Verse. 3771 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

وَلَوْ نَشَاۗءُ لَطَمَسْـنَا عَلٰۗي اَعْيُـنِہِمْ فَاسْتَــبَقُوا الصِّرَاطَ فَاَنّٰى يُبْصِرُوْنَ۝۶۶
Walaw nashao latamasna AAala aAAyunihim faistabaqoo alssirata faanna yubsiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولو نشاء لطمسنا على أعينهم» لأعميناها طمسا «فاستَبَقُوا» ابتدروا «الصراط» الطريق ذاهبين كعادتهم «فأنَّا» فكيف «يبصرون» حينئذ؟ أي لا يبصرون.

66

Tafseer

الرازي

تفسير : قد ذكرنا مراراً أن الصراط المستقيم هو بين الجبر والقدر وهو الطريقة الوسطى، والله تعالى في كل موضع ذكر ما يتمسك به المجبرة ذكر عقيبه ما يتمسك به القدرية وبالعكس، وههنا كذلك لما قال الله تعالى: {أية : وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } تفسير : [يس: 65] وقال: {أية : ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } تفسير : [يس: 64] وكان ذلك متمسك القدرية حيث أسند الله الكفر والكسب إليهم وأحال الخير والشر عليهم، ذكر عقيبه ما يدل على أن كفرهم وكسبهم بمشيئة الله، وذلك لأن الكفر يعمي البصيرة ويضعف القوة العقلية، وعمى البصيرة بإرادة الله ومشيئته، إذا شاء أعمى البصائر، كما أنه لو شاء لطمس على أعينهم المبصرة، وسلب القوة العقلية باختياره ومشيئته، كما أن سلب القوة الجسمية بمشيئته، حتى لو شاء لمسخ المكلف على مكانته وأقامه بحيث لا يتحرك يمنة ولا يسرة، ولا يقدر على المضي والرجوع، فإعماء البصائر عنده كإعماء الأبصار، وسلب القوة العقلية كسلب القوة الجسمية، فقال: {وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ } إشارة إلى أنه لو شاء وأراد إعماء بصائرهم فضلوا، وأنه لو شاء طمس أعينهم لما اهتدوا إلى طريقتهم الظاهرة، وشاء واختار سلب قوة عقولهم فزلوا، وأنه لو شاء سلب قوة أجسامهم ومسخهم لما قدروا على تقدم ولا تأخر. وفي الآيتين أبحاث لفظية: البحث الأول: في قوله: {فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصّرٰطَ } قال الزمخشري فيه وجوه الأول: أنه يكون فيه حذف حرف إلى واتصال الفعل من غير حرف وأصله فاستبقوا إلى الصراط الثاني: أن يكون المراد من الاستباق الابتدار فأعمله أعمال الابتدار الثالث: أن يجعل الصراط مستبقاً لا مستبقاً إليه، يقال استبقنا فسبقتهم وحينئذٍ يكون مبالغة في الاهتداء إلى الطريق، كأنه يقول الصراط الذي هو معهم ليسوا طالبين له قاصدين إياه، وإنما هم عليه إذا طمس الله على أعينهم لا يبصرونه، فكيف إن لم يكونوا على الصراط. البحث الثاني: قدم الطمس والإعماء على المسخ والإعجاز ليكون الكلام مدرجاً، كأنه قال: إن أعماهم لم يروا الطريق الذي هم عليه وحينئذ لا يهتدون إليه، فإن قال قائل: الأعمى قد يهتدي إلى الطريق بأمارات عقلية أو حسية غير حس البصر كالأصوات والمشي بحس اللمس، فارتقى وقال: فلو مسخهم وسلب قوتهم بالكلية لا يهتدون إلى الصراط بوجه من الوجوه. البحث الثالث: قدم المضي على الرجوع، لأن الرجوع أهون من المضي، لأن المضي لا ينبيء عن سلوك الطريق من قبل، وأما الرجوع فينبيء عنه، ولا شك أن سلوك طريق قد رؤي مرة أهون من سلوك طريق لم ير فقال: لا يستطيعون مضياً ولا أقل من ذلك وهو الرجوع الذي هو أهون من المضي.

البيضاوي

تفسير : {وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ} لمسحنا أعينهم حتى تصير ممسوحة. {فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصّرٰطَ} فاستبقوا إلى الطريق الذي اعتادوا سلوكه، وانتصابه بنزع الخافض أو بتضمين الاستباق معنى الابتدار، أو جعل المسبوق إليه مسبوقاً على الاتساع أو بالظرف.{فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ} الطريق وجهة السلوك فضلاً عن غيره. {وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَـٰهُمْ} بتغيير صورهم وإبطال قواهم. {عَلَىٰ مَكَــٰنَتِهِمْ} مكانهم بحيث يجمدون فيه، وقرأ أبو بكر «مكاناتهم». {فَمَا ٱسْتَطَـٰعُواْ مُضِيّاً} ذهاباً. {وَلاَ يَرْجِعُونَ} ولا رجوعاً فوضع الفعل موضعه للفواصل، وقيل {لاَ يَرْجِعُونَ} عن تكذيبهم، وقرىء {مُضِياً} بإتباع الميم الضاد المكسورة لقلب الواو ياء كالمعتى والمعتي ومضياً كصبي، والمعنى أنهم بكفرهم ونقضهم ما عهد إليهم أحقاء بأن يفعل بهم ذلك لكنا لم نفعل لشمول الرحمة لهم واقتضاء الحكمة إمهالهم. {وَمَن نّعَمّرْهُ} ومن نطل عمره. {نُنَكِّـسْهُ فِى ٱلْخَلْقِ} نقلبه فيه فلا يزال يتزايد ضعفه وانتقاض بنيته وقواه عكس ما كان عليه بدء أمره، وابن كثير على هذه يشبع ضمة الهاء على أصله، وقرأ عاصم وحمزة «نُنَكّـسْهُ» من التنكيس وهو أبلغ والنكس أشهر. {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ} أن من قدر على ذلك قدر على الطمس والمسخ فإنه مشتمل عليهما ويزاد غير أنه على تدرج، وقرأ نافع برواية ابن عامر وابن ذكوان ويعقوب بالتاء لجري الخطاب قبله. {وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشّعْرَ} رد لقولهم إن محمداً شاعر أي ما علمناه الشعر بتعليم القرآن، فإنه لا يماثله لفظاً ولا معنى لأنه غير مقفى ولا موزون، وليس معناه ما يتوخاه الشعراء من التخيلات المرغبة والمنفرة ونحوها. {وَمَا يَنبَغِي لَهُ} وما يصح له الشعر ولا يتأتى له إن أراد قرضه على ما خبرتم طبعه نحواً من أربعين سنة، وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب»تفسير : وقوله:شعر : هَلٌ أَنَتَ إلا إِصبعٌ دَميت وفي سَبِيلِ الله مَا لقيتِ تفسير : اتفاقيٌ من غير تكلف وقصد منه إلى ذلك، وقد يقع مثله كثيراً في تضاعيف المنثورات على أن الخليل ما عد المشطور من الرجز شعراً، هذا وقد روي أنه حرك الباءين وكسر التاء الأولى بلا إشباع وسكن الثانية، وقيل الضمير للـ {قُرْءانَ} أي وما يصح للقرآن أن يكون شعراً. {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ} عظة وإرشاد من الله تعالى. {وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ} وكتاب سماوي يتلى في المعابد، ظاهر أنه ليس من كلام البشر لما فيه من الإِعجاز. {لّيُنذِرَ} القرآن أو الرسول صلى الله عليه وسلم، ويؤيده قراءة نافع وابن عامر ويعقوب بالتاء. {مَن كَانَ حَيّاً} عاقلاً فهما فإن الغافل كالميت، أو مؤمناً في علم الله تعالى فإن الحياة الأبدية بالإِيمان، وتخصيص الإِنذار به لأنه المنتفع به. {وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ} وتجب كلمة العذاب. {عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} المصرين على الكفر، وجعلهم في مقابلة من كان حياً إشعاراً بأنهم لكفرهم وسقوط حجتهم وعدم تأملهم أموات في الحقيقة. {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} مما تولينا إحداثه ولم يقدر على إحداثه غيرنا، وذكر الأيدي وإسناد العمل إليها استعارة تفيد مبالغة في الاختصاص، والتفرد بالإِحداث. {أَنْعـٰماً} خصها بالذكر لما فيها من بدائع الفطرة وكثرة المنافع. {فَهُمْ لَهَا مَـٰلِكُونَ} متملكون لها بتمليكنا إياها، أو متمكنون من ضبطها والتصرف فيها بتسخيرنا إياها لهم قال:شعر : أَصْبَحْتُ لاَ أَحْمِلُ السِّلاَحَ وَلا أَمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إِنْ نَفَرَا تفسير : {وَذَلَّلْنَـٰهَا لَهُمْ} وصيرناها منقادة لهم. {فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ } مركوبهم، وقرىء «ركوبتهم»، وهي بمعناه كالحلوب والحلوبة، وقيل جمعه وركوبهم أي ذو ركوبهم أو فمن منافعها {رَكُوبُهُمْ}. {وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} أي ما يأكلون لحمه. {وَلَهُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ} من الجلود والأصواف والأوبار. {وَمَشَـٰرِبُ} من اللبن جمع مشرب بمعنى الموضع، أو المصدر وأمال الشين ابن عامر وحده برواية هشام. {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} نعم الله في ذلك إذ لولا خلقه لها وتذليله إياها كيف أمكن التوسل إلى تحصيل هذه المنافع المهمة. {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةً} أشركوها به في العبادة بعد ما رأوا منه تلك القدرة الباهرة والنعم المتظاهرة، وعلموا أنه المتفرد بها. {لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} رجاء أن ينصروهم فيما حزبهم من الأمور والأمر بالعكس لأنهم. {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ} لآلهتهم. {جُندٌ مٌّحْضَرُونَ} معدون لحفظهم والذب عنهم، أو {مُحْضَرُونَ} أثرهم في النار.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ } لأعميناهم طمساً {فَاسْتَبِقُوا } ابتدروا {ٱلصِّرٰطَ } الطريق ذاهبين كعادتهم {فأَنَّىٰ } فكيف {يُبْصِرُونَ } حينئذ؟ أي لا يبصرون.

ابن عطية

تفسير : الضمير في {أعينهم} مراد به كفار قريش، ومعنى الآية تبيين أنهم في قبضة القدرة وبمدرج العذاب إن شاء الله تعالى لهم، وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة: أراد الأعين حقيقة، والمعنى لأعميناهم فلا يرون كيف يمشون، ويؤيد هذا مجانسة المسخ للعمى الحقيقي، وقال ابن عباس: أراد أعين البصائر، والمعنى لو شئنا لختمنا عليهم بالكفر فلم يهتد منهم أحد أبداً، و"الطمس" إذهاب الشيء، من الآثار والهيئات، حتى كأنه لم يكن، أي جعلنا جلود وجوههم متصلة حتى كأنه لم تكن فيها عين قط، وقوله تعالى: {فاستبقوا} معناه على الفرض والتقدير، كأنه قال: ولو شئنا لأعميناهم فاحسب أو قدر أنهم يستبقون الصراط وهو الطريق {فأنى} لهم بالإبصار وقد أعميناهم، و"أنى" لفظة استفهام فيه مبالغة وقدره سيبويه، كيف ومن أين، {مسخناهم} ظاهره تبديل خلقتهم بالقردة والخنازير ونحوه مما تقدم في بني إسرائيل وغَيرهم، وقال الحسن وقتادة وجماعة من المفسرين: معناه لجعلناهم مقعدين مبطلين، لا يستطيعون تصرفاً، وقال ابن سلام هذا التوعد كله يوم القيامة، وقرأ جمهور القراء "على مكانتهم" بإفراد، وهو بمعنى المكان كما يقال دار ودارة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر "على مكاناتهم" بالجمع، وفي قراءة الحسن وابن أبي إسحاق، وقرأ جمهور القراء "مُضياً" بضم الميم، وقرأ أبو حيوة "مَضياً" بفتحها، ثم بين تعالى دليلاً في تنكيسه المعمرين وأن ذلك مما لا يفعله إلا الله تعالى، وقرأ جمهور الناس "نَنْكُسه" بفتح النون الأولى وسكون الثانية، وضم الكاف، وقرأ حمزة وعاصم بخلاف عنه "نُنَكِّسه" بضم النون الأولى وفتح الثانية وشد الكاف المكسورة على المبالغة، وأنكرها أبو عمرو على الأعمش، ومعنى الآية نحول خلقه من القوة إلى الضعف ومن الفهم إلى البله، ونحو هذا، وقرأ نافع وأبو عمرو في رواية عياش "تعقلون" بالتاء على معنى قل لهم، وقرأ الباقون "يعقلون" بالياء على ذكر الغائب، ثم أخبر تعالى عن حال نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ورد قول من قال من الكفرة إنه شاعر، وإن القرآن شعر بقوله تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول الشعر، ولا يزنه، وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم متمثلاً كسر وزنه، وإنما كان يحرز المعنى فقط وأنشد يوماً قول طرفة: [الطويل] شعر : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك من لم تزوده بالأخبار تفسير : وأنشد يوماً وقد قيل له من أشعر الناس؟ فقال الذي يقول: [الطويل] شعر : ألم ترياني كلما جئت طارقاً وجدت بها وإن لم تطيب طيبا تفسير : وأنشد يوماً: شعر : أتجعل نهبي ونهب العبيـــ ـــد بين الاقرع وعيينة تفسير : وقد كان صلى الله عليه وسلم ربما أنشد البيت المستقيم في النادر وروي أنه أنشد بيت ابن رواحة: [الطويل] شعر : يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع تفسير : وقال الحسن بن أبي الحسن: أنشد النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهياً" تفسير : ، فقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: نشهد أنك رسول الله إنما قال الشاعر: "كفى الشيب والإسلام إلخ... " حكاه الثعلبي. قال القاضي أبو محمد: وإصابته الوزن أحياناً لا يوجب أنه يعلم الشعر، وكذلك قد يأتي أحياناً في نثر كلامه ما يدخل في وزن كقوله يوم حنين، "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" كذلك يأتي في آيات القرآن وفي كل كلام وليس كله بشعر ولا هو في معناه. قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية تقتضي عندي غضاضة على الشعر ولا بد، ويؤيد ذلك قول عائشة رضي الله عنها: كان الشعر أبغض الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يتمثل بشعر أخي قيس طرفة فيعكسه، فقال له أبو بكر: ليس هكذا، فقال: "ما أنا بشاعر وما ينبغي لي"، وقد ذهب قوم إلى أن الشعر لا غض عليه، قالوا وإنما منعه الله من التحلي بهذه الحلية الرفيعة ليجيء القرآن من قبله أغرب فإنه لو كان له إدراك الشعر لقيل في القرآن إن هذا من تلك القوى. قال القاضي أبو محمد: وليس الأمر عندي كذلك، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم من الفصاحة والبيان في النثر في المرتبة العليا، ولكن كلام الله تعالى يبين بإعجازه ويبرز برصفه ويخرجه إحاطة علم الله من كل كلام، وإنما منعه الله تعالى من الشعر ترفيعاً له عما في قول الشعراء من التخييل، وتزويق القول، وأما القرآن فهو ذكر لحقائق وبراهين، فما هو بقول شاعر، وهكذا كان أسلوب كلامه عليه السلام لأنه لا ينطق عن الهوى، والشعر نازل الرتبة عن هذا كله، والضمير في {علمناه} عائد على محمد صلى الله عليه وسلم قولاً واحداً، والضمير في {له} يحتمل أن يعود على محمد ويحتمل أن يعود على القرآن، وإن كان لم يذكر لدلالة المجاورة عليه، وبين ذلك قوله تعالى: {إن هو} وقرأ نافع وابن كثير، "لتنذر" بالتاء على مخاطبة محمد صلى الله عليه وسلم وقرأ الباقون "لينذر" بالياء أي لينذر القرآن أو لينذر محمد، واللام في "لينذر" متعلقة بـ {مبين}، وقرأ محمد اليماني "ليُنذَر" بضم الياء وفتح الذال قال أبو حاتم: ولو قرىء "لينذَر" بفتح الياء والذال أي لتحفظ ويأخذ بحظه لكان جائزاً، وحكاها أبو عمرو قراءة عن محمد اليماني، وقوله تعالى: {من كان حياً} أي حي القلب والبصيرة، ولم يكن ميتاً لكفره، وهذه استعارة قال الضحاك {من كان حياً} معناه عاقلاً، {ويحق القول} معناه يحتم العذاب ويجب الخلود، وهذا كقوله تعالى: {أية : حقت كلمة ربك} تفسير : [يونس: 33].

ابن عبد السلام

تفسير : {لَطَمَسْنَا} أعمينا أبصار المشركين في الدنيا فضلوا عن الطريق فلا يبصرونه أو أعمينا قلوبهم فضلوا عن الحق فلا يهتدون إليه "ع" والمطموس الذي لا يكون بين عينيه شق مأخوذ من طمس الأثر.

الخازن

تفسير : {ولو نشاء لطمسنا على أعينهم} أي أذهبنا أعينهم الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شق والمعنى ولو نشاء لأعمينا أعينهم الظاهرة كما أعمينا قلوبهم {فاستبقوا الصراط} أي فبادروا إلى الطريق {فأنى يبصرون} أي كيف يبصرون وقد أعمينا أعينهم والمعنى ولو نشاء لأضللناهم عن الهدى وتركناهم عمياً يترددون فكيف يبصرون الطريق حينئذ وقال ابن عباس يعني لو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم فأعميناهم عن غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى يبصرون ولم نفعل ذلك بهم {ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم} يعني ولو نشاء لجعلناهم قردة وخنازير في منازلهم وقيل لجعلناهم حجارة لا أرواح فيها {فما استطاعوا مضياً} أي لا يقدرون أن يبرحوا {ولا يرجعون} أي إلى ما كانوا عليه وقيل لا يقدرون على الذهاب ولا الرجوع {ومن نعمره ننكسه في الخلق} أي نرده إلى أرذل العمر شبه الصبي في أول الخلق وقيل نضعف جوارحه بعد قوتها وننقصها بعد زيادتها وذلك أن الله تعالى خلق الإنسان في ضعف من جسده وخلو من عقل وعلم في حال صغره ثم جعله يتزايد وينتقل من حال إلى حال إلى أن بلغ أشده واستكمل قوته وعقله وعلم ما له وما عليه فإذا انتهى إلى الغاية واستكمل النهاية رجع ينقص حتى يرد إلى ضعفه الأول فذلك نكسه في الخلق {أفلا يعقلون} أي فيعتبرون ويعلمون أن الذي قدر على تصريف أحوال الإنسان قادر على البعث بعد الموت قوله عز وجل: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} قيل إن كفار قريش قالوا إن محمداً شاعر وما يقوله شعر فأنزل الله تعالى تكذيباً لهم وما علمناه الشعر وما ينبغي له أي ما يسهل له ذلك وما يصلح منه بحيث لو أراد نظم شعر لم يتأت له ذلك كما جعلناه أمياً لا يكتب ولا يحسب لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض قال العلماء ما كان يتزن له بيت شعر وإن تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسراً كما روي عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت: كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهياً, فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه يا نبي الله إنما قال الشاعر: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً: أشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم وما علمناه الشعر وما ينبغي له" هذا حديث مرسل وروي "حديث : عن عائشة رضي الله تعالى عنها وقد قيل لها "هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر قالت كان يتمثل بشعر ابن رواحة ويقول: ويأتيك بالأخبار من لم تزود" ". تفسير : أخرجه الترمذي وفي رواية لغيره "أن عائشة رضي الله تعالى عنها سئلت هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر قالت كان الشعر أبغض الحديث إليه ولم يتمثل إلا بيت أخي بني قيس طرفة: شعر : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالأخبار من لم يزود تفسير : فجعل يقول ويأتيك من لم تزود بالأخبار فقال أبو بكر رضي الله عنه ليس هكذا يا رسول الله فقال: "حديث : إني لست بشاعر ولا ينبغي لي ". تفسير : فإن قلت قد صح من حديث جندب بن عبد الله قال "بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أصابه حجر فدمت أصبعه فقال: شعر : هل أنـت إلا أصبـع دميـت وفي سبيل الله ما لقيت تفسير : أخرجاه في الصحيحين ولهما من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: شعر : اللهم إن العيش عيش الآخره فأكرم الأنصار والمهاجره تفسير : وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: شعر : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب تفسير : قلت ما هذا إلا من كلامه الذي يرمي به من غير صنعة فيه ولا تكلف له إلا أن اتفق كذلك من غير قصد إليه وإن جاء موزوناً كما يتفق في كثير من إنشاءات الناس في خطبهم ورسائلهم ومحاوراتهم كلام موزون يدخل في وزن البحور, ومع ذلك فإن الخليل لم يعدّ المشطور من الرجز شعراً ولما نفى أن يكون القرآن من جنس الشعر قال تعالى: {إن هو إلا ذكر} يعني ما هو إلا ذكر من الله تعالى يعظ به الإنس والجن ليس بشعر لأنه ليس على أساليب الشعر ولا يدخل في بحوره {وقرآن مبين} أي إنه كتاب سماوي يقرأ في المحاريب ويتلى في المتعبدات وينال بتلاوته الثواب والدرجات, وفيه بيان الحدود والأحكام وبيان الحلال والحرام فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين وأقاويل الشعراء الكاذبين.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه {وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ} الضميرُ في «أعْيُنِهِمْ» لكفارِ قريش، ومعنى الآية: تَبْيِينُ أَنَّهُمْ في قَبْضَةِ القدرةِ، وبمَدْرَجِ العَذَابِ. قالَ الحَسَنُ وقتادة: أراد الأعْيُنَ حقيقة، والمعنى: لأَعْمَيْنَاهُمْ؛ فَلاَ يَرَوْنَ كَيْفَ يَمْشُونَ؛ ويؤيدُ هذا مجانسةُ المَسْخِ لِلْعَمَى الحَقِيقِيِّ. وقوله: {فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرٰطَ} معناه: على الفَرْضِ والتقدير، كأَنَّه قال: ولو شِئْنَا لأَعْمَيْنَاهم، فَٱحْسِبْ أو قَدِّرْ أَنَّهُمْ يَسْتَبِقُونَ الصِّرَاطَ؛ وهو الطريقُ، فَأَنَّى لَهُمْ بالإبْصَارِ، وَقَدْ أَعْمَيْنَاهُمْ، وعبارةُ الثَّعْلَبِيِّ: وقالَ الحسنُ والسدي: ولو نشاء لَتَرَكْنَاهُمْ عُمْياً يَتَرَدَّدُونَ؛ فَكَيْفَ يُبْصِرُونَ الطريقَ حينئذ، انتهى، وقال ابن عباس: أراد: أعْيُنَ البَصَائِر؛ والمَعْنَى: لو شِئْنَا لَحَتَمْنَا عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ؛ فلم يهتدِ منْهم أحَدٌ أبداً، وبَيَّنَ تعالى في تنكِيسِه المُعَمَّرِينَ، وأن ذلك مما لا يَقْدِرُ عليه إلا هو سبحانه، وتَنْكِيسُه: تَحَوُّلُ خَلْقِه من القوةِ إلى الضَّعْفِ؛ ومِنَ الفَهْمِ إلى البَلَهِ، ونَحْوُ ذلك. ثم أخْبَرَ تعالى عَن حالِ نبيه محمدٍ ـــ عليه السلام ـــ رَادًّا عَلى مَنْ قَال من الكفرة: إنه شَاعرٌ وإن القرآن شِعْرٌ ـــ بقوله: {وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشّعْرَ...} الآية.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏ولو نشاء لطمسنا على أعينهم‏} ‏ قال‏:‏ أعميناهم وأضللناهم عن الهدي ‏ {‏فأنّى يبصرون‏} ‏ فكيف يهتدون‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فاستبقوا الصراط‏}‏ قال‏:‏ الطريق ‏ {‏فأنّى يبصرون‏} ‏ وقد طمسنا على أعينهم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏ولو نشاء لمسخناهم‏}‏ قال‏:‏ أهلكناهم ‏ {‏على مكانتهم‏}‏ قال‏:‏ في مساكنهم‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله ‏{‏ولو نشاء لمسخناهم‏}‏ يقول‏:‏ لجعلناهم حجارة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ‏ {‏ولو نشاء لطمسنا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏ .‏ قال‏:‏ لو شاء الله لتركهم عمياً يترددون ‏ {‏ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم‏}‏ قال‏:‏ لو نشاء لجعلناهم كسحاً لا يقومون‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ‏{‏فما استطاعوا مضياً ولا يرجعون‏} ‏ قال‏:‏ فلم يستطيعوا أن يتقدموا، ولا يتأخروا‏.‏

التستري

تفسير : قوله: {وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ}[66] قال: يعني ولو نشاء لفقأنا أعين قلوبهم التي يبصرون الكفر وطريقه، فيبصرون طريق الإسلام، ولا يبصرون غيره، {فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ}[66] طريق الإسلام، ولم يفعل ذلك.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولو نشاء} لو للمضى ان دخل على المضارع ولذا لا يجزمه اى ولو اردنا عقوبة المشركين فى الدنيا هم اهل مكة {لطمسنا على اعينهم} طمس الشئ ازالة اثره بالكلية يقال طمسته اى محوته واستأصلت اثره كما فى القاموس اى لسوينا اعينهم ومحوناها بان ازلنا ضوءها وصورتها بحيث لا يبدو لها شق ولا جفن وتصير مطموسة ممسوخة كسائر اعضائهم: وبالفارسية [هراينه نابيدا كنيم يعنى رقم محو كشيم برجشمهاى ايشان] يعنى كما اعمينا قلوبهم ومحونا بصائرهم لو نشاء لاعمينا ابصارهم الظاهرة وازلناها بالكلية فيكون عقوبة على عقوبة {فاستبقوا الصراط} الاستباق افتعال: وبالفارسية [بريكديكر بيش كرفتن] والصراط من السبيل مالا التواء فيه بل يكون على سبيل القصد وانتصابه بنزع الجار لان الصراط مسبوق اليه لا مسبوق اى فارادوا ان يستبقوا ويتبادروا الى الطريق الواسع الذى اعتادوا سلوكه: وبالفارسية [بس بيشى كيرند وآهنك كنند راهى راكه در سلوك آن معتادند] {فأنى يبصرون} اى فكيف يبصرون الطريق وجهة السلوك الى مقاصدهم حين لاعين لهم للابصار فضلا عن غيره اى لا يبصرون لان أنى بمعنى كيف وكيف هنا انكار فتفيد النفى وحاصله تهديد لاهل مكة بالطمس فان الله تعالى قادر على ذلك كما فعل بقول لوط حين كذبوه وراودوه عن ضيفه. وفى التأويلات النجمية يشير الى طمس عين الظاهر بحيث لا يكون لها شق فكيف تبكى حتى تشهد بالبكاء على صاحبها ويشير ايضا الى طمس عين الباطن فاذا كانت مطموسة كيف يبصر بها الحق والباطل ليرجع من الباطل الى الحق واذا لم يبصر بها الحق كيف يخاف من الباطل ليحترق قلبه بنار الخوف فيسيل منه الدمع ليشهد له بالبكاء من الخوف شعر : كريه وزارى دليل رهبتست هركرا اين نيست اهل شقوتست

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ولم نشاءُ لطَمَسْنَا على أعيُنِهِم} اليوم، أي: أعميناهم وأذهبنا أبصارهم. والطمس: سد شق العين حتى تعود ممسوخة. {فاستَبَقُوا الصِّرَاطَ} على حذف الجار، وإيصال الفعل، أي: فاستبقوا إلى الطريق الذي اعتادوا سلوكه، وبادَروا إليه؛ لِما يلحقهم من الخوف، {فأنَّى يُبصرون} فكيف يُبصرون حينئذ من جهة سلوكهم، فيضلون في طريقهم عن بلوغ أملهم. {ولو نشاء لَمَسَخْناهم} قردة، وخنازير، أو حجارة، {على مكانتهم}: على منازلهم، وفي ديارهم، حيث يأمنون من المكاره. والمكانة والمكان واحد، كالمقامة والمقام. {فما استطاعوا مُضيًّا ولا يرجِعُون} فلم يقدروا على ذهاب ومجيء، أو: مُضِياً أمامهم، ولا يرجعون خلفهم. والمعنى: أنهم لكفرهم ونقضهم ما عهد إليهم أحقاء بأن نفعل بهم ذلك، لكنا لم نفعل؛ لشمول الرحمة لهم، واقتضاء الحكمة إمهالهم. {ومن نُعَمِّرْهُ} نُطِل عمره {نُنكِّسْهُ في الخلقِ} نقلبه فيه. وقرأ عاصم وحمزة بالتشديد. والنكس والتنكيس: جعل الشيء أعلاه أسفله. والمعنى: مَن أطلنا عمره نكَسنا خلقه، وهو نوع من المسخ، فصار بدل القوة ضعفاً، وبدل الشباب هرماً، وذلك أنا خلقناه على ضعف في جسده، وخلو من عقل وعلم، ثم جعلناه يتزايدُ إلى أن يبلغ أشده، ويستكمل قوته، ويعْقل، ويعلم ما له وعليه، فإذا انتهى نكّسناه في الخلق، فجعلناه يتناقصُ حتى يرجع إلى حال شبيهة بحال الصبيّ، في ضعف جسده، وقلّة عقله، وخلوّه من العلم، كما ينكس السهم، فيجعل أعلاه أسفله. قال تعالى: {أية : وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}تفسير : [النحل: 70]. قال ابن عباس: "مَن قرأ القرآن ـ أي وعمل به ـ لم يرد إلى أرذل العمر". {أفلا يعقلون} أنّ مَن قدر أن ينقلهم من الشباب إلى الهرم، ومن القوة إلى الضعف، ومن رجاحة العقل إلى الخرف وقلة التمييز، قادرٌ على أن يطمسَ على أعينهم، ويمسخهم على مكانتهم، ويبعثهم بعد الموت. الإشارة: ولو نشاء لطمسنا على أعينهم، فلا يهتدون إلى طريق السلوك، ولا يسلكونها، فيبقوا في الحجاب على الدوام. ولو نشاء لمسخنا قلوبهم على مكانتهم، من رجاحة العقل والفهم، فلا يتدبّرون إلا في الأمور الحسية، فلا يستطيعون مُضيًّا في بلاد المعاني، ولا رجوعاً عن الحسيّات. ومَن نُعَمّره من هؤلاء نُنكّسْهُ في الخلق، فيلحقه الخرف والضعف، وأما مَن اهتدى إلى طريق السير، وسلك بلاد المعاني، فلا يزيده طول العمر إلا رجاحةً في العقل، وقوةً في العلم، وتمكيناً في المعاني والمعرفة. قال القشيري: ومَن نُعَمِّرْهُ ننكِّسْه في الخلق: نرده إلى العكس، فكما كان يزداد في القوة، يأخذ في النقصان، إلى أن يبلغَ أرذلَ العُمر، فيصير إلى مثل حال الطفولية من الضعف، ثم لا يبقى بعد النقصان شيءٌ، كما أنشدوا: شعر : طوى العصران ما نشراه مني فأبلى جدتي نشرٌ وطي أراني كلَّ يومٍ في انتقاصٍ ولا يبقى مع النقصان شي تفسير : وهذا في الجثة والمباني، دون الأحوال والمعاني، فإن الأحوال ـ في حق الجثة ـ في الزيادة إلى بلوغ حَد الخَرَفِ، فيَخْتَلُّ رأيُه وعَقْلُه. وأصحاب الحقائق تشيب ذوائبُهم، ولكنَّ محابَّهم ومعانيَهم في عنفوان شبابها، وطراوة جدَّتها. هـ. ثم أنكر على من رمى القرآن بكونه شعراً، فقال: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ...}

الطوسي

تفسير : قرأ ابو بكر عن عاصم {مكاناتهم} على الجمع. الباقون على التوحيد، لأنه يدل على القليل والكثير. وقرأ عاصم وحمزة {ننكسه} بضم النون الأولى وفتح الثانية وتشديد الكاف. الباقون بفتح النون الأولى وتخفيف الثانية وتخفيف الكاف، وهما لغتان تقول: نكست ونكست مثل رددت ورددت غير ان التشديد للتكثير، والتخفيف يحتمل القليل والكثير، وقال ابو عمرو بالتشديد إن ترك الرجل من دأبه، وبالتخفيف ان يرده إلى ارذل العمر، ففرق بينهما. وقرأ نافع وابوا جعفر والداحوني عن هشام والنقار ويعقوب {أفلا تعقلون} بالتاء. الباقون بالياء، والأول على الخطاب، والثاني على الخبر عن الغائب. وقرأ اهل المدينة وابن عامر {لتنذر} بالتاء. الباقون بالياء. يقول الله تعالى مخبراً عن قدرته على إهلاك هؤلاء الكفار الذين جحدوا وحدانيته وعبدوا سواه وجحدوا رسله إنا {لو نشاء لطمسنا على أعينهم} قال ابن عباس: معناه إنا لو شئنا أعميناهم عن الهدى. وقال الحسن وقتادة: معناه لتركناهم عمياً يترددون والطمس محو الشئ حتى يذهب أثره، فالطمس على العين كالطمس على الكتاب، ومثله الطمس على المال: إذهابه حتى لا يقع على إدراكه {فاستبقوا الصراط} ومعناه طلبوا النجاة. والسبق اليها ولا بصر لهم {فأنى تبصرون} وقيل: معناه فاستبقوا الطريق إلى منازلهم فلم يهتدوا اليها. وقال ابن عباس: معناه طلبوا طريق الحق وقد عموا عنها. والطمس على العين إذهاب الشق الذي بين الجفنتين، كما تطمس الريح الأثر يقال أعمى مطموس، وطمس أي عمي {فاستبقوا} معناه فابتدروا، وهذا بيان من الله أنهم في قبضته، وهو قادر على ما يريد بهم، فليحذروا تنكيله بهم. ثم قال زيادة في التحذير والارهاب {ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم} والمسخ قلب الصورة إلى خلقة مشوهة كما مسخ قوماً قردة وخنازير، والمسخ نهاية التنكيل. وقال الحسن وقتادة: معناه لمسخناهم على مقعدهم على أرجلهم والمكانة والمكان واحد، ولو فعلنا بهم ذلك {فما استطاعوا مضياً} أي لما قدروا أن يذهبوا أصلا ولا أن يجيئوا ثم قال {ومن نعمره ننكسه في الخلق} معناه إن من طولنا عمره نصيره بعد القوة إلى الضعف وبعد زيادة الجسم إلى النقصان وبعد الجدة والطراوة إلى البلى والخلاقة. وقيل معناه: نصيره ونرده إلى حال الهرم التي تشبه حال الصبي وغروب العلم وضعف القوى ذكره قتادة. وقوله {أفلا تعقلون} يعني ما ذكرناه بأن تفكروا فيه فتعرفوا صحة ما قلناه. ثم اخبر تعالى عن نبيه صلى الله عليه وآله فقال {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} ومعناه ما علمناه الشعر لأنا لو علمناه ذلك لدخلت به الشبهة على قوم في ما اتي به من القرآن وأنه قدر على ذلك لما في طبعه من الفطنة للشعر. وقيل: لما لم يعط الله نبيه العلم بالشعر وإنشائه لم يكن قد علمه الشعر، لأنه الذي يعطي فطنة ذلك من يشاء من عباده. ثم قال {إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} يعنى ليس الذي أنزلناه عليه شعراً بل ليس إلا ذكر من الله {وقرآن مبين لتنذر به} يعني واضح، وفعلنا ذلك وغرضنا أن تنذر به أي تخوف به من معاصي الله {من كان حياً} قيل: معناه من كان مؤمناً، لأن الكافر شبهه ومثله بالاموات في قوله {أية : أموات غير أحياء} تفسير : ويقويه قوله {ويحق القول على الكافرين} ويجوز أن يكون أراد من كان حياً عاقلاً دون من كان جماداً لا يعقل، ويحق القول على الكافرين إذا لم يقبلوه وخالفوا فيه. ومن قرأ بالتاء وجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله لأنه الذي يخوف. ومن قرأ بالياء معناه إن الله الذي يخوفهم ويرهبهم بالقرآن، لانه الذي أنشأه، ويجوز أن يكون القرآن هو الذي ينذر من حيث تضمن الانذار.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : الطمس: محو الشيء حتى يذهب أثره، و "الطمس على العين": تعفية شق العين حتى تذهب وتعود ممسوحة، ومثله "الطمس على الكتاب" وهو إذهابه حتى لا يقع عليه إدراك. وقوله: "فاستبقوا الصراط" إما على طريقة الحذف والإيصال، أي فاستبقوا إلى الصراط، أو بتضمين معنى "ابتدروا"، أو يجعل الصراط مسبوقاً لا مسبوقاً إليه، أو ينتصب على الظرف، أي: فلو قصدوا (تصدوا) أن يستبقوا إلى الصراط فأنّى يتيسر لهم، لكونهم عمياً لا يبصرون الطريق. و"المَسْخُ": قَلْبُ الصورة إلى خِلقة مشوَّهة. و"المكانة" و"المكان" واحد كالمقامة والمقام، وربما يُفَرَّق بينهما، فيكون الأول للمعنوي، والثاني للوضعي. وقرئ: مكاناتهم، وقريء: مضياً - بالحركات الثلاث -. قد أخبر سبحانه، عن قدرته على كشف سرائر هؤلاء الكفار، وصورتهم الباطنية الغائبة عن حواسّ أهل الدنيا، المناسبة لصفاتهم ونياتهم، وهي الصور التي سيُحْشَرون عليها يوم القيامة، فقال: ولو نشاء لطمسنا على أعينهم. وعن ابن عباس، أي: لأعميناهم عن الهدى. وعن الحسن والجبائي وقتادة: لتركناهم عُمْياً يترددون. فاستبقوا الصراط - أي: فطلبوا طريق الحق وقد عَمُوا عنه - فأنّى يُبْصِرون. وعن ابن عباس، وقيل معناه: فطلبوا النجاة والسبق إليها، لاَ بَصَرَ لهم فكيف يبصرون وقد أعميناهم. وقيل: طلبوا الطريق إلى منازلهم فلم يهتدوا إليها. ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم - التي هم فيها قعود، أي: لعذبناهم بنوع آخر من العذاب، فأقعدناهم في منازلهم ممسوخين قردة وخنازير، وقيل معناه: ولو نشاء لمسخناهم حجارة في منازلهم ليس فيهم أرواحهم. فما استطاعوا مضيّاً ولا يرجون - أي: فلم يقدروا على ذهاب ولا مجيء. وقيل معناه: فما استطاعوا مضياً من العذاب ولا رجوعاً إلى الخلقة الأولى بعد المسخ. مكاشفة "الطمس على العين": إشارة إلى إزالة الإستعداد عنهم لإدراك الحقائق بالبصيرة الباطينة، وهي القوة العاقلة النظرية، كما أن "المسخ على مكانتهم" - وهو إجمادهم في مرتبتهم التي كانوا عليها من النقص -، إشارة إلى قلب فطرتهم الإنسانية بحسب القوة العملية المستعدة لسلوك سبيل الحق بفعل الخيرات وإقامة الصلاة والزكاة إلى فطرة الدواب والأنعام، التي ليست لها قوة الإرتقاء إلى ملكوت السماء. والحاصل، أن أهل الكفر والاحتجاب وأصحاب الضلال والعذاب، وان كانوا في أصل الفطرة مستعدين لإدراك طريق الحق القويم، وقوة المشي على الصراط المستقيم، إلاّ أنهم لانكارهم وجحودهم آيات الله ومعالم دينه وحكمته، طمست عقولهم النظرية وعيونهم الفطرية، فصاروا من جملة الشياطين المردودين إلى أسفل السافلين، ومسخوا بحسب قوتهم العملية فصاروا قردة وخنازير، فلو راموا أن يستبقوا إلى الطريقة العاملة التي لكل أحد أن يسلكها إلى مقصده الذي يناسبه بحسب أصل الفطرة - وهي الشريعة العامة التي بها نجاة كل أحد - لم يقدروا، وتعايا عليهم أن يبصروا ويعلموا جهة السلوك فيها من علوم المعاملات والمسائل الضروريّات - فضلاً عن غيره من علوم المكاشفات -. ومع قطع النظر عن كون السلوك متوقفاً على البصيرة، فصاروا لكثرة اعتيادهم كالدوابّ والأنعام بالتوطن في عالم الأجرام، وانحباسهم كالحشرات في قعر أرض البدن، ممسوخين على مكانتهم التي كانوا عليها، مجمودين في عالم الصورة، غير مستطيعين مضيّاً إلى عالم الرحمة والنجاة، لفقد الآلة وضعف البنية ومسخ الماهية، ولا راجعين إلى فطرتهم الأصلية، لاستحالة ذلك بالبراهين القاطعة العقلية والشواهد الناصّة (القاطعة) النقلية، كما استحالت في سنّة الله صيرورة الشيخ الكبير طفلاً صغيراً. وأما قوله: {أية : قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً}تفسير : [الحديد:13] فهو على سبيل التهكّم بهم. وإني قد رأيت من المستعدين من كان لهم بحسب الفطرة الأصلية لكلتا قوتيهم النظرية والعملية استعداد إدراك بعض المعارف الحقّة، والإقتدار على فعل الطاعات والخيرات، والمصابرة على ترك الفسوق والشهوات، فصاروا بعد حين بسبب ملاقاة أهل الإغترار، وملازمة أقران السوء، وصحبة أهل الغفلة والجهالة، والانكباب على الدنيا، والإعراض عن الحكمة، في غاية الجمود والبلاهة، والعمى عن إدراك المعقولات، لاعتيادهم بحفظ الوساوس الوهمية، والكلمات الواهية، والأقوال المتناقضة الباطلة، وفي غاية الكسل عن الخيرات والطاعات، لانْهِماكِهِم في طلب الشهوات النفسانية، وإفناد قواهم في السعي على اقتناء المرغوبات الحسية، وتحصيل الرياسات الحيوانية. وأكثر هؤلاء إذا تجاوزوا عن الأربعين وصاروا معمّرين، وأخذت قواهم في الانتكاس والذبول - كما أشير إليه في الآية التالية، توغّلوا في الإعراض عن الحق والخوض في الباطل، إلى أن صاروا أشد الناس عداوة للذين آمنوا بحسب الضمير والإعتقاد، وأغلظ المعاندين والجاحدين لأهل الحق لغاية البعد عن عالم المعاد، وأحرص الناس على حياة هذه الدنيا كاليهود الغالب على نشأتهم أحكام الظاهر، ومحبّة التجسم وعداوة أهل التجرد والتوحيد والروحانيين. كما قال تعالى: {أية : قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [البقرة:97] ولقوله: {أية : مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة:98] وهذا بالحقيقة معنى "الطمس" و "المسخ" الواقع في يهود الأمم السابقة مكشوفاً، وفي مجسّمة هذه الأمة مستوراً، لا التناسخ بالمعنى المشهور بين الفلاسفة، لنهوض البراهين على استحالة انتقال النفس من بدن عنصري إلى بدن آخر. وأما انقلاب باطن الإنسان بحسب كثرة الأعمال الشهوية والغضبية والجربزية إلى حقيقة البهائم والسباع والشياطين، فهذا مما اتفق عليه أكابر المحققين من أهل الكشف والشهود، وأشار إليه أعاظم الحكماء الأقدمين من أصحاب الإشراق والسلوك إلى الله المعبود، ونطقت به ألسنة الشرائع الحقة الإلهية، ودلّت عليه الآيات القرآنية، وصرحت به الأحاديث النبوية. وكفاك في هذا المعنى قوله تعالى في حق من أنزلهم أخس المنازل وأبعدهم عن ساحة الشرف الإنسانية بمراحل، وأسكنهم في حضيض الجهّال ومهوى الأرذال محجوبين عن شهود الحقيقة، مخذولين عن صراط سُوى الطريقة، بعدما كانوا مكرّمين من حيث استعدادهم بكرامة الآدمية، مشرّفين بشرافة مسجودية الملائكة من جهة الفطرية: {أية : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ}تفسير : [المائدة:60]. فإنه صريح في أنهم جعلوا في جحودهم الحق، وإنهماكهم في الشهوات وطلب الرياسات، أنزلَ رتبة وأسفل دركة من القردة والخنازير وعبد الطاغوت - بحسب القوة العملية - وأعمى قلباً عن رؤية الحق، وأضل انحرافاً عن الصراط المستقيم من الشيطان الرجيم - بحسب القوة النظرية -، فإن الحيوانات - وإن كانت أشراراً خسيسة دنيّة - والشياطين - وإن كانت خبيثة ضالة عن طريق الحق - لكن ليس لها استعداد الارتقاء إلى مقارنة الحق الأعلى، ومجاورة مقرّبيه وطبقات جنانه وملكوته، وأما هؤلاء فإنهم كانوا بحسب أصل الفطرة وميثاق عهد الربوبية مستعدين لسلوك سبيل الله، والحشر إلى جناب رحمته، والفوز بجنانه والوصل إلى رضوانه، وقد بطل استعدادهم النظري لرؤية الأشياء كما هي، بالطمس على عيونهم، وفسد اقتدارهم العملي العروجي بالمسخ، فصاروا مغلولي الأيدي ومقيدي الأرجل، كالقردة المغلولة، والخنازير المقيدة، حيث زيد فيها غلّ على غلّ، وقيد على قيد. ولذا قال تعالى نظراً إلى زوال القوة الدراكة بالطمس {أية : إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [الأنفال:22] ونظراً إلى كلال القوة الحراكة بالمسخ: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}تفسير : [الأعراف:179]. فإن قلت: دعوى عدم الاستعداد رأساً للارتقاء إلى عالم السماء في الحيوانات الصامتة وإن كان مسلَّماً معلوماً، لكن عدم استعداد ادراك المعارف في الشيطان غير معلوم، لأنه كان واعظاً للملائكة معلماً لهم. قلت: هذا عند أهل الله أمر محقق ثابت، ولهم في ذلك شواهد كشفية ودلائل قرآنية: منها: اعتراضه على الحق وتمرده عن سجدة آدم، فهذا دلّ على أن إدراكه من باب التخيلات والأوهام، غير بالغة إلى حد التعقّل، وليس من شأنه العروج إلى سماء اليقينيات، وإنما غاية سيره (مسيره) إلى سوافل الظنون والأوهام، واستراق السمع من أهل التجرد والقدس والطهارة، وليس له إلاّ أن ينقل صورة المسألة لغرض النفس والهوى، منضماً إليها وجوه من الخبائث الباطنية والدواعي النفسانية. ومنها: قصور فهمه عن إدراك حقيقة الإنسان وفضيلة ذاته الأصلية - ان لم يصبها آفة - على سائر الأقران، باعتبار جامعيته للنشأتين، واستحقاقه لخلافة الله في العالمين. ومنها: وقوعه في الغلط الفاحش والقياس المغالطي المبتني على الاشتباه بين مادة الشيء وصورته، حيث لم يتفطّن بأن رتبة الإنسان ليست من جهة البنية العنصرية الأرضية، بل بحسب جوهر الروح، فكأنه لم يكن عارفاً بوجود المجرّدات العقلية. ومنها: فعلية جوهره وغلبة النارية على ذاته، وعدم العجز والانكسار والآفة البدنية فيه، فإن منشأ استحقاقية الإنسان للارتقاء إلى عالم القدس والرضوان، ورحمة الله في حقه من جهة غاية عجزه وافتقاره وانكساره، وتقلّب ذاته من طور إلى طور، وانزعاج طبعه عن وحشة هذا العالم، وكثرة آفاته وأمراضه، وضعف طبيعته في أول النشأة، كما قال تعالى: {أية : وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً} تفسير : [النساء:28]. فكل من لم يكن أول الفطرة حاله هذا الحال، وكان له ضرب من الكمال الوهمي، مبتهجاً بزينة ذاته الاستعلائة وصورته النارية الاشتعالية، فخوراً بقهره وعلو جسميته الدخانية، فلا محالة لم يتوقع الكمال، ولم يكن له حال منتظر يمكن له الوصول إليه بالجواز عن مقامه الذي فيه، والسالك متى لم يمت عن نشأته التي هو فيها، لم يمكنه التجاوز إلى نشأة أخرى فوقها. ومن نظر إلى حال الإنسان من أول تكّونه إلى غاية نشوّه - حيث كان أولاً نطفة، ثم علقة، ثم مُضغة، ثم جنيناً، ثم طفلاً - تيقّن أن بناء استكماله وبناء انتقاله إلى حالة أخرى، زواله عن الحالة الأولى، فما لم يخلع عن ذاته كسوة صورة سابقة، لم يتلبّس بكسوة صورة لاحقة، ومتى لم يمت عن نشأة، لم يحي بحياة ثانية. ومنها: أنه لو كان في ذاته إمكان الترقي إلى مشاهدة الحقائق الإلهيّة، والتفطن بالعلوم الربانية، لكان بالغاً إلى شيء منها في المدد المتطاولة والألوف (الأيون) الجمّة الغفيرة من الأحقاف والإعمار والأدوار والأكوار التي مضت عليه، مع كثرة الشواهد والآيات الدالة على حقيقة وجود الباري الكريم الجواد، وكيفية صفاته وآثاره، وحقيقة أسرار المبدء والمعاد، وانتفاء التالي يدل على انتفاء المقدم. أما الملازمة فواضحة، وأما انتفاء التالي: فلأنّ أقل المراتب في معرفة المبدء من علم الآفاق، والإيمان بقدرة الباري، ووجوب عبوديته، وامتثال أمره ونهيه، وأدنى المراتب في معرفة المعاد، من علم الأنفس الإذعان بوجود النشأة الباقية للإنسان، وفضيلته على سائر المكونات، ومعلوم أن هذا القدر من المعرفة لم يكن حاصلاً له ولو على وجه التقليد والظن الحاصلين لأكثر العوام من أهل الإسلام. ومنها: قوله تعالى: {أية : أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ}تفسير : [ص:75] فإنه كاشف عن خسّة ذاته، وقصور جوهره عن أن يكون من العالين، وهم سكان عالم التقديس وجواهر الملكوت العقلية، المرتفعون بحسب كمالهم العلمي عن سوافل عالم الغواشي المادية الموجبة للجهالة، فإن بناء العلم والإنكشاف على التجرد والخلاص عن اللواحق الغريبة، وتميّز الخبيث عن الطيب، وبناء الجهالة على التلبّس بالأغشية الظلمانية السفليّة. فمن لم يكن بحسب جوهره وذاته من العالين - أي من جنس الملائكة العلويين - فلا يصل إلى مقامهم - لا بالفعل ولا بالقوة -، فإن التعليم والتهذيب لا يظهران إلاّ ما هو كامن في جبلّة الشخص وذاته. فهذه وجوه دالة على كون الشيطان ممنوع الذات والجبلة عن الاهتداء بطريق الحق، والارتقاء إلى عالم الملكوت، مطرود الماهية عن الوصول إلى اقليم النور والنعيم، محترق الطبيعة بنار الحرمان والبعد في أسفل دركة الجحيم. ومنها: إنه خالف إجماع الملائكة في سجود آدم، وهذا دال على غاية خباثة باطنه وسوء فطرته، حيث استبدّ برأيه، واستنكف عن الموافقة مع أهل الله وإخوان التجريد وأولياء الله. ومنها: أنه خاطبه الله خطاب الإمتحان بجوهر ذاته، ليظهر به حجة الله عليه واستحقاقيّة اللعن والبُعد وقال: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ}تفسير : [الأعراف:12] فلو كان ذا بصيرة لقال: "منعني تقديرك وقضاؤك ومشيتك الأزلية"، فلما كان أعمى بالعين التي ترى أحكام الله وتقديره وهويّته، بصيراً بالعين التي ترى أنانيته، فقال: "أنا خير منه" أي: منعني خيريتي منه أن أسجد لمن هو أدنى. ومنها: استدلاله في مقابلة النص على خيرية ذاته بقوله: {أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}تفسير : [الأعراف:12] يعني: النار علوية نورانية لطيفة، والطين سفلي ظلماني كثيف، فهي خير منه، فأخطأ اللعين في الجواب، وفي الاستدلال، والقياس من وجوه: وقد قررنا خطأه في الجواب. وأما في القياس: فأحد الوجوه أنا لو سلمنا أن النار أفضل وأشرف وأعلى من الطين من حيث الظاهر والصورة، لكن من حيث الحقيقة والغاية الطين أفضل وأشرف، لأن من خواص الطين الطين الإنبات والنشوّ والنمو، ولهذا السر كان يعلق الروح به ليصير قابلاً للترقّي، والنار من خاصيها الإحراق والإفناء. شعر : كه آدم راز ظلمت صد مدد شد زنور إبليس ملعون ابد شد تفسير : وثانيها: أن في الطين لزوبةً وامساكاً، فإذا استفاد الروح منه بالتربية هذه الخاصية، يصير ممسكاً للفيض الإلهي، إذ لم يكن ممسكاً في عالم الأرواح، ولهذا السر كان آدم مسجوداً للملائكة، وفي النار خاصية الإتلاف وهو ضدّ الإمساك. وثالثها: إنه مركّب من الماء والتراب، والماء مطيّة الحياة لقوله تعالى: {أية : مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}تفسير : [الأنبياء:30] والتراب مطيّة النفس وإذا امتزجا تتولد النفس الحيوانية، وهي الروح الحيواني، وهي مطية الروح الإنسانية للمناسبة الروحية بينهما، وفي النار ضد هذا من الإهلاك والإفساد. هذا مع أن شرف مسجودية آدم وفضيلته على ساجديه، لم يكن بمجرد خواصه الطينية التي هي جهة القبول والصلاحية، - وان تشرفت طينته بشرف التخمير من غير واسطة - لقوله تعالى: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}تفسير : [ص:75] وكقوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : خمّر طينة آدم بيده أربعين صباحاً"تفسير : - وإنما كانت فضيلته عليهم لاختصاصه بنفخ الروح المشرف بالإضافة إلى الحضرة فيه من غير واسطة، كما قال تعالى: {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} تفسير : [الحجر:29] ولاختصاصه بالتجلّي فيه عند نفخ الروح، كما في قوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : إن الله خلق آدم فتجلّى فيه"تفسير : ، وقد مرّ أن الملعون خلط بين جهة المادة وجهة الصورة، وشرافة آدم بصفة الإنسانية وصورته الذاتية. ولهذا السر - ما أمر الله الملائكة بالسجود بعد تسوية قالب آدم من الطين، بل أمرهم به بعد نفخ الروح فيه، كما قال تعالى: {أية : إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} تفسير : [ص:71 - 72] وذلك لآن آدم بعد أن نفخ فيه الروح، صار مستعداً للتجلي لما حصل فيه من لطافة الروح ونورانيته التي يستحق بها للتجلي، ومن امساك الطين الذي يقبل الفيض الإلهي مسكة عند التجلي، فاستحق سجود الملائكة لأنه صار قلبه كعبة حقيقية. تفهم إنشاء الله وتغتنم وتنتفع به، ولا تكونن كالشيطان أعمى القلب عن مطالعة هذه الحقائق، والمتكبر عن الإيمان بها فتخرج عن جنّة هذه المعارف، وروضة هذه العواطف، وتخاطب بقوله تعالى: {أية : فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ} تفسير : [الأعراف:13]. ومنها: كفره، لقوله تعالى: {أية : وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [البقرة:34] والكفر عين الجهل. واختلف المفسرون والفقهاء في أن كفره أهو قبل الإباء عن السجدة أم بعد؟ وفيه قولان: الأول: إنه كان إبليس عند اشتغاله بالعبادة منافقاً كافراً، وفي هذا وجهان: أحدهما: حكى محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في أول كتاب "الملل والنحل" عن شارح الأناجيل الأربعة - وهي المذكورة في التوراة متفرقة عن شكل مناظرة بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود -: قال ابليس: "إني أسلّم أن لي آلهاً هو خالقي وموجدي، وهو خالق الخلق، لكن لي على حكمة الله أسئلة سبعة: أحدها: ما الحكمة في خلق الكافر، لا سيما وقد كان عالماً بأن الكافر لا يستوجب عند خلقه إلا الألم؟ الثاني: ما الفائدة في التكليف، مع أنه لا يعود إليه نفع ولا ضر، وكل ما يعود على المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟ الثالث: هب أنه كلفني بمعرفته وطاعته، فلماذا كلفني السجود لآدم؟ الرابع: ثم لمّا عصيته في ترك السجود لآدم لعنني وأوجب عقابي، مع أنه لا فائدة له ولا لغيره فيه، ولي أعظم الضرر؟ الخامس: لِمَ مكّنني من الدخول في الجنة ووسوسة آدم؟ السادس: لمّا فعل ذلك، فلِمَ مكّنني من إغوائهم وإضلالهم؟ السابع: لمّا استمهلته المدة الطويل في ذلك فلِمَ أمهلني؟ ومعلوم أن العالم لو كان خالياً عن الشر لكان ذلك خيراً؟". قال شارح الأناجيل: فأوحى الله تعالى إليه من سرادقات الجلال والكبرياء: "يا إبليس، إنك ما عرفتني، ولو عرفتني لعلمت أنه لا اعتراض عَلَي في شيء من أفعالي، فإني أنا الله لا إله ألا أنا، لا أُسْأَل عما أفعل". واعلم أنه لو اجتمع الأوّلون والآخرون من الخلائق لم يجدوا عن هذه الشبه مخلصاً من إسكات الجاحد المجادل البحّاث إلا بهذا الجواب الإلهي، على أن لكل من هذه الشبهات جواباً برهانيّاً حقاً مبتنياً على الأصول الصحيحة العرفانيّة والمقدمات الحقّة اليقينية. الوجه الثاني: قول أصحاب الموافاة، وهو أن الإيمان يوجب استحقاق الثواب الدائم، والكفر يوجب استحقاق العقاب الدائم، والجمع بينهما محال، والقول بالاحباط باطل، فلم يبق إلا أن يقال أن هذا الفرض محال، وشرط حصول الايمان في وقت أن لا يصدر الكفر عنه بعده، فإذا كانت الخاتمة على الكفر، علمنا أن الذي يصدر عنه أولاً ما كان ايماناً، وعلى هذا شواهد أخرى طوينا ذكرها، لأنه يؤدي إلى التطويل، وفيما ذكرنا كفاية للمتأمل المهتدي سواء السبيل.

الجنابذي

تفسير : {وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ} يعنى مسخنا اعينهم فى الدّنيا حتّى لا يبصروا فى الدّنيا او مسخنا اعينهم فى الآخرة {فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ} للسّلوك عليه {فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ} الطّريق وما فيه فضلاً عن غيره.

الهواري

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ} يعني المشركين {فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ} أي: لو نشاء لأعميناهم فاستبقوا الصراط، أي: الطريق، {فَأَنَّى يُبْصِرُونَ} أي: فكيف يُبْصرون إذا أعميناهم. قال: {وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ} أي: لو نشاء لأقعدناهم على أرجلهم. {فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ} أي: إذا فعلنا ذلك بهم لم يستطيعوا أن يتقدّموا ولا يتأخروا. قال: {وَمَن نُّعَمِّرْهُ} أي: إلى أرذل العمر. {نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ} فيكون بمنزلة الصبيّ الذي لا يعقل. وهو كقوله: (أية : وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً) تفسير : [الحج: 5] قال: {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ} يقوله للمشركين. أي: فالذي خلقكم، ثم جعلكم شبّاناً، ثم جعلكم شيوخاً، ثم نكسكم في الخلق فردّكم بمنزلة الطفل الذي لا يعقل قادر على أن يبعثكم يوم القيامة. قوله: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ} يعني النبي عليه السلام {وَمَا يَنبَغِي لَهُ} أي: أن يكون شاعراً ولا يروي الشعر. ذكروا عن عائشة أنها قالت: لم يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيت شعر قط؛ غير أنه أراد أن يتمثّل ببيت شاعر بني فلان فلم يُقِمه. قال بعضهم: أظنُّه الأعشى، وبعضهم يقول: طرفة بن العبد. ذكروا عن أبان العطار أو غيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قاتل الله طرفة حيث يقول: شعر : سَتُبْدِي لَكَ الأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلاً وَيَأتِيكَ من لم تزوّد بالأخبار تفسير : فقيل له: إنه قال: وَيأتِيكَ بِالأَخْبَارِ مَن لَّمْ تُزَوِّدِ فقال: هذا وذاك سواء. وقال بعضهم: هو شعر لعباس بن مرداس تمثل ببيت منه فلم يُقِمه. وهو قوله: شعر : أَتَجْعَلَ نَهْبِي وَنَهْبَ العُبَيْـ ـدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَعِ تفسير : فقال النبي عليه السلام: حديث : أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة. تفسير : فقال له أبو بكر: بين عيينة والأقرع. فقال النبي عليه السلام: حديث : هذا وذاك سواء. تفسير : فلم ينطق لسانه بالشعر. وأداره مراراً فلم ينطق به. فأنزل الله: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} أي: أن يكون شاعراً. قال: {إِنْ هُوَ} يعني ما هو {إِلاَّ ذِكْرٌ} يذكرون به الجنة. وقال بعضهم: إن هو إلا تفكر في ذات الله. {وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ} أي: بيّن.

اطفيش

تفسير : {ولو نشاء لطمسنا} مسحنا. {على أعينهم} حتى تكون كالجبهة لا شق فيها ولا جفن وقيل اعمالهم مع بقاء الشق والجفن وعلى كل حال لا يبصرون كما اعمى قلوبهم والضمير قيل لقريش. {فاستبقوا الصراط} عطف على طمسنا وذلك على الفرض والتقدير في التسابق أي قدرانهم يستبقون والاستباق التبادر والصراط طريق المشي وهو مفعول به أي فتبادروا الصراط للمشي كعادتهم او منصوب على نزع إلى أو على الظرفية او على المفعولية على جعل الصراط مسبوقا على طريق الاتساع بجعل المسبوق إليه مسبوقا والمراد الصراط الذي الفوه قبل العمى. {فأنى يبصرون} كيف يبصرون وقد اعميناهم لا يبصرون جهة السلوك التي الفوها وترددوا إليها كثيرا فضلا عن غيرها وعن التبادر والتسابق في ذلك الطريق كعادتهم. وقال ابن عباس: اراد اعين البصائر والمعنى لو نشاء لحكمنا عليهم بالكفر فلا يهتدي منهم احد ابدا. وقيل عن ابن عباس: لو نشاء لاعمينا اعين ضلالتهم ونقلناهم إلى الهدى فيتبادرون إلى الرشد ويبصرونه وكيف يهتدون ويبصرون الرشد ولم افعل ذلك بهم ويدل على ان الأعين اعين الوجه قرنها بالمسخ بقوله {ولو نشاء لمسخناهم} قردة وخنازير وقيل حجارة والأول قول ابن عباس وفيه ابطال جل قواهم والثاني قول بعضهم وفيه ابطال قواهم بالكلية. {على مكانتهم} أي مكانهم او منزلهم كما يقال مقام ومقامة وقرا أبو بكر مكاناتهم بالجمع وانما عدى المسخ بعلى لتضمينه معنى القصر والحبس فان المعنى لو نشاء لمسخناهم مسخا يقصرهم على المكان الذي هم فيه حال المسخ فلا يقدرون على اقبال ولا ادبا وانظر كيف يناسب هذا ما بعده تفسير ابن عباس المسخ بالمسخ قردة وخنازير مع أنها تتحرك وتقبل وتدبر ولعله يقول أن المعنى لو نشاء لمسخناهم كذلك وزدنا ان لا يقبلوا ولا يدروا ويجوز ان تفسر المكانة بالقوة أي هم مع قوتهم التي يدعونها في قبضتنا لا يمنعون أنفسهم عما اردنا بهم من مسخ لو اردناه ويجوز جعل على بمعنى في في ذلك كله. وقال قتادة: المعنى لو نشاء لأقعدناهم على ارجلهم وازمناهم وعليه جرى الشيخ هود - رحمه الله -. {فما استطاعوا مضيا} اصله مضويا كقعود بمعنى الذهاب قلبت الواو ياء وادغمت في الياء لاجتماعهما وسكون السابقة منهما وكسرت الضاد للمناسبة وقرىء بكسر الميم تبعا لها وقرىء مضيا بفتحها على وزن فعيل للدلالة على لاسير مثل دب دبيبا وخب خبيبا. {ولا يرجعون} عطف على ما استطاعوا ولم يقل ولا رجوعا عطفا على مضيا وتطبيقا له لأجل الفاصلة وقيل المعنى ولا يرجعون عن تكذيبهم وقيل لا يقدرون أن يرجعوا إلى حالهم قبل المسخ وهم احقاء ان يفعل بهم ذلك ولكن اخروا رحمة وحلما وحكمة.

اطفيش

تفسير : {ولو نشاءُ} الطمس {لَطَمَسْنا على أعيُنهِم} أوقعنا المحو عليها فى الدنيا، فيكون موضعها كالجبهة أو الخد، أو ازالة ابصارها فيكونوا عميا ونشأ بمعنى شيئنا، ولكن صيغة المضارع للدلالة على استمرار عدم المشيئة {فاسْتَبقُوا} عطف طمسنا فشرعوا فى أن يسبق بعض بعضا، أو أرادوا الاستباق {الصِّراط} الى الصراط الذى عرفوه قبل، وهو طريق المشى فى الأرض، ونصبه على نزع الجار كما رأيت، أو على أنه مفعول به لتضمن استبق معنى تبادر، أو جاوز أو لكونه بمعنى سبق، فيكون الطريق مسبوقا على التجوز فى الاسناد أو الاستعارة بالكناية،بأن شبه بانسان فرمز اليه بالمشى، أو ذلك مجاز لعلاقة اللزوم، فإنه من سلوك الطريق أن يكون وراع الماشى لقطعه له. وعن ابن عباس: أعينهم بصائرهم، والصراط الأمور التى تدرك بالقلب، ويتصرف فيها فيكونون لا يدركون ولا يعقلون ما كانوا من قبل يدركونه ويعقلونه {فأنَّى يُبْصرون} كيف يبصرون.

الالوسي

تفسير : {وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ } بيان أنهم اليوم في قبضة القدرة ومستحقون للعذاب إلا أنه عز وجل لم يشأ ذلك لحكمته جل وعلا الباهرة. والطمس إزالة الأثر بالمحو، والمعنى لو نشاء الطمس على أعينهم وإزالة ضوئها وصورتها بالكلية بحيث تعود ممسوحة لطمسنا عليها وأذهبنا أثرها. وجوز أن يراد بالطمس إذهاب الضوء من غير إذهاب العضو وأثره أي ولو نشاء لأعميناهم، وإيثار صيغة الاستقبال وإن كان المعنى على المضي لإفادة أن عدم الطمس على أعينهم لاستمرار عدم المشيئة فإن المضارع المنفي الواقع موقع المضي ليس بنص في إفادة انتفاء استمرار الفعل بل قد يفيد استمرار انتفائه. وقوله تعالى: {فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصّرٰطَ } عطف على {لَطَمَسْنَا } على الفرض والصراط منصوب بنزع الخافض أي فأرادوا الاستباق إلى الطريق الواضح المألوف لهم {فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ } أي فكيف يبصرون ذلك الطريق/ وجهة السلوك والمقصود إنكار إبصارهم. وحاصله لو نشاء لأذهبنا أحداقهم وأبصارهم فلو أرادوا الاستباق وسلوك الطريق الذي اعتادوا سلوكه لا يقدرون عليه ولا يبصرونه، وتأويل استبقوا بأرادوا الاستباق مما ذهب إليه البعض، وقيل لا حاجة لتأويله فإن الأعمى يجوز شروعه في السابق. ونصب {ٱلصّرٰطِ } بنزع الخافض ولم ينصب على الظرفية لأنه كالطريق مكان مختص ومثله لا ينتصب على الظرفية، وجوز كونه مفعولاً به لتضمين استبقوا معنى ابتدروا، ونقل عن "الأساس" في قسم الحقيقة {استبقوا ٱلصّرٰطِ } ابتدروه، قال في «الكشف»: فعليه لا تضمين، وادعى بعضهم توهم دعوى أن ذلك معنى حقيقي وصاحب "الأساس" إنما ذكره في آخر قسم المجاز والمعنى لو شئنا لفعلنا ما فعلنا في أعينهم فلو أرادوا الاستباق مبتدرين الطريق لا يبصرون، وقيل يجوز كونه مفعولاً به على أن استبقوا بمعنى سبقوا ويجعل الطريق مسبوقاً على التجوز في النسبة أو الاستعارة المكنية أو على أنه بمعنى جاوزوا، قال في «القاموس»: استبق الصراط جاوزه وظاهره أنه حقيقة في ذلك، وقال غير واحد: هو مجاز والعلاقة اللزوم، والمعنى ولو نشاء لفعلنا ما فعلنا في أعينهم فلو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوا المشي فيه لعجزوا ولم يعرفوا طريقاً يعني أنهم لا يقدرون إلا على سلوك الطريق المعتاد دون ما وراءه من سائر الطرق والمسالك كما ترى العميان يهتدون فيما ألفوا وضربوا به من المقاصد دون غيرها. وذهب ابن الطراوة إلى أن الصراط والطريق وما أشبههما من الظروف المكانية ليست مختصة فيجوز انتصابها على الظرفية، وهذا خلاف ما صرح به سيبويه وجعل انتصابها على الظرفية من الشذوذ وأنشد: شعر : لدن بهز الكف يعسل متنه فيه كما عسل الطريق الثعلب تفسير : والمعنى في الآية لو انتصب على الظرفية لو نشاء لفعلنا ما فعلنا في أعينهم فلو أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف كما كان ذلك هجيراهم لم يستطيعوا، وحمل الأعين على ما هو الظاهر منها أعني الأعضاء المعروفة والصراط على الطريق المحسوس هو المروي عن الحسن وقتادة، وعن ابن عباس حمل الأعين على البصائر والصراط على الطريق المعقول. أخرج ابن جرير وجماعة عنه أنه قال: ولو نشاء لطمسنا على أعينهم أعميناهم وأضللناهم عن الهدى فأنى يبصرون فكيف يهتدون وهو خلاف الظاهر. وقرأ عيسى {فاستبقوا} على الأمر وهو على إضمار القول أي فيقال لهم استبقوا وهو أمر تعجيز إذ لا يمكنهم الاستباق مع طمس الأعين.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة { أية : ويقولون متى هذا الوعد } تفسير : [يس: 48]. وموقع هاتين الآيَتَين من التي قبلهما أنه لما ذكر الله إلجاءهم إلى الاعتراف بالشرك بعد إنكاره يوم القيامة كان ذلك مثيراً لأن يهجس في نفوس المؤمنين أن يتمنوا لو سلك الله بهم في الدنيا مِثل هذا الإِلجاء فألجأهم إلى الإِقرار بوحدانيته وإلى تصديق رسوله واتباع دينه، فأفاد الله أنه لو تعلقت إرادته بذلك في الدنيا لفعل، إيماء إلى أن إرادته تعالى تجري تعلقاتها على وفق علمه تعالى وحكمته. فهو قد جعل نظام الدنيا جارياً على حصول الأشياء عن أسبابها التي وكل الله إليها إنتاج مسبباتها وآثارها وتوالداتِها حتى إذا بَدَّل هذا العالم بعالم الحقيقة أجرى الأمور كلها على المهيع الحق الذي لا ينبغي غيره في مجاري العقل والحكمة. والمعنى أنّا ألجأناهم إلى الإِقرار في الآخرة بأن ما كانوا عليه في الدنيا شرك وباطل ولو نشاء لأريناهم آياتنا في الدنيا ليرتدعوا ويرجعوا عن كفرهم وسوء إنكارهم. ولما كانت {لو} تقتضي امتناعاً لامتناع فهي تقتضي معنى: لكنّا لم نشأ ذلك فتركناهم على شأنهم استدراجاً وتمييزاً بين الخبيث والطيّب. فهذا كلام موجه إلى المسلمين ومراد منه تبصرة المؤمنين وإرشادهم إلى الصبر على ما يلاقونه من المشركين حتى يأتي نصر الله. فالطمس والمسخ المعلقان على الشرط الامتناعي طمس ومسخ في الدنيا لا في الآخرة. والطمس: مسخ شواهد العين بإزالة سوادها وبياضها أو اختلاطهما وهو العمى أو العَور، ويقال: طريق مطموسة، إذا لم تكن فيها آثار السائرين ليقْفُوَهَا السائر. وحرف الاستعلاء للدلالة على تمكن الطمس وإلا فإن طَمسَ يتعدى بنفسه. والاستباق: افتعال من السبق والافتعال دال على التكلف والاجتهاد في الفعل أي فبادروا. و{الصراط}: الطريق الذي يُمشى فيه، وتعدية فعل الاستباق إليه على حذف (إلى) بطريقة الحذف والإِيصال، قال الشاعر وهو من شواهد الكتاب:شعر : تَمرُّون الديار ولم تَعُوجُوا تفسير : أراد: تمرون على الديار. أو على تضمين «استبقوا» معنى ابتدروا، أي ابتدروا الصراط متسابقين، أي مسرعين لِما دهمهم رجاءَ أن يصلوا إلى بيوتهم قبل أن يهلكوا فلم يبصروا الطريق. وتقدم قوله تعالى: { أية : إنا ذهبنا نستبق } تفسير : في سورة يوسف (17). و«أنَّى» استفهام بمعنى (كيف) وهو مستعمل في الإِنكار، أي لا يبصرون وقد طمست أعينهم، أي لو شئنا لعجلنا لهم عقوبة في الدنيا يرتدعون بها فيقلعوا عن إشراكهم. والمسخ: تصيير جسم الإِنسان في صورة جسم من غير نوعه، وقد تقدم القول فيه عند قوله تعالى: { أية : فقلنا لهم كونوا قِرَدة خاسئين } تفسير : في سورة البقرة (65). وعن ابن عباس أن الممسوخ لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام وعليه فلا شيء من الأشياء الموجودة الآن ببقية مسخ. والمكانة: تأنيث المكان على تأويله بالبقعة كما قالوا: مقام ومقامة، ودار ودارة، أي لو نشاء لمسخنا الكافرين في الدنيا في مكانهم الذي أظهروا فيه التكذيب بالرسل فما استطاعوا انصرافاً إلى ما خرجوا إليه ولا رجوعاً إلى ما أتوا منه بل لزموا مكانهم لزوال العقل الإِنساني منهم بسبب المسخ. وكان مقتضى المقابلة أن يقال: ولا رجوعاً، ولكن عدل إلى {ولا يرجِعُونَ} لرعاية الفاصلة فجعل قوله {ولاَ يَرْجِعُونَ} عطفاً على جملة «ما استطاعوا» وليس عطفاً على {مُضِيّاً} لأن فعل استطاع لا ينصب الجمل. والتقدير: فما مضَوْا ولا رجعوا فجعلنا لهم العذاب في الدنيا قبل عذاب الآخرة وأرحنا منهم المؤمنين وتركناهم عبرة وموعظة لمن بعدهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلصِّرَاطَ} (66) - وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ تَعَالَى لَعَاقَبَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ فَجَعَلَهُمْ عُمْياً لاَ يُبْصِرُونَ طَرِيقاً، وَلاَ يَهْتَدُونَ إِلَى سَبِيلٍ، فَيَاْخُذُونَ فِي التَّدَافَعِ، مُتَزَاحِمِينَ عَلَى الصِّرَاطِ لِيَعْبُرُوهُ، فَيَتَسَاقَطُونَ عَنْهُ فِي النَّارِ. (وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وَلَوْ نَشَاءُ لأَضْلَلْنَاهُمْ عَن الهُدَى فَكَيْفَ يَهْتَدُونَ؟). لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ - لَصَيَّرْنَاهَا مَمسُوخَةً لاَ يُرَى لَهَا فَتْحَةٌ. فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ - ابْتَدَرُوا الطَّرِيقَ لِيَجُوزُوهُ. فَأَنَّى يُبْصِرُونَ - فَكَيْفَ يُبْصِرُونَ الطَّرِيقَ وَقَدْ طُمِسَت أَعْيُنُهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يعني: كما ختمنا على أفواههم ومنعناهم الكلام لو شِئْنا لطمسنا أعينهم يعني: أغلقناها وسوَّيناها، بحيث لا يظهر لها أثر في وجوههم، وإذا طمسنا على أعينهم فقدوا البصر، فكيف يبصرون وهم يسابقون إلى الصراط؟ لقائل أنْ يقول: إذا فقدوا البصر على الصراط، فقد تكون لهم بدائل وحيل تُسعفهم، كأن يتحسس طريقه بعصا مثلاً، أو يجد مَنْ يأخذ بيده ويرشده، فالحق سبحانه وتعالى يُطوِّقهم من كل نواحيهم، ويقطع أملهم في النجاة، فيقول: {وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ} [يس: 67]. فالأمر لا ينتهي عند العمى والطمس على الأعين، إنما هناك ما هو أشد، أنْ يمسخهم في أماكنهم ويجمدهم فيها، فلا يستطيعون حراكاً. والمسخ أنْ يصيروا كالمساخيط لا يتحرك، أو مسخناهم يعني: حوَّلنا صورهم إلى صور قبيحة، إذلالاً وإهانة لهم. والمعنى الأول أوجه، لأنه تعالى قال بعدها: {فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ} [يس: 67]. لأنهم تجمدوا في أماكنهم، فلا حركة لهم لا إلى الأمام بالمضيِّ فى الطريق الجديد الذي هم مُقبلون عليه، ولا حتى العودة في الطريق الذي جاءوا منه وألِفُوه.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا أدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ} [الآية: 66]. يعني: الطريق. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ} [الآية: 66]. يقول: كيف يبصرون وقد طمسنا على أَعينهم أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ} [الآية: 75]. قال: يعني عند الحساب. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً} [الآية: 78]. قال: هو أُبي بن خلف.

زيد بن علي

تفسير : و: {لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ} معناه تَركناهُمْ عمياً يترددون.