجمية ان لله تعالى عبادا استخصهم للتخلق باخلاقه فى سر قوله "حديث : كنت سمعه وبصره فبى يسمع وبى يبصر" تفسير : فلا يشغلهم شأن اشتغالهم بابدانهم مع اهلهم عن شأن شهود مولاهم فى الجنة كما انهم اليوم مستديمون لمعرفته بأى حال من حالاتهم ولا يقدح اشتغالهم باستيفاء حظوظهم من معارفهم. فعلى العاقل ان يكون فى شغل الطاعات والعبادات لكن لا يحتجب به عن المكاشفات والمعاينات فيكون له شغلان شغل الظاهر وهو من ظاهر الجنة وشغل الباطن وهو من باطنها فمن طلبه تعالى لم يضره ان يطلب منه لان عدم الطلب مكابرة له فى ربوبيته ومن طلب منه فقط لم ينل لقاءه. قال يحيى بن معاذ رضى الله عنه رأيت رب العزة فى منامى فقال لى يا معاذ كل الناس يطلبون منى الا ابا يزيد فانه يطلبنى. واعلم ان كل مطلوب يوجد فى الآخرة فهو ثمرة بذر طلبه فى الدنيا سواء تعلق بالجنة او بالحق كما قال عليه السلام "حديث : يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه "
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "سلام": بدل من "ما" أو: خبر عن مضمر، أو: مبتدأ حُذف خبره، أي: من ذلك سلام، وهو أظهر؛ ليكون عاماً، أي: ولهم كل ما يتمنون، كقوله: {أية : وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ}تفسير : [فصلت: 31] ومن جملة ذلك: {سلام قولاً من رب رحيم} فيوقف على "ما يدَّعون". و "قولاً": منصوب على المصدر المحذوف، أي: يقال لهم "قولاً"، وقيل: على الاختصاص. يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ أَصحابَ الجنةِ اليومَ في شُغلٍ} ـ بضم الغين وسكونها ـ أي: في شغل لا يوصف؛ لِعظم بهجته وجماله. فالتنكير للتعظيم، وهو افتضاض الأبكار، على شط الأنهار، تحت الأشجار، أو سماع الأوتار في ضيافة الجبار. وعن أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهما قيل: يا رسول الله أَنُفْضِي إلى نسائنا في الجنة، كما نُفضي إليهن في الدنيا؟ قال: "حديث : نعم، والذي نفس محمد بيده إن الرجل ليُفضي في الغداة الواحدة إلى مائة عذراء" تفسير : وعن أبي أمامة: "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يتناكح أهل الجنة؟ فقال: نعم، بِذَكَرٍ لا يمَلُّ، وشهوة لا تنقطع، دحْماً دحْماً" تفسير : .قال في القاموس: دحمه ـ كمنعه: دفعُه شديداً. وعن أبي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عادوا أبكاراً"تفسير : ، وفي رواية أبي الدرداء: "حديث : ليس في الجنة مَنِّي"تفسير : .وفي رواية: "حديث : بول أهل الجنة عرق يسيل تحت أقدامهم مِسكاً" تفسير : وعن إبراهيم النخعي: جماع ما شئت، ولا ولد. هـ. فإذا اشتهى الولد كان بلا وجع، فقد روى الحاكم والبيهقي عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : إن الرجل من أهل الجنة ليولد له الولد، كما يشتهي، فيكون حمله وفصاله وشبابه في ساعة واحدة"تفسير : . انظر البدور السافرة. قلت: والتحقيق أن شغل أهل الجنة مختلف، فمنهم مَن هو مشتغل بنعيم الأشباح، من حور، وولدان، وأطعمة، وأشربة، على ما يشتهي، ومنهم مَن هو مشتغل بنعيم الأرواح، كالنظر لوجه الله العظيم، ومشاهدة الحبيب، ومناجاة، ومكالمات، ومكاشفات، وترقيات في معاريج الأسرار كل ساعة. ومنهم مَن يُجمع له بين النعيمين، وسيأتي في الإشارة. وقوله تعالى: {فَاكِهُون} أي: متلذذون في النعمة، والفاكه والفكه: المتنعم، ومنه: الفكاهة؛ لأنه مما يتلذّذ به، وكذا الفاكهة. ثم قال تعالى: {هُمْ وأَزواجُهم في ظِلالٍ} جمع ظِل، وهو: الموضع الذي لا تقع عليه الشمس. وفي قراءة "ظُلَل" بالضم، جمع ظُلة، كبُرمة وبرام، وهو ما يسترك عن الشمس، وظل أهل الجنة لا تنسخه شمس، قال تعالى: {أية : وَظِلًٍّ مَّمْدُودٍ} تفسير : [الواقعة: 30] {عَلَى الأَرَآئِكِ}: جمع أريكة، وهي السرير في الحَجَلة. فالأرائك: السرر المفروشة، بشرط أن تكون عليها الحَجلة، وإلا فليست بأريكة، والحَجَلة: ما يستر السرير من ثوب الحرير. وهم {متكئون} عليها كالملوك على الأسرّة. {لهم فيها فاكهة} كثيرة مما يشتهون. {ولهم ما يَدَّعُون} أي: كل ما يَدعونه يأتيهم فوراً، فوزنه: يفتعلون، من الدعاء، أو: ما يتمنون من نعيم الأشباح والأرواح، من قولهم: ادَّع عليّ ما شئت، أي: تمنّه. وقال الفراء: هو من الدعوى، ولا يدّعون إلا ما يستَحقون. {سلام قولاً من ربٍّ رحيم} أي: من أهم ما يدعون: سلام يقال لهم قولاً من رب رحيم، بلا واسطة؛ مبالغة في تعظيمهم، وذلك غاية متمناهم، مضافاً لرؤيته، ومن مقتضى الرحمة: الإبقاء عليهم مع ذلك. قال القشيري: يسمعون كلامه وسلامَه بلا واسطة، وأكَّد بقوله: {قولاً}. وبقوله: {من ربٍّ رحيم} ليُعلم أنه ليس على لسان سفير، والرحمة في تلك الحالة أن يرزقهم الرؤية في حال التسليم عليهم، ليكمل لهم النعمة هـ. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : بينا أهل الجنة في نعيمهم، إذْ سطع لهم نورٌ، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الربُّ قد أشرف عليهم من فوقهم، فيقول: السلام عليكم يا أهل الجنة، فينظر إليهم، وينظرون إليه ". تفسير : ثم ذكر أهل البُعد والحجاب، فقال: {وامتازوا اليومَ أيها المجرمون} أي: انفردوا عن المؤمنين وكونوا على حِدة، وذلك حين يُحشر المؤمنون، ويُساق بهم إلى الجنة. وقال قتادة: عزلوا عن كل خير. وعن الضحاك: لكل كافر بيت من النار، يكون فيه، لا يَرى ولا يُرى أبداً. هـ. الإشارة: إِنَّ أصحاب الجنة المعجَّلة لأوليائه، اليوم، في شُغُل كبير، لا تجدهم إلا مشتغلين بالله، بين شهود واستبصار، وتفكُّر واعتبار، في محل المشاهدة والمكالمة، والمناجاة والمساررة، أوقاتهم محفوظة، وحركاتهم وسكناتهم بالإخلاص ملحوظة، فهم في شغل شاغل عن الدنيا وأهلها، هم ومَن تعلّق بهم في ظلال الرضا، وبرد التسليم يرتادون، وفي مشاهدة وجه الحبيب يتنعّمون. قال القشيري: إن أصحاب الجنة اليوم، أي: طلابها، والساعون لها، والعاملون لنيلها، ولمثل ذلك فليعمل العاملون، فهم في الدنيا في طلب الجنة عن المنعِم بها، كما جاء في الحديث: "حديث : أكثر أهل الجنة البُلْه"تفسير : ، ومَن كان في الدنيا عن الدنيا حُرًّا، فلا يبعد أن يكون في الجنة عن الجنة حُرًّا، "يختص برحمته من يشاء" ـ قلت: فالبله هم أهل الحجاب، الذين يعبدون الله لطلب الجزاء، ويقنعون بالنعيم الحسي ـ ثم قال: ويقال: الحقُّ تعالى لا يتعلَّق به حقٌّ ولا باطل، فلا تَنَافِيَ بين اشتغالهم بلذاتهم مع أهليهم، وبين شهودهم مولاهم، كما أنهم اليوم مستديمون لمعرفته، بأي حالةٍ كانت. ولا يَقْدَحُ اشتغالهم باستيفاء حُظُوظِهم، في معارفهم. هـ. مختصراً. قلت: وما في سورة الواقعة، من ذكر نعيم السابقين، يدلّ على أنهم يجتمع لهم نعيم الحُور والولدان، مع نعيم العيان والرضوان؛ لأنهم في الدنيا جمعوا بين القيام بوظائف الشريعة، ومعاينة أسرار الحقيقة. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: {سلام قولاً من ربٍّ رحيم} قال ابن عطاء: السلام جليل عظيم الخطر، وأجّله خطراً ما كان وقت المشاهدة والمصافحة، حين يقول: سلام قولاً من رب رحيم. قال القشيري: الرحمة في ذلك الوقت أن يُبقهم في حال سماع السلام، أو حال اللقاء، لئلا تصحبهم دهشة، ولا تلحقهم حيرة. هـ. وقال الورتجبي: سلام الله أزلي الأبد، غير منقطع عن عباده الصالحين، في الدنيا والآخرة، لكن في الجنة تُرفع عن آذانهم جميع الحجب، فسَمِعُوا كلامه، ونظروا إلى وجهه كفاحاً. هـ. قلت: وقد يُرفع في دار الدنيا، فيسمع سلام الله على عباده، كما وقع لبعض الأولياء ـ. قيل: وفي قوله: {رحيم} إشارة إلى عدم حجبهم عن جماله أبداً، مع الإبقاء عليهم في حال السلام واللقاء، فلا تصحبهم دهشة، كما تقدّم. وقيل: الإشارة في الرحيمية: أن ذلك الوصول ليس باستحقاق ولا سبب من فعل العبد، وإنما هو بالرحمة، فيكون للعاصي فيه نَفَسٌ ومساغ للرجاء. قاله المحشي. وقوله: {وامتازوا اليوم} إشارة إلى أن غيبة الرقيب من أتم النعمة، وإبعادَ العدوِّ من أجَلِّ العوارف، فالأولياءُ في إيجاب القربة، والأعداء في العذاب والحجبة. انظر القشيري. ثم ذكر توبيخ أعدائه يوم القيامة، فقال: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ...}
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : قد مرّ في تفسيرنا لآية الكرسي، أن أصحاب النار بالأصالة هي النفس والشيطان، لأنهما ظلمانيتان بجوهريهما، حاصلتان من سنخ الطبيعة النارية الكدرة الدخانية من عالم الأجرام السفلية، وأن أصحاب الجنة بالأصالة هي الروح والملائكة، لأنهما نورانيتان بجوهرهما، حاصلتان من سنخ الحقيقة النورية اللطيفة من عالم الأنوار العلوية. وأما القلب الإنساني فهو ذو وجهين: وجه إلى النفس ووجه إلى الروح، إنما ينقلب إلى أحد من هذين القبيلين بمزاولة أحوال (أعمال - ن) تناسبه، فيصير أما من أصحاب الجنة - وهم أصحاب اليمين -، وإما من أصحاب النار - وهم أصحاب الشمال -. والجنة موطن أهل السعادة ومصعدهم في جهة العلو، كما أن النار موطن أهل الشقاوة ومهبطهم في جهة السفل. والتنكير في قوله: "في شُغُل"، مُشْعر بأن شغلهم شغل لا يوصف بحد من جهة المشغول فيه والمشغول عنه جميعاً: أما المشغول فيه، فما ظنك بشغل من وصل إلى دار الكرامة، ومنزل المصطفَيْن الأبرار، ومنبع الخيرات الحِسان، فاز بالنعيم الدائم، ووصل إلى الحق القائم، ووقع في ملاذّ وسعادات لا يكتنه وصفها ولا يحاط بنعمتها، مع كرامة وتعظيم وشرف مقيم. وأما المشغول عنه، فما ظنك بشغل من تخلّص من هموم الدنيا وأحزانها، وأمراضها وآلامها، وهجوم آفاتها وأهوالها من مشاق التكليف ومضائق التقوى والخشية، ومرارة الصبر طول العمر عن اللذات والمرغوبات، وتخطي الأهوال والأخطار والموت عن مأنوساتها بالاختيار والإضطرار، ومفارقة الأحبة والإخوان، ومهاجرة الأولاد والأقران، ومقاسات المحن من الحسّاد والأعداء، ومشاهدة أوضاع الفجرة والفسّاق، وسوء عقائدهم، وقبح أعمالهم، وغدرهم ومكرهم، وترفّع حال الجهّال وتصدّر الأرذال، إلى غير ذلك من مكاره هذه النشأة الدنيوية وشدائدها، وآفاتها ونقائصها، وآلامها ومحنها، وأمراضها وأوجاعها - وبالجملة شرورها التي لا ينفك عنها إنسان، فكيف المؤمن الغريب في هذه الدار المشحونة بالآفات والأخطار، الطافحة بشرور الأشرار، ثم مرارة الموت وكربه، وزهوق الروح وتعبه، ووحشة القبر وخطره، وقيام الساعة وهولها، والمناقشة في الحساب، ومعاينة ما لقي العصاة من العذاب. وعن ابن عباس: "في افتضاض الأبكار". لا يبعد أن يكون المراد منه كشف الحقائق العلمية، وشهود المعارف العقلية - كشفاً وشهوداً لا يمكن البلوغ والوصول إلى نيله إلى تلك الغاية إلاّ في الدار الآخرة -. وعنه أيضاً: "في ضرب الأوتار". وليس ببعيد أيضاً أن يكون المراد منه سماع نغمات الأبرار، بل الاتصال بنفوس الضاربين الأوتار والأدوار، المحركين لأشواق الدائرات في عشق جمال الأبد على الفلك الدوّار، والواهبين سوانح اللذّات الدائمات على الرقّاصين في ملاحظة جمال السرمد على بساط الرحمة (بمشاغل - ن) الأنوار. وعن ابن كيسان: "في التزاور"، وعن بعضهم: "في ضيافة الله"، وعن الحسن: "شغلهم عما فيه أهل النار بما هم فيه"، وعن الكلبي: "في شغل عن أهاليهم من أهل النار، لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم لئلا يدخل عليهم تنقيص في نعيمهم". واللفظ جاء بضمتين، وفتحتين، وضمة وسكون، وفتحة وسكون. و "الفاكه": المتنعم والمتلذذ، وكذا "الفكه" ومنه: "الفاكهة" لأنها ما يتلذذ به، وكذا "الفكاهة" وهي المزاحة، وقريء "فكهون" بغير ألف، وهو بكسر الكاف وضمها، كقولهم: "رجل حدِث وحدُث" أي كثير الحديث، "ونطِس ونطُس" للمبالغ في الشيء، والباقون بالألف في كل القرآن، إلاّ أن حفص وافق أبا جعفر في المطفّفين: {أية : ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ} تفسير : [المطففين:31] وقرئ: "فاكهين" و "فكهين" على أنه حال، والظرف مستقر. بصيرة أخروية "الشُغل" كثيراً ما يطلق ويراد منه الصنعة والكسب، وقد تحقق لنا بأرصاد روحانية وأنظار دقيقة كشفية، أن النفس الإنسانية إذا استكملت ذاتها بالعلم والتقوى، وتجردت عن غشاوة العالم الأدنى، وتشبّهت بأخلاق الله، وطارت بأجنحة الكروبيّين، ووصلت إلى عالمها، وبلغت إلى فطرتها الأولى، أصبحت مخترعة للصور الغيبية المستورة عن الحواس، فاعلة للأشكال الحسنة الجنانية الخارجة عن إدراك أهل الظن والقياس، لكونها شديدة الشبه عند الاستكمال والتجرد عن هذا العالم بالمبدء الفعّال في الصفات والأفعال، كالحديدة الحامية المجاورة للنار، الفاعلة فعلها من الإنارة والاشعال وسائر الآثار. فما ظنك بنفوس كريمة تنورت بنور الله، وتلبّست بلباس الهيبة والعظمة والنور، وتسربلت بسربال الكرامة والسرور، في صيرورتها واهبة الحياة لما تصورتها صورة أخروية، معطية الوجود والشروق لما أنشأتها نشأة ثانوية، لكونها واقعة في أفق العظمة والإشراق، مستوطنة في دار كرامة الله العزيز الخلاّق، وجنة رحمته التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ولكل أحد من أهل الله في الجنة ما تشتهيه، كما قال: {أية : وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ}تفسير : [فصّلت:31]، وسيأتي بعد هذه الآية بأدنى فاصلة قوله: {أية : وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ} تفسير : [يس:57]، إشارة إلى هذا المعنى. فانظر كيف جعل الله النفس الإنسانية ذات اقتدار على إنشاء الصور المطهرة في الدار الآخرة، المرتفعة عن أدناس عالم الحواس، لقيامها خاضعة خاشعة بين يدي الحق رب العالمين، خلاّق صور الأشياء بالإبداع والتكوين، مفيض القوة والقدرة على المخلصين الصابرين، رب الطَّوْل والحَوْل على الوافدين، القارعين باب الرحمة والجود، العاكفين في جانب الحق ينبوع الوجود. فإذا تحققت هذا فاعلم أن معنى قوله: {أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ}؛ إنهم مشغولون بعمارة الجنة حيث ما يشاؤون، وهم قائمون بإنشاء الصور البهيّة النقيّة الحسان، اللاتي لم يطمثهنّ أنس قبلهم ولا جان، لصيرورتهم من جملة إخوان التقديس لا يشغلهم شأن عن شأن، وسيأتي زيادة كشف لهذا المعنى. وإنما خصص هذه الحالة لليوم الآخر، وإن كان لبعض المتجردين عن جلباب البشرية أن تخترع نفوسهم صوراً يشاهدونها في صقع من عالم الملكوت، لأن تمام الإقتدار إنما يتيسّر لهم عند قيام الساعة في دار القرار، وأما التي يخترعونها ويشاهدونها قبل ذلك، فهي غير ثابتة لهم دائماً، بل في بعض الأحايين على وجه شَبَحي مثاليّ، ليس في غاية الإشراق والإنارة لشوائب آفات الدنيا ومنقصاتها.
اطفيش
تفسير : {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل} عما فيه اهل النار بما يتلذذون به كافتضاض الابكار وانواع المآكل والمشارب والملابس والمساكن وغير ذلك قاله مجاهد والحسن وهو الصحيح، كما ذكره عياض، وقال ابن عباس المراد افتضاض الأبكار وقيل سماع الأوتار وهو رواة عن ابن عباس، وقال ابن كيسان زيارة بعضهم بعضا وقيل في ضيافة الله عز وجل وعن الكلبي في شغل عن أهاليهم من أهل النار لا يهمهم أمرهم لئلا ينتقص نعيمهم وليس المراد شغلا يتعبون فيه لأنه لا نصب في الجنة واليوم متعلق بالاستقرار الذي تعلق به في شغل أو في قوله في شغل لنيابته عن الاستقرار وفي ذلك دليل على جواز تقديم الحال على عاملها المعنوي الذي ليس فيه لفظ الفعل فانه اذا جاز تقديم المتعلق الذي ليس حالا عليه جاز تقديم الذي هو حال ولا يقال لا دليل هنا على ذلك لجواز تعليقه بالاستقرار المحذوف كما هو الوجه الأول لأنا نقول قد حذف وجوبا وناب عنه قوله في شغل وذلك إن في شغل متعلقا بمحذوف خبر لأن وقوله. {فاكهون} خبر ثان و بمحذوف حال من مستتر فاكهون وفاكهون خبر ان قيل او حال من فاكهون نعم يجوز ان يعلق اليوم بفاكهون واما اليوم الاول فمتلعق عليه بما بعد لا النافية لأن الحق أنها لا صدر لها إلا ان عملت كان او كليس او عرض لها صدر بعارض ما ومعنى فاكهون متلذذون، وعن ابن عباس فرحون وقل معجبون بما هم فيه وفي تنكير شغل وتقديمه تعظيم لما يشتغلون به واعلام بأنه لا تحيط بكنهه العبارة كيف وقد خلصوا من هول المحشر ونجوا من الشقاوة ومن كل خوف وتعب ووصلوا النعيم الدائم وضم شين شغل واسكان غينه قراءة نافع وابن كثير وابي عمرو وقرأه الباقون بضمهما مصدرا كالأول أو جمع له ويجوز كون الأول مخففا منه وقرىء شغل بفتحهما وقرىء شغل بفتح فاسكان وقيل كل ذلك مفرد ولغات وقرأه يعقوب في رواية باسقاط ألف فاكهون فيكون صفة مبالغة كحاذر وحذر وقرىء فكهون باسقاطها وضم الكاف كحدث وحدث بكسر الدال وضمها أي شاب وإذا أردت ذكر السن قلت حديث السن وكنطس ونطس بكسر وضم أي مبالغ في الطهارة وفي النظر في الأمر وقرىء فاكهين وفكهين بكسر الكاف والنصب على الحال من ضمير الاستقرار في شغل وفي هذا دليل على أن في شغل خبر أول وفي قراءة رفع فاكهون وفكهون لا حال.
اطفيش
تفسير : {إنْ أصْحاب الجنَّة اليَومْ في شُغُل} عظيم متعلقان بقوله: {فاكهون} أو فى شغل حال من المستتر فى فاكهون، أو خبر وفاكهون خبر ثان، هذا ما يقال للكفرة تعظيما لهم، بأن أعداءهم المؤمنين فازوا وفيه دعاؤهم الآن الى الايمان، سواء قلنا ذلك من كلام الكفار اعترافا منهم، أو المؤمنين أم قلنا: إنه كلام من الله مستأنف من الله، والخطاب قيل: خاص أو عام، والشغل ما يصدر عن غيره، لكونه أهم خيرا كما هنا أو شرا، وهو افتضاض الأبكار يكون لهم، ولهن لذة ولا وجع لهما وضرب الأوتار، والسماع والتزاور، وضيافة الله لهم كل جمعة فى كثيب من المسك، ولا يرون الله حاشاه، وغير ذلك من سائر نعم الجنة، لا يحضر فى قلوبهم أصحابهم أو قرابتهم أو أزواجهم الذين فى النار، وان خطر لم يتألموا ولم يرقوا لهم، ويخطر ببالهم ما يفرحون به من كون أعدائهم فى النار، ومعنى فاكهون فرحون متعجبون بما هم فيه طيبوا النفوس أو متحدثون بما يسرهم، أو أصحاب فواكه كلابن وتامر.
الالوسي
تفسير : على تقدير كون الخطاب السابق خاصاً بالكفرة من جملة ما سيقال لهم يومئذ زيادة لحسرتهم وندامتهم فإن الإخبار بحسن حال أعدائهم إثر بيان سوء حالهم مما يزيدهم مساءة على مساءة وفي حكاية ذلك مزجرة لهؤلاء الكفرة عما هم عليه ومدعاة إلى الاقتداء بسيرة المؤمنين، وعلى تقدير كونه عاماً ابتداء كلام وإخبار لنا بما يكون في يوم القيامة إذا صار كل إلى ما أعد لهم من الثواب والعقاب، والشغل هو الشأن الذي يصد المرء ويشغله عما سواه من شؤنه لكونه أهم عنده من الكل إما لإيجابه كمال المسرة أو كمال المساءة والمراد هٰهنا هو الأول، وتنكيره للتعظيم كأنه شغل لا يدرك كنهه، والمراد به ما هم فيه من النعيم الذي شغلهم عن كل ما يخطر بالبال، وعن ابن عباس وابن مسعود وقتادة هو افتضاض الأبكار وهو المروي عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه، وفي رواية أخرى عن ابن عباس ضرب الأوتار. وقيل السماع وروي عن وكيع، وعن ابن كيسان التزاور، وقيل ضيافة الله تعالى وهي يوم الجمعة في الفردوس الأعلى عند كثيب المسك وهناك يتجلى سبحانه لهم فيرونه جل شأنه جميعاً، وعن الحسن نعيم شغلهم عما فيه أهل النار من العذاب، وعن الكلبـي شغلهم عن أهاليهم من أهل النار لا يذكرونهم لئلا يتنغصوا، ولعل التعميم أولى. وليس مراد أهل هذه الأقوال بذلك حصر شغلهم فيما ذكروه فقط بل بيان أنه من جملة أشغالهم، وتخصيص كل منهم كلاً من تلك الأمور بالذكر محمول على اقتضاء مقام البيان إياه، وأفرد الشغل باعتبار أنه نعيم وهو واحد بهذا الاعتبار. والجار مع مجروره متعلق بمحذوف وقع خبراً لأن و {فَـٰكِهُونَ } خبر ثان لها وجوز أن يكون هو الخبر و {فِى شُغُلٍ } متعلق به أو حال من ضميره؛ والمراد بفاكهون على ما أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن ابن عباس فرحون، وأخرجوا عن مجاهد أن المعنى يتعجبون بما هم فيه. وقال أبو زيد: الفاكه الطيب النفس الضحوك ولم يسمع له فعل من الثلاثي، وقال أبو مسلم: إنه مأخوذ من الفاكهة بالضم وهي التحدث بمايسر، وقيل: التمتع والتلذذ قيل {فَـٰكِهُونَ } ذووا فاكهة نحو لابن وتامر. وظاهر صنيع أبـي حيان اختياره، والتعبير عن حالهم هذه بالجملة الاسمية قبل تحققها لتنزيل المترقب المتوقع منزلة الواقع للإيذان بغاية سرعة تحققها ووقوعها، وفيه على تقدير خصوص الخطاب زيادة لمساءة المخاطبين. وقرأ الحرميان وأبو عمرو {شغل} بضم الشين وسكون الغين وهي لغة في شغل بضمتين للحجازيين كما قال الفراء./ وقرأ مجاهد وأبو السمال وابن هبيرة فيما نقل عنه ابن خالويه بفتحتين، ويزيد النحوي وابن هبيرة أيضاً فيما نقل عنه أبو الفضل الرازي بفتح الشين وإسكان العين وهما لغتان أيضاً فيه. وقرأ الحسن وأبو جعفر وقتادة وأبو حيوة ومجاهد وشيبة وأبو رجاء ويحيـى بن صبيح ونافع في رواية {فكهون} جمع فكه كحذر وحذرون وهو صفة مشبهة تدل على المبالغة والثبوت، وقرأ طلحة والأعمش {فاكهين} بالألف وبالياء نصباً على الحال و {فِى شُغُلٍ } هو الخبر، وقرىء {فكهين} بغير ألف وبالياء كذلك، وقرىء{فكهون} بفتح الفاء وضم الكاف وفعل بضم العين من أوزان الصفة المشبهة كنطس وهو الحاذق الدقيق النظر الصادق الفراسة. وقوله تعالى:{هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ...}.
ابن عاشور
تفسير : هذا من الكلام الذي يُلْقى من الملائكة، والجملة مستأنفة، وهذا مما يقال لمن حق عليهم العذاب إعلاماً لهم بنزول مرتبتهم عن مراتب أهل الجنة إعلاناً بالحقائق لأن ذلك عالم الحقائق وإدخالاً للندامة عليهم على ما فرطوا فيه من طلب الفوز في الآخرة. وهذا يؤذن بأن أهل الجنة عجل بهم إلى النعيم قبل أن يبعث إلى النار أهلها، وأن أهل الجنة غير حاضرين ذلك المحضر. وتعريف {اليَوْمَ} للعهد كما تقدم. وفائدة ذكر الظرف وهو {اليَوْمَ} التنويه بذلك اليوم بأنه يوم الفضل على المؤمنين المتقين. والشغل: مصدر شغله، إذا ألهاه. يقال: شغله بكذا عن كذا فاشتغل به. والظرفية مجازية؛ جعل تلبسهم بالشغل كأنهم مظروفون فيه، أي أحاط بهم شغل عن مشاهدة موقف أهل العذاب صرفهم الله عن منظر المزعجات لأن مشاهدتها لا تخلو من انقباض النفوس، ولكون هذا هو المقصود عدل عن ذكر ما يشغلهم إذ لا غرض في ذكره، فقوله: {في شُغُلٍ} خبر {إن} و{فاكِهُونَ} خبر ثان. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب {شُغْلٍ} بضم فسكون. وقرأه الباقون بضمتين وهما لغتان فيه. والفاكِه: ذو الفُكاهة بضم الفاء، وهي المزاح بالكلام المُسِرّ والمضحك، وهي اسم مصدر: فكِه بكسر الكاف، إذا مَزح وسُرّ. وعن بعض أهل اللغة: أنه لم يسمع له فعل من الثلاثي، وكأنه يعني قلة استعماله، وأما الأفعال غير الثلاثية من هذه المادة فقد جاء في المثل: لا تُفاكه أَمَهْ ولا تَبُل على أكمه، وقال تعالى: { أية : فظلتم تفكهون } تفسير : [الواقعة: 65]. وقرأ الجمهور {فاكِهُونَ} بصيغة اسم الفاعل. وقرأه أبو جعفر بدون ألف بصيغة مثال المبالغة. وجملة {هُمْ وأزْواجُهُمْ في ظِلالٍ} إلى آخرها واقعة موقع البيان لجملة {إنَّ أصحابَ الجَنَّةِ} الخ. والمراد بأزواجهم: الأزواج اللاتي أُعِدّت لهم في الجنة. ومنهن من كُنَّ أزواجاً لهم في الدنيا إن كنّ غير ممنوعات من الجنة قال تعالى: { أية : جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم } تفسير : [الرعد: 23]. والظلال قرأه الجمهور بوزن فِعال بكسر أوله على أنه جمع ظلّ، أي ظلّ الجنات. وقرأه حمزة والكسائي وخلف {ظُلَل} بضم الظاء وفتح اللام جمع (ظُلة) وهي ما يظل كالقِباب. وجمع الظلال على القراءتين لأجل مقابلته بالجمع وهم أصحاب الجنة، فكلّ منهم في ظل أو في ظلة. و{الأرائك}: جمع أريكة، والأريكة: اسم لمجموع السرير والحَجَلة، فإذا كان السرير في الحَجَلة سمي الجميع أريكة. وهذا من الكلمات الدالة على شيء مركب من شيئين مثل المائدة اسم للخِوان الذي عليه طعام. والاتكاء: هيئة بين الاضطجاع والجلوس وهو اضطجاع على جنب دون وضع الرأس والكتف على الفراش. وهو افتعال من وكأ المهموز، إذا اعتمد، أبدلت واوه تاء كما أبدلت في تُجاه وتُراث، وأخذ منه فعل اتكأ لأن المتّكىء يشد قعدته ويرسخها بضرب من الاضطجاع. والاسم منه التُّكَأة بوزن هُمَزة، وهو جلوس المتطلب للراحة والإِطالة وهو جلسة أهل الرفاهية، وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : وأعتدت لهن متكأ } تفسير : في سورة يوسف (31). وكان المترفهون من الأمم المتحضرة يأكلون متّكئين كان ذلك عادة سادة الفرس والروم ومن يتشبه بهم من العرب ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : أمَّا أنا فلا آكل متكئاً » تفسير : وذلك لأن الاتكاء يعين على امتداد المعدة فتقبل زيادة الطعام ولذلك كان الاتكاء في الطعام مكروهاً للإِفراط في الرفاهية. وأما الاتكاء في غير حال الأكل فقد اتكأ النبي صلى الله عليه وسلم في مجلسه كما في حديث حديث : ضِمام بن ثعلبة وافِد بني سعد بن بكر: أنه دخل المسجد فسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له: «هو ذلك الأزهر المتكىء» تفسير : . والفاكهة: ما يؤكل للتلذذ لا للشبع كالثمار والنقول وإنما خصت بالذكر لأنها عزيزة النوال للناس في الدنيا ولأنها استجلبها ذكر الاتكاء لأن شأن المتكئين أن يشتغلوا بتناول الفواكه. ثم عَمم ما أعد لهم بقوله: {ولهم ما يدَّعُونَ} و{يَدَّعُونَ} يجوز أن يكون متصرفاً من الدعاء أو من الادعاء، أي ما يَدْعون إليه أو ما يدَّعون في أنفسهم أنه لهم بإلهام إلهي. وصيغ له وزن الافتعال للمبالغة، فوزن {يَدَّعُونَ} يفتعلون. أصله يدتَعيُون نقلت حركة الياء إلى العين طلباً للتخفيف لأن الضم على الياء ثقيل بعد حذف حركة العين فبقيت الياء ساكنة وبعدها واو الجماعة لأنه مفيد معنَى الإِسنادِ إلى الجمع. وهذا الافتعال لك أن تجعله من (دعا)، والافتعال هنا يجعل فعل (دعا) قاصراً فينبغي تعليق مجرور به. والتقدير: ما يدعون لأنفسهم، كقول لبيد: شعر : فاشتوى ليلة ريح واجتمل تفسير : اشتوى إذا شوى لنفسه واجتمل إذا جمل لنفسه، أي جمع الجميل وهو الشحم المذاب وهو الإِهالة. وإن جعلته من الادعاء فمعناه: أنهم يدعون ذلك حقاً لهم، أي تتحدث أنفسهم بذلك فيؤول إلى معنى: ويتمنون في أنفسهم دون احتياج إلى أن يسألوا بالقول فلذلك قيل معنى {يَدَّعُونَ} يتمنون. يقال: ادع عليّ ما شئت، أي تمنّ عليّ، وفلان في خير ما ادّعى، أي في خير ما يتمنى، ومنه قوله تعالى: { أية : ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون } تفسير : في سورة فصِّلت (31).
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: في شغل فاكهون: أي أهل الجنة في شغل عما فيه أهل النار من عذاب وشقاء. وشغلهم الشاغل لهم هو النعيم المقيم في دار السلام. فاكهون: أي ناعمون بالتلذذ بالنعم وذلك لطيب العيش. على الأرائك: أي الأسِرَّة ذات الحجلة. ولهم ما يدعون: أي ما يتمنون ويطلبون. سلام قولا من رب رحيم: أي سلام بالقول من ربّ رحيم أي يسلم عليهم ربهم سبحانه وتعالى. معنى الآيات: ما إن حضروا بين يدي الله سبحانه وتعالى للحساب والجزاء حتى أعلن عما يلي: إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون أي إنهم في شغل عما فيه أصحاب النار إنهم في شغل بالنعيم المقيم فاكهون أي ناعمون بالتلذذ بألوان المطاعم والمشارب والحور العين إنهم وأزواجهم في ظلال الجنة على الأرائك أي الأسرة ذات الحجلة متكئون. لهم فيها أي في دار السلام فاكهة من كل زوج ولون ونوع ولهم ما يدعون أي ما يتمنون ويطلبون، وأعظم من ذاك سلام الربّ تعالى عليهم سلام قولا من ربّ رحيم أي سلام من الله بالقول لا بغيره من أنواع السلامة والسلام. فقد روى البغوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حديث : بينما أهل الجنة في نعيمهم إذ يسطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإِذ الربّ عز وجل قد أشرف عليهم من فوقهم السلام عليكم يا أهل الجنة. فذلك قوله تعالى سلام قولا من ربّ رحيم فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم . تفسير : هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير المعاد. 2- بيان نعيم الجنة. 3- سلام الله تعالى على أهل الجنة ونظرهم إلى وجهه الكريم.
القطان
تفسير : في شغل: في شأن كبير من المسرة والنعيم. فاكهون: مرحون في عيش ناعم. ظلال: جمع ظل وهو الفيء. الأرائك: جمع أريكة، وهي كل ما استراح عليه الانسان من مقعد وسرير او فراش او منصة. ما يدّعون: ما يطلبون. امتازوا: انفرِدوا وابتعدوا عن المؤمنين. الم أعهد: ألم أوصِ، الم اعرض ما فيه الخير. جبلاّ كثيرا: خلقا كثيرا. اصلَوها: ادخلوها، ذوقوا حرها. لطمسنا على أعينهم: لأعميناهم. فاستبقوا الصراط: تسابقوا الى الطريق المألوف. لمسخناهم: لغيرنا صورهم الى أقبح صورة. على مكانتهم: في اماكنهم. نعمّره: نطل عمره. ننكّسه في الخلق: نردّه من القوة الى الضعف حتى يردّ الى أرذل العمر. بعد انتهاء الحساب يذهب كلٌّ الى مقرة الأخير، أهل الجنة الى الجنّة وغيرهم الى النار. ويحدّثنا القرآن عما هم فيه من نعيم ملتذون فيه متفكهون، هم وازواجهم في ظِلال مستطابةٍ على الفُرش والأرائك متكئون، لهم في جنّتهم فاكهة ولهم كل ما يطلبون ويشتهون، ولهم فوق كل هذه اللذائذ والمتع تكريم من الله ويقال لهم: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}. اما اصحاب الجحيم فعلى العكس من ذلك فانهم يلقون التحقير والاهانة، ويقال لهم: {وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} أبعِدوا عن المؤمنين، وادخلوا جهنم، ألم أُوصِكم يا بني آدم ان لا تطيعوا الشيطان؟ إنه لكم عدو ظاهر العداوة يوردكم موارد الهلاك. {وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}. اطيعوني، فإن طاعتي هي التي توصلكم الى الطريق المستقيمة. لقد بيّنتُ لكم ذلك فلم تحذَروا عدوكم الذي اضل منكم أجيالا كثيرة {أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ} حين أطعتموه! اذهبوا الى مصيركم المحتوم. {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} ادخولها وقاسوا حرّها واحترقوا يها بسبب كفركم وجحودكم. ثم بين الله تعالى ان جوارحهم تشهد عليهم، وذلك بمشهد عجيب. {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} اليوم تُلجَم أفواههم فلا ينطِقون، وتتكلم جوارحهم بما اقترفته.... ويا له من موقف رهيب مخيف. {وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ} ولو نشاء لعاقبناهم على كفرهم فطمسْنا على أعينهم فصيّرناهم عمياً لا يبصرون طريقا ولا يهتدون. ولو اردنا لغيّرنا صورهم وحولناهم الى تماثيل جامدة {فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ} بل يبقون في اماكنهم جامدين. {وَمَن نّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ!} ومن يُطِل اللهُ عمره يَخْرَفْ وينتكس بعد شبابه وعقله الى ضَعفٍ وخَرَفٍ وهزال. افلا يعلمون ان الدنيا دارُ فناء وان الآخرة دار البقاء!. قراءات: قرأ ابو عمرو ونافع وابن كثير: في شغْل باسكان الغين، والباقون: في شغُل بضم الشين والغين وهما لغتان. وقرأ ابو جعفر: فكِهون بكسر الكاف بدون الف بعد الفاء. والباقون: فاكهون. قرأ حمزة والكسائي: في ظلل جمع ظلة، والباقون: في ظلال. قرأ نافع وعاصم وابو جعفر: جِبلاّ بكسر الجيم والباء وتشديد اللام. وقرأ حمزة والكسائي وخلف ورويس: جُبلا بضم الجيم والباء وتخفيف اللام. وقرأ ابو عمرو وابن عامر: جُبْلا بضم الجيم وسكون الباء، وهذه كلها لغات معناها واحد. وقرأ ابو بكر: على مكاناتهم بالجمع، والباقون: على مكانتهم بالافراد. وقرأ عاصم وحمزة: نُنَكسه بضم النون الاولى وفتح الثانية وكسر الكاف المشددة. والباقون: نُنْكسه بضم النون الاولى واسكان الثانية وكسر الكاف من غير تشديد. وقرأ نافع وابن ذكوان ويعقوب: افلا تعقلون بالتاء، والباقون: افلا يعقلون بالياء.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَصْحَابَ} {فَاكِهُونَ} (55) - وَيَكُونُ أَصْحَابُ الجَنَّةِ فِي ذَلِكَ اليَومِ فَرحِينَ سُعَدَاءَ يَتَمَتَّعُونَ بِلَذَّاتِهَا، وَيَكُونُونَ فِي شُغُلٍ بِذَلِكَ النَّعِيمِ عَمَّا سِوَاهُ مِنَ الشَّوَاغِلِ. الفَاكِهُ - الفَرِحُ المُسْتَبْشِرُ، الضَّحُوكُ، الهَادِئُ النَّفْسِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ} [يس: 55] الصاحب هو المنتقَى والمختار من جنسك لتصاحبه ولا تفارقه، فكأن الجنة أُخْرِجت مخرج العقلاء الذين يُصاحِبون ويُصَاحَبون، ذلك لأن الجنة كانت في بالهم وفي أذهانهم، فهم متعلقون بها وهي شُغُلهم الشاغل، فَلَهُم صحبة بالجنة، وللجنة صحبة بهم، فكلما أقدموا على خير تذكَّروا الجنة فرغبوا فيه، وكلما أقدموا على شر تذكروا النار فانصرفوا عنه. أو: أن الصاحب هو المالك للشيء، فكأن الجنة مِلْك لهم، ملكوها وحازوا مفاتيحها بما قدَّموا من العمل الصالح. ومعنى {ٱليَوْمَ} أي: يوم القيامة {فِي شُغُلٍ} [يس: 55] أي: نعيم يشغلهم عن أيِّ شيء آخر أو: في شُغُل عن معارفهم وأقاربهم الذين دخلوا النار والعياذ بالله، كما قال سبحانه: {أية : وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً} تفسير : [لقمان: 33] فهم في نعيم يشغلهم عن كل هؤلاء، فكأنهم لا يعرفونهم. {فَاكِهُونَ} يقال: فَاكِه وفَكِه يعني: متلذذ ومُتنعِّم. ومنها: الفاكهة، فهي ليست من الضروريات إنما من التفكُّه والتلذذ. وقوله سبحانه: {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ} [يس: 56] أذكر أنني لما قرأتُ هذه الآية على الإخوان ضرب واحد منهم على صدره - وكان شيخاً وقوراً - ضرب على صدره بعنف وانفعال، وقال: (يا خرابي، يعني فلانة هتجيلي تاني) لأنه رأى في زوجته ما يُنفِّره منها، فتعجب أنها ستصاحبه حتى في الآخرة وفي الجنة، فقلنا له: يا شيخ أنت تكره في زوجتك أشياء لكن لها مع الله أعمال طيبة، تجعلها أهلاً للجنة، فعملها الطيب مع الله يلغي عملها السيىء معك. وربما كنتَ أنت حادّ المزاج، أو طماعاً وعينُك زائغة؛ لأن الله تعالى قال في الحياة الزوجية: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} تفسير : [الروم: 21]. فالحياة الزوجية في بدايتها سَكَن، حيث يسكن كلٌّ منهما إلى الآخر ويرتاح في حضنه، ثم إذا تغيَّرتْ الأوضاع وَزَهد أحدهما في الآخر أو ظهر منه ما يُنفِّر كانت المودة، فإذا ما أصابهما الكِبَر والعجز فليرحم كل منهما عَجْز الآخر، بما جعله الله بينهما من صفة الرحمة، فالحياة الزوجية في هذه الحالة معيشة تراحم قبل كل شيء. ثم إن هذه الزوجة التي تنقم منها بعض الصفات، وتنفر من تصرفاتها لن تأتي في الآخرة على هذه الصورة التي تكرهها، إنما ستأتي على صورة جديدة كما قال سبحانه: {أية : وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} تفسير : [آل عمران: 15] فالله سيطهرها مما كنتَ تأخذه عليها. ومعنى: {فِي ظِلاَلٍ} [يس: 56] أي: لا شمسَ هناك، ولا حَرَّ يؤذيهم، والظل معروف ألِفه المكلَّفون في الدنيا، وإليه يفيئون في حَرِّ الشمس، فهو أمر مألوف لهم، أما في الآخرة فهي ظلال يُمتَّعون فيها، أو في ظل الله كما ورد في الحديث الشريف: "حديث : سبعة يُظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.. ". تفسير : والأرائك: جمع أريكة، وهي السرير الذي له حَجَلة (النموسية) أو: هي الوسادة التي يُتكأ عليها. ومعنى {مُتَّكِئُونَ} [يس: 56] الاتكاء حالة وهيئة للإنسان، فهو: إمَّا قائم، أو قاعد، أو متكئ، والاتكاء أَمتع هذه الحالات؛ لأن القائم قائم لعمل، والقاعد يقعد لِهَمٍّ يفكُر فيه، فلا هو قادر على القيام للعمل، ولا هو قادر على الاتكاء للراحة، فقوله سبحانه {مُتَّكِئُونَ} [يس: 56] يعني: تمام الراحة لهم. ثم يقول سبحانه: {لَهُمْ فِيهَا} [يس: 57] أي: في الجنة {فَاكِهَةٌ} [يس: 57] الفاكهة من التفكُّه والتلذذ، وعرفنا أن الطعام يأكله الإنسان إما للاقتيات وهو الضروريات، وإما فاكهة للتلذُّذ والتنعُّم، وهنا يذكر الحق سبحانه الفاكهة فحسب؛ لأننا لا نأكل في الجنة إلا تفكُّهاً وتنعُّماً، لا عن حاجة أو جوع. {وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ} [يس: 57] أي: ما يدعون به وما يخطر ببالهم، فيجدوه بين أيديهم، وقال بعضهم (مَا يدَّعُون) يعني: لا يدخر الله لهم دعوة؛ لأنه سبحانه يعطيهم قبل أن يدعوا. وبعد ذلك يتكلم الحق - سبحانه وتعالى - عن معنى كان يريده لخَلْقه في الدنيا نتيجة للسير على منهجه وصراطه المستقيم، فيقول سبحانه: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} [يس: 58] فثمرة الإسلام أنْ يُسْلِموا زمامهم جميعاً إلى يد خالقهم، وأن يكونوا إخوة عابدين لمعبود واحد، وأن يعيشوا معاً في أمن واطمئنان وسلام. إذن: فالأمن والسلام هما الغاية من منهج الله، وهما تمام النعمة، وإلا فلو نعِم الإنسانُ بكل ألوان النعيم وفقد نعمة الأمن والسلام لنغَّصَتْ عليه كل النعم، وما هنئ بعيش ولا تمتُّع بلذة؛ لذلك امتن الله تعالى على قريش فقال: {أية : ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 4]. السلام يكون منك حين تُقبل على آخر فتقول: السلام عليكم يعني: أنا مقبل عليك بسلام، فيردُّ عليك: وعليكم السلام، والمعنى: لا أنت تؤذينا، ولا نحن نؤذيك، وكُلٌّ يعطَى من السلام على قدر إمكاناته، فإذا كان السلام من الله، فهو السلام المطلق، السلام الذي يحميك من كل جوانبك، فلا ينفذ إليك شيء يضرُّك. ومعنى: {سَلاَمٌ قَوْلاً} [يس: 58] يعني: الله تعالى هو قائله ليس مناولةً عن طريق الملائكة مثلاً، فيقول لهم: سلِّموا على فلان، فالمعنى: سلام حالة كونه قَوْلاً من رب رحيم، وليس بلاغاً عن الله من أحد، واختار هنا لفظ الربوبية التي تقتضي أن المربِّي يحب المربَّى، فما بالك إذا وصفتَ الربوبية بالرحمة {مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} [يس: 58] وبعد أنْ حدَّثنا الحق سبحانه عن المؤمنين، وما ينتظرهم من النعيم يُحدِّثنا عن المجرمين: {وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} معناه افتضاضُ العَذارى وقال: مُعجبونَ. وقال: في شُغلٍ عَمّا يَلقى أهلُ النَّارِ.
الجيلاني
تفسير : ثم فصل سبحانه أحوال الأنام في النشأة الأخرى، فقال: {إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ} وهم الواصلون إلى مقر التوحيد والمعرفة علماً وعيناً وحقاً {ٱليَوْمَ} أي: يوم القيامة المعد للجزاء {فِي شُغُلٍ} عظيم من أنواع المعارف والحقائق والمكاشفات والمشاهدات القالعة لعرق التقليدات، والتخمينات التي هي من لوازم الإمكان الذي هو من أسفل دركات النيران {فَاكِهُونَ} [يس: 55] فرحون، متلذذون أبداً بلا انقراض وانقضاء أصلاً. بل {هُمْ} في شهودهم {وَأَزْوَاجُهُمْ} التي هي نتائج أعمالهم الصالحة {فِي ظِلاَلٍ} أي: ظلال الأسماء والصفات الإلهية {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ} أي: المعارج العليَّة والدرجات السنيَّة {مُتَّكِئُونَ} [يس: 56] متمكنون راسخون، لا يتحولون منها ولا ينقلبون. بل {لَهُمْ فِيهَا} عناية منا إياهم {فَاكِهَةٌ} كثيرة من تجددات المعارف والحقائق وتلذذات المكشوفات والشهودات على مقتضى التجليات الإلهية {وَ} بالجملة: {لَهُمْ} فيها {مَّا يَدَّعُونَ} [يس: 57] ويتمنون من مقتضيات التجليات المتشعشعة حسب الشئون والتطورات الإلهية التي لا نهاية لها، بلا تناه وتكرر. وقيل لهم من قبل الحق حينئذ: {سَلاَمٌ} أي: تسليم وترحيب لهم وتكريم {قَوْلاً} ناشئاً {مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} [يس: 58] أي: مرب مشفق لهم، يربيهم بمقتضى سعة رحمته على فطرة التوحيد، ويوصلهم إلى مقر الوحدة الذاتية بعدما رفعوا الشواغل المانعة عن التوجه إليها، ورفضوا العلائق العائقة عن التمكن دونها والتحلي بها. {وَ} قيل حينئذ للمشركين المصرين على الشرك والعناد: {ٱمْتَازُواْ} وتميزوا {ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} [يس: 59] المفرطون المسرفون في الإعراض عن الله بمتابعة الشيطان المضل المغوي عن طريق توحيدهمه. ثم قرَّعهم سبحانه وعاتبهم؛ زجراً لهم وطرداً على وجه العموم؛ لئلا يأمن المؤمن مع اطمئنانهم على الإيمان ورسوخهم في العرفان {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ} ولم آخذ منكم موثقاً وثيقاً في مبدأ فطرتكم وبألسنة استعداداتكم وقابلياتكم {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ} أي: بألاَّ تعبدوا {ٱلشَّيطَانَ} ولا تطيعوا منه ولا تقبلوا منه قوله ووساوسه المبعدة المحرفة لكم عن طريق توحيدي، إنما أحذركم يا ابن آدم عن إطاعته وانقياده {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [يس: 60] ظاهر العداوة يريد أن يصدكم عمَّا جبلتم عليه بإغرائه وإغوائه. {وَأَنِ ٱعْبُدُونِي} ووحدوني، واعتقدوا كمال أسمائي وأوصافي واستقلالي في عموم تدبيراتي وتصرفاتي في ملكي وملكوتي، وامتثلوا أمري ولا تشركوا معي في الوجود شيئاً من مظاهري ومصنوعاتي {هَـٰذَا} المعهود الموثوق {صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [يس: 61] موصل إلى توحيدي، فاتخذوه سبيلاً، ولا تركنوا إلى الذين ضلوا عن طريقي وظلموا أنفسهم بالخروج عن مقتضى حدودي وأوامري وأحكامي وحكمي وتذكيراتي. {وَ} كيف تعبدون الشيطان وتتبعون أثره وتنقادون أمره إيها العقلاء المجبولين على فطرة الهداية والرشاد؛ إذ {لَقَدْ أَضَلَّ} وأغوى هذا الغاوي المغوي {مِنْكُمْ} يا بني آدم {جِبِلاًّ كَثِيراً} وجماعة متعددة من بني نوعكم، فانحرفوا بإضلاله عن سواء السبيل ونقضوا بإغوائه وإغرائه المواثيق والعهود، فحرموا بذلك عن الجنة الموعودة لهم، فاستحقوا جهنم البعد ونيران الخذلان {أَ} تعبدون الشيطان وتقتفون أثره {فَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ} [يس: 62] أي: لم تستعملوا عقولكم في فظاعة أمره وشدة عداوته ووخامة عاقبة متابعته، وفيما يترتب على إضلاله من العذاب المخلد والنكال المؤبد، فتختارون متابعته وتقبلون منه تغريره، وتتركون طريق التوحيد، أفلا تعقلون أيها المسرفون المفرطون؟!.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : [لما ذكر تعالى] أن كل أحد لا يجازى إلا ما عمله، ذكر جزاء الفريقين، فبدأ بجزاء أهل الجنة، وأخبر أنهم في ذلك اليوم { فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ } أي: في شغل مفكه للنفس، مُلِذِّ لها، من كل ما تهواه النفوس، وتلذه العيون، ويتمناه المتمنون. ومن ذلك افتضاض العذارى الجميلات، كما قال: { هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ } من الحور العين، اللاتي قد جمعن حسن الوجوه والأبدان وحسن الأخلاق. { فِي ظِلالٍ عَلَى الأرَائِكِ } أي: على السرر المزينة باللباس المزخرف الحسن. { مُتَّكِئُونَ } عليها، اتكاء على كمال الراحة والطمأنينة واللذة. { لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ } كثيرة، من جميع أنواع الثمار اللذيذة، من عنب وتين ورمان، وغيرها، { وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ } أي: يطلبون، فمهما طلبوه وتمنوه أدركوه. ولهم أيضا { سَلامٌ } حاصل لهم { مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ } ففي هذا كلام الرب تعالى لأهل الجنة وسلامه عليهم، وأكده بقوله: { قَوْلا } وإذا سلم عليهم الرب الرحيم، حصلت لهم السلامة التامة من جميع الوجوه، وحصلت لهم التحية، التي لا تحية أعلى منها، ولا نعيم مثلها، فما ظنك بتحية ملك الملوك، الرب العظيم، الرءوف الرحيم، لأهل دار كرامته، الذي أحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم أبدا، فلولا أن اللّه تعالى قدر أن لا يموتوا، أو تزول قلوبهم عن أماكنها من الفرح والبهجة والسرور، لحصل ذلك. فنرجو ربنا أن لا يحرمنا ذلك النعيم، وأن يمتعنا بالنظر إلى وجهه الكريم.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 803 : 14 : 12 - سفين في قوله {إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} قال، في افتضاض الأبكار. [الآية 55].
همام الصنعاني
تفسير : 2492- معمر عن الحسن، وقتادة في قوله: {فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ}: [الآية: 55]، قالا: أي معجبون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):