٣٦ - يس
36 - Yaseen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
62
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في الجبل ست لغات كسر الجيم والباء مع تشديد اللام وضمهما مع التشديد وكسرهما مع التخفيف وضمهما معه وتسكين الباء وتخفيف اللام مع ضم الجيم ومع كسره. المسألة الثانية: في معنى الجبل الجيم والباء واللام لا تخلو عن معنى الاجتماع والجبل فيه اجتماع الأجسام الكثيرة، وجبل الطين فيه اجتماع أجزاء الماء والتراب، وشاة لجباء إذا كانت مجتمعة اللبن الكثير، لا يقال البلجة نقض على ما ذكرتم فإنها تنبىء عن التفرق فإن الأبلج خلاف المقرون لأنا نقول هي لاجتماع الأماكن الخالية التي تسع المتمكنات، فإن البلجة والبلدة بمعنى والبلد سمي بلداً للاجتماع لا للتفرق، فالجبل الجمع العظيم حتى قيل إن دون العشرة آلاف لا يكون جبلاً وإن لم يكن صحيحاً. والمسألة الثالثة: كيف الإضلال؟ نقول على وجهين: أحدهما: أن الإضلال توليه عن المقصد وصد عنه فالشيطان يأمر البعض بترك عبادة الله وبعبادة غيره فهو توليه فإن لم يقدر يأمره بعبادة الله لأمر غير الله من رياسة وجاه غيرهما فهو صد، وهو يفضي إلى التولية لأن مقصوده لو حصل لترك الله وأقبل على ذلك الغير فتحصل التولية.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ } خلقاً جمع جبيل كقديم، وفي قراءة بضم الباء {كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ } عداوته وإضلاله، و ما حل بهم من العذاب، فتؤمنون؟
ابن عطية
تفسير : هذه أيضاً مخاطبة للكفار على جهة التقريع: و"الجبلّ": الأمة العظيمة، قال النقاش عن الضحاك، أقلها عشرة آلاف، ولا حد لأكثرها، وقرأ نافع وعاصم "جبَلاًّ" بفتح الباء والجيم والشد وهي قراءة أبي جعفر وشيبة وأهل المدينة وعاصم وأبي رجاء والحسن بخلاف عنه، وقرأ الأشهب، العقيلي "جِبْلاً" بكسر الجيم وسكون الباء والتخفيف، وقرأ الزهري والحسن والأعرج "جُبُلاًّ" بضم الجيم والباء والشد، وهي قراءة أبي إسحاق وعيسى وابن وثاب وقرأ أبو عمرو وابن عامر والهذيل بن شرحبيل "جُبْلاً" بضم الجيم وسكون الباء والتخفيف، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي "جُبُلاً" بضم الجيم والباء والتخفيف، وذكر أبو حاتم عن بعض الخراسانيين "جِيلاً" بكسر الجيم وبياء بنقطتين ساكنة، وقرأ الجمهور "أفلم تكونوا تعقلون" بالتاء، وقرأ طلحة وعيسى "أفلم يكونوا يعقلون" بالياء، ثم وقفهم على جهنم التي كانوا يوعدون ويكذبون بها، و {جهنم} أول طبقة من النار، و {اصلوها} معناه باشروا نارها ثم أخبر تعالى محمداً إخباراً تشاركه فيه أمته في قوله {اليوم نختم على أفواههم} أي في ذلك اليوم يكون ذلك، وروي في هذا المعنى أن الله تعالى يجعل الكفرة يخاصمون فإذا لم يأتوا بشيء تقوم به الحجة رجعوا إلى الإنكار فناكروا الملائكة في الأعمال فعند ذلك يختم الله تعالى على أفواههم فلا ينطقون بحرف، ويأمر تعالى جوارحهم بالشهادة فتشهد، وروى عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أن أول ما يتكلم من الكافر فخذه اليسرى" تفسير : ، وقال أبو سعيد اليمني: ثم سائر جوارحه، وروي أن بعض الكفرة يقول يومئذ لجوارحه: تباً لك وسحقاً فعنك كنت أماحل ونحو هذا من المعنى، وقد اختلفت فيه ألفاظ الرواة، وروى عبد الرحمن بن محمد بن طلحة عن أبيه عن جده أنه قرأ "ولتكلمنا أيديهم ولتشهد أرجلهم" بزيادة لام كي والنصب، وهي مخالفة لخط المصحف.
ابن عبد السلام
تفسير : {جِبِلاً} جموعاً، أو أمماً، أو خلقاً.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد اضل منكم جبلا كثيرا} جواب قسم محذوف والخطاب لبنى آدم. وفى الارشاد الجملة استئناف مسوق لتشديد التوبيخ وتأكيد التقريع ببيان ان جناياتهم ليست بنقض العهد فقط بل به وبعدم الاتعاظ بما شاهدوا من العقوبات النازلة على الامم الخالية بسبب طاعتهم للشيطان والخطاب لمتأخريهم الذين من جملتهم كفار مكة خصوا بزيادة التوبيخ والتقريع لتضاعف جناياتهم والجبل بكسر الجيم وتشديد اللام الخلق اى المخلوق ولما تصور من الجبل العظم قيل للجماعة العظيمة جبل تشبيها بالجبل فى العظم واسناد الاضلال الى الشيطان مجاز والمراد سببيته كما فى قوله تعالى {أية : رب انهن اضللن كثيرا من الناس} تفسير : والا فالهداية والاضلال والارشاد والاغواء صفة الله تعالى فى الحقيقة بدليل قوله عليه السلام "حديث : بعثت داعيا ومبلغا وليس الىّ من الهدى شئ وخلق ابليس مزينا وليس اليه من الضلالة شئ" تفسير : والمعنى وبالله لقد اضل الشيطان منكم خلقا كثيرا يعنى صار سببا لضلالهم عن ذلك الصراط المستقيم الذى امرتكم بالثبات عليه فاصابهم لاجل ذلك ما اصابهم ومن العقوبات الهائلة التى ملأ الآفاق اخبارها وبقى مدى الدهر آثارها. وقال بعضهم وكيف تعبدون الشيطان وتنقادون لامره مع انه قد اضل منكم يا بنى ادم جماعة متعددة من بنى نوعكم فانحرفوا باضلاله عن سواء السبيل فحرموا من الجنة الموعودة لهم {أفلم تكونوا تعقلون} الفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام اى أكنتم تشاهدون آثار عقوباتهم فلم تكونوا تعقلون انها لضلالهم وطاعتهم ابليس او فلم تكونوا تعقلون شيئا اصلا حتى ترتدعوا عما كانوا عليه كيلا يحيق بكم العقاب. وقال الكاشفى [ايا نيستيد شما كه تعقل كنيد وخودرا دردام فريب او بيفكنيد]. وفى كشف الاسرار هو استفهام تقريع على تركهم الانتفاع بالعقل وفى الحديث "حديث : قسم الله العقل ثلاثة اجزاء فمن كانت فيه فهو العاقل حسن المعرفة بالله" تفسير : اى الثقة بالله فى كل امر والتفويض اليه والائتمار له على نفسك واحوالك والوقوف عند مشيئته لك فى كل امر دنيا وآخرة وحسن الطاعة لله وهو ان تطيعه فى كل اموره وحسن الصبر لله وهو ان تصبر فى النوائب صبرا لا يرى عليك فى الظاهر اثر النائبة كذا فى درر الاصول. وفى التأويلات النجمية {أية : ولقد اضل منكم جبلا كثيرا} تفسير : عن صراط مستقيم عبوديتى وابعدكم عن جوارى وقربتى {افلم تكونوا تعقلون} لتعلموا ان الرجوع الى الحق اولى من التمادى فى الباطل فلا تظلموا على انفسكم وارجعوا الى ربكم واعلم ان العقل نور يستضاء به كما قال فى المثنوى شعر : كربصورت وانمايد عقل رو تيره باشد روز بيش نوراو ورمثال احمقى بيدا شود ظلمت شب بيش اوروشن بود اندك اندك خوى كن بانور روز ورنه خفاشئ بمانى بى فروز عقل كل راكفت ما زاغ البصر عقل جزئى ميكندهر سونظر تفسير : ثم اعلم ان الجاهل الاحمق والضال المطلق فى يد الشيطان يقوده حيث يشاء ولو علم حقيقة الحال وعقل ان الله الملك المتعال واهتدى الى طريق التوحيد والطاعة لحفظه الله من تلك الساعة فان التوحيد حصنه الحصين ومن دخل فيه امن من مكر العدو المهين ومن خرج عنه طالبا للنجاة ادركه الهلاك ومات فى يد الآفات ومن اهمل نفسه فلم يتحرك لشئ كان كمجنون لا يعرف شمسا من فئ فنسأل الله الاشتغال بطاعته واستيعاب الاوقات بعبادته وطرد الشيطان بانوار الخدمة وقهر النفس بانواع الهمة
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : قرأ أبو عمرو وابن عامر "جُبْلاً" بضم الجيم وسكون الباء، وقرأ أهل المدينة وعاصم "جِبِلاًّ" بكسر الجيم والباء وتشديد اللاّم، وقرأ روح وزيد "جُبُلاًّ" بضم الجيم والباء وتشديد اللاّم وهو قراءة الحسن والأعرج والزهري، وقرأ الباقون من القرّاء "جُبُلاً" بضمهما وتخفيف اللام، وهذه اللغات كلها واردة في معنى الخلق، وقرئ "جِبَلاً" بكسر الجيم وفتح الباء، جمع "جِبْلَه" بكسر الأول وسكون الثاني كفِطْر وخِلْق، جمع فطرة، خِلْقَة. وروي عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه قرأ: "جيلاً" واحد "الأجيال" وهم أصناف الترك والروم. مكاشفة معناه: ولقد أضل الشيطان الرجيم كثيراً من خلائق الله بكيده ومكره وحبائله وخُدَعه وشَرَكه وأحزابه وأتباعه، وَوَعْدِه بالشر ووعيده على الخير وتمنيته، كما قال تعالى: {أية : وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} تفسير : [الإسراء:64] وترويجه الباطل في صورة اليقين وقبولهم دعوته بسبب انحرافهم عن الصراط المستقيم، وتركهم طريق المجاهدة معه بإبطال كيده ودفع معارضته بقوة البراهين، وإعراضهم عن الحكمة الإلهية، ورفضهم بالكلّية اقتناء المعارف الربوبية، وإفسادهم أذواقهم الفطرية عن ذوق المشرب وفهم المطلب. كما حكى الله عنهم بقوله: {أية : وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ ٱلأَنْعَامِ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً} تفسير : [النساء:119] وإلاّ لكان يجب أن يسهل عليهم دفع كيد اللعين ويهون عندهم الدنيا، وتنكشف لهم حقارتها ودثورها وفناؤها، وعظمة الآخرة وبقاؤها ودوامها، ويظهر لهم كيفية الإرتقاء إليها والصعود إلى منازلها ومدارجها، وكيفية التخلص عن سجن الدنيا وحبس النفوس، والتباعد عن دار الجحيم ومهاويها ودركاتها. فإن قلت: فما الحكمة في إيجاد مثل الشيطان، وتسلّطه على أفراد الإنسان حتى أغوى كثيراً منهم، وأهلكهم وأوقعهم في سخط الله وغضبه؟ قلنا: الحكمة فيها كثيرة لا يحيط بها إلاّ الله، من جملتها أنه كما ينتفع الإنسان من إلهام الملك، قد ينتفع من وسوسة الشيطان، فإن اتباع الشيطان وأهل الضلال كلهم تبعة الوهم والخيال، ولو لم يكن أوهام المعطلين وخيالات المتفلسفين والدهريين، وسائر أولياء الطاغوت ومراتب جربزتهم وفنون إعوجاجاتهم وضلالاتهم وانحرافاتهم وخيالاتهم، لما انبعث أولياء الله في طلب البراهين، لبيان علة حدوث العالم على نهج الكشف واليقين. وهكذا في الأعمال، لو لم يكن اغتياب المغتابين وتجسّس المتجسّسين بعيوب الناس، لم يجتنب الإنسان كل الإجتناب من العيوب الخفية، التي قد لا يراها الأصدقاء، وإنما يظهر لهم تحققها من تدقيقات الأعداء، وفحصهم والتماسهم ظهورها عليه وعلى غيره. فكم من عدو انتفع العبد من عداوته أكثر مما ينتفع من محبة الصديق، فإن المحبة مما تورث الغفلة عن عيوب المحبوب، والعمى عن رؤية نقائصه، والصمم عن سماع مثالبه. ومن ها هنا يظهر أن لوجود الأفاعيل الشيطانية - كإظهار العداوة والبغضاء والحسد والغدر من الأعداء - فوائد كثيرة عائدة إلى المؤمنين، ومن فوائد عداوة الأعداء وكيد الخصماء وضرر الأشقياء للعبد في هذه الدنيا، سرعة رجوعه وعوده إلى الله فراراً من أعداء الله، امتثالاً لقوله: {أية : فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [الذاريات:50]. شعر : خلق راباتوجنين بدخوكند تاترا ناجارروزانسوكند تفسير : وقوله: {أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ}، كأنه خطاب مع العلماء، الذين كان في استعدادهم إدراك المعقولات فانفسخوا عنه، وهم الذين اشتغلوا بالدنيا وقضاء شهواتها، وتولية موقوفات النفس، والتصدي لمراداتها، والتصدر في تحصيل مرغوباتها ومستلذاتها. أي: أو لم تتّعظوا وتستيقظوا من رقدة جهالاتكم وسِنَة غفلاتكم، ولم تحيوا بحياة العقل والإيمان من مهالك قلوبكم، وما يكفيكم في هذا الباب وما يحملكم على النفر والنفور، ما سمعتم في القرآن من حكاية "بلعم بن باعور" حيث انسلخ عن الفطرة الموجبة للارتقاء إلى عالم السماء ومعدن النور، إلى فطرة السَّبُع الضاري والكلب العقور، كقوله تعالى: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث}تفسير : [الأعراف:175 - 176]. أما ينهاكم أيها المكبّون على الشهوات، المتشبّهون بالبهائم والحشرات، ما ورد في حكاية "قارون" وقول الجهّال في حقه وتمنّيهم حاله، وجواب العلماء الربانيين عنهم من قوله تعالى: {أية : قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ٱلصَّابِرُونَ} تفسير : [القصص:79 - 80]. أما يشوقكم إلى العروج إلى سماوات عقلية ذات بروج مزينة ما لها من فروج؟ أَمَا يهيّجكم إلى الخروج عن هذه الهاوية المظلمة إلى عالم النور ومعدن السرور أقوال سلاطين الأنبياء والأولياء الربانيين، وحكايات أساطين الحكماء والعلماء المتألهين في معارجهم ومصاعدهم حال التحرير؟ ومواصلاتهم وعشقياتهم عند التقرير؟ أما يطربكم للسير ويطيّركم مثل الطير قول سيدنا ونبينا محمد المصطفى (صلى الله عليه وآله) من وصفه الجنات العلى، وسِدرة المنتهى عندها جنة المأوى، وذكره الخلود والشهود والمقام المحمود في اليوم الموعود؟ ثم أن ملاك الأمر في تخلص الإنسان من وسوسة الشيطان، والنجاة من شره وضره وشركه وأحزابه وأتباعه ومكائده ومصائده، ليس بصورة الأعمال المستحسنة الظاهرة، ولا بقراءة الكتب المتداولة، ونقل الأحاديث المتواترة، بل بإحكام النيات وصفاء الطويّات، واستفاضة المعارف من ملهم الأسرار، واستماع الآيات من مفيض الأنوار، والشهادة على وحدانية الله وتقديسه، وتصحيح مرتبة متابعة نبي الله وأنبيائه، ودرجة ولاية ولي الله وأوليائه، من غير تعصّب في مذهب، أو غرض نفساني في مطلب، شهادة شهودية ومعرفة وجودية، يحتاج نيلها إلى تصفية صفحة الباطن عن نقوش الأغيار، وتجلية مرآة السّرعَنْ كدورات الأقوال والأنظار، وكنس القلب عن غبار شوائب النفس والآثار، وتخلية بيت الله بحيث لا يكون في الدار غيره ديّار، شهادة خالصة من الشرك الخفي، الحاصل من امتزاج الملاعين وصحبة جنود الشياطين. واعلم أن الكفر كالإيمان على درجات متفاوتة: إذ بإزاء كل مرتبة من الإيمان مرتبة من الكفر، فمن مراتبه: كفر القالب، وكفر النفسن، وكفر القلب، وقد أوردنا تحقيق هذه المراتب في تفسير بعض الآيات. فالكفر الأول هو ظاهر معلوم لكل أحد، فمن أنكر شيئاً من ضروريات الدين، أو ردّ علامة من علامات شريعة المسلمين، فقد كفر بفتوى الفقهاء والعلماء. وأما الكفر الثاني الذي يتعلق بالنفس: فلأن معبودها الهوى، وهو الصنم الأكبر المشار إليه في قوله تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}تفسير : [الجاثية:23]. وفي الحديث المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله): "حديث : أبغض إله عُبِد في الأرض الهوى ". تفسير : ولعل دعاء إبراهيم (على نبينا وآله وعليه السلام) فيما حكاه الله عنه بقوله: {أية : وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} تفسير : [إبراهيم:35] مشير إلى هذه الأصنام النفسانية التي عبدتها الخلائق، من الهوى الكائن في باطن كل أحد، وقلّ من العباد من اجتنب عن عبادته، وإلاّ فمثل الخليل وبنيه (عليهم السلام) كانوا أجلَّ شأناً وأعظم مكاناً وأقدسَ طهارة من أن يتصور في حقهم عبادة الأصنام الحجرية والمدرية. ولو سألت الحق، فما عبد عبّاد الأصنام إلاّ ما حضر عند نفوسهم من صورة الهوى والأوهام، لأن عابد الصنم الحجري إنما يعبده بظن الإلهية له، وتصور الربوبية فيه، وإلاّ فالأجسام متشاركة، فيجب أن لا يكون عنده فرق بين صمنه وغيره من الأجسام، فيلزم عليه أن يعبد كل جسم كان ويكون في العالم - وحينئذ - فلم يبق فرق يعتدّ به في الواقع وعند أهل الآخرة بين الكفّار وعبادتهم المعروفة للصنم، وبين أرباب العقائد الجزئية في حق الله وأصحاب المذاهب الجاهلية سوى الموحدين بالحقيقة، فجميعهم من أهل الهوى والطاغوت، وعبدة الوهم والجهالات وأتباع النفس في الشهوات. وكذا لا فرق بين نحت الأصنام باليد الجسمانية للعبودية، وبين إنشاء الوهم الصور الوهمية بقوته المتصرفة، لينال بها الوصول إلى البغية الشهوية واللذة الدنيوية. وقد قلت في المثنوي أبياتاً مناسبة لهذا المعنى. شعر : هركه رانبوددرون باصفا ازنقوش وهم ميسازدخدا ميتراشد تيشه وهمش صنم مبيرستدآن صنم رادمبدم وهمها هستند جمله بت تراش خودتراشد صورت وكَويد خداش بت نباشد غير صور تهاى وهم كى درآيد صورت خارج بفهم بت برستى خوديرستيدن بود خواه نامش راصنم كن يا صمد جون توغير ازحق برستى كافرى خواه نامش حق كنى ياديكَرى خود برستى ميكنى إبليس وار يكزمان ازحق تعالى شرم دار دردرون سينه بت دارى همى مى برستى دائماً درهردمى اين درونهاى توهم آميخته كه بود اصنام ازوآويخته كى شودباك ازبتان شك وريب كى نماي حق دروانوار غيب؟ تاترا برطاق دل هست اين صنم كى شوى ايزدبرست اى متهم؟ تازطاق كعبه أين اصنام را مى نبردازى بنوراهتدا تا بكتف روح باى عقل را ننهى ازبرهان وكشف اى بينوا بس نيندازى زطاق دل بفن صورت اين وهمهاى جون وثن كى شوداندر مدينة نفس تو حق برستيدن ميسّر أى عمو؟ كى شوددر كافرستان درون حق برستيدن ميسّر جزفسون تفسير : وأما كفر القلب، وهو أن السالك إذا انجلت مرآة سره بحيث حوذي بها شطر الحق، وتنقى عن عين قلبه الكدورات النفسانية، وارتفعت عنها الغشاوات الدنيوية، فوقع فيها نور الحق ويتجلى لها جمال الأحدية، فإذا غافصه تجليّه فربما نسي هويته الإمكانية وخرج عن رتبة العبودية، ولم يثبت بالقول الثابت فاعتقد لذاته "أنها عين الحق"، وبادر وقال: "إنها فيها" "فأنا الحق" و "سبحاني ما أعظم شأني، فقد تدرع باللاهوت ناسوتي" إلاّ أن يُثَبّته الله بالقول الثابت في الدنيا والآخرة، فيعرف أن الصورة الإلهية ليست في مرآة ذاته، بل تجلت فيها، وما حلّت فيها، بل ظهرت منها، ولو حلّت لما تصور أن تتجلى صورة واحدة لمرائي كثيرة في حالة واحدة، بل كانت بحيث إذا حلّت في مرآة واحدة ارتحلت عن الأخرى. وهيهات! فإن الله لا يتجلى لجملة من العارفين دفعة واحدة، وإن كان في بعض المجالي أظهر وأصح وأقوم وأوضح، وفي بعضها أخفى وأكتم وأبهم، وأميل إلى الإعوجاج عن الاستقامة، وذلك لتفاوت المرائي في الصقالة والصفاء وصحة الإستدارة والإستواء، في رفع الحجب عن بسيط وجهها كلاً أو بعضاً. فافهم جداً واغتنم، وتنبّه لما قيل "إن نور إبليس من نار العزة" لقوله تعالى حكاية عنه: {أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ}تفسير : [الأعراف:12]. ولو أظهر نوره للخلق لعبدوه: {أية : إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ}تفسير : [النحل:100]. وكم من سالك بلغ إلى هذا المقام الذي هو آخر الأقدام في السفر الأول، فوقع في الكفر الأكبر، وضلّ وغوى، وهلك وهوى في الجحيم السفلى والحُطَمَة الكبرى {أية : نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ} تفسير : [الهمزة:6 - 7]. والموحّد إذا جاوز عن هذه المزلقة المهوية، وارتفع عن هذه المرتبة يقول: {أية : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ}تفسير : [الأنعام:79] بعد ما وقع مروره على ملكوت السماوات والأرض، وعبوره على الدرجات العلى من ملكوت ربه الأعلى، لقوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} تفسير : [الأنعام:75]. وفي قوله: "ليكونَ" إشارة إلى أن السالك لا بد له من أن ينظر أولاً في حقائق الأشياء وملكوتها بالنظر الدقيق، واثباتها بالبراهين على وجه التحقيق، ليمكن له أن يرتقي منها إلى ملاحظة الذات الأحدية، والشهادة على وحدانية الباري وصفاته الصمدية. وذكر بعضهم النكتة - في أنه (عليه السلام) لماذا قال: "هذا ربي"، لمّا جنَّ عليه الليل رأى كوكباً؟ - بما روي عن كعب الأحبار، إنه كان قرء في التوراة: "أن أرواح المؤمنين من نور جمال الله، وأن أرواح الكافرين من نار قهر الله". وفي الأدعية النبوية: "اللهم إني أعوذ بك من الشرك الخفي"، وفي قوله تعالى: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}تفسير : [الزمر:65]. ونقل عن أبي يزيد البسطامي انه قال: إلهي إن قلت يوماً: "سبحاني ما أعظم شأني"، فأنا اليوم كافر مجوسي، أقطع زنّاري وأقول: "أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أن محمداً رسول الله". وقال الحلاّج: شعر : كفرت بدين الله والكفر واجب لديّ وعند المسلمين قبيح تفسير : وكتب أبو سعيد المهنيّ إلى أبي علي بن سينا: "دلني على الدليل"، فقال في الرسالة على طريق الجواب: "الدخول في الكفر الحقيقي، والخروج عن الإسلام المجازي، وأن لا تلتفت إلاّ بما وراء الشخوص الثلاثة، حتى تكون مسلماً وكافراً، وإن كنت وراء هذا فلست مؤمناً ولا كافراً، وإن كنت تحت هذا فأنت مسلم كافر، وإن كنت جاهلاً من جميع هذا فإنك تعلم أن لا قيمة لك ولا نقد لك من جملة الموجودين" فأورده أبو سعيد في كتاب "المصابيح" وقال: "أوصلتني هذه الكلمات إلى ما لا يوصل إليه عمر مأة سنة من العبادة". تتمة استبصارية لمّا تحققتَ أيها السالك كيفية المطاردة بين جند الله وجنود الشيطان في هذا العالم الإنساني، وعلمت أن مناط الغلبة لأحد الحزبين، ومنشأ الفتح عن أحد الطرفين بالحقيقة، ليس إلاّ بأصل واحد حصل على وجه الرسوخ، وهو إما الإيمان أو الكفر، فإن حصل "الإيمان الحقيقي" في القلب، كان الجنود كلهم مطيعين للملك، وان حصل "الكفر" كان الجنود كلهم مطيعين للشيطان، وإن لم يحصل شيء منهما على الحقيقة كانت المحاربة باقية، وأكثر الناس إما كفار محضة، أو ضعفاء العقل والإيمان، مترددون بين الحق والباطل، فقد رجع الأمر كله إلى أصل اليقين وحقيقة المعرفة. لأن المجاهدة مع أعداء الله لا يمكن إلاّ بترك الذنوب والمعاصي، وهو لا يتيسّر إلاّ بالصبر، الذي هو عبارة عن ثبات جند في مقابلة جند آخر قام القتال بينهما لتصادم مقتضياتهما ومطالبهما، والصبر لا يمكن إلاّ بمعونة الخوف من عقاب الله، والخوف لا يحصل إلاّ بالعلم بأن المجاهدة مع أعداء الله واجبة، والعصيان عن أمر من نصبه للخلافة محرم، والفرار عن الزحف كبيرة موبقة، وبالتصديق بأن ضرر الذنوب عظيم. وهذا هو تصديق الله وتصديق رسوله، والإعتقاد باليوم الآخر، ونشأة الثواب والعقاب والميزان والحساب. و"الإيمان" عبارة عن هذه المعارف، فكأن من أصرّ على معصية، أو ترك الصبر، أو قعد عن الحرب، فلأنه إما غير مؤمن، وإما ضعيف الإيمان، وكما أن من فقد الإيمان بالكليّة يوجب الإصرار على المعاصي، فكذلك ضعفه. فإن سبب وقوع أكثر المنسوبين إلى الإيمان في المعصية، مع اعتقاد في الجملة بأن المعصية من أسباب البعد عن الله والعقاب في الآخرة، أمور ثلاثة: أحدها: إن العقاب الموعود غيب غير محسوس، والنفس جبّلت متأثرة بالحاضر المحسوس. الثاني: إن الشهوات الباعثة على الذنوب ناجزة آخذة بالمخنق، وقد قويت واستولت بالاعتياد - والألف والعادة طبيعة خامسة - وليس كل من شرب في مرضه ماء الثلج لشدة عطشه مكذباً بأصل الطب، وبأن ذلك مضر في حقه، ولكن الشهوة تغلبه وألم الصبر ناجزة، فهّون عليه الألم الموعود. الثالث: انه ما من مذنب لقلبه رائحة من الإيمان، إلاّ وهو في الغالب عازم على التوبة وتكفير السيئة بالحسنة، وقد وعد بأن ذلك منشأة المغفرة، إلاّ أن طول الأمل غالب على الطباع، فلا يزال تسّوف التوبة والتكفير، فمن سبب رجاء توفيق التوبة رمبا يقدم عليه مع الإيمان. الرابع: انه ما من مؤمن إلاّ وهو معتقد أنّ الذنب لا يوجب العقوبة إيجاباً لا يمكن العفو عنها - خلافاً للمعتزلة -، فهو مذنب ينتظر العفو اتكالاً على فضل الله. فهذه أسباب أربعة موجبة للإصرار مع بقاء أصل الإيمان، نعم ها هنا سبب خامس يقدم المذنب به، وهو يقدح في أصل إيمانه، وهو كونه شاكّاً في صدق الرسل في انذارهم، وهذا هو الكفر، كالذي يحذره الطبيب تناول ما يضرّه، وهو ممن لا يعتقد فيه أنه عالم بالطب، فيكذبه أو يشك فيما يقوله، فما يبالي. ويمكن علاج جميع هذه الأسباب الخمسة بالفكر الصحيح: أما الأول: فلما تقرر أن كل ما هو آت آت، وإن غداً للناظرين قريب، وقد مرّ تحقيق قُرْب الساعة، وإن الموت أقرب من كل أحد من شِراك نعله {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ} تفسير : [الشورى:17]. وأما الثاني: ان المتأخر إذا وقع صار ناجزاً، ويذكر نفسه أنه أبداً في دنياه بتعب في الحال لخوف أمر في الاستقبال، وهذا ألمه ليس أقل من ألم الصبر عن المعاصي. وأما الثالث: فبأن أكثر صياح أهل النار وحسراتهم وزفراتهم من التسويف، لأن المسوّف بنى الأمر على ما ليس إليه - وهو البقاء - ولعله لا يبقى، وإن بقي فلا يقدر على الترك غداً، كما لا يقدر عليه اليوم، ثم ليت شعري هل عجز في الحال إلاّ لغلبة الشهوة، والشهوات لا تتفارق بالإصرار، بل تتضاعف سَوْرَتُها ويترسّخ أصلها بالتكرار، ويتأكد خلقها بالإعتياد، وما مثال المسوّف إلاّ مثال من احتاج إلى قلع شجرة فرآها قوية لا تنقطع إلاّ بمشقة شديدة، قال: "أُأَخّرها سنة ثم أعود عليها"، فلا حماقة أعظم من حماقته. وأما الرابع: فعلاجه بأن يتفكر في حال من يمكّن العدو على نهب جميع أمواله، ويترك نفسه وعياله فقيراً مستنظراً من فضل الله، راجياً أن يرزقه العثور على كنز في أرض خربة، فإن إمكان العفو عن الذنب مثل هذا الإمكان، والله قادر عليه، إلاّ أن هذا الرجل مما يحكم عليه كل عاقل بأنه في غاية الحماقة. وأما الخامس: فعلاجه التأمل في أسباب المعرفة بصدق الرسل، وذلك أيضاً ركن عظيم من أركان حكمة الله ومعرفته، وأكثر الناس غافلون عنه، ذاهلون عن معرفة ماهية الرسالة وحقيقة الرسول، بل أكثرهم مستهزؤون بالأنبياء باطناً، وإن أقروا بالرسالة لساناً وقولاً، كما مرّ من قوله تعالى: {أية : مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} تفسير : [الحجر:11] وأكثرهم معرضون عن آيات الله فَهْماً ودراية، وإن تلوها قراءة ودراسة: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [يوسف:105]. فقد رجع الأمر في مجاهدة النفس والشيطان كله إلى تحصيل المعارف الإلهية والعلوم الربانية، ثم المصابرة عليها بترك اللّذات، والتقوى عن المحارم والسيئآت، لقوله تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [الأعراف:27]، وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ}تفسير : [البقرة:257] فإذا تنّور الباطن بنور المعرفة والإيقان، وتطهّر القلب بطهارة الورع، زالت عنه نجاسة الشرك والكفر، فيسري أثره في جميع القوى والجنود والأحزاب، فتصير كلها مسلمة متوافقة متعاضدة متظافرة في سبيل الله والسفر إليه، وكل منها ينقلب إلى أهله مسروراً. وكما أن في الظاهر، إذا أسلم مشرك تزول عنه النجاسة وعن جميع بدنه وأعضائه وملبوساته وما يلتصق به، فكذلك إذا حلّ معنى التوحيد الحقيقي في القلب، وتقرر فيه المعارف الإيمانية بالله واليوم الآخر والملائكة والنبيين، وصدّق بكلماته، وآمن بكتب الله المُنْزَلة على رسله وأوليائه (عليهم السلام)، تنورت القوى كلها بأشعة نور الإيمان الحقيقي، وتطهرت الجنود كلها من رجس الشرك الخفي، ونجاسة الجهالة الشيطانية والكفر الوهمي، فصارت النفس روحاً، والوهم عقلاً، والسفسطة برهاناً، والشهوة شوقاً إلى العبودية، والغضب عزماً على الطاعة، واللذة محبة، والحسد غيرة، والقنوط رجاءاً، والكفران شكراً، والحرص توكلاً، والقسوة رأفة، والحمق فهماً، والتهتك عفة، والكِبْر تواضعاً، والسَّفَه علماً، والهذر صمتاً، والاستكبار استسلاماً، وبالجملة، جميع أجناد الشيطان تصير من توابع الملك وجنود الرحمان، وهكذا جميع أفراسه ورواحله وشركه وحبائله ومنازله ومواضعه تصير متعلقة بحزب الله، والمَلَكة مسخرة لخليفة الله في أرض الباطن، وأهلا ساجدة له خاضعة إياه، مطيعة لأوامره ونواهيه، قائلة كلهم بألسنة أحوالهم: شعر : صحى القلب عن سلمى وأقصر باطله وعري أفراس الصِبىٰ ورواحله تفسير : ولقد أطنبنا الكلام، وقد بقي بعد خبايا في زوايا القلب لتبيين المرام وتحقيق الكلام، تركناها لضيق المقام وقصر العمر عن التطويل في كل مقصد على وجه التمام، على أن الصادّ الشديد عنه موجود، والباعث القوي عليه مفقود، وهما قصور الإفهام من الطلبة المحصلة، وشنعة اللئام من الجهلة المطلعة.
اطفيش
تفسير : {ولقد أضل منكم} متعلق بأضل ومن للابتداء ايماء الى معنى اخذ منكم او بمحذوف حال من قوله. {جبلا} خلقا وقيل الأمة العظيمة بكسر الجيم والباء وتشديد اللام عند نافع وعاصم وقرأه ابوعمر وابن عامر بضم الجيم واسكان الباء فاللام غير مشددة وقرأه الباقون بضمهما وتخفيف اللام وكذا قرأه يعقوب والكل لغات وقيل الجبل بضمتين مع التخفيف او باسكان الباء جمع جبيل كقديم وقدم وقدم وقرىء جبلا بكسر الجيم وفتح الباء وتخفيف اللام جمع جبله بكسر الجيم واسكان الباء وقرىء جبلا بجيم مكسورة فياء مثناة تحتية ساكنة وأحد الأجيال وهو الصنف. {كثيرا} وذلك رجوع الى بيان معاداة الشيطان مع ظهور عداوته ووضوح اضلاله لمن له أدنى عقل أضل من كل الف تسعمائة وتسعة وتسعين. {أفلم تكونوا تعقلون} عداوته واضلاله او ما حل بمن أضل من الأمم من العذاب فتؤمنوا فإن من له ادنى عقل ورأى يتعقل ذلك وذلك كله مقول لهم يوم القيامة كقوله. {هذه جهنم التي كنتم توعدون} أي توعدونها في الدنيا على كفركم على ألسنة الرسل وتوعدون من وعد فإنه يستعمل في الخير والشر أو من أوعد المستعمل في الشر.
اطفيش
تفسير : {ولَقد أضلَّ منكُم جِبلاٍّ كَثيراً} إلخ داخل فى التعليل، أى لأنه عدو مبين لكم، ولأنه والله قد تحقق اضلاله جبلا كثيرا، وأنتم من هؤلاء الذين أضلهم فتوبوا، والجبل الأمة العظيمة وأقلها عشرة آلاف، وفسره بعض بالأمة، وبعض بالجماعة {أفلَم تكُونُوا تعْقلون} أكنتم تشاهدون فى أسفاركم آثار العقاب على الكفر، فلم تكونوا تعقلون فتتركوا ما به عوقبوا لئلا تصابوا مثلهم، أو تعقلون أن الآثار لضلالهم، ويقال على شفير جهنم.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً } استئناف مسوق لتشديد التوبيخ وتأكيد التقريع ببيان عدم اتعاظهم بغيرهم إثر بيان نقضهم العهد فالخطاب لمتأخريهم الذين من جملتهم كفار [مكة] خصوا بزيادة التوبيخ والتقريع لتضاعف جناياتهم. وإسناد الإضلال إلى ضمير الشيطان لأنه المباشر للإغواء. والجبل ـ كما قال الراغب ـ الجماعة العظيمة أطلق عليهم تشبيهاً بالجبل في العظم، وعن الضحاك أقل الجبل وهي الأمة العظيمة عشرة آلاف، وفسره بعضهم بالجماعة وبعض بالأمة بدون الوصف وقيل هو الطبع المخلوق عليه الذي لا ينتقل كأنه جبل وهو هنا خلاف الظاهر. وقرأ العربيان والهذيل {جِبِلاًّ } بضم الجيم وإسكان الباء. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بضمتين مع تخفيف اللام، والحسن وابن أبـي إسحاق والزهري وابن هرمز وعبد الله بن عبيد بن عمير وحفص بن حميد بضمتين وتشديد اللام، والأشهب العقيلي واليماني وحماد بن سلمة عن عاصم بكسر الجيم وسكون الباء، والأعمش بكسرتين وتخفيف اللام [وقرئ (جِبَلاً) بكسر الجيم وفتح الباء وتخفيف اللام] جمع جبلة نحو فطرة وفطر، وقرأ أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه وبعض الخراسانيين {جيلاً} بكسر الجيم بعدها ياء آخر الحروف واحد الأجيال وهو الصنف من الناس كالعرب والروم. {أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ } عطف على مقدر يقتضيه المقام أي أكنتم تشاهدون آثار عقوباتهم فلم تكونوا تعقلون أنها لضلالهم أو فلم تكونوا تعقلون شيئاً أصلاً حتى ترتدعوا عما كانوا عليه كيلا يحيق بكم العذاب الأليم. وقرأ طلحة وعيسى وعاصم في رواية عبد بن حميد عنه بياء الغيبة فالضمير للجبل. وقوله تعالى: {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ...}.
الشنقيطي
تفسير : قوله: {جِبِلاًّ كَثِيراً}. أي خلقاً كثيراً كقوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [الشعراء: 184]، وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من كون الشيطان أضل خلقاً كثيراً من بني آدم جاء مذكوراً في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ} تفسير : [الأنعام: 128] أي قد استكثرتم أيها الشياطين، من إضلال الإنس، وقد قال إبليس: لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلاً، وقد بيّن تعالى أن هذا الظن الذي ظنه بهم من أنه يضلهم جميعاً إلا القليل، صدقه عليهم، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [سبأ: 20] كما تقدّم إيضاحه. وقرأ هذا الحرف نافع وعاصم: {جِبِلاًّ} بكسر الجيم والباء، وتشديد اللام وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائي: {جِبِلاًّ} بضم الجيم، والباء وتخفيف اللام، وقرأه أبو عمرو وابن عامر: (جُبْلاً) بضم الجيم وتسكين الباء مع تخفيف اللام، وجميع القراءات بمعنى واحد أي خلقاً كثيراً.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 62- ولقد أغوى الشيطان منكم خلْقاً كثيراً. أغفلتم عن ذلك، فلم تكونوا تعقلون حين أطعتموه؟! 63- يقال لهم: هذه جهنم التى كنتم توعدون بها فى الدنيا، جزاء كفركم. 64- ادخلوها، وقاسوا حرها فى هذا اليوم بكفركم. 65- اليوم نُغطى على أفواههم فلا تنطق، وتكلمنا أيديهم، وتنطق أرجلهم شاهدة عليهم بما كانوا يعملون. 66- فمضوا يتخبطون لا يعرفون فيها - فى الدنيا أو على الصراط فى الآخرة - طريق الهدى بعدما أعميناهم. 67- ولو نشاء تغيير صورهم لغيرناها إلى صور قبيحة يتسمرون عندها فى أماكنهم، لا يمضون إلى الأمام، ولا يرجعون إلى الخلف لما جرى عليهم من أمرنا فى إفقادهم قواهم. 68- ومن نُطل عمره نرده من القوة إلى الضعف، أفلا يعقلون قدرتنا على ذلك ليعلموا أن الدنيا دار فناء، وأن الآخرة هى دار البقاء!
د. أسعد حومد
تفسير : (62) - وَلَقَدْ أَضَلَّ الشَّيْطَانُ مِنْكُمْ خَلْقاً كَثِيراً (جِبِلاًّ) عَنْ طَاعَةِ رَبِّكُم، أَفَلَمْ تَكُنْ لَكُم عُقُولٌ تُدْرِكُونَ بِهَا أَنَّكُم الخَاسِرُونَ فِي مُخَالَفَةِ أَمْرِ رَبِّكُمْ، وَفِي إِطَاعَةِ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ. جِبلاًّ - خَلْقاً أَوْ جَمَاعَةً عَظِيمَةً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الجِبلّ: هم القوم الأشداء الأقوياء. وحين ترى مادة (جبل) فاعلم أنها تدُلُّ على القوة والشدة والثبات والفخامة، ومن ذلك سُمِّيَ الجبل لثباته ونقول: فلان جُبل على كذا. يعني: صفة أصيلة فيه، ثابتة في شخصيته، فبَيْنَ هذه الأشياء جامع اشتقاقيّ واحد؛ لذلك نُشبِّه الرجل العاقل بالجبل؛ لأنه ثابت لا تهزه الأحداث. ومن ذلك قول الشاعر يرثي أحد الخلفاء، وقد رأى الناسَ يحملونه إلى قبره: شعر : رَضْوَى عَلَى أَيْدِى الرِّجَالِ يَسِير تفسير : ورَضْوى جبل معروف. ومعنى {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ} [يس: 62] يعني: لستم أول مَنْ أضلَّه إبليس، فقد أضلَّ قبلكم قوماً كثيرين كانوا أقوى منكم، ولعب بهم حتى جعل منهم أداة للضلال، فلم يقف عند حَدِّ ضلالهم هم، إنما ضَلُّوا وأضلُّوا، حتى صاروا جُنْداً من جُنْده كما قلنا. ويكفي في عظمة الحضارات القديمة أن الحضارة الحديثة حضارة القرن العشرين - قرن الاختراعات والاكتشافات والتقدم العلمي الهائل - تقف مبهورة أمام حضارة قديمة مثل حضارة الفراعنة مثلاً، بل وتقف عاجزة عن فهمها، والوصول إلى أسرارها، وكان على رأس هذه الحضارة فرعون. فماذا فعل به الشيطان، أغواه وأضلَّه، حتى قال لقومه: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [النازعات: 24]. وحكى عنه القرآن فقال: {أية : فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} تفسير : [الزخرف: 54]. ففرعون وأمثاله من الأقوياء ما استطاعوا أنْ يواجهوا الشيطان، وما استطاعوا النجاة من مكايده؛ لأنه دخل إليهم من مدخل شهوات النفس، ثم صعَّب عليهم الطاعات، فمالوا إلى المعاصي وانصرفوا عن الطاعات. ثم يُؤنِّب الحق سبحانه هؤلاء العاصين: {أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ} [يس: 62] يعني: أين كانت عقولكم حين انسقتُمْ وراءه، بعد أن حذرناكم منه وبيَّنا لكم مداخله، وحين يردُّك خالقك إلى العقل، ويأمرك بإعماله فاعلم أن نتيجة إعمال العقل موافقة لمراده سبحانه منك، فإنْ أعملتَ عقلك في كَوْن الله وآياته، لا بد أنْ تصل إلى نتيجة مرادة لله تعالى، كذلك أنت لا تأمر مخاطبك بأنْ يُعمل عقله في شيء، إلا إذا كنتَ واثقاً أنَّ نتيجة هذا العمل في صالحك، ووِفْق هواك، ولو كنتَ تعرف أن النتيجة على خلاف ما تريد ما أعطيتَه الفرصة لإعمال عقله. ومثَّلْنَا لذلك بالبائع الذي يبيع سلعة جيدة، فإنه يدعوك إلى فحصها وتأمُّلها والتأكد من جودتها، فبائع الأصواف مثلاً يعرض عليك الثوب، ويُبيِّن لك جودته، ويشعل الثقاب، ويحرق لك خيطاً من خيوط النسيج، إنه لا يفعل ذلك إلا وهو واثق من جودة بضاعته وأنك لا بُدَّ مقتنع بها، حريص على شرائها، أما الغَاشُّ فيحاول إقناعك بكلام نظري معظمه كذب وتدليس، ويحاول أنْ يصرف ذهنك وفكرك في الشيء، لأن النتيجة لن تكون في صالحه. كذلك الحق - سبحانه وتعالى - يقول: {أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ} [يس: 62]. يعنى: لو عقلتم لَتوصلْتُم إلى الحق، وإلى الصراط المستقيم.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً} معناه خلقٌ كَثيرٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):