٣٦ - يس
36 - Yaseen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
68
Tafseer
الرازي
تفسير : فقد ذكرنا أن قوله تعالى: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ } تفسير : [يسۤ: 60] قطع للأعذار بسبق الإنذار، ثم لما قرر ذلك وأتمه شرع في قطع عذر آخر، وهو أن الكافر يقول لم يكن لبثنا في الدنيا إلا يسيراً، ولو عمرتنا لما وجدت منا تقصيراً، فقال الله تعالى: أفلا تعقلون أنكم كلما دخلتم في السن ضعفتم وقد عمرناكم مقدار ما تتمكنون من البحث والإدراك، كما قال تعالى: {أية : أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ } تفسير : [فاطر: 37] ثم إنكم علمتم أن الزمان كلما يعبر عليكم يزداد ضعفكم فضيعتم زمان الإمكان، فلو عمرناكم أكثر من ذلك لكان بعده زمان الإزمان، ومن لم يأت بالواجب زمان الإمكان ما كان يأتي به زمان الإزمان.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن ابن آدم أنه كلما طال عمره، رد إلى الضعف بعد القوة، والعجز بعد النشاط؛ كما قال تبارك وتعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ} تفسير : [الروم: 54] وقال عز وجل: {أية : وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} تفسير : [النحل: 70] والمراد من هذا ــــ والله أعلم ــــ الإخبار عن هذه الدار بأنها دار زوال وانتقال، لا دار دوام واستقرار، ولهذا قال عز وجل: {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ}، أي: يتفكرون بعقولهم في ابتداء خلقهم، ثم صيرورتهم إلى سن الشيبة، ثم إلى الشيخوخة؛ ليعلموا أنهم خلقوا لدار أخرى، لا زوال لها، ولا انتقال منها، ولا محيد عنها، وهي الدار الآخرة. وقوله تبارك وتعالى: {وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِى لَهُ} يقول عز وجل مخبراً عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه ما علمه الشعر، {وَمَا يَنبَغِى لَهُ} أي: ما هو في طبعه، فلا يحسنه ولا يحبه، ولا تقتضيه جبلته، ولهذا ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يحفظ بيتاً على وزن منتظم، بل إن أنشده، زحفه، أو لم يتمه. وقال أبو زرعة الرازي: حدثنا إسماعيل بن مجالد عن أبيه عن الشعبي أنه قال: ما ولد عبد المطلب ذكراً ولا أنثى إلا يقول الشعر، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره ابن عساكر في ترجمة عتبة بن أبي لهب الذي أكله الأسد بالزرقاء. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد عن الحسن، هو البصري، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت: كَفى بالإسلامِ والشَّيْبِ للمَرْء ناهِياً فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله كفى الشيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهياً قال أبو بكر أو عمر رضي الله عنهما: أشهد أنك رسول الله، يقول تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِى لَهُ}. وهكذا روى البيهقي في "الدلائل": أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن مرداس السلمي رضي الله عنه: «حديث : أنت القائل: أَتجعلُ نهبي ونَهْبَ العبيدِ بين الأقرعِ وعُيَيْنَة-»تفسير : ؟ فقال: إنما هو: بين عيينة والأقرع، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : الكل سواء» تفسير : يعني: في المعنى، صلوات الله وسلامه عليه، والله أعلم. وقد ذكر السهيلي في "الروض الأنف" لهذا التقديم والتأخير الذي وقع في كلامه صلى الله عليه وسلم في هذا البيت مناسبة أغرب فيها، حاصلها: شرف الأقرع بن حابس على عيينة بن بدر الفزاري؛ لأنه ارتد أيام الصديق رضي الله عنه، بخلاف ذاك، والله أعلم، وهكذا روى الأموي في مغازيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يمشي بين القتلى يوم بدر وهو يقول: «حديث : نفلق هاماً» تفسير : فيقول الصديق رضي الله عنه متمماً للبيت:شعر : من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما تفسير : وهذا لبعض الشعراء العرب في قصيدة له، وهي في الحماسة. وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا مغيرة عن الشعبي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استراث الخبر، تمثل فيه ببيت طرفة: شعر : ويأتيك بالأخبار من لم تزود تفسير : وهكذا رواه النسائي في "اليوم والليلة" من طريق إبراهيم بن مهاجر عن الشعبي عنها. ورواه الترمذي والنسائي أيضاً من حديث المقدام بن شريح بن هانىء عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها كذلك، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أسامة عن زائدة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل من الأشعار: شعر : ويأتك بالأخبار من لم تزود تفسير : ثم قال: ورواه غير زائدة عن سماك عن عكرمة عن عائشة رضي الله عنها، هذا في شعر طرفة بن العبد في معلقته المشهورة، وهذا المذكور هو عجز بيت منها أوله:شعر : ستُبدي لكَ الأيامُ ما كنتَ جاهِلاً ويأتيكَ بالأخبارِ مَنْ لمْ تُزَوِّدِ ويأتيكَ بالأخبارِ مَنْ لمْ تَبِعْ لهُ بَتاتاً ولم تَضْربْ له وقتَ مَوْعِدِ تفسير : وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: قيل لعائشة رضي الله عنها: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت رضي الله عنها: كان أبغض الحديث إليه، غير أنه صلى الله عليه وسلم كان يتمثل ببيت أخي بني قيس، فيجعل أوله آخره، وآخره أوله، فقال أبو بكر رضي الله عنه: ليس هذا هكذا يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إني والله ما أنا بشاعر، وما ينبغي لي» تفسير : رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وهذا لفظه. وقال معمر عن قتادة: بلغني أن عائشة رضي الله عنها سئلت: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت رضي الله عنها: لا. إلا بيت طرفة.شعر : ستُبدي لكَ الأيامُ ما كنتَ جاهِلاً ويأتيكَ بالأخبار مَنْ لم تُزَوِّدِ تفسير : فجعل صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من لم تزود بالأخبار» تفسير : فقال أبو بكر: ليس هذا هكذا، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : إني لست بشاعر، ولا ينبغي لي» تفسير : وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن نعيم وكيل المتقي ببغداد، حدثنا أبو محمد عبد الله بن هلال النحوي الضرير، حدثنا علي بن عمرو الأنصاري، حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت شعر قط، إلا بيتاً واحداً.شعر : تَفاءَلْ بما تَهوى يَكُنْ فَلَقَلَّما يُقالُ لشيءٍ كانَ إِلا تَحَقَّقا تفسير : سألت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي عن هذا الحديث فقال: هو منكر، ولم يعرف شيخ الحاكم، ولا الضرير، وثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم تمثل يوم حفر الخندق بأبيات عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، ولكن تبعاً لقول أصحابه رضي الله عنهم، فإنهم كانوا يرتجزون، وهم يحفرون فيقولون:شعر : لا همَّ لولا أنتَ ما اهتدَيْنا ولا تصدَّقْنا ولا صَلَّينا فأنزلَنْ سَكينةً علينا وثبِّتِ الأقدامَ إن لاقَيْنا إِنَّ الأولى قدْ بَغَوْا علينا إذا أرادوا فِتْنَةً أَبَيْنا تفسير : ويرفع صلى الله عليه وسلم صوته بقوله: «حديث : أبينا» تفسير : ويمدها، وقد روى هذا بزحاف في "الصحيحين" أيضاً، وكذا ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين وهو راكب البغلة يقدم بها في نحور العدو:شعر : أَنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أنا ابنُ عبدِ المُطَّلِبْ تفسير : لكن قالوا: هذا وقع اتفاقاً من غير قصد لوزن شعر، بل جرى على اللسان من غير قصد إليه، وكذلك ما ثبت في "الصحيحين" عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار، فنكبت أصبعه، فقال صلى الله عليه وسلمشعر : هَلْ أنتِ إلا أصبَعٌ دَمِيْتِ وفي سَبيلِ اللّهِ ما لَقِيْتِ تفسير : وسيأتي عند قوله تعالى {أية : إِلاَّ ٱللَّمَمَ} تفسير : [النجم: 32] إنشاد:شعر : إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وأيُّ عَبْدِ لَكَ ما أَلَمَّا تفسير : وكل هذا لا ينافي كونه صلى الله عليه وسلم ما علم شعراً، وما ينبغي له، فإن الله تعالى إنما علمه القرآن العظيم الذي {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} تفسير : [فصلت: 42] وليس هو بشعر كما زعمه طائفة من جهلة كفار قريش، ولا كهانة، ولا مفتعل، ولا سحر يؤثر، كما تنوعت فيه أقوال الضلال وآراء الجهال، وقد كانت سجيته صلى الله عليه وسلم تأبى صناعة الشعر طبعاً وشرعاً، كما رواه أبو داود قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثنا شرحبيل بن يزيد المعافري عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي قال: سمعت عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما أبالي ما أوتيت إن أنا شربت ترياقاً، أو تعلقت تميمة، أو قلت الشعر من قبل نفسي» تفسير : تفرد به أبو داود وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن الأسود بن شيبان عن أبي نوفل قال: سألت عائشة رضي الله عنها: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بسائغ عنده الشعر؟ فقالت: قد كان أبغض الحديث إليه. وقال عن عائشة رضي عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك. وقال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي: حدثنا شعبة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلىء شعراً» تفسير : انفرد به من هذا الوجه، وإسناده على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا قزعة بن سويد الباهلي عن عاصم بن مخلد عن أبي الأشعث الصنعاني (ح) وحدثنا الأشيب، فقال: عن عاصم عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرض بيت شعر بعد العشاء الآخرة، لم تقبل له صلاة تلك الليلة،» تفسير : وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، والمراد بذلك نظمه لا إنشاده، والله أعلم، على أن الشعر فيه ما هو مشروع، وهو هجاء المشركين الذي كان يتعاطاه شعراء الإسلام، كحسان بن ثابت رضي الله عنه، وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة، وأمثالهم وأضرابهم رضي الله عنهم أجمعين، ومنه ما فيه حكم ومواعظ وآداب، كما يوجد في شعر جماعة من الجاهلية، ومنهم أمية بن أبي الصلت الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : آمن شعره، وكفر قلبه» تفسير : وقد أنشد بعض الصحابة رضي الله عنهم للنبي صلى الله عليه وسلم مائة بيت يقول عقب كل بيت: «هيه» يعني يستطعمه، فيزيده من ذلك، وقد روى أبو داود من حديث أبي بن كعب وبريدة بن الحصيب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن من البيان سحراً، وإن من الشعر حكماً» تفسير : ولهذا قال تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشِّعْرَ} يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم ما علمه الله الشعر {وَمَا يَنبَغِى لَهُ} أي: وما يصلح له، {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ} أي: ما هذا الذي علمناه {إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ} أي: بيِّن واضح جلي لمن تأمله وتدبره، ولهذا قال تعالى: {لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً} أي: لينذر هذا القرآن المبين كل حي على وجه الأرض؛ كقوله: {أية : لأُِنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} تفسير : [الأنعام: 19] وقال جل وعلا: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} تفسير : [هود: 17] وإنما ينتفع بنذارته من هو حي القلب، مستنير البصيرة؛ كما قال قتادة: حي القلب، حي البصر. وقال الضحاك: يعني: عاقلاً، {وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي: هو رحمة للمؤمنين، وحجة على الكافرين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَن نّعَمِّرْهُ } بإطالة أجله {نُنْكِّسْهُ } وفي قراءة بالتشديد من التنكيس {فِى ٱلْخَلْقِ } أي خلقه فيكون بعد قوته وشبابه ضعيفاً وهرماً {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ } أن القادر على ذلك المعلوم عندهم قادر على البعث فيؤمنون؟ وفي قراءة بالتاء.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ومَن نعمِّره ننكِّسهُ في الخَلْق} في قوله {نعمره} قولان: أحدهما: بلوغ ثمانين سنة، قاله سفيان. الثاني: هو الهرم، قاله قتادة. وفي قوله تعالى {ننكِّسْه} تأويلان: أحدهما: نردُّه في الضعف إلى حال الضعف فلا يعلم شيئاً، قاله يحيى بن سلام. الثاني: نغير سمعه وبصره وقوته، قاله قتادة. و{في الخلق} وجهان: أحدهما: جميع الخلق ويكون معناه: ومن عمرناه من الخلق نكسناه في الخلق. والوجه الثاني: أنه عنى خلقه، ويكون معنى الكلام: من أطلنا عمره نكسنا خلقه، فصار مكان القوة الضعف، ومكان الشباب الهرم، ومكان الزيادة النقصان. {أفلا تعقلون} أن من فعل هذا بكم قادر على بعثكم. قوله عز وجل: {وما علّمْناه الشِّعر وما ينبغي له} يحتمل وجهين: أحدهما: أي ليس الذي علمناه من القرآن شعراً. الثاني: أي لم نعلم رسولنا أن يقول الشعر. {وما ينبغي له} يحتمل وجهين: أحدهما: وما ينبغي له أن يقول شعراً. الثاني: وما ينبغي لنا أن نعلمه شعراً. {إنْ هو لا ذكر وقرآن مُبين} يحتمل وجهين: أحدهما: إنْ علّمناه إلا ذكراً وقرآناً مبيناً. الثاني: إنْ هذا الذي يتلوه عليكم إلا ذكر وقرآن مبين. قوله عز وجل: {لينذر من كان حَيّاً} فيه قولان: أحدهما: لتنذر يا محمد من كان حياً، وهذا تأويل من قرأ بالتاء. الثاني: لينذر القرآن من كان حياً، وهو تأويل من قرأ بالياء. وفي {مَن كان حَيّاً} ها هنا أربعة تأويلات: أحدها: من كان غافلاً، قاله الضحاك. الثاني: من كان حي القلب حي البصر، قاله قتادة. الثالث: من كان مؤمناً، قاله يحيى بن سلام. الرابع: من كان مهتدياً، قاله السدي. {ويحِقَّ القَوْل على الكافرين} معناه: ويجب العذاب على الكافرين.
ابن عبد السلام
تفسير : {نُّعَمِّرْهُ} ببلوغ الهرم، أو ثمانين سنة {نُنَكِّسْهُ} نرده إلى الضعف وحالة الصغر لا يعلم شيئاً، أو نغير سمعه وبصره وقواه {أَفَلا يَعْقِلُونَ} أن فاعل هذا قادر على البعث.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {ومن نعمره ننكسه في الخلق} قال: هو الهرم. يتغير سمعه، وبصره، وقوته، كما رأيت. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {ومن نعمره ننكسه في الخلق} قال: نرده إلى أرذل العمر. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سفيان في قوله {ومن نعمره ننكسه} قال: ثمانين سنة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ومن نعمره} يقول: من نمد له في العمر {ننكسه في الخلق} {أية : لكيلا يعلم من بعد علمٍ شيئاً} تفسير : [الحج: 5] يعني الهرم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ} [الآية: 68]. قال أبو بكر الوراق: من عمَّره الله بالغفلة وأن الأيام والأحوال تؤثر فيه حالاً فحالاً من طفولته وشباب وكهولية وشبية إلى أن يبلغ ما حكى الله عنهم من قوله: {وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ}. ومن أحياه الله بذكره فإن تكوين الأحوال لا يؤثر فيه فإن متصل الحياة بحياة الحق حى به وبقربه قال الله تعالى: {أية : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} تفسير : [النحل: 97].
القشيري
تفسير : يَرُدُّه إذا استوى شبابُه وقُوَّتُه إلى العكس، فكما كان يزداد في القوة يأخذ في النقصان إلى أن يبلغَ أرذلَ العمر في السن فيصير إلى مثل حال الطفولية في الضعف. ثم لا يَبْقَى بعد النقصان شيءٌ، كما قيل: شعر : طوى العصران ما نشراه مني وأبلى جدتي نَشْرٌ وطيُّ أراني كلَّ يومٍ في انتقاصٍ ولا يَبـْقَى مع النقصان شيُّ تفسير : هذا في الجثث والمباني دون الأحوال والمعاني؛ فإن الأحوال في الزيادة إلى أن يبلغ حَدَّ الخَرَفِ فيَخْتَلُّ رأيُه وعَقْلُه. وأهل الحقائق تشيب ذوائبُهم ولكنَّ محابَّهم ومعانيَهم في عنفوان شبابها، وطراوة جدَّتها.
البقلي
تفسير : من عمره الله وذهب اوقاته بالغفلات ولا يظهر بالمشاهدات نقص وضعف فى ميادين العبودية والربوبية قال ابو بكر الوراق من عمره الله بالغفلة فان الايام والاحوال توثر فيه حالاً فحالا من طفولية وشباب كهولية وشيبة الى ان يبلغ ما حكى الله عنه من قوله ومن نعمره ننكسه فى الخلق ومن احياه الله بذكره فان تلوين الاحوال لا يؤثر فيه فانه متصل الحياة الحق حى به ويقربه قال الله فلنحيينه حيوة طيبة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن نعمره} [التعمير: زندكانى دادن] والعمر مدة عمارة البدن بالروح اى ومن نطل عمره فى الدنيا: وبالفارسية [هركرا عمر دراز دهيم] {ننكسه فى الخلق} [التنكيس: نكونسار كردن] وهو ابلغ والنكس اشهر وهو قلب الشئ على رأسه ومنه نكس الولد اذا خرج رجله قبل رأسه والنكس فى المرض ان يعود فى مرضه بعد افاقته والنكس فى الخلق وهو بالفارسية [آفرينش] الرد الى ارذل العمر والمعنى نقلبه فيه ونخلقه على عكس ما خلقناه اولا فلا يزال يتزايد ضعفه وتتناقص قوته وتنتقض بنيته ويتغير شكله وصورته حتى يعود الى حالة شبيهة بحال الصبى فى ضعف الجسد وقلة العقل والخلو عن الفهم والادراك شعر : ارانى كل يوم فى انتقاص ولا يبقى على النقصان شئ تفسير : {أفلا يعقلون} اى أيرون ذلك فلا يعقلون ان من قدر على ذلك يقدر على ما ذكر من الطمس والمسخ فانه مشتمل عليهما وزيادة غير انه على تدرج وان عدم ايقاعهما لعدم تعلق مشيئة تعالى بهما شعر : نزد قدرت كارها دشوار نيست تفسير : وفى البحر فان لم نفعلها بكم فى الدنيا نفعلها بكم فى الآخرة ان لم تتوبوا عن الكفر والمعاصى فانه روى ان بعض الناس من هذه الامة يحشرون على صورة القردة وبعضهم على صورة الخنازير وبعضهم منكوسين ارجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها وبعضهم عميا وبعضهم صما وبكما وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهى مدلاة على صدورهم يسيل القيح من افواههم يتقذرهم اهل الجمع الى غير ذلك وسيجيئ تفصيله فى محله. قال ابو بكر الوراق قدس سره من عمره الله بالغفلة فان الايام والاحوال مؤثرة فيه حالا فحالا من طفولة وشباب وكهولة وشيبة الى ان يبلغ ما حكى الله عنه من قوله {ومن نعمره ننكسه فى الخلق} ومن احياه الله بذكره فان تلون الاحوال لا يؤثر فيه فانه متصل الحياة بحياة الحق حى به وبقربه قال الله تعالى {أية : فلنحيينه حيوة طيبة } تفسير : قال فى كشف الاسرار [اين بندكانرا تنبيهى است عظيم بيدار كردن ايشان ازخواب غفلت يعنى كه خودرا دريابيد وروز كار جوانى وقوت بغنيمت داريد وعمل كنيد بيش ازانكه نتوانيد قال النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وحياتك قبل موتك وفراغك قبل شغلك" تفسير : [بس اكرروز كار جوانى ضايع كند ودر عمل تقصير كند برسر بيرى وعجز عذرى باز خواهد هم نكوبود] قال النبى عليه السلام "حديث : اذا بلغ الرجل تسعين سنة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وكتب اسير الله فى الارض وشفع فى اهل بيته واذا بلغ مائة سنة استحيى الله عز وجل منه ان يحاسبه" تفسير : اى رضى عنه وسامح فى حسابه: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : دلم ميدهد وقت وقت اين اميد كه حق شرم دارد زموى سفيد عجب دارم ار شرم دارد زمن كه شرمم نمى آيد از خويشتن
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : قرئ "ننكسه" من "التنكيس" و "ننكسه" من "الانكاس" وقرئ "أفلا تعقلون" بالتاء والياء. وفي الآية إشارة إلى أن الانسان كلما أمعن في السنّ، نكس قواه البهيميّة والسَّبُعِية، وأخذت البنية في الذبول والخلقة في النقصان، وشرعت الصفات والهيئات الباطنية في التأكد والرسوخ، وابتدأت أحوال الضمائر والبواطن في الانكشاف والظهور، وقد جاءت أشراط الساعة للقيامة الصغرى، وبرزت علامات السعادة والشقاوة لذوي البصائر العقلية، أفلا تعقلون أيها العاقلون. أو ما تستحيون من استبطائكم هجوم الموت اقتداءاً برعاع الغافلين الذين لا ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يَخِصِمّون، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون، فتأتيهم الأمراض نذيراً من الموت فلا ينزجرون، ويأتيهم الشيب رسولا منه فلا يعتبرون، فيا حسرةَ على العباد ما يأتيهم من رسول إلاَ كانوا به يستهزئون!. أفيظنون أنهم في الدنيا خالدون؟ أو لم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون إنهم إليهم لا يرجعون؟ أم يحسبون أن الموتى الذين سافروا من عندهم فهم معدومون؟ كلا، إنْ كلٌ لمّا جميع لدنيا محضرون، ولكن ما يأتيهم من آية من آيات ربهم إلاّ كانوا عنها معرضين، وذلك لأنا جعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون، فسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون. اشارة أخرى لما ذكر في الآية السابقة نفي استطاعة الرجوع للأشقياء إلى الفطرة الأصلية التي كانت لهم بالطمس والمسخ، وإن كان أكثر الذين (الناس) ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم كانوا لغاية الحمق والجهالة والغرور يحسبون أنهم يُحسنون صنعاً، ويتمنون آخر الآمر ومنتهى العمر حين انكسار قواهم وقصور دواعيهم الجسمانية، وظهور أسباب المذلّة والهوان، وأشراط ساعة الموت والحرمان، الرجوع إلى أول العمر، وحين أوان القابلية والإستعداد قبل إفناء الآلات، وصرفها في غير ما خلق الله لأجله وكلّف به العباد، وتحسّر وتأسف على تضييعها لغير طائل وصرفها من غير حاصل، قائلاً: شعر : نهاية اقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقال وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال تفسير : وكثيراً ما بعض الكفّار يتمنّون الرجوع إلى حالة الصبوية - بل الترابية - عند ظهور أهوال القيامة وشدائد الساعة عليهم، كما في قوله تعالى: {أية : وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} تفسير : [النبأ:40] فأشار إلى دفع هذا التمنّي، ونفي هذا الوسواس، وكشف فساد هذا التشهّي الفاسد، واستقباح هذا التصوف البارد بعد الأربعين. يعني: متى لم يتيسّر لهم قبل انطماس عيونهم القلبية، وانمساخ صورتهم الباطنية، إدراك علم التوحيد، وملاحظة عالم المعاد، والسعي في طريق العبودية لإدراك شواهد الربوبية، فبعد زوال الاستعداد، وفساد أكثر القوى والآلات، وانتكاس الخلقة من أعلى درجة الاعتدال والاستواء إلى أدنى رتبة الإعوجاج والانحناء، وانقلاب نور الحواس من غاية الاشتعال والذكاء إلى غاية الخمود والإنطفاء، أنّى يتصور لهم الشروع في طلب الاهتداء وسلوك سبيل الله بهذه القوى، فمن مضت عليه أدوار السنين، وعمّره الله إلى أربعين أو خمسين من غاية أشده المعنوي، أخذت خلقته في الذبول والانحلال، وقواها في الانتكاس والإضمحلال. وذكل لأن لكل أجل كتاباً، ولكل مدة وفصل من فصول العمر خاصية في ظهور الآثار، فسن الطفولية لحصول أصل الخلفة وحدوث القوى، وسنّ الشباب لاستعمال القوى والأعضاء وصرفها في سبيل الله وطلب الكمال، وسن الكهولة لظهور آثار التحصيل والتثبّت بالقول الثابت والتحقق بحقائق الإيمان، وسن الشيخوخة لإفاضة نور المعارف على المستعدين والقيام على مسند الإفادة والإرشاد، فالأول "قوة"، والثاني "استعداد"، والثالث "كمال" و "تمام"، والرابع "فوق التمام". وهذه المراتب كما يتصور في السعادة، وهو صيروة الإنسان من جملة الملائكة، كذا يتصور في الشقاوة، وهو صيرورة الإنسان إما من جملة الشياطين - إن كان الغالب على نفسه الجربزة والمرك وطلب العلوّ والاستكبار -، أو من جملة أنواع البهائم والسباع - إن كان الغالب على نفسه طلب الشهوة والغضب والصفات المشعّبة عن هاتين الصفتين - فيحشر على صورة حيوان غلبت على جوهر ذاته صفات ذلك الحيوان كما مرّ مراراً. وعلى أي تقدير، إذا استحكم الباطن، وقويت النفس، وخرجت من حد القوة إلى حد الفعلية في أي صفة وجودية وصورة باطينة، توجهت النفس توجهاً فطرياً إلى عالم الآخرة، وأعرضت عن استعمال القوى، فأخذت الخلقة في الانتكاس، والأعضاء في الإندراس شيئاً فشيئاً إلى أن يحلّ الأجل. اشارة أخرى لما كانت النفس في أول الخلقة ممنوّة بتدبير البدن، وتحصيل مقدار المادة، لأن المادة الحاصلة بالتوليد من فضل خلقة الوالد، لم يكن أولاً على مقدار لائق بحال الشخص المولود، فلا محالة وجب على النفس مما أودعه الله فيها وغرز في جِبِلّتها، أن يشتغل أولاً بإكمال المادة قبل الاشتغال بكمالها، لتوقف كمالها على استعمالها إياها، فاستكمل أولاً صورتها الحسية، واشتعل أنوار حواسها الظاهرة، وبلغ أشدها الصوري، وهو وقت نكاحها الجسماني. ألا ترى أن الطبيعة من وقت الطفولية إلى هذا الحد لا تفرغ عن تحصيل المادة وإيراد ما يزداد في الإقطار زائداً على البدل المتحلل من البدن، لضعف الأعضاء ونقصان القوى، وشدة الحاجة إلى النمو والمتطلب، فانغمست عند ذلك في البدن، مستعملة للطبيعة في ذلك، فلم تنفتح بصيرتها، ولم يشتعل نور فطرتها، ولم يتبيّن رشدها إلاّ وقت بلوغ أشدها المعنوي - وهو سن الأربعين - كما أشير إليه بقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ}تفسير : [الأحقاف:15]. وذلك أوان نكاحها العقلي مع أبكار أفكار المعارف الأخروية، التي لم يطمثهن أنس قبلهم ولا جانّ، وزمان استحقاقها لدفع أموالها العلمية الموروثة من الآباء العقلية والأمهات النفسية، المشار إليها بقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}تفسير : [النساء:6]. فلما قربت الآلات من حد كمالها، ووصلت إلى ما يصلح لاستعمالها في تصرفاتها، وانتقص الاحتياج إلى ما يزيد في أقطارها، فتفرغت إلى تحصيل كمالها، فانفتحت بصيرة عقلها، فظهرت أنوار فطرتها واستعدادها، وتنبّهت عن نومها في مهد بدنها، وتيقّظت عن سِنَة غفلتها، وتفطنت بقدس جوهرها، فطلبت مركزها وغايتها لأمرين، صلاحية الآلات للاستعمال في الاستكمال، وفراغها عن تكميل البدن بالإقبال لقلة الإشتغال. لكنها ما دام سن النمو باقية، وزيادة الآلات في الكمية والقوة والشدة ممكنة، ما توجهت بالكلية إلى الجهة العلوية، وما تجردت لتحصيل الكمالات العقلية والمطالب الأخروية للاشتغال المذكور - وإن قلّ -، وذلك إلى منتهى الثلاثين من العمر، وهو أول سن وقوف القوى - كما تبين في علم الطب -. فلما جاوزتها وأخذت في سن الوقوف، أقبلت - إن كانت في السعداء - إلى عالمها، وأشرقت أنوار فطرتها، فاشتدت في طلب كمالها لوقوع الفراغ لها إليه، ورسخت فيها الهيئات العلمية والكمالات التجردية الشهودية. وإن كانت من الأشقياء اشتدت فيها نيران الشهوات، ورسخت فيها اليهئات الجهلية والسبعية والبهيمية، وتوجهت ذاتها بحسب ما كسبت يديها إلى مهوى السفليات، وكلما ضعفت آلاتها تضاعفت شهوتها وحرصها في طلب اللذات، وكلما نقصت جسميتها وانكسرت قواها قويت نفسانيتها واشتعلت نار قلبها واحترقت فتيلة طبعها، وكلما قصر عمرها طال ألمها، وكلما شاب بدنها شبت هوى نفسها كما ورد في الحديث: "حديث : يشيب ابن آدم، ويشبّ فيه خصلتان الحرص وطول الأمل ". تفسير : فقوله: {وَمَن نّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ} إشعار على أن من لم يتوجه إلى طلب الآخرة، ولم يسلك صراط الله العزيز الحميد، بصرف الآلات حين أشدها الصوري في طلب الحقائق والكمالات، بل سلك سبيل الطاغوت في الانهماك إلى اللذات وصرفها في طلب الهوى والشهوات، فإذا تجاوز عمره حدّ الأربعين وأخذ خلقتا بدنه وأعضائه في الانتكاس والذبول، وشرعت قواه في النقصان، حان وقت ظهور النتائج عن مكامن غيب القلب، وآن زمان استضاءَة مشكاة القلب بنور معرفة الله من مصباح الروح، إذ توقد فتيلة النفس من شرارة نار الهوى الكامنة في الطبيعة النطفية قبل ذلك بالرطوبات الغريزية، واحتطب المواد الشهوية، وإنما خرجت من القوى إلى الفعل بكثرة النفاخات الشهوية والغضبية، فإن لم يترسخ في القلب حب المعرفة وطلب الآخرة ورفض البدن وترك اللذة والزهد في الدنيا، فلا يتصور بعد هذا استئناف طريق الآخرة، وابتداء نشوء المعرفة عند بطلان الحواس وفقد الآلات، وقد قيل: "من فقد حساً فقد علماً"، والعود إلى الفطرة الأصلية بعد عدمها، وقد قيل: "المعدوم لا يعاد". وقوله: "أفلا تعقلون": يحتمل أن يكون معناه: أفلا تتدبرون في أن من قدر على كسر القوى الجسمانية للإنسان، وإضعاف بنيته وأعضائه بالذبول والتحليل مع بقاء نفسه وذاته، وتأكد صفاتها وأخلاقها، وزيادة هيئاتها النفسانية ودواعيها الباطنية، فهو قادر على إعادتها في النشأة الثانية وبعثها، فإن تلك الأمور من علامات وقوع الساعة ومقدماتها وأشراطها، - كما يعرفه أهل الكشف واليقين -، إن في هذا لبلاغاً لقوم عالمين.
الجنابذي
تفسير : {وَمَن نّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ} اى فى خلقته بان نجعل اعضاءه وقواه فى الانتقاص، او ننكّسه بين الخلق بان نجعله منحنياً او منتقصاً من اعضائه وقواه والجملة حاليّة لتأييد القدرة على الطّمس والمسخ {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ} افلا يتنبّهون فيصيرون عقلاء، او افلا يتفكّرون فيعقلون انّ الانتقاص فى الخلقة ينتهى الى الفناء.
الأعقم
تفسير : {ومن نعمره ننكسه في الخلق} أي نطيل عمره فيصير إلى حال الهرم، وقيل: يصير بعد القوة إلى الضعف ومن بعد الزيادة إلى النقصان، يعني ينقل من حال إلى حال {أفلا يعقلون} تدبرون وإن من قدر على ذلك قدر على الإِعادة {وما علمناه الشعر} وكانوا يقولون لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شاعر، وروي أن القائل عقبة بن أبي معيط، وما علمناه بتعليم القرآن الشعر على معنى، أن القرآن ليس بشعر وما هو من الشعر وأين المعاني التي ينتجها الشعراء من معانيه؟ وأين نظم كلامه من كلامه؟ {وما ينبغي له} أي وما يقوله من عند نفسه {إن هو} يعني القرآن المنزل {إلاَّ ذكر} لأن فيه ذكر الله تعالى وذكر الثواب والعقاب والأحكام وما بيّن إلا قرآن كتاب سماوي {لينذر} قوماً بالتاء خطاب للرسول وبالياء، وقيل: القرآن {لينذر من كان حيَّاً} أي عاقلاً يتأمل الحق {ويحق القول على الكافرين} {أولم يروا أنا خلقنا لهم} أي لمنافعهم {مما عملت أيدينا} أي خلقناه نحن {أنعاماً فهم لها مالكون} ولو لم نخلقها ما ملكوها ولما انتفعوا بها فمن منافعهم أصوافها وألبانها ولحومها وجلودها وركوبها إلى غير ذلك من المنافع {وذلّلناها لهم} أي سخّرناها حتى صارت منقادة لهم {فمنها ركوبهم ومنها يأكلون} أي ركوبهم يركبون من غير امتناع وهو الإِبل فيأكلون الجميع من لحومها وألبانها {ولهم فيها منافع} من أصوافها وأشعارها وأولادها {ومشارب} من ألبانها {أفلا يشكرون} هذه النعمة {واتخذوا من دون الله آلهة} يعني هؤلاء الكفار اتخذوا إلهاً غيره وهو الأوثان {لعلّهم ينصرون} أي ينصروهم من عذاب الله {لا يستطيعون نصرهم} أي لا يقدرون لأنها جماد {وهم لهم جند محضرون} أي يغضبون في الدنيا الأوثان، وقيل: هم لهم جند في الدنيا محضرون في القيامة، وقيل: يجمعون في النار {فلا يحزنك قولهم} أي تكذيبهم وكفرهم بك، وقيل: قولهم في القرآن ان شعرٌ أو سحرٌ {إنا نعلم ما يسرّون وما يعلنون} أي ما يفعلون ظاهراً وباطناً.
اطفيش
تفسير : {ومن نعمره} نطل عمره. {ننكسه في الخلق} له او في خلقه نردده كما كان حين كان صبيا قليل العقل ضعيف البدن فما يزال ينقص عقله وقواه كما كانا يزيدان ويزيد جهلا كما كان يزيد علما ومن قدر على ذلك قدر على الطمس والمسخ والبعث وقرأ حمزة وعاصم ننكسه بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف مشددة على المبالغة وقرىء ننكسه بضم فإسكان بلا تشديد وقرى ننكسه بفتح فإسكان وكسر بلا تشديد. {أفلا يعقلون} إن القادر على ذلك قادر على الطمس والمسخ فان النكس مشتمل على مثل ذلك بالتدريج وذلك خطاب في قراءة نافع وابن عامر ويعقوب وقرأ غيرهم بالتحتية.
اطفيش
تفسير : {ومَن نَعمِّره} نطل عمره الى مدة انتهاء قوته {نُنكِّسْه} نقلبه نرده الى ضعفه السائق قبل قوته شيئا فشيئا، كما يقلب الجسم باسفال أعلاه تشبيها للمعقول بالمحسوس من النكس، وتنكس تبع له، وذلك عند ابتداء الضعف وهو مختلف باختلاف الأمزجة مثلا، والتعب والراحة والهموم، والافراح وغير ذلك مما شاء الله تعالى من سائر الأسباب، والظاهر اطلاق أنه بعد الأربعين غالبا، وقد يكون قبله، ولو كان لا يظهر، ولو كانت النبوة بعدها، ولعل العقل لا ينقص بعدها إلا الى مدة، بل يزيد ضبطا، ولا يخفى أن القول بالثمانين ضعيف لظهور النقص قبلها فى الغالب {أفلا تعقلون} أترون ذلك النكس فلا تعقلون فترجعوا الى الإيمان، والعمل قبل الموت أو الضعف الذى هو قريب من الموت، أو تعقلون أن من قدر على النكس يقدر على المسخ، فلعله يمسخكم.
الالوسي
تفسير : {وَمَن نّعَمّرْهُ } أي نطل عمره. {نُنَكّـسْهُ فِى ٱلْخَلْقِ } نقلبه فيه فلا يزال يتزايد ضعفه وانتقاص بنيته وقواه عكس ما كان عليه بدء أمره، وفيه تشبيه التنكيس المعنوي بالتنكيس الحسي واستعارة الحسي له، وعن سفيان أن التنكيس في سن ثمانين سنة، والحق أن زمان ابتداء الضعف وانتقاص البنية مختلف لاختلاف الأمزجة والعوارض كما لا يخفى. والكلام عطف على قوله تعالى: {أية : وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا } تفسير : [يس: 66] الخ عطف العلة على المعلول لأنه كالشاهد لذلك. وقرأ جمع من السبعة {نُنَكّـسْهُ } مخففاً من الإنكاس. {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ } أي أيرون ذلك فلا يعقلون أن من قدر على ذلك يقدر على ما ذكر من الطمس والمسخ وأن عدم إيقاعهما لعدم تعلق مشيئته تعالى بهما. وقرأ نافع وابن ذكوان وأبو عمرو في رواية عياش (تعقلون) بتاء الخطاب لجري الخطاب قبله.
ابن عاشور
تفسير : قد يلوح في بادىء الرأي أن موقع هذه الآية كالغريب عن السياق فيظن ظانّ أنها كلام مستأنف انتقل به من غرض الحديث عن المشركين وأحوالهم والإِملاء لهم إلى التذكير بأمر عجيب من صنع الله حتى يخال أن الذي اقتضى وقوع هذه الآية في هذا الموقع أنها نزلت في تِباع نزول الآيات قبلها لسبب اقتضى نزولها. فجعل كثير من المفسرين موقعها موقع الاستدلال على أن قدرة الله تعالى لا يستصعب عليها طمس أعينهم ولا مسخهم كما غيّر خلقة المعمرين من قوة إلى ضعف، فيكون قياس تقريب من قبيل ما يسمى في أصول الفقه بالقياس الخَفيّ وبالأدْوَن، فيكون معطوفاً على علة مقدرة في الكلام كأنه قيل: لو نشاء لطمسنا الخ لأنا قادرون على قلب الأحوال، ألا يرون كيف نقلب خلق الإِنسان فنجعله على غير ما خلقناه أولاً. وبعد هذا كله فموقع واو العطف غير شديد الانتظام. وجعلها بعض المفسرين واقعة موقع الاستدلال على المكان البعيد، أي أن الذي قدر على تغيير خلقهم من شباب إلى هرم قادر على أن يبعثهم بعد الموت فهو أيضاً قياس تقريب بالخفيّ وبالأدون. ومنهم من تكلم عليها معرضاً عما قبلها فتكلموا على معناها وما فيها من العبرة ولم يبيّنوا وجه اتصالها بما قبلها. ومنهم من جعلها لقطع معذرة المشركين في ذلك اليوم أن يقولوا: ما لبثنا في الدنيا إلاّ عمراً قليلاً ولو عُمِّرنا طويلاً لما كان منا تقصير، وهو بعيد عن مقتضى قوله: {نَنْكُسْهُ في الخَلْقِ}. وكل هذه التفاسير تحوم حول جعل الخلق بالمعنى المصدري، أي في خلقته أو في أثر خلقه. وكل هذه التفسيرات بعيد عن نظم الكلام، فالذي يظهر أن الذي دفع المفسرين إلى ذلك هو ما ألِفه الناس من إطلاق التعمير على طول عمر المُعمّر، فلما تأولوه بهذا المعنى ألحقوا تأويل {نَنْكُسْهُ في الخَلْقِ} على ما يناسب ذلك. والوجه عندي أن لكون جملة {ومَن نُعَمِرهُ} عطفاً على جملة { أية : ولو نشَاءُ لمَسخْناهُم على مكانتِهم } تفسير : [يس: 67] فهي جملة شرطية عطفت على جملة شرطية، فالمعطوف عليها جملة شرط امتناعي والمعطوفة جملة شرط تعليقي، والجملة الأولى أفادت إمهالهم والإِملاء لهم، والجملة المعطوفة أفادت إنذارهم بعاقبة غير محمودة ووعيدَهم بحلولها بهم، أي إن كنا لم نمسخهم ولم نطمس على عيونهم فقد أبقيناهم ليكونوا مغلوبين أذلة، فمعنى {ومَن نُّعَمِرْهُ} من نعمره منهم. فالتعمير بمعنى الإبقاء، أي من نُبْقِيه منهم ولا نستأصله منهم، أي من المشركين فجعله بين الأمم دليلاً، فالتعمير المرادُ هنا كالتعمير الذي في قوله تعالى: { أية : أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر } تفسير : [فاطر:37]، بأن معناها: ألم نبقكم مدة من الحياة تكفي المتأمل وهو المقدر بقوله: {ما يتذكر فيه من تذكر}. وليس المراد من التعمير فيها طول الحياة وإدراك الهرم كالذي في قولهم: فلان من المُعَمَّرين، فإن ذلك لم يقع بجميع أهل النار الذين خوطبوا بقوله: {أولم نعمركم}. وقد طويت في الكلام جملة تقديرها: ولو نشاء لأهلكناهم، يدل عليها قوله: {ومن نعمره} أي نبقه حياً. والنكس: حقيقته قلب الأعلى أسفل أو ما يقرب من الأسفل، قال تعالى: { أية : ناكسوا رؤوسهم } تفسير : [السجدة: 12]. ويطلق مجازاً على الرجوع من حال حسنة إلى سيئة، ولذلك يقال: فلان نكِس، إذا كان ضعيفاً لا يرجى لنجدة، وهو فَعِل بمعنى مفعول كأنه منكوس في خلائق الرجولة، فــــ{ننكسْهُ} مجاز لا محالة إلا أنا نجعله مجازاً في الإِذلال بعد العزة وسوء الحالة بعد زهرتها. و{الخلق}: مصدر خلقه، ويطلق على المخلوق كثيراً وعلى الناس. وفي حديث عائشة عن الكنيسة التي رأتها أم سلمة وأم حبيبة بالحبشة قال النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : وأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة » تفسير : ، أي شرار الناس. ووقوع حرف {في}هنا يعين أن الخلق هنا مراد به الناس، أي تجعله دليلاً في الناس وهو أليق بهذا المعنى دون معنى في خلقته لأن الإِنكاس لا يكون في أصل الخلقة وإنما يكون في أطوارها، وقد فسر بذلك قوله تعالى: { أية : وزادكم في الخلق بسطة } تفسير : [الأعراف: 69] أي زادكم قوة وسعة في الأمم، أي في الأمم المعاصرة لكم، فهو وعيد لهم ووعد للمؤمنين بالنصر على المشركين ووقوعهم تحت نفوذ المسلمين، فإن أولئك الذين كانوا رؤوساً للمشركين في الجاهلية صاروا في أسر المسلمين يوم بدر وفي حكمهم يوم الفتح فكانوا يُدْعَون الطلقاء. وقرأ الجمهور: {نَنْكُسْه} بفتح النون الأولى وسكون النون الثانية وضمّ الكاف مخففة وهو مضارع نكس المتعدّي، يقال: نكس رأسه. وقرأه عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح النون الثانية وكسر الكاف مشددة مضارع نكس المضاعف. وفرّع على الجمل الشرطية الثلاث وما تفرع عليها قوله: {أفَلاَ يَعْقِلُونَ} استئنافاً إنكارياً لعدم تأملهم في عظيم قدرة الله تعالى الدالة على أنه لو شاء لطمَس على أعينهم ولو شاء لمسخهم على مكانتهم، وأنه إن لم يفعل ذلك فإنهم لا يسلمون من نصره المسلمين عليهم لأنهم لو قاسوا مقدورات الله تعالى المشاهدة لهم لعلموا أن قدرته على مسخهم فما دونه من إنزال مكروه بهم أيسر من قدرته على إيجاد المخلوقات العظيمة المتقنة وأنه لا حائل بين تعلق قدرته بمسخهم إلا عدم إرادته ذلك لحكمة علمها فإن القدرة إنما تتعلق بالمقدورات على وفق الإرادة. وقرأ نافع وابن ذكوان عن أبي عامر وأبو جعفر {أَفَلا تَعْقلُونَ} بتاء الخطاب وهو خطاب للذين وجه إليهم قوله: { أية : ولو نشاء لطمسنا على أعينهم } تفسير : [يس: 66] الآية. وقرأ الباقون بياء الغيبة لأن تلك الجمل الشرطية لا تخلو من مواجهة بالتعريض للمتحدث عنهم فكانوا أحرياء أن يعقلوا مغزاها ويتفهموا معناها.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ} أي نقلبه فيه، فنخلقه على عكس ما خلقناه من قبل، وذلك أنا خلقناه على ضعف في جسده، وخلو من عقل وعلم، ثم جلعناه يتزايد وينتقل من حال إلى حال، ويرتقي من درجة إلى درجة إلى أن يبلغ أشُدَّه ويستكمل قوته ويعقل ويعلم ما له وما عليه، فإذا انتهى نكَّسْناه في الخلق، فجعلناه بتناقص حتى يرجع في حال شبيهة بحال الصبي في ضعف جسده وقلة عقله وخلوه من العلم، وأصل معنى التنكيس: جعل أعلا الشيء أسفله. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةً ضَعْفاً وَشَيْبَةً} تفسير : [الروم: 54] الآية. وقوله تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} تفسير : [التين: 4ـ5] الآية على أحد التفسيرين، وقوله تعالى في الحج: {أية : وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} تفسير : [الحج: 5] وقوله تعالى في النحل: {أية : وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً} تفسير : [النحل: 70] وقوله تعالى في سورة المؤمن: {أية : ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً} تفسير : [غافر: 67]. وقد قدمنا الكلام على هذا في سورة النحل وقرأ هذا الحرف عاصم، وحمزة: {نُنَكِّـسْه} بضم النون الأولى، وفتح الثانية وتشديد الكاف المكسورة من التنكيس: وقرأه الباقون بفتح النون الأولى، وإسكان الثانية، وضم الكاف مخففة مضارع نكسه المجرد وهما بمعنى واحد. وقرأ نافع وابن ذكوان عن ابن عامر: {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ} بتاء الخطاب؟ وقرأه الباقون: {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ} بياء الغيبة.
د. أسعد حومد
تفسير : (68) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَرُدُّ الذِينَ يَطُولُ عُمْرُهُمْ إِلَى الضَّعْفِ والعَجْزِ، بَعْدَ القُوَّةِ والنَّشَاطِ، أَفَلاَ يَعْقِلُ هَؤُلاَءِ وَيَتَفَكَّرُونَ فِيمَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي ابْتِدَاءِ خَلْقِهِمْ، ثُمَّ مَا صَارُوا إِلَيْهِ فِي شَيْخُوخَتِهِمْ لِيعْلَمُوا أَنَّ الدَّارَ الدُّنْيَا زَائِلَةٌ، وَأَنَّهُمْ خُلِقُوا لِدارٍ أُخْرَى غَيرِهَا دَائِمَةٍ؟ نُعَمِّرهُ - نُطِيلُ عُمرَهُ. نُنَكِّسُهُ فِي الخَلْقِ - نَرُدُّهُ إِلَى أَرْذَلِ العُمْرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه قد أعذر بأنه أنذر، وأعذر لأنه قال لهم لا تعبدوا الشيطان وبيَّن عداوته، وقال: اعبدوني واسلكوا صراطي المستقيم، إذن: ليس لهم عذر حين كفروا بالله وأطاعوا الشيطان وعبدوه، لكنهم قد يعتذرون من ناحية أخرى فيقولون: يا رب أنت أخذتنا ولو عشْنا لاهتدينَا وعُدْنا إلى الصراط المستقيم، فيرد الله عليهم: {أية : أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ..} تفسير : [فاطر: 37]. يعني: قد عمَّرناكم عمراً طويلاً يكفي للتذكُّر والعودة فلم تعودوا، ثم إن التعمير يُورِث الضعف والوَهَن وعدم القدرة، فأنت أول الحياة عندك فتوة وقوة ونشاط بدني وذهني، لكن مع الكِبَر تضعف البنية، وتقِلُّ القوة العضلية والعقلية، ويعود الإنسان إلى الضعف الذي بدأ به وهو طفل صغير، وكما قال تعالى: {أية : لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ..} تفسير : [النحل: 70]. فإذا كنتم لم تعودوا ولم ترعووا في فترة القوة وسلامة العقل والتفكير، أتعودون في فترة الهَرم والضعف والنسيان؟ لذلك يقول هنا الحق سبحانه: {وَمَن نُّعَمِّرْهُ} [يس: 68] نطيل عمره ونَمُد له فيه {نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ} [يس: 67] الانتكاس: العودة إلى الوراء، والرجوع إلى ما كنتَ عليه أولاً، فَطُول العمر يعود بالإنسان إلى مرحلة الطفولة الأولى، فهو نكسة في حقه حين يصير شيخاً هرماً لا يستطيع الحراك ولا الكلام، وتأخذ ذاكرتُه في الضعف فينسى ويخرف، فهو كالطفل تماماً يحتاج مَنْ يحمله ويُطعمه ويُزيل عنه الأذى.. الخ، فهل في هذه الحال عودة؟ وهل ينفع معها تفكُّر وتدبُّر؟ {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ} [يس: 68] يعني: أين عقولكم في هذه المسألة، والحق سبحانه يسوقها بأسلوب الاستفهام، ولا يأتي بها على سبيل الإخبار ليجيبوا هم ويُقِرُّوا على أنفسهم بعدم التعقُّل.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { وَمَنْ نُعَمِّرْهُ } من بني آدم { نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ } أي: يعود إلى الحالة التي ابتدأ حالة الضعف، ضعف العقل، وضعف القوة. { أَفَلا يَعْقِلُونَ } أن الآدمي ناقص من كل وجه، فيتداركوا قوتهم وعقولهم، فيستعملونها في طاعة ربهم.
همام الصنعاني
تفسير : 2495- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ}: [الآية: 68]، قال: هو الهرم، يتغير سمعه وبصره وقوته كما رأيت.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):