٣٦ - يس
36 - Yaseen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
58
Tafseer
الرازي
تفسير : هو أكمل الأشياء وهو آخرها الذي لا شيء فوقه ولنبينه في مسائل: المسألة الأولى: ما الرافع لقوله {سَلَـٰمٌ }؟ نقول يحتمل ذلك وجوهاً أحدها: هو بدل مما يدعون كأنه تعالى لما قال: {أية : لَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ } تفسير : [يس: 57] بينه ببدله فقال لهم سلام فيكون في المعنى كالمبتدأ الذي خبره جار ومجرور، كما يقال في الدار رجل ولزيد مال، وإن كان في النحو ليس كذلك بل هو بدل وبدل النكرة من المعرفة جائز فتكون ما بمعنى الذي معرفة وسلام نكرة، ويحتمل على هذا أن يقال ما في قوله تعالى: {مَّا يَدَّعُونَ } لا موصوفة ولا موصولة بل هي نكرة تقديره لهم شيء يدعون ثم بين بذكر البدل فقال: {سَلَـٰمٌ } والأول هو الصحيح وثانيها سلام خبر ما ولهم لبيان الجهة تقديره ما يدعون سالم لهم أي خالص والسلام بمعنى السالم الخالص أو السليم يقال عبد السلام أي سليم من العيوب كما يقال لزيد الشرف متوفر والجار والمجرور يكون لبيان من له ذلك والشرف هو المبتدأ ومتوفر خبره وثالثها قوله تعالى: {سَلَـٰمٌ } منقطع عما تقدم وسلام مبتدأ وخبره محذوف تقديره سلام عليهم فيكون ذلك إخباراً من الله تعالى في يومنا هذا كأنه تعالى حكى لنا وقال: {أية : إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ في شُغُلٍ } تفسير : [يس: 55] ثم لما بين كمال حالهم قال سلام عليهم، وهذا كما في قوله تعالى: {أية : سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍ } تفسير : [الصافات: 79] {أية : سَلَـٰمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [الصافات: 181] فيكون الله تعالى أحسن إلى عباده المؤمنين كما أحسن إلى عباده المرسلين وهذا وجه مبتكر جيد ما يدل عليه منقول، أو نقول تقديره سلام عليكم ويكون هذا نوعاً من الالتفات حيث قال لهم كذا وكذا، ثم قال سلام عليكم. المسألة الثانية: {قَوْلاً } منصوب بماذا؟ نقول يحتمل وجوهاً أحدها: نصب على المصدر تقديره على قولنا المراد لهم سلام هو أن يقال لهم سلام يقوله الله قولاً أو تقوله الملائكة قولاً وعلى قولنا ما يدعون سالم لهم تقديره قال الله ذلك قولاً ووعدهم بأن لهم ما يدعون سالم وعداً وعلى قولنا سلام عليهم تقديره أقوله قولاً وقوله: {مّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ } يكون لبيان أن السلام منه أي سلام عليهم من رب رحيم أقوله قولاً، ويحتمل أن يقال على هذا إنه تمييز لأن السلام قد يكون قولاً وقد يكون فعلاً فإن من يدخل على الملك فيطأطىء رأسه يقول سلمت على الملك، وهو حينئذ كقول القائل البيع موجود حكماً لا حساً وهذا ممنوع عنه قطعاً لا ظناً. المسألة الثالثة: قال في السلام {مّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ } وقال في غيره من أنواع الإكرام {أية : نُزُلاً مّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ } تفسير : [فصلت: 32] فهل بينهما فرق؟ نقول نعم، أما هناك فلأن النزل ما يرزق النزيل أولاً، وذلك وإن كان يدل عليه ما بعده فإن النزيل إذا أكرم أو لا يدل على أنه مكرم وإذا أخل بإكرامه في الأول يدل على أنه مهان دائماً غير أن ذلك غير مقطوع به، لجواز أن يكون الملك واسع الرزق فيرزق نزيله أولاً ولا يمنع منه الطعام والشراب ويناقشه في غيره فقال غفور لما صدر من العبيد ليأمن العبد ولا يقول بأن الإطعام قد يوجد ممن يعاقب بعده والسلام يظهر مزية تعظيمه للمسلم عليه لا بمغفرة فقال: {رَبّ غَفُورٌ } لأن رب الشيء مالكه الذي إذا نظر إلى علو مرتبته لا يرجى منه الإلتفات إليه بالتعظيم، فإذا سلم عليه يعجب منه وقيل انظر هو سيده ويسلم عليه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {سَلَٰمٌ } مبتدأ {قَوْلاً } أي بالقول خبره {مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ } بهم، أي: يقول لهم سلام عليكم.
ابن عبد السلام
تفسير : {سَلامٌ} تسليم الرب عليهم إكراماً لهم، أو تبشيره لهم بالسلامة.
النسفي
تفسير : {سَلَـٰمٌ } بدل من {مَّا يَدَّعُونَ } كأنه قال لهم سلام يقال لهم {قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ } والمعنى أن الله يسلم عليهم بواسطة الملائكة أو بغير واسطة تعظيماً لهم وذلك متمناهم ولهم ذلك لا يمنعونه. قال ابن عباس: والملائكة يدخلون عليهم بالتحية من رب العالمين. {وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ } وانفردوا عن المؤمنين وكونوا على حدة وذلك حين يحشر المؤمنون ويسار بهم إلى الجنة. وعن الضحاك: لكل كافر بيت من النار يكون فيه لا يرى ولا يرى أبداً ويقول لهم يوم القيامة {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِى ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَـٰنَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } العهد الوصية وعهد إليه إذا وصاه وعهد الله إليهم ما ركزه فيهم من أدلة العقل وأنزل عليهم من دلائل السمع، وعبادة الشيطان طاعته فيما يوسوس به إليهم ويزينه لهم {وَأَنِ ٱعْبُدُونِى } وحدوني وأطيعوني {هَـٰذَا } إشارة إلى ما عهد إليهم من معصية الشيطان وطاعة الرحمن {صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي صراط بليغ في استقامته ولا صراط أقوم منه {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ } بكسر الجيم والباء والتشديد: مدني وعاصم وسهل {جبلاً} بضم الجيم والباء والتشديد: يعقوب {جُبْلاًّ} مخففاً: شامي وأبو عمرو. و {جُبُلاًّ} بضم الجيم والباء وتخفيف اللام: غيرهم، وهذه لغات في معنى الخلق {كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ } استفهام تقريع على تركهم الانتفاع بالعقل {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } بها {ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } ادخلوها بكفركم وإنكاركم لها. {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوٰهِهِمْ } أي نمنعهم من الكلام {وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } يروى أنهم يجحدون ويخاصمون فتشهد عليهم جيرانهم وأهاليهم وعشائرهم فيحلفون ما كانوا مشركين، فحيئذ يختم على أفواههم وتكلم أيديهم وأرجلهم، وفي الحديث «حديث : يقول العبد يوم القيامة إني لا أجيز عليّ إلا شاهداً من نفسي فيختم على فيه ويقال لأركانه: أنطقي فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنت أناضل»تفسير : {وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ } لأعميناهم وأذهبنا أبصارهم. والطمس تعفيه شق العين حتى تعود ممسوحة {فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرٰطَ } على حذف الجار وإيصال الفعل والأصل فاستبقوا إلى الصراط {فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ } فكيف يبصرون حينئذ وقد طمسنا أعينهم {وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَـٰهُمْ } قردة أو خنازير أو حجارة {عَلَىٰ مَكَــٰنَتِهِمْ } {على مكاناتهم} أبو بكر وحماد. والمكانة والمكان واحد كالمقامة والمقام أي لمسخناهم في منازلهم حيث يجترحون المآثم { فَمَا ٱسْتَطَـٰعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ } فلم يقدروا على ذهاب ولا مجيء أو مضياً أمامهم ولا يرجعون خلفهم. {وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ } عاصم وحمزة، والتنكيس: جعل الشيء أعلاه أسفله، الباقون {نَنْكُـسه} {فِى ٱلْخَلْقِ } أي نقلبه فيه بمعنى من أطلنا عمره نكسنا خلقه فصار بدل القوة ضعفاً وبدل الشباب هرماً، وذلك أنا خلقناه على ضعف في جسده وخلو من عقل وعلم ثم جعلناه يتزايد إلى أن يبلغ أشده ويستكمل قوته ويعقل ويعلم ما له وما عليه، فإذا انتهى نكسناه في الخلق فجعلناه يتناقض حتى يرجع إلى حال شبيهة بحال الصبي في ضعف جسده وقلة عقله وخلوه من العلم كما ينكس السهم فيجعل أعلاه أسفله قال عز وجل: {أية : وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً }تفسير : [الحج: 5] {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ } أن من قدر على أن ينقلهم من الشباب إلى الهرم ومن القوة إلى الضعف ومن رجاحة العقل إلى الخرف وقلة التمييز، قادر على أن يطمس على أعينهم ويمسخهم على مكانتهم ويبعثهم بعد الموت. وبالتاء: مدني ويعقوب وسهل. وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاعر فنزل {وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشّعْرَ } أي وما علمنا النبي عليه السلام قول الشعراء أو وما علمناه بتعليم القرآن الشعر على معنى أن القرآن ليس بشعر فهو كلام موزون مقفى يدل على معنى، فأين الوزن وأين التقفية؟. فلا مناسبة بينه وبين الشعر إذا حققته {وَمَا يَنبَغِى لَهُ } وما يصح له ولا يليق بحاله ولا يتطلب لو طلبه أي جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له ولم يتسهل كما جعلناه أمياً لا يهتدي إلى الخط لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض وأما قوله: شعر : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب تفسير : وقوله: شعر : هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت تفسير : فما هو إلا من جنس كلامه الذي كان يرمي به على السليقة من غير صنعة فيه ولا تكلف إلا أنه اتفق من غير قصد إلى ذلك ولا التفات منه أن جاء موزوناً كما يتفق في خطب الناس ورسائلهم ومحاوراتهم أشياء موزونة، ولا يسميها أحد شعراً لأن صاحبه لم يقصد الوزن ولا بد منه، على أنه عليه السلام قال «لقيت» بالسكون، وفتح الباء في «كذب» وخفض الباء في «المطلب» ولما نفى أن يكون القرآن من جنس الشعر قال {إِنْ هُوَ } أي المعلم {إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِيْنٌ} أي ما هو إلا ذكر من الله يوعظ به الإنس والجن، وما هو إلا قرآن كتاب سماوي يقرأ في المحاريب ويتلى في المتعبدات وينال بتلاوته والعمل به فوز الدارين، فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين {لِّيُنذِرَ} القرآن أو الرسول {لّتُنذِرَ } مدني وشامي وسهل ويعقوب {مَن كَانَ حَيّاً } عاقلاً متأملاً لأن الغافل كالميت أو حياً بالقلب، {وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ } وتجب كلمة العذاب {عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } الذين لا يتأملون وهم في حكم الأموات.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن ماجة وابن أبي الدنيا في صفة الجنة والبزار وابن أبي حاتم والآجري في الرؤية وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : بينا أهل الجنة في نعيمهم، إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال السلام عليكم يا أهل الجنة. وذلك قول الله {سلام قولا من رب رحيم} قال: فينظر إليهم، وينظرون إليه، فلا يلتفتوا إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم ". تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {سلام قولاً من رب رحيم} قال: فإن الله هو يسلم عليهم. وأخرج ابن جرير عن البراء رضي الله عنه في قوله {سلام قولاً من رب رحيم} قال: يسلم عليهم عند الموت. وأخرج ابن جرير وأبو نصر السجزي في الابانة عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه في قوله {سلام قولاً من رب رحيم} قال: يأتيهم تبارك وتعالى في درجاتهم، فيسلم عليهم، فيردون عليه السلام، فيقول "سلوني فيقولون: ما نسألك؟ وعزتك وجلالك لو أنك قسمت علينا رزق الثقلين الجن والانس لأطعمناهم، ولأسقيناهم، ولألبسناهم، ولأخدمناهم، ولا ينقصنا ذلك شيئاً. فيقول: إن لدي مزيداً، فيقول ذلك بأهل كل درجة حتى ينتهي، ثم يأتيهم التحف من الله تحمله إليهم الملائكة".
ابو السعود
تفسير : وقوله تعالى: {سَلَـٰمٌ} على التَّقديرِ الأوَّلِ بدلٌ من ما يدَّعُون. أو خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ. وقوله تعالى {قَوْلاً} مصدرٌ مؤكِّدٌ لفعلٍ هو صفةٌ لسلامٌ وما بعده من الجارِّ متعلِّقٌ بمضمر هو صفةٌ له كأنَّه قيل ولهم سلامٌ أو ما يدَّعُون سلامٌ يُقال لهم قَولاً كائناً {مِنْ} جهةِ {رَّبّ رَّحِيمٍ} أي يُسلَّم عليهم من جهتِه تعالى بواسطة المَلَكِ أو بدونِها مبالغةً في تعظيمهم. قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: والملائكةُ يدخلُون عليهم بالتَّحيةِ من ربِّ العالمين. وأمَّا على التَّقديرِ الثَّاني فقد قيل إنَّه خبرٌ لمَا يدَّعُون ولهم لبـيان الجهةِ كما يُقال لزيدٍ الشَّرفُ متوفِّرٌ. على أنَّ الشَّرفَ مبتدأٌ ومتوفِّرٌ خبرُه والجارُّ والمجرورُ لبـيانِ مَن له ذلك أي ما يدَّعُون سالمٌ لهم خالصٌ لا شوبَ فيه. وقولاً حينئذٍ مصدرٌ مؤكَّدٌ لمضمون الجملةِ أي عدةٌ من ربَ رحيمٍ. والأوجَهُ أنْ ينتصبَ على الاختصاصِ. وقيل هو مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ، أي لهم سلامٌ أي تسليمٌ قولاً من ربَ رحيمٍ. أو سلامةٌ من الآفاتِ فيكون قولاً مصدراً مؤكداً لمضمونِ الجملة كما سبقَ وقيل: تقديرُه سلامٌ عليهم فيكون حكايةً لما سيقالُ لهم من جهتِه تعالى يومئذٍ وقيل: خبرُه الفعلُ المقدَّر ناصباً لقولاً وقيل: خبرُه من ربَ رحيمٍ. وقُرىء سلاماً بالنَّصبِ على الحاليَّةِ أي لهم مرادُهم سالماً خالِصاً. وقُرىء سلمٌ وهو بمعنى السَّلامِ في المعنيـينِ. {وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ} عطفٌ إمَّا على الجملة السَّابقةِ المسوقة لبـيان أحوالِ أهل الجنَّةِ لا على أنَّ المقصودَ عطف فعل الأمر بخصُوصهِ حتىَّ يتحَّملَ له مشاكل يصحُّ عطفه عليه، بل على أنَّه عطفُ قصَّةِ سوء حال هؤلاءِ وكيفيَّة عقابِهم على قصَّةِ حُسن حال أولئك ووصف ثوابِهم كما مرَّ في قوله تعالى: { أية : وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} تفسير : [سورة البقرة: الآية 25] الآيةَ وكأنَّ تغيـير السَّبكِ لتخيـيل كمالِ التَّباينِ بـين الفريقينِ وحاليهما. وإمَّا على مضمرٍ تنساق إليه حكايةُ حال أهل الجنَّةِ كأنَّه قيل: إثرَ بـيان كونِهم في شغل عظيمِ الشَّأنِ وفوزهم بنعيم مقيمٍ يقصرُ عنه البـيانُ فليقرُّوا بذلك عيناً وامتازُوا عنهم {أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} إلى مصيرِكم. وعن قَتادةَ: اعتزلُوا عن كلِّ خبر. وعن الضَّحَّاكِ: لكلِّ كافر بـيتٌ من النَّارِ يكون فيه لا يَرى ولا يُرى. وأمَّا ما قيل: من أنَّ المضمرَ فليمتازوا فبمعزلٍ من السَّدادِ لما أنَّ المحكيَّ عنهم ليس مصيرهم إلى ما ذُكرمن الحال المرضيةِ حتَّى يتسنَّى ترتيب الأمر المذكور عليه بل إنَّما هو استقرارُهم عليها بالفعل، وكونُ ذلك بطريق تنزيل المترقَّبِ منزلةَ الواقع لا يُجدي نفعاً لأنَّ مناطَ الإضمار إنسياقُ الأفهام إليه وانصبابُ نظم الكلامِ عليه، فبعد ما نزلت تلك الحالة منزلَة الواقع بالفعل لما اقتضاه المقامُ من النُّكتةِ البارعة بالحكمة الرَّائعةِ حسبما مرَّ بـيانه وأسقط كونها مترَّقبةً عن درجة الاعتبار بالكُلِّيةِ يكون التَّصدِّي لإضمار شيء يتعلَّقُ به إخراجاً للنَّظمَ الكريم عن الجَزالة بالمرَّةِ.
السلمي
تفسير : قال ابن عطاء: السلام جليل الخطر وعظيم المحل وأجله خطرًا ما كان فى المشاهدة والمكافحة من الحق حين يقول: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}.
القشيري
تفسير : يسمعونَ كلامَه وسلامَه بلا واسطة، وأكَّد ذلك بقوله: {قَوْلاً}. وبقوله: {مِّن رَّبٍّ} ليعلم أنه ليس سلاماً على لسان سفير. {مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} والرحمةُ في تلك الحالة أن يرزقهم الرؤية في حال ما يُسَلِّم عليهم لِتَكْمُلَ لهم النعمة. ويقال الرحمة في ذلك الوقت أن يُنَقٍّيَهم في حال سماع السلام وحال اللقاء لئلا يصحبهم دهش، ولا تلحقهم حيرة. ويقال إنما قال: {مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} ليكون للعصاة من المؤمنين فيه نَفَسٌ، ولرجائهم مساغ؛ فإن الذي يحتاج إلى الرحمة العاصي. ويقال: قال ذلك ليعلم العبدُ أنه لم يصل إليه بفعله واستحقاقه، وإنما وصل إليه برحمة ربه.
البقلي
تفسير : سلام الله ازلى الابد غير منقطع من عباده الصادقين فى الدنيا والاخرة لكن فى الجنة يرفع عن اذانهم جميع الحجب فسمعوا سلامه ونظروا الى وجهه كفاحا قال ابن عطا السلام جليل الخطر عظيم المحل واجله خطوا ما كان فى المشاهدة والمكافحة من الحق حين يقول سلام قولا من رب رحيم من استقام عليه فقد ظهر عليه سر الرسل وشغله ذلك السر به عن الطاعة والمعصية قد حضر لى نكته ان السّلام يكون بالقول والكلام من رب رحيم يريهم بمشاهدته ويرحمهم لئلا يحجبهم عن جماله ابدا قال الاستاذ الرحمة فى تلك الحالة ان يرزقهم الروية فى حالة ما سلم عليهم ليكمل لهم النعمة.
اسماعيل حقي
تفسير : {سلام} بدل من ما يدعون كأنه قيل ولهم سلام وتحية يقال لهم {قولا} كائنا {من} جهة {رب رحيم} اى يسلم عليهم من جهته تعالى بواسطة الملك او بدونها مبالغة فى تعظيمهم فقولا مصدر مؤكد لفعل هو صفة لسلام وما بعده من الجار متعلق بمضمر هو صفة له والاوجه ان ينتصب قولا على الاختصاص اى بتقدير اعنى فان المقام المدح من حيث ان هذا القول صادر من رب رحيم فكان جديرا بان يعظم امره وفى الحديث "حديث : بينا اهل الجنة فى نعيمهم اذ سطع لهم نور فرفعوا رؤسهم فاذا الرب تعالى قد اشرف عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا اهل الجنة فذلك قوله سلام قولا من رب رحيم فينظر اليهم وينظرون اليه فلا يلتفتون الى شئ من النعيم ما داموا ينظرون اليه حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركته عليهم فى ديارهم" شعر : سلام دوست شنيدن سعادتست وسلامت بوصل يار رسيدن فضيلتست وكرامت تفسير : قال فى كشف الاسرار [معنى سلام آنست كه سلمت عبادى من الحرقة والفرقة واشارت رحمت درين موضع آنست كه ايشانرا برحمت خويش قوت وطاقت دهد تابى واسطه كلام حق بشنوند وديدار وى بينند وايشانرا دهشت وحيرت نبود]. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان سلامه تبارك وتعالى كان قولا منه بلا واسطة واكده بقوله رب ليعلم انه ليس بسلام على لسان سفير وقوله رحيم فالرحمة فى تلك الحالة ان يرزقهم الرؤية حال ما يسلم عليهم ليكمل لهم النعمة. وفى حقائق البقلى سلام الله ازلى الى الابد غير منقطع عن عباده الصادقين فى الدنيا والآخرة لكن فى الجنة يرفع عن آذانهم جميع الحجب فيسمعون سلامه وينظرون الى وجهه كفاحا شعر : سلامت من دلخسته در سلام توباشد زهى سعادت اكر دولت سلام تويابم تفسير : قال فى كشف الاسرار [سلام خداوند كريم بربندكان ضعيف دو ضرب است يكى بسفير وواسطه ويكى بى سفير وبى واسطه اما آنجه بواسطه است اول سلام مصطفا ست عليه السلام: وذلك فى قوله {أية : اذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم} تفسير : اى محمد جون مؤمنان برتو آيند ونواخت ما طلبند تو بنيابت ما برايشان سلام كن وبكوى {أية : كتب ربكم على نفسه الرحمة} تفسير : باز جون روز كار حيات بنده برسد وبريد مرك در رسد دران دم زدن بازيسين ملك الموت را فرمان آيدكه توبريد حضرت ما يى بفرمان ما قبض روح بنده ميكنى نخست اورا شربت شادى ده ومرهمى بردل خسته بروى نه بروى سلام كن ونعمت بروى تمام كن اينست كه رب العزة كفت {أية : تحيتهم يوم يلقونه سلام واعد لهم اجرا كريما} تفسير : آن فرشتكان ديكركه اعوان ملك الموت اند جون آن نواخت وكرامت بينندهمه كويند {أية : سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} تفسير : اى بنده مؤمن خوشدلى وديعت جان تسليم كردى نوشت بادو سلام ودرود مرترا باد از سراى حكم قدم در ساخت بهشت نه كه كار كارتست ودولت دولت تو وازان بس جون از حساب وكتاب ديوان قيامت فارغ شود بدر بهشت رسد ورضوان اورا استقبال كند كويد {أية : سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} تفسير : سلام ودرود برشما خوش كشتيد وباك آمديد وباك زندكانى كرديد اكنون دررويد درين سراى جاودان وناز ونعيم بى كران وازان بس كه در بهشت آيد بغرفه خويش آرام كيرد فرستاد كان ملك آيندواورا مزده دهند وسلام رسانند وكويند {أية : سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} تفسير : جون كوش بنده ازشنيدن سلام واسطه برشود وازدرود فرشتكان برشود آرزوى ديدار حق وسلام وكلام متكلم مطلق كند كويد بزبان افتقار در حالت انكسارى بساط انبساط كه. اى معدن ناز من اين نياز من تاكى. اى شغل جان من اين شغل جان من تاكى. اى همراز دل من اين انتظار دل من تاكى. اى ساقى سرمن اين تشنكى من تاكى اى مشهود جان من اين خبر برسيدن من تاكى. خداوندا موجود دل عارفانى درذ كريكانه آرزوى مشتقانى درو جود يكانه هيج روى آن دارد خداوندا كه ديدار بنمايى وخود سلام كنى برين بنده] فيتجلى الله عز وجل ويقول سلام عليكم يا اهل الجنة فذلك قوله {سلام قولا من رب رحيم}. قيل سبعة اشياء ثواب لسبعة اعضاء لليد {أية : يتنازعون فيها كأسا} تفسير : للرجل {أية : ادخولها بسلام} تفسير : للبطن {أية : كلوا واشربوا هنيئا} تفسير : للعين {أية : وتلذ الاعين} تفسير : للفرج {أية : وحور عين} تفسير : للاذن (سلام قولا) للسان {أية : وآخر دعواهم ان الحمد لله رب العالمين }
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : "سلام" مبتدأ محذوف الخبر، لدلالة "لهم ما يدعون" عليه، كأنه قال: "لهم ما يدعون ولهم سلام"، ويجوز أيضاً أن يكون بدلاً من "ما يدّعون"، و "قولاً" مفعول به، أي: يقول الله قولاً يسمعونه من رب رحيم، فنودوا بدوام الأمن والسلامة مع سبوغ النعمة والكرامة، أو مفعول مطلق، أي: يقال لهم قولاً من جهة رب رحيم. بمعنى أنه سبحانه يسلم عليهم بلا واسطة، أو بواسطة الملائكة، تعظيماً وتكريماً لهم، وعلى تقدير البدلية، يكون اشعاراً بأن ذلك غاية ما يتمنونه وغاية منى أهل الجنة أن يسلّم الله عليهم، ولهم ذلك من غير منع. وعن ابن عباس: الملائكة يدخلون عليهم بالتحية من رب العالمين. وقيل: إن الملائكة يدخلون عليهم من كل باب، يقولون: "سلام عليكم من ربكم الرحيم". وفي الكشاف قيل: "ما يدّعون" مبتدأ وخبره "سلام"، بمعنى: ولهم ما يدّعون سالم خالص لا شَوْبَ فيه، و "قولاً" مصدر مؤكد لقوله: "ولهم ما يدّعون سلام - أي عِدَة - من رب رحيم"، والأوجه أن ينتصب على الاختصاص، وهو من مجازه. وقرئ: "سلم". في قراءة ابن مسعود: "سلاماً، نصباً على الحالية، أي: لهم ما يدّعون سالماً. مكاشفة برهانيّة قد سبقت الإشارة إلى أن الإنسان إذا مات عن الدنيا ولذّاتها، وصفت نفسه عن دَرَن الشهوات، وتنوّرت بأنوار العبودية والطاعة، وتخلّقت بأخلاق الله، وبلغت مقام الفناء في التوحيد، فحشر إلى ربه وتسرمد بسرمديته، ونفذ حكمه في العالم على حسب التابعية ومقام الرضا، واستشرقت ذاته اللطيفة الصافية باشراق نور المحبة في أرجائها، فتكرم بكرامة التكوين والإيجاد، فتسخّر له ما في الملك والملكوت، ويسمع دعاؤه ودعوته في عالم الجبروت، لكونه وليد القدس وخليفة الله في أرضه، ويكون ممن أمر الله سبحانه بواطن الملكوت والروحانيين وعباده المسبّحين بأن يسجدوا له كلهم، بقوله: {أية : ٱسْجُدُواْ لآدَمَ}تفسير : [البقرة:34]. ويكون ممن يطيع له الملكوت ويسجدون له كما سجد الملائكة كلهم لأبيه آدم حين أمرهم الله بسجوده، كما في قوله تعالى: {أية : إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ* فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} تفسير : [ص:71 - 72]، وها هنا يظهر سرّ ما ورد في الحديث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أن العالم يستغفر له من في السماء ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر ". تفسير : وبالجملة، الإنسان إذا انخرط في سلك المقربين، يصير نفس تصوره لكل ما يتمناه نفس وجود ذلك الشيء في العين، كما أن قبل ذلك يعمّ لكل أحد إذا تصور شيئاً وتمنّاه خضع له في عالم توهمه، ويكون نفس تصوره لشيء وجوداً خيالياً ذهنياً له، فلكل أحد ها هنا ما تشتهي نفسه في خياله وضميره، إلاّ أن ضميره وباطنه في غاية القصور، وارادته وهمّته في غاية الضعف، فيكون للأشياء بالقياس إليه وجود كالعدم، وحضور كالغيبة، وأما في الآخرة فإذا قوي روح الإنسان بالعلم والإيمان، وتخلص عن قيود الإمكان ورقّ الحدثان، وسلاسل الذنوب وغلّ العصيان، كان الذهن له خارجاً، والعلم عيناً، والغيبة حضوراً، فيحضر ويوجد له دفعة واحدة كل ما يهمّه ويهواه، هذا هو المراد بقوله تعالى: {ولهم فيها ما يدّعون}. ثم اعلم أنه حديث : ورد في الحديث في خبر أهل الجنة: أنه يأتي إليهم الملك بعد أن يستأذن منهم في الدخول عليهم، فإذا دخل ناولهم كتاباً من عند الله بعد أن يسلّم عليهم من الله، فإذ في الكتاب لكل إنسان يخاطب به: من الحي القيوم إلى الحي القيوم، أما بعد: فإنّي أقول للشيء "كن" فيكون، وقد جعلتك اليوم تقول للشيء "كن" فيكون. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): فلا يقول أحد من أهل الجنة لشيء "كن" إلاّ ويكون . تفسير : تأييد كشفي قال بعض أهل المعرفة في شرح هذا الحديث: إن قوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : فلا يقول أحد من أهل الجنة لشيء كن إلاّ ويكون" تفسير : جاء (بشيء) نكرة، فَعَمّ، وغاية الطبيعة تكوين الأجسام وما تحمله مما لا تخلو عنه وتطلبه بالطبع، وغاية النفس تكوين الأرواح الجزئية في النشآت الطبيعية، فما أعطى العموم إلاّ للإنسان الكامل حامل السر الإلهي، فكل ما سوى الله شطر من الإنسان الكامل - فاعقل إن كنت تعقل -. ومن أراد أن يعرف كماله، فلينظر في نفسه وأمره ونهيه وتكوينه بلا واسطة لسان ولا جارية ولا مخلوق غيره، فهو على بينة من ربه في كماله، فإن أَمَرَ أو نهى، أو شرع في التكوين بواسطة جارحة من جوارحه، فلم يقع شيء من ذلك، أو وقع في شيء دون شيء، ولم يعم - مع عموم ذلك بترك الواسطة - فقد كمل، فلا يقدح في كماله ما لم يقع في الوجود عن أمره بالواسطة، فإن الصورة الإلهية بهذا ظهرت في الوجود، فإنه أمر عباده على ألسنة رسله وفي كتبه، فمنهم من أطاع ومنهم من عصى، وبارتفاع الوسائط لا سبيل إلاّ الطاعة خاصة، كما قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : يد الله مع الجماعة"تفسير : ، وقدرته نافذة، ولهذا إذا اجتمع الإنسان في نفسه حتى صار شيئاً واحداً، نفذت همته فيما يريد، وهذا ذوق أجمع عليه أهل الله قاطبة، انتهى كلامه. وقال في موضع آخر: "بالوهم يخلق كل إنسان في قوة خياله ما لا وجود له إلاّ فيها، وهذا هو الأمر العام الفاشي، والعارف يخلق بالهمّة ما يكون له وجود من خارج محل الهمة، ولكن لا تزال الهمة تحفظه ولا يؤودها حفظ ما خلقته، فمتى طرأ على العارف غفلة عن حفظ ما خلق، عدم ذلك المخلوق" انتهى. وقال الغزالي في رسالة المضنون به على غير أهله، "إن النوم مستحقر لأجل انقطاعه، فلو كانت دائمة لم يظهر الفرق بين الخيالي والحسي، لأن التذاذ الإنسان بالصور من حيث انطباعها في الخيال والحس، لا من حيث وجودها في الخارج، فلو وجد في الخارج ولم يوجد في حسّه بالانطباع، فلا لذة له، ولو بقي المنطبع في الحسّ وعُدم في الخارج لدامت اللذة، وللقوة المتخيّلة قدرة على اختراع الصور في هذا العالم، إلاّ أن صورها المخترعة متخيلة، وليست بمحسوسة ولا منطبعة في القوة الباصرة، فلذلك لو اخترع صورة جميلة في غاية الجمال، وتوهم حضورها ومشاهدتها، لم تعظم لذته، لأنه ليس بصيراً مبصراً كما في المنام. فلو كانت له قوة على تصويرها في القوة الباصرة، كماله قوة على تصويرها في القوة المتخيلة، لعظمت لذّته، ونزلت منزلة الصورة الموجودة في الخارج، ولم تفارق الدنيا الآخرة في هذا المعنى إلاّ من حيث كمال القدرة على تصوير الصورة في القوة الباصرة، فكلما تشتهيه فيحضر عنده في الحال، فتكون شهوته بسبب تخيله، وتخيله بسبب ابصاره، أي بسبب انطباعه في القوة الباصرة، ولا يخطر بباله شيء يميل إليه إلاّ ويوجد في الخيال (الحال - ن)، أي يوجد له بحيث يراه. وإليه الإشارة بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أن في الجنة سوقاً تباع فيه الصُّوَر"تفسير : ، والسوق عبارة عن اللطف الإلهي الذي هو منبع القدرة على اختراع الصور بحسب المشيّة، وانطباع القوة الباصرة بعدها انطباعاً ثانياً إلى دوام المشية، لا انطباعاً هو بمعرض الزوال من غير اختيار كما في النوم في هذا العالم. وهذه القدرة أوسع وأكمل من القدرة على الإيجاد عن خارج الحسّ، لأن الموجود في خارج الحسّ لا يوجد في مكانين، وإذا صار مشغولاً باستماع واحد ومشاهدته ومماسّته، صار مستغرقاً محجوباً عن غيره، وأما هذا فيتسع اتساعاً لا ضيق فيه ولا منع، حتى لو اشتهى مشاهدة النبي (صلى الله عليه وآله) - مثلاً - ألف شخص في ألف مكان في حالة واحدة لشاهدوه كلما خطر ببالهم في الأمكنة المختلفة، وأما الإبصار الحاصل من شخص النبي (صل الله عليه وآله) الموجود في خارج الحسّ، فلا يكون إلاّ في مكان واحد، وحمل أمور الآخرة على ما هو أوسع وأتم للشهوات وأوفى لها أَوْلىٰ. ولا ينتقص عن رتبتها في الوجود انتفاء وجودها من الخارج، فإن وجودها مراد لأجل حظه، وحظه من وجوده في حسّه، فإذا وجد فقد توفر حظه، والباقي فضل لا حاجة إليه، وإنما يراد لأنه طريق المقصود، وقد تعيّن كونه طريقاً في هذا العالم الضيق القاصر، أما في ذلك العالم، فيتسع الطريق ولا يتضيق" انتهى كلامه. مباحثة عقلية إن هذا النحرير الخبير قد تتبع أثر كلام فاضل المشّائين أبي علي بن سينا في تحصيل مسألة المعاد الجسماني، حيث قال في أواخر كتابه المعروف بالشفاء، بعد أن صحح اعتقاده بالمعاد بكون بعض الأجرام السماوية موضوعاً لتخيلات المتوسطين في السعادة والأشقياء، وفي جميع ما اعتقدوه من الأحوال الأخروية، أو سمعوه من الإنذارات في الدنيا، من أحوال القبر والبعث والثواب والعقاب بهذه العبارة: "إن الصورة الخيالية ليست أضعف عن الحسيّة، بل تزداد عليها تأثيراً وصفاءاً كما يشاهد في المنام، فربما كان المحلوم به أعظم شأناً في بابه من المحسوس، على أن الأخرى أشد استقراراً من الموجود في المنام بحسب قلة العوائق وتجرد النفس وصفاء القابل، وليست الصورة التي ترى في المنام بل والتي تحسّ في اليقظة - كما علمت - إلاّ المرتسمة في النفس، إلاّ أن إحداهما تبتدئ من باطن وتنحدر إليه، والثانية تبتدئ من خارج وترتفع إليه، فإذا ارتسم في النفس تمّ هناك الإدراك المشاهد، وإنما يلذ ويؤذي بالحقيقة هذا المرتسم في النفس لا الموجود في الخارج، وكلما ارتسم في النفس فعل فعله وإن لم يكن سبب من خارج، فإن السبب الذاتي هو هذا المرتسم، والخارج هو سبب بالعرض أو سبب السبب" انتهت ألفاظه. والعجب منهما جميعاً، كيف اقتنعا في هذه المسألة المهمة الشريفة الدينية، التي لا يخرج الإنسان من خطر سوء العاقبة إلاّ بتحقيقها وتبيينها، بهذه المرتبة الدنيّة، وقصرا في الإعتقاد بيوم المعاد على هذه الدرجة النازلة. بل الحق الحقيق بالإعتقاد والتصديق، هو ما تنورت به نفوس الراسخين في العلم والإيمان، المثبتين في الحكمة والعرفان، من علماء هذه الملة البيضاء، وحكماء هذه الشريعة الغرّاء، وهو أن الصور الموجودة الموعودة في الدار الآخرة موجودات عينيّة وثابتات خارجية منفصلة عن النفس - لا أنها حالّة فيها حلول الصور الانطباعية - وإنما هي جواهرها جواهر عينية وثابتات خارجية منفصلة عن النفس، وهي على أشكالها وهيئاتها وصفاتها المنعوتة في الكتاب والسنّة، وأقدارها واعظامها وإعدادها الموعودة في لسان الشريعة من غير تجوزات واستعارات في اللفظ، وتكلّفات وتمحّلات في الحكاية. وهي أقوى تأثيراً وأدوم آثاراً من موجودات هذا العالم، بل لا نسبة بينها وبين هذه المؤثرات (الداثرات - ن) المستحيلات في باب الموجودية وترتّب الآثار بها، وليست أنها بحيث يمكن أن ترى بهذه الأبصار البالية الفانية كما ذهب إليها الظاهريون، ولا أنها خياليّة محضة لا وجود لها في العين، أو مثاليّة محضة لا تشاهد إلاّ في مظاهر أخرى نفسانية أو خيالية، أو أجرام فلكيّة أو كوكبية كما رآه آخرون، ولا أنها مجرد مفهومات عقلية وأمور ذهنيّة كلية كما زعمه المشّاؤون، ولا أنها مجرد مثالات عقلية لأجسام نوعية وأرباب أنواع جسمانية لأصنام شخصية كما ذهب إليه الرواقيّون، ولا أنها أشخاص وأجسام ستوجد في هذا العالم ويتعلق بها النفوس الناقصة والمتوسطة بعد مرور أكوار وأدوار كثيرة، ومضيّ دهور وأحقاب عديدة، كما تمحّله وانتحله التناسخية. بل كما ذكرناه، صورة عينيّة جوهرية موجودة، لا في هذا العالم ودار العمل، ولا يشاهد بهذه الحواس، وإنما هي ثابتة في عالم الآخرة ودار الثواب. وعالم الآخرة جنس لعوالم كثيرة، كل منها أعظم من هذا العالم بما لا نسبة بينهما، ولكل نفس من نفوس الأخيار عالم عظيم الفسحة، ومملكة أعظم من السماوات والأرض بعدة أضعاف. ووجود أمور الآخرة وإن كان يشبه وجود الصور التي يراها الإنسان في المنام أو في المرآة من وجه، إلاّ أن الموجودة في المنام والمرآة أمور ضعيفة، شأنها الحكاية المحضة، وأما الصور الموجودة في الدار الآخرة فهي أمور قوية الوجود شديدة التأثير، نسبتها إلى هذه الصور الدنيوية كنسبة هذه الصور المحسوسة إلى الموجودة في المنام، من بقايا المرتسمات الوهمية والمخزونات الخيالية، كما ورد في الحديث من قوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا"تفسير : ، فيعلم منه أن الكون في الدنيا منام والعيش فيها أحلام. وقد مرت في تفسيرنا لبعض الآيات إشارات لطيفة وتنبيهات على كيفية وجود الصور الأخروية، وأما بيانه التفصيلي على المنهج البرهاني اللمّي بالنظم الحكمي المتعارف بين المباحثين، المناسب للناظرين، فقد أودعناه في بعض "الأسفار الإلهية" الموسومة بالحكمة المتعالية. وأما إجماله، فإنما يستفاد من هذه الآية ونظائرها، بملاحظة أن النفس الناطقة الإنسانية من سنخ الملكوت وعالم القدرة والنورية، والنور فياض لذاته، والملكوتيون لهم اقتدار على اختراع الصور من غير حاجة إلى مادة وموضوع تصرفوا فيها كأرباب الصنائع في صنائعهم، ووجود المادة وعدمها مناط الفرق بين الصنع والإبداع، فإن الحاصل بالإنشاء والإبداع يكون صورة من غير مادة وموضوع، والحاصل بالصنع والتكوين صورة في مادة أو مع مادة. لكن النفس ما دامت متعلقة بهذا البدن الكثيف الظلماني، المركب من الأضداد، لا يمكنها إنشاء الصور والأشكال التي أرادت وشاءت إلاّ ضعيفة الكون شبحية الوجود، بمنزلة الطلل والرسوم التي لا تترتب عليها الآثار المطلوبة، ولا تكون أيضاً ثابتة باقية بل دائرة زائلة، لأن مظهرها القوة الخيالية، وهي دائمة التحلل والتجدد والزوال، والإنتقال من حال إلى حال حسب اختلاف أمزجة محلها، بسبب ما يرد على الروح البخاري من المشوّشات والمتغيّرات الخارجة والداخلة. أَوَلاَ ترى أن النفس كلما استراحت من الشواغل الضرورية وغير الضرورية والحركات اللازمة لحفظ البدن، المجتمعة من الأمور المتضادة المتداعية إلى الانفكاك، وتعطلت حواسها الظاهرة واحتبست عن استعمالها والاشتغال بها - إما بالنوم، أو بتوجهها إلى الجنبة العالية بقوة في ذاتها نظرية أو كسبية - اغتنمت الفرصة ورجعت إلى ذاتها النورية الفياضة، فأصبحت مخترعة للصور مشاهدة إياها بحواسها التي لها في ذاتها بلا مشاركة البدن، فإن للنفس في ذاتها بصراً وسمعاً وذوقاً وشمّاً ولمساً من دون حاجة لها إلى البدن وقواه، بل هي أتم وأقوى وأصفى من هذه التي في البدن، بل هذه هي ظلال تلك، وكما أن حواس البدن كلها ترجع إلى حاسة واحدة هي "الحس المشترك"، فجميع حواس النفس وقواها ترجع إلى قوة واحدة وهي ذاتها النوريّة الفيّاضة للصور. وقد أشرنا إلى أن نزول الشيء عن فطرته يكثّره ويضعفه، فهذه الحواس على كثرتها كأنها هي صفات النفس الموجودة في ذاتها بوجود واحد، تشعّبت وتكثرت في البدن، والضعف مما يوجب التكثر والإنقسام، كالنبض يتعدد ويتواتر عند ضعفه، فإذا رجعت النفس إلى فطرتها وذاتها من هذا العالم، صار إدراكها للأشياء عين قدرتها عليه، فيكون علمها فعلاً وحسها قدرة، وكلما كانت أتم قوة، وأقوى تجوهراً، وأقل مزاحمة من قواها وشواغلها، كانت ملاقاتها للصور الغيبيّة ومشاهدتها إيّاها، وترتب آثار الوجود على صورها المشهودة إلذاذاً أو إيلاماً أكثر. وربما كانت قوة بعض النفوس لغاية جلالتها وقربها من الحق سبحانه بحيث تفي بضبط الجانبين، وتسع للتصرف في النشأتين، فكانت مع تعلقها بهذا البدن مشاهداً لعالم الآخرة، وذلك لنفضهم غبار هذه المحسوسات عن أذيال نفوسهم، وعدم التفاتهم إلى صور هذه الدار إلاّ بعين الاحتقار، فلا يشغلهم شأن عن شأن، ولا يحجبهم منزل عن منزل، ولا يلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وتذكّر الأمور الأخروية، فهي كالمبادئ الفعّالة ذاتاً وصفة وفعلاً، فتقدر على إيجاد الصور وإنشاء الأعيان، وذلك لظهور سلطان الآخرة على قلوبهم، وقيامهم إلى الله عن هذه القبور البالية. فهذه أنموذج لمعرفة أحوال الآخرة وما يراه الإنسان من الصور الملّذة أو المؤذية الموعودة أو المتوعّدة عليها في الجنة والنار، ويعلم منه كيفيّة احضار كل ما يشتهيه ويدّعيه أهل الجنة في الجنة المشار إليه في هذه الآية قوله: {أية : وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ} تفسير : [يس:57]. بل يعلم أيضاً كل نفس - سواء كانت سعيدة أو شقية -، فهي إذاً انقطعت عن البدن، وارتحلت عن هذه الدار، وارتفعت عنها شواغلها صحبة الأغيار، ورجعت إلى ذاتها وعالمها، وصارت جوانبها الباطنية لإدراك الأمور الأخروية قوية حديدة، لقوله تعالى: {أية : فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ}تفسير : [ق:22] فيشاهد الصور الغيبية المخزونة عنها من نتائج أعمالها وأفعالها، ومطامح أنظارها ومقاصد طبائعها وغاية هممها وقصورها، فإن كانت هي من الأمور القدسية الدائمة الباقية المقرّبة إلى الحق، المؤكدة للرَوْح والرَيحان، والانس بروائح القدس، كانت الروح عند ملاقاتها مسرورة بها، قريرة العين بمشاهدتها، كالجنة والرضوان ومجاورة الرحمان، وإن كانت من باب اللذات الداثرات، والشهوات الدنية الفانية، كانت الروح عند ملاقاتها في غصة وعذاب أليم، وتَصْلِيه جحيم. مباحثة أخرى ثم إني لأتَعَجَّبُ من بعض الشيوخ الموصوفين بالعلم والحكمة وفقه الآيات بالإشراق والهمّة، مع شدة توغله في فهم الأسرار وعلم الأنوار، واعتقاده بوجود عالم الجنة والنار - إليه رجعى نفوس الأخيار والفجّار - كيف صوّب واختار قول بعض العلماء، كما صوّبه واختاره الشيخان الجليلان - وهما أبو علي والغزالي - تصريحاً وتلميحاً، من كون جرم سماوي موضوعاً لتخيلات طوائف من السعداء والأشقياء، مستدلاً بأنهم لم يتصور لهم العالم العقلي، ولم تنقطع علاقتهم عن الأجرام، وهم بعد بالقوة التي احتاجت بها النفس إلى علاقة البدن، وقال: "إنه كلام حسن"، موافقاً لما قال أبو علي بعد نقله إياه: "أنه مما يشبه أن يكون كلاماً حقاً" وكما اختاره الغزالي في مقالته المضنون بها - وهو ما نقلنا آنفاً -. إلاّ أن هذا الشيخ الاشراقي، خالفهما في تعلق نفوس الأشقياء بتلك الأجرام الشريفة ذوات النفوس النورانية، حيث قال: "والقوة تحوجهم إلى التخيل الجرمي، فليس يمتنع أن يكون تحت فلك القمر وفوق كرة النار جرم كروي غير منخرق هو نوع بنفسه، ويكون برزخاً بين العالم الأثيري والعنصري موضوعاً لتخيلاتهم، فيتخيلون به من أعمالهم السيئة مثلاً من نيران وحيّات تلسع، وعقارب تلدغ، وزقّوم تُشرب، وغير ذلك". وقال: "ولست أشك لما اشتغلت به من الرياضات أن الجهال والفجرة لو تجرّدوا عن قوة جرمية مذكرة لأحوالهم مستتبعة لمَلَكاتهم وجهالاتهم، مخصصة لتصوراتهم، نجوا إلى الروح الأكبر" انتهى. ولا يخفى على الخبير البصير، أن كون جسم من الأجسام فلكي أو عنصري موضوعاً لتخيل النفس ومرآةً لمشاهدتها صور الأشياء، لا تستم إلاّ بأن يكون لها معه علاقة ذاتية أو وضعية بتوسط ما هو لها معه تلك العلاقة بالذات، وبالجملة، لا بدّ من أن يكون ذلك الجسم في تصرف النفس بوجه من الوجوه، وأقلّه كما يكون في المرايا التي لها علاقة وضعية بالنسبة إلى المادة البدنية، التي هي موضوعة لأفاعيل النفس ومحل لقواها، ومطرح لأشعّتها وأضوائها، المنبعثة عن ذاتها النيرة الواقعة عليك. فإنك إذا كنت ترى صورة في المرآة، فهو لأجل علاقة وضعية لها ابتداءً أو بتوسط مرآة أخرى مع عينك التي هي أيضاً مرآة في تصرّف النفس بعلاقة طبيعية، وليس الجرم الفلكي أو ما يجري مجراه، مما يؤثر فيه شيء من النفوس إلاّ نفسه الفائضة عليه من مبدئه، وقد تقرر عندنا، أن الأجرام العلوية ليست مطيعة لغير مباديها الذاتية، وهي ملائكة السماوات بأمر ربّها، ولا قابلة للتأثيرات الغريبة من القواسر، وليست لتلك النفوس المفارقة عن هذه الأبدان أبدان أخرى، حتى تكون لأبدانها بالقياس إلى تلك الأجرام العلوية علاقة وضعية، لتصير هي كمرآة لتلك النفوس يشاهدون ما فيها من الصُّوَر. وعلى تقدير صحة كونها مرائي، تكون الصور المرتسمة في مرائيها هي تخيلات الأفلاك وما في حكمها، لا تخيلات تلك النفوس، فكيف يُجَوّزون أن تكون تلك الصور مما يتلذذ به السعداء أو يتعذب به الأشقياء؟ كيف والصور المؤلمة لهم - على ما اعترفوا به -، ليست إلاّ هيئاتهم الردية وتخيلاتهم النفسانية المشوشة الباطلة، وعقائدهم الوهمانية الخبيثة الفاسدة، دون الصور المطابقة لما هو الواقع، لأن الكائن في القابل الذي هو في غاية الخلوص والنقاء - كالأجرام العالية - من الفاعل الذي في غاية الشرف والبهاء - كالمبادي العقلية - لا يكون إلاّ صوراً علمية مطابقة لما هو عليه الأمر في نفسه. ثم من المعلوم أن علاقة الجوهر الروحاني بجرم إنما هي لنسبة طبيعية بين مادته البدنية وبين الجوهر الروحاني، فأيّه نسبة حدثت بينهما بالموت حتى أوجبت اختصاصه به وانجذابه من عالمه إليه دون غيره من الأجرام؟ بل إلى حيّزه دون بقية الاحياز من نوع ذلك الجرم؟ ثم أن الجسم الذي هو موضوع التخيلات، يجب أن تتصرف فيه النفس وتحركه بحركات جرمية، تابعة للحركات النفسانية وارادته الفكرية، كما يعرض لجوهر الدماغ من الإنفعال والتغيرات، وظاهر، أن الجوهر الفلكي يأبى عن تَصرُّف فيه من غير نفسه المحركة إياه حركة متشابهة مستمرة على نهج واحد. وإن كان جرماً مركّباً دخانياً تحت كرة النار - كما زعمه قوم - فهو أيضاً غير صحيح، لعدم اعتدال فيه يصلح لقبول النفس المدبّرة له، فإنه أن قرب من النار فتحيله بسرعة إلى جوهرها، وأن بَعُدَ منها فيكون في حيّز الهواء، فأما أن يتخلخل فيصعد بحرّ، أو يتكاثف فينزل ببرد، وليس فيه جرم محيط يغلب عليه من الصلابة واليبس ما يحفظه من التبدد ويحرسه عن ممازجة غيره به، كما للجوهر الدماغي فينا، ليتعين فيه محل التخيل بتشكلاته، ولا بدّ من جوهر يابس لتنحفظ فيه الصور، ورطب ليقبل. ثم لما كانت النفوس المفارقة عن الأبدان الإنسانية غير متناهية عندهم، لزم مما ذكروه اجتماع المفارقات كلها على جسم من أجسام العالم، فيلزم أما نهاية تلك الجواهر، أو عدم نهاية ذلك الجسم، وكلاهما محال، فلا يستتم ما قالوه ولا يستقيم ما تصوروه من كونها مما يتعذب به الأشقياء. وكما لم يجز ذلك في الجرم الفلكي، فكذلك لا يصح في جرم إبداعي غير منخرق منحصر نوعه في شخصه كما توهموه، بل هذا الجرم أيضاً كما فرضوه، له طبيعة خامسة فلكية وإن كانت تحت كرة القمر، للزوم كونه غير مستقيم الحركة، بل ذا حركة مستديرة دائمة يخرج بها أوضاعه وكمالاته من القوة إلى الفعل، وسائر صفات الأفلاك على رأيهم، ولعل عدد نفوس الأشقياء غير متناه على رأيهم كما مرّ، فكيف يكون جرم دخاني متناه موضوعاً لتصرفاتها وصورها الإدراكية الغير المتناهية، إذ لا أقل من أن يكون فيه بإزاء تعلق كل نفس وكل ارتسام صورة فيها قوة واستعداد لها، فيلزم أن يكون جرم واحد ذا قوة غير متناهية مجتمعة، وذلك معلوم الفساد. بل الحق، أن الصور المُلِذَّة للسعداء، والمؤذية للأشقياء، في النشأة الثانية -، كما وعدت الشريعة الحقة النبوية، على الصادع بها وآله أفضل الصلاة والتحية - هي واقعة في صقع آخر، مظاهرها نفوس هاتين الطائفتين بضرب من الفعل والتأثير، كما أن الصور تقع في المرآة بضرب من القبول، ولا منافة بين صدور الفعل عن قوة بجهة، وانفعالها عنه بجهة أخرى، كما أن الصحة والمرض البدنيين ينشئان من النفس في هذه الدار - كما هو التحقيق - بواسطة ما سبق من أفعال تغير المزاج، ثم تنفعل النفس منهما، وتكون من أحدهما في راحة ومن الآخر في مشقة. وذلك لكونها ذات جهتي قوة وفعل، وكمال ونقص، ووجوب وإمكان، يفعل بأحدهما وينفعل بالأخرى، وهكذا يكون حالها بحسب فعل الطاعات واقتراف السيئات المؤدية إلى الصور الحسنة والقبيحة يوم الآخرة عند تجسّم الأعمال، فيتنعّم أو يتعذب. وهاتان الجهتان موجودتان في النفس ما لم يصرّ عقلاً بسيطاً صرفاً يكون فعّالاً ودرّاكاً، وقد ثبت عندنا أن "عنه" و "فيه" في المفارقات المحضة شيء واحد. فقد وضح أن جميع ما يلحق النفس في الآخرة هو ما ينشأ منها، فظهر بطلان قول هؤلاء المتشبّثين بأذيال الأفكار الفلسفية، الواقفين عن الإرتقاء إلى ذروة قدس الملة المصطفوية، وأوْج عرفان الحكمة المحمدية، على الصادع بها وآله أزكى الصلوات الأبدية. تأييد تنبيهي ومما يؤكد ويوضح ما ذكرناه، من بطلان قول هؤلاء بتعلق الأرواح بعد الموت بأجسام فلكية أو دخانية، ليكون الحاصل في قواها من الصور المثالية هي بعينها جنة السعداء وجحيم الأشقياء، وتصحيح أن تلك الصور والأشباح حادثة عن الأرواح في صقع منها وفي عالمها المختص بها، نتيجة لأعمالها وأخلاقها الحاصلة في الدنيا، هو ما صرح به بعض أهل الكشف بقوله: "عليك أن تعلم أن البرزخ الذي تكون الأرواح فيه بعد المفارقة من النشأة الدنيوية هو غير البرزخ الذي بين الأرواح المجردة والأجسام، لأن تنزلات الوجود ومعارجه دورية، والمرتبة التي قبل النشأة الدنيوية هي من مراتب التنزلات ولها الأولية، والتي بعدها من مراتب المعارج ولها الآخرية. وأيضاً، الصور التي تلحق الأرواح في البرزخ الأخير، إنما هي صور الأعمال ونتيجة الأفعال السابقة في الدنيا، بخلاف صور البرزخ الأول، فلا يكون أحدهما عين الآخر، لكنهما يشتركان في كونهما عالماً روحانياً وجوهراً مثالياً" - انتهى. وقال في الباب الثالث والستّين من فتوحاته المكية: "فجميع ما يدركه الإنسان بعد موته في البرزخ من الأمور لَعَيْنُ الصور التي هو بها في الدنيا". وقال في آخر هذا الباب: "وكل إنسان في البرزخ مرهون بكسبه، محبوس في صور أعماله، إلى أن يبعث يوم القيامة في النشأة الآخرة" انتهى كلامه. وبه يُعلم، أن تلك الصور الملذّة والمؤلمة مبدء وجودها النفوس، لأنها نتائج الأعمال اللاحقة، وهي ليست تخيلات الأفلاك وتصوراتها التي هي بعينها صور عالم المثال السابقة عندهم، ولا يمكن أيضاً أن ترتسم فيها صور أخرى حاصلة من تلك النفوس، وإلاّ لانفعلت عنها وتأثّرت من آثارها، فانفسدت بكثرة التأثيرات الغريبة. ويعلم من قوله: "فجميع ما يدركه الإنسان بعد موته - إلى آخره -" وقوله: "كل إنسان في البرزخ مرهون بكسبه - إلى آخره -" أن الصور الإعتقادية هي بعينها ستصير بعد القيامة موجودات عينية متحققة القوام، مستمرة الثبات والدوام، مؤثرة في النفوس إلذاذاً وإيلاماً، وأن المكاسب العملية هي بعينها ستصير إما منشأ انطلاق النفس عن وثاقها إلى سعة الرحمة الإلهية، أو منشأ لانحباسها عن عالمها وتقيدها بسلاسل التعلقات، وضيق عطنها وطردها عن الرحمة وبُعدها عن الجنة في غصة وعذاب أليم، وانحدار إلى مهوى الجحيم.
الجنابذي
تفسير : {سَلاَمٌ} بدل من ما يدّعون او خبر مبتدءٍ محذوفٍ اى هو سلام او مبتدء خبرٍ محذوفٍ اى لهم سلام {قَوْلاً} حال موطّئة {مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} صفة قولاً وهو فوق كلّ نعم الجنان.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} قال بعضهم: يأتي الملك من عند الله إلى أحدهم فلا يدخل عليه حتى يستأذن عليه، يطلب الإِذن من البواب الأول فيذكره للبوّاب الثاني، ثم كذلك حتى ينتهي إلى البواب الذي يليه، فيقول له البواب: ملك على الباب يستأذن، فيقول: ائذن له؛ فيدخل بثلاثة أشياء: بالسلام من الله، وبالتحفة والهدية، وبأن الله عنه راض. وهو قوله: (أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً) تفسير : [الإِنسان: 20]. قوله: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} أي: المشركون والمنافقون، أي: تمايزوا عن أهل الجنة إلى النار. وقال بعضهم: عزلوا عن كل خير. قوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} أي: إنهم عبدوا الأوثان بما وسوس إليهم الشيطان، فأمرهم بعبادتهم، فإنما عبدوا الشيطان. قال: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}. قال: {وَأَنِ اعْبُدُونِي} أي: لا تشركوا بي شيئاً {هذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي: هذا دين مستقيم. والصراط الطريق السهل إلى الجنة. قال: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً} أي: خلقاً كثيراً، أضل من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين. قال: {أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ}. وأخبر عنهم فقال في آية أخرى: {أية : وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}تفسير : [الملك:10] أي: لو كنا نسمع أو نعقل لآمنا في الدنيا فلم نكن من أصحاب السعير. قال الله: (أية : فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ) تفسير : [الملك:11]. قوله: {هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} أي: في الدنيا إذا لم تؤمنوا {اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} أي: في الدنيا. {الْيَوْمَ} يعني في الآخرة {نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي: يعملون. ذكروا عن أبي موسى الأشعري قال: قالوا والله ما كنا مشركين، فختم الله على أفواههم، ثم قال للجوارح: انطقي، قال: إن أوّلَ ما يتكلم من أحدهم فخذه. قال الحسن [بن دينار: نسيت] اليسرى قال أم اليمنى. وتفسير الحسن: إن هذا آخر مواطن يوم القيامة، فإذا ختمت أفواههم لم يكن بعد ذلك إلا دخول النار.
اطفيش
تفسير : {سلام} مبتدأ محذوف الخبر أي لهم سلام أو سلام عليكم أي يقال لهم سلام عليكم او بدل من ما بدل الشيء من على ان مدعاهم سلام الله او خبر لمحذوف أي هو سلام أو نعت اجر لما أي لهم شيء مدعى سالم أو ما مبتدأ وسلام خبر ولهم متعلق به اي ما يدعون سالم لهم وخالص وقرأه ابن مسعود سلاما بالنصب على الحال من المستتر في لهم أو من المحذوف في يدعون أي يدعونه وعلى المصدرية اذا جعل حالا أول بسالم وقرىء سلم بكسر السين واسكان اللام بمعنى سلام. {قولا} أي يقال لهم ذلك السلام قولا أو يقوله الله قولاه فهو مفعول مطلق قيل أو مفعول لمحذوف أي اعني قولا ويجوز ان يكون حالا من سلام اذ لم يجعل مبتدأ او بدلا من المبتدأ او لم يجعل بمعنى سالم او ضميره في الاستقرار اذا جعل مبتدأ او بدلا من المبتدأ. {من رب} نعت قولا. {رحيم} وتسليم الله عليهم بواسطة الملائكة او بحلق كلام يسمعونه وكفر كفر نفاق من وجهين من قال ان الله سبحانه يشرف على أهل الجنة من فوقهم فيسطع لهم نور فيرفعون رؤوسهم فينظرون اليه فيقول السلام عليكم فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما دام مشرفا عليهم حتى يحتجب عنهم احد الوجهين الكذب في حكاية ذلك كن جابر بن عبدالله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني وصف الله بالحلول والتحيز بالجهات واللون فان البصر يدرك اللون وانما لم اقل بالاشراك لأن ذلك الكاذب متأول لا راد للنص ولو أثبت أحد نظره في الدنيا لكان مشركا وقيل في تسلم عليهم الملائكة إن الملائكة يأتون من الله إلى ولي الله فلا يدخلون إلا باذن يطلبون الاذن من البواب الأول فيذكره للبواب الثاني ثم كذلك حتى ينتهي إلى البواب الذي يلي الولي فيقول ان على الباب ملكا يستأذن فيقول ائذن له فيدخل بالسلام من الله والهدية وان الله عنك راض ويعطى الرجل قوة مائة شاب ويقتض في مثل ليلة من ليالي الدنيا مائة عذراء ولا ينثني ذكره وهم نساؤهم بنو ثلاث وثلاثين سنة طولهم ستون ذراعا والله يعلم اي ذراع يكون في احدهم طعام ويشتهي طعاما فيتحول في فيه طعاما اشتهاه ويأكل من البسرة بسرا ويأكل من ناحية اخرى عنبا الى عشرة الوان او ما شاء الله من ذلك.
اطفيش
تفسير : {سلامٌ} بدل من ما بدل بعض ولو بلا رابط، ولو كان نكرة وما معرفة، وأجيز أنها نكرة موصوفة او خبر لمحذوف، أى هو سلام، أو ذلك سلام، ومبتدأ لمحذوف، أى لهم سلام وقوله: {قَوْلا مِنْ ربِّ رَحيمٍ} هو مع الناصب المحذوف، وضميره نعت سلام، أى سلام يقال قولا من رب رحيم، فقولا مفعول مطلق، أو نعت لما النكرة الموصوفة لتأويله بالوصف، أى سالم أو تقدير مضاف، أى مصحاب سلام، والسلام على ألسنة الملائكة من أنفسهم، أو حكاية عن الله تعالى كقوله تعالى: "أية : يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم" تفسير : [الرعد: 23، 24] وإنما قال: "من رب رحيم" لأن الله تعالى أرسل اليهم بسلام منه أو منهم.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {سَلَـٰمٌ } جوز أن يكون بدلاً من{أية : ما}تفسير : [يس: 57] بدل بعض من كل ولزوم الضمير غير مسلم، وقوله تعالى:/ {قَوْلاً } مفعول مطلق لفعل محذوف والجملة صفة سلاماً، وقوله تعالى: {مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } صفة {قَوْلاً } أي سلام يقال لهم قولاً من جهة رب رحيم أي يسلم عليهم من جهته تعالى بلا واسطة تعظيماً لهم. فقد أخرج ابن ماجه وجماعة عن جابر قال: «حديث : قال النبـي صلى الله عليه وسلم بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤسهم فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة وذلك قول الله تعالى: {سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } قال فينظر إليه وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم»تفسير : وقيل بواسطة الملائكة عليهم السلام لقوله تعالى: {أية : وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ * سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ }تفسير : [الرعد: 23ـ24] وروي ذلك عن ابن عباس وعلى الأول الأكثرون، وأما ما قيل إن ذلك سلام الملائكة على المؤمنين عند الموت فليس بشيء. والبدلية المذكورة مبنية على أن (ما) عامة. وجوز أن يكون بدل كل من كل على تقدير أن يراد بها خاص أو على ادعاء الاتحاد تعظيماً، ولا بأس في إبدال هذه النكرة منها على تقدير موصوليتها لأنها نكرة موصوفة بالجملة بعدها، على أنه يجوز أن يلتزم جواز إبدال النكرة من المعرفة مطلقاً من غير قبح. ويجوز أن يكون {سَلَـٰمٌ } خبر مبتدأ محذوف والجملة بعده صفته أي هو أو ذلك سلام يقال قولاً من رب رحيم، والضمير لما وكذا الإشارة، وجوز أن يكون صفة لما أي لهم ما يدعون سالم أو ذو سلامة مما يكره، و {قَوْلاً } مصدر مؤكد لقوله تعالى: {لَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ * سَلَـٰمٌ} أي عدة من رب رحيم، وهذه الوصفية على تقدير كون (ما) نكر موصوفة ولا يصح على تقدير كونها موصولة للتخالف تعريفاً وتنكيراً وأن يكون خبراً لما، و {لَهُمْ } متعلق به لبيان الجهة كما يقال لزيد: الشرف متوفر أي ما يدعون سالم لهم خالص لا شوب فيه، ونصب {قَوْلاً } على ما سمعت آنفاً. وفي «الكشاف» الأوجه أن ينتصب على الاختصاص وهو من مجازه فيكون الكلام جملة مفصولة عما سبق ولا ضير في نصب النكرة على ذلك. وجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي ولهم سلام يقال قولاً من رب رحيم، وقد الخبر مقدماً لتكون الجملة على أسلوب أخواتها لا ليسوغ الابتداء بالنكرة فإن النكرة موصوفة بالجملة بعدها، وظاهر كلامهم تقدير العاطف أيضاً ويمكن أن لا يقدر، وفصل الجملة على ما قيل لأنها كالتعليل لما تضمنته الآي قبلها فإن سلام الرب الرحيم منشأ كل تعظيم وتكريم، وجوز على تقدير كونه مبتدأ تقدير الخبر المحذوف عليهم؛ قال الإمام: فيكون ذلك إخباراً من الله تعالى في الدنيا كأنه سبحانه حكى لنا وقال جل شأنه: {أية : إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ } تفسير : [يس: 55] ثم لما كمل بيان حالهم قال: سلام عليهم، وهذا كما قال سبحانه: {أية : سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍ }تفسير : [الصافات: 79] {أية : وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ }تفسير : [الصافات: 181] فيكون جل وعلا قد أحسن إلى عباده المؤمنين كما أحسن إلى عباده المرسلين ثم قال: وهذا وجه مبتكر جيد ما يدل عليه منقول، أو نقول تقديره سلام عليكم ويكون هذا نوعاً من الالتفات حيث قال تعالى لهم كذا وكذا ثم قال سبحانه: {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } اهـ. ووجه الابتداء بسلام في مثل هذا التركيب موصوفاً كان أم لا معروف عند أصاغر الطلبة. وقرأ محمد بن كعب القرظي {سلم} بكسر السين وسكون اللام ومعناه سلام. وقال أبو الفضل الرازي: مسالم لهم أي ذلك مسالم وليس بذاك. وقرأ أبـي وعبد الله وعيسى والقنوي {سلاما} بالنصب على المصدر أي يسلم عليهم سلاماً أو على الحال من ضمير ما في الخبر أو منها على القول بجواز مجيء الحال من المبتدأ أي ولهم مرادهم خالصاً.
ابن عاشور
تفسير : استئناف قطع عن أن يعطف على ما قبله للاهتمام بمضمونه، وهو الدلالة على الكرامة والعناية بأهل الجنة من جانب القدس إذ يوجه إليهم سلام الله بكلام يعرفون أنه قول من الله: إمّا بواسطة الملائكة، وإما بخلق أصوات يُوقنون بأنها مجعولة لأجل إسماعهم كما سمع موسى كلام الله حين ناداه من جانب الطور من الشجرة فبعد أن أخبر بما حباهم به من النعيم مشيراً إلى أصول أصنافه، أخبر بأن لهم ما هو أسمى وأعلى وهو التكريم بالتسليم عليهم قال تعالى: { أية : ورضوان من الله أكبر } تفسير : [التوبة: 72]. و{سَلامٌ} مرفوع في جميع القراءات المشهورة. وهو مبتدأ وتنكيره للتعظيم ورفعه للدلالة على الدوام والتحقق، فإن أصله النصب على المفعولية المطلقة نيابة عن الفعل مثل قوله: { أية : فقالوا سلاماً} تفسير : [الذاريات: 25]. فلما أريدت الدلالة على الدوام جيء به مرفوعاً مثل قوله: { أية : قال سلام } تفسير : [هود: 69]، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: { أية : الحَمدُ لله رَبّ العٰلَمِينَ } تفسير : [الفاتحة: 2]. وحذف خبر {سَلامٌ} لنيابة المفعول المطلق وهو قوله {قَوْلاً} عن الخبر لأن تقديره: سلام يقال لهم قولاً من الله، والذي اقتضى حذف الفعل ونيابة المصدر عنه هو استعداد المصدر لقبول التنوين الدال على التعظيم، والذي اقتضى أن يكون المصدر منصوباً دون أن يؤتى به مرفوعاً هو ما يشعر به النصب من كون المصدر جاء بدلاً عن الفعل. و{من} ابتدائية. وتنوين {رَّبّ} للتعظيم، ولأجل ذلك عدل عن إضافة {رب} إلى ضميرهم، واختير في التعبير عن الذات العلية بوصف الرب لشدة مناسبته للإِكرام والرضى عنهم بذكر أنهم عبدوه في الدنيا فاعترفوا بربوبيته.
د. أسعد حومد
تفسير : {سَلاَمٌ} (58) - وَيُقَالُ لَهُم: سَلاَمٌ قَوْلاً صَادِراً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: حديث : بَينَا يَكُونُ أَهْلُ الجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ سَطَعَ عَلَيْهِمْ نُورٌ، فَرَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ، فَإِذَا الرَّبُّ تَعَالَى قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الجَنَّةِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَلاَمٌ قَولاً مِنْ رَبٍّ رَحِيم}. قَالَ فَينْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُم، وَيَبْقَى نُورُهَ وَبَرَكَتهُ عَلَيْهِمْ وَفِي دِيَارِهِمْ"تفسير : ) (أَخْرَجَهُ ابنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ). وَقَولاً - مَصْدَرٌ - أَيْ يَقُولُ اللهُ ذَلِكَ قَوْلاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):