Verse. 3768 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

ہٰذِہٖ جَہَنَّمُ الَّتِيْ كُنْتُمْ تُوْعَدُوْنَ۝۶۳
Hathihi jahannamu allatee kuntum tooAAadoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«هذه جهنم التي كنتم توعدون» بها.

63

Tafseer

الرازي

تفسير : وحال الضال كحال شخص خرج من وطنه مخافة عدوه فوقع في مشقة ولو أقام في وطنه لعل ذلك العدو كان لا يظفر به أو يرحمه، كذلك حال من لم يتحرك لطاعة ولا عصيان كالمجانين وحال من استعمل عقله فأخطأ الطريق، فإن المجنون من أهل النجاة وإن لم يكن من أهل الدرجات، وقد قيل بأن البلاهة أدنى إلى الخلاص من فطانة بتراء، وذلك ظاهر في المحسوس فإن من لم يعرف الطريق إذا أقام بمكانه لا يبعد عن الطريق كثيراً ومن سار إلى خلاف المقصد يبعد عنه كثيراً.

ابن كثير

تفسير : يقال للكفرة من بني آدم يوم القيامة، وقد برزت الجحيم لهم؛ تقريعاً وتوبيخاً: {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } أي: هذه التي حذرتكم الرسل، فكذبتموهم، {ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الطور: 13 ــــ 15]. وقوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} هذا حال الكفار والمنافقين يوم القيامة حين ينكرون ما اجترحوه في الدنيا، ويحلفون: ما فعلوه، فيختم الله على أفواههم، ويستنطق جوارحهم بما عملت. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث التميمي، حدثنا أبو عامر الأسدي، حدثنا سفيان عن عبيد المكتب عن الفضيل ابن عمرو عن الشعبي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال صلى الله عليه وسلم «حديث : أتدرون ممَّ أضحك؟» تفسير : قلنا: الله ورسوله أعلم، قال صلى الله عليه وسلم «حديث : من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول: رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: لا أجيز علي إلا شاهداً من نفسي، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بعمله، ثم يخلي بينه وبين الكلام، فيقول: بعداً لكن وسحقاً، فعنكن كنت أناضل» تفسير : وقد رواه مسلم والنسائي، كلاهما عن أبي بكر بن أبي النضر عن أبي النضر، عن عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي، عن سفيان، هو الثوري، به. ثم قال النسائي: لا أعلم أحداً روى هذا الحديث عن سفيان غير الأشجعي، وهو حديث غريب، والله تعالى أعلم، كذا قال. وقد تقدم من رواية أبي عامر عبد الملك بن عمرو الأسدي، وهو العقدي، عن سفيان. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنكم تدعون مفدماً على أفواهكم بالفدام، فأول ما يسأل عن أحدكم فخذه وكتفهتفسير : ، رواه النسائي عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به، وقال سفيان بن عيينة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث القيامة الطويل، قال فيه: «حديث : ثم يلقى الثالث فيقول: ما أنت؟ فيقول: أنا عبدك، آمنت بك وبنبيك وبكتابك، وصمت وصليت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع ــــ قال ــــ فيقال له: ألا نبعث عليك شاهدنا؟ ــــ قال ــــ فيفكر في نفسه من الذي يشهد عليه، فيختم على فيه، ويقال لفخذه: انطقي ــــ قال ــــ فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل، وذلك المنافق، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك الذي يسخط الله تعالى عليه» تفسير : ورواه مسلم وأبو داود من حديث سفيان بن عيينة به بطوله. ثم قال ابن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه، فخذه من الرجل اليسرى» تفسير : ورواه ابن جرير عن محمد بن عوف عن عبد الله بن المبارك عن إسماعيل بن عياش به مثله. وقد جود إسناده الإمام أحمد رحمه الله، فقال: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش عن ضمضم ابن زرعة عن شريح بن عبيد الحضرمي عمن حدثه، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله يقول: «حديث : إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل الشمال».تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا يونس بن عبيد عن حميد بن هلال قال: قال أبو بردة: قال أبو موسى، هو الأشعري رضي الله عنه: يدعى المؤمن للحساب يوم القيامة، فيعرض عليه ربه عمله فيما بينه وبينه، فيعترف فيقول: نعم أي رب عملت عملت عملت، قال: فيغفر الله تعالى له ذنوبه، ويستره منها، قال: فما على الأرض خليقة ترى من تلك الذنوب شيئاً، وتبدو حسناته، فود أن الناس كلهم يرونها، ويدعى الكافر والمنافق للحساب، فيعرض عليه ربه عمله، فيجحد ويقول: أي رب وعزتك لقد كتب علي هذا الملك ما لم أعمل، فيقول له الملك: أما عملت كذا في يوم كذا في مكان كذا؟ فيقول: لا، وعزتك أي رب ما عملته، فإذا فعل ذلك، ختم الله تعالى على فيه، قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: فإني أحسب أوّل ما ينطق منه الفخذ اليمنى، ثم تلا: {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}. وقوله تبارك وتعالى: {وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ}؟ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها: يقول: ولو نشاء لأضللناهم عن الهدى، فكيف يهتدون؟ وقال مرة: أعميناهم. وقال الحسن البصري: لو شاء الله لطمس على أعينهم، فجعلهم عمياً يترددون. وقال السدي: يقول: ولو نشاء، أعمينا أبصارهم. وقال مجاهد وأبو صالح وقتادة والسدي: فاستبقوا الصراط، يعني: الطريق. وقال ابن زيد: يعني بالصراط ههنا: الحق، فأنى يبصرون، وقد طمسنا على أعينهم؟ وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: {فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ}: لا يبصرون الحق. وقوله عز وجل: {وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَـٰهُمْ عَلَىٰ مَكَــٰنَتِهِمْ} قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أهلكناهم. وقال السدي: يعني: لغيرنا خلقهم. وقال أبو صالح: لجعلناهم حجارة. وقال الحسن البصري وقتادة: لأقعدهم على أرجلهم، ولهذا قال تبارك وتعالى: {فَمَا ٱسْتَطَـٰعُواْ مُضِيّاً} أي: إلى أمام {وَلاَ يَرْجِعُونَْ} إلى وراء، بل يلزمون حالاً واحداً، لا يتقدمون، و لا يتأخرون.

المحلي و السيوطي

تفسير : ويقا لهم في الآخرة: {هَٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } بها.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {اليوم نختم على أفواههم} فيه وجهان: أحدهما: أن يكون منعها من الكلام هو الختم عليها. الثاني: أن يكون ختماً يوضع عليها فيرى ويمنع من الكلام. وفي سبب الختم أربعة أوجه: أحدها: لأنهم قالوا{أية : والله ربنا ما كنا مشركين }تفسير : فختم الله تعالىعلى أفواههم حتى نطقت جوارحهم، قاله أبو موسى الأشعري. الثاني: لِيَعرفهم أهل الموقف فيتميزون منهم، قاله ابن زياد. الثالث: لأن إقرار غير الناطق أبلغ في الإلزام من إقرار الناطق لخروجه مخرج الإعجاز وإن كان يوماً لا يحتاج فيه إلى الإعجاز. الرابع: ليعلم أن أعضاءه التي كانت لهم أعواناً في حق نفسه صارت عليه شهوداً في حق ربه. {وتُكلِّمنا أيديهم وتشهدُ أرجلهم بما كانوا يكسبون} وفي كلامها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه يظهر منها سِمة تقوم [مقام] كلامها كما قال الشاعر: شعر : وقد قالت العينان سمعاً وطاعة وحَدَّرنا كالدر لما يثَقّبِ تفسير : الثاني: أن الموكلين بها يشهدون عليها. الثالث: أن الله تعالى يخلق فيها ما يتهيأ معه الكلام منها. روى الشعبي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يقال لأركانه انطقي فتنطق بعمله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بُعداً لكنَّ وسحقاً فعنكن كنت أناضل". تفسير : فإن قيل فلم قال {وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم} فجعل ما كان من اليد. كلاماً، وما كان من الرجل شهادة؟ قيل لأن اليد مباشرة لعمله والرجل حاضرة، وقول الحاضر على غيره شهادة، وقول الفاعل على نفسه إقرار، فلذلك عبّر عما صدر من الأيدي بالقول، وعما صدر من الأرجل بالشهادة. وقد روى شريح بن عبيد عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل اليسرى ". تفسير : فاحتمل أن يكون تقدم الفخذ بالكلام على سائر الأعضاء لأن لذة معاصيه يدركها بحواسه التي في الشطر الأعلى من جسده، وأقرب أعضاء الشطر الأسفل منها الفخذ، فجاز لقربه منها أن يتقدم في الشهادة عليها، وتقدمت اليسرى لأن الشهوة في ميامن الأعضاء أقوى منها في مياسرها، فلذلك تقدمت اليسرى على اليمنى لقلة شهوتها. قوله عز وجل: {ولو نشاءُ لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصِّراطَ} فيه وجهان: أحدهما: لأعمينا أبصار المشركين في الدنيا فضلوا عن الطريق فلا يبصرون عقوبة لهم، قاله قتادة. الثاني: لأعمينا قلوبهم فضلوا عن الحق فلم يهتدوا إليه، قاله ابن عباس. قال الأخفش وابن قتيبة: المطموس هو الذي لا يكون بين جفنيه شق مأخوذ من طمس الريح الأثر. {ولو نشاء لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ} فيه ثلاث تأويلات: أحدها: لأقعدناهم على أرجلهم، قاله الحسن وقتادة. الثاني: لأهلكناهم في مساكنهم، قاله ابن عباس. الثالث: لغيّرنا خلْقهم فلا ينقلبون، قاله السدي. {فما استطاعوا مُضِيّاً ولا يرجعون} فيه وجهان: أحدهما: فما استطاعوا لو فعلنا ذلك بهم أن يتقدموا ولا يتأخروا، قاله قتادة. الثاني: فما استطاعوا مُضِيّاً في الدنيا، ولا رجوعاً فيها، قاله أبو صالح.

ابو السعود

تفسير : وقوله تعالى: {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ} استئنافٌ يخاطَبون به بعد تمامِ التَّوبـيخِ والتَّقريعِ والإلزامِ والتَّبكيتِ عند إشرافهم على شفير جهنَّمَ أي كنتم تُوعدونها على ألسنةِ الرُّسلِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ بمقابلة عبادة الشَّيطانِ مثل قولِه تعالى: { أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ منهم أَجْمَعِينَ} تفسير : [سورة ص: الآية 85] وقوله تعالى: { أية : ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاء مَّوفُورًا} تفسير : [سورة الإسراء: الآية 63] وقولِه تعالى: { أية : قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [سورة الأعراف: الآية 18] وغيرِ ذلك مَّما لا يُحصى. وقوله تعالى: {ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} أمر تنكيل وإهانة كقولِه تعالى: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ} تفسير : [سورة الدخان: الآية 49] الخ أي ادخلُوها من فوق وقاسُوا فنون عذابِها اليَّومَ بكفرِكم المستمرِّ في الدُّنيا. وقوله تعالى {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوٰهِهِمْ} أي ختماً يمنعُها عن الكلامِ. التفاتٌ إلى الغَيبةِ للإيذانِ بأنَّ ذكر أحوالِهم القبـيحةِ استدعى أنْ يُعرض عنهم ويَحكي أحوالَهم الفظيعة لغيرهم مع ما فيه من الإيماءِ إلى أنَّ ذلك من مقتضيات الختم لأنَّ الخطاب لتلقِّي الجواب، وقد انفقطع بالكُلَّيةِ، وقُرىء تَختم. {وَتُكَلّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} يُروى أنَّهم يجحدون ويُخاصمون فيشهد عليهم جيرانُهم وأهاليهم وعشائرُهم فيحلفون ما كانُوا مشركين فحينئذٍ يُختم على أفواهِهم وتكلم أيديهم وأرجلُهم. وفي الحديث: « حديث : يقول العبدُ يوم القيامة إنِّي لا أجيزُ عليَّ شاهداً إلا من نفسي فيُختم على فيهِ ويقال لأركانِه انطقي فتنطقُ بأعماله ثم يُخلَّى بـينه وبـين الكلام فيقول بُعداً لكنَّ وسُحقاً فعنكنَّ كنتُ أناضلُ » تفسير : وقيل: تكليمُ الأركانِ وشهادتُها على أفعالها وظهورُ آثارِ المعاصي عليها. وقُرىء وتتكلَّمُ أيديهم وقُرىء ولتكلَّمَنا أيديهم وتشهد بلام كَيْ والنَّصبِ على معنى ولذلك نختِم على أفواهِهم وقُرىء ولتكلِّمْنا أيديهم لتشهدْ بلام الأمرِ والجزمِ {وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ} الطَّمسُ تعفيةُ شقِّ العينِ حتَّى تعودَ ممسوحةً. ومفعول المشيئة محذوفٌ على القاعدة المستمرَّةِ التي هي وقوعها شرطاً وكون مفعولها مضمون الجزاء أي لو نشاء أنْ نطمسَ على أعينهم لفعلناه. وإيثارُ صيغة الاستقبال وإن كان المعنى على المُضيِّ لإفادة أنَّ عدمَ الطَّمس على أعينهم لاستمرار عدمِ المشيئة، فإنَّ المضارعَ المنفيَّ الواقع موقع الماضي ليس بنصَ في إفادة انتفاء استمرارِ انتقائه بحسب المقام كما مرَّ في قوله تعالى: { أية : وَلَوْ يُعَجّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ} تفسير : [سورة يونس: الآية 11] {فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصّرٰطَ} أي فأرادوا أنْ يستبقُوا إلى الطَّريقِ الذي اعتادُوا سلوكَه. على أنَّ انتصابه بنزع الجارِّ أو هو بتضمين الاستباقِ معنى الابتدارِ أو بالظَّرفيةِ {فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ} الطَّريقَ وجهة السلوك.

اسماعيل حقي

تفسير : {هذه جهنم التى كنتم} ايها المرجون {توعدون} اى توعدونها على ألسنة الرسل فى الدنيا فى ازمنتها المتطاولة بمقابلة عبادة الشيطان مثل قوله تعالى {أية : لاملأن جهنم منك وممن تبعك منهم اجمعين} تفسير : وغير ذلك وهو استئناف يخاطبون به من خزنة جهنم بعد تمام التوبيخ والتقريع والالزام والتبكيت عند اشرافهم على شفير جهنم

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : واعلم أن العلم بحقيقة الجحيم والجنة والإيمان بوجودهما من المعارف التي لا بد للسالك من معرفتها، والناس معرضون عنها إعراضهم عن سائر الآيات، لانكبابهم على دواعي النفس والشهوات، وهي كسائر أسرار القيامة مما يختص معرفتها بعلماء الآخرة، وليس لعلماء الدنيا نصيب من هذه المعارف إلاّ الأسامي والرسوم. ولفظة: "هذه"، الموضوعة للمشار إليه القريب، مع لفظة "العِدَة" الموضوعة للأمر المتسوف حصوله، مشعرتان بأن ماهيّة النار والجنّة من أقرب الأشياء إلى ذات العبد ونفسه وروحه، وأن ظهور موعودهما موقوف على قيام الساعة لقوله: {أية : وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ}تفسير : [الشعراء:91] وقوله: {أية : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [العنكبوت:54] وقوله: {أية : إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} تفسير : [الكهف:29]. والإشارة إلى ماهيّتها بوجه، أن الإنسان ما لم يكن عارفاً بالحق لا يمكن سلوكه إليه، والعارف ما لم يكن محباً للحق لا يمكن سلوكه إليه، فالشوق والمحبّة ضَرْبٌ من الوصول، وكمالُهُ هو الحشر مع المحبوب أو النزول في دار ضيافته، فالمحبوب الحقيقي لهم هو الله، ودار رحمته وكرامته هي طبقات الجنان ودرجاتها، ومحبوب أهل الكفر هو الهدى والطاغوت، ودار نُزُله وضيافته هي طبقات الجحيم ودركاتها. لكن المعرفة على درجات مختلفة: الظن، والعلم، والإبصار - أي المشاهدة -. "الظن": لأهل هذه النشأة الدنيوية من حيث يكون فيها، و "العلم": لأهل الآخرة من حيث هم فيها، و "المشاهدة" لأولياء الله، الذين نشأتهم فوق هاتين النشأتين. شأن أرباب الدنيا: {أية : أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ}تفسير : [فصلت:54]. وشأن أهل الآخرة: {أية : ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} تفسير : [الجاثية:26]. وبوجه آخر: العلم في الدنيا والمشاهدة في الآخرة: {أية : كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ}تفسير : [التكاثر:5 - 7] فالأثر الذي يصل أولاً إلى السالك من مطلوبه، الإيمان بوجوده ووجوبه، والأثر الثاني هو الإتقان والتحقيق والمشاهدة: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ}تفسير : [الواقعة:95]. وجميع هذه المراتب، كما يتحقق في المطلوب الخير، كذا يتحقق في مطلوب أهل الشر، إلاّ أن مآل المشاهدة في الأول إلى البقاء والدوام والسعادة المخلّدة، والسرور الدائم والنعيم المقيم، وفي الآخر الدثور والهلاك والزوال والعذاب الأليم، والعقاب الجسيم، فما أشد سخافة رأي أهل الظن والتخمين، حيث يزعمون يومَ القيامة بعيداً عن الإنسان بحسب الزمان والمكان: {أية : وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً}تفسير : [الكهف:36] {أية : وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ}تفسير : [سبأ:53]. وقد علمت فيما مرّ سابقاً، أن أهل العلم واليقين يعلمونه قريباً بحسب الزمان والمكان: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ} تفسير : [القمر:1] {أية : وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ}تفسير : [سبأ:51] {أية : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً}تفسير : [المعارج:6 - 7] وكان نبينا (صلَّى الله عليه وآله وسلم) يشاهد خازن الجنة ويتناول من ثمارها وفواكهها، ويشاهد النار ويتعوذ منها في صلاة الكسوف - كما روي -، ولم يحكم بإيمان حارثة الأنصاري بالحقيقة ما لم يكن مشاهداً للجنة وأهلها يتزاورون، وللنار وأهلها يتعاوَوْن.

اطفيش

تفسير : بها مرارا كثيرة على ألسنة الرسل وأتباعهم، لتتركوا ما يوجبها، ولم تبالوا ولم تستعدوا.

الالوسي

تفسير : استئناف يخاطبون به بعد تمام التوبيخ والتقريع والإلزام والتبكيت عند إشرافهم على شفير جهنم أي هذه التي ترونها جهنم التي لم تزالوا توعدون بدخولها على ألسنة الرسل عليهم السلام والمبلغين عنهم بمقابلة عبادة الشيطان.

ابن عاشور

تفسير : إقبال على خطاب الذين عبدوا معبودات يسوّلها لهم الشيطان، إذ تبدو لهم جهنم بحيث يشار إليها ويعرفون أنها هي جهنّم التي كانوا في الدنيا يُنذرون بها وتُذكر لهم في الوعيد مدة الحياة. والأمر بقوله: {اصلَوْهَا} مستعمل في الإِهانة والتنكير. و {اصلوها} أمر من صلي يصلى، إذا استدفأ بحرّ النار، وإطلاق الصلْي على الإِحراق تهكّم. والتعريف في {اليومَ} تعريف العهد، أي هذا اليوم الحاضر وأريد به جواب ما كانوا يقولون في الحياة الدنيا من استبطاء الوعد والتكذيب إذ يقولون { أية : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } تفسير : [يونس: 48]. والباء في {بِما كنتم تَكْفُرونَ} سببية، أي بسبب كفركم في الدنيا.

د. أسعد حومد

تفسير : (63) - وَيُقَالُ لَهُمْ: هَذِهِ هِيَ جَهَنَّمُ التي كَانَتِ الرُّسُلُ تُحَذِّرُكُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ لَهِيبِهَا وَسَعِيرِها، إِذَا أَقَمْتُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ بِاللهِ، وَضَلاَلِكُمْ وَإِطَاعَتِكُمْ أمرَ الشَّيْطَانِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هنا أيضاً اعتبر التخويفَ من جهنم وعداً لا وعيداً، وسبق أنْ عرفنا أن الوعد في الخير، والوعيد في الشر، ومن ذلك قول الشاعر: شعر : يَا دَهْرُ يَا مُنْجِزَ إيعَادِهِ وَمُخْلِفَ المأْمُولِ مِنْ وَعْدِهِ تفسير : وقُلْنا: سَمَّى ذلك وعداً؛ لأن التحذير من الشر قبل الوقوع فيه يُعَدُّ خيراً؛ لأنك تستطيع تدارك الأمر، وتصحيح الخطأ. وقوله سبحانه: {ٱصْلَوْهَا} [يس: 64] ادخلوها، واصْطَلُوا بنارها، واحترقوا بلظَاهَا، {ٱلْيَوْمَ} [يس: 64] أي: يوم الجزاء اليوم القائم الذي نحن فيه، أما ما قبله فقد مضى ومضتْ معه اللذات التي جاءت بكم إلى النار، ذهبتْ اللذات وبقيتْ تبعتها، ولم يعُد أمامكم إلا النار تحترقون فيها {بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} [يس: 64] يعني: هذه النار ليست ظُلْماً، إنما جزاء كفركم بنعمة الله، وهذا تقريع لهم؛ لأنهم لم يعرفوا للحق سبحانه نعمه عليهم، ولو عرفوا لله هذه النعمة ما كفروا بها. لذلك حين تُحسِن إلى إنسان، فيقابل إحسانك بالإساءة يخجل أن يقابلك، ويستطيع أنْ يتحمل منك أيَّ عقاب، إلا أن تواجهه أنت، لماذا؟ لأن حياء المسيء من المحسن أشدُّ عليه من العذاب، فكأن الله تعالى يقول لهؤلاء الكفرة بنعمه: استحيوا من الله، لأنه أنعم عليكم فكفرتم بنعمه، ولو أن عندكم إحساساً لكان تذكيركم بكفركم أشدَّ عليكم من هذه النار التي تَصْلوْنها. ثم يقول سبحانه واصفاً حالهم، والعياذ بالله: {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [يس: 65]. قوله: {ٱلْيَوْمَ} [يس: 65] أي: يوم القيامة والجزاء {نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ} [يس: 65]. نضرب عليها فلا يستطيعون الكلام، فالأفواه مَنَاط الكلام، وقبل أن يختم الله على أفواههم في الآخرة ختم على قلوبهم في الدنيا، بالأمس ختم اللهُ على القلوب فلا يدخلها إيمان ولا يخرج منها كفر، واليوم ختم الله على الأفواه ومنعهم الكلام، حتى لا يعتذرون ولا يستغفرون. فالمقام هنا مقام حساب لا عمل، فلا جدوى من الاستغفار، ولا فائدة من الاعتذار، بل انتهى أوان الكلام والمنطق، ولم يعُد للسان دَوْر، اليوم تُغْلَق الأفواه وتُقيَّد الألسنة لتنطق الجوارح. وتأمل بعدها: {وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [يس: 65] القياس كان يقتضي أنْ يقول الحق سبحانه {1649;لْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ} [يس: 65]. ومثلها: ونُنْطِق أيديهم ونُشهِد أرجلهم، لكن السياق القرآني هنا مختلف، فبعد أنْ يختمَ اللهُ على أفواههم تُكلمنا أيديهم تطوعاً لا أمراً، وتشهد أرجلهم تطوعاً لا أمراً، فلم نقل للأيدي: تكلمي، ولم نقل للأرجل: اشهدي. وإنما تطوعتْ هذه الجوارح بالشهادة، مع أنها هي نفس الجوارح التي بُوشِرت بها المعاصي والذنوب في الدنيا، ومع ذلك تشهد لا على نفسها، إنما على النفس الواعية التي أخضع اللهُ لها الجوارح، وأمرها أن تسير وِفْق مرادها، ورهْنَ إشارتها في الدنيا. أما ونحن الآن في الآخرة، وقد تحررتْ الجوارحُ من تبعيتها للنفس الواعية، وأصبح الملْكُ كله والتفويض كله لله تعالى، فالآن تتكلم الجوارحُ بما تريد، وتشهد بما كان أمام الرب الأعلى سبحانه. وسبق أنْ مثَّلْنَا هذه المسألة بالكتيبة من الجيش يرسلها القائد الأعلى، وعلى الكتيبة أن تطيع أوامر قائدها المباشر، ولو كانت الأوامر خاطئة، إلى أن تعود إلى الأعلى، فتشكو له ما كان من القائد المباشر، هكذا الجوارح يوم القيامة. فإنْ قلتَ: فلماذا أسند التكلم للأيدي، والشهادة للأرجل؟ نقول: لأن جمهرة الأعمال عادة تُسند إلى الأيدي، حتى لو كان المشي وسيلة العمل، وطالما أن الأيدي تتكلم، فكأنها أصبحتْ مُدَّعية تحتاج إلى شاهد فتشهد الأرجل. أما مسألة: كيف تنطق الأيدي، فالذي أنطق اللسان وهو قطعة من لحم ودم قادر على أنْ يُنْطِق باقي الأعضاء الأيدي أو غيرها، وما دام الفعلُ لله تعالى فلا داعيَ للسؤال عن الكيفية، ثم إن الأيدي بها من الأعصاب أكثر مما بأعضاء الكلام. وقوله تعالى: {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [يس: 65] ولم يقُلْ: بما كانوا يعملون، لأن هناك فرقاً بين إنسان يُقبل على المعصية لكنه لا يفرح بها، بل يندم عليها ويعاقب نفسه على ارتكابها، وآخر يعتبر ارتكاب المعصية مكسباً فيفرح بها، ويتحدث عنها ويتباهى بارتكابها. ومن حيث التحقيق اللغوي لمادة (كسب)، فإن هذا الفعل يأتي مجرداً (كسب)، ويدل على الربح في البيع والشراء، وعلى العمل يأتي من الإنسان طبيعياً، لا تكلُّفَ فيه ولا افتعال، وغالباً ما يُستخدم في الخير. ويأتي هذا الفعل مزيداً بالهمزة والتاء (اكتسب)، ويدل على الافتعال والتكلّف، وتُستخدم هذه الصيغة في الإثم، وأوضحنا هذه المسألة فقلنا: إن الإنسان حين يفعل الخير يأتي الفعلُ منه طبيعياً تلقائياً، أما الشر فيتلصص له ويحتال، ذلك لأن الخير هَيِّن ليِّن سهل مقبول، أما الإثم فشَاقٌّ مخجل. أنت حين تجلس مثلاً بين أهلك ترى زوجك أو بناتك أو عمتك أو خالتك.. الخ وفيهن الجميلات والحسان، وأنت تنظر إليهن جميعاً دون تكلُّف ودون خجل، لأنه أمر طبيعي، أنا مع غير المحارم ومع مَنْ يحرم عليك النظر إليهن، فإنك تسرق النظرة وتحتال لها، حتى لا ينكشف أمرك، ولا يطلع أحد على نقيصتك. فإذا جاءت كسب محل اكتسب، فاعلم أن صاحب المعصية ومرتكب الإثم قد تعوَّد عليه وألِفه، حتى أنه يفعله كأمر طبيعي فلا يخفيه ولا يستحي منه، بل يجاهر به، فَعَدّ الاكتساب في حقه كسباً، كما في هذه الآية: {وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [يس: 65].

الجيلاني

تفسير : وقيل لهم حينئذ مشيراً إلى منقبلهم ومثواهم: {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ} أيها الضالون، الغاوون، المغرورون {تُوعَدُونَ} [يس: 63] في النشأة ا لأولى بألسنة الرسل والكتب. {ٱصْلَوْهَا} وادخلوها {ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} [يس: 64] أي: بشؤم ما تنكرون بذات الله وكمال أسمائه وصفاته، وبما تكذبون كتبه ورسله، وتعرضون عنهم وعن دعوتهم ظلماً وعدواناً. وبعدما عاينوا العذاب وأنواع النكال، وعلموا أن أسبابها ما هي إلا أفعالهم الصادرة عنهم في دار الاختبار عزموا على الإنكار، وقصدوا أن يقولوا معتذرين: والله ما كنا يا ربنا مشركين لك، مكذبين كتبك ورسلك، فيقول الله تعالى: {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ} ونمنعها عن الكلام؛ حتى لا تتفوهوا بالأعذار الكاذبة {وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ} لتكلمن بما صدر عنهم ظلماً وعداوناً {وَتَشْهَدُ} أيضاً {أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [يس: 65] بها من المعاصي والسعي في طلب المنهيات والمحرمات. وبالجملة: أنطق الله القدير العليم الخبير الحكيم جميع جوارحهم وأركانهم، فاعترف كل منها بما اقترف به صاحبه. وي الحديث - صلوات الله وسلامه على قائله: "حديث : يقال للعبد: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالكرام الكاتبين شهوداً، ثم قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، فتنطق كل بأعماله، ثم يُخلَّى بينه وبين الكلام، فيقول للجوارح بعدما أقرت واعترفت: بُعداً لَكُنذَ وسُحقاً، فعنكُنَّ كنت أناضَل"تفسير : انتهى الحديث. والسر في إنطاق الله سبحانه الأعضاء والجوارح بما صدر عنها هو الإشارة إلى أن الالتفات إلى السوى والأغيار مطلقاً مضر لذوي الألباب والاعتبار، وسبب تفضيح وتخذيل لدى الملك الجبار الغيور القهار، فلا تذهب إلاَّ إلى الله، ولا تصحب إلاَّ مع الله، ولا تعتمد إلاَّ بالله، ولا تتوكل إلاَّ على الله، فاتخذه سبحانه وكيلاً، وكفاك سبحانه حسيباً وكفيلاً. رزقك الله وإيَّانا حلاوة صحبته، وجنبك وإيَّانا عن الالتفات إلى غيره بمنِّه وجوده. ثم قال سبحانه إظهاراً لكمال قدرته واختباره: {وَ} كما ختمنا على أفواههم حينئذ وطبعنا على قلوبهم قبل ذلك حينما قبلوا دعوة الرسل {لَوْ نَشَآءُ} أن نعيمهم ونذهب بأبصارهم {لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ} وصيرناها مطموسة ممسوحة كسائر أعضائهم، بحيث لا يبدو لها جفن ولا شق {فَٱسْتَبَقُواْ} وبادروا {ٱلصِّرَاطَ} والطريق المعهود لهم، وهم قد مروا عليها مراراً كثيرة {فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ} [يس: 66] فكيف يبصرون بعدما صاروا مطموسين. بل {وَلَوْ نَشَآءُ} أي: نسقطهم عن ربقة التكليف ودرجة الاعتبار {لَمَسَخْنَاهُمْ} وأخرجناهم عن رتبة الإنسانية إلى الحيوانية، بل عن الحيوانية إلى الجمادية أيضاً، إلى أن صاروا جامدين خامدين {عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ} كالجمادات الأخر بحيث لا يسع أن يتحولوا عنها أصلاً {فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ} [يس: 67] يعني: لو نشاء مسخناهم وأخرجناهم عن رتبة الخلافة والنيابة وفطرة التكليف والتوحيد، لصيرناهم جمادات لا قدرة لهم على الذهاب والإياب أصلاً. وبالجملة: هم بسبب أعمالهم الفاسدة وأفعالهم القبيحة وأوصافهم الذميمة وأخلاقهم الغير مرضية أحقاء أن يُفعل لهم ما ذكرنا، لكن سبقت رحمتنا واقتضت حكمتنا أن نمهلهم زماناً إلى أن يتنبهوا أو يتولد منهم من يتنبه ويتفطن. {وَ} كيف لا نقدر على الطمس والمسخ مع أنَّا بمقتضى قدرتنا وقوتنا {مَن نُّعَمِّرْهُ} منهم، ونطيل عمره في الدنيا {نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ} ونضعفه بالآخرة إلى أن نرده إلى أرذل العمر؛ لكيلا يعلم بعد علم شيئاً، ثم نميت الكل ونصيرهم تراباً وعظاماً، ولا شك أن من قدر على الإحياء والإماتة والتطويل والتنكيس، قادر على المسخ والتطميس، فمن أين يتأتى لهم أن ينكروا قدرتنا واختيارنا في أفعالنا، واستقلالنا في تصرفات ملكنا وملكوتنا؟! {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ} [يس: 68] ويتأملون آثار قدرتنا الكاملة الظاهرة على الآفاق والأنفس أولئك العقلاء المتأملون حتى يتفطنوا ويتيقنوا بها.