Verse. 3765 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

اَلَمْ اَعْہَدْ اِلَيْكُمْ يٰبَنِيْۗ اٰدَمَ اَنْ لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطٰنَ۝۰ۚ اِنَّہٗ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِيْنٌ۝۶۰ۙ
Alam aAAhad ilaykum ya banee adama an la taAAbudoo alshshaytana innahu lakum AAaduwwun mubeenun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألم أعهد إليكم» آمركم «يابني آدم» على لسان رسلي «أن لا تعبدوا الشيطان» لا تطيعوه «إنه لكم عدوٌ مبين» بيَّن العداوة.

60

Tafseer

الرازي

تفسير : لما ذكر الله تعالى حال المؤمنين والمجرمين كان لقائل أن يقول: إن الإنسان كان ظلوماً جهولاً، والجهل من الأعذار، فقال الله ذلك عند عدم الإنذار، وقد سبق إيضاح السبل بإيضاح الرسل، وعهدنا إليكم وتلونا عليكم ما ينبغي أن تفعلوه وما لا ينبغي، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في اللغات التي في {أَعْهَدْ } وهي كثيرة الأولى: كسر همزة إعهد وحروف الاستقبال كلها تكسر إلا الياء فلا يقال يعلم ويعلم الثانية: كسر الهاء من باب ضرب يضرب الثالثة: قلب العين جيما ألم أجهد وذلك في كل عين بعدها هاء الرابعة: إدغام الهاء في الحاء بعد القلب فيقال ألم أحد، وقد سمع قوم يقولون دحا محا، أي دعها معها. المسألة الثانية: في معنى أعهد وجوه أقربها وأقربها ألم أوص إليكم. المسألة الثالثة: في هذا العهد وجوه الأول: أنه هو العهد الذي كان مع أبينا آدم بقوله: {أية : وَعَهِدْنَا إِلَىٰ ءَادَمَ } تفسير : [طه: 115] الثاني: أنه هو الذي كان مع ذرية آدم بقوله تعالى: {أية : أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } تفسير : [الأعراف: 172] فإن ذلك يقتضي أن لا نعبد غير الله الثالث: هو الأقوى، أن ذلك كان مع كل قوم على لسان رسول، ولذلك اتفق العقلاء على أن الشيطان يأمر بالشر، وإن اختلفوا في حقيقته وكيفيته. المسألة الرابعة: قوله: {لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَـٰنَ } معناه لا تطيعوه، بدليل أن المنهي عنه ليس هو السجود له فحسب، بل الانقياد لأمره والطاعة له فالطاعة عبادة، لا يقال فنكون نحن مأمورين بعبادة الأمراء حيث أمرنا بطاعتهم في قوله تعالى: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } تفسير : [النساء: 59] لأنا نقول طاعتهم إذا كانت بأمر الله، لا تكون إلا عبادة لله وطاعة له، وكيف لا ونفس السجود والركوع للغير إذا كان بأمر الله لا يكون إلا عبادة لله، ألا ترى أن الملائكة سجدوا لآدم ولم يكن ذلك إلا عبادة لله، وإنما عبادة الأمراء هو طاعتهم فيما لم يأذن الله فيه، فإن قيل بماذا تعلم طاعة الشيطان من طاعة الرحمن، مع أنا لا نسمع من الشيطان خبراً ولا نرى منه أثراً؟ نقول عبادة الشيطان في مخالفة أمر الله أو الإتيان بما أمر الله لا لأنه أمر به، ففي بعض الأوقات يكون الشيطان يأمرك وهو في غيرك، وفي بعض الأوقات يأمرك وهو فيك، فإذا جاءك شخص يأمرك بشيء، فانظر إن كان ذلك موافقاً لأمر الله أو ليس موافقاً، فإن لم يكن موافقاً فذلك الشخص معه الشيطان يأمرك بما يأمرك به، فإن أطعته فقد عبدت الشيطان، وإن دعتك نفسك ألى فعل فانظر أهو مأذون فيه من جهة الشرع أو ليس كذلك، فإن لم يكن مأذوناً فيه فنفسك هي الشيطان، أو معها الشيطان يدعوك، فإن اتبعته فقد عبدته، ثم إن الشيطان يأمر أولاً بمخالفة الله ظاهراً، فمن أطاعه فقد عبده ومن لم يطعه فلا يرجع عنه، بل يقول له أعبد الله كي لا تهان، وليرتفع عند الناس شأنك، وينتفع بك إخوانك وأعوانك، فإن أجاب إليه فقد عبده لكن عبادة الشيطان على تفاوت، وذلك لأن الأعمال منها ما يقع والعامل موافق فيه جنانه ولسانه وأركانه، ومنها ما يقع والجنان واللسان مخالف للجوارح أو للأركان، فمن الناس من يرتكب جريمة كارهاً بقلبه لما يقترف من ذبنه، مستغفراً لربه، يعترف بسوء ما يقترف فهو عبادة الشيطان بالأعضاء الظاهرة، ومنهم من يرتكبها وقلبه طيب ولسانه رطب، كما أنك تجد كثيراً من الناس يفرح بكون متردداً إلى أبواب الظلمة للسعاية، ويعد من المحاسن كونه سارياً مع الملوك ويفتخر به بلسانه، وتجدهم يفرحون بكونهم آمرين الملك بالظلم والملك ينقاد لهم، أو يفرحون بكونه يأمرهم بالظلم فيظلمون، فرحين بما ورد عليهم من الأمر، إذا عرفت هذا فالطاعة التي بالأعضاء الظاهرة، والبواطن طاهرة مكفرة بالأسقام والآلام، كما ورد في الأخبار، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم «حديث : الحمى من فيح جهنم» تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : السيف محاء للذنوب»، تفسير : أي لمثل هذا الذنوب، ويدل عليه ما قال صلى الله عليه وسلم في الحدود «حديث : إنها كفارات» تفسير : وما يكون بالقلوب فلا خلاص عنه إلا بالتوبة والندم وإقبال القلب على الرب، وما يكون باللسان فهو من قبيل ما يكون بالقلب في الظاهر، والمثال يوضح الحال فنقول إذا كان عند السلطان أمير وله غلمان هم من خواص الأمير وأتباع بعداءهم من عوام الناس، فإذا صدر من الأمير مخالة ومسارة مع عدو السلطان ومصادقة بينهما، لا يعفو الملك عن ذلك إلا إذا كان في غاية الصفح، أو يكون للأمير عنده يد سابقة أو توبة لاحقة، فإن صدر من خواص الأمير مخالفة وهو به عالم ولم يزجره، عدت المخالفة موجودة منه، وإن كان كارهاً وأظهر الإنكار حسنت معاتبته دون معاقبته، لأن إقدام خواصه على المخالفة دليل على سوء التربية، فإن كان الصادر من الحواشي الأباعد وبلغ الأمير ولم يزجره عوتب الأمير، وإن زجرهم استحق الأمير بذلك الزجر الإكرام، وحسن من الملك أن يسدي إلى المزجور الإحسان والإنعام إن علم حصول انزجاره، إذا علمت هذا فالقلب أمير واللسان خاصته والأعضاء خدمه، فما يصدر من القلب فهو العظيم من الذنب، فإن أقبل على محبة غير الله فهو الويل العظيم والضلال المبين المستعقب للعقاب الأليم والعذاب المهين، وما يصدر من اللسان فهو محسوب على القلب ولا يقبل قوله إن لم ينكر فعله وما يصدر من الأعضاء والقلب قد أظهر عليه الإنكار وحصل له الانزجار فهو الذنب الذي حكى النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه قال: «حديث : لو لم تذنبوا لخلقت أقواماً يذنبون ويستغفرون فأغفر لهم»، تفسير : وههنا لطيفة: وهي أن الشيطان قد يرجع عن عبد من عباد الله فرحاً فيظن أنه قد حصل مقصوده من الإغواء حيث يرى ذلك العبد ارتكب الذنب ظاهراً ويكون ذلك رافعاً لدرجة العبد، فإن بالذنب ينكسر قلب العبد فيتخلص من الإعجاب فنفسه وعبادته، ويصير أقرب من المقربين، لأن من يذنب مقرب عند الله كما قال تعالى: {أية : لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبّهِمْ } تفسير : [الأنفال: 4] والمذنب التائب النادم منكسر القلب والله عنده كما قال صلى الله عليه وسلم حاكياً عن ربه «حديث : أنا عند المنكسرة قلوبهم» تفسير : وفرق بين من يكون عند الله، وبين من يكون عنده الله، ولعل ما يحكى من الذنوب الصادرة عن الأنبياء من هذا القبيل لتحصل لهم الفضيلة على الملائكة حيث تبجحوا بأنفسهم بقولهم: {أية : وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } تفسير : [البقرة: 30] وقد يرجع الشيطان عن آخر يكون قد أمره بشيء فلم يفعله والشخص يظن أنه غلب الشيطان ورده خائباً فيتبجح في نفسه وهو لا يعلم أن الشيطان رجح عنه محصل المقصود مقبولاً غير مردود. ومن هذا يتبين أمر أصولي وهو أن الناس اختلفوا في أن المذنب هل يخرج من الإيمان أم لا؟ وسبب النزاع وقوع نظر الخصمين على أمرين متباينين فالذنب الذي بالجسد لا بالقلب لا يخرج بل قد يزيد في الإيمان والذي بالقلب يخاف منه الخروج عن ربقة الإيمان ولذلك اختلفوا في عصمة الأنبياء من الذنوب، والأشبه أن الجسدي جائز عليهم والقرآن دليل عليه، والقلبي لا يجوز عليهم، ثم إنه تعالى لما نهى عباده عن عبادة الشيطان ذكر ما يحملهم على قبول ما أمروا به والانتهاء عما نهوا عنه بقوله: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: من أين حصلت العداوة بين الشيطان والإنسان؟ فنقول ابتداؤها من الشيطان وسببه تكريم الله بني آدم، لما رأى إبليس ربه كرم آدم وبنيه عاداهم فعاداه الله تعالى والأولى منه لؤم والثاني من الله كرم، أما الأول فلأن الملك إذا أكرم شخصاً ولم ينقص من الآخر شيئاً إذ لا ضيق في الخزانة، فعداوة من يعادي ذلك المكرم لا تكون إلا لؤماً، وأما الثاني فلأن الملك إذا علم أن إكرامه ليس إلا منه وذلك لأن الضعيف ما كان يقدر أن يصل إلى بعض تلك المنزلة لولا إكرام الملك، يعلم أن من يبغضه ينكر فعل الملك أو ينسب إلى خزانته ضيقاً، وكلاهما يحسن التعذيب عليه فيعاديه إتماماً للإكرام وإكمالاً للإفضال، ثم إن كثيراً من الناس على مذهب إبليس إذا رأوا واحداً عند ملك محترماً بغضوه وسعوا فيه إقامة لسنة إبليس، فالملك إن لم يكن متخلقاً بأخلاق الله لا يبعد الساعي ويسمع كلامه ويترك إكرام ذلك الشخص واحترامه. المسألة الثانية: من أين إبانة عداوة إبليس؟ نقول لما أكرم الله آدم عاداه إبليس وظن أنه يبقى في منزلته وآدم في منزلته مثل متباغضين عند الملك والله كان عالماً بالضمائر فأبعده وأظهر أمره فأظهر هو من نفسه ما كان يخفيه لزوال ما كان يحمله على الإخفاء فقال: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } تفسير : [الأعراف: 16] وقال: {أية : لأَحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ } تفسير : [الإسراء: 62]. المسألة الثالثة: إذا كان الشيطان للإنسان عدواً مبيناً فما بال الإنسان يميل إلى مراضيه من الشرب والزنا، ويكره مساخطه من المجاهدة والعبادة؟ نقول سبب ذلك استعانة الشيطان بأعوان من عند الإنسان وترك استعانة الإنسان بالله، فيستعين بشهوته التي خلقها الله تعالى فيه لمصالح بقائه وبقاء نوعه ويجعلها سبباً لفساد حالة ويدعوه بها إلى مسالك المهالك، وكذلك يستعين بغضبه الذي خلقه الله فيه لدفع المفاسد عنه ويجعله سبباً لوباله وفساد أحواله، وميل الإنسان إلى المعاصي كميل المريض إلى المضار وذلك حيث ينحرف المزاج عن الاعتدال، فترى المحموم يريد الماء البارد وهو يريد في مرضه. ومن به فساد المعدة فلا يهضم القليل من الغذاء يميل إلى الأكل الكثير ولا يشبع بشيء وهو يزيد في معدته فساداً، وصحيح المزاج لا يشتهي إلا ما ينفعه فالدنيا كالهواء الوبيء لا يستغني الإنسان فيه عن استنشاق الهواء وهو المفسد لمزاجه ولا طريق له غير إصلاح الهواء بالروائح الطيبة والأشياء الزكية والرش بالخل والماورد من جملة المصلحات، فكذلك الإنسان في الدنيا لا يستغني عن أمورها وهي المعنيات للشيطان وطريقه ترك الهوى تقليل التأمين وتحريف الهوى بالذكر الطيب والزهد، فإذا صح مزاج عقله لا يميل إلا إلى الحق ولا يبقى عليه في التكاليف كلفة ويحصل له مع الأمور الإلهية ألفة، وهنالك يعترف الشيطان بأنه ليس له عليه سلطان.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ آدَمَ} العهد هنا بمعنى الوصية؛ أي ألم أوصكم وأبلغكم على ألسنة الرسل {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ} أي لا تطيعوه في معصيتي. قال الكسائي: لا للنهي {وَأَنِ ٱعْبُدُونِي} بكسر النون على الأصل، ومن ضم كرِه كسرة بعدها ضمة. {هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي عبادتي دين قويم. قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ} أي أغوى {جِبِلاًّ كَثِيراً} أي خلقاً كثيراً؛ قاله مجاهد. قتادة: جموعاً كثيرة. الكلبي: أمما كثيرة؛ والمعنى واحد. وقرأ أهل المدينة وعاصم: «جِبِلاٍّ» بكسر الجيم والباء. وأبو عمرو وٱبن عامر «جُبْلاً» بضم الجيم وإسكان الباء. الباقون «جُبُلاًّ» بضم الجيم والباء وتخفيف اللام، وشدّدها الحسن وٱبن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وعبد الله بن عبيد والنضر بن أنس. وقرأ أبو يحيى والأشهب العقيلي «جِبْلاً» بكسر الجيم وإسكان الباء وتخفيف اللام. فهذه خمس قراءات. قال المهدوي والثعلبي: وكلها لغات بمعنى الخلق. النحاس: أبينها القراءة الأولى؛ والدليل على ذلك أنهم قد أجمعوا على أن قرءوا {أية : وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [الشعراء: 184] فيكون «جِبلاًّ» جمع جِبِلّةٍ، والاشتقاق فيه كله واحد. وإنما هو من جبل الله عز وجل الخلق أي خلقهم. وقد ذُكِرت قراءة سادسة وهي: «وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِيلاً كَثِيراً» بالياء. وحكي عن الضحاك أن الجيل الواحد عشرة آلاف، والكثير ما لا يحصيه إلا الله عز وجل؛ ذكره الماوردي. {أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ} عدواته وتعلموا أن الواجب طاعة الله. {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ} أي تقول لهم خزنة جهنم هذه جهنم التي وعدتم فكذبتم بها. وروي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا كان يوم القيامة جمع الله الإنس والجن والأوّلين والآخرين في صعيد واحد ثم أشرف عنق من النار على الخلائق فأحاط بهم ثم ينادي منادٍ {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } فحينئذ تجثو الأمم على ركبها وتضع كل ذات حمل حملها، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد».

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ } آمركم {يَـٰبَنِى ءَادَمَ} على لسان رسلي {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَٰنَ } لا تطيعوه {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } بيِّن العداوة؟.

ابن عادل

تفسير : قوله: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ} العامة على فتح الهمزة على الأصل في حرف المضارعة، وطلحة والهُذَيْل بن شرحبيل الكوفي بكسرها. وتقدم أن ذلك لغة في حروف المضارعة بشروط ذُكِرَتْ في الفاتحة، وقرأ ابن وثاب "أَحَّدْ" بحَاءٍ مشدَّدة، قال الزمخشري: وهي لغة تميم ومنه: "دَحَّا مَحَّا" أي دَعْهَا مَعَهَا فقلبت الهاء حاء ثم العين حَاءً حين أريدَ الإدغام، والأحسن أن يقال: إن العين أبدلت حاء وهي لغة هذيل فلما أدغم قلب الثاني للأول وهو عكس باب الإدغام. وقد مضى تحقيقه آخر آل عمران، وقال ابن خالويه وابن وثاب والهذيل: "ألم اعْهَدْ" بكسر الميم والهمزة وفتح الهاء وهي على لغة من كسر أول المضارع سوى الياءَ. وروي عن ابن وثاب "أَعْهِدْ" بكسر الهاء يقال: عَهِدَ وَعَهَدَ، انتهى. يعني بكسر الميم والهمزة أن الأصل في هذه القراءة أن يكون كسر حرف المضارعة ثم نقل حركته إلى الميم فكسرت لا أن الكسر موجود في الميم وفي الهمزة لفظاً إذ يلزم من ذلك قطع همزة الوصل وتحريك الميم من غير سبب، وأما كسر الهاء فلما ذكر من أنه سمع في الماضي "عَهَدَ" بفتحها. قوله: "سوى الياء" - وكذا قال الزمخشري- هو المشهور، وقد نقل عن بَعْضِ كَلْبٍ أنهم يكسرون الياء فيقولون: يعْلَمُ. وقال الزمخشري فيه: وقد جوز الزجاج أن يكون من باب: نَعِمَ يَنْعَمُ وضَرَبَ يَضْرِبُ يعني أن تخريجه على أحد وجهين إما بالشذوذ فيما اتّحد فيه فَعِلَ يَفْعِلُ بالكسر فيهما كَنِعَم يَنْعِمُ وحَسِبَ يَحْسبُ، ويَئِسَ يَيْئسُ. وهي ألفاظ معدودة في البقرة. وإما (أنه) سمع في ماضيه الفتح كضرب كما حكاه ابن خالويه، وحكى الزمخشري أنه قرىء "أَحْهَدْ" بإبدَال العين حاء. وقد تقدم أنها لغة هذيل. وهذه تقوي أن أصل أحد أحهد فأدغم كما تقدم. قوله: "أَن لاَّ تَعْبُدُواْ" و "وَأَنِ ٱعْبُدُونِي" يجوز في "أن" أن تكون مفسرة فسرت العهد بنهي وأمر وأن تكون مصدرية (أي) ألم أعْهَدْ إليكم في عدم عبادة الشيطان وفي عبادتي. فصل في معنى هذا العهد وجوه: أقواها ألم أوصِ إليكم، واختلفوا في هذا العهد فقيل: هو العهد الذي كان مع آدم في قوله: {أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ} تفسير : [طه:115] وقيل: هو الذي كان مع ذرية آدم حين أخرجهم وقال: ألَسْتُ بربِّكُمْ قَالُوا بَلَى، وقيل: مع كل قوم على لسان رسولهم. وهو الأظهر، وقوله {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ} أي لا تطيعوا الشيطان. والطاعة قد تطلق على العبادة ثم قال: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي ظاهر العداوة ووجه عداوته أنه لما أكرم الله آدم - عليه (الصلاة و) السلام - عاداه إبليس. فإن قيل: إذا كان الشيطان عدواً للإنسان فما بال الإنسان يقبل على ما يرضيه من الزِّنا والشّرب ويكره ما يسخطُه من المجاهدة والعبادة؟ فالجواب: استعانة الشيطان بأعوان من عند الإنسان وترك استعانة الإنسان بالله فيستعين بشهوته التي خلقها الله فيه لمصالح بقائه وبقاء نوعه ويجعلها سبباً لفساد حاله ويدعوه بها إلى مسالك المهالك وكذلك يستعين بغضبه الذي خلقه الله فيه لدفع المفاسد عنه ويجعلها سبباً لوباله وفساد أحواله وميل الإنسان إلى المعاصي كميْل المريض إلى (المصادر)، وذلك حيث ينحرف المِزاج عن الاعتدال فترى المحموم يريد الماء البارد وهو يزيد من مرضه ومن معدته فاسدة لا يهضم القليل من الغذاء يميل إلى الأكل الكثير ولا يشبع بشيء وهو يزيد فساد معدته وصحيح المزاج لا يشتهي إلا ما ينفعه. قوله: "وَأَنِ ٱعْبُدُونِي" أطيعوني ووحِّدوني {هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} لما منع من عبادة الشيطان بقوله {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً} أي خَلْقاً كثيراً. قوله: "جبلاًّ" قرأ نافع وعاصم بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وأبو عمرو وابن عامر بضمة وسكون والباقون بضمتين واللام مخففة في كِلْتَيْهِمَا. وابنُ أبي إسْحَاقَ والزّهريّ وابنُ هُرْمُز بضمتين وتشديد اللام والأعمش بكسرتين وتخفيف اللام والأشهب العُقَيْلي واليمانيّ وحماد بن سلمة بكسرة وسكون وهذه لغات في هذه اللفظة وتقدم معناها آخر الشعراء. وقرىء جِبَلاً بكسر الجيم وفتح الباء جمع جِبْلَةٍ، كفِطَرٍ جمع فِطْرَة، وقرأ عَلِيُّ بْنُ أبي طالب بالياء من أسفل (ثنتان). وهي واضحة. قال ابن الخطيب: الجيم والباء لا تخلو عن معنى الاجتماع (و) الجبل فيه اجتماع الأجسام الكثيرة وجبل الطين فيه اجتماع أجزاء الماء والتراب، وشاة لجباء إذا كانت مجتمعةَ اللبن الكثير، ولا يقال: البلجة نقض على ما ذكرتم فإنها تنبىء عن التفرق فإن الأبلج خلاف المقرون لأنَّا نقول: هي لاجتماع الأماكن الخالية التي تسع المتمكنات فإن البلجة والبلدة بمعنًى. والبَلَدُ سمي بَلَداً للاجتماع، لا لتفرق الجمع (العظيم) حتى قيل: إن دون العشر آلاف لا يكون بلداً وإن لم يكن صحيحاً. قوله: "أَفَلَمْ تَكُونُواْ" قرأ العامة بالخطاب لبني آدم. وطلحةُ وعيسى بياء الغيبة والضمير للجبل، ومن حقهما أن يقرءا: التي كانوا يوعدون لولا أن يَعْتَذِرُوا بالالْتِفَاتِ. فصل في كيفية هذا الإضلال وجهان: الأول: تولّية عن المقصد وخديعته فالشيطان يأمر البعض بترك عبادة الله وبعبادة غيره فهو توليه فإن لم يقدر يحيد بأمر غير ذلك من رياسة وجاه وغيرهما وهو يُفضي إلى التولية لأن مقصوده لو حصل لترك الله وأقبل على ذلك الغير فتحصل التولية. ثم قال: {أفلم تكونوا تعقلون} ما أتاكم من هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس. ويقال لهم لما دَنَوْا من النار: {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} بها في الدنيا {ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ} أي ادخلوها اليوم {بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}. وفي هذا الكلام ما يوجب شدة ندامتهم وحزنهم من ثلاثة أوجه: أحدها: قوله تعالى: {ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ} أمر تنكيل وإهانة كقوله: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } تفسير : [الدخان:49]. الثاني: قوله: "اليوم" يعني العذاب حاضر ولذاتك قد مضت وبقي اليوم العذاب. الثالث: قوله تعالى: {بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} فَإن الكفر والكفران ينبىء عن نعمة كانت فكفر بها وحياء الكفور من المنعم من أشدّ الآلام كما قيل: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ لِذِي همَّة حَيَاء المُسِيءِ مِنَ الْمُحْسِنِ. قوله: "ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ" اليوم ظرف لما بعده. وقرىء يُخْتِمُ مبنياً للمفعول. والجار بعده قائم مَقَام فاعله. وقرىء: "وَتتكَلَّم" بتاءين من فوق. وقرىء ولتَتَكَلَّمْ ولتشهدْ بلام الأمر. وقرأ طلحة ولِتُكَلِّمَنَا ولتَشْهَدَ بلام كي ناصبة للفعل ومتعلقها محذوف أي للتكلم وللشهادة خَتَمْنَا. "وبِمَا كَانُوا" أي بالذي كانوا أو بكونهم كاسبين. فصل في الترتيب وجهان: الأول: أنهم حين يسمعون قوله تعالى: {بِمَا كُنْتُم تَكْفُرُونَ} يريدون ينكرون كفرهم كما قال عنه: "مَا أَشْرَكْنَا" "وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ" فيختم الله على أفواههم فلا يقدرون على الإنكار ويُنْطِقُ الله جوارحهم غير لسانهم فيعترفون بذنوبهم. الثاني: لما أن قال الله تعالى لهم: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ} لم يكن لهم جواب فسكتوا وخرسوا وتكلمت أعضاؤهم غير اللسان. وفي الختم على الأفواه وجوه أقواها: أن الله تعالى يسكت ألسنتهم وينطق جوارحهم فيشهدون عليهم وأنه في قدرة الله يسير(و) أما الإسكانُ فلا خفاء فيه وأما الإنطاق فلأن اللسان عضو متحرك بحركة مخصوصة كما جاز تحرك غيره بمثلها والله قادر على كل الممكنات. والوجه الآخر: أنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانتهاك أستارهم فيقفون ناكسي الرُّؤُوس لا يجدون عُذْراً فيَعْتَذِرُونَ ولا مجال توبة فيستغفرون وتكلم الأيدي هو ظهور الأمور بحيث لا يسمع مع الإنكار كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إشارة إلى ظهور الحزن والصحيح الأول لما ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالكرام الكاتبين شهوداً قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه انطقي قال: فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكنَّ وسحقاً فعنكن كنت أناضل وقال عليه (الصلاة و) السلام: "حديث : أول ما يسأل من أحدكم فخذه ولفه ". تفسير : فإن قيل: ما الحكمة في إسناده الختم إلى نفسه وقال "نختم" وأسند الكلام والشهادة إلى الأرجل والأيدي؟ فالجواب: أنه لو قال: نختم على أفواههم وتنطق أيديهم لاحتمل أن يكون ذلك جبراً منه وقهراً والإقرار والإجبار غير مقبول فقال: تكلمنا أيديهم وتشد أرجلهم أي باختيارها يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب منهم. فإن قيل: ما الحكمة في جعل الكلام للأيدي وجعل الشهادة للأرجل؟ فالجواب: لأن الأفعال تسند إلى الأيدي قال تعالى: {أية : وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} تفسير : [يس:35] أي ما عملوه وقال {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} تفسير : [البقرة: 195] أي لا تلقوا بأنفسكم، فإذن الأيدي كالعاملة والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره فجعل الأرجل والجلود من الشهود لبعد إضافة الأفعال إليهم. فإن قيل: إن يوم القيامة من تقبل شهادته من المقربين والصديقين كلهم أعداء للمجرمين وشهادة العدو غير مقبولة وإن كان عدلاً وغير الصدِّيقين من الكفار والفساق لا تقبل شهادتهم والأيدي والأرجل صدرت الذنوب (منها) فهي فاسقة فينبغي أن لا تقبل شهادتها. فالجواب: أن الأيْدي والأرجلَ ليسوا من أهل التكليف ولا ينسب إلهيا عدالة ولا فسقٌ، إنما المنسوب من ذلك إلى العبد المكلف لا إلى أعضائه، ولا يقال: إن العين تزني إن الفَرْج يزني. وأيضاً فإنا نقول: في در شهادتها (قبول شهادتها) لأنها إن كَذَبَتْ في مثل ذلك اليوم مع ظهور الأمور لا بدّ أن يكون مذنباً في الدينا وإن صَدَقَتْ في مثل ذلك اليوم فقد صدر منها الذنب في الدنيا وهذا كمن قال لِفَاسِقٍ: "إن كذبت في نهار هذا اليوم فعَبْدي حُرٌّ" فقال الفاسق: كَذَبْتُ في نهار هذا اليوم عُتِقَ العَبْدُ؛ لأنه إن صدق في قوله كذبت في نهار ذلك اليوم فوجد االشرط أيضاً بخلاف ما لو قال في اليوم الثاني كذبت في نهار اليوم الذي علقت عتْق عبدك على كذا فيه. قوله: {وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ} أي أذهبنا أعينهم الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شِقٌّ وهو معنى الطَّمْسِ، كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} تفسير : [البقرة: 20] يقول: إذا أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة. قوله: "فَٱسْتَبَقُوا" عطف على "لَطَمَسْنَا" وهذا على سبيل الفَرْض والتقدير. وقرأ عيسى فَاسْتَبِقُوا أمراً. وهو على إضمار القول أي فيُقَالُ لَهُمْ اسْتَبِقُوا والصِّراط ظرف مكان مختص عند الجمهور فلذلك تأولوا وصول الفعل إليه إما بأنه مفعول (به) مجازاً جعله مستبقاً لا مُسْتَبَقاً إليه ويضمن استبقوا معنى بادروا وإما على حذف الجار أي إلى الصراط. وقال الزمخشري: منصوب على الظرف، وهو ماش على قول ابن الطراوة فإن الصراطَ والطريق ونحوهما ليست عنده مختصة إلا أن سيبويه على أن قوله: شعر : 4184- لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ تفسير : ضرورة لنصبه الطريق. وقرأ أبو بكر مَكَانَاتِهِمْ جمعاً، وتقدم في الأنعام. والعامة على "مُضِيًّا" بضم الميم وهو مصدر على فُعُولٍ أصله مُضُويٌ فأدغم وكُسِرَ ما قبل الياء ليصبح نحو "لُقِيًّا". وقرأ أبو حيوة ورُوِيَتْ عن الكِسائيِّ مِضِيًّا (أي) بكسر الميم إتباعاً لحركة العين نحو {عِتِيّاً} و {صِلِيّاً} [مريم:69 - 70] وقرىء بفتحها وهو من المصارد التي وردت على فعِيلٍ كالرَّسيم والزَّمِيلِ. فصل المعنى كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة فاستبقوا الصراط فتبادروا إلى الطريق "فَأَنَّى يُبْصِرُونَ" كيف يبصرون وقد أعمينا أعينهم يعني لو نشاء لأضللناهم عن الهُدَى وتركناهم عُمْياً يترددون فكيف يبصرون الطريق حنيئذ؟ هذا قول الحسن، وقتادة، والسدي. وقال ابن عباس ومقاتل وعطاء وقتادة: معناه لو نشاء لَفَقَأنَا أعين ضلالتهم فأعميناهم من غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى بصرون ولم أفعل لك بهم. {ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم} أي مكانهم أي لو نشاء جعلناهم قِرَدَةً وخنازيرَ في منازلهم لا أزواج لهم {فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلاَ يَرْجِعُونَ} إلى ما كانوا عليه. وقيل: لا يقدرون على ذهابٍ ولا رُجُوع. قوله: {وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ} قرأ عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف مشددة من نَكَّسَهُ مبالغة، والباقون بفتح الأولى وتسكين الثانية وضم الكاف، خفيفة من نَكَسَهُ. وهي محتملة للمبالغة وعدمها. وقَدْ تقدم في الأنعام أن نافعاً وابْنَ ذكوان قرءا "تعقلون" والباقون بالغَيْبَة. فصل معنى ننكسه نَرُدُّه إلى أرْذَلِ العمر شِبْهَ الصَّبِيِّ في أول الخلق، وقيل: ننكسه في الخلق أي ضعف جوارحه بعد قوتها ونقصانها بعد زيادتها "أفلا يعقلون" فيعتبرون، ويعلمون أن الذي قَدرَ على تَصْريف أحوال الإنسان يقدر على البعث بعد الموت.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏{‏ألم أعهد إليكم‏} يقول‏:‏ ألم أنهكم‏؟‏‏ وأخرج ابن المنذر عن مكحول رضي الله عنه في قوله ‏ {‏أن لا تعبدوا الشيطان‏}‏ قال‏:‏ إنما عبادته طاعته‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏جبلاً كثيرا‏ً} ‏ قال‏:‏ خلقاً كثيراً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ‏"‏جبلاً كثيراً‏"‏ بكسر الجيم مثقلة اللام ‏"أفلم يكونوا يعقلون" بالياء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن هذيل رضي الله عنه أنه قرأ ‏"جبلاً كثيراً"‏ مخففة‏.‏ وأخرج الحاكم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ‏"‏ولقد أضل منكم جبلاً"‏ مخففة‏.‏

ابو السعود

تفسير : {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِى آدَم أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَـٰنَ} من جُملة ما يُقال لهم بطريق التَّقريعِ والإلزام والتَّبكيتِ بـين الأمر بالامتياز وبـين الأمر بدخول جهنَّمَ بقوله تعالى: {أية : ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ} تفسير : [سورة يس: الآية 64] الخ والعهد هو الوصَّيةُ والتَّقدُّمُ بأمر فيه خير ومنفعة والمراد ههنا ما كلَّفهم الله تعالى على ألسنةِ الرُّسلِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ من الأوامرِ والنَّواهي التي من جُملتِها قوله تعالى: { أية : يَـٰبَنِى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ ٱلْجَنَّةِ} تفسير : [سورة الأعراف: الآية 27] الآيةَ وقوله تعالى: { أية : وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} تفسير : [سورة البقرة: الآية 168 و 208. وسورة الأنعام: الآية 142] وغيرهما من الآياتِ الكريمةِ الواردة في هَذا المعنى، وقيل: هو الميثافُ المأخوذُ عليهم حين أُخرجوا من ظهور بني آدمَ وأُشهدوا على أنفسهم وقيل: هو ما نُصب لهم من الحُجج العقليَّةِ والسمعيَّةِ الآمرةِ بعبادته تعالى الزَّاجرةِ عن عبادة غيرِه. والمرادُ بعبادة الشَّيطانِ طاعتُه فيما يُوسوس به إليهم ويزيِّنه لهم، عبرَّ عنها بالعبادة لزيادة التَّحذيرِ والتَّنفيرِ عنها ولوقوعها في مقابلة عبادته عزَّ وجلَّ. وقُرىء إِعهد بكسرِ الهمزة، وأعهِد بكسر الهاء، وأحهد بالحاءِ مكان العين، وأحد بالإدغامِ وهي لغةُ بني تميمٍ {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي ظاهرُ العداوةِ وهو تعليل لوجوب الانتهاء عن المنهيِّ عنه وقيل تعليل للنَّهيِ. {وَأَنِ ٱعْبُدُونِى} عطف على أنْ لا تعبدُوا على أنَّ أنْ فيهما مفسِّرةٌ للعهد الذي فيه معنى القول بالنهي والأمر، أو مصدرَّيةٌ حُذف عنها الجارُّ أي ألم أعهد إليكم في ترك عبادةِ الشَّيطانِ وفي عبادتي. وتقديم النَّهي على الأمر لما أنَّ حقَّ التَّخليةِ كما في كلمة التَّوحيدِ وليتصل به قوله تعالى {هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ} فإنَّه إشارة إلى عبادته تعالى التي هي عبارةٌ عن التَّوحيدِ والإسلام، وهو المشار إليه بقوله تعالى: {أية : هَذَا صِرٰطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} تفسير : [سورة الحجر: الآية 41] والمقصود بقوله تعالى: { أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [سورة الأعراف: الآية 16] والتَّنكيرُ للتَّفخيمِ، واللام في قوله تعالى {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً} جواب قسم محذوف والجملة استئناف مَسوق لتشديد التَّوبـيخِ وتأكيد التَّقريعِ ببـيان أن جناياتِهم ليستْ بنقض العهدِ فقط بل به وبعدم الاتِّعاظِ بما شاهدوا من العقوبات النَّازلةِ على الأُمم الخاليةِ بسبب طاعتهم للشَّيطانِ، فالخطابُ لمتأخِّريهم الذين من جُملتهم كُفَّارُ مكَّةَ خُصُّواً بزيادة التَّوبـيخِ والتَّقريعِ لتضاعف جناياتهمِ والجِبِلُّ بكسرِ الجيم والباءِ وتشديدِ اللاَّم الخَلْقُ. وقُرىء بضمَّتينِ وتشديدٍ، وبضمَّتينِ وتخفيفٍ، وبضمَّةٍ وسكونٍ، وبكسرتينِ وتخفيفٍ، وبكسرةٍ وسكونٍ. والكلُّ لغاتٌ. وقُرىء جِبَلاً جمعُ جِبْلةٍ كفِطَرٍ وخِلَقٍ في جمعِ فِطْرةٍ وخِلْقةٍ. وقُرىء جِيْلاً بالياء وهو الصِّنفُ من النَّاسِ أي وبالله لقد أضلَّ منكم خَلْقاً كثيراً أو صِنفاً كثيراً عن ذلك الصِّراطِ المستقيم الذي أمرتُكم بالثَّباتِ عليه فأصابهم لأجلِ ذلك ما أصابَهم من العُقوبات الهائلةِ التي ملأ الآفاقَ أخبارُها وبقي مدى الدَّهرِ آثارُها. والفاءُ في قوله تعالى: {أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ} للعطفِ على مقدَّرٍ يقتضيهِ المقامُ أي أكنتُم تشاهدونَ آثارَ عقوباتِهم فلم تكونوا تعقلون أنَّها لضُلاَّلهِم أو فلم تكونُوا تعقلون شيئاً أصلاً حتَّى ترتدعُوا عمَّا كانُوا عليه كيلا يحيقَ بكم العقابُ.

القشيري

تفسير : لو كان هذا القول من مخلوقٍ إلى مخلوقٍ لَكَانَ شِبْهَ اعتذار؛ أي لقد نصحتُكم ووعظتُكم، ومن هذا حَذَّرْتُكم، وكم أوصلتُ لكم القولَ، وذكـَّرْتُكُم فلم تقبلوا وَعْظِي، ولم تعملوا بأمري، فأنتم خالَفْتُم، وعلى أنفسكم ظَلَمْتُم، وبذلك سبَقَت القضيةُ مِنَّا لكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ألم اعهد اليكم يا بنى آدم} الخ من جملة ما يقال لهم يوم القيامة بطريق التقريع والالزام والتبكيت بين الامر بالامتياز وبين الامر بدخول جهنم بقوله تعالى {أية : اصلوها اليوم} تفسير : الخ والعهد والوصية التقدم بامر فيه خير ومنفعة والمراد ههنا ما كلفهم الله تعالى على ألسنة الرسل من الاوامر والنواهى التى من جملتها قوله تعالى {أية : يابنى آدم لا يفتننكم الشيطان كما اخرج ابويكم من الجنة} تفسير : وقوله تعالى {أية : ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين} تفسير : وغيرها من الآيات الكريمة الواردة فى هذا المعنى والمراد ببنى آدم المجرمون: والمعنى بالفارسية [ايا عهد نكرده ام شمارا يعنى عهد كردم وفرمودم شمارا] {ان لا تعبدوا الشيطان} ان مفسرة للعهد الذى فيه معنى القول بالامر النهى او مصدرية حذف منها الجار اى ألم اعهد اليكم فى ترك عبادة الشيطان والمراد بعبادة الشيطان عبادة غير الله لان الشيطان لا يعبده احد ولم يرد عن احد انه عبد الشيطان الا انه عبر عن عبادة غير الله بعبادة الشيطان لوقوعها بامر الشيطان وتزيينه والانقياد فيما سوّله ودعا اليه بوسوسته فسمى اطاعة الشيطان والانقياد له عبادة له تشبيها لها بالعبادة من حيث ان كل واحد منهما ينبئ عن التعظيم والاجلال ولزيادة التحذير والتنفير عنها ولوقوعها فى مقابلة عبادته تعالى. قال ابن عباس رضى الله عنهما من اطاع شيئا عبده دل عليه {أية : أفرأيت من اتخذ الهه هواه} تفسير : والمعنى بالفارسية [نبرستيد شيطانرا يعنى بتان بفرموده شيطان] {انه لكم عدو مبين} اى ظاهر العداوة لكم يريد ان يصدكم عما جبلتم عليه من الفطرة وكلفتم به من الخدمة وهو تعليل لوجوب الانتهاء عن المنهى عنه ووجه عداوة ابليس لبنى آدم انه تعالى لما اكرم آدم عليه السلام عاداه ابليس حسدا والعاقل لا يقبل من عدوه وان كان ما يلقاه اليه خيرا اذ لا امن من مكره فان ضربة الناصح خير من تحية العدو. قال الشيخ سعدى قدس سره [دشمن جون ازهمه حيلتى درماند سلسله دوستى بجنباند بس آنكاه بدوستى كارها كندكه هيج دشمن نتواند كرد] شعر : حذركن زانجه دشمن كويد آن كن كه بر زانو زنى دست تغابن كرت راهى نمايد راست جون تير ازان بر كرد وراه دست جب كير تفسير : قال بعض الكبار اعلم ان عداوة ابليس لبنى آدم اشد من معاداته لابيهم آدم عليه السلام وذلك ان بنى آدم خلقوا من ماء والماء منافر للنار واما آدم فجمع بينه وبين ابليس اليبس الذى فى التراب فبين التراب والنار جامع ولهذا صدقه لما اقسم له بالله انه لناصح وما صدقه الابناء لكونه لهم ضدا من جميع الوجوه فبهذا كانت عداوة الابناء اشد من عداوة الاب ولما كان العدو محجوبا عن ادراك الابصار جعل الله لنا علامات فى القلب من طريق الشرع نعرفه بها تقوم لنا مقام البصر فنتحفظ بتلك العلامة من القائه واعانة الله عليه بالملك الذى جعله الله مقابلا له غيبا بغيب انتهى. وفى التأويلات النجمية فى الآية اشارة الى كمال رأفته وغاية مكرمته فى حق بنى آدم اذ يعاتبهم معاتبة الحبيب للحبيب ومناصحة الصديق للصديق وانه تعالى يكرمهم ويجعلهم عن ان يعبدوا الشيطان لكمال رتبتهم واختصاص قربتهم بالحضرة وغاية ذلة الشيطان وطرده ولعنه من الحضرة وسماه عدوا لهم وله وسمى بنى آدم الاولياء والاحباب وخاطب المجرمين منهم كالمتعذر الناصح لهم ألم اعهد اليكم ألم انصح ألم اخبركم عن خباثة الشيطان وعداوته لكم وانكم اعز من ان تعبدوا مثله ملعونا مهينا

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله، في توبيخ الكفرة يوم القيامة: {أَلَمْ أعهدْ إِليكم يا بني آدمَ ألا تعبدوا الشيطان إِنه لكم عدو مبين} يقال: عهِد إليه: إذا وصّاه. وهذا العهد إما على ألسنة الرسل، أو: يوم: {ألست بربكم}، أو: ما نصبه لهم من الحُجج العقلية، والدلائل السمعية، الآمرة بعبادته، الزاجرة عن عبادة غيره. وعبادة الشيطان: طاعته فيما يُوسوس به إليهم، ويُزيِّنه لهم. {وأن اعبدوني}: عطف على {ألاَّ تعبدوا}، أي: عهدنا إليكم ألاَّ تُطيعوا الشيطان ووحّدوني، وأطيعوني، {هذا صراطٌ مستقيم} إشارة إلى ما عهد إليهم فيه من معصية الشيطان، وطاعة الرحمن، أي: هذا طريق بليغ في الاستقامة، لا طريق أقوم منه. وفيه إشارة إلى جنايتهم على أنفسهم بعد النصح التام، فلا حجة بعد الإعذار، ولا ظلم بعد التذكير والإنذار. {ولقد أضلَّ منكم جبلاً} أي: خلقاً {كثيراً} ـ وفيه لغات مذكورة في كتب القراءات ـ أي: ولقد أتلف الشيطان عن طريقي المستقيم خلقاً كثيراً، بأن أشركوا معي غيري، {أفلم تكونوا تعقِلون} قرّعهم على تركهم الانتفاع بالعقل، الذي ركّبه فيهم، حيث استعملوه فيما يضرهم، من تدبير حظوظهم وهواهم. {هذه جهنم التي كنتم تُوعدون} بها، {اصْلَوْها اليومَ بما كنتم تكفرون} أي: ادخلوا واحترقوا فيها، بكفركم وإنكاركم لها. {اليوم نَخْتِمُ على أفواهِهِم} أي: نمنعهم من الكلام، {وتُكلِّمُنا أيديهم وتشهدُ أرجُلُهم بما كانوا يكسِبُون} يُروى: أنهم يجحدون، ويُخاصمون، فتشهد عليهم جيرانهم، وأهاليهم، وعشائرهم، فيحلفون: ما كانوا مشركين، فحينئذ يُختم على أفواههم، وتتكلم أيديهم وأرجلهم. وفي الحديث: "حديث : يقول العبد يوم القيامة: إني لا أُجيزُ عليّ إلا شاهداً من نفسي، فيُخْتم على فِيهِ، ويُقال لأركانه: انْطِقي، فتنطِقُ بأعماله، ثم يُخَلِّي بينه وبين الكلام، فيقول: بُعداً لكُنَّ، وسُحْقاً، فعنكُنّ كنت أُناضِلُ ". تفسير : الإشارة: كل مَن آثر حظوظه ومُناه، ولم يقدر على مجاهدة هواه، حتى مات محجوباً عن الله، يلحقه شيء من هذا التقريع. والصراط المستقيم: هو طريق التربية، التي توصِّل إلى الحضرة، التي قام ببيانها الأولياء العارفون بالله. ولقد أضلَّ الشيطانُ عنها خلقاً كثيراً، حملهم على طلب الدنيا والرئاسة والجاه، فلم يقدروا على التفرُّغ لذكر الله، ولم يحُطوا رؤوسهم لمَن يُعَرِّفهم بالله، فيُقال لهم: هذه نار القطيعة التي كنتم تُوعدون، إن بقيتم مع حظوظكم ورئاستكم، اصلوها اليوم بكفركم بطريق التربية، اليوم نختم على أفواههم، فلا مناجاة بينهم وبين حبيبهم، وتُكلمنا أيديهم، وتشهد أرجلهم ـ بلسان الحال أو المقال ـ بما كانوا يكسبون من التقصير. قال القشيري: قوله: {وتُكلمنا أيديهم...} إلخ، فأمَّا الكفار فشهادةُ أعضائِهم عليهم مؤبدة، وأما العُصَاةُ من المؤمنين فقد تشهد عليهم أعضاؤهم بالعصيان، ولكن تشهد عليهم بعض أعضائهم بالإحسان، وأنشدوا: شعر : بيني وبينك يا ظلومُ الموقِفُ والحاكم العَدْلُ، الجوادُ المُنْصِفُ تفسير : وفي بعض الأخبار المرويةِ: أن عَبْداً شهدت أعضاؤه عليه بالزَّلَّة، فتطير شَعرة من جفن عينه، فتشهد له بالشهادة. فيقول الحق تعالى: يا شعرة جَفْنِ عبدي احتَجّي عن عبدي، فتشهد له بالبكاء من خوفه، فيغفر له، وينادي منادٍ: هذا عتيقُ الله بشَعْرَة. هـ. ثم هددّهم في دار الدنيا، فقال: {وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ...}

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : و"العهد" في اللغة بمعنى "الوصية"، و "عهد إليه": إذا وصّاه، وقرئ "اِعهَد" - بكسر الهمزة وفتح الهاء - وقد جاء عند أهل اللغة والاشتقاق كسر حرف المضارعة غير الياء في باب "فعل" كله، و "أَعهِد" بفتح الهمزة وكسر الهاء، ونقل عن الزجّاج تجويز كون هذا الفعل من باب "نعم ينعم" و "ضرب يضرب" و "احهد" بإبدال العين حاء، و "أحد" بإبدال الهاء أيضاً حاء، ومنه قولهم: دحّا محاً. وعهد الله إلى بني آدم، ما فطرهم الله على فطرة الاستعداد لإيداع علم التوحيد في ذواتهم المشار إليه بقوله: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف:172]. ولاقتناء الخيرات واكتساب السعادات الأخروية. وميثاق ذلك العهد، ما ركّز في نفوسهم من أوائل المعقولات وأدلة العقليات وشواهد السمعيات للتوحيد، وإلزام ذلك العلم إياهم، وجعله من اللوازم الذاتية لهم، بحيث إذا تجردوا عن الصفات النفسانية والغواشي الجسمانية، تبيّن لهم ذلك وانكشف عليهم أظهر شيء وأبينه، وهو إشهادهم على أنفسهم، لكون ذلك العلم فطرياً لهم حينئذ، وإجابتهم لذلك بقولهم: "بلى"، قبولهم الذاتي. ونقض ذلك العهد انهماكهم في اللذّات البدنية والغواشي الطبيعية، وتعبّدهم للهوى والشيطان، بحيث احتجبوا عن علم التوحيد ومعارف الإيمان. وعداوة الشيطان لبني آدم، هي اضلالهم عن الصراط المستقيم، المؤدي بسالكه إلى الوصول بالحق وجنة النعيم، ودعوته إياهم إلى ما فيه هلاكهم. وإنما قال: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} لأنه مجبول على عداوتهم، إذ شأنه الوسوسة في الصدور، وجِبِلّته الأمر بالفحشاء والمنكر والبغي، والوعد بالشر والتوعّد على الخير. تذكرة لوحيه فيها تبصرة عرشية إن أردت - أيها الراغب إلى فهم أسرار القرآن ودرك أغواره - أن تسمع كلاماً في كيفية عبادة أفراد النفوس الآدمية للشيطان وطاعتهم لجنوده، فاستمع لما يتلى عليك إنشاء الله من تحقيق الكلام وتبيين المرام بأصول عقلية هي دعائم لكشف هذا المقام - والله ولي التوفيق والإلهام -: الأصل الأول إن لله تعالى صفتين متقابلتين من بين الصفات المتقابلة، اسمهما "الهادي" و "المُضِلّ"، وبإزائهما في المخلوقات معاني وصفات متضادة، وأفراد وأنواع متفاسدة متعاندة: كالوجوب والإمكان، والخير والشر، والنور والظلمة، والعلم والجهل، والسعادة والشقاوة، والتوفيق والخذلان، والمَلَك والشيطان، والرحمة والغضب، والجنة والنيران، والدنيا والآخرة - إلى غير ذلك من الأمور المتقابلة المنسوبة في سلسلة المعلولية والحاجة إلى الله -. أما أحد الطرفين - وهو الأشرف، فأولاً وبالذات وبالأصالة، وأما الطرف الآخر، فثانياً وبالعَرَض وعلى سبيل التبعيّة والاستجرار، اللازمة لقصور القوابل الإمكانية عن قبول الفيض والرحمة من الحق الصرف، والنور المحض على التمام من غير نقص وآفة، لقوله: "حديث : سبقت رحمتي غضبي"تفسير : فالخيرات كلها برضاه، والشرور كلها بقضاه، وبهذا يدفع شبهة الثنوية القائلة بوجود مبدأين قادرين بالذات. فالملائكة كلهم مخلوقون من نور رحمة الله، والشياطين صادرة من نار غضبه. والإنسان في أول الفطرة حاصل من الله تعالى بحسب أسمائه المتقابلة، ممتزج من جهتي نور وظلمة، مخمّر طينته ببديه أربعين صباحاً، مركّب من روح وبدن، وسر وعَلَن، أما روحه: فجوهر لطيف نوري علوي سماوي، حاصلة من نفخته تعالى: وأما بدنه: فجوهر كَدِر ظلماني أرضى سفلي، حاصل من تركيب الأجساد وامتزاج الأضداد. وقلبه - أي نفسه الناطقة -: واقع بين الطرفين، متوسط بين النشأتين، له وجه إلى البدن وقواه الجسمانية، ووجه إلى الروح وقواه الروحانية، وله قوتان علميتان إحداهما كالمَلَك - بحسب أصل الفطرة - وهي "القوة العاقلة"، وأخراهما كالشيطان - بحسب الفطرة - وهي "القوة الوهمية". وله أيضاً قوتان اخريان عمليتان، إحداهما كالبهيمة، وكالمرأة الفاسقة، اسمها "الشهوة"، وفعلها طلب اللذة والنفع، واخراهما كالسَّبُع الضاري وكالرجل الظالم اسمها "الغضب"، وفعلها الانتقام والغلبة. ولكل من هاتين القوتين فروع وخدم كثيرة لا يمكن حصرها ولا يعلم عددها إلاّ الله، لقوله تعالى: {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}تفسير : [المدثر:31] وجميعها مخلوقة في مملكة الآدمي لعبادة الله وطاعة العقل الذي هو سرّ من أسرار الله، وخليفة الله في أرضه، مبعوث من جانبه على تسخير هذه الجنود، وصرفها فيما خلقت لأجله، ومنعها عن طاعة الوهم وعبادة الشيطان، كما يدل عليه قوله في هذه الآية: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ}. الأصل الثاني إن مبادئ الأفعال الإختيارية من الإنسان - سواء كانت حسنة أو قبيحة، طاعة أو معصية - أمور أربعة: أولها: تصور الشيء الممكن إدخاله في الوجود بقدرتنا وفعلنا - جلباً أو دفعاً - والتصديق بفائدته أو ملائكته لنا بوجه. وثانيها: الشوق، وهو توجه نفساني جِبِلّي إلى الشيء المرغوب فيه طلباً وهرباً، مبدأه قوة حيوانية ذات شعبتين، إحداهما شهوية للطلب، والأخرى غَضَبية للهرب. وثالثها: العزم، وهو تصميم الشوق وتنفيذه، وهو قوة نفسانية ذات شعبتين هما الإرادة والكراهة. ورابعها: قوة جسمانية مباشرة للتحريك، شأنها أن تعدّ العضلات للإنتقال، بأن تبسط العضل بإرخاء الأعصاب إلى جهة مبدئها لينبسط العضو - أي يزداد طولاً وينتقص عرضاً - أو تقبضه بتحديد (بتمديد - ن) الأعصاب إلى جهة مبدئها لينقبض العضو - أي يزداد عرضاً وينتقص طولاً -. فهذه مبادي مترتبة للأفعال الإنسانية وبعدها عن عالم الحركة والفعل العقل العملي في الإنسان باستخدام الوهم والخيال - إن كان من أهل الخير والسعادة - أو الوهم باستخدامه - إن كان من أهل الشقاوة - ويليهما القوة الشوقية، وهي الرئيسة في القوى المحرّكة الفاعلية، كما أن العقل العملي أو الوهم هو الرئيس في القوة المدركة الباعثة، وبعد الشوقية وقبل الفاعلية هو القوة المسمّاة باللذاذة والكراهة. وآخرها هي المحرّكة المباشرة للتحريك. الأصل الثالث إن القلب الحقيقي للإنسان الذي هو الجوهر النطقي، مثاله مثال مرآة منصوبة تجتاز عليها أصناف الصور المختلفة، فتترآى فيها صورة بعد صورة لا تخلو عنها دائماً، ومداخل هذه الآثار المتجددة في مرآة القلب، وسهام الحوادث المتواردة على هدفه في كل حال، إما من الظاهر كالحواس، وإما من الباطن كالخيال والشهوة والغضب والأخلاق الآدمية، فإنه مهما أدرك بالحواس شيئاً، حصل منها أثر في القلب، وكذلك إذا هاجت الشهوة والغضب، حصل من كل منهما أثر في القلب، وإن كفّ عن الإحساس، فالخيالات الحاصلة في النفس تبقى وتنتقل المتخيّلة من شيء إلى شيء، ومن صورة إلى صورة، وبحسب انتقالها ينتقل باطن الإنسان من حال إلى حال، فباطنه إذن في التغيّر والانتقال دائماً من هذه الأسباب. وأحضر (أخص - ن) الأسباب الحاضرة فيه هي "الخواطر"، أي الأفكار والأذكار التي من أنواع الإدراكات والتصورات، إما على الورود التجددي، أو على سبيل التذكر والإستعراض من المحفوظات في الحافظة بالقوة المسترجعة وهي المسماة بالخواطر، وهي المحركات للإرادات والأشواق، فإن النية والعزم والإرادة إنما تكون بعد خطور ماهية المَنْويّ بالبال، وحصول صورته في الخيال، فمبدء الأفعال "الخواطر"، ثم الخاطر يحرّك "الرغبة"، والرغبة تحرك "العزم"، والعزم يحرك "النية"، والنّية تحرك الأعضاء بالقبض والبسط كما مرّ. الأصل الرابع إن لله تعالى في العالم مخلوقين، هما مؤثران آخران في قلوب بني آدم فوق ما ذكرنا من المبادئ الأربعة، أحدهما بالخير والسعادة، والآخر بالشر والشقاوة، اسم أحدهما "المَلَك"، وهو مخلوق من نور رحمة الله، والآخر "الشيطان"، وهو مخلوق من نار غضبه. وإلى هذين الصنفين وقعت الإشارة بقوله عليه وآله الصلاة والسلام: "حديث : قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمٰن يُقَلّبه كيف يشاء ". تفسير : وروي أيضاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حديث : إن للشيطان لمّة بابن آدم وللملك لمّة. فأما لمّة الشيطان فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق، وأما لمّة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمده، ومن وجد الآخر فليتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم"تفسير : - ثم قرأ: {أية : ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً} تفسير : [البقرة:268]. وتحقيق إثبات هذين المؤثرين في القلب الإنساني مما ذكرناه في مقامه مستقصى، وتلخيص القول فيهما، أما في المؤثر الرحماني: فهو أن الأمور النادرة الواقعة في هذا العالم من خوارق العادات، مثل الخسف والزلزلة والزجر والوباء العام والقتل العام على أمّة كفرت، مما لا يمكن أن ينسب إلى عناية الحق الأول والعقول الصريحة بالذات - كما حقّقه بعض الحكماء - بل بواسطة مدبر يفعل الأشياء بقصد جزئي، ويتخيل الأمور وينفعل عن دعاء المظلومين، فيجيب الدعوات إغاثة للملهوفين، وينتقم من الظلمة، ويفعل العقوبات، ويعذب قوماً حلّ عليهم غضب الجبار، كل ذلك بإذن من الحق ورحمته في إيجاد هذا الموجود الملكي على سبيل العناية. فقال بعضهم: "إنه نفس منثبتة (منبثة - ن) بعالم الكون والفساد"، والأكثر من الحكماء أنه نفس متولدة عن العقول والنفوس السماوية، وخصوصاً نفس فلك الشمس والفلك المائل، وأنه يدبر لما تحت فلك السماء بمعاضدة الملائكة المتعلقة بالكواكب والسماوات، وبسطوع أنوار الرحمة الإلهية المنبثة في عالم العقول، وقد لزم من تصوره بوجه الخير، انفعال المادة العنصرية وتلبسها في الخارج بصورة ذلك المعقول. قال ابن سينا في بعض كتبه: "يشبه أن يكون ذلك حقاً، فلا ينبغي أن ينكر أمثال هذه الوقائع في بدن العالم ونفسه، فإن العالم مشتمل على قوى فعّالة ومنفعلة تحدث منها أمور عجيبة نادرة حادثة، مرغمة لأنوف أعداء الله الجاحدين للنبوات". وأما في المؤثّر الشيطاني، فهو أنه ينبغي لك أن تتصور أولاً ما قد وضح لنا بالكشف الصحيح المطابق للعقل الصريح، أن في مقابلة ذلك المبدء للعالم على وجه الخير والصلاح، المتكون في قوى الأجرام الفلكية، موجوداً آخر نفسانياً صرفاً متولداً من طبقة دخانية نارية يغلب عليها الشرارة والإغواء والإضلال، وتكون مدركاته من باب الأوهام الكاذبة والأقيسة الداحضة، وتكون له سلطنة بحسب الطبع على الأجسام الدخانية والبخارية وقواها ونفوسها الجزئية وطبائعها، فتطيعها تلك النفوس والقوى، لمناسبة النقص والخسّة، ويكون المسمى بـ "إبليس" الوارد في الكتب الإلهية وألسنة الأنبياء، هو هذا الشرير المغوي المُضل. وكونه مجبولاً على الإغواء والإفساد، وإدعاء الاستكبار والعلو، كما يستفاد من قوله تعالى: {أية : أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ}تفسير : [ص:75]. إنما هو بمقتضى طبعه الغالب عليه النارية الموجبة للإهلاك، والعلو المكاني الموهم لعلو المكانة والمنزلة. وأما وجه تأثيره في نفوس الآدميين الموهم لعل المكانة والمنزلة. وأما وجه تأثيره في نفوس الآدميين بالشر، أما من جانب المؤثر فللطافته وسرعة نفوذه في عروقهم ودمائهم التي هي محالّ الشعور والإعتقادات، واقتداره على إغوائهم بالوسوسة والتخيلات، وكما أن الشهوات ممتزجة بلحم الآدمي ودمه، فسلطنة الشيطان أيضاً سارية في لحمه ودمه، ويحيط بالقلب الذي هو منبع الدم المركّب للروح البخاري، الحامل للقوى الوهمية والشهوية والغضبية، ولذلك ورد في الحديث النبوي: "حديث : إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم ". تفسير : وكما لا يتصور أن ينفك آدمي من وسواس، فلا يتصور أن ينفك من شيطان، ولذلك قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : ما من أحد إلاّ وله شيطان ". تفسير : وهذه الشياطين الجزئية من فروعات ذلك الموجود الشرير الذي ذكرنا، كما أن العقول الجزئية الإنسانية من آثار الملك الملهم بالخيرات. وأما من جانب القابل، فلقصور القوى الدرّاكة لأكثر الناس، وضعفها عن المعارضة والمدافعة والمجاهدة مع جنوده وأحزابه من القوى لا سيما "الوهمية"، إلاّ من عصمه الله من عباده المخلصين، الذين أيّدهم الله بالعقل القويم وهداهم إلى الصراط المستقيم: {أية : أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}تفسير : [المجادلة:22]، وذلك لأجل تسخيرهم قواهم البدنية وخصوصاً الوهمية التي هي أحد أعداء الله، المجيبة لدعوة الشيطان، إذا لم يسخره العقل المهتدي بنور رحمة الرحمان. الأصل الخامس إن الله خلق للعقل الإنساني جنوداً كثيرة لتكون مطيعة له معينة عليه، خادمة إياه في طريق سفره إلى الله وسعيه، ولهذا خلقه وخلقها، إذ خلق الإنسان في أول حدوثه ضعيفاً في خلقته، ناقصاً في فطرته، وفي وقته إدراك عظمة الله وصفاته وآياته، وله استعداد الترقي من مرتبة إلى مرتبة، حتى يصل إلى المعبود الحق، ولا بد لكل مسافر في طريق مخوف فيه أعداء وقطّاع من مركب وزاد وخدم، فمركبه مادة البدن، وزاده العلم والتقوى، وجنوده الأعضاء والقوى، وعدوّه الشيطان، وقطّاع طريقه الدواعي النفسانية والوهمية. وهذه الجنود على صنفين: صنف يُرى بالأبصار - وهي الأعضاء والجوارح -، وصنف لا يُرى بالأبصار ولا يدرك بالحواس الظاهرة - وهي القوى والمشاعر - وجميعها خلقت خادمة للعقل مسخّرة له بسبب فطرتها، وهو المتصرف فيها والمحوّل لها بإصبعيه العاقلة والعاملة، وهي مجبولة على طاعته. أما الجند الأول فلا يستطيعون له خلافاً ولا عليه تمرداً، فإذا أمر العين للانفتاح انفتحت، وإذا أمر الرِّجْل للحركة تحركت، وإذا أمر اللسان بالكلام وجزم الحكم به تكلم، وكذا سائر الأعضاء. وأما الجند الآخر، فهي أيضاً كذلك، إلاّ أن الوهم له شيطنة الفطرة، يقبل إغواء الشيطان ومغاليطه فيعارض العقل في المعقولات، فيحتاج إلى تأييد من جانب الحق ليقهره ويغلب عليه، وتَسَخُّر الحواس للعقل يشبه من وجه تَسَخُّرَ الملائكة السماوية لله تعالى، حيث إنهم جُبلوا على الطاعة، لا يستطيعون له خلافاً، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وتمرد الوهم عن طاعة العقل يشبه تمرد الشيطان عن طاعة الله - وهذا مما يطول شرحه -. ومن رؤساء جنود العقل "الشهوة" و "الغضب"، وهما قد ينقادان له انقياداً تاماً، فيعينانه على طريقه الذي يسلكه، وقد يستعصيان عليه استعصاء بغي وتمرد لأجل طاعة الوهم المطيع للشيطان، حتى يملكانه ويستعبدانه، وفيه هلاكه وانقطاعه عن سفره الذي به وصوله إلى سعادة الأبد. وللعقل فوق ذينك الجندين جند إلهي، هو "العلم" و "الحكمة"، وحقّه أن يستعين بهذا الجند، لأنه حزب الله، على الجندين الآخرين، الملتحقين بحزب الشيطان الذي هو القوة الوهمية، فإن من ترك الاستعانة به - كما هو حال أكثر الناس من أعداء الحكمة وأولياء الوهم - فقد سلط على نفسه الشهوة والغضب، وهلك يقيناً وخسر خسراناً مبيناً. وإني في مدة عمري ما رأيت أحداً من المعرضين عن تعلم الحكمة إلاّ وقد غلب عليه حب الدنيا وطلب الرياسة فيها، والإخلاد إلى الأرض، وقد صار عقله مسخّراً لشهوته في استنباط وجوه الحيل للوصول إلى المستلذات النفسانية، حتى استهواه الشيطان واستجاب لدعوته وكيده، فجعل آخر الأمر في نظم جنوده وأوليائه، وخرج عن الانتظام في سلك حزب الله وأوليائه - نعوذ بالله منه -. وفي أدعية الصحيفة الملكوتية لمولانا وسيدنا علي بن الحسين (عليهما السلام) ما وقع الاستعاذة به عن مثل ذلك من قوله: "اللهم اجعلنا في نظم أعدائه، واعزلنا عن عداد أوليائه، لا نطيع له إذا استهوانا، ولا نستجيب له إذا دعانا، اللهم واهزم جنده، وأبطِلْ كَيده، واهدم كهفه، وأَرْغِم أنفه". الأصل السادس في استئناف القول في الخواطر وتقسيمها إلى خاطر الخير وخاطر الشر. اعلم أن الخواطر المحرّكة للرغبة والرهبة في القلب الإنساني، تنقسم إلى ما يدعو إلى الخير - أعني ما ينفع في الدار الآخرة -، وإلى ما يدعو إلى الشر، - وهو ما يضرّ في العاقبة -، وهما خاطران مختلفان، فافتقرا إلى اسمين مختلفين، فالخاطر المحمود يُسمى "إلهاماً"، والخاطر المذموم يُسمى "وسواساً"، وكل منهما ينقسم عند أرباب الرياضيات والخلوات بدقيق تأملاتهم ولطيف أفهامهم وتصرفاتهم بقسمين: أما الأول: فإلى الرحمان والملكي، وأما الثاني: فإلى الشيطان والنفساني. ولسنا الآن نشتغل بتحقيق كل قسم من قسمي القسمين بخصوصه لعدم الحاجة إليه فيما كنّا بصدده من بيان كيفية خصومة الشيطان لابن آدم، أي القوة العاقلة، التي هي نتيجة الروح الأعظم والعقل الكلي الفعّال، وهي حقيقة الإنسان، وبيان العداوة الواقعة بينه وبين أعداء الله، وكيفية المحاربة والمجاهدة بين حزب الله وحزب الشيطان. ثم أنك قد علمت أن هذه الخواطر حادثة لما أشرنا إليه، وكل حادث لا بد له من سبب، ومهما اختلفت المعلولات، دلّ اختلافها على اختلاف العلل، وكما أن اتفاقها في أصل الإمكان دلّ على افتقارها إلى قيّوم واحد، وجوده - كوحدته - عين ذاته، فكذلك اختلافها يحتاج إلى أسباب مختلفة متوسطة بينها وبين مسبب الأسباب، وهذا - مع قطع النظر عن الأنظار البرهانية - معروف في سنّة الله تعالى وعادته في ترتيب المسبّبات على الأسباب، فمهما استنارت مثلاً حيطان البيت وأظلم سقفه واسودّ بالدخان، علمت أن سبب الأسوداد غير سبب الإستنارة، فحكمت بأن سبب الإستنارة نور النور، وسبب الاستظلام ظلمة الدخان. كذلك لأنوار القلب وظلماته سببان مختلفان: فسبب الخواطر الداعي إلى الخير في عرف الشريعة يسمى "مَلَكاً"، وسبب الخواطر الداعي إلى الشر يسمى "شيطاناً"، واللطف الذي يتهيأ به القلب لقبول إلهام المَلَك يسمى "توفيقاً"، والذي به يتهيأ لقبول وسوسة الشيطان يسمى "إغواءاً" و "خذلاناً"، فإن المعاني المختلفة تحتاج إلى أسامي مختلفة. وقد مرّ في الأصل الرابع، بيان ماهية المَلَك والشيطان، وأن أحدهما عبارة عن خلقٍ شأنه إفاضة الخير وإفادة العلم، وكشف الحق والوعد بالمعروف، وقد خلقه الله وسخّره لذلك. والآخر عبارة عن خلقٍ شأنه ضد ذلك، وهو الوعد بالشر والتخويف، كما دلّت عليه الآية المنقولة، وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [فاطر:6]. وهما جوهران مُسَخّران لقدرته في تقليب القلوب، كما أن لك أصابع مسخرة لقدرتك في تقليب الأجسام، كما دلّ عليه الحديث المنقول، فإنه يتعالى أن يكون له اصبع جسماني مركب من لحم وعظم ودم منقسم بالأنامل، ولكن روح الإصبع ومعناه - كما ذكره بعض أعاظم المحققين - واسطة التحريك والتقليب، والقدرة على التغيير والتصريف، وكما أنك تفعل بأصابعك فالله سبحانه إنما يفعل ما يفعله باستسخار المَلَكَ والشيطان، وبهذا جرت حكمته واستمرت سنّته في نظم الأمور وترتيب الأشياء، لتكون أسباباً لمعرفته، وطرقاً إلى جنابه، وإلاّ فذاته غني عن العالمين، والوسائط مقهورة تحت قدرته النافذة ونوره القاهر. الأصل السابع إن القلب الإنساني، لصفائه ولطافته، صالح في أصل الفطرة الهيولانية لقبول آثار المَلَكية والشيطانية صلاحاً متساوياً، وإنما يترجّح أحد الجانبين باتّباع الهوى والانكباب على الشهوات، أو الإعراض عنها ومخالفتها، فإن اتّبع الإنسان مقتضى شهوته، ظهر تسليط الشيطان بواسطة الأوهام الكاذبة والخيالات الفاسدة المشيرة إلى اتباع الهوى والشهوات. فصار القلب عشّ الشيطان ومعدنه، والبدن مملكة جنوده، لأن الهوى مرعى الشيطان ومرتعه، لمناسبة ما بينهما ونحو من الاتحاد. وإن جاهد الشهوات، ولم يسلّطها على نفسه، ولم يذعن لها، بل عارضها بمدد البرهان اليقيني على وجود نشأة ثانية باقية تضاد هذه النشأة الداثرة الفانية، ودافع هذه الظنون والأوهام الكاذبة المستدعية للشهوات والركون إلى الدنيا والوتوق بلذّاتها، والإخلاد إلى الأرض، والإقتصاد على هذه النشأة الناقصة الزائلة، وتشبّه بأخلاق الملائكة في اقتناء المعلومات الإلهية، وتَذَكّر المعارف اليقينية، واستنّ بقوة الإيمان بسنّة الأنبياء والأولياء في ترك الدنيا والزهد فيها، صار قلبه مستقر الملائكة ومهبطهم، ينزل كل يوم بزيارته كما بينّا في موضعه. ولما كان كل واحد من الناس، ما دام في هذا العالم لا يخلو عن شهوة وغضب وحرص وطمع وطول أمل، إلى غير ذلك من الصفات البشرية، المتشعبّة عن الهوى المتّبع للقوة الوهمية التي شأنها إدراك الأمور على غير وجهها، فلا جَرَمَ لا يخلو الباطن عن جولان الشيطان فيه بالوسوسة، إلاَّ من عصمه الله. ولذلك حديث : قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "ما منكم إلاّ وله شيطان". قالوا: "وأنت يا رسول الله"؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "وأنا، إلاّ أن الله أعانني عليه فأسلم على يدي" . تفسير : فمهما غلب على النفس ذكر الدنيا ومقتضيات الهوى ومستلذات الشهوات، وجد الشيطان المتدرع بها مجالاً فوسوس لها، ومهما انصرفت النفس إلى ذكر الله، ارتحل الشيطان وضاق مجاله، فأقبل المَلَك وألهم، والنفس هيولانية الوجود، لها قابلية الإرتباط بكل من المَلَك والشيطان بتوسط قوتيه العقلية والوهمية، باستعانة انكسار القوى الشهوية والغضبية والوهمية، وفتورها واستيلائها وسَوْرَتها، وأكثر النفوس مما قد فتحها وسخّرها جنود الشيطان وملوكها، فامتلأت بالوسواس الداعية إلى إطّراح الآخرة وإيثار العاجلة. الأصل الثامن في كيفية قبول الإنسان كلاًّ من الإلهام والوسوسة من المَلَك والشيطان. اعلم أن حصول الإلهام من المَلَك، والوسوسة من الشيطان، يقع في قلب الإنسان على وجوه أربعة: أحدها: كالهوى والشهوة الصادرتين عن جانب شمال القلب، في مقابلة العلم واليقين، الحاصلتين في جانب يمينه. وثانيها: كالصور العلمية الحاصلة من هيئة العالم الكبير، الذي هو كصورة العالم الإنساني، وهي بمنزلة عقبة بين الوسوسة والإلهام، من حيث إنك لو نظرت إلى آيات الآفاق والأنفس على سبيل الاشتباه والغفلة والإعراض عنها - كما وقع لعوام الناس والمقلدين -، فشأنك منها الشبهة والوسواس في الواهمة والمتخيّلة، وهما على جانب الشمال {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [يوسف:105] وفي الحديث: "حديث : ويل لمن تلى هذه الآية ثم مسح بها سبلته"تفسير : والآية {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [البقرة:164] - إلى آخرها -. وإذا نظرت إلى تلك الآيات على سبيل النظام والإحكام مع التدبّر اللائق والتأمل التام، زالت عنك الشكوك والأوهام، وحصلت المعرفة واليقين في القوة العاقلة التي هي على جانب اليمين، وصرت من الملائكة المقربين، وخرجت من جنود الشياطين، فإن الآيات المحكمات بمنزلة الملائكة والعقول والنفوس الكلية، لأنها مبادئ العلوم البرهانية، والمتشابهات بمنزلة الشياطين والنفوس الوهمية والخيالية، لأنها مبادئ المقدمات السفسطية. ومن الحكايات في هذا الباب، بعد ما ذكر أن سبب وقوع النفوس الإنسانية في هذا العالم أولاً، ومنشأ ابتلاء بني آدم بهذه البليّات الدنيوية التي أحاطت بهم من الذنوب والمعاصي، كانت هي الخطيئة الواحدة التي اكتسبها أبوهم "آدم" وأمهم "حواء" لمّا ذاقا الشجرة وبدت لهما سوآتهما - لنقص امكاني في جوهريهما، وقصور جِبِلّي في ماهيتيهما - هو أنه: لما تمّت حيلة إبليس على آدم، ونال بغيته بإيصال الأذيّة إليه، وبلغ أمنيته بإيقاع الوسوسة عليه، سأل ربه بوسيلة بعض صفات الله كالعزة والجلال، الإنظار إلى يوم يبعثون - فأجيب ِإلى يوم الوقت المعلوم -، أخذ لنفسه جنة غرس فيها أشجاراً، وأجرى فيها أنهاراً، ووضع فيها أشكالاً وهيئات وتماثيل، وصوراً شبيهة بما في الجنة من الصُّوَر الحسان، ليشاكل الجنة التي أسكنها الله آدم وقاس عليها، وهندس على مثالها هندسة فانية لا بقاء لها، وجعل مسكن أهله وأولاده وذريّته وجنوده، وهي كمثل السراب الذي يحسبه الظمآن ماءاً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً. وذلك أنه كان من الجن، ومن شأن الجن - كما قيل - التخييل والتمثيل لما لا حقيقة له، كذلك فِعْلُ إبليس وجنوده، إنما هو تمويه وتزويق ومخاريق وتنميق لا حقيقة لها ولا حق عندها، كالقياس المغالطي السفسطي، ليصّد بها الناس عن سنن الحق والصراط المستقيم، وبذلك وعد ذرية آدم كما حكى الله عنهم بقوله: {أية : لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}تفسير : [الأعراف:17]. وثالثها: متابعة أهل الجحود والإنكار، وأهل التعطيل والمشبّهة والكفّار، في مقابلة طاعة الرسول المختار، والأئمة الأطهار، والعلماء الأخيار - صلوات الله عليهم من العزيز الغفّار -، فكل من سلك سبيل الضلال، فهو بمنزلة الشياطين، ومن تابعه فقد تابع الشيطان اللعين، وكل من سلك سبيل الهداية، فهو من حزب الملائكة، ومن تابع أهل الله وذوي الإلهامات الحقة، فقد تابع أنبياء الله وملائكته المقدّسين الملهمين للإيمان واليقين: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} تفسير : [النساء:80]. ورابعها: من جهة الغايات وباعتبار الدرجات، فإن التوجه إلى الملائكة العقلانيّة والمهيّمة والمدبرات الكلية الملكوتيّة، يوجب الحشر إليهم، والانخراط معهم، واستفاضة المعارف منهم، وكانت العلوم المستفاضة منهم من قبيل التعقلات والإلهامات الكلية، ويقابله التوجه إلى الأبالسة المحجوبة عن الله، المطرودة عن جناب القدس، المحبوسة في الظلمات، واكتساب الحيل والخديعة والمكر، وكان المستفاد منها من قبيل الأفكار الجزئية المتعلّقة بالأمور السفلية. فالإنسان على الوجه الأول شابه الملائكة وجنود الرحمان، وعلى الثاني شابه الشياطين وَمَرَدَةَ الجن، المحبوسة في طبقات الجحيم، المحرومة في الدنيا عن الارتقاء إلى ملكوت السماء، المحجوبة في الآخرة عن الجنة والنعيم. وقد انكشف من هذا، أن طبقة من الجن، وحزباً من مَرَدَةَ الشياطين، حيث سقطت درجتهم عن درجة الملكوت مما لا اقتدار لهم على فعل الضرر على أولياء الله، لأنهم صمّ بكم عمي، مقيدون في السلاسل والأغلال في الجحيم، معذَّبون بالعذاب والنكال الأليم. فقد ثبت أن أصل الضلال والعمى والجهل من الشيطان، وأن أصل الهدى والبصيرة واليقين من المَلَك، والله الهادي والمُضل فوق الكل، وإن اسم إبليس كاسم "شجرة خبيثة"، والشياطين بمنزلة أغصان تلك الشجرة الملعونة وتمارها، تخرج في أصل الجحيم، طلعها كأنه رؤوس الشياطين، فأنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون، واسم المَلَك كاسم "شجرة طيبة"، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أُكُلها كل حين بإذن ربها، وثمارها الحاصلة منها هي العلوم الكلية الإلهية والمعارف الحكمية الربانية. إذا تمهدت هذه الأصول فنقول: معنى قوله: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ}: انه خلقتكم على فطرة العقل القادس، والبصيرة الباطنية التي لها القوة على إدراك الحقائق، والنظر في مقدمات الأمور وأسباب الأشياء وأواخرها وغاياتها، وجعلت لكم السمع والأبصار والأفئدة، والإقتدار على مدافعة تسويلات الوهم الموسوس بالشيطان، وقهره بنور البرهان وقوة الإيمان، والإطلاع على حيله ومكره وجنوده وأحزابه وأتباعه بسلامة الذوق والوجدان. وقوله: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} معناه: أن الضدّية والعناد ثابتة بينكم وبينه كما بين المَلَك والجن، والنور والنار، والبرهان والمغالطة، والإلهام والوسوسة، والتوفيق والخذلان، والهداية والضلال، والسعادة والنكال. وقوله: {وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}: إنه إذا وقعت المعارضة بين البرهان والسفسطة، والحق والباطل، والعقل والوهم، وإلهام المَلَك بإيثار الآخرة على الأولى، ووسوسة الشيطان بإيثار العاجلة على الآجلة، فأطيعوا أمر الحق وامضوا حيث تؤمرون، واسمعوا قول العقل الصريح والشرع الصحيح، واتبعوا سبيل المسلمين، ولا تتبعوا أمر المفسدين، وانحرفوا عن طريق المجرمين، ولا تطيعوا أمرهم، أن هذا صراط مستقيم يؤدي إلى عالم الرحمة والقرب والرضوان، وباقي الصُرُط مُعْوَجَّةً منتهية إلى عالم النقمة والطرد والخسران، والهلاك والنيران. تبصرة برهانية اعلم أن هذه العبادة المشار إليها في الآية، الموجبة للكون على الصراط المستقيم، والتخلص عن الشيطان الرجيم، هو الاستقامة على طريق الحق بالعلم والعمل، وأما أصل العلم الذي أفضل جُزْئَي هذه العبادة، فهو العلم الربوبي المتعلق بذات الله وصفاته وأفعاله وكتبه ورسله، وحقيقة الملائكة والشياطين، وعلم القلب وأحواله، وكيفية سلوك العبد من الدنيا إلى الآخرة، ومن الخلق إلى الحق، وطريق تخلصه عن اضلال الشيطان، واستعداده لإلهام المَلَك. فهذه هي أصل العلوم الإيمانية التي بها يمكن للإنسان المجاهدة مع أحزاب الشيطان، وهي أصل الصراط المستقيم المدعو من الله في كل صلاة مرتين، وهو دين التوحيد المسلوك لنبيّنا وسائر الأنبياء (عليه وعليهم السلام) أجمعين، بقوله: {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ}تفسير : [يوسف:108] وقوله: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ}تفسير : [الشورى:13] وقوله: {أية : كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [الشورى:3]. وفي الأدعية السجّادية والصحيفة العبادية على مُرَتّبها ومُنْشئها أفضل الصلاة والتحية، وقعت الإستعاذة من شر الشيطان بهذا الأصل كثيراً، حيث قال: "اللهم أخسأه عنا بعبادتك، واكِبْته بدؤوبنا في محبتك، واجعل بيننا وبينه ستراً لا يهتكه ورَدْماً مُصْمَتَا لا يفتقه. اللهم متّعنا من الهدى بمثل ضلالته، وزوّدنا من التقوى ضد غوايته، واسلك بنا من التقى خلاف سبيله من الردى. اللهم لا تجعل له في قلوبنا مدخلاً، ولا توطنن له فيما لدينا منزلاً. اللهم وما سوّل لنا من باطل فعرِّفناه، وإذا عرَّفْتناه فقِناه، وبصّرنا ما نكائده به، والهمنا ما نعدّه له، وأيقظنا عن سِنَة الغفلة بالركون إليه، واحْسِن بتوفيقك عوننا عليه. اللهم واَشْرِب قلوبنا انكار عمله، وألطف بنا في نقض حِيَله. اللهم واعمم بذلك من شهد لك بالربوبية، وأخلص لك بالوحدانية، وعاداه لك بحقيقة العبودية، واسْتَظهر بك عليه في معرفة العلوم الربّانية". وأما أصل العمل، فله فنون كثيرة مرجع الجميع إلى سلامة القلب عن كدورة الشهوة وغشاوة الغضب، ولا شيء للإنسان بعد المعرفة أنفع من سلامة قلبه من الكدورات والغواشي {أية : يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}تفسير : [الشعراء:88 - 89]. وهذه المرتبة هي التي أمر الله بها خليله (عليه السلام): {أية : إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [البقرة:131] {أية : فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً} تفسير : [الجن:14] فكل من سلم قلبه فقد فاز بدرجة الإسلام الحقيقي، وهذه أيضاً مما لا يتيسّر إلاّ بتوفيق الله حسبما قدّر له في الأزل أن يكون من جملة الأخيار، آمناً من سخط الجبّار، كما قال تعالى: {أية : مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ} تفسير : [آل عمران:179] فالمؤمن بالحقيقة من يتميز خبيثته الجسماني الشيطاني عن طيبته الروحاني المَلَكي. تقسيم استكشافي اعلم أن القلوب الإنسانية في الثبات على الخير وعبادة الحق، أو الشر وعبادة الشيطان، أو التردد بين الطرفين، على ثلاثة أقسام، كما ذكره بعض علماء الإسلام: أحدها: قلب عمر (طهر - ن) بالتقوى وزكى بالرياضة، ونقى عن خبائث الأخلاق، وتنقدح فيه خواطر الخير من خزائن الملكوت، فيصرف عقله إلى التفكر في عواقب الأمور والنظر في مقدماتها، ويطلع على أسرار الخيرات والطاعات، وينكشف له بنور البصيرة جهة الخيرية فيها، فيحكم عقله بأنه لا بدّ من فعلها، وترك أضدادها من المعاصي، فيدعوه إلى العمل الخير، وينهى نفسه عن العمل الشر، فينظر المَلَك الهادي والمعلم للحقائق إلى قلبه - أي نفسه الناطقة - فيجده طيّباً بجوهره، طاهراً بتقواه، مستنيراً بضياء العقل، فأفاض عليه أنوار المعرفة والهدى، وأيّده بجنود لا ترى، ويهديه إلى خيرات أخرى، وإلهامات تترى، حتى ينجرّ الخير إلى الخير، ويحشر النور إلى النور. وفي مثل هذه اللطيفة الربانية، يشرق نور المصباح من مشكاة الربوبية حتى لا يخفى فيه الشرك الخفي، الذي هو "أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصمّاء"، ولا يؤثر فيه شيء من مكائد الشيطان، بل يقف على باب قلبه ويوحي زخرف القول غروراً، وهو لا يلتفت إلى مكره، ويتوجه إلى الله وذكره، وإلى مثله الإشارة في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}تفسير : [الأعراف:201]. وثانيها: قلب مخذول مشحون بالهوى، ومقهور للشهوات، مفتوح عليه أبواب الشياطين، مغلق عليه أبواب الملائكة، ومبدء الشر فيه أن ينقدح فيه خاطر من الهوى ويحبس فيه صورة من الشهوة، فينظر القلب إلى حاكم العقل ليستفتي منه، وهو قد ألِفَ خدمة الهوى فأَنِسَ به، واستمر على مساعدة الهوى واستنباط وجوه الحيل في جواب فتواه، فيشير إلى قوله، فينشرح الصدر بالهوى، وينبسط فيه ظلماته لانحباس نور العلم عنه، وانقهار جند العقل عن مدافعة الوهم، فيقوى سلطان الشيطان لاتّساع مكانه بسبب انتشار الهوى، فيقبل عليه بالتزيين والغرور والأماني، ويوحي بذلك زخرفاً من القول غروراً، فيضعف سلطنة البرهان على خوف القيامة، ويحجب نور الإيمان بالوعد والوعيد، إذ يتصاعد إلى القلب دخان مظلم من الهوى، يملأْ جوانبه، ويطفيء سراج العقل وتصير البصيرة الباطنة كالعين التي ملأ الدخان أجفانها، فلا يقدر أن يرى الأشياء كما هي. وهكذا تفعل غلبة الشهوة وحب الجاه وطلب الرياسة بالإنسان، ولو بصرّه أحد بعيوب نفسه بالوعظ والنصيحة، ويوقظه من هذا النوم الغالب عليه، وينبهه من هذه الغفلة المحيطة به، ويستفيقه من هذا الشراب الذي أسكره، ويسمعه ما هو الحق الصريح، عمي عن الفهم وصم عن السمع، كما أشير إليه بقوله تعالى: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة:171] وهاج شهوته وطغى غضبه، وصال عليه كالسَّبُع الضاري والكلب العقور، وتحركت جوارحه على وفق الهوى، واشتد مرضه المزمن، واشتعل نار غيظه الخامد، وانتشر دمه الفاسد في ظواهر جلده الجامد، متكلماً بحديثه البارد في تخطئة هذا الناصح الفقير بصوته النكير، طلباً للانتقام وتشفيّاً في حقده بالاقتحام، فظهرت المعصية عنه في عالم الشهادة من خزائن الغيب بقضاء الله وقدره. وإلى مثل هذا القلب أشار تعالى بقوله: {أية : أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} تفسير : [الفرقان:43] - إلى قوله - {أية : بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً}تفسير : [الفرقان:44] وبقوله: {أية : لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ}تفسير : [يس:7] - إلى قوله - {أية : أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ}تفسير : [يس:10] ورُبّ قلب هذا حاله بالإضافة إلى بعض الشهوات دون بعض. اعلم أن كلاً من هاتين الطائفتين مشغوف بما عنده، مغرور بما لديه، فرحان بما يجري على يديه {أية : كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}تفسير : [المؤمنون:53]، فكما أن المحق مشغوف بما لديه من الحقائق والإلهامات والبراهين النّيرة الواضحة والمعارف الحقة الدائمة، فكذا المبطل مسرور بما عليه من الوساوس المتبدلة والوهميات الكاذبة، مغرور بالأماني الشيطانية والمزخرفات العامية والمقدمات المشهورة الجمهورية، التي تستعمل في جلب القلوب وتكثير الشعوب. فانظر إلى أنه كيف حكى الله تعالى كيفيه مناظرة وقعت بين محق ومبطل، فالمحق هو شيخ الموحدين إبراهيم الخليل - على نبيّنا وعليه سلام الله الملك الجليل - والمبطل هو نمرود اللعين، الذي هو من جملة الشياطين، في قوله: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ} تفسير : [البقرة:258]. فتأمل في أنه إذا كان هذا المقدار من الإحياء والإماتة، الذي قد كان للملوك من اقتدارهم على قتل أحد وتخليص آخر من القتل، موجباً للاشتباه والإغترار والمغالطة، حيث ادعى الملعون أن ما سماه بالإحياء والإماتة إحياء حقيقي وإماتة حقيقية، فكيف في غير ذلك بسبب اغترار الشيطان وجنوده في أكثر المباحث العنادية من هذا القبيل، ومرجعه إلى القياس الفقهي الذي ورد أنه "أول من قاس به إبليس" في مقابلة النص، إذ كل ما يوجد في عالم الملكوت يوجد مثاله في عالم الدنيا، وكل ما يوجد في قلب من استولت عليه الرحمة من الإلهامات والكرامات وغيرها يوجد أمثاله وأظلاله الباطلة الفانية في نفس من استولت عليه الجهة الظلمانية الشيطانية، من الوساوس والأماني وغيرها. وقد قيل: "العلم علمان، علم بالقلب وعلم باللسان"، نعوذ بالله من شريرٍ عليمِ اللسان جهولِ القلب، فوامصيبتاه من علماء الجهالة وصلحاء الإفساد، الذين هم من علماء الدنيا وجهّال الآخرة، المتذكرين لأداب صحبة الخلق، الناسين لآداب صحبة الرب، المقبلين على دقائق علومهم الدنيوية، المعرضين عن حقائق علوم الآخرة، وواشوقاه إلى لقاء الأشباه - ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين -. وثالثها: قلب متردد بين طاعة الحق وطاعة الشيطان، فالمطاردة قائمة في هذا القلب بين جنود الرحمان وجيوش الشيطان، بخلاف القسمين الأولين، فإن في الأول تكون الجنود مطيعة عابدة لله، والأحزاب مؤتمرة بأمر رسوله، منهية بنهيه، والمملكة الآدمية مفوضة لخليفة الله من القوة الملكية العقلية، وفي الثاني تكون الجنود خادمة تابعة للشيطان، جارية فيها حكمه، والمملكة مسخّرة للهوى الذي هو أحد أولياء الشيطان، وأما هذا الثالث، فالمطاردة قائمة في معركة روحه النفساني، إلاّ أن يغلب أحد الجندين حسب ما جرى في قضاء الله وقدره، ويفتح الله المملكة لأحدهما، ولا يكون للآخر إلاّ الإجتياز، - لا التوطن والاستقرار -. وكيفية هذه المطاردة بين الحزبين، أنه يبتدئ في القلب أولاً خاطر الهوى، وهو من جنود الشيطان، فيدعوه إلى الشر، فيلحقه خاطر الإيمان وهو من جنود الملك، فيدعوه إلى الخير، فتنبعث النفس بشهوتها إلى نصرة خاطر الشر، فتقوى الشهوة وتحسّن التمتّع والتنعّم. فينبعث العقل إلى نصرة خاطر الخير، ويدفع في وجه الشهوة ويقبّح فعلها وينسبها إلى الجهل، ويشبّهها بالبهيمة والسبع في تهجمّها على الشر وقلّة اكتراثها بالعواقب، فتميل النفس إلى نصح العقل. فيحمل الشيطان حملة على العقل ويقوي داعي الهوى، ويقول: "ما هذا التحرج البارد والتزهد اليابس، لِمَ تمتنع عن هواك وتؤذي نفسك؟ وهل ترى أحداً من أهل عصرك يخالف هواه أو يترك غرضه؟ أفتترك ملاّذ الدنيا لهم فيتمتعون فيها وتحجر على نفسك حتى تبقى محروماً شقياً متعوباً يضحك عليك أهل الزمان؟ أتريد أن يزيد منصبك على فلان وفلان، وقد فعلوا مثل ما اشتهيت ولم يمتنعوا؟ أما ترى العالِم الفلاني ليس يحترز من مثل ذلك، ولو كان ذلك شراً لامتنع منه؟" فتميل النفس إلى الشيطان وتنقلب إليه. فيحمل الملك حملة على الشيطان ويقول: "هل هلك إلاّ من اتّبع لذة الحال ونسي العاقبة والمآل؟ أفتقتنع بلذة يسيرة وتترك لذة الجنة ونعيمها أبد الآباد؟ أم تستثقل ألم الصبر عن شهوتك؟ ولا تستثقل ألم النار؟ أتغترُّ بغفلة الناس عن أنفسهم واتّباعهم هواهم ومساعدتهم للشيطان، مع أن عذاب النار لا يخفف عنك بمعصية غيرك؟ أرأيت لو كنت في صيف ووقف الناس كلهم في الشمس، وكان لك بيت بارد، أكنت تساعد الناس، أو تطلب لنفسك الخلاص؟ فكيف تخالف الناس خوفاً من حرّ الشمس ولا تخالفهم خوفاً من حرّ النار؟ فعند ذلك تميل النفس إلى قول الملك. وإلى ها هنا تكون المطاردة بين الجندين لجمهور الناس، ويختص المنسوبون إلى العلم والفقه بمراتب أخرى من المدافعة بينهما، وهي أنه بعد ذلك يحمل الشيطان حملة أخرى وهي: "إن الله سمى نفسه "غفوراً رحيماً"، فغفرانه إنما يتحقق بفعل المعاصي منّا، فلِمَ تتأبّ أيها العقل عن الراحة وتتعب نفسك وبدنك بهذه الرياضة الشاقة؟ ولنفسك عليك حق، وإن العمر طويل - فاصبر". فيحمل الملك تارة أخرى فيقول: "أيتها النفس! إن العقوبات الإلهية على الخطيئات ليست من قبيل الانتقام، بل هي من لوازم المعاصي وتبعات الذنوب، والله سبحانه حكيم عادل ومغفرته لا توجب قلب الحقائق، وترك الراحة القليلة لأجل السعادة الأبدية مما تقتضيه بديهية كل عقل، وحق الله أعظم من كل حق، وطول العمر مما ليس إلينا، فلعله لم يكن إلاّ ساعة، وقد ورد أن "أكثر صيحة أهل النار من تسويف التوبة". ثم ليت شعري أيتها النفس! هل عجزت في الحال إلاّ لقوة الشهوة، وهي ليست تفارقك يوماً آخر أو سنة أخرى، بل هي قرينك في الدنيا حتى تهلكك ان قعدت عن قلعها عن طينة قلبك". فلا يزال يتردد هذا القلب بين الجندين، متجاذباً بين الحزبين، منقلباً بين الطرفين، والتطارد قائم في معركة الصدر الإنساني، إلى أن يغلب عليه ما هو أنسب إليه وأَوْلىٰ بحسب ما قدّره الله، ويفتح الله المملكة الإنسانية وعماراتها وبيوتاتها، ومنازلها وخلائقها وجنودها وأرباب صنائعها وحرفها، وحيواناتها البهيمية والسبعية، ونباتاتها وجماداتها، وفنون أطعمتها وأشربتها، ومياهها وأشجارها، وعمرانها وخرابها، وبرّها وبحرها لواحدة منهما، فصارت المملكة اقطاعاً لها خاصة، وتخرج عنها الثانية، وربما تخرج عنها بالكلية بحيث لا يبقى فيها عين ولا أثر. فإن كانت الصفات التي في القلب، الغالب عليها الصفات الشيطانية التي ذكرناها إما فطرةً أو اكتساباً - من جهة المعاشرة مع الأشرار، والتدين بدين الكفار - غلب عليه الشيطان، ومال القلب إلى جنسه من أحزاب الشيطان، معرضاً عن حزب الله وأوليائه، وجرى على جوارحه بسوابق التقدير ما هو سبب بُعده عن الله ورحمته. وإن كان الغالب عليه الصفات المَلَكية، مال إلى حزب الله، ولم يُصْنع إلى إغواء الشيطان وتسويلات النفس الأمّارة، فظهرت منه الطاعة بموجب ما سبق من القضاء على جوارحه، ويكون سبب قربه من الله ووصوله إلى رضوانه. وهذه الطاعات والمعاصي تظهر من خزائن الغيب إلى عالم الشهادة بواسطة خزانة القلب، لكونه من خزائن الملكوت، وهي أيضاً إذا ظهرت كانت علامات بها تعرف أرباب القلوب سابق القضاء فيها، فبعض النفوس ممن خلقت للجنة وغلبت عليها جهة الرحمة، ويسّر لها الطاعة وأسبابها. وبعضها ممن خلقت للنار، يسّر لها أسباب المعصية وسلط عليها أقران السوء، وألقى في قلبها حكم الشيطان، فإنه بأنواع الوساوس يغترّ الحمقى فيهلكهم، يَعِدُهُم ويمنّيهم {أية : وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} تفسير : [النساء:120] كل ذلك بقضاء الله وقدره {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ}تفسير : [الزمر:22] فجزاؤه الجنة الموعودة، وهو بإزاء من قسى قلبه واسودّ طبعه فجزاؤه جهنم المتوعّد عليها {أية : فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الزمر:22]. {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}تفسير : [الشورى:20]. {أية : فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ، وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الأنعام:125]. {أية : إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ}تفسير : [آل عمران:160]. فهو الهادي والمضلّ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، أن الأبرار لفي نعيم وأن الفجّار لفي جحيم. وفي الحديث الإلهي المتفق عليه، المروي في كتاب الكليني وغيره. "حديث : خلقت هؤلاء للجنة ولا أُبالي، وخلقت هؤلاء للنار ولا أُبالي"تفسير : ، والله الغني عن طاعة المطيعين، والمتعالي عن معصية العاصين، فإن آمنوا بربهم فرَوْحٌ وريحان وجنة نعيم، وذلك هو الفوز العظيم والمنّ الجسيم، وإن كفروا فنُزُولٌ من حميم وتَصْلية جحيم، وهناك سلاسل وأغلال وعذاب أليم؛ وحق الفريقين الثواب والعقاب {أية : فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ} تفسير : [الحديد:13]. وقد أخرجنا أكثر هذه المعاني في عجائب القلب من كتب أهل الله، لما فيها من لطائف الأسرار وبدائع الأنظار، وعظيم النفع في كشف معنى هذه الآية المشيرة إلى معرفة ماهية الشيطان وجنوده، وكيفية عداوته وطريق التخلص عن شرّه وفساده وإغوائه، المؤدي إلى نار الجحيم وسلوك سبيل المجرمين، والنجاة عنه بنور المعرفة والإيمان وقوة الصبر والتقوى وسلوك الصراط المستقيم، وثبات القدم والعزم القويم في المجاهدة مع أحزابه التي هي من أعداء الله وقطّاع سبيل المسلمين، ولا يتخلص عن شرها وضرّها وإضلالها وإفسادها إلاّ خُلّص أولياء الله المتقين، ولذلك عقّب الآية بقوله {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ} [يس:62].

الجنابذي

تفسير : {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ} حال او مستأنفٌ جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ بتقدير القول، او ابتداء كلام من الله للحاضرين {يٰبَنِيۤ آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ} عبادة طاعةٍ كعادة اكثر النّاس له فيما يأمره وينهاه، او عبادة عبوديّة كعبادة الابليسيّة {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ ٱعْبُدُونِي} عبادة طاعةٍ فى طاعة خلفائى وعبادة عبوديّة بالاستكانة لى {هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ} قرئ جبلاًّ بكسر الجيم والباء وتشديد الّلام، وقرئ جبلاًّ بضمّ الجيم وسكون الباء وتخفيف الّلام، وقرئ بضمّ الجيم والباء وتشديد الّلام، وقرئ جبلا بضمّهما وتخفيف الّلام، ومعنى الجمع الخلق والخلق الكثير {كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} عن الباقر (ع) وليست تشهد الجوارح على مؤمنٍ انّما تشهد على من حقّقت عليه كلمة العذاب، فامّا المؤمن فيعطى كتابة بيمينه قال الله عزّ وجلّ فامّا من اوتى كتابه بيمينه فاولئك يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلاً.

اطفيش

تفسير : {ألم أعهد} وقرىء بكسر الهمزة على لغة من يكسر تاء المضارعة ونونها وهمزتها وقرأ اعهد بكسر الهاء وقرىء اجهد بابدال العين جاء وهو لغة تميم ليس مجرد اجتماع الحروف المتقاربة سببا مخرجا للكلمة عن الفصاحة كما توهم بعض حتى زعم ان اعهد غير فصيح ولا اعلم له مخرجا عن الكفر الا ان قال الله سبحانه وتعالى خلق هذه الكلمة في السنة كلها وجعلها ثقيلة وأنزلها في القرآن كما يخلق بعض الاجسام ثقيلا وبعضه خفيفا ويبحث فيه بأنها لو كانت كذلك لانزل بدلها كلمة خفيفة فصيحة تؤدي معناها ويلزم من كون الكلمة غير فصيحة كون الكلام المركب بها مع غيرها غير فصيح لأنها جزءه هذا هو التحقيق بخلاف السورة كلها واثبات كلمة غير فصيحة في القرآن يؤدي إلى نسبة العجز والجهل إلى الله تعالى عن ذلك علوا كبير والتحقيق ان اعهد غير ثقيل ثقلا مخلا بالفصاحة كما يعلم بالذوق السليم فانه انما يعد ثقيلا متعسر النطق ما عده الذوق السليم كذلك ويسمى متنافرا سواء كان ذلك لقرب المخارج او بعدها او غير ذلك فان التنافر وصف في الكلمة يوجب ثقلها على اللسان وعسر النطق بها عند الذوق السليم وهو مزيد ذكاء يعرف به المعاني الخفية بحسب قران الأحوال وليس اعهد كذلك ولا سيما على قراءة ورش بنقل فتحة الهمزة وحذف الهمزة فلا يبقى الا حرفان متقاربان العين والهاء. {إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان} اي ألم آمركم يا بني آدم على لسان رسلي ان لا تطيعوا الشيطان فيما يأمركم به من معصيتي وسمي متابعته عباده له لانها بتزيينه ويجوز ان يكون العهد ما عهد إليهم إذا كانوا ذرا وان يكون ما ركب فيهم من العقول وركب لهم من الدلائل المشاهدة والسمعية وذلك تقريع وتوبيخ وقطع للمعاذر. {إنه لكم عدو مبين} تعليل جملي وان مفسرة ولا بعدها ناهية او مصدرية ولا نافية.

اطفيش

تفسير : هذا من جملة ما يقال للمجرمين يوم القيامة، أى الم يتقدم لكم من قولى لا تعبدوا الخ، فإن لا تعبدوا تفسير، وفى العهد معنى القول، وذلك نحو قوله تعالى: " أية : يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان" تفسير : [الأعراف: 27] الخ وقوله تعالى: "أية : لا تتبعوا خطوات الشيطان" تفسير : [النور: 21] وقوله: " أية : ألست بربكم "تفسير : [الأعراف: 172] ويبعد أن يراد الحجج العقلية والسمعية، وعبادة الشيطان عبادته بعبادة غير الله تعالى وبسائر المعاصى وقوله: {إنه} إلخ تعليل للنهى كما هو قاعدة الكلام، لا تعليل لوجوب الانتهاء لأنه لم يقل وجب عليكم أن لا تعبدوه، لأنه لكم عدو مبين، وعداوته جاءت من قبل عدواته لآدم عليه السلام، كما لوح اليه بندائهم بعنوان البنوة له.

الالوسي

تفسير : {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ ي#1648;بَنِى ءادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَـٰنَ } من جملة ما يقال لهم بطريق التقريع والإلزام والتبكيت بين الأمر بالامتياز والأمر بمقاساة حر جهنم، والعهد الوصية والتقدم بأمر فيه خير ومنعة، والمراد به هٰهنا ما كان منه تعالى على ألسنة الرسل عليهم السلام من الأوامر والنواهي التي من جملتها قوله تعالى: {أية : يَـٰبَنِى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ ٱلْجَنَّةِ }تفسير : [الأعراف: 27] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } تفسير : [البقرة: 168] وغيرهما من الآيات الواردة في هذا المعنى، وقيل: هو الميثاق المأخوذ عليهم في عالم الذر إذ قال سبحانه لهم: {أية : أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ }تفسير : [الأعراف: 172] وقيل: هو ما نصب لهم من الحجج العقلية والسمعية الآمرة بعبادة الله تعالى الزاجرة عن عبادة غيره عز وجل فكأنه استعارة لإقامة البراهين والمراد بعبادة الشيطان طاعته فيما يوسوس به إليهم ويزينه لهم عبر عنها بالعباة لزيادة التحذير والتنفير عنها ولوقوعها في مقابلة عبادته عز وجل، وجوز أن يراد بها عبادة غير الله تعالى من الآلهة الباطل وإضافتها إلى الشيطان لأنه الآمر بها والمزين لها فالتجوز في النسبة. وقرأ طلحة والهذيل بن شرحبيل الكوفي {إعهد} بكسر الهمزة قاله صاحب «اللوامح» وقال هي لغة تميم، وهذا الكسر في النون والتاء أكثر من بين أحرف المضارعة؛ وقال ابن عطية قرأ الهذيل وابن وثاب {ألم إعهد} بكسر الميم والهمزة وفتح الهاء وهي من كسر حرف المضارعة سوى الياء، وروي عن ابن وثاب {ألم أعهد} بكسر الهاء ويقال عهد وعهد اهـ. ولعله أراد أن كسر الميم يدل على كسر الهمزة لأن حركة الميم هي الحركة التي نقلت إليها من الهمزة وحذفت الهمزة بعد نقل حركتها لا إن الميم مكسروة والهمزة بعدها مكسورة أيضاً فتلفظ بها، وقال الزمخشري: قرىء {إعهد} بكسر الهمزة وباب فعل كله يجوز في حروف مضارعته الكسر إلا في الياء و {أعهد} بكسر الهاء وقد جوز الزجاج أن يكون من باب نعم ينعم وضرب يضرب و {أحهد} بإبدال العين وحدها حاء مهملة و {أحد} بإبدالها مع إبدال الهاء وإدغامها وهي لغة تميم ومنه قولهم دحا محا أي دعها معها وما ذكره من قوله: إلا في الياء مبني على بعض اللغات وعن بعض كلب أنهم يكسرون الياء أيضاً فيقولون يعلم مثلاً وقوله في أحهد وأحد لغة بني تميم هو المشهور، وقيل: أحهد لغة هذيل وأحد لغة بني تميم وقولهم دحا محا إما يريدوا به دع هذه القربة مع هذه المرأة أو دع هذه المرأة مع هذه القربة. {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } أي ظاهر العداوة وهو تعليل لوجوب الانتهاء، وقيل: تعليل للنهي وعداوة اللعين جاءت من قبل عداوته لآدم عليه السلام والنداء بوصف النبوة لآدم كالتمهيد لهذا التعليل والتأكيد لعدم جريهم على مقتضى العلم فهم والمنكرون سواء.

ابن عاشور

تفسير : إقبال على جميع البشر الذين جَمَعهم المحشر غير أهل الجنة الذين عُجلوا إلى الجنة، فيشمل هذا جميع أهل الضلالة من مشركين وغيرهم، ولعله شامل لأهل الأعراف، وهو إشهاد على المشركين وتوبيخ لهم. والاستفهام تقريري، وخوطبوا بعنوان {بني آدم} لأن مقام التوبيخ على عبادتهم الشيطان يقتضي تذكيرهم بأنهم أبناء الذي جعله الشيطان عدوّاً له، كقول النابغة: شعر : لئن كان للقبرين قبرٍ بجلق وقبر بصيدا الذي عند حارب وللحارث الجفني سيد قومه ليلتمس بالجيش دار المحارب تفسير : يعني بلاد من حارب أصوله. والعهد: الوصاية، ووصاية الله بني آدم بألا يعبدوا الشيطان هي ما تقرر واشتهر في الأمم بما جاء به الرسل في العصور الماضية فلا يسع إنكاره. وبهذا الاعتبار صح الإِنكار عليهم في حالهم الشبيهة بحال من يجحد هذا العهد. واعلم أن في قوله تعالى: {أعْهَدْ} توالي العين والهاء وهما حرفان متقاربا المخرج من حروف الحلق إلاّ أن تواليهما لم يحدث ثقلاً في النطق بالكلمة ينافي الفصاحة بموجب تنافر الحروف لأن انتقال النطق في مخرج العين من وسط الحلق إلى مخرج الهاء من أقصى الحلق خفف النطق بهما، وكذلك الانتقال من سكون إلى حركة زاد ذلك خفة. ومثله قوله تعالى: { أية : وسبحه } تفسير : [الإنسان: 26] المشتمل على حاء وهي من وسط الحلق وهاء وهي من أقصاه إلا أن الأولى ساكنة والثانية متحركة وهما متقاربا المخرج، ولا يعد هذا من تنافر الحروف، ومثل له بقول أبي تمام: شعر : كريم متى أمْدَحْهُ أُمْدَحْهُ والورى معي وإذا ما لمته لمته وحدي تفسير : فإن كلمة (أمْدَحْه) لا تُعَدّ متنافرة الحروف على أن تكريرها أحدث عليها ثقلاً ما فلا يكون ذلك مثل قول امرىء القيس: شعر : غدائرهُ مُسْتَشْزِرَاتٌ إلى العُلى تفسير : المجعول مثالاً للتنافر فإن تنافر حروفه انجرّ إليه من تعاقب ثلاثة حروف: السين والشين والزاي، ولولا الفصل بين السين والشين بالتاء لكان أشد تنافراً. وموجبات التنافر كثيرة ومرجعها إلى سرعة انتقال اللسان في مخارج حروف شديدة التقارب أو التباعد مع عوارض تعرض لها من صفات الحروف من: جهر وهمس، أو شدة ورخو، أو استعلاء واستفال، أو انفتاح وانطباق، أو إصمات وانذلاق. ومن حركاتها وسكناتها وليس لذلك ضابط مطرد ولكنه مما يُرجع فيه إلى ذوق الفصحاء. وقد حاول ابن سِنان الخفاجي إرجاعه إلى تقارب مخارج الحروف فردّه ابن الأثير عليه بما لا مخلص منه. وإذا اقتضى الحال من حقّ البلاغة إيثار كلمة بالذكر إذ لا يعدِلُها غيرها فعرض من تصاريفها عارض ثقل لا يكون حقُّ مقتضى الحال البلاغي موجباً إيرادها. و{أنْ} تفسيرية، فسرت إجمال العهد لأن العهد فيه معنى القول دون حروفه فــــ {أَنْ} الواقعة بعده تفسيرية. وعبادة الشيطان: عبادة ما يأمر بعبادته من الأصنام ونحوها. وجملة {لكُم عدوٌّ مُبِينٌ} تعليل لجملة {لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ} وقد أغنت {أن} عن فاء السببية كما تقدم غير مرة. و {مُبِينٌ} اسم فاعل من أبان بمعنى بان للمبالغة، أي عداوته واضحة، ووجه وضوحها أن المرء إذا راقب عواقب الأعمال التي توسوسها له نفسه واتهمها وعرضها على وصايا الأنبياء والحكماء وجدها عواقب نحسة، فوضح له أنها من الشيطان بالوسوسة وأن الذي وسوس بها عدوّ له لأنه لو كان ودوداً لما أوقعه في الكوارث ولا يظن به الإِيقاع في ذلك عن غير بصيرة لأن تكرر أمثال تلك الوساوس للمرء ولأمثاله ممن يبوح له بأحواله يدل ذلك التكرر على أنها وساوس مقصودة للإِيقاع في المهالك فعلم أن المشير بها عدوّ ألد، ولعل هذا المعنى هو المشار إليه بقوله تعالى: {ولقد أضلَّ مِنكم جِبلاً كثِيراً أفَلَم تكُونوا تَعْقِلون}. وجملة {وأنِ اعْبُدُوني} عطف على {أن لا تعْبُدُوا الشَّيْطانَ} بإعادة {أن} التفسيرية فهما جملتان مفسرتان لعهدين. وعدل عن الإِتيان بصيغة قصر لأن في الإِتيان بهاتين الجملتين زيادة فائدة لأن من أهل الضلالة الدهريين والمعطلين فهم وإن لم يعبدوا الشيطان ولكنهم لم يعبدوا الله فكانوا خاسئين بالعهد. والإِشارة في قوله: {هٰذَا صِراطٌ مستقيم} للعهد المفهوم من فعل {أعْهَد} أو للمذكور في «تفسيره» من جملتي {لا تعبدوا الشيطان} {وأنِ اعْبُدُوني}، أي هذا المذكور صراط مستقيم، أي كالطريق القويم في الإِبلاغ إلى المقصود. والتنوين للتعظيم. وقوله تعالى: {ولقد أضَلَّ مِنكم جِبِلاً كثيراً} عطف على {إنَّهُ لكم عدوٌّ مبين} فعداوته واضحة بدليل التجربة فكانت علة للنهي عن عبادة ما يأمرهم بعبادتهم. والمعنى: إن عداوته واضحة وضوح الصراط المستقيم لأنها تقررت بين الناس وشهدت بها العصور والأجيال فإنه لم يزل يُضلّ الناس إضلالاً تواتر أمره وتعذر إنكاره. والجِبِلّ: بكسر الجيم وكسر الموحدة وتشديد اللام كما قرأه نافع وعاصم وأبو جعفر. وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب بضم الجيم وضم الباء الموحدة وتخفيف اللام. وقرأه ابن عامر وأبو بكر بضم الجيم وسكون الباء. والجبلّ: الجمع العظيم، وهو مشتق من الجَبْل بسكون الباء بمعنى الخلق. وفرع عليه توبيخهم بقلة العقول بقوله: {أفَلَم تكونوا تَعْقِلونَ}، فالاستفهام إنكاري عن عدم كونهم يعقلون، أي يدركون، إذ لو كانوا يعقلون لتفطنوا إلى إيقاع الشيطان بهم في مهاوي الهلاك. وزيادة فعل الكون للإِيماء إلى أن العقل لم يتكون فيهم ولا هم كائنون به.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} تفسير : [الكهف: 26] وأوضحنا فيه التفصيل بين النظم الوضعية، وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} تفسير : [الإسراء: 9].

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰبَنِي} {ۤ ءَادَمَ} {ٱلشَّيطَانَ} (60) - أَلَمْ أُوْصِكُم يَا بَني آدَمَ أَنْ تَتْرُكُوا طَاعَةَ الشَّيْطَانِ فِيمَا يُوَسْوِسُ لَكُمْ مِنْ مَعْصِيَةِ رَبِّكُمْ، وَمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ، لأَِنَّهُ عَدُوٌّ لَكُمْ ظَاهِرُ العَدَاوَةِ، وَكَانَ عَدُواً لأَِبِيكُم آدَمَ مِنْ قَبْلُ. فَقَدْ خَلَقْتُ لَكُمُ العُقُولُ لِتُدْرِكُوا بِهَا الأَشْيَاءَ، وَتُفَرِّقُوا بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، والحَسَنِ والقَبِيحِ، وَنَصَبْتُ لَكُم الأَدِلَّةَ، فِي الأَنْفُسِ والآفَاقِ عَلَى وُجُودِ خَالِقِكُم، وَعَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَأَرْسَلْتُ لَكُم الأَنْبِيَاءَ، وَأَنْزَلْتُ عَلِيْكُمْ الكُتُبَ وَفِيهَا الشَّرَائِعُ وَأُمُورُ الدِّينِ، لِيَعِظُوكُمْ بِهَا، وَلِيَدْعُوكُم إِلَى مَا فِيهِ خَيْرٌ لَكُمْ. أَلَمْ أَعْهَدْ - أَلَمْ أُوْصِكُمْ وَأُكَلِّفْكُمْ.

الثعلبي

تفسير : {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ} أي لا تطيعوه في معصية الله. {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ} أي أغوى بالدعاء إلى المعصية {جِبِلاًّ كَثِيراً} قرأ علي رضي الله عنه (جبلاً) بالباء مخففاً، وقرأ أهل المدينة وعاصم وأيوب وأبو عبيد وأبو حاتم بكسر الجيم والباء، وتشديد اللام، وقرأ يعقوب بضم الجيم والباء، وتشديد اللام، وبه قرأ الحسن وعبيد بن عمير وعيسى بن عمر والأشهب، وقرأ ابن عامر وأبو عمرو بضم الجيم وجزم الباء مخففاً، وقرأ الباقون: بضم الجيم والباء وتخفيف اللام، وكلها لغات. معناه: الخلق والأُمة، وإنما اختار أبو عبيد وأبو حاتم ضم الجيم والباء والتشديد؛ لقوله تعالى {أية : وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلأَوَّلِينَ}تفسير : [الشعراء: 184]. {أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ * هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} تحذرون، {ٱصْلَوْهَا}: ادخلوها {ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ} فلا يتكلمون. قال قتادة: جرى بينهم خصومات وكلام فكان هذا آخرها. أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا أبو عامر حامد بن سعدان قال: حدّثنا أحمد بن صالح قال: حدّثنا عبد الله بن وهب قال: حدّثني عمرو بن الحرث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله، فجحد وخاصم، فيقال له: هؤلاء جيرانك يشهدون. فيقول: كذبوا. فيُقال: أهلك وعشيرتك. فيقول: كذبوا. فيُقال: احلفوا، فيحلفون. ثم يصمتهم الله عز وجل ويشهد عليهم ألسنتهم ثم يدخلهم النار ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا هشام بن عمار قال: حدّثنا إسماعيل بن عياش قال: حدّثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن عقبة بن عامر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرِجْل الشمال ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدّثنا أُبي قال: حدّثنا يزيد قال: أخبرنا الحريري أبو مسعود عن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يجيئون يوم القيامة على أفواههم الفدام وإنّ أول ما يتكلم من الآدميين فخذه وكفه ". تفسير : {وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ}: فتبادروا إلى الطريق، {فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ} وقد طمسنا أعينهم؟ قال ابن عباس ومقاتل وعطاء وقتادة: يعني ولو نشاء لتركناهم عمياً يترددون، فكيف يُبصرون الطريق حينئذ؟ {وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ}، أي أقعدناهم في منازلهم قردة وخنازير، والمسخ تحويل الصورة، {فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ} إلى ما كانوا عليه، وقيل: لا يستطيعون الذهاب ولا الرجوع. {وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ}، قرأ الأعمش وعاصم وحمزة بالتشديد. غيرهم بفتح النون وضم الكاف مخففاً. أي يرده إلى أرذل العمر شبه حال الصبي الذي هو أول الخلق،وقيل: يصيّره بعد القوة إلى الضعف، وبعد الزيادة إلى النقصان، وبعد الحدة والطراوة إلى البلى والخلوقة، فكأنه نكس حاله. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش المقرئ قال: حدّثنا أبو القاسم بن الفضل قال: حدّثنا محمد بن حميد قال: حدّثنا مهران بن أبي عمر عن سفيان: {وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ} قال: إذا بلغ ثمانين سنة تغيّر جسمه. {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ * وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} لأنه يُورث الشبهة. أخبرني ابن فنجوية قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق قال: حدّثنا حامد بن شعيب عن شريح بن يونس قال: حدّثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي عيينة عن أبيه عن الحكم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بقول العباس بن مرداس: "أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة". قالوا: يا رسول الله إنما قال: بين عيينة والأقرع. فأعادها وقال: "بين الأقرع وعيينة". فقام إليه أبو بكر رضي الله عنه فقبل رأسه وقال: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ}. وأخبرنا الحسين بن محمد الحديثي قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا يوسف بن عبد الله بن هامان قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت: "كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهياً". فقال أبو بكر: يا نبي الله، إنما قال الشاعر: شعر : كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً تفسير : فقال أبو بكر أو عمر: أشهد أنك رسول الله، يقول الله عز وجل: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ}. أخبرني الحسين قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق المسيبي قال: حدّثنا حامد بن شعيب قال: حدّثنا شريح بن يونس قال: حدّثنا أبو سفيان عن معمر عن قتادة: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ} قال: بلغني أنّ عائشة سُئلت هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت: كان الشعر أبغض الحديث إليه، قالت: ولم يتمثل بشيء من الشعر إلاّ ببيت أخي بني قيس طرفة: شعر : ستبدي لك الأيام ما كنتَ جاهلاً ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد تفسير : فجعل يقول: «من لم تزود بالأخبار»، فقال أبو بكر: ليس هكذا يا رسول الله. فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إني لستُ بشاعر،وما ينبغي لي ". تفسير : {إِنْ هُوَ} يعني القرآن {إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ * لِّيُنذِرَ} بالتاء (وهي قراءة) أهل المدينة والشام والبصرة إلاّ أبا عمرو، والباقون بالياء؛ قال: التاء للنبي صلى الله عليه وسلم والياء للقرآن. {مَن كَانَ حَيّاً} أي عاقلاً مؤمناً في علم الله؛ لأن الكافر والجاهل ميّت الفؤاد، {وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ * أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ} يعني عملناه من غير واسطة ولا وكالة ولا شركة، {أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ}: ضابطون وقاهرون. {وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ}: سخرناها {فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ} قرأ العامة بفتح الراء أي مركوبهم، كما يُقال: ناقة حلوب، أي محلوب، وقرأ الأعمش والحسن: بضم الراء على المصدر. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا ابن هامان قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن عروة قال: في مصحف عائشة: (ركوبتهم)، والركوب والركوبة واحد مثل: الحمول والحمولة. {وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} لحمانها. {وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} من أصوافها ولحومها وغير ذلك من المنافع. {وَمَشَارِبُ} يعني ألبانها {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ * وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} أي لتمنعهم من عذاب الله،ولا يكون ذلك قط. {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ} في النار؛ لأنهم مع أوثانهم في النار فلا يدفع بعضهم عن بعض النار. {فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} يعني تكذيبهم وأذاهم وجفاهم. تم الكلام ها هنا ثم استأنف فقال {إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ * أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ} جدل بالباطل {مُّبِينٌ}. واختلفوا في هذا الإنسان من هو؟ فقال ابن عباس: هو عبد الله بن أُبيّ، وقال سعيد بن جبير: هو العاص بن وائل السهمي، وقال الحسن: هو أُمّية بن خلف، وقال قتادة: أُبي بن خلف الجمحي؛ وذلك أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم حائل قد بلي فقال: يا محمد أترى الله يُحيي هذا بعدما قد رمّ؟ فقال صلّى الله عليه وسلم: "حديث : نعم، ويبعثك ويدخلك النار"تفسير : فأنزل الله هذه الآية: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ} بدء أمره، {قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} بالية، وإنما لم يقل رميمة؛ لأنه معدول من فاعله وكل ما كان معدولاً عن وجهه ووزنه كان مصروفاً عن إعرابه كقوله: {أية : وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً}تفسير : [مريم: 28] أسقط الهاء؛ لأنها مصروفة عن باغية. {قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤنشَأَهَآ}: خلقها {أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً}، وإنما لم يقل الخضر، والشجر جمع الشجرة لأنه ردّه إلى اللفظ. قال ابن عباس: هما شجرتان يُقال لإحداهما مرخ، والأُخرى العفار. فمن أراد منهم النار قطع منها غصنين مثل السواكين، وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ وهو ذكر على العفار أُنثى فتخرج منهما النار بإذن الله عز وجل. يقول العرب: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار، وقال الحكماء: كل شجر فيه نار إلاّ العناب. {فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ} النار فذلك زادهم. {أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ} قرأ العامة بالألف، وقرأ يعقوب (بقدر) على الفعل {عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم}، ثم قال: {بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ * إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً} أي وجود شيء، {أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كأن سائلاً سأل: وهل يستحق الكفار كلَّ هذا العذاب وهذا الغضب من الله تعالى؟ فيجيب الحق سبحانه: نعم، يستحقون؛ لأن الله نبَّههم وحذرهم فلم يستجيبوا، ذلك في قوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ} [يس: 60]. فالحق سبحانه لم يأخذكم على غِرَّة، إنما نبَّهكم وبيَّن لكم مداخل الشيطان وحبائله وحِيلَه؛ لأن الشيطان من خيبته رمى بكل مداخله مع المؤمنين أمام الله، فحذرنا الله منها، وبيَّن لنا عداوته لنا، وعداوته المسبقة مع آدم عليه السلام منذ أنْ أُمِر بالسجود فأبى. ولم يَنْتهِ أمره عند عدم السجود، إنما أغوى آدم، وأراد أن ينتقم منه ومن ذريته من بعده، بل وأقسم على ذلك أمام خالقه سبحانه، فقال بجبروت الإغواء كما حكى القرآن: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص: 82] لكنه تذكر عبوديته الحقة للرب الأعلى، فقال: {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [ص: 83]. فهؤلاء لا مدخلَ لي إليهم، والمعنى أن الخصومة ليست بيني وبينك، إنما بيني وبين آدم. وحين أقسم إبليس، أقسم قسماً يؤكد قدرته على ما يهدد به، فمثلاً سحرة فرعون حين أقسموا قالوا: {أية : بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الشعراء: 44]. أمَّا إبليس فيعرف جيداً كيف يقسم، فقال {أية : فَبِعِزَّتِكَ} تفسير : [ص: 82] يعني: باستغنائك عن خَلْقك، مَنْ شاء فليؤمن، ومَنْ شاء فليكفر، هذا هو الباب الذي سأدخل منه إليهم، أمَّا من تريده أنت يا رب، فلا أستطيع أن أقترب منه. ومعنى {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ} [يس: 60] يعني: آمركم كما في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} تفسير : [طه: 115]. يقول تعالى: ألم آمركم يا بني آدم أنْ تحذروا مكايد الشيطان، وأن تتنبَّهوا إلى مداخله إليكم وشباكه وخططه، ألم يقل هو نفسه: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الأعراف: 16] إذن: كان ينبغي ما دُمْتم أخذتم المصْل الواقي أن تكون لديكم المناعة اللازمة لمواجهة هذا العدو، خاصة وقد أسفر عن وجهه، وأوضح خططه، فهو لكم على الصراط المستقيم، ومداخله من سبل الطاعة لا من سبُل المعصية، الشيطان لا يأتي أهل الفجور ورُوَّاد الخمارات، إنما يأتي أهل الطاعات ليفسدها عليهم. وصدق الشاعر الذي قال عَمَّن أسرف على نفسه في المعاصي: شعر : وَكُنْتُ امْرءاً مِن جُنْدِ إبْليسَ فَارْتَقَى بِيَ الحَالُ حَتَّى صَارَ إبْليسُ مِنْ جُنْدِي تفسير : ومعنى: {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ} [يس: 60] عبادته طاعة نزغاته ووسوسته، والعلة في ذلك {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [يس: 60] يعني: عدو بَيِّن العداوة، محيط بأساليب الكَيْد لأعدائه. وبعد أن نهانا ربنا - تبارك وتعالى - عن عبادة الشيطان يُوجِّهنا إلى العبادة الحقة: {وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [يس: 61] حين نتأمل هاتين الآيتين نجد أن العلة في النهي عن عبادة الشيطان {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [يس: 60] كان القياس في الآية بعدها: وأن اعبدوني لأنني حبيبكم كما جاء في الحديث القدسي: "حديث : يا ابن آدم، أنا لك مُحِبُّ، فبحقي عليك كُنْ لي محباً ". تفسير : لكن الحق سبحانه لم يُعلل عبادته سبحانه بالمحبة، إنما اعبدوني لأني أدعوكم إلى الصراط المستقيم النافع لكم المنظِّم لحياتكم، اعبدوني لهذا، أما مسألة المحبة فهي موجودة وأنا أحبكم، فسواء كنتُ أحبك أو لا أحبك كان ينبغي عليك اتباع هذا الصراط المستقيم؛ لأنك المستفيد منه. ولأهل المعرفة وقفة عندما قرأوا: {أية : ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الفاتحة: 6] {هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [يس: 61]، {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ} تفسير : [الأنعام: 153]. قالوا: الصراط المستقيم هو الطريق العَدْل الذي لا اعوجاجَ فيه، ويمثل أقربَ الطرق وأقصر مسافة بين نقطتين، وساعةَ تسمع كلمة الطريق تعرف أن له بداية ونهاية من .. إلى، وهنا إشارة لطيفة ينبغي أن يتنبه لها المؤمن، هي أن الدنيا بالنسبة لك ما هي إلا طريق أنت تسير فيه، له بداية وله نهاية، فهي - إذن - ليستْ دارَ قرار وإقامة، إنما دارُ عبور ومرور. والإنسان حينما يقيم في مكان ولا يجد به راحته يتركه إلى مكان آخر، ولو استقام له المكان الأول ما تركه؛ لذلك يقول تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ..} تفسير : [النساء: 97]. وهذه الهجرة أيضاً تحتاج إلى طريق أهاجر فيه من .. إلى. فكأن الحق سبحانه يقول لك: أنت في الدنيا عابر سبيل، إلى غاية أعظم وأشرف، فاسلُك إليها أقرب الطرق الموصِّلة إليها، وإذا كنتَ قد عاينتَ بنفسك (مِنْ) في الدنيا التي تعيشها، فإن الله تعالى قد أخبرك عن (إلى) التي تسير إليها. أنت في الدنيا تعيش بالأسباب المخلوقة لله، والممدودة إليك في: الأرض التي تعيش عليها، والماء الذي تشربه، والهواء الذي تتنفسه، والعقل الذي تفكر به .. الخ لكن ربك الذي مدَّ لك هذه الأسباب، يخاف عليك الغرور بالأسباب: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7]. لذلك يجعل هذه الأسباب تتخلف في بعض الأحيان، كي تتعلق أنت بالمسبِّب سبحانه، وتظل على ذكر له سبحانه، فتدعوه وتلجأ إليه. ومن الناس مَنْ يحب الله دعاءهم، ويحب أنْ يسمع أصواتهم، فيبتليهم ليدعوه فيسمعهم، وآخرون يكره الله نداءهم، فيأمر الملائكة أنْ تقضي حوائجهم، حتى لا يسمع لهم صوتاً. ثم يحكي لنا الحق سبحانه تاريخَ الشيطان مع بني آدم، هذا التاريخ الذي كان علينا أنْ نتذكره دائماً: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وبقوله: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [يس: 60-61]، يشير إلى كمال رأفته وغاية مكرمته في حق بني آدم؛ إذ يعاتبهم معاتبة الحبيب للحبيب، ومناصحة الصديق للصديق، وأنه تعالى يكرمهم ويبجلهم من أن يعبدوا الشيطان؛ لكمال رتبتهم واختصاص قربتهم للحضرة، وغاية ذلة الشيطان وطرده ولعنه عن الحضرة وسماه عدواً لهم وله سمي بني آدم أولياء والأحباب، وخاطب المجرمين منهم كالمقتدي الناصح لهم: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ} [يس: 60]؟ ألم أنصحكم؟ ألم أخبركم عن خيانة الشيطان وعداوته لكم؟ وإنكم أعز من أن تعبدوا مثله ملعوناً مهيناً {وَأَنِ ٱعْبُدُونِي} إذ إن مثلكم يستحق لعبادة مثلي فإني أنا العزيز الغفور، وإني خلقتكم لنفسي وخلقت المخلوقات لأجلكم وعززتكم، وكم وصلت إليكم القول وذكرتكم فلم تقبلوا نصحي، ولم تتعظوا بوعظي، ولم تعملوا بأمري وعملتم بأمر الشيطان وقبلتم إغواءه إياكم. {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً} [يس: 62]، عن صراط مستقيم عبوديتي، وأبعدكم عن جواري وقربتي، {أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ} [يس: 62]؛ لتعلموا أن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل، فلا تظلموا على أنفسكم وارجعوا إلى ربكم قبل أن يقول لكم خزنة جهنم: {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} [يس: 63-64]؛ أي: استعدوا لجهنم الفراق إن كفرتم بنعمة الوصال، وذوقوا عذاب شديد الكفران إذ رضيتم عن الوصلة بالهجران. ثم أخبر عن اعتراف الأركان وختم اللسان بقوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [يس: 65]، فيشير إلى أن الغالب على الأفواه الكذب، كما قال تعالى: {أية : يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}تفسير : [آل عمران: 167]، والغالب على الأعضاء الصدق، ويوم القيامة يسأل الصادقون عن صدقهم، فلا يسأل الأفواه فإنها كثيرة الكذب، ويسأل الأعضاء فإنها كثيرة الصدق، تشهد بالحق، أما الكفار فشهادة أعضائهم عليهم مبيدة لهم، وأما العصاة من المؤمنين الموحدين فقد تشهد عليهم أعضاؤهم بالعصيان، ولكن تشهد لهم بعض أعضائهم أيضاً لهم بالإحسان فكما قيل: بيني وبينك يا ظلوم الموقف والحاكم العدل الجواد المثقف، وفي بعض الأخبار المروية المسندة: أن عبداً يشهد عليه أعضاؤه بالزلة فتتطاير شعرة جفن عين عبدي واحتجي عن عبدي، فتشهد له بالبكاء من خوفه فيغفر له، وينادي منادٍ هذا عتيق الله بعشرة. وبقوله: {وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ} [يس: 66]، فيشير إلى طمس عين الظاهر بحيث لا يكون لها سبق، فكيف تبكي حتى تشهد بالبكاء على صاحبها؟! ويشير أيضاً إلى طمس عين الباطن، فإذا كانت مطموسة كيف يبصر بها الحق والباطل ليرجع من الباطل إلى الحق؟ وإذا لم يبصر بها الحق كيف يخاف من الباطل ليحرق قلبه بنار الخوف؟! وإذا لم يبصر بها الحق كيف يخاف من الباطل ليحرق قلبه بنار الخوف؟! فيسيل منه الدمع ليشهد له بالبكاء من الخوف.