Verse. 3770 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلٰۗي اَفْوَاہِہِمْ وَتُكَلِّمُنَاۗ اَيْدِيْہِمْ وَتَشْہَدُ اَرْجُلُہُمْ بِمَا كَانُوْا يَكْسِبُوْنَ۝۶۵
Alyawma nakhtimu AAala afwahihim watukallimuna aydeehim watashhadu arjuluhum bima kanoo yaksiboona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(اليوم نختم على أفواههم) أي الكفار لقولهم "والله ربنا ما كنا مشركين" (وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم) وغيرها (بما كانوا يكسبون) فكل عضو ينطق بما صدر منه.

65

Tafseer

الرازي

تفسير : في الترتيب وجوه الأول: أنهم حين يسمعون قوله تعالى: {أية : بِمَا كنتم تَكْفُرُونِ } تفسير : [يس: 64] يريدون (أن) ينكروا كفرهم كما قال تعالى عنهم ما أشركنا وقالوا آمنا به فيختم الله على أفواههم فلا يقدرون على الإنكار وينطق الله غير لسانهم من الجوارح فيعترفون بذنوبهم الثاني: لما قال الله تعالى لهم: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ } تفسير : [يس: 60] لم يكن لهم جواب فسكتوا وخرسوا وتكلمت أعضاؤهم غير اللسان، وفي الختم على الأفواه وجوه: أقواها، أن الله تعالى يسكت ألسنتهم فلا ينطقون بها وينطق جوارحهم فتشهد عليهم، وإنه في قدرة الله يسير، أما الإسكات فلا خفاء فيه، وأما الإنطاق فلأن اللسان عضو متحرك بحركة مخصوصة فكما جاز تحركه بها جاز تحرك غيره بمثلها والله قادر على الممكنات والوجه الآخر أنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانتهاك أستارهم فيقفون ناكسي الرؤوس وقوف القنوط اليؤوس لا يجد عذراً فيعتذر ولا مجال توبة فيستغفر، وتكلم الأيدي ظهور الأمور بحيث لا يسع معه الإنكار حتى تنطق به الأيدي والأبصار، كما يقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار، إشارة إلى ظهور الحزن، والأول الصحيح وفيه لطائف لفظية ومعنوية. أما اللفظية فالأولى منها: هي أن الله تعالى أسند فعل الختم إلى نفسه وقال: {نَخْتِمُ } وأسند الكلام والشهادة إلى الأيدي والأرجل، لأنه لو قال تعالى: نختم على أفواههم وتنطق أيديهم يكون فيه احتمال أن ذلك منهم كان جبراً وقهراً والإقرار بالإجبار غير مقبول فقال تعالى: {وَتُكَلّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ } أي باختيارها بعد ما يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب منهم الثانية: منها هي أن الله تعالى قال: {تُكَلّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ } جعل الشهادة للأرجل والكلام للأيدي لأن الأفعال تسند إلى الأيدي قال تعالى: {أية : وَمَا عَمِلتَهُ أَيْدِيهِمْ } تفسير : [يس: 35] أي ما عملوه وقال: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ } تفسير : [البقرة: 195] أي ولا تلقوا بأنفسكم فإذا الأيدي كالعاملة، والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره فجعل الأرجل والجلود من جملة الشهود لبعد إضافة الأفعال إليها، وأما المعنوية فالأولى: منها أن يوم القيامة من تقبل شهادته من المقربين والصديقين كلهم أعداء للمجرمين وشهادة العدو على العدو غير مقبولة، وإن كان من الشهود العدول وغير الصديقين من الكفار والفساق غير مقبول الشهادة فجعل الله الشاهد عليهم منهم، لا يقال الأيدي والأرجل أيضاً صدرت الذنوب منها فهي فسقة فينبغي أن لا تقبل شهادتها، لأنا نقول في رد شهادتها قبول شهادتها، لأنها إن كذبت في مثل ذلك اليوم فقد صدر الذنب منها في ذلك اليوم، والمذنب في ذلك اليوم مع ظهور الأمور، لا بد من أن يكون مذنباً في الدنيا،وإن صدقت في ذلك اليوم فقد صدر منها الذنب في الدنيا، وهذا كمن قال لفاسق: إن كذبت في نهار هذا اليوم فعبدي حر، فقال الفاسق: كذبت في نهار هذا اليوم عتق العبد، لأنه إن صدق في قوله كذبت في نهار هذا اليوم فقد وجد الشرط ووجب الجزاء، وإن كذب في قوله كذبت فقد كذب في نهار ذلك اليوم، فوجد الشرط أيضاً بخلاف ما لو قال في اليوم الثاني كذبت في نهار اليوم الذي علقت عتق عبدك على كذبي فيه. المسألة الثانية: الختم لازم الكفار في الدنيا على قلوبهم وفي الآخرة على أفواههم، ففي الوقت الذي كان الختم على قلوبهم كان قولهم بأفواههم، كما قال تعالى: {أية : ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوٰهِهِمْ } تفسير : [التوبة: 30] فلما ختم على أفواههم أيضاً لزم أن يكون قولهم بأعضائهم، لأن الإنسان لا يملك غير القلب واللسان والأعضاء، فإذا لم يبق القلب والفم تعين الجوارح والأركان.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال: «حديث : هل تدرون ممّ أضحك؟ ـ قلنا الله ورسوله أعلم قال ـ من مخاطبة العبد ربه، يقول يا رب ألم تُجِرني من الظُّلْم قال يقول بلى فيقول فإني لا أجيز على نفسي إلاّ شاهداً منّي قال فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالكرام الكاتبين شهوداً قال فيختم على فيه فيقال لأركانه ٱنطقي قال فتنطق بأعماله قال ثم يخلَّى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكنّ وسُحقًا فعنكنّ كنت أناضِل»تفسير : خرجه أيضاً من حديث أبي هريرة. وفيه: «حديث : ثم يقال له الآن نبعث شاهدَنا عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد عليّ فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه ٱنطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليُعذِر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه»تفسير : . وخرج الترمذي عن معاوية بن حَيْدَة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذكره قال: وأشاره بيده إلى الشام فقال «حديث : من هاهنا إلى هاهنا تحشرون ركباناً ومشاة وتجرّون على وجوهكم يوم القيامة على أفواهكم الفِدَام توفون سبعين أمة أنتم خيرهم وأكرمهم على الله وإن أول ما يعرِب عن أحدكم فخذه»تفسير : في رواية أخرى «فخذه وكفّه» الفِدام مصْفاة الكوز والإبريق؛ قاله الليث. قال أبو عبيد: يعني أنهم منعوا الكلام حتى تكلم أفخاذهم فشبه ذلك بالفِدام الذي يجعل على الإبريق. ثم قيل في سبب الختم أربعة أوجه: أحدها ـ لأنهم قالوا {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعام: 23] فختم الله على أفواههم حتى نطقت جوارحهم؛ قاله أبو موسى الأشعري. الثاني ـ ليعرفهم أهل الموقف فيتميزون منهم؛ قاله ٱبن زياد. الثالث ـ لأن إقرار غير الناطق أبلغ في الحجة من إقرار الناطق؛ لخروجه مخرج الإعجاز، وإن كان يوماً لا يحتاج إلى إعجاز. الرابع ـ ليعلم أن أعضاءه التي كانت أعواناً في حق نفسه صارت عليه شهوداً في حق ربه. فإن قيل: لم قال {وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ} فجعل ما كان من اليد كلاماً، وما كان من الرجل شهادة؟ قيل: إن اليد مباشرة لعمله والرجل حاضرِة، وقول الحاضر على غيره شهادة، وقول الفاعل على نفسه إقرار بما قال أو فعل؛ فلذلك عبر عما صدر من الأيدي بالقول، وعما صدر من الأرجل بالشهادة. وقد روي عن عُقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فَخِذه من الرِّجل اليسرى»تفسير : ذكره الماوردي والمهدوي. وقال أبو موسى الأشعري: إني لأحسب أن أول ما ينطق منه فخذه اليمنى؛ ذكره المهدوي أيضاً. قال الماوردي: فاحتمل أن يكون تقدم الفخذ بالكلام على سائر الأعضاء؛ لأن لذة معاصيه يدركها بحواسه التي هي في الشطر الأسفل منها الفخذ، فجاز لقربه منها أن يتقدم في الشهادة عليها. قال: وتقدمت اليسرى؛ لأن الشهوة في ميامن الأعضاء أقوى منها في مياسرها؛ فلذلك تقدمت اليسرى على اليمنى لقلة شهوتها. قلت: أو بالعكس لغلبة الشهوة، أو كلاهما معاً والكفّ؛ فإن بمجموع ذلك يكون تمام الشهوة واللذة. والله أعلم. قوله تعالى: {وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ } حكى الكسائي: طَمَس يَطمِس ويَطمُس. والمطموس والطَّمِيس عند أهل اللغة الأعمى الذي ليس في عينيه شقّ. قال ٱبن عباس: المعنى لأعميناهم عن الهدى، فلا يهتدون أبداً إلى طريق الحق. وقال الحسن والسّدي: المعنى لتركناهم عمياً يترددون. فالمعنى لأعميناهم فلا يبصرون طريقاً إلى تصرفهم في منازلهم ولا غيرها. وهذا ٱختيار الطبري. وقوله: {فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ} أي ٱستبقوا الطريق ليجوزوا «فَأَنَّى يُبْصِرُونَ» أي فمن أين يبصرون. وقال عطاء ومقاتل وقتادة وروي عن ابن عباس: ولو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم، وأعميناهم عن غَيِّهم، وحوّلنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى؛ فاهتدوا وأبصروا رشدَهم، وتبادروا إلى طريق الآخرة. ثم قال: {فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ} ولم نفعل ذلك بهم؛ أي فكيف يهتدون وعين الهدى مطموسة، على الضلال باقية. وقد روي عن عبد الله بن سلاَم في تأويل هذه الآية غير ما تقدّم، وتأولها على أنها في يوم القيامة. وقال: إذا كان يوم القيامة ومُدَّ الصراط، نادى منادٍ ليقم محمد صلى الله عليه وسلم وأمته؛ فيقومون بَرُّهم وفاجرهم يتبعونه ليجوزوا الصراط، فإذا صاروا عليه طمس الله أعين فُجَّارهم، فاستبقوا الصراط فمن أين يبصرونه حتى يجاوزوه. ثم ينادي منادٍ ليقم عيسى صلى الله عليه وسلم وأمته؛ فيقوم فيتبعونه برّهم وفاجرهم فيكون سبيلهم تلك السبيل، وكذا سائر الأنبياء عليهم السلام. ذكره النحاس وقد كتبناه في التذكرة بمعناه حسب ما ذكره ابن المبارك في رقائقه. وذكره القشيري. وقال ابن عباس رضي الله عنه: أخذ الأسود بن الأسود حجراً ومعه جماعة من بني مخزوم ليطرحه على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فطمس الله على بصره، وألصق الحجر بيده، فما أبصره ولا ٱهتدى، ونزلت الآية فيه. والمطموس هو الذي لا يكون بين جفنيه شَقّ، مأخوذ من طَمَس الريحُ الأثَر؛ قاله الأخفش والقتبي. قوله تعالى: {وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ } المسخ: تبديل الخِلقة وقلبها حجراً أو جماداً أو بهيمة. قال الحسن: أي لأقعدناهم فلا يستطيعون أن يمضوا أمامهم ولا يرجعوا وراءهم. وكذلك الجماد لا يتقدم ولا يتأخر. وقد يكون المسخ تبديل صورة الإنسان بهيمة، ثم تلك البهيمة لا تعقل موضعاً تقصده فتتحير، فلا تقبِل ولا تُدبِر. ٱبن عباس رضي الله عنه: المعنى لو نشاء لأهلكناهم في مساكنهم. وقيل: المعنى لو نشاء لمسخناهم في المكان الذي اجترءوا فيه على المعصية. ٱبن سلام: هذا كله يوم القيامة يطمس الله تعالى أعينهم على الصراط. وقرأ الحسن والسُّلَمي وزِرُّ بن حُبَيش وعاصم في رواية أبي بكر: «مَكَانَاتهِمْ» على الجمع، الباقون بالتوحيد. وقرأ أبو حَيْوَة: «فَمَا ٱسْتَطَاعُوا مَضِيًّا» بفتح الميم. والمضي بضم الميم مصدر يَمضي مُضيًّا إذا ذهب. قوله تعالى: {وَمَن نّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ} قرأ عاصم وحمزة «نُنَكِّسْه» بضم النون الأولى وتشديد الكاف من التنكيس. الباقون «نَنْكُسْه» بفتح النون الأولى وضم الكاف من نكستُ الشيءَ أَنْكسُه نَكْساً قلبته على رأسه فانتكس. قال قتادة: المعنى أنه يصير إلى حال الهرم الذي يشبه حال الصبا. وقال سفيان في قوله تعالى: {وَمَن نّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ} إذا بلغ ثمانين سنة تغيّر جسمه وضعفت قوّته. قال الشاعر:شعر : من عاش أخلقتِ الأيامُ جِدّتَهُ وخانه ثِقَتَاه السَّمْع والبصرُ تفسير : فطول العمر يصيِّر الشباب هَرَما، والقوّة ضعفاً، والزيادة نقصاً، وهذا هو الغالب. وقد تعوّذ صلى الله عليه وسلم من أن يردّ إلى أرذل العمر. وقد مضى في «النحل» بيانه. {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ} أنّ من فعل هذا بكم قادر على بعثكم. وقرأ نافع وٱبن ذكوان: «تَعقِلون» بالتاء. الباقون بالياء.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوٰهِهِمْ } أي الكفار لقولهم { أية : واللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِيْنَ } تفسير : [23:6] {وَتُكَلِّمُنآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ } وغيرها {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } فكل عضو ينطق بما صدر منه.

ابن عبد السلام

تفسير : {نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ} ليعرفهم أهل الموقف فيتميزون منهم، أو لأن إقرار غير الناطق وشهادته أبلغ من إقرار الناطق، أو ليعلم أن أعضاءه التي أعانته في حق نفسه من المعصية صارت شهوداً عليه في حق الله، أو إذا قالوا {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }تفسير : [الأنعام: 23] ختم على أفواههم حتى نطقت جوارحهم {وَتُكَلِّمُنَآ} نطقاً، أو يظهر منها ما يقوم مقام الكلام، أو إن الموكلين بها يشهدون عليها. وسمي كلام الأرجل شهادة لأن العمل باليد والرجل حاضرة وقول الحاضر على غيره شهادة وقول الفاعل على نفسه إقرار فعبّر عما صدر عن الأيدي بالكلام وعما صدر عن الأرجل بالشهادة قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"حديث : أول عظم [من الإنسان] يتكلم فخذه من الرجل اليسرى ".

البقاعي

تفسير : ولما كان كأنه قيل: هل يحكم فيهم بعلمه أو يجري الأمر على قاعدة الدنيا في العمل بالبينة، بين أنه على أظهر من قواعد الدنيا، فقال مهولاً لليوم على النسق الماضي في مظهر العظمة لأنه أليق بالتهويل: {اليوم نختم} أي بما لنا من عجيب القدرة المنشعبة من العظمة، ولفت القول إلى الغيبة إيذاناً بالإعراض لتناهي الغضب فقال: {على أفواههم} أي لاجترائهم على الكذب في الأخرى كما كان ديدنهم في الدنيا، وكان الروغان والكذب والفساد إنما يكون باللسان المعرب عن القلب، وأما بقية الجوارح فمهما خرق العادة بإقدارها على الكلام لم تنطق إلا بالحق فلذلك قال: {وتكلمنا أيديهم} أي بما عملوا إقراراً هو أعظم شهادة {وتشهد أرجلهم} أي عليهم بكلام بين هو مع كونه شهادة إقرار {بما كانوا} أي في الدنيا بجبلاتهم {يكسبون *} فالآية من الاحتباك: أثبت الكلام للأيدي أولاً لأنها كانت مباشرة دليلاً على حذفه من حيز الأرجل ثانياً، وأثبت الشهادة للأرجل ثانياً لأنها كانت حاضرة دليلاً على حذفها من حيز الأيدي أولاً، وبقرينه أن قول المباشر إقرار وقول الحاضر شهادة، روى مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: حديث : يقول العبد: يا رب! ألم تجرني من الظلم، قال: فيقول: بلى، فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلي بينه وبين الكلام فيقول: بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنت أناضلتفسير : . وبالظاهر أن السر في الختم على فيه منعه من أن يلغط حال شهادتها عليه لئلا يسمع قولها، وكما هو دأب أهل العناد عند الخصام. ولما أتم بضرب المثل وما بعده الدلالة على مضمون {إنما تنذر من اتبع الذكر} وما عللت به من إحياء الموتى، ودل على ذلك بما تركه كالشمس ليس فيه لبس، وزاد من بحو الفوائد وجميل العوائد ما ملأ الأكوان من موجبات الإيمان، وذكر ما في فريقي المتبعين والممتنعين يوم البعث، وختم بالحتم على الأفواه بعد البعث، أتبعه آية الختم بالطمس والمسخ قبل الموت تهديداً عطفاً على ما رجع إليه المعنى مما قبل أول ذلك الخطاب من قوله {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً} الآية، دفعاً لما ربما وقع في وهم أحد أن القدرة لا تتوجه إلى غير الطمس في المعاني بضرب السد وما في معناه، فأخبر أنه كما أعمى البصائر قادر على إذهاب الأبصار، فقال مؤكاً لما لهم من الإنكار أو الأفعال التي هي فعل المنكر: {ولو} وعبر بالمضارع في قوله: {نشآء} ليتوقع في كل حين، فيكون أبلغ في التهديد {لطمسنا} وقصر الفعل إشارة إلى أن المعنى: لو نريد لأوقعنا الطمس الذي جعلناه على بصائرهم {على أعينهم} فأذهبنا عينها وأثرها، وجعلناها مساوية للوجه بحيث تصير كأنها لم تكن أصلاً، وقد تقدم في النساء نقل معنى هذا عن ابن هشام. ولما كان الجالس مع شخص في مجلس التنازع وهو يهدده إن لم يرجع عن غيه بقارعة يصيبه بها يبادر الهرب إذا فاجأته منه مصيبة كبيرة خوفاً من غيرها جرياً مع الطبع لما ناله من الدهش، ومسه من عظيم الانزعاج والوجل، كما اتفق لقوم لوط عليه السلام لما مسح جبريل عليه السلام أعينهم فأغشاها حين بادروا الباب هراباً يقولون: عند لوط أسحر الناس، سبب عن ذلك قوله: {فاستبقوا} أي كلفوا أنفسهم ذلك وأوجدوه. ولما كان المقصود بيان إسراعهم في الهرب، عدى الفعل مضمناً له معنى (ابتدروا) كما قال تعالى: {أية : واستبقوا الخيرات} تفسير : [البقرة: 148] فقال: {الصراط} أي الطريق الواضح الذي ألفوه واعتادوه، ولهم به غاية المعرفة. ولما كان الأعمى لا يمكنه في مثل هذه الحالة المشي بلا قائد فضلاً عن المسابقة، سبب عن ذلك قوله منكراً: {فأنى} أي كيف ومن أين {يبصرون *} أي فلم يهتدوا للصراط لعدم إبصارهم بل تصادموا فتساقطوا في المهالك وتهافتوا. ولما كان هذا كله مع القدرة على الحركة قال: {ولو نشاء} أي أن نمسخهم {لمسخناهم} أي حولناهم إلى الجمادية فأبطلنا منهم الحركة الإرادية. ولما كان المقصود المفاجأة بهذه المصائب بياناً لأنه سبحانه لا كلفة عليه في شي من ذلك قال: {على مكانتهم} أي المكان الذي كان قبل المسخ كل شخص منه شاغلاً له بجلوس أو قيام أو غيره في ذلك الموضع خاصة قبل أن يتحرك منه، وهو معنى قراءة شعبة عن عاصم "مكانتهم" ودل على أن المراد التحويل إلى أحوال الجمادية بما سبب عن ذلك من قوله: {فما استطاعوا} أي بأنفسهم بنوع معالجة {مضيّاً} أي حركة إلى جهة من الجهات؛ ثم عطف على جملة الشرط قوله: {ولا يرجعون *} أي يتجدد لهم بوجه من الوجوه رجوع إلى حالتهم التي كانت قبل المسخ دلالة على أن هذه الأمور حق لا كما يقولون من أنها خيال وسحر، بل ثباتها لا يمكن أحداً من الخلق رفعه ولا تغيره بنوع تغيير هذا المراد إن شاء الله، ولو قيل: ولا رجوعاً - كما قال بعضهم إنه المراد، لم يفد هذا المعنى النفيس. ولما كانت هذه أموراً فرضية يتأتى لبعض المعاندين اللد الطعن فيها مكابرة، وكان كونه صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة مانعاً من المفأجاة بالتعذيب بعذاب الاستئصال بها، دل عليها بما يشاهدونه من باهر قدرته وغريب حكمته في صنعته، فقال دالاً بالعاطف على غير معطوف عليه ظاهر على أن التقدير: فقد خلقناهم نطفاً ثم علقاً ثم مضغاً ثم أولدناهم لا يعلمون شيئاً ولا يقدرون على شيء، ثم درجناهم في أطوار الأسنان معلين لهم في معارج القوى الظاهرة والباطنة إلى أن صاروا إلى حد الأشد - وهو استكمال القوى البشرية - فأوقفنا قواهم الظاهرة والباطنة، فلم نجر العادة بأن نحدث فيهم إذ ذاك قوة لم تكن أيام الشباب: {ومن نعمره} أي نطل عمره إطالة كبيرة منهم بعد ذلك {ننكسه} وقراءة عاصم وحمزة بضم أوله وفتح ثانيه وكسر الكاف مشددة دالة على تفاوت الناس في النكس، ولم يقل "في خلقه" لئلا يظن أن المراد أن المعمر له خلق أنشأه وأبدعه {في الخلق} أي فيما أبدعناه من تقدير بدنه وروحه أي نرده على عقبه نازلاً في المدارج التي أصعدناه فيها إلى أن تضمحل قواه الحسية فيكون كالطفل فلا يقدر على شيء, والمعنوية فلا يعلم شيئاً، ومن قدر على مثل هذا التحويل من حالة إلى أخرى لم تكن طرداً وعكساً قدر على مثل ما مضى من التحويل بلا فرق، غير أنهم لكثرة إلفهم لذلك صيره عندهم هيناً، ولقلة وجود الأول صيره عندهم بعيداً، ولذلك سبب عن الكلام قوله: على الأسلوب الماضي في قراءة الجماعة ولفتاً إلى الخطاب عند المدنيين ويعقوب لأنه أقرب إلى الاستعطاف وإعلاماً بأن الوعظ عام لكل صالح للخطاب: {أفلا يعقلون *} وقال بعض العارفين: قيد بالخلق احترازاً عن الأمر، فإن المؤتمر كلما زاد سنّاً ازداد لربه طاعة وبه علماً، يعني أن النكس في البدن أمر لا بد منه، وأما في المعارف فتارة وتارة. ولما أتم سبحانه الدليل على آية {لقد حق القول على أكثرهم} بأن التكذيب بالأصلين التوحيد والحشر، وبينهما غاية البيان، رجع إلى تثبيت الأصل الثالث وهو أمر الرسول والتنزيل، ولما كان من المعلوم أن الله تعالى أجرى العادة في النوع الآدمي أن من استوفى سن الصبا والشباب اثنين وأربعين سنة حسمت غرائزه فلم يزد فيه غريزة، ووقفت قواه كلها فلم يزد فيها شيء، أما المعاني الحسية فمطلقاً، وأما المعنوية فلا تزيد إلا بالتجربة والكسب، ولذلك قالوا: شعر : إذا المرء أعيته المروءة ناشئاً فمطلبها كهلاً عليه شديد تفسير : وكان من المعلوم أن الأنبياء عليهم السلام تظهر عليهم غرائز العلوم والحكم وغير ذلك مما يجريه الله على أيديهم، ولا ينقص شيء من قواهم بل تزاد كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي غير مكترث، وأن الصحابة رضي الله عنهم ليجهدون أنفسهم، فيكون جهدهم أن يدركوا مشية الهوينا، وأنه صارع ركانة الذي كان يضرب بقوته المثل، وكان واثقاً من نفسه بأنه يصرع من صارعه، فلم يملكه النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، وعاد إلى ذلك ثلاث مرات، كل ذلك لا يستمسك في يده حتى شرع يقول: أن هذا لعجب يا محمد! أتصرعني، وحتى أنه دار على نسائه - وهن تسع - كل واحدة منهن تسع مرات في طلق واحد إلى غير ذلك مما يحكى من قواه التي فاق بها الناس، ولم يحك عن نبي من الأنبياء ممن عاش منهم ألفاً ومن عاش دون ذلك أنه نقص شيء من قواه، بل قد ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه حديث : أن ملك الموت عليه السلام أرسل إلى موسى عليه السلام ليقبض روحه فلما جاءه صكه ففقأ عينه فقال لربه: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: ارجع إليه فقل له: يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة، قال: أي رب! ثم ماذا؟ قال: الموت، قال فالآنتفسير : . وفي آخر التوراة: وقضى عبد الله موسى بأرض موآب بأمر الرب، فدفن حذاء بيت فاغورا، ولم يعرف أحد أين قضى إلى يومنا هذا، وكان موسى يوم قضي ابن مائة وعشرين سنة، لم يضعف سني الوقوف في الغرائز والضعف في القوى خرقاً للعادة إكراماً لهم وتنبيهاً للناس على صدقهم، علم من العطف على غير معطوف عليه ظاهر ومن الإتيان بضميره صلى الله عليه وسلم من غير تقدم ذكر له أن التقدير: لكن نبينا صلى الله عليه وسلم عمرناه وما نكسناه بل منحناه غرائز من الفضائل عجز عنها الأولون والآخرون، فأتى بقرآن أعجز الإنس والجن، وعلوم وبركات فاتت القوى، ومعلوم قطعاً أن الذي أتى به ليس بشعر خلافاً لما رموه به بغياً وعدواناً، وكذباً على جنابه وافتراء وتجاوزاً في البهت وطغياناً، لأنه قد مضى عليه سن الصبا والشباب جميعاً ولم يقل بيت شعر مع ما يرى لكم ولأمثالكم فيه من المفاخرة، وبه من المكاثرة، وقد وصل إلى سن الوقوف المعلوم قطعاً أنه لا يحدث للإنسان فيه غريزة لم تكن أيام شبابه لا شعرية ولا غيرها: {وما علمناه} أي نحن {الشعر} فيما علمناه وهو أن يتكلف التقيد بوزن معلوم وروي مقصود وقافيه يلتزمها، ويدير المعاني عليها ويجتلب الألفاظ تكلفاً إليها كما كان زهير في قصائده الحوليات وغيره من أصحاب التكلفات {أية : وما أنا من المتكلفين} تفسير : [ص: 86] لأن ذلك وإن كنتم أنتم تعدونه فخراً لا يليق بجنابنا لأنه لا يفرح به إلا من يريد ترويج كلامه وتحليته بصوغه على وزن معروف مقصود وقافيه ملتزمة لكونه لا يقدر على الإتيان بأحسن منه بما لا يقايس من غير التزام وزن ولا قافية على أن فيه نقيصة أخرى، وهي أعظم ما يوجب النفرة منه، وهي أنه لا بد أن يوهي التزامه بعض المعاني، ولما لم نعلمه هذه الدناءة طبعناه على جميع فنون البلاغة، ومكناه من سائر وجوه الفصاحة، ثم أسكنا قلبه ينابيع الحكمة، ودربناه على إلقاء المعاني الجليلة وإن دقت في الألفاظ الجزلة العذبة السهلة موزونة كانت أو لا، وذلك بما ألهمناه إياه ثم بما ألقاه إليه جبريل عليه السلام مما أمرنا له به من جوامع الكلم والكلام، فلا تكلف عنده أصلاً، ما خير بين الأمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً أو قطيعة رحم، وهذا البيت الذي أوردته عزاه في الحماسة في أوائل باب الأدب إلى رجل من بني قريع لم يسمه وقبله: شعر : متى ما يرى الناس الغنـي وجـاره فقيــر يقولــوا عاجــز وجليـــد وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ولكـن أحــاظ قسمــت وجــدود إذا المـرء أعيتــه المــروءة ناشئــاً فمطلبهــا كهــلاً عليــه شـديــد وكـائــن رأينـا مــن غـنــى مـذمـــم وصعلوك قوم مات وهو حميــد تفسير : والمعنى أن كثرة المال وقلته ليست من غريزة من الغرائز، وإنما هي أمر رباني لا مدخل للغرائز من جلاده ولا غيرها فيه، بدليل أنا كثيراً ما رأينا من فاته الغنى شاباً جلداً وناله شيخاً ضعيفاً، وما رأينا من أخطأته المروءة شاباً نالها شيخاً، وبدليل أنه كم من غني كانت غرائزه ذميمة، وكم من فقير كانت خلائقه محمودة، والمروءة هي الإنسانية، وهي كل أمر هنيء حميد المغبة جميل العاقبة، وهذا هو السيادة، يعني أن من كانت المروءة في غريزته حمله طبعه على تعاطيها في شبابه غنياً كان أو فقيراً، ومن لم يكن عنده لم يقدر على تكلفها في سن الاكتهال، فلله درهم! ما كان أحكمهم وأدراهم بالدقائق وأعلمهم، ولذلك جعل هذا النبي الأمي منهم، فملأت معارفه الأكوان، وسمت في رتب المعاني صاعدة فأين منها كيوان. ولما كان الشعر مع ما بني عليه من التكلف الذي هو بعيداً جداً عن سجايا الأنبياء فكيف بأشرفهم مما يكتسب به مدحاً وهجواً، فيكون أكثره كذباً - إلى غير ذلك من معايبه، قال سبحانه وتعالى: {وما ينبغي له} أي وما يصح ولا ينطلب ولا يتأتى أصلاً، لأن منصبه أجل، وهمته أعلى من أن يكون مداحاً أو عياباً، أو أن يتقيد بما قد يجر إلى نقيصة في المعنى، وجبلته منافية لذلك غاية المنافاة. ولما تمت الدلالة على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وتضمنت أن الشعر - وهو تعمد صوغ الكلام على وزن معلوم وقافية ملتزمة - نقيصة لما ذكر ولما يلزمه التقيد بالوزن والروي والقافية من التقديم والتأخير والتحويم على المعاني من غير إفصاح ولا تبيين فيصير عسر الفهم مستعصي البيان، ونفى عنه صلى الله عليه وسلم تلك النقيصة، فتضمن ذلك تنزيه ما أنزل عليه عنها - كما أشارت إليه نون العظمة في "علمنا" - أثبت له ما ينبغي له فقال كالتعليل لما قبله: {إن} أي ما {هو} أي هذا الذي أتاكم به {إلا ذكر} أي شرف وموعظة {وقرآن} أي جامع للحكم كلها دنيا وأخرى يتلى في المحاريب ويكرر في المتعبدات، وينال بتلاوته والعمل به فوز الدارين مع الفصل بين الملبسات {مبين *} أي ظاهر في ذلك مطلق لكل ما فيه لمن يرومه حق رومه، ويسومه بأغلى سومه، بعد أن يشترط في مطلق فهمه ومجرد اللذة به الذكي والغبي والحديد والبليد، وليس هو بشعر متكلف يتقدم فيه - بحكم التزام الوزن والروي والقافية - الشيء عن حاق موضعه تارة ويتأخر أخرى، ويبدل بما لا يساويه فتنقص معانيه وتنعقد فتشكل فلا يفهمه إلا ذاك وذاك مع أنه من همزات الشياطين فيا بعد ما بينهما، ويبين هذا المعنى غاية البيان آخر "ص" {قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} {إن هو إلا ذكر للعالمين} أي كلهم ذكيهم وغبيهم بخلاف الشعر فإنه مع نزوله عن بلاغته جداً إنما هو ذكر للأذكياء جداً.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن أبي الدنيا في التوبة واللفظ له وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس رضي الله عنه في قوله {‏اليوم نختم على أفواههم‏} ‏ قال "حديث : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه قال‏:‏ ‏أتدرون ممن ضحكت‏؟ قلنا‏:‏ لا يا رسول الله قال‏:‏ من مخاطبة العبد ربه فيقول‏:‏ يا رب ألم تجرني من الظلم‏؟‏ فيقول‏:‏ بلى‏.‏ فيقول‏:‏ إني لا أجيز عليَّ إلا شاهداً مني فيقول‏:‏ كفى بنفسك عليك شهيداً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، فيختم على فيه ويقال لأركانه‏:‏ انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول بعداً لكن وسحقاً، فعنكن كنت أناضل‏ ". تفسير : وأخرج مسلم والترمذي وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏يلقى العبد ربه فيقول الله‏:‏ أي قل ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والابل، وأذرك ترأس وتربع‏؟‏ فيقول‏:‏ بلى أي رب فيقول‏:‏ أفطنت أنك ملاقي‏؟‏ فيقول‏:‏ لا‏.‏ فيقول‏:‏ فإني أنساك كما نسيتني‏.‏ ثم يلقى الثاني، فيقول‏:‏ مثل ذلك‏.‏ ثم يلقى الثالث فيقول له‏:‏ مثل ذلك فيقول‏:‏ آمنت بك، وبكتابك، وبرسولك، وصليت، وصمت، وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول‏:‏ ألا نبعث شاهدنا عليك‏؟‏ فيفكر في نفسه من الذي يشهد عليَّ، فيختم على فيه، ويقال لفخذه‏:‏ انطقي‏.‏ فتنطق فخذه، ولحمه، وعظامه‏.‏ بعمله ما كان ذلك يعذر من نفسه، وذلك بسخط الله عليه‏ ". تفسير : وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه؛‏ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إن أول عظم من الإِنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه‏.‏ فخذه من الرجل الشمال‏ ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال‏:‏ يدعى المؤمن للحساب يوم القيامة، فيعرض عليه ربه عمله، فيما بينه وبينه، ليعترف فيقول‏:‏ أي رب عملت‏.‏‏.‏ عملت.. عملت، فيغفر الله له ذنوبه، ويستره منها قال‏:‏ فما على الأرض خليقة يرى من تلك الذنوب شيئاً، وتبدو حسناته فودَّ أن الناس كلهم يرونها‏.‏ ويدعى الكافر والمنافق للحساب، فيعرض ربه عليه عمله، فيجحد ويقول‏:‏ أي رب وعزتك لقد كتب عليّ هذا الملك ما لم أعمل، فيقول له الملك‏:‏ أما عملت كذا، في يوم كذا، في مكان كذا‏؟‏ فيقول‏:‏ لا وعزتك‏.‏ أي رب ما عملته، فإذا فعل ذلك ختم على فيه، فأني أحسب أول ما ينطق منه لفخذه اليمنى، ثم تلا ‏{‏اليوم نختم على أفواههم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏. وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات عن بسرة وكانت من المهاجرات قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : عليكن بالتسبيح، والتهليل، والتقديس، ولا تغفلن واعقدن بالأنامل، فإنهن مسؤولات ومستنطقات ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن الشعبي رضي الله عنه قال‏:‏ يقال للرجل يوم القيامة‏:‏ عملت كذا وكذا‏.‏‏.‏ فيقول‏:‏ ما عملته‏.‏ فيختم على فيه، وتنطق جوارحه، فيقول لجوارحه‏:‏ أبعدكن الله، ما خاصمت إلا فيكن‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أسماء بن عبيد رضي الله عنه قال‏:‏ يؤتى بابن آدم يوم القيامة ومعه جبل من صحف لكل ساعة صحيفة، فيقول الفاجر‏:‏ وعزتك لقد كتبوا عليّ ما لم أعمل، فعند ذلك يختم على أفواههم، ويؤذن لجوارحهم في الكلام، فيكون أول ما يتكلم من جوارح ابن آدم فخذه اليسرى‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏{‏نختم على أفواههم‏} ‏ قال‏:‏ فلا يتكلمون‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ كانت خصومات وكلام، وكان هذا آخره أن ختم على أفواههم‏. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ أول ما ينطق من الإِنسان فخذه اليمنى‏.‏

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ...} [الآية: 65]. سمعت النصرآباذى يقول: مشاهدة الموقف الأكبر صعب فمن أقر فيه فقد ترك حرمة ذلك الموقف ومن أنكر فإن جوارحه تشهد عليه بقوله: {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ...} الآية. فمن أقر فى ذلك الموضع فإن أمره أصعب ممن ينكر مع صعوبة أمر من أنكر.

القشيري

تفسير : اليومَ سَخَّرَ الله أعضاءَ بَدَنِ الإنسان بعضها لبعض، وغداً ينقض هذه العادة، فتخرج بمضُ الأعضاء على بعض، وتجري بينها الخصومة والنزاع؛ فأمَّا الكفار فشهادةُ أَعضائهم عليهم مُبيدةٌ، وأمَّا العُصَاةُ من المؤمنين فقد تشهد عليهم بعضُ أعضائهم بالعصيان، ولكن تشهد لهم بعض أعضائهم أيضاً بالإحسان، وكما قيل: شعر : بيني وبينك يا ظلومُ الموقِفُ والحاكم العَدْلُ الجوادُ المُنْصِفُ تفسير : وفي بعض الأخبار المرويةِ المُسْنَدَةِ أنَّ عَبْداً تشهد عليه أعضاؤه بالزَّلَّةَ فيتطاير شَعره من جفن عينيه، فيستأذن بالشهادة له فيقول الحق: تكلمي يا شعرة جَفْنِ عبدي واحتَجـِّي عن عبدي، فتشهد له بالبكاء من خوفه، فيغفر له، وينادي منادٍ: هذا عتيقُ الله بـِشَعْرَة.

اسماعيل حقي

تفسير : {اليوم نختم على افواههم} الختم فى الاصل الطبع ثم استعير للمنع والافواه جمع فم واصل فم فوه بالفتح وهو مذهب سيبويه والبصريين كثوب واثواب حذفت الهاء حذفا على غير قياس لخفائها ثم الواو لاعتدالها ثم ابدل الواو المحذوفة ميما لتجانسهما لانهما من حروف الشفة فصار فم فلما اضيف رد الى اصله ذهابا به مذهب اخواته من الاسماء. وقال الفراء جمع فوه بالضم كسوق واسواق وفى الآية التفات الى الغيبة للايذان بان ذكر احوالهم القبيحة استدعى ان يعرض عنهم ويحكى احوالهم الفظيعة لغيرهم مع ما فيه من الايمان الى ان ذلك من مقتضيات الختم لان الخطاب لتلقى الجواب وقد انقطع بالكلية والمعنى نمنع افواهم من النطق ونفعل بها ما لا يمكنهم معه ان يتكلموا فتصير افواههم كأنها مختومة فتعترف جوارحهم بما صدر عنها من الذنوب {وتكلمنا ايديهم وتشهد ارجلهم} باستنطاقنا اياها {بما كانوا يكسبون} فتنطق الاربع بما كسبوه من السيآت والمراد جميع الجوارح لا ان كل عضو يعترف بما صدر منه [والكسب: حاصل كردن كسى جيزى را والمعنى بالفارسية [اامروز مهر مى نهيم بر دهنهاى ايشان جون ميكويد كه مشرك نبوده وتكذيب رسل نكرده وشيطانرا نبرستيده وسخن كويد باما دستهاى ايشان وكواهى دهد بايهاى ايشان بآنجه بودند در دنيا ميكردند]. قال بعضهم لما قيل لهم {أية : ألم اعهد اليكم يا بنى آدم ان لا تعبدوا الشيطان} تفسير : جحدوا وقالوا والله ربنا ما كنا مشركين وما عبدنا من دونك من شئ وما اطعنا الشيطان فى شئ من المنكرات فيختم على افواههم وتعترف جوارحهم بمعاصيهم. والختم لازم للكفار ابدا. اما فى الدنيا فعلى قلوبهم كما قال تعالى {أية : ختم الله على قلوبهم}. تفسير : واما فى الآخرة فعلى افواهم ففى الوقت الذى كان الختم على قلوبهم كان قولهم بافواههم كما قال تعالى {أية : ذلك قولهم بافواههم} تفسير : فلما ختم على افواههم ايضا لزم ان يكون قولهم باعضائهم لان الانسان لا يملك غير القلب واللسان والاعضاء فاذا لم يبق القلب واللسان تعين الجوارح والاركان. وفى كشف الاسرار [روز قيامت عمل كافران بركافران عرضه كنند وصحيفهاى كردار ايشان بايشان نمايند آن رسواييها بينند وكردها برمثال كوههاى عظيم انكار كنند وخصومت دركيرند وبر فرشتكان دعوى دروغ كنند كويند ما اين كه در صحيفهاست نكرده ايم وعمل ما نيست همسايكان برايشان كواهى دهند همسايكانرا دروغ زن كيرند اهل وعشيرت كواهى دهند وايشانرا نيز دروغ زن كيرند بس رب العزت مهر برد هنهاى ايشان نهد وجوارح ايشان بسخن آردتا بر كردهاى ايشان كواهى دهند] حديث : وعن انس رضى الله عنه كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال "هل تدرون مم اضحك" قلنا الله ورسوله اعلم قال "فى مخاطبة العبد ربه يقول يا رب ألم تجرنى من الظلم يقول بلى فيقول لا اجيز عن نفسى الا شاهدا منى فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا فيختم على فيه ويقال لاركانه انطقى فتنطق باعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكنّ وسحقا فعنكنّ كنت اناضل" تفسير : اى ادافع واول عظم من الانسان ينطق يوم يختم على الافواه فخذه من رجله الشمال وكفه كما جاء فى الحديث. والسر فى نطق الاعضاء والجوارح بما صدر عنها ليعلم ان ما كان عونا على المعاصى صار شاهدا فلا ينبغى لاحد ان يلتفت الى ما سوى الله ويصحب احدا غير الله لئلا يفتضح ثمة بسبب صحبته شعر : نكشود صائب از مدد خلق هيج كار از خلق روى خود به خدا ميكنيم ما تفسير : وفى التأويلات النجمية يشير الى ان الغالب على الافواه الكذب كما قال {أية : يقولون بافواههم ما ليس فى قلوبهم} تفسير : والغالب على الاعضاء الصدق ويوم القيامة يوم يسأل الصادقين عن صدقهم فلا يسأل الافواه فانها كثيرة الكذب ويسأل الاعضاء فانها كثيرة الصدق فتشهد بالحق اما الكفار فشهادة اعضائهم عليهم مبيدة لهم واما العصاة من المؤمنين الموحدين فقد تشهد عليهم اعضاؤهم بالعصيان ولكن تشهد لهم بعض اعضائهم ايضا بالاحسان كما جاء فى بعض الاخبار المروية المسندة ان عبدا تشهد عليه اعضاؤه بالزلة فتتطاير شعرة من جفن عينيه فتستأذن بالشهادة له فيقول الحق تعالى تكلمى يا شعرة جفن عين عبدى واحتجى عن عبدى فتشهد له بالبكاء من خوفه فيغفر له وينادى مناد هذا عتيق الله بشعرة [در كشف الاسرار فرمود كه جنانكه جوارح اعدا برافعال بدايشان كواهى ميدهد همجنين اعضاى برطاعت ايشان اقامت شهادت كند جنانجه در آثار آورده اندكه حق سبحانه وتعالى بنده مؤمن را خطاب كند كه جه آورده او شرم دارد كه عبادات وخيرات خود برشمارد حق سبحانه اعضاى ويرا بسخن در آورد تاهريك اعمال خودرا باز كويند انامل كواهى بردهد بر تسبيحات] كما حديث : قال عليه السلام لبعض النساء "عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس واعقدن بالانامل فانهن مسئولات مستنطقات" تفسير : يعنى بالشهادة يوم القيامة ولذا سن عد الاذكار بالاصابع وان لم يعلم العقد المعهود يعدّهن باصابعه كيف شاء كما فى الاسرار المحمدية. وقال بعض العرفاء معنى الختم على الافواه وتكلم الايدى وشهادة الارجل تغيير صورهم وحبس ألسنتهم عن النطق وتصوير ايديهم وارجلهم على صورة تدل بهيآتها واشكالها على اعمالها وتنطق بألسنة احوالها على ما كان من هيئة افعالها انتهى. فكما ان هيئة اعضاء المجرمين تدل على قبح احوالهم وسوء افعالهم كذلك شكل جوارح المؤمنين يدل على حسن احوالهم وجمال افعالهم وكل اناء يترشح بما فيه فطوبى للسعداء ومن يتبعهم فى زيهم وهيآتهم وطاعاتهم وعباداتهم شعر : بى نيك مردان بيايد شتافت كه هركين سعادت طلب كرد يافت وليكن تو دنبال ديو خسى ندانم كه در صالحان كى رسى بيمبر كسى را شفاعت كرست كه برجاده شرع بيغمبرست

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : وقرئ "يختم" بصيغة الغائب المجهول، و "تتكلم أيديهم" وقرئ "ولتكلمنا أيديهم وتشهد" بلام (كي) والنصب على معنى: "ولذلك نختم على أفواههم"، وقرئ فيها بلام الأمر والجزم على أن الله يأمر الأعضاء بالكلام والشهادة. في الكشاف: "يروى أنهم يجحدون ويخاصمون، فيشهد عليهم جيرانهم وأهاليهم وعشائرهم، فيحلفون ما كانوا مشركين، فحيئنذٍ يختم على أفواههم وتكلم أيديهم وأرجلهم، وفي الحديث يقول العبد يوم القيامة: إني لا أجيز عليّ شاهداً إلاّ من نفسي، فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي. فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعداً لكنَّ وسُحْقاً، فعنكنّ كنت أناضل". واختلف المفسرون في كيفية شهادة الجوارح على وجوه: أحدها: إن الله تعالى يخلقها خلقة يمكنها أن تتكلم وتنطق وتعترف بذنوبها. وثانيها: إن الله يجعل فيها كلاماً، وإنما نسب الكلام إليها لأنه لا يظهر إلاّ من جهتها. وثالثها: إن معنى شهادتها وكلامها، إن الله يجعل فيها من الآيات ما يدل على أن أصحابها عصَوا الله بها. مكاشفة أَخروية إن أهل الضلال وأصحاب الشمال إذا برزوا لله، وخرجوا من قبورهم إلى المحشر، كانت لهم صور وأشكال على ما اقتضه صفاتهم وأخلاقهم البهيمية والسَّبُعِيَّة. وفي الحديث: "حديث : يُحشر الناس على صُوَرِ نيّاتهم"تفسير : فيُحشرون في الآخرة على صور الحيوانات العجم، المنتكسة الرؤوس، المنقلبة الوجوه إلى أسفل، مختومين على أفواههم، تشهد على ضمائرهم ونياتهم هيئات أيديهم وأرجلهم، وتشهد آذانهم على أنهم صمّ عن سماع آيات الله، وعيونهم على أنهم عُمْي عن مشاهدة أهل الآخرة، وجلودهم وأبدانهم على أنهم حُمْقٌ عن إدراك المعاني، كما قال: {أية : شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [فصلت:20]. دقيقة كشفية إن الله تعالى خلق في الأكوان أصنافاً أربعة هي: الجسم العنصري، والجماد، والنبات، والحيوان، غلب على كل منها بحسب الفطرة والطبيعة إحدى الحجب من مراتب الاحتباس عن الجنان، وزلاّت الأقدام عن القيام إلى طاعة الرحمان، ليعلم بالبصيرة الباطنية انطلاق الحقيقة الإنسانية بحسب فطرتها العقلية عن هذه الحُجُب والقيود. بل خلق في الحيوان أصنافاً أربعة لمراتب أربع، متحققة في أفراد الإنسان، ليعلم أهل الشهود كيفية احتجاب أهل الجحيم وانحباسهم في شجون أودية الظلمات، وسجون مهاوي التعلقات لأرباب الضلالات عن لقاء الله، وينكشف عليه كيفية انكشاف وجوه أهل الرحمة وانطلاقهم عن حجب هذا العالم، وعدم انحباسهم في ظلمات ثلاث لقوى ثلاث، من شهوة البهيمية وغضب السَّبُعية وحيلة الشيطانية. وذلك حيث لم يتحقق علامة الانفتاح، وطلاقة الوجه، ونقاء الجسد إلاّ في واحد من تلك الأربعة - وهي الإنسان -، دون غيره من الأصناف الثلاثة، البهيمية والوحوش والطيور، إذ فيه علامة أهل الجنة، الذي هم "جُرْدٌ مَرْدٌ مكحلون" كما ورد في الحديث، ولغيره علامات المحبوسين والمسجونين والمجرمين، - فهي التقيد بالأغلال في الأعناق والأيدي والأرجل، والإنسداد عن الارتقاء إلى عالم النور، والاحتجاب بالأغشية الظلمانية، كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ}تفسير : [يس:8 - 9]. ثم الإشارة إلى أن النفس الإنسانية باعبتار كونها عالماً مشتملاً على أصناف المكونات والحيوانات، كمثل شاة في أول الأمر، لها قوائم أربعة، قيدت بثلاثة أرجل هي قواها الطبيعية والنامية والحيوانية، وأطلقت بواحدة هي قوتها الفكرية، خلق الله في كل واحد من الحيوانات الثلاثة - سوى الإنسان - ثلاث علامات من علامات الجحيم والعذاب، وخلق في الإنسان أضداد هذه العلامات، ثلاث هي كعلامات أهل الجنة. وذلك لأن لكل واحدة من تلك الحيوانات يوجد ثلاث عقد: إحداها: عقدة العمى في العين عن مشاهدة آيات الآفاق والأنفس، ورؤية ما في كتاب الله لقراءة آياته، والأخرى: عقدة الصمّ في الأذن عن استماع الكلام، والثالثة: عقدة الانتكاس لنفوسها المتوجهة إلى الأغراض السفلية. ونشأ من هذه العقد الثلاث عقد ثلاث أخرى شاهدة عليها، إحداها: اللسان الشاهدة على صمم الآذان، وثانيها: عقدة اليدين الشاهدة على عماء العين، والثالثة: الإنقلاب في البدن، لشهادة الانتكاس في النفس، فإن اللسان كخليفة الأذن، لأن كل "أصم" فطرة فهو "أبكم"، واليد الكاتبة كخليفة العين، فإن "الأعمى" لا يقدر على الكتابة، والبدن كخليفة النفس، فانقلابه دليل انتكاسها، كما أن انحناء الغلاف دليل انحناء السيف.

اطفيش

تفسير : {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون} الختم على الأفواه منعها من الكلام وليس المراد اغلاقها فإنهم يمنعون من الكلام ولا يستطيعونه مع بقائها مفتوحة ويحتمل أن تغلق وتمنع ولما عبر كان المراد ذكر الأفواه ناسب التعبير بالختم الموضوع للاغلاق والاطباق فان الممنوع من الكلام هو اللسان لأنه هو الذي يتكلم ولكنه هو في الفم فصح التعبير بالأفواه او عبر بالأفواه لأن الكلام يكون بالفم واللسان ألا ترى أن للحروف مخارج في الفم يروى أنهم يجحدون الشرك والمعاصي ويخاصمون فتشهد عليهم جيرانهم وأهاليهم وعشائرهم فيحلفون ما كنا مشركين فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم وفي الحديث يقول العبد يوم القيامة لا اجيز شاهدا عليّ الا من نفسي فيختم على فيه فيقال لأركانه انطقي فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكن فعليكن كنت أناضل. قال ابو موسى الأشعري: أول ما يتكلم فخذه. قال الحسن: اليمين أو اليسرى. قال الحسن: اذا ختمت افواههم لم يكن بعد ذلك الا دخول النار فهذا اخر المحشر. روي أن الله سبحانه يقول لعبده أي عبدي اي يا عبدي ألم اكرمك واسودك اي جعلتك سيدا وازوجك واسخر لك الخيل والابل وجعلتك رئيسا تأخذ المرباع وهو ما يأخذ رئيس الجيش لنفسه من الغنيمة وهو ربعها فيقول بلى يا رب فيقول اظننت انك ملاقي فيقول لا فيقول اني اليوم انساك كما نسيتني فذلك المشرك ويقول مثل ذلك للمنافق فيقول هل ظننت انك ملاقي فيقول اي ربي آمنت بك وبكتابك وبرسولك وصليت وصمت وتصدقت فيقول الآن نبعث شاهدا عليك فيتفكر في نفسه من يشهد عليّ فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي فينطق فخذه ولحمه وعظمه بعمله. وعن انس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه ضحك فقال هل تدرون مم اضحك قلنا الله ورسوله اعلم قال من مخاطبة العبد ربه فيقول يا رب الم تجرني من الظلم فيقول بلى فيقول اني لا اجيز على نفسي الا شاهدا مني فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا فيختم على فيه فيقال لاركانه انطقي فتنطق باعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت اناضل والظاهر ان المراد بايديهم وارجلهم مطلق الأعضاء عبر بها وهي خاصة عن العام وهي الأعضاء لأنها أجل ما يباشر به الفعل من الأعضاء واقرار الجوارح ابلغ من اقرار اللسان فيكونون قد أقروا على أنفسهم بما اقراره ابلغ واقرار المرء على نفسه أبلغ من الشهود وقرىء يختم على افواههم بالبناء للمفعول والتحتية وتتكلم ايديهم وفي ذلك مناسبة لقوله وتشهد ارجلهم وقرىء ولتكلمنا ايديهم وتشهد بلام التعليل ونصبهما والتقدير وانما ختمنا على افواههم لتكلمنا الخ، والله اعلم وقرىء بلام الامر والجزم على ان الله يأمر الاعضاء بالكلام والشهادة.

اطفيش

تفسير : {اليَوم نَخْتِم عَلى أفْواهِهم} نغطيها ونشد عليها، كما يربط فم القربة، وفيهم قدرة على الكلام، ولا يجدونه لذلك الشد، وذلك حقيقة أو كناية عن إخراصهم، أو استعير الختم للإخراص استعارة أصلية،واشتق منه نختم على طريق التبعية، وفى ذلك إعراض عن خطابهم، لقبح أعمالهم الى التكلم لغيرهم {وتكلِّمنا أيْديهِم وتَشْهد أرجُلُهم بما كانُوا يكسبُون} تنازع تكلم وتشهد، وأعمل الثانى وحذف للأول المضمر الفضلة، أى وتكلمنا أيديهم به، أى بما كانوا إلخ، ولو أعمل الأول لقيل وتشهد أرجلهم به بما كانوا الخ، وهاء به فى الموضعين لما، ونسب التكلم الى الأيدى لأن أكثر الأعمال بها، وقد قال الله جل وعلا: " أية : ما قدمت يداه " تفسير : [الكهف: 57، النبأ: 40] " أية : مما عملت أيدينا" تفسير : [يس: 71] " أية : بما كسبت أيدي الناس" تفسير : [الروم: 41] " أية : فبما كسبت أيديكم" تفسير : [الشورى: 30] "بما كسبت أيديهم" " أية : بما قدمت أيديهم" تفسير : [البقرة: 95]. جاء فى أحاديث ما حاصله: " حديث : أن الكافر ينكر ما فعل، وينسب الملك الكاتب الى الكذب عليه،وقد قال الله عز وجل له: ألم أكرمك؟ فيقول: بلى لكن عملت بما أمرت به ويثنى بخير، فيقول الملك: عملت كذا فى موضع كذا وقت كذا، وهكذا فيقول: يا رب ألم تجرنى من الظلم، يا رب لا أقبل شاهدا إلا من نفسى، فيقول الله تعالى: {كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} وبالملائكة الكرام، فيختم على فمه فتنطق جوارحه، ثم يخلى فيقول: بعداً لكن فعنكن كنت أناضل ". تفسير : وجاء الحديث: عن أبى هريرة وهو فى مسلم مرفوعا: " حديث : أول ما ينطق من جوارحه فخذه اليمنى"تفسير : وفى مسند أحمد، عن عقبة بن عامر مرفوعا أيضا: " حديث : أن أول ما ينطق منها فخذه اليسرى" تفسير : ولعل بعضا تنطق يمناه، وبعضا يسراه أو بعض تنطق يمناه أولا وبعض يسراه، أو فكلتاهما ناطقة من كل انسان، وحصر الأولوية بالنسبة الى غير الأفخاد والنطق حقيقة، يخلق الله فى الاعطاء الحياة والعقل: " أية : أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء" تفسير : [فصلت: 21] والعضو ينطق بما فعل، وبما فعل غيره من الأعضاء، وقيل: بما فعل، وهذا أظهر، لأن كل عضو ينطق بما فعل فما فائدة نطق غيره، والأول أبلغ. وفى حديث مسلم، عن أنس مرفوعا: "أنه يقال لأركانه انطقى، فتنطق بأعماله" والآية ونحوها كالأحاديث كالنص فى أن المشرك مخاطب بفروع الشريعة، وبأن هذه الأعضاء هى التى كانت فى الدنيا إذ كانت تنطق بما فعلت لا غيرها مثلها، ولا الجسد غير الذى فى الدنيا، بل الذى فيها، وهل علمها بما تنطق به محدث فى الموقف، قيل: نعم، وقيل: علمت به فى الدنيا، وهى فى الدنيا عاقلة ولا تنساه وإن نسيته رده الله تعالى اليها، فتشهد به كما قيل: ان الأشياء كلها حتى أعضاء المشرك تسبح الله عز وجل فى الدنيا، والمراد فى الآية التمثيل لما ينطق من الجوارح لا خصوص الأيدى والأرجل بدليل الأحاديث.

الالوسي

تفسير : {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوٰهِهِمْ } كناية عن منعهم من التكلم، ولا مانع من أن يكون هناك ختم على أفواههم حقيقة. وجوز أن يكون الختم مستعاراً لمعنى المنع بأن يشبه إحداث حالة في أفواههم مانعة من التكلم بالختم الحقيقي ثم يستعار له الختم ويشتق منه نختم فالاستعارة تبعية أي اليوم نمنع أفواههم من الكلام منعاً شبيهاً بالختم، والأول/ أولى في نظري. {وَتُكَلّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } أي بالذي استمروا على كسبه في الدنيا وكأن الجار والمجرور قد تنازع فيه تكلم وتشهد، ولعل المعنى والله تعالى أعلم تكلمنا أيديهم بالذي استمروا على عمله ولم يتوبوا عنه وتخبرنا به وتقول إنهم فعلوا بنا وبواسطتنا كذا وكذا وتشهد عليهم أرجلهم بذلك. ونسبة التكليم إلى الأيدي دون الشهادة لمزيد اختصاصها بمباشرة الأعمال حتى أنها كثر نسبة العمل إليها بطريق الفاعلية كما في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } تفسير : [النبأ: 40] وقوله سبحانه: {أية : وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ }تفسير : [يس: 35] وقوله عز وجل: {أية : بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ }تفسير : [الروم: 41] وقوله جل وعلا: {أية : فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ }تفسير : [الشورى: 30] إلى غير ذلك ولا كذلك الأرجل فكانت الشهادة أنسب بها لما أنها لم تضف إليها الأعمال فكانت كالأجنبية، وكان التكليم أنسب بالأيدي لكثرة مباشرتها الأعمال وإضافتها إليها فكأنها هي العاملة، هذا مع ما في جمع التكليم مع الختم على الأفواه المراد منه المنع من التكلم من الحسن. وكأنه سبحانه لما صدر آية النور [24] وهي قوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ } تفسير : بالشهادة وذكر جل وعلا الأعضاء من الأعالي إلى الأسافل أسندها إلى الجميع ولم يخص سبحانه الأيدي بالتكليم لوقوعها بين الشهود مع أن ما يصدر منها شهادة أيضاً في الحقيقة فإن كونها عاملة ليس على الحقيقة بل هي آلة والعامل هو الإنسان حقيقة وكأن اعتبار الشهادة من المصدر هناك أوفق بالمقام لسبق قصة الإفك وما يتعلق بها ولذا نص فيها على الألسنة ولم ينص هٰهنا عليها بل الآية ساكتة عن الإفصاح بأمرها من الشهادة وعدمها، والختم على الأفواه ليس بعدم شهادتها إذ المراد منه منع المحدث عنهم عن التكلم بألسنتهم وهو أمر وراء تكلم الألسنة أنفسها وشهادتها بأن يجعل فيها علم وإرادة وقدرة على التكلم فتتكلم هي وتشهد بما تشهد وأصحابها مختوم على أفواههم لا يتكلمون. ومنه يعلم أن آية النور ليس فيها ما هو نص في عدم الختم على الأفواه، نعم الظاهر هناك أن لا ختم وهنا أن لا شهادة من الألسنة، وعلى هذا الظاهر يجوز أن يكون المحدث عنه في الآيتين واحداً بأن يختم على أفواههم وتنطق أيديهم وأرجلهم أولاً ثم يرفع الختم وتشهد ألسنتهم إما مع تجدد ما يكون من الأيدي والأرجل أو مع عدمه والاكتفاء بما كان قبل منهما وذلك إما في مقام واحد من مقامات يوم القيامة أو في مقامين، وليس في كل من الآيتين ما يدل على الحصر ونفي شهادة غير ما ذكر من الأعضاء فلا منافاة بينهما وبين قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }تفسير : [فصلت: 20] فيجوز أن يكون هناك شهادة السمع والأبصار والألسنة والأيدي والأرجل وسائر الأعضاء كما يشعر بهذا ظاهر قوله تعالى والجلود في آية السجدة لكن لم يذكر بعض من ذلك في بعض من الآيات اكتفاء بذكره في البعض الآخر منها أو دلالته عليه بوجه، ويجوز أن يكون المحدث عنه في كل طائفة من الناس، وقد جعل بعضهم المحدث عنه في آية السجدة قوم ثمود، وحمل أعداء الله عليهم بقوله تعالى بعد {أية : وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ }تفسير : [فصلت: 25] ولا يبعد أن يكون المحدث عنه في آية النور أصحاب الإفك من المنافقين والذين يرمون المحصنات ثم إن آية السجدة ظاهرة في أن الشهادة عند المجىء إلى النار وآية النور ليس فيها ما يدل على ذلك، وأما هذه الآية فيشعر كلام البعض بأن الختم والشهادة فيها بعد خطاب المحدث عنهم بقوله تعالى: {أية : هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ * ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ }تفسير : [يس: 63ـ64] فيكون ذلك عند المجىء إلى النار أيضاً. قال في "إرشاد العقل السليم": إن قوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ } الخ التفات إلى الغيبة للإيذان بأن ذكر أحوالهم القبيحة استدعى أن يعرض عنهم وتحكى أحوالهم الفظيعة لغيرهم مع ما فيه من الإيماء إلى أن/ ذلك من مقتضيات الختم لأن الخطاب لتلقي الجواب وقد انقطع بالكلية. لكن قال في موضع آخر: إن الشهادة تتحقق في موقف الحساب لا بعد تمام السؤال والجواب وسوقهم إلى النار، والأخبار ظاهرة في ذلك. أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن أبـي موسى الأشعري من حديث «حديث : يدعى الكافر والمنافق للحساب فيعرض ربه عليه عمله فيجحد ويقول أي رب وعزتك لقد كتب عليَّ هذا الملك ما لم أعمل فيقول له الملك أما عملت كذا في يوم كذا في مكان كذا فيقول لا وعزتك أي رب ما عملته فإذا فعل ذلك ختم على فيه فإني أحسب أول ما تنطق منه فخذه اليمنى ثم تلا {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ} الآية»تفسير : وفي حديث أخرجه مسلم والترمذي والبيهقي عن أبـي سعيد وأبـي هريرة مرفوعاً «حديث : إنه يلقى العبد ربه فيقول الله تعالى له أي فل ألم أكرمك إلى أن قال صلى الله عليه وسلم فيقول آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع فيقول: الآن نبعث شاهدنا عليك فيفكر في نفسه من [ذا] الذي يشهد عليَّ فيختم على فيه. ويقال لفخذه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله»تفسير : . وفي بعض الأخبار ما يدل على أن العبد يطلب شاهداً منه فيختم على فيه، أخرج أحمد ومسلم وابن أبـي الدنيا واللفظ له عن أنس في قوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوٰهِهِمْ } قال كنا عند النبـي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه قال: أتدرون مم ضحكت؟ قلنا: لا يا رسول الله قال: من مخاطبة العبد ربه يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى فيقول: إني لا أجيز عليَّ ألا شاهداً مني فيقول كفى بنفسك [اليوم] عليك شهيداً وبالكرام الكاتبين شهوداً فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقي فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنت أناضل والجمع بالتزام القول بالتعدد فتارة يكون ذلك عند الحساب وأخرى عند النار والقول باختلاف أحوال الناس فيما ذكر. وما تقدم في حديث أبـي موسى من أن الفخذ اليمنى أول ما تنطق على ما يحسب جزم به الحسن، وأخرج أحمد وجماعة عن عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل الشمال»تفسير : . ثم الظاهر أن التكلم والشهادة بنطق حقيقة وذلك بعد إعطاء الله تعالى الأعضاء حياة وعلماً وقدرة فيرد بذلك على من زعم أن البينة المخصوصة شرط فيما ذكر وإسناد الختم إليه تعالى دون ما بعد قيل لئلا يحتمل الجبر على الشهادة والكلام فدل على أن ذلك باختيار الأعضاء المذكورة بعد إقدار الله تعالى فإنه أدل على تفضيح المحدث عنهم، وهل يشهد كل عضو بما فعل به أو يشهد بذلك وبما فعل بغيره فيه خلاف والثاني أبلغ في التفظيع، والعلم بالمشهود به يحتمل أن يكون حصوله بخلق الله تعالى إياه في ذلك الوقت ولا يكون حاصلاً في الدنيا ويحتمل أن يكون حصوله في الدنيا بأن تكون الأعضاء قد خلق الله تعالى فيها الإدراك فهي تدرك الأفعال كما يدركها الفاعل فإذا كان يوم القيامة رد الله تعالى لها ما كان وجعلها مستحضرة لما عملته أولاً وأنطقها نطقاً يفقهه المشهود عليه، وهذا نحو ما قالوا من تسبيح جميع الأشياء بلسان القال والله تعالى عل كل شيء قدير والعقل لا يحيل ذلك وليس هو بأبعد من خلق الله تعالى فيها العلم والإرادة والقدرة حتى تنطق يوم القيامة فمن يؤمن بهذا فليؤمن بذلك، والتشبث بذيل الاستبعاد يجر إلى إنكار الحشر بالكلية والعياذ بالله تعالى أو تأويله بما أوله به الباطنية الذين قتل واحد منهم ـ قال حجة الإسلام الغزالي ـ أفضل من قتل مائة كافر، وعلى هذا تكون الآية من مؤيدات القول بالتسبيح القالي للجمادات ونحوها، وعلى الاحتمال الأول يؤيد القول بجواز شهادة الشاهد إذا حصل عنده العلم الذي يقطع به بأي وجه حصل وإن لم يشهد ذلك ولا حضره. وقد أفاد الشيخ الأكبر/ قدس سره في تفسيره المسمى "بإيجاز البيان في ترجمة القرآن" أن قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ }تفسير : [البقرة: 143] يفيد جواز ذلك، وذكر فيه أن الشاهد يأثم إن لم يشهد بعلمه، ولا يخفى عليك ما للفقهاء في المسألة من الكلام، وكأن الشهادة على الاحتمال الثاني بعد الاستشهاد بأن يقال للأركان ألم يفعل كذا فتقول بلى فعل. ويمكن أن تكون بعد أن تؤمر الأركان بالشهادة بأن يقال لها اشهدي بما فعلوا فتشهد معددة أفعالهم، وهذا إما بأن تذكر جميع أفعالهم من المعاصي وغيرها غير مميزة المعصية عن غيرها، وكون ذلك شهادة عليهم باعتبار الواقع لتضمنها ضررهم بذكر ما هو معصية في نفس الأمر، وإما بأن تذكر المعاصي فقط، وهذا يحتاج إلى التزام القول بأن الأركان تميز في الدنيا ما كان معصية من الأفعال ما لم يكن كذلك ولا أظنك تقول به ولم أسمع أن أحداً يدعيه. وذهب بعضهم إلى أن تكليم الأركان وشهادتها دلالتها على أفعالها وظهور آثار المعاصي عليها بأن يبدل الله تعالى هيآتها بأخرى يفهم منها أهل الحشر ويستدلون بها على ما صدر منهم فجعلت الدلالة الحالية بمنزلة المقالية مجازاً، وفيه أنه لا يصار إلى المجاز مع إمكان الحقيقة لا سيما وما يأتي في سورة السجدة من قوله تعالى: {أية : قَالُواْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِى أَنطَقَ كُلَّ شَىْء }تفسير : [فصلت: 21] ظاهر جداً في النطق القالي والإخبار أظهر وأظهر، نعم يهون على هذا القول أمر الاستبعاد ولا يكاد يترك لأجله الظواهر العلماء الأمجاد. هذا والآية كالظاهرة في تكليف الكفار بالفروع إذ لو لم يكونوا مكلفين بها لا فائدة في شهادة الأعضاء بما كسبوا، وإتمام الحجة عليهم بها وتخصيص ما كسبوا بالكفر مما لا يكاد يلتفت إليه ولا أظن أن أحداً يقول به بل ربما يدعى تخصيصه بما سوى الكفر بناءً على أنه من أفعال القلب دون الأعضاء التي تشهد لكن الذي يترجح في نظري العموم. وشهادتها به إما بشهادتها بما يدل عليه من الأفعال البدنية والأقوال اللسانية أو بالعلم الضروري الذي يخلقه الله تعالى لها ذلك اليوم أو بالعلم الحاصل لها بخلق الله تعالى في الدنيا فتعلمه بواسطة الأفعال والأقوال الدالة عليه أو بطريق آخر يعلمه الله تعالى. وهي ظاهرة في أن الحشر يكون بأجزاء البدن الأصلية لا ببدن آخر ليس فيه الأجزاء الأصلية للبدن الذي كان في الدنيا إذ أركان ذلك البدن لم تكن الأعمال السيئة معمولة بها فلا يحسن الشهادة بها منها فليحفظ. وقرىء {يختم} مبنياً للمفعول {وتتكلم أيديهم} بتاءين، وقرىء {ولتكلمنا أيديهم ولتشهد أرجلهم} بلام الأمر على أن الله تعالى يأمر الأعضاء بالكلام والشهادة. وروى عبد الرحمن بن محمد بن طلحة عن أبيه عن جده طلحة أنه قرأ {ولتكلمنا أيديهم ولتشهد} بلام كي والنصب على معنى لتكليم الأيدي إيانا ولشهادة الأجل نختم على أفواههم.

ابن عاشور

تفسير : الجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً وقوله: {اليَوْمَ} ظرف متعلق بــــ {نَخْتِمُ}. والقول في لفظ {اليوم} كالقول في نظائره الثلاثة المتقدمة، وهو تنويه بذكره بحصول هذا الحال العجيب فيه، وهو انتقال النطق من موضعه المعتاد إلى الأيدي والأرجل. وضمائر الغيبة في "أفواههم، أيديهم، أرجلهم، ويكسبون" عائدة على الذين خوطبوا بقوله: { أية : هٰذِهِ جهنَّمُ التي كُنتم تُوعَدُون } تفسير : [ يس: 63] على طريقة الالتفات. وأصل النظم: اليوم نختم على أفواهكم وتكلمنا أيديكم وتشهد أرجلكم بما كنتم تكسبون. ومواجهتهم بهذا الإِعلام تأييس لهم بأنهم لا ينفعهم إنكار ما أُطلعوا عليه من صحائف أعمالهم كما قال تعالى: { أية : إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً } تفسير : [الإسراء: 14]. وقد طوي في هذه الآية ما ورد تفصيله في آي آخر فقد قال تعالى: { أية : ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } تفسير : [الأنعام: 22ــــ23] وقال: { أية : وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين } تفسير : [يونس: 28ــــ29]. وفي «صحيح مسلم» عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : يخاطب العبد ربّه يقول: يا رب ألم تُجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: إني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني، فيقول الله: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، فيُخْتم على فيه. فيقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله ثم يخلّى بينه وبين الكلام فيقول: بعداً لكنَّ وسُحْقاً فعنكُنّ كنتُ أناضل » تفسير : ، وإنما طُوِي ذكر الداعي إلى خطابهم بهذا الكلام لأنه لم يتعلق به غرض هنا فاقتصر على المقصود. وقد يخيل تعارض بين هذه الآية وبين قوله: { أية : يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون }تفسير : [النور: 24]. ولا تعارض لأن آية يس في أحوال المشركين وآية سورة النور في أحوال المنافقين. والمراد بتكلم الأيدي تكلمها بالشهادة، والمراد بشهادة الأرجل نطقها بالشهادة، ففي كلتا الجملتين احتباك. والتقدير: وتكلمنا أيديهم فتشهد وتكلمنا أرجلهم فتشهد. ويتعلق {بِمَا كانُوا يَكْسِبون} بكل من فعلي {تكلمنا وتشهد} على وجه التنازع. وما يكسبونه: هو الشرك وفروعه. وتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وما ألحقوا به من الأذى.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}. ما ذكره جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة من شهادة بعض جوارح الكفار عليهم يوم القيامة، جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة النور {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [النور: 24] وقوله تعالى في فصِّلت: {أية : حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} تفسير : [فصلت: 20ـ21] الآية. وقد قدّمنا الكلام على هذا في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} تفسير : [النساء: 42]. وبينا هناك أن آية يس هذه توضح الجمع بين الآيات كقوله تعالى عنهم: {أية : وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} تفسير : [النساء: 42] مع قوله عنهم: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] ونحو ذلك من الآيات.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَفْوَاهِهِمْ} (65) - وَفِي يَوْمِ القِيَامَةِ يُنْكِرُ الكُفَّارُ والمُجْرِمُونَ ما اجْتَرَحُوا فِي الدُّنْيَا مِنْ كُفْرٍ وَتَكْذِيبٍ وَآَثَامٍ، وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ رَبِّهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، وَأَنَّهُمْ مَا فَعَلُوا مَا وَجَدُوهُ فِي صُحَفِ أَعْمَالِهِمْ... فَيَخْتِمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى أَفْوَاهِهِمْ كَيْلاَ تَنْطِقِ، وَيَسْأَلُ جَوَارِحَهُمْ (أَيْدِيَهمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَأَعْيُنهمْ) عَمّا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الفُسُوقِ والمَعَاصِي.. فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ} [65] 451 - أخبرنا محمدُ بنُ إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا شبلٌ، قال: سمعتُ أبا قَزَعَةَ يُحدِّثُ عمرو بن دينارٍ، عن حكيمِ بنِ مُعاوية، عن أبيه، حديث : أنهُ جاء إلى/ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا مُحمدُ: إني حلفتُ بعدد أصابعي ألاَّ أتَّبِعَكَ ولا أتَّبِعَ دينكَ، فأنشدُكَ [الله] ما الذي بعثك اللهُ به؟ قال: "الإسلامُ؛ شهادةُ أن لا إله إلا اللهُ، وأنَّ مُحمداً رسولُ اللهِ، وتُقيمَ الصَّلاة، وتؤُتيَ الزَّكاة، أخوانِ نَصِيرَانِ، لا يقبلُ اللهُ من أحدٍ توبةً أشرك (بالله) بعد إسلامهِ" قال: فما حقُّ زوجةِ أحدنا عليه؟ قال: "تُطعمُهُا إذا طَعِمْتَ، وتكسوها إذا اكتسيتَ، ولا تضرب الوجه، ولا تُقبحهُ، ولا تهجُر إلاَّ في البيتِ - وأشار بيدهِ إلى الشَّامِ، فقال: هاهنا إلى هاهنا تُحشرون رُكباناً ومُشاةً وعلى وجوهِكُم يوم القيامةِ، على (أفواهِكُمُ) الفِدَامُ، توفونَ سبعين أُمَّةً، أنتم أخْيَرُهُمْ وأكرمُهُمْ على اللهِ، وإنَّ أولَ ما يُعْرِبُ علي أحدكم فَخِذُهُ "