٣٦ - يس
36 - Yaseen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
59
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه وجوه منها تبيين وجه الترتيب أيضاً الأول: امتازوا في أنفسكم وتفرقوا كما قال تعالى: {أية : تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ } تفسير : [الملك: 8] أي بعضه من بعض غير أن تميزهم من الحسرة والندامة ووجه الترتيب حينئذ أن المجرم يرى منزلة المؤمن ورفعته ونزول دركته وضعته فيتحسر فيقال لهم امتازوا اليوم إذ لا دواء لألمكم ولا شفاء لسقمكم الثاني: امتازوا عن المؤمنين وذلك لأنهم يكونون مشاهدين لما يصل إلى المؤمن من الثواب والإكرام ثم يقال لهم تفرقوا وادخلوا مساكنكم من النار فلم يبق لكم اجتماع بهم أبداً الثالث: امتازوا بعضكم عن بعض على خلاف ما للمؤمن من الاجتماع بالإخوان الذي أشار إليه بقوله تعالى: {أية : هُمْ وَأَزْوٰجُهُمْ } تفسير : [يس: 56] فأهل النار يكون لهم العذاب الأليم وعذاب الفرقة أيضاً ولا عذاب فوق الفرقة، بل العقلاء قالوا بأن كل عذاب فهو بسبب تفرق اتصال، فإن من قطعت يده أو أحرق جسمه فإنما يتألم بسبب تفرق المتصلات بعضها عن بعض، لكن التفرق الجسمي دون التفرق العقلي الرابع: امتازوا عن شفعائكم وقرنائكم فما لكم اليوم حميم ولا شفيع الخامس: امتازوا عما ترجون واعتزلوا عن كل خير، والمجرم هو الذي يأتي بالجريمة، ويحتمل أن يقال إن المراد منه أن الله تعالى يقول امتازوا فيظهر عليهم سيما يعرفون بها، كما قال تعالى: {أية : يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـٰهُمْ } تفسير : [الرحمٰن: 41] وحينئذ يكون قوله تعالى امتازوا أمر تكوين، كما أنه يقول: كن فيكون كذلك يقول امتازوا فيتميزون بسيماهم ويظهر على جباههم أو في وجهوهم سواء.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عما يؤول إليه الكفار يوم القيامة من أمره لهم أن يمتازوا، بمعنى: يميزون عن المؤمنين في موقفهم؛ كقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} تفسير : [يونس: 28] وقال عز وجل: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} تفسير : [الروم: 14] {أية : يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} تفسير : [الروم: 43] أي: يصيرون صدعين: فرقتين {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَٰجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلجحِيمِ} تفسير : [الصافات: 22 ــــ 23]. وقوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} هذا تقريع من الله تعالى للكفرة من بني آدم، الذين أطاعوا الشيطان، وهو عدو لهم مبين، وعصوا الرحمن، وهو الذي خلقهم ورزقهم، ولهذا قال تعالى: {وَأَنِ ٱعْبُدُونِى هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي: قد أمرتكم في دار الدنيا بعصيان الشيطان، وأمرتكم بعبادتي، وهذا هو الصراط المستقيم، فسلكتم غير ذلك، واتبعتم الشيطان فيما أمركم به، ولهذا قال عز وجل: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً} يقال: جبلاً، بكسر الجيم وتشديد اللام، ويقال: جبلاً، بضم الجيم والباء وتخفيف اللام، ومنهم من يسكن الباء، والمراد بذلك: الخلق الكثير، قاله مجاهد وقتادة والسدي وسفيان بن عيينة. وقوله تعالى: {أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ} أي: أفما كان لكم عقل في مخالفة ربكم فيما أمركم به من عبادته وحده لا شريك له، وعدولكم إلى اتباع الشيطان؟ قال ابن جريج: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبدالرحمن بن محمد المحاربي عن إسماعيل ابن رافع عمن حدثه عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا كان يوم القيامة، أمر الله تعالى جهنم، فيخرج منها عنق ساطع مظلم يقول: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} {وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} فيتميز الناس ويجثون، وهي التي يقول الله عز وجل: {وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} يقول {وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ } أي انفردوا عن المؤمنين، عند اختلاطهم بهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وامتازوا اليوم أيُّها المجرمون} فيه وجهان: أحدهما: قاله الكلبي، لأن المؤمنين والكفار يحشرون مع رسلهم فلذلك يؤمرون بالامتياز. الثاني: يمتاز المجرمون بعضهم من بعض، فيمتاز اليهود فرقة، والنصارى فرقة، والمجوس فرقة، والصابئون فرقة، وعبدة الأوثان فرقة، قاله الضحاك. فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الامتياز عند الوقوف. الثاني: عند الانكفاء إلى النار. قال دواد بن الجراح: فيمتاز المسلمون من المجرمين إلا صاحب الهوى فيكون مع المجرمين. قوله عز وجل: {ولقد أَضَلَّ منكم جبلاً كثيراً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: جموعاً كثيرة، قاله قتادة. الثاني: أمماً كثيرة، قاله الكلبي. الثالث: خلقاً كثيراً، قاله مجاهد ومطرف. وحكى الضحاك أن الجِبِلّ الواحد عشرة آلاف، والكثير ما لا يحصيه إلاّ الله تعالى.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ} فيه حَذْفٌ تقديره؛ ونقول للكفرة، «وامتازوا» معناه: انْفَصِلُوا وانْحَجِزُوا؛ لأن العَالَمَ فِي الموقف إنما هم مختلطون. قُلْتُ: وهَذَا يَحْتَاجُ إلى سَنَدٍ صحيحٍ، وفي الكلام إجمال، ويومُ القيامةِ هو مواطن، ثم خاطَبَهُمْ تعالى لما تَمَيَّزُوا، تَوْبِيخاً وتَوْقِيفاً على عَهْدِهِ إليهم ومخالفتِهم له، وعبادةُ الشيطانِ هي طاعتُهُ والانقيادُ لإغْوائِهِ. وقوله: {هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ} إشارَةٌ إلى الشرائع؛ إذ بعَثَ اللَّهُ آدم إلى ذريتِه؛ ثمَّ لَمْ تَخْلُ الأرْضُ من شريعةٍ إلى خَتْمِ الرسالةِ بسيدِنا محمدٍ خَاتَمِ النبيِّينَ، و«الجِبِلُّ»: الأمةُ العظيمة، ثم أَخْبَرَ سبحانَهُ نبيَّه محمَّداً ـــ عليه السلام ـــ أخبَاراً تُشَارِكُهُ فيه أمَّتُه؛ بقوله: {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوٰهِهِمْ} وذلك أن الكفارَ يَجْحَدُونَ، ويَطْلبُون شهيداً عليهم من أنفسهم؛ حَسْبَمَا وَرَدَ في الحديث الصحيح؛ فعندَ ذلِك يَخْتِمُ اللَّهُ ـــ تعالى ـــ على أفواههم، ويَأْمُرُ جَوَارِحَهُمْ بالشَّهَادَةِ؛ فَتَشْهَدُ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الناس على تل رفيع، ثم نادى مناد: امتازوا اليوم أيها المجرمون. وأخرج ابن أبي حاتم عن رواد بن الجراح رضي الله عنه في الآية قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أن ميزوا المسلمين من المجرمين، إلا صاحب الأهواء. يعني يترك صاحب الهوى مع المجرمين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} فرق، وبكى، وقال: ما سمع الناس قط بنعت أشد منه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} قال: عزلوا عن كل خير.
القشيري
تفسير : غيبةُ الرقيب أتمُّ نعمةٍ، وإبعادُ العدوِّ مِنْ أجَلِّ العوارف؛ فالأولياءُ في إيجاب القربة، والأعداء في العذاب والحجبة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وامتازوا} يقال مازه عنه يميزه ميزا اى عزله ونحاه فامتاز والتمييز الفصل بين المتشابهات ودل الامتياز على انه حين يحشر الناس يختلط المؤمن والكافر والمخلص والمنافق ثم يمتاز احد الفريقين عن الآخر كقوله تعالى {أية : ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون} تفسير : وهو عطف قصة سوء حال هؤلاء وكيفية عقابهم على قصة حسن حال اولئك ووصف ثوابهم وكان تغيير السبك لتخييل كمال التباين بين الفريقين وحاليهما ويجوز ان يكون معطوفا على مضمر ينساق اليه حكاية حال اهل الجنة كأنه قيل بعد بيان كونهم فى شغل عظيم الشان وفوزهم بنعيم مقيم يقصر عنه البيان فليقروا بذلك عينا وامتازوا عنهم وانفردوا {اليوم} وهو يوم القيامة والفصل والجزاء {ايها المجرمون} الى مصيركم فكونوا فى السعير وفنون عذابها ولهبها بدل الجنة لهم والوان نعمها وطربها: وبالفارسية [وجدا شويد آنروز اى مشركان ازموحدان واى منافقان از مخلصان كه شما بزندان دشمنان مى رانند وايشانرا ببوستان دوستان خوانند]. وعن قتادة اعتزلوا عما ترجون وعن كل خير او تفرقوا فى النار لكل كافر بيت من النار ينفرد به ويردم بابه بالنار فيكون فيه ابد الابدين لا يرى ولا يرى وهو على خلاف ما للمؤمن من الاجتماع بالاخوان وعذاب الفرقة عن القرناء والاصحاب من اسوء العذاب واشد العقاب. وفى التأويلات يشير الى امتياز المؤمن والكافر فى المحشر والمنشر بابيضاض وجه المؤمن واسوداد وجه الكافر وبايتاء كتاب المؤمن بيمينه وبايتاء كتاب الكافر بشماله وبثقل الميزان وبخفته وبالنور وبالظلمة وثبات القدم على الصراط وزلة القدم عن الصراط وغير ذلك. قال بعض الكبار اعلم ان اهل النار الذين لا يخرجون منها اربع طوائف المتكبرون والمعطلة والمنافقون والمشركون ويجمعها كلها المجرمون قال تعالى {وامتازوا اليوم ايها المجرمون} اى المستحقون لان يكونوا اهلا لسكنى النار فهؤلاء اربع طوائف هم الذى لا يخرجون من النار من انس وجن وانما جاء تقسيمهم الى اربع طوائف من غير زيادة لان الله تعالى ذكر عن ابليس انه يأتينا من بين ايدينا ومن خلفنا وعن ايماننا وعن شمائلنا ولا يدخل احد النار الا بواسطته فهو يأتى للمشرك من بين يديه ويأتى للمتكبر عن يمينه ويأتى للمنافق عن شماله ويأتى للمعطل من خلفه وانما جاء للمشرك من بين يديه لان المشرك بين يديه جهة غيبية فاثبت وجود الله ولم يقدر على انكاره فجعله ابليس يشرك بالله فى الوهيته شيئا يراه ويشاهده وانما جاء للمتكبر من جهة اليمين لان اليمين محل القوة فلذلك تكبر لقوته التى احس بها من نفسه وانما جاء للمنافق من جهة شماله الذى هو الجانب الاضعف لكون المنافق اضعف الطوائف كما ان الشمال اضعف من اليمين ولذلك كان فى الدرك الاسفل من النار ويعطى كتابه بشماله وانما جاء للمعطل من خلفه لان الخلف ما هو محل نظر فقال له ما ثم شئ فهذه اربع مراتب لاربع طوائف ولهم من كل باب من ابواب جهنم جزء مقسوم وهى منازل عذابهم فاذا ضربت الاربع التى هى المراتب فى السبعة ابواب كان الخارج ثمانية وعشرين منزلا عدد منازل القمر وغيره من الكواكب السيارة انتهى كلامه
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : أي: انفصلوا وتفردوا واعتزلوا أيّها المجرمون - من الكافرين والمنافقين - عن المؤمنين الكاملين في العلم واليقين، وكونوا على حِدَة، وذلك حين كشف الغطاء ورَفْع الحجب بالموت، بل عند القيام إلى المحشر عن هذه القبور، ونحوه قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ}تفسير : [الروم:14 - 16]. وعن الضحّاك: لكل كافر بيت من النار يدخل فيه فيُرْدَم بابه، لا يَرى ولا يُرى، ومعناه: أن بعضهم يمتاز عن بعض مكاشفة قد سبقت الإشارة إلى كون أفراد الإنسان في النشأة الثانية وبحسب الباطن، واقعة تحت أنواع كثيرة حسب اختلاف الصفات والملكات، لأن النفوس الإنسانية - وإن كانت بحسب الفطرة الأولى متشابهة الحقيقة متماثلة الماهية، لكونها صورة فائضة على المركب العنصري من الممتزج الواقع في عرض المزاج النوعي الإنساني -، إلاّ أنها مادة عقلية قابلة لهيئات نفسانية، وصور عقلية تصير بها خارجة من القوة إلى الفعل في أطوار مختلفة. فالنفوس السَّبُعِيَّة تقبل عقولها الهيولانية هيئات سَبُعِيَّة من الغضب والغلبة والجور والوقاحة والتعالي والتفاخر وغيرها، حتى تصير صورها التي تخرج من القوة إلى الفعل صوراً سَبُعِيَّة، ولكل نفس منها صورة سَبُعِيَّة مخصوصة لنوع من أنواع السِباع الذي يناسبه ويخصه تلك الهيئات التي رسخت في تلك النفس. وكذا النفوس البهيمية، تقبل عقولها الهيولانية هيئات بهيمية - من الشهوة والحرص ولذة البطن ولذة الفرج والزينة والرعونة وغيرها -، حتى تصير مادة تتكون فيها صورة بهيمية لكل نفس ما يناسبها من تلك الصور. والنفوس الشيطانية تغلب عليها هيئات إبليسية من الجهل الراسخ، والاستكبار، والمكر والحيلة والجَربزة والوعد بالشر والإيعاد بالخير، وغير ذلك من صفات أهل اللعنة والكفر والطرد، حتى تصير عقولها شياطين بعينها. وأما النفوس الملكية، فالغالب عليها مزاولة العلوم العقلية، وطلب المعارف الإلهية، ومحبة الحق وملائكة الله المقربين، ومتابعة الرسل والأئمة (عليهم السلام)، والصبر والورع عن محارم الله، والإعراض عن الدنيا، والتجافي عن دار الغرور، وتذكّر الموت والآخرة، حتى تصير من جنس الملائكة المقرّبين لكل نفس بحسب قوة إيمانه وشدة اجتنابه عن اللذات. فإذا تقرر هذا، ظهر أن كل نفس من النفوس الإنسانية، واقعة يوم القيامة تحت نوع من أنواع تلك الأجناس الأربعة: "السَّبُعِيَّة، والبهيمية، والشيطانية، والملكية" وتحشر معه، فالنفوس البشرية منحصرة يوم الآخرة في أجناس أربعة، لكل جنس أنواع كثيرة، لكل نوع منها أفراد غير محصورة. وهذه الأجناس الأربعة من النفوس، اثنتان منها عمليّتان شريرتان حاصلتان من تكرر الأعمال السيّئة، واثنتان منها علميتان حاصلتان من تكرر الأفكار العلمية، إحداهما شريرة والأخرى خيّرة. وإنما لم تحصل من تكرر الأعمال الصالحة صورة، لأنها إما تروك محضة، أو مؤدية إلى تروك وأعدام، بل يؤدي أكثرها إلى كسر القوى ورفض الدواعي، والغاية الأصلية فيها تصفية الباطن وخلوّه عن الحجب الدنيوية وعن الغشاوات النفسانية، فلا يوجب مزاولتها صورة كمالية في النفس، بخلاف الأعمال القبيحة والمعاصي، فإنها من باب اللذات الوجودية أو الهيئات الكمالية بوجه ما، فيؤدي إلى صورة في النفس - إما بهيمية أو سَبُعِيَّة -. وأما اكتساب العلوم، فمزاولة الأفكار لا محالة يؤدي تكررها إلى صيرورة النفس أمراً بالفعل، فإن كانت الأفكار والتأملات مستقيمة موزونة مطابقة للقوانين الدينيّة والحكمية، موافقة لأصول الموجودات الدائمة الحقيقية - كالباري جلّ مجده وصفاته، وملكوته، وجبروته، وكلامه، وكتبه، ورسله واليوم الآخر، واستواء الرحمان على العرش، وصراطه، وميزانه، وحسابه، وجمعه للخلائق في عرصة واحدة، وجنّته، وناره، وتفرده يوم القيامة بالموجودية والوحدانية والقهر، - إلى غير ذلك من المعارف الإلهية والعلوم الربّانية - فيصير بها الإنسان من جملة الملائكة المقرّبين. وإن كانت الأفكار والتأملات من باب الشبهات والمغالطات، الموجبة للإغترار بالظنون الفاسدة والأوهام الكاسدة، والاحتجاب بها عن الحق والارتهان بالأمور الباطلة، وترويج الباطل في صورة الحق، والمماراة مع العلماء والمداراة مع السفهاء، وجعل العلوم وسيلة للجاه والمنزلة عند الناس، وتحليل ما حرّم الله، وتحريم ما حلّله بالوسواس والقياس، والتلذذ بمنادمة السلطان والترفّع بها على الإخوان، وإلى غير ذلك من الأمور الشيطانية التي اشتغل بها أكثر علماء الزمان، التي منشأها قصور النظر وعدم التفرقة بين السفسطة والبرهان، والاشتباه بين المغلطة والإيقان والبهتان والعرفان، والإلتباس بين التوفيق والخذلان، والوجدان والحرمان، وإذا تكررت هذه الأفعال الشنيعة، وتراكمت الصفات الناشئة منها في النفس، ورسخت فيها محبة الباطل والإعراض عن الحكمة، والإنحراف عن سَمْت الحق والحقيقة، وصارت النفس عند ذلك شيطاناً مريداً لعنه الله، وصورتها يوم القيامة صورة تحسن عندها القردة والخنازير - كما ورد في الحديث -. والله تعالى أشار إلى هذه الأجناس الرديئة من النفوس الشهوية والغضبية والشيطانية بقوله: {أية : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ} تفسير : [المائدة:60] ثم - قال إشارة إلى القسم الأخير - {أية : أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ}تفسير : [المائدة:60]. وتلك الشقاوة كالسعادة على ضربين: علمي وعملي. فالسعادة والشقاوة العمليتان أبديتان مخلدتان غير منقطعتين، بخلاف الشقاوة العملية، فإنها مما يحتمل الإنقطاع ومما ينفع فيها شفاعة الشافعين، وأما الكفر والجحود وما يترتب عليهما من الصفات، فلا مطمع لانقطاع عذابها، لأن عذاب الجهل المشفوع بالإصرار، المركّب مع الاغترار والإعجاب والاستكبار، مما لا يزول أبداً مخلدا نعوذ بالله منه. فقوله: {وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ}، إشارة إلى هذه الإمتيازات والانقسامات الواقعة إذا وقعت الواقعة، وهذه الصور مباديء الفصول المقسمات المنكشفة يوم القيامة للخلائق، وإليه الإشارة بقوله: {أية : وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ}تفسير : [النمل:83]. ومما يدل على أن الناس بحسب البواطن والقلوب أنواع مختلفة حسب اختلاف الصفات الراسخة فيهم، قوله تعالى: {أية : يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ}تفسير : [الزلزلة:6]. وفي القرآن آيات كثيرة دالة على أن النفوس الإنسانية كانت في مباديء الفطرة وأوائل النشأة الدنياوية نوعاً واحداً، ثم اختلفت بحسب الفطرة الآخرة والنشأة الثانية أنواعاً كثيرة، بواسطة اختلاف الضمائر والنيّات الحاصلة من الأعمال المناسبة لها، مثل قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَٱخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}تفسير : [يونس:19]. وقوله: {أية : كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} تفسير : [البقرة:213] وقوله: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [النحل:93]. وقوله: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ}تفسير : [فاطر:28]. فدلّت هذه الآية على أن الإنسان مختلف الأنواع كالنبات والحيوان، وأن العلماء وأهل الخشية نوع مُبائن لغيرهم من أفراد البشر، وإنما ذلك بحسب الفطرة الثانية والنشأة الآخرة. قال بعض الحكماء المتقدمين: "من أراد الحكمة فليستحدث لنفسه فطرة أخرى" ومن لم يجعل الله له نوراً فماله من نور. ثم لما كان الامتياز بين النفوس الآدمية في الدار الآخرة، وترتّب الجزاء على الأعمال، والثواب للمطيع المسلّم، والعقاب للمسيء المجرم، منشأه لأحدهما طاعة الله وللآخر طاعة الشيطان، وهي مشتركة بين تلك الأقسام الثلاثة الشقية من النفوس البهيمية والسَّبُعِيَّة والشيطانية - وإن كانت اسوأها عاقبة هي النفوس الشيطانية الكافرة بنعمة الإيمان، التابعة في أوهامها وتفكّراتها للشيطان، لما مرّ من أن عذابها أبدي، وهي غير قابلة للرحمة ولا ينفع فيها الشفاعة - خصهم الله تعالى بالذكر عقيب هذه الآية توبيخاً لهم، ونعياً عليهم فيما هم فيه من الحسرة والندامة من جهة الهلاك المؤبّد والشقاء المخلّد بقوله سبحانه: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [يس:60 - 61].
الجنابذي
تفسير : {وَٱمْتَازُواْ} اى يقال امتازوا {ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} يعنى بعد ما جمعهم الله يؤمر اهل الجنّة بالدّخول فى الجنّة ويقال لاهل النّار: امتازوا عن اهل الجنّة، عن القمّى: اذا جمع الله الخلق يوم القيامة بقوا قياماً على اقدامهم حتّى يلجمهم العرق فتنادوا: يا ربّ حاسبنا ولو الى النّار قال: فيبعث الله عزّ وجلّ رياحاً فتضرب بينهم وينادى منادٍ: {وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} فيميّز بينهم فصار المجرمون فى النّار، ومن كان فى قلبه الايمان صار الى الجنّة.
اطفيش
تفسير : {وامتازوا} اعتزلوا. {اليوم أيها المجرمون} عن المؤمنين فهم الى النار والمؤمنون إلى الجنة فإن الظاهر انهم في المحشر مختلطون والا يكن ذلك فامتيازهم ذهاب كل لمحلة وانظر في ذلك نقلا صحيحا. وقال قتادة اعتزلوا عن كل خير وقيل تفرقوا في النار. قال قتادة: لكل كافر بيت من النار يدخله ويردم بابه لا يرى ولا يرى ابدا وامتاز افتعل من مازه يميزه وهو للمطاوعة واصله امتيز بفتح الياء تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت الفاء.
اطفيش
تفسير : {وامْتَازُوا} انفردوا {اليَوْم} عن المؤمنين وعن كل خير الى النار {أيُّها المُجرْمون} المشركون، وذكر الضحاك: أن كل كافر فى بيت من نار لا يَرى ولا يُرى بخلاف المؤمنين، فإن بعضا يجتمع ببعض، وهذا الانفراد فى البيوت انما هو آخر أمرهم بعد الخصام، والتحاج المذكور فى مثل قوله: "أية : وإذ يتحاجون في النار" تفسير : [غافر: 47] أو أراد الضحاك بالكافر الصنف كاليهود وكالنصارى، كذا قيل، وفيه أنه لا يتبادر منه أنه أراد بالبيت محلا واسعا مخصوصا بصنف، وأيضا لا يختص الخصام بالأصناف، فإن من صنف من يخاصم، من هو من صنف آخر، الا أن راعى الغالب، وقيل امتازوا أمر تكوين يحدث فهم السيما " أية : يعرف المجرمون بسيماهم" تفسير : [الرحمن: 41] وفيه بعد. وكنت من قبل أن أرى هذا يتبادر لى أن الأمر تكوين لانفرادهم فى الموقف، والعطف عطف قصة على أخرى، أو يقدر افرحوا أيها المؤمنون، وامتازوا أيها المجرمون، ومن الغفلة أن يقدروا المحذوف بعاطف فيحتاج الى معطوف عليه، مع أنهم يقدرونه تخلصا من وجود معطوف بلا معطوف عليه، ويجوز تقدير عاطف ومعطوف هنا، عطفا على محذوف، أى يقال للمؤمنين قولا من رب رحيم، ويقال للمجرمين امتازوا.
الالوسي
تفسير : / {وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} أي انفردوا عن المؤمنين إلى مصيركم من النار. وأخرج عبد بن حميد وغيره عن قتادة أي اعتزلوا عن كل خير، وعن الضحاك لكل كافر بيت من النار يكون فيه لا يرى ولا يرى أي على خلاف ما للمؤمنين من الاجتماع مع من يحبون، ولعل هذا بعد زمان من أول دخولهم فلا ينافي عتاب بعضهم بعضاً الوارد في آيات أخر كقوله تعالى: {أية : وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِى ٱلنَّـارِ } تفسير : [غافر: 47] ويحتمل أنه أراد لكل صنف كافر كاليهود والنصارى، وجوز الإمام كون الأمر أمر تكوين كما في {أية : كُنْ فَيَكُونُ }تفسير : [يس: 82] على معنى أن الله تعالى يقول لهم ذلك فتظهر عليهم سيماء يعرفون بها كما قال سبحانه: {أية : يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـٰهُمْ }تفسير : [الرحمن: 41] ولا يخفى بعده. والجملة عطفاً إما على الجملة السابقة المسوقة لبيان أحوال أصحاب الجنة من عطف القصة على القصة فلا يضر التخالف إنشائية وخبرية، وكأن تغيير السبك لتخييل كمال التباين بين الفريقين وحاليهما، وإما على مضمر ينساق إليه حكاية حال أصحاب الجنة كأنه قيل إثر بيان كونهم في شغل عظيم الشأن وفوزهم بنعيم مقيم يقصر عنه البيان فليقروا بذلك عيناً وامتازوا عنهم أيها المجرمون قاله أبو السعود. وقال الخفاجي: يجوز أن يكون بتقدير ويقال امتازوا على أنه معطوف على يقال المقدر العامل في{أية : قَوْلاً}ًتفسير : [يس: 58] وهو أقرب وأقل تكلفاً لأن حذف القول وقيام معموله مقامه كثير حتى قيل فيه هو البحر حدث عنه ولا حرج، وفيه بحث يظهر بأدنى تأمل. وقيل: إن المذكور من قوله تعالى: {أية : إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ } تفسير : [يس: 55] إلى هنا تفصيل للمجمل السابق أعني قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }تفسير : [ يس: 54] وبني عليه أن المعطوف عليه متضمن لمعنى الطلب على معنى فليمتز المؤمنون عنكم يا أهل المحشر إلى الجنة وامتازوا عنهم إلى النار، وتعقبه في «الكشف» بأنه ليس بظاهر إذ بأحد الأمرين غنية عن الآخر ثم قال: والوجه أن المقصود عطف جملة قصة أصحاب النار على جملة قصة أصحاب الجنة وأوثرها هنا الطلب زيادة للتهويل والتعنيف ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ }تفسير : [يس: 64] وإن كان لا بد من التضمين فالمعطوف أولى بأن يجعل في معنى الخبر على المعنى وإن المجرمون ممتازون منفردون. وفائدة العدول ما في الخطاب والطلب من النكتة اهـ، وما ذكره من حديث إغناء أحد الأمرين عن الآخر سهل لكون الأمر تقديرياً مع أن الامتياز الأول على وجه الإكرام وتحقيق الوعد والآخر على وجه الإهانة وتعجيل الوعيد فيفيد كل منهما ما لا يفيده الآخر، نعم قال العلامة أبو السعود في ذلك: ((إن اعتبار فليمتز المؤمنون وإضماره بمعزل عن السداد لما أن المحكى عنهم ليس مصيرهم إلى ما ذكر من الحال المرضية حتى يتسنى ترتيب الأمر المذكور عليه بل إنما هو استقرارهم عليها بالفعل، وكون ذلك تنزيل المترقب منزلة الواقع لا يجدي نفعاً لأن مناط الاعتبار والإضمار انسياق الافهام إليه وانصباب نظم الكلام عليه فبعد التنزيل المذكور وإسقاط الترقب عن درجة الاعتبار يكون التصدي لإضمار شيء يتعلق به إخراجاً للنظم الكريم عن الجزالة بالمرة)). والظاهر أنه لا فرق في هذا بين التضمين والإضمار، والذي يغلب على الظن أن ما ذكر لا يفيد أكثر من أولوية تقدير فليقروا عيناً على تقدير فليمتازوا فليفهم، وقال بعض الأذكياء: يجوز أن يكون {امتازوا} فعلاً ماضياً والضمير للمؤمنين أي انفرد المؤمنون عنكم بالفوز بالجنة ونعيمها أيها المجرمون ففيه تحسير لهم والعطف حينئذ من عطف الفعلية الخبرية على الاسمية الخبرية ولا منع منه، وتعقب بأنه مع ما فيه من المخالفة للأسلوب المعروف من وقوع النداء مع الأمر نحو {أية : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا }تفسير : [يوسف: 29] قليل الجدوى وما ذكره من التحسير يكفي فيه ما قبل من ذكر ما هم عليه من/ التنعم وأيضاً المأثور يأبى عنه غاية الإباء وهو كالنص في أن {امتازوا} فعل أمر ولا يكاد يخطر لقارىء ذلك.
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن يكون عطفاً على جملة { أية : إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليوم في شُغُلٍ فاكِهُونَ} تفسير : [يس: 55] ويجوز أن يعطف على { أية : سَلامٌ قَوْلاً } تفسير : [يس: 58]، أي ويقال: امتازوا اليوم أيها المجرمون، على الضد مما يقال لأصحاب الجنة. والتقدير: سلام يقال لأهل الجنة قولاً، ويقال للمجرمين: امتازوا، فتكون من توزيع الخطابين على مخاطَبيْن في مقام واحد كقوله تعالى: { أية : يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك } تفسير : [يوسف: 29]. وامتاز مطاوع مَازه، إذا أفرده عما كان مختلطاً معه، وُجِّه الأمر إليهم بأن يمتازُوا مبالغة في الإِسراع بحصول الميز لأن هذا الأمر أمر تكوين فعبر عن معنى. فيكونُ الميز بصوغ الأمر من مادة المطاوعة، فإن قولك: لتنكَسِرْ الزجاجةُ أشد في الإِسراع بحصول الكسر فيها من أن تقول: اكسروا الزجاجة. والمراد: امتيازهم بالابتعَاد عن الجنة، وذلك بأن يصيروا إلى النار فيؤول إلى معنى: ادخلوا النار. وهذا يقتضي أنهم كانوا في المحشر ينتظرون ماذا يفعل بهم كما أشرنا إليه عند قوله تعالى آنفاً: { أية : إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون } تفسير : [يس: 55]، فلما حُكي ما فيه أصحاب الجنة من النعيم حين يقال لأصحاب النار: { أية : فاليوم لا تظلم نفس شيئاً } تفسير : [ يس: 54]، حُكي ذلك ثم قيل للمشركين {وامتازوا اليوم أيُّها المُجرمون}. وتكرير كلمة {اليَوْمَ} ثلاث مرات في هذه الحكاية للتعريض بالمخاطبين فيه وهم الكفار الذين كانوا يجحدون وقوع ذلك اليوم مع تأكيد ذكره على أسماعهم بقوله: { أية : فاليوم لا تُظلمُ نفسٌ } تفسير : [يس: 54] وقوله: { أية : إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليومَ في شُغُل } تفسير : [ يس: 55] وقوله: {امتازوا اليوم أيها المجرمون}. ونداؤهم بعنوان: {المجرمون} للإِيماء إلى علة ميزهم عن أهل الجنة بأنهم مجرمون، فاللام في {المُجْرِمُونَ} موصولة، أي أيها الذين أجرموا.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وامتازوا اليوم أيها المجرمون: أي انفردوا عن المؤمنين وانحازوا على جهة وسيروا أيها الصالحون إلى الجنة. ألم أعهد إليكم: أي ألم أوصِكُم بترك عبادة الشيطان وهي طاعته. وأن اعبدوني: أي وبأن تعبدوني وحدي وذلك في كتبي وعلى ألسنة رسلي. هذا صراط مستقيم: أي بترك عبادة الشيطان والقيام بطاعة الرحمن. هو الإِسلام الموصل إلى دار السلام. ولقد أضل منكم جبلا كثيرا: أي ولقد أضل الشيطان منكم يا بني آدم خلقا كثيرا. أفلم تكونوا تعقلون: أي أطعتموه فلم تكونوا تعقلون عداوته لكم. هذه جهنم التي كنتم بها تكذبون: أي تقول لهم الملائكة هذه جهنم... الخ. اليوم نختم على أفواههم: أي عندما يقولون: والله ربنا ما كنا مشركين. ولو نشاء لطمسنا على أعينهم: أي ولو أردنا طمس أعين هؤلاء المشركين المجرمين لفعلنا، ولكنا لم نشأ ذلك رحمة منّا. فاستبقوا الصراط: أي فابتدروا الطريق كعادتهم فكيف يبصرون. ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم: أي بدلنا خلقهم حجارة أو قردة أو خنازير في أمكنتهم التي هم فيها فلا يستطيعون مضيّا ولا يرجعون. ومن نعمره ننكسه في الخلق: أي ومن نطل عمره ننكسه في الخلق فيكون بعد قوته ضعيفا عاجزاً. أفلا يعقلون: أي أن القادر على ما ذكرنا لكم قادر على بعثكم بعد موتكم. فتؤمنون وتوحدون فتنجون من العذاب وتسعدون. معنى الآيات: قوله تعالى {وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} أي يأمر تعالى المجرمين وهم الذين أجرموا على أنفسهم بالشرك وارتكاب المعاصي فأفسدوها يأمرهم بأن يتميّزوا عن المؤمنين فينفردوا وحدهم ويسار بأهل الجنة إلى الجنة، ثم يوبخ تعالى المجرمين أهل النار بقوله {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ} موصياً إياكم على ألسنة رسلي وفي كتبي بأن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين، وبأن تعبدوني وحدي، ولا تعبدوا الشيطان معي فتشركوه في عبادتي هذا صراط مستقيم أي ترك عبادة الشيطان والقيام بعبادة الرحمن هذا هو الإِسلام الصراط المستقيم الذي لا ينتهي بالسالكين إلا إلى باب دار السلام. وقوله {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ} اي خلقا كثيرا هذا من كلام الله الموبخ به للمجرمين. وقوله {أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ} وهذا تقريع وتوبيخ أيضا أي أطعتموه وهو عدوكم وعصيتموني وأنا ربكم فلم تكونوا تعقلون عداوة الشيطان لكم، وواجب عبادتي عليكم لأني خلقتكم ورزقتكم وكلأتكم الليل والنهار إذاً فهذه جهنم التي كنتم بها تكذبون اصلوها أي احترقوا بها بما كنتم تكفرون بالله وآياته ولقائه وتكذبون رسله. وقوله تعالى {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} هذا يحدث لما يعرضون على ربهم فيعرض عليهم أعمالهم فينكرون فعندئذ يختم الله على أفواههم فلا يستطيعون الكلام وتنطق باقي جوارحهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون قوله تعالى {وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ} فأعميناهم {فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ} أي ابتدروا الطريق كعادتهم فأنى يبصرون الطريق وقد طمس على أعينهم فلا مقلة فيها ولا حاجب، ولكن الله لم يشأ ذلك لرحمته وحلمه على عباده، وقوله {وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ} أي ولو نشاء مسخ هؤلاء المجرمين من المشركين لمسخناهم في أماكنهم من منازلهم فلا يستطيعون مضيا في الطريق ولا رجوع إلى خلف أي لا ذهاباً ولا إياباً، وقوله تعالى {وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ} فنرده رأسا على عقب فكما كان طفلا ينمو شيئا فشيئا في قواه العقلية والبدنية حتى شب واكتهل فكذلك ننكسه في خلقه فيأخذ يضعف في قواه العقلية والبدنيّة يوما فيوما حتى يصبح أضعف عقلا وبدنا منه وهو طفل. وقوله أفلا تعقلون أيها المكذبون المجرمون أن القادر على هذا وغيره وعلى كل شيء يريده قادر على أن يحييكم بعد موتكم ويبعثكم من قبوركم ويحاسبكم ويجزيكم بأعمالكم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير المعاد وبيان مواقف منه. 2- تأكيد عداوة الشيطان للإِنسان. 3- عجز الإِنسان يوم القيامة عن كتمان شيء من سيء أعماله وفاسدها. 4- التحذير من عقوبة الله في الدنيا بالمسخ ونحوه. 5- مظاهر قدرة الله تعالى في رد الإِنسان بعد القوة إلى حالة الضعف الأولى.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَٱمْتَازُواْ} (59) - وَيُؤْمَرُ المُجْرِمُونَ بِالامْتِيَازِ عَنِ المُؤْمِنِينَ فِي مَوْقِفِهِمْ، وَبِاعْتِزَالِهِمْ وَبِدُخُولِ النَّارِ. امتَازُوا - تَمَيَّزُوا وانْفَردُوا عَنِ المُؤْمِنِينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى: {وَٱمْتَازُواْ} [يس: 59] أي: تميّزوا أيها المجرمون عن المؤمنين، وانحازوا بعيداً عنهم، تجمعوا في جانب واحد لترواْ دخول المؤمنين الجنة، وتظلوا أنتم في الموقف لتزداد حسرتكم. وقد اقتضتْ حكمة الله تعالى أنْ يُميز المؤمنين والكافرين بمعنى: أن يُعرف كُلُّ منهم، وذلك في غزوة الحديبية، حديث : فلما مُنِع المسلمون من دخول مكة وهم على مشارفها حَزِن المسلمون حُزْناً شديداً، حتى كبار الصحابة مثل عمر بن الخطاب الذي قال لرسول الله: لِمَ نقبل الدَّنيَّة في ديننا؟ وكاد المسلمون يخالفون أمر رسول الله حتى قال لزوجته السيدة أم سلمة: "هلك الناس يا أم سلمة، أمرتُهم فلم يطيعوا" فقالت: يا رسول الله، إنهم مكروبون. ذلك لأنهم مُنِعوا من دخول الحرم وهم على مقربة منه، وهذا أمر صعب على نفوسهم، ثم أشارت على رسول الله وقالت: يا رسول الله امْض إلى ما أمرك الله به فافعل، ولا تكلم أحداً، فإنهم لو رأوك عزمتَ انصاعوا، وفعلاً أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشورة السيدة أم سلمة، وانتهت المشكلة . تفسير : وقبل أنْ يعودوا إلى المدينة بيَّن الله لهم وجه الحكمة في ذلك والعلة من صلح الحديبية، ولماذا قَبِل رسول الله شروطها. العلة أن بين كفار مكة مؤمنين يكتمون إيمانهم، ولا يعرفهم أحد، فلو دخل المسلمون مكة في هذا الوقت لحدثتْ مصادمات بين الجانبين، وعندها سيُؤْذَى هؤلاء المؤمنون الذين يكتمون إيمانهم، ولا يستطيعون الجهر به، وسيؤخذ العاطل مع الباطل. لذلك قال سبحانه في هذه القصة من سورة الفتح: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} تفسير : [الفتح: 25] ومعنى {أية : لَوْ تَزَيَّلُواْ} تفسير : [الفتح: 25] يعني: لو تميَّز المؤمنون عن الكافرين. أو: يكون المعنى: {وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} [يس: 59] امتازوا بعلامات تميزكم وتلازمكم دائماً، بحيث لا يكون خجلكم أمامنا الآن فحسب، إنما تكون لكم سمات تُعرَفون بها، وهذه العلامة هي علامة الغضب وسواد الوجه والعياذ بالله. ومن ذلك قوله تعالى في المؤمنين: {أية : تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} تفسير : [البقرة: 273].
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى حال السعداء الأبرار وما لهم في الجنة من النعيم المقيم، أعقبه بذكر حال الأشقياء الفجار وما لهم من الخزي والدمار، على طريقة القرآن في الترغيب والترهيب، وختم السورة الكريمة ببيان أدلة البعث بعد الموت، والحساب والجزاء. اللغَة: {وَٱمْتَازُواْ} تميزوا وانفصلوا، والتمييزُ: التفرق بين أمرين {جِبِلاًّ} بكسر الجيم خلقاً جمع جِبلَّة ومنه "والجبِلَّة الأولين" مشتق من جبل اللهُ الخلق أي خلقهم {لَطَمَسْنَا} الطمسُ: إذهابُ الشيء وأثره جملةً كأنه لم يوجد {ٱصْلَوْهَا} ادخلوها وذوقوا سعيرها {لَمَسَخْنَاهُمْ} المسخ: التحويل من صورة إلى صورة منكرة {نُّعَمِّرْهُ} التعمير: إطالة العمر حتى يبلغ سن الشيخوخة {نُنَكِّـسْهُ} التنكيس: قلب الشيء رأساً على عقب يقال: نكستُ الشيء نكساً إذا قلبته على رأسه ومنه {أية : ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ}تفسير : [الأنبياء: 65] {رَمِيمٌ} الرميم: البالي المفتَّت يقال رمَّ العظم أي بلي فهو رميم. سَبَبُ النّزول: روي حديث : أن "أُبي بن خلَف" من صناديد كفار قريش جاء بعظم بالٍ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ففتَّه بيده ثم قال: أتزعم يا محمد أن الله يُحيي هذا بعدما رمَّ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نعم يحييه، ثم يبعثك ويدخلك النار فأنزل الله تعالى {أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} . تفسير : التفسِير: بعد أن بيَّن تعالى حال السعداء ذكر حال الأشقياء فقال {وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} أي تميزوا وانفصلوا يا معشر الكفرة المجرمين عن عبادي المؤمنين، انفردوا عنهم وكونوا جانباً قال القرطبي: يقال لهم هذا عند الوقوف للسؤال، وحين يؤمر بأهل الجنة إلى الجنة {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ} الاستفهام للتوبيخ والتقريع، وهو توبيخٌ للكفرة المجرمين أي ألم أوصكم وآمركم يا بني آدم على ألسنة رسلي {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ} أي ألاّ تطيعوا الشيطان فيما دعاكم إليه من معصيتي؟ {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} تعليلٌ للنهي أي لأنه عدوٌ لكم ظاهر العداوة، فكيف يطيع الإِنسان عدوه؟ {وَأَنِ ٱعْبُدُونِي} أي وأمرتكم بأن تعبدوني وحدي، بتوحيدي وطاعتي وامتثال أمري {هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي هذا هو الدين الصحيح، والطريق الحقُّ المستقيم {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً} تأكيد للتعليل أي ولقد أضلَّ الشيطان خلقاً منكم كثيرين، وأغواهم عن سلوك طريق الحقَّ قال الطبري: أي صدَّ الشيطان منكم خلقاُ كثيراً عن طاعتي حتى عبدوه {أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ} أي أفما كان لكم عقل يردعكم عن طاعة الشيطان ومخالفة أمر ربكم؟ وهو توبيخ آخر للكفرة الفجار.. ثم بشرهم بما ينتظرهم من العذاب فقال {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} أي هذه نار جهنم التي أوعدكم بها الرسل وكذبتم بها قال الصاوي: هذا خطاب لهم وهم على شفير جهنم، والمقصود منه زيادة التبكيت والتقريع {ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} أي ذوقوا حرارتها وقاسوا أنواع عذابها اليوم بسبب كفركم في الدنيا، وهو أمر إهانةٍ وتحقير مثل قوله {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ}تفسير : [الدخان: 49] ثم أخبر تعالى عن فضيحتهم يوم القيامة على رءوس الأشهاد فقال {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ} أي في هذا اليوم - يوم القيامة - نختم على أفواه الكفار ختماً يمنعها عن الكلام {وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي تنطق عليهم جوارحهم أيديهم وأرجلهم بأعمالهم القبيحة روى ابن جرير الطبري عن أبي موسى الأشعري أنه قال "يُدعى الكافر والمنافق يوم القيامة للحساب فيعرض عليه ربه عمله فيجحده ويقول: أي ربِّ وعزتك لقد كتب عليَّ هذا الملك ما لم أعمل، فيقول الملك: أما عملت كذا في يوم كذا في مكان كذا فيقول: لا وعزتك أي رب ما عملته، فإِذا فعل ذلك خُتم على فيه وتكلمت أعضاؤه ثم تلا {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ} وفي الحديث "حديث : يقول العبد يا ربِّ ألم تجرني من الظلم؟ فيقول بلى، فيقول العبد فإِني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، ثم يختم على فيه ويقال لجوارحه انطقي، فتنطق بأعماله ثم يُخلى بينه وبين الكلام فيقول: بُعداً لكنَّ وسحقاً فعنكنَّ كنت أناضل"تفسير : {وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ} أي لو شئنا لأعميناهم فابتدروا طريقهم ذاهبين كعادتهم فكيف يبصرون حينئذٍ؟ قال ابن عباس: المعنى لو نشاء لأعميناهم عن الهدى فلا يهتدون أبداً إلى طريق الحقِّ، وهو تهديد لقريش {وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ} أي لو نشاء لمسخناهم مسخاً يقعدهم في مكانهم {فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ} أي إذا مسخوا في مكانهم لم يقدروا أن يذهبوا ولا أن يرجعوا، وهو تهديد آخر للكفرة المجرمين، ثم ذكر تعالى دلائل قدرته على مسخ الكفار بتطاول الأعمار فقال {وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ} أي ومن نُطِل عمره نقلبه في أطوار منتكساً في الخلق فيصير كالطفل لا يعلم شيئاً قال قتادة: يصير إلى حال الهرم الذي يشبه حال الصبا، فطولُ العمر يصيِّر الشباب هَرَماً، والقوة ضعفاً، والزيادة نقصاً {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ}؟ أي أفلا يعقلون أن من قدر على ذلك قادر على إِعمائهم أو مسخهم؟ قال ابن جزي: والقصدُ من ذلك الاستدلال على قدرته تعالى على مسخ الكفار، كما قدر على تنكيس الإِنسان إذا هرم {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} أي وما علمنا محمداً الشعر، ولا يصح ولا يليق به أن يكون شاعراً قال القرطبي: هذا ردٌّ على الكفار في قولهم إنه شاعر، وإن ما أتى به من قبيل الشعر، فالرسول صلى الله عليه وسلم ليس بشاعر، والقرآن ليس بشعر، لأن الشعر كلام مزخرف موزون، مبني على خيالات وأوهام واهية، حتى قيل "أعذبه أكذبه" فأين ذلك من القرآن العزيز الذي تنزَّه عن مماثلة كلام البشر!! وقد أكثر الناسُ في ذم الشعر ومدحه، وإِنما الإِنصاف ما قاله الشافعي رحمه الله "الشعر كلامٌ، والكلام منه حسنٌ، ومنه قبيح" {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ} أي ما هذا الذي يتلوه محمد إلا عظة وتذكيرٌ من الله جل وعلا لعباده، وقرآن واضح ساطع لا يلتبس به الشعر بحالٍ من الأحوال {لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً} أي لينذر بهذا القرآن من كان حي القلب مستنير البصيرة، وهم المؤمنون لأنهم المنتفعون به {وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} أي وتجب كلمة العذاب على الكافرين لأنهم كالأموات لا يعقلون ما يخاطبون به قال البيضاوي: وجعلهم في مقابلة من كان حياً إشعاراً بأنهم لكفرهم، وسقوط حجتهم، وعدم تأملهم، أمواتٌ في الحقيقة.. ثم ذكَّرهم تعالى بنعمه، وأعاد ذكر دلائل القدرة والوحدانية ليستدلوا على وجوده جلَّ وعلا من آثاره فقال {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً} الهمزة للإِنكار والتعجيب أي أولم ينظروا نظر اعتبار، ويتفكروا فيما أبدعته أيدينا ـ من غير واسطة، وبلا شريك ولا معين ـ مما خلقناه لهم ولأجلهم من الأنعام وهي الإِبل والبقر والغنم، فيستدلوا بذلك على وحدانيتنا وكمال قدرتنا؟! {فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} أي فهم متصرفون فيها كيف يشاءون تصرف المالك بماله {وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ} قال ابن كثير: المعنى جعلهم يقهرونها وهي ذليلةٌ لهم لا تمتنع منهم، بل لو جاء صغير إلى بعيرٍ لأناخه، ولو شاء لأقامه وساقه وهو ذليل منقاد معه، وكذا لو كان القطار مائة بعير لسار الجميع بسير الصغير، فسبحان من سخر هذا لعباده!! {فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} أي فمن هذه الأنعام ما يركبونه في الأسفار، ويحملون عليه الأثقال كالإِبل التي هي سفن البر، ومنها ما يأكلون لحمه كالبقر والغنم {وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ} أي ولهم فيها منافع عديدة - غير الأكل والركوب - كالجلود والأصواف والأوبار، ولهم فيها مشارب أيضاً يشربون من ألبانها {أية : مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ}تفسير : [النحل: 66] {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} أي أفلا يشكرون ربهم على هذه النعم الجليلة؟ والغرضُ من الآيات تعديدُ النعم وإِقامةُ الحجة عليهم.. ثم وبخهم وعنفهم في عبادة ما لا يسمع ولا ينفع من الأوثان والأصنام، وذلك نهاية الغيّ والضلال فقال {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} أي وعبد المشركون آلهة من الأحجار رجاء أن يُنصروا بها وهي صماء بكماء، لا تسمع الدعاء ولا تستجيب للنداء {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ} أي لا تستطيع هذه الآلهة المزعومة نصرهم بحالٍ من الأحوال، لا بشفاعة ولا بنصرةٍ أو إعانة {وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ} أي وهؤلاء المشركون كالجند والخدم لأصنامهم في التعصب لهم، والذبِّ عنهم، وفدائهم بالروح والمال، مع أنهم لا ينفعونهم أيَّ نفع قال قتادة: المشركون يغضبون للآلهة في الدنيا، وهي لا تسوق إليهم خيراً ولا تدفع عنهم شراً، إِنما هي أصنام والمشركون كأنهم خدام وقال القرطبي: المعنى إنهم قد رأوا هذه الآيات من قدرتنا، ثم اتخذوا من دوننا آلهة لا قدرة لها على فعل شيء أصلاً، والكفار يمنعون منهم ويدفعون عنهم، فهم لهم بمنزلة الجند، والأصنام لا تستطيع أن تنصرهم. {فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} أي لا تحزن يا محمد على تكذيبهم لك، واتهامهم بأنك شاعرٌ أو ساحر، وهذه تسليةٌ للنبي عليه السلام، وهنا تمَّ الكلام ثم قال تعالى {إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} أي نحن أعلم بما يخفونه في صدورهم، وما يظهرونه من أقوالهم وأفعالهم، فنجازيهم عليه، وكفى بربك أنه على كل شيء شهيد.. ثم أقام الدليل القاطع، والبرهان الساطع، على البعث والنشور فقال {أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ} استفهامٌ إِنكاريٌ للتوبيخ والتقريع أي أولم ينظر هذا الإِنسان الكافر نظر اعتبار، ويتفكر في قدرة الله فيعلم أنّا خلقناه من شيءٍ مهينٍ حقير هو النطفة "المني" الخارج من مخرج النجاسة؟ {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} أي فإِذا هو شديد الخصومة والجدال بالباطل، يخاصم ربه وينكر قدرته، ويكذب بالبعث والنشور، أفليس الإِله الذي قدر على خلق الإِنسان من نطفة، قادر على أن يخلقه مرة أُخرى عند البعث؟ قال المفسرون: نزلت في "أُبي بن خلف" حديث : جاء بعظم رميم، وفتَّته في وجه النبي الكريم وقال ساخراً: أتزعم يا محمد أنَّ الله يُحيينا بعد أن نصبح رفاتاً مثل هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم له: نعم يبعثك ويدخلك النار"تفسير : {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ} أي وضرب لنا هذا الكافر المثل بالعظم الرميم، مستبعداً على الله إعادة خلق الإِنسان بعد موته وفنائه، ونسي أنا أنشأناه من نطفةٍ ميتة وركبنا فيه الحياة، نسي خلقه العجيب وبدأه الغريب، وجوابه من نفسه حاضر {قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} أي وقال هذا الكافر: من يحيي العظام وهي بالية أشدَّ البلى، متفتتةٌ متلاشية؟ قال الصاوي: أي أورد كلاماً عجيباً في الغرابة هو كالمثل، حيث قاسَ قدرتنا على قدرة الخلق {قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي قل يا محمد تخريساً وتبكيتاً لهذا الكافر وأمثاله: يخلقها ويحييها الذي أوجدها من العدم، وأبدع خلقها أول مرة من غير شيء، فالذي قدر على البداءة، قادر على الإِعادة {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} أي يعلم كيف يخلق ويُبدع، فلا يصعب عليه بعث الأجساد بعد الفناء {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً} أي الذي جعل لكم بقدرته من الشجر الأخضر ناراً تحرق الشجر، لا يمتنع عليه فعل ما أراد، ولا يعجزه إحياء العظام البالية وإِعادتها خلقاً جديداً وقال أبو حيان: ذكر تعالى لهم ما هو أغرب من خلق الإِنسان من النطفة، وهو إبراز الشيء من ضده، وذلك أبدع شيء وهو اقتداح النار من الشيء الأخضر، ألا ترى الماء يطفىء النار ومع ذلك خرجت مما هو مشتمل على الماء، والأعراب تُوري النار من المرخ والعُفار، وفي أمثالهم "في كل شيء نار، واستمجد المرخ والعُفار" ولقد أحسن القائل: شعر : جمعُ النقيضين من أسرار قدرته هذا السَّحابُ به ماءٌ به نارُ تفسير : {فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ} أي فإِذا أنتم تقدحون النار من هذا الشجر الأخضر {أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم}؟ أي أوَليس الذي خلق السمٰوات والأرض مع كبر جرمهما، وعظم شأنهما قادر على أن يخلق أجساد بني آدم بعد فنائها؟ {بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ} أي بلى هو القادر على ذلك، فهو الخلاَّق المبدع في الخلق والتكوين، العليم بكل شيء {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} أي لا يصعب عليه جل وعلا شيء لأن أمره بين الكاف والنون، فمتى أراد تعالى شيئاً وجد، بدون تعب ولا جهد، ولا كلفة ولا عناء {فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} أي تنزَّه وتمجد عن صفات النقص الإِلهُ العظيم الجليل، الذي بيده المُلك الواسع، والقدرة التامة على كل الأشياء {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي وإِليه وحده مرجع الخلائق للحساب والجزاء .. ختم تعالى السورة الكريمة بهذا الختم الرائع، الدال على كمال القدرة، وعظمةِ الملك والسلطان، الذي تفرد به خالق الأكوان. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- طباق السلب {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ ... وَأَنِ ٱعْبُدُونِي} فالأول سلب، والآخر إِيجاب. 2- الاستفهام الإِنكاري للتوبيخ والتقريع {أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ}؟ {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ}؟. 3- الطباق بين {مُضِيّاً .. وَيَرْجِعُونَ} {يُسِرُّونَ .. وَيُعْلِنُونَ} وهو من المحسنات البديعية. 4- التشبيه البليغ {وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ} أي كالجند في الخدمة والدفاع، حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح بليغاً. 5- ذكر العام بعد الخاص {وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ} بعد قوله {فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ} الآية وفائدته تفخيم النعمة، وتعظيم المنة. 6- المقابلة {لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً} الآية قابل بين الإِنذار والإِعذار، وبين المؤمنين والكفار {وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} وهو من ألطف التعبير. 7- الاستعارة التمثيلية {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً} الأنعام تخلق ولا تعمل، ولكنه شبه اختصاصه بالخلق والتكوين بمن يعمل أمراً بيديه ويصنعه بنفسه، واستعار لفظ العمل للخلق بطريق الاستعارة التمثيلية. 8- صيغة المبالغة {خَصِيمٌ مُّبِينٌ} .. {ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ}. 9- الاستعارة التمثيلية {أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} شبه سرعة تأثير قدرته تعالى ونفاذها في الأشياء بأمر المطاع من غير توقف ولا امتناع، فإِذا أراد شيئاً وجد من غير إبطاءٍ ولا تأخير، وهو من لطائف الاستعارة. فَائِدَة: الملكوت صيغة مبالغة من المُلك، ومعناه الملك الواسع التام مثل الجبروت والرحموت للمبالغة. تنبيه: قال العلامة ابن كثير: "ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه تمثل يوم الخندق بأبيات ابن رواحة "حديث : اللهم لولا أنت ما اهتدينا"تفسير : وما ثبت أنه قال يوم حنين وهو راكب على بغلته "حديث : أنا النبي لا كذب: أنا ابن عبد المطلب"تفسير : وقوله "حديث : هل أنت إلا أصبعٌ دميت: وفي سبيل الله ما لقيت"تفسير : الخ إِنما وقع اتفاقاً من غير قصد إلى قول الشعر، بل جرى هذا على لسانه صلى الله عليه وسلم عفواً وكل هذا لدينا في قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} اهـ. فتدبره فإِنه نفيس.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ} معناه تَميّزوا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر تعالى جزاء المتقين، ذكر جزاء المجرمين { و } أنهم يقال لهم يوم القيامة { امْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ } أي: تميزوا عن المؤمنين، وكونوا على حدة، ليوبخهم ويقرعهم على رءوس الأشهاد قبل أن يدخلهم النار، فيقول لهم: { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ } أي: آمركم وأوصيكم، على ألسنة رسلي، [وأقول لكم:] { يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ } أي: لا تطيعوه؟ وهذا التوبيخ، يدخل فيه التوبيخ عن جميع أنواع الكفر والمعاصي، لأنها كلها طاعة للشيطان وعبادة له، { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } فحذرتكم منه غاية التحذير، وأنذرتكم عن طاعته، وأخبرتكم بما يدعوكم إليه، { و } أمرتكم { أَنِ اعْبُدُونِي } بامتثال أوامري وترك زواجري، { هَذَا } أي: عبادتي وطاعتي، ومعصية الشيطان { صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } فعلوم الصراط المستقيم وأعماله ترجع إلى هذين الأمرين، أي: فلم تحفظوا عهدي، ولم تعملوا بوصيتي، فواليتم عدوكم، فـ { أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا } أي: خلقا كثيرا. { أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ } أي: فلا كان لكم عقل يأمركم بموالاة ربكم ووليكم الحق، ويزجركم عن اتخاذ أعدى الأعداء لكم وليا، فلو كان لكم عقل صحيح لما فعلتم ذلك، فإذا أطعتم الشيطان، وعاديتم الرحمن، وكذبتم بلقائه، ووردتم القيامة دار الجزاء، وحق عليكم القول بالعذاب فـ { هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } وتكذبون بها، فانظروا إليها عيانا، فهناك تنزعج منهم القلوب، وتزوغ الأبصار، ويحصل الفزع الأكبر. ثم يكمل ذلك، بأن يؤمر بهم إلى النار، ويقال لهم: { اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } أي: ادخلوها على وجه تصلاكم، ويحيط بكم حرها، ويبلغ منكم كل مبلغ، بسبب كفركم بآيات اللّه، وتكذيبكم لرسل اللّه. قال الله تعالى في بيان وصفهم الفظيع في دار الشقاء: { الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ } بأن نجعلهم خرسا فلا يتكلمون، فلا يقدرون على إنكار ما عملوه من الكفر والتكذيب. { وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } أي: تشهد عليهم أعضاؤهم بما عملوه، وينطقها الذي أنطق كل شيء. { وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ } بأن نُذْهِبَ أبصارهم، كما طمسنا على نطقهم. { فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ } أي: فبادروا إليه، لأنه الطريق إلى الوصول إلى الجنة، { فَأَنَّى يُبْصِرُونَ } وقد طمست أبصارهم. { وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ } أي: لأذهبنا حركتهم { فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا } إلى الأمام { وَلا يَرْجِعُونَ } إلى ورائهم ليبعدوا عن النار. والمعنى: أن هؤلاء الكفار، حقت عليهم كلمة العذاب، ولم يكن بُدٌّ من عقابهم. وفي ذلك الموطن، ما ثَمَّ إلا النار قد برزت، وليس لأحد نجاة إلا بالعبور على الصراط، وهذا لا يستطيعه إلا أهل الإيمان، الذين يمشون في نورهم، وأما هؤلاء، فليس لهم عند اللّه عهد في النجاة من النار؛ فإن شاء طمس أعينهم وأبقى حركتهم، فلم يهتدوا إلى الصراط لو استبقوا إليه وبادروه، وإن شاء أذهب حراكهم فلم يستطيعوا التقدم ولا التأخر. المقصود: أنهم لا يعبرونه، فلا تحصل لهم النجاة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):