٣٦ - يس
36 - Yaseen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
69
Tafseer
الرازي
تفسير : في الترتيب وجهان، قد ذكرنا أن الله في كل موضع ذكر أصلين من الأصول الثلاثة، وهي الوحدانية والرسالة والحشر، ذكر الأصل الثالث منها، وههنا ذكر الأصلين الوحدانية والحشر، أما الوحدانية ففي قوله تعالى: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِى آدم أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَـٰنَ } تفسير : [يسۤ: 60] وفي قوله: {أية : وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ } تفسير : [يسۤ: 61] وأما الحشر ففي قوله تعالى: {أية : ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ } تفسير : [يسۤ: 64] وفي قوله: {أية : ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوٰهِهِمْ } تفسير : [يسۤ: 65] إلى غير ذلك، فلما ذكرهما وبينهما ذكر الأصل الثالث وهو الرسالة فقال: {وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ } وقوله: {وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشِّعْرَ } إشارة إلى أنه معلم من عند الله فعلمه ما أراد ولم يعلمه ما لم يرد، وفي تفسير الآية مباحث: البحث الأول: خص الشعر بنفي التعليم، مع أن الكفار كانوا ينسبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم أشياء من جملتها السحر، ولم يقل وما علمناه السحر وكذلك كانوا ينسبونه إلى الكهانة، ولم يقل وما علمناه الكهانة، فنقول: أما الكهانة فكانوا ينسبون النبي صلى الله عليه وسلم إليها عندما كان يخبر عن الغيوب ويكون كما يقول. وأما السحر: فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يفعل ما لا يقدر عليه الغير كشق القمر وتكلم الحصى والجذع وغير ذلك. وأما الشعر: فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يتلوا القرآن عليهم لكنه صلى الله عليه وسلم ما كان يتحدى إلا بالقرآن، كما قال تعالى: {أية : وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } تفسير : [البقرة: 23] إلى غير ذلك، ولم يقل إن كنتم في شك من رسالتي فأنطقوا الجذوع أو أشبعوا الخلق العظيم أو أخبروا بالغيوب، فلما كان تحديه صلى الله عليه وسلم بالكلام وكانوا ينسبونه إلى الشعر عند الكلام خص الشعر بنفي التعليم. البحث الثاني: ما معنى قوله: {وَمَا يَنبَغِي لَهُ } قلنا: قال قوم ما كان يتأتى له، وآخرون ما يتسهل له حتى أنه إن تمثل بيت شعر سمع منه مزاحفاً يروى أنه كان يقول صلى الله عليه وسلم: «حديث : ويأتيك من لم تزود بالأخبار». تفسير : وفيه وجه أحسن من ذلك وهو أن يحمل ما ينبغي له على مفهومه الظاهر وهو أن الشعر ما كان يليق به ولا يصلح له، وذلك لأن الشعر يدعو إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ والوزن، فالشارع يكون اللفظ منه تبعاً للمعنى، والشاعر: يكون المعنى منه تبعاً للفظ، لأنه يقصد لفظاً به يصح وزن الشعر أو قافيته فيحتاج إلى التحيل لمعنى يأتي به لأجل ذلك اللفظ، وعلى هذا نقول: الشعر هو الكلام الموزون الذي قصد إلى وزنه قصداً أولياً، وأما من يقصد المعنى فيصدر موزوناً مقفى فلا يكون شاعراً، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } تفسير : [آل عمران: 92] ليس بشعر، والشاعر إذا صدر منه كلام فيه متحركات وساكنات بعدد ما في الآية تقطيعه بفاعلاتن فاعلاتن يكون شعراً لأنه قصد الإتيان بألفاظ حروفها متحركة وساكنة كذلك والمعنى تبعه، والحكيم قصد المعنى فجاء على تلك الألفاظ، وعلى هذا يحصل الجواب عن قول من يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بيت شعر وهو قوله: شعر : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب تفسير : أو بيتين لأنا نقول ذلك ليس بشعر لعدم قصده إلى الوزن والقافية، وعلى هذا لو صدر من النبي صلى الله عليه وسلم كلام كثير موزون مقفى لا يكون شعراً، لعدم قصده اللفظ قصداً أولياً، ويؤيد ما ذكرنا أنك إذا تتبعت كلام الناس في الأسواق تجد فيه ما يكون موزوناً واقعاً في بحر من بحور الشعر ولا يسمى المتكلم به شاعراً ولا الكلام شعراً لفقد القصد إلى اللفظ أولاً، ثم قوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ } يحقق ذلك المعنى أي هو ذكر وموعظة للقصد إلى المعنى، والشعر لفظ مزخرف بالقافية والوزن وههنا لطيفة: وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن من الشعر لحكمة»تفسير : يعني: قد يقصد الشاعر اللفظ فيوافقه معنى حكمي كما أن الحكيم قد يقصد معنى فيوافقه وزن شعري، لكن الحكيم بسبب ذلك الوزن لا يصير شاعراً والشاعر بسبب ذلك الذكر يصير حكيماً حيث سمي النبي صلى الله عليه وسلم شعره حكمة، ونفى الله كون النبي شاعراً، وذلك لأن اللفظ قالب المعنى والمعنى: قلب اللفظ وروحه فإذا وجد القلب لا نظر إلى القالب، وفيكون الحكيم الموزون كلامه حكيماً، ولا يخرجه عن الحكمة وزن كلامه، والشاعر الموعظ كلامه حكيماً.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} فيه أربع مسائل: الأولى: أخبر تعالى عن حال نبيّه صلى الله عليه وسلم، وردّ قول من قال من الكفار إنه شاعر، وإن القرآن شعر، بقوله: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول الشعر ولا يزِنه، وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم متمثلاً كسر وزنه، وإنما كان يحرز المعاني فقط صلى الله عليه وسلم. من ذلك أنه أنشد يوماً قول طرفة:شعر : سَتُبدِي لكَ الأيام ما كنتَ جاهلاً ويأتيكَ من لم تزوّدْه بالأخبار تفسير : وأنشد يوماً وقد قيل له من أشعر الناس فقال الذي يقول:شعر : ألم ترياني كلّما جئت طارقاً وجدتُ بها وإن لم تطيَّب طيبَا تفسير : وأنشد يوماً:شعر : أتجعلُ نَهْبي وَنْهبَ العبـ ـيدِ بين الأقرعِ وعُيَيْنَة تفسير : وقد كان عليه السلام ربما أنشد البيت المستقيم في النادر. روي أنه أنشد بيت (عبد الله بن رواحة):شعر : يَبيتُ يُجافي جَنْبَهُ عن فراشهِ إذا ٱستثقلت بالمشركين المضاجِعُ تفسير : وقال الحسن بن أبي الحسن: أنشد النبي عليه السلام:شعر : كَفَى بالإسلام والشيبِ للمرء ناهياً تفسير : فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله إنما قال الشاعر:شعر : هريرةَ ودِّعْ إن تَجهزْتَ غاديا كَفَى الشيبُ والإسلامُ للمرء نَاهيَا تفسير : فقال أبو بكر أو عمر: أشهد أنك رسول الله، يقول الله عز وجل: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ}. وعن الخليل بن أحمد: كان الشعر أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثير من الكلام، ولكن لا يتأتَّى له. الثانية: إصابته الوزن أحياناً لا يوجب أنه يعلم الشعر، وكذلك ما يأتي أحياناً من نثر كلامه ما يدخل في وزن، كقوله يوم حُنين وغيره: شعر : هل أنتِ إلا إصبعٌ دَمِيتِ وفي سبيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ تفسير : وقوله:شعر : أنا النبيُّ لا كَذِبْ أنا ٱبن عبدِ المطلبْ تفسير : فقد يأتي مثل ذلك في آيات القرآن، وفي كل كلام؛ وليس ذلك شعراً ولا في معناه؛ كقوله تعالى: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} تفسير : [آل عمران: 92]، وقوله: {أية : نَصْرٌ مِّن ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} تفسير : [الصف: 13]، وقوله: {أية : وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ}تفسير : [سبأ: 13] إلى غير ذلك من الآيات. وقد ذكر ٱبن العربي منها آيات وتكلم عليها وأخرجها عن الوزن، على أن أبا الحسن الأخفش قال في قوله: «أنا النبيّ لا كَذِبْ» ليس بشعر. وقال الخليل في كتاب العين: إن ما جاء من السجع على جزءين لا يكون شعراً. وروي عنه أنه من منهوك الرَّجَز. وقد قيل: لا يكون من منهوك الرجز بالوقف على الباء من قوله: «لا كذب»، ومن قوله: «عبد المطلب». ولم يعلم كيف قاله النبي صلى الله عليه وسلم. قال ٱبن العربي: والأظهر من حاله أنه قال «لا كَذِبُ» الباء مرفوعة، وبخفض الباء من عبد المطلبِ على الإضافة. وقال النحاس قال بعضهم: إنما الرواية بالإعراب، وإذا كانت بالإعراب لم يكن شعراً؛ لأنه إذا فتح الباء من البيت الأوّل أو ضمها أو نوَّنها، وكسر الباء من البيت الثاني خرج عن وزن الشعر. وقال بعضهم: ليس هذا الوزن من الشعر. وهذا مكابرة العيان؛ لأن أشعار العرب على هذا قد رواها الخليل وغيره. وأما قوله: «هل أنتِ إلا إصبعٌ دَمِيتِ» فقيل إنه من بحر السريع، وذلك لا يكون إلا إذا كسرت التاء من دميت، فإن سكن لا يكون شعراً بحال؛ لأن هاتين الكلمتين على هذه الصفة تكون فعول، ولا مدخل لفعول في بحر السريع. ولعل النبي صلى الله عليه وسلم قالها ساكنة التاء أو متحركة التاء من غير إشباع. والمعوّل عليه في الانفصال على تسليم أن هذا شعر، ويسقط الاعتراض، ولا يلزم منه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم عالماً بالشعر ولا شاعر ـ أن التمثل بالبيت النزر وإصابة القافيتين من الرجز وغيره، لا يوجب أن يكون قائلها عالماً بالشعر، ولا يسمّى شاعراً باتفاق العلماء، كما أن من خاط خيطاً لا يكون خياطاً. قال أبو إسحاق الزجاج: معنى «وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ» وما علمناه أن يشعر أي ما جعلناه شاعراً، وهذا لا يمنع أن ينشد شيئاً من الشعر. قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في هذا. وقد قيل: إنما خبَّر الله عز وجل أنه ما علمه الله الشعر، ولم يخبر أنه لا ينشد شعراً، وهذا ظاهر الكلام. وقيل فيه قول بيِّن؛ زعم صاحبه أنه إجماع من أهل اللغة، وذلك أنهم قالوا: كل من قال قولاً موزوناً لا يقصد به إلى شعر فليس بشعر وإنما وافق الشعر. وهذا قول بيّن. قالوا: وإنما الذي نفاه الله عن نبيه عليه السلام فهو العلم بالشعر وأصنافه، وأعاريضه وقوافيه والاتصاف بقوله، ولم يكن موصوفاً بذلك بالاتفاق. ألا ترى أن قريشاً تراوضت فيما يقولون للعرب فيه إذا قدموا عليهم الموسم، فقال بعضهم: نقول إنه شاعر. فقال أهل الفطنة منهم: والله لتكذبنكم العرب، فإنهم يعرفون أصناف الشعر، فوالله ما يشبه شيئاً منها، وما قوله بشعر. وقال أنيس أخو أبي ذرّ: لقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم أنه شعر. أخرجه مسلم، وكان أنيس من أشعر العرب. وكذلك عتبة بن أبي ربيعة لما كلمه: والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر؛ على ما يأتي بيانه من خبره في سورة «فصلت» إن شاء الله تعالى. وكذلك قال غيرهما من فصحاء العرب العرباء، واللُّسْن البلغاء. ثم إن ما يجري على اللسان من موزون الكلام لا يعدّ شعراً، وإنما يعدّ منه ما يجري على وزن الشعر مع القصد إليه؛ فقد يقول القائل: حدّثنا شيخ لنا وينادي يا صاحب الكسائي، ولا يعدّ هذا شعراً. وقد كان رجل ينادي في مرضه وهو من عُرض العامة العقلاء: ٱذهبوا بي إلى الطبيب وقولوا قد ٱكتوى. الثالثة: روى ٱبن القاسم عن مالك أنه سئل عن إنشاد الشعر فقال: لا تكثرن منه؛ فمن عيبه أن الله يقول: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} قال: ولقد بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: أن ٱجمع الشعراء قِبلك؛ وسَلْهم عن الشعر، وهل بقي معهم معرفة؛ وأحضر لَبِيداً ذلك؛ قال: فجمعهم فسألهم فقالوا إنا لنعرفه ونقوله. وسأل لبيداً فقال: ما قلت شعراً منذ سمعت الله عز وجل يقول: {أية : الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ}تفسير : [البقرة:1- 2] قال ٱبن العربي: هذه الآية ليست من عيب الشعر؛ كما لم يكن قوله: {أية : وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ}تفسير : [العنكبوت: 48] من عيب الكتابة، فلما لم تكن الأمية من عيب الخط، كذلك لا يكون نفي النظم عن النبي صلى الله عليه وسلم من عيب الشعر. روي أن المأمون قال لأبي عليّ المِنْقري: بلغني أنك أميّ، وأنك لا تقيم الشعر، وأنك تلحن. فقال: يا أمير المؤمنين، أما اللحن فربما سبق لساني منه بشيء، وأما الأمية وكسر الشعر فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولا يقيم الشعر. فقال له: سألتك عن ثلاثة عيوب فيك فزدتني رابعاً وهو الجهل، يا جاهل! إن ذلك كان للنبي صلى الله عليه وسلم فضيلة، وهو فيك وفي أمثالك نقيصة. وإنما منع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لنفي الظنة عنه، لا لعيب في الشعر والكتابة. الرابعة: قوله تعالى: {وَمَا يَنبَغِي لَهُ} أي وما ينبغِي له أن يقوله. وجعل الله جل وعز ذلك علَماً من أعلام نبيه عليه السلام لئلا تدخل الشبهة على من أرسل إليه؛ فيظن أنه قوِي على القرآن بما في طبعه من القوّة على الشعر. ولا ٱعتراض لملحد على هذا بما يتفق الوزن فيه من القرآن وكلام الرسول؛ لأن ما وافق وزنه وزن الشعر، ولم يقصد به إلى الشعر ليس بشعر؛ ولو كان شعراً لكان كل من نطق بموزون من العامة الذين لا يعرفون الوزن شاعراً؛ على ما تقدم بيانه. وقال الزجاج: معنى «وَمَا يَنْبَغِي لَهُ» أي ما يتسهل له قول الشعر لا الإنشاء. {إِنْ هُوَ} أي هذا الذي يتلوه عليكم {إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ}. قوله تعالى: {لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً} أي حيّ القلب؛ قاله قتادة. الضحاك: عاقلاً. وقيل: المعنى لتنذر من كان مؤمناً في علم الله. هذا على قراءة التاء خطاباً للنبي عليه السلام، وهي قراءة نافع وٱبن عامر. وقرأ الباقون بالياء على معنى لينذر الله عز وجل؛ أو لينذر محمد صلى الله عليه وسلم، أو لينذر القرآن. وروي عن ٱبن السَّمَيْقَع «لِيَنْذَر» بفتح الياء والذال. {وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} أي وتجب الحجة بالقرآن على الكفرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا عَلَّمْنَٰهُ } أي النبي {ٱلشِّعْرَ } ردّ لقولهم: إن ما أتى به من القرآن شعر {وَمَا يَنبَغِى } يسهل {لَهُ } الشعر {إِنْ هُوَ } ليس الذي أتى به {إِلاَّ ذِكْرٌ } عظة {وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ} مظهر للأحكام وغيرها.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} قال الكلبي: إن كفار مكة قالوا: إن محمداً شاعر، وما يقوله شِعر فأنزل الله تكذيباً لهم وما علمناه الشعر وما ينبغي له أي ما يتسهل له ذلك وما كان يتّزن له بيتُ شِعْرٍ حتى إذا تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسراً. روى الحسن أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان يتمثل بهذا البيت: شعر : كَفَى بالإسْلاَمِ وَالشَّيْبُ لِلْمَرْءِ نَاهِياً تفسير : فقال أبو بكر: يا نبي الله إنما قال الشاعر: كَفَى الشَّيْبُ وَالإسْلاَمُ للْمَرْءِ ناهياً. فقال عمر: أشهد أنك رسول بقول الله - عزّ وجلّ -: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} وعن أبي شريح قال: قلت لعائشةَ: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتمثل من الشعر قالت: كان يتمثل من شعر عبد الله بن رواحة قالت: وربما قال: شعر : 4185- وَيَأتِيْكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَود تفسير : وفي رواية (قالت): كان الشعر أبغضَ الحديث إليه، قالت: ولم يتمثل بشيء من الشعر إلى ببيت أخي بني قيس طرفة: شعر : 4186- سَتُبْدِي لَكَ الأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلاً وَيَأتِيكَ بالأَخْبَار مِنْ لَمْ تُزَوّدِ تفسير : فجعل يقول: ويأتيك من لم تزود بالأخبار. فقال أبو بكر: ليس هكذا يا رسول الله فقال: إني لست بشاعر ولا ينبغي لي. وقيل: معناه ما كان يتأتى له. قاله ابن الخطيب. وفيه وجه أحسن من ذلك وهو أن يحمل ما ينبغي له على مفهومه الظاهر وهو أن الشعر ما كان يليق به ولا يصلح له لأن الشعر يدعو إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ والوزن والشارع يكون اللفظ منه تبعاً للمعنى والشاعر يكون المعنى منه تبعاً للفظ لأنه يقصد لفظاً به يصح وزن الشعر (أ) و قافيته فيحتاج إلى التخيل لمعنى يأتي به لأجلِ ذلك اللفظ. وعلى هذا فنقول: الشعر هُو الكلام الموزون الذي قصد إلى وزنه قصداً أولياً وأما من يقصد المعنى فيصدر موزوناً لا يكون شاعراً ألا ترى أن قوله تعالى: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} تفسير : [آل عمران:92] ليس بشعر والشاعر إذا صدر منه هذا الكلام فيه متحركات وساكنات بعدد ما في الآية تقطعيه بفاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن يكون شعراً لأنه قصد الإتيان بألفاظٍ حروفها متحركة وساكنة كذلك. والمعنى تبعه. والحكيم قصد المعنى فجاء على تلك الألفاظ وعلى هذا يحصل الجواب عن قول من يقول: إنَّ النبي ذكر بيتَ شعرٍ وهو قوله: شعر : 4187- أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِب أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِب تفسير : أو بيتين لأنا نقول: ذلك ليس بشعر لعدم قصده إلى الوزن والقافية وعلى هذا لو صدر من النبي - عليه (الصلاة و) السلام - كلام كثيرٌ موزونٌ مُقَفًّى لا يكون شعراً لعدم قصده اللفظ قصداً أوليّاً، ويؤيد ما ذكرنا أنك إذا تتبعت كلام الناس في الأسواق تجد فيه ما يكون موزوناً واقعاً في بحر من بحور الشعر ولا يسمى المتكلم به شاعراً ولا الكلام شعراً لفقد القصد إلى اللفظ أولاً. فصل وجه الترتيب ما تقدم من أنه تعالى في كل موضع ذكر أصلين من الأصول الثلاثة وهي الوحدانية والرسالة والحشر ذكر الأصل الثالث منها وههنا ذكر أصلين الوحدانية والحشر. أما الوحدانية ففي قوله تعالى: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَٰبَنِيۤ آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ} تفسير : [يس:60] وفي قوله: {أية : وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} تفسير : [يس:61] وأما الحشر ففي قوله تعالى: {أية : ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ} تفسير : [يس:64] وبقوله: {أية : ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ} تفسير : [يس:65] إلى غير ذلك فلما ذكرهما وبينهما ذكر الأصل الثالث وهو الرسالة فقال: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ}. فقوله: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ} إشارة إلى أنه معلم من عند الله فعلمه ما أراد ولم يُعَلِّمْه ما لم يُرِدْ. فإن قيل: لم خص الشعر بنفي التعليم مع أن الكفار كانوا ينسبون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أشياء من جملتها السحر، والكهانة ولم يقل: وما علمناه السِّحْرَ وما علمناه الكَهَانَةَ؟ فالجواب: أما الكهانة فكانوا ينسبون النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها عندما كان خبر عن الغيوب ويكون كما يقول. وأما السحر فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يفعل ما لا يقدر عليه الغَيْر كشقِّ القَمَر، وتكلم الحَجَر، والجِذْع وغير ذلك، وأما الشعر فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يتلُو القرآن عليهم لكنه - عليه (الصلاة و) السلام - ما كان يُتَحَدَّى إلى بالقرآن كما قال تعالى: {أية : وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} تفسير : [البقرة: 23] إلى غير ذلك ولم يقل: إن كنتم في شك من رسالتي فاقطعوا الجذوع أو أَشْبِعُوا الخلق العظيم أو أخبروا الغيوب فلما كان تحديه عليه (الصلاة و) السلام بالكلام وكانوا ينسبونه إلى الشعر عند الكلام خص الشعر بنفس التعليم. قوله: "إنْ هُوَ" أي (إن) القرآن، دل عليه السياق أو إن المُعَلّم "إلاَّ ذِكْرٌ" يدل عليه: "وَمَا عَلَّمْنَاهُ" والضمير في قوله "له" للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقيل: للقرآن. قوله: "إِلاَّ ذِكْرٌ" موعظة "وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ" فيه الفرائض والحدود والأحكام. قوله: "لِّيُنذِرَ" قرأ نافع وابن عامر هنا وفي الأحقاف "لُتْنذِرَ" خطاباً، والباقون بالغيبة بخلاف عن البَزِّي في الأحقاف، والغيبة يحتمل أن يكون الضمير فيما للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأن يكون للقرآن. وقرأ الجَحْدَرِيُّ واليَمَانِيُّ "لتُنْذَرَ" مبنياً للمفعول. وأبو السَّمَّال واليمانيّ أيضاً - ليَنْذَرَ - بفتح الياء والذّال من نَذِرَ بكسر الذال أي علم فتكون "مَنْ" فَاعِلاً. فصل المعنى لتنذِرَ القرآنَ مَنْ كَانَ حياً يعني مؤمناً حي القلب لأن الكافر كالميتِ في أنه لا يتدبر ولا يتفكر قال تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ } تفسير : [الأنعام:122]. وقيل: من كان حياً أي عاقلاً وذكر الزمخشري في "رَبِيع الأَبْرَارِ" "وَيحِقَّ الْقَوْلُ" ويجب العذاب على الكافر.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {وما علمناه الشعر} قال: محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} قال: محمد صلى الله عليه وسلم، عصمه الله من ذلك {إن هو إلا ذكر} قال: هذا القرآن {لينذر من كان حياً} قال: حي القلب، حي البصر {ويحق القول على الكافرين} باعمالهم أعمال السوء. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: بلغني أنه قيل لعائشة رضي الله عنها هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان أبغض الحديث إليه، غير أنه كان يتمثل ببيت أخي بني قيس، يجعل أخره أوله، وأوله آخره، ويقول: شعر : ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار تفسير : فقال له أبو بكر رضي الله عنه: ليس هكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني والله ما أنا بشاعر، ولا ينبغي لي ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استراب الخبر تمثل ببيت طرفه: شعر : ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل من الاشعار: شعر : ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد تفسير : وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم والمرزباني في معجم الشعراء عن الحسن رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت: شعر : كفى الإِسلام والشيب للمرء ناهياً تفسير : فقال أبو بكر رضي الله عنه: أشهد أنك رسول الله، ما علمك الشعر وما ينبغي لك. وأخرج ابن سعد عن عبد الرحمن بن أبي الزناد رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن مرداس:حديث : أرأيت قولك: شعر : أصبح نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة.؟ حديث : فقال أبو بكر رضي الله عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما أنت بشاعر، ولا راوية، ولا ينبغي لك. إنما قال: بين عيينة والاقرع . تفسير : وأخرج البيهقي في سننه بسند فيه من يجهل حاله عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت شعر قط إلا بيتاً واحداً: شعر : يقال بما نهوى يكن فلقا يقال لشيء كان إلا يحقق تفسير : قالت عائشة رضي الله عنها: فقل تحققاً لئلا يعربه فيصير شعراً. وأخرج أبو داود والطبراني والبيهقي عن ابن عمرو رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت ترياقاً، أو تعلقت تميمة، أو قلت الشعر من قبل نفسي ". تفسير : وأخرج ابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {لينذر من كان حياً} قال: عاقلاً. وأخرج ابن أبي شيبة عن نوفل بن عقرب قال: سألت عائشة رضي الله عنها هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسامع عنده الشعر؟ قالت: كان أبغض الحديث إليه.
التستري
تفسير : قوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ}[69] قال: هو الذكر والتفكر. والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ} [الآية: 69]. قال سهل: هو التذكر والتفكر لمن قاربه فهمه واتعظ بمواعظه وائتمر لأوامره.
القشيري
تفسير : كلامه صلى الله عليه وسلم، كان خارجاً عن أوزان الشِّعر، والذي أتاهم به من القرآن لم يكن من أنواع الشعر، ولا من طرق الخطباء. تَحَيَّرَ القومُ في بابه؛ ولم تكتحل بصائرهم بكحل التوحيد فعموا عن شهود الحقائق.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما علمناه الشعر} رد وابطال لما كانوا يقولون فى حقه عليه السلام من انه شاعر وما يقوله شعر والظاهر فى الرد ان يقال انه ليس بشاعر وان ما يتلوه عليكم ليس بشعر الا ان عدم كونه شاعرا لما كان ملزوما لعدم كون معلمه علمه الشعر نفى اللازم واريد نفى الملزوم بطريق الكناية التى هى ابلغ من التصريح. قال الراغب يقال شعرت اصبت الشعر ومنه استعير شعرت كذا اى علمت علما فى الدقة كاصابة الشعر وسمى الشاعر شاعرا لفطنته ودقة معرفته. فالشعر فى الاصل اسم للعلم الدقيق فى قولهم ليت شعرى وصار فى التعارف اسما للموزون المقفى من الكلام والشاعر المختص بصناعته. وفى القاموس الشعر غلب على منظوم القول لشرفه بالوزن والقافية وان كان كل علم شعرا والجمع اشعار يقال شعر به كنصر وكرم علم به وفطن له وعقله. والشعر عند الحكماء القدماء ليس على وزن وقافية ولا الوزن والقافية ركن فى الشعر عندهم بل الركن فى الشعر ايراد المقدمات المخيلة فحسب ثم قد يكون الوزن والقافية معينين فى التخيل فان كانت المقدمة التى تورد فى القياس الشعرى مخيلة فقط تمحض القياس شعريا وان انضم اليها قول اقناعى تركبت المقدمة من معنيين شعرى واقناعى وان كان الضميم اليه قولا يقينيا تركبت المقدمة من شعرىّ وبرهانىّ. قال بعضهم الشعر اما منطقى وهو المؤلف من المقدمات الكاذبة واما اصطلاحى وهو كلام مقفى موزون على سبيل القصد والقيد الا خير يخرج ما كان وزنه اتفاقيا كآيات شريفة اتفق جريان الوزن فيها اى من بحور الشعر الستة عشر نحو قوله تعالى {أية : لن تنالوا البر حتى تنفقوا} تفسير : وقوله {أية : وجفان كالجواب وقدور راسيات} تفسير : وقوله {أية : نصر من الله وفتح قريب} تفسير : ونحو ذلك وكلمات شريفة نبوية جاء الوزن فيها اتفاقيا من غير قصد اليه وعزم عليه نحو قوله عليه السلام حين عثر فى بعض الغزوات فاصاب اصبعه حجر فدميت شعر : هل انت الا اصبع دميت وفى سبيل الله ما لقيت تفسير : وقوله يوم حنين حين نزل ودعا واستنصر او يوم فتح مكة شعر : انا النبى لا كذب انا ابن عبد المطلب تفسير : وقوله يوم الخندق شعر : باسم الاله وبه بدانا ولو عبدنا غيره شقينا تفسير : وغير ذلك سواء وقع فى خلال المنثورات والخطب ام لا. والمراد بالشعر الواقع فى القرآن الشعر المنطقى سواء كان مجردا عن الوزن ام لا والشعر المنطقى اكثر ما يروج بالاصطلاحى. قال الراغب قال بعض الكفار للنبى عليه السلام انه شاعر فقيل لما وقع فى القرآن من الكلمات الموزونة والقوافى. وقال بعض المحصلين ارادوا به انه كاذب لان ظاهر القرآن ليس على اساليب الشعر ولا يخفى ذلك على الاغتم من العجم فضلا عن بلغاء العرب فانما رموه بالكذب لان اكثر ما يأتى به الشاعر كذب ومن ثمة سموا الادلة الكاذبة شعرا. قال الشريف الجرجانى فى حاشية المطالع والشعر وان كان مفيدا للخواص والعوام فان الناس فى باب الاقدام والاحجام اطوع للتخييل منهم للصدق الا ان مداره على الاكاذيب ومن ثمة قيل احسن الشعر اكذبه فلا يليق بالصادق المصدوق لما شهد به قوله تعالى {وماعلمناه الشعر} الآية والمعنى وما علمنا محمدا الشعر بتعليم القرآن على معنى ان القرآن ليس بشعر فان الشعر كلام متكلف موضوع ومقال مزخرف مصنوع منسوج على منوال الوزن والقافية مبنى على خيالات واوهام واهية فاين ذلك التنزيل الجليل الخطر المنزه عن مماثلة كلام البشر المشحون بفنون الحكم والاحكام الباهرة الموصلة الى سعادة الدنيا والآخرة ومن اين اشتبه عليهم الشؤون واختلط بهم الظنون قاتلهم الله انى يؤفكون. وفى الآية اشارة الى ان النبى عليه السلام معلم من عند الله لانه تعالى علمه علوم الاولين والآخرين وما علمه الشعر لان الشعر قرآن ابليس وكلامه لانه قال رب اجعل لى قرآنا قال تعالى قرآنك الشعر. قال الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر فى قوله تعالى {وما علمناه الشعر} اعلم ان الشعر محل للاجمال واللغز والتورية اى وما رمزنا لمحمد صلى الله عليه وسلم شيئا ولا ألغزنا ولا خاطبناه بشئ ونحن نريد شيئا ولا اجملنا له الخطاب حيث لم يفهم انتهى. وهل يشكل على هذه الحروف المقطعة فى اوائل السور ولعله رضى الله عنه لا يرى ان ذلك من قبيل المتشابه او ان المتشابه ليس مما استأثر الله بعلمه. وفى التأويلات النجمية يشير قوله {وما علمناه الشعر} الى ان كل اقوال واعمال واحوال تجرى على العباد فى الظاهر والباطن كلها تجرى بتعليم الحق تعالى حتى الحرف والصنائع وذلك سر قوله تعالى {وعلم آدم الاسماء كلها} وتعليمه الصنائع لعباده على ضربين بواسطة وبغير واسطة اما بالواسطة فبتعليم بعضهم بعضا واما بغير الواسطة فكما علم داود عليه السلام صنعة اللبوس وكل حرفة وصنعة يعملها الانسان من قريحته بغير تعليم احد فهى من هذا القبيل انتهى: وفى المثنوى شعر : قابل تعليم وفهمست اين جسد ليك صاحب وحى تعليمش دهد جمله حرفتها يقين از وحى بود اول اوليك عقل آنرا فزود هيج حرفت را ببين كين عقل ما داند او آموختن بى اوستا كرجه اندر مكر موى اشكاف بد هيج بيشه رام بى استاد شد تفسير : ثم حكى قصة قابيل فانه تعلم حفر القبر من الغراب حتى دفن اخاه هابيل بعد قتله وحمله على عاتقه اياما {وما ينبغى له} البغاء الطلب والانبغاء انفعال منه يقال بغيته اى طلبته فانطلب. قال الراغب هو مثل قوله النار ينبغى ان تحرق الثوب اى هى مسخرة للاحراق والمعنى وما يصح لمحمد الشعر ولا يتسخر ولا يتسهل ولا يتأتى له لو طلبه اى جعلناه بحيث لو اراد قرض الشعر لم يتأت له ولم يكن لسانه يجرى به الا منكسرا عن وزنه بتقديم وتأخير او نحو ذلك كما جعلناه اميا لا يهتدى للخط ولا يحسنه ولا يحسن قراءة ما كتبه غيره لتكون الحجة اثبت وشبهة المرتابين فى حقية رسالته ادحض فانه لو كان شاعرا لدخلت الشبهة على كثير من الناس فى ان ما جاء به يقوله من عند نفسه لانه شاعر صناعته نظم الكلام. وقال فى انسان العيون والحاصل ان الحق الحقيق بالاعتماد وبه تجتمع الاقوال ان المحرم عليه صلى الله عليه وسلم انما هو انشاء الشعر اى الاتيان بالكلام الموزون عن قصد وزنه وهذا هو المعنى بقوله {وما علمناه الشعر} فان فرض وقوع كلام موزون منه عليه السلام لا يكون ذلك شعرا اصطلاحا لعدم قصد وزنه فليس من الممنوع منه والغالب عليه انه اذا انشد بيتا من الشعر متمثلا به او مسندا لقائله لا يأتى به موزونا. وادعى بعض الادباء انه عليه السلام كان يحسن الشعر اى يأتى به موزونا قصدا ولكنه كان لا يتعاطاه اى لا يقصد الاتيان به موزونا قال وهذا اتم واكمل مما لو قلنا انه كان لا يحسنه وفيه ان فى ذلك تكذيبا للقرآن. وفى التهذيب للبغوى من ائمتنا قيل كان عليه السلام يحسن الشعر ولا يقوله والاصح انه كان لا يحسنه ولكن كان يميز بين جيد الشعر ورديئه ولعل المراد بين الموزون منه وغير الموزون. ثم رأيته فى ينبوع الحياة قال كان بعض الزنادقة المتظاهرين بالاسلام حفظا لنفسه وماله يعرض فى كلامه بان النبى عليه السلام كان يحسن الشعر يقصد بذلك تكذيب كتاب الله تعالى فى قوله {وما علمناه الشعر وما ينبغى له} الآية الكل فى انسان العيون. يقول الفقير اغناه الله القدير هذا ما قالوه فى هذا المقام وفيه اشكال كما لا يخفى على ذوى الافهام لانهم حين حملوا الشعر فى هذا الكلام على المنطقى ثم بنوا قوله وما ينبغى له على القريض لم يتجاوب آخر النظم باوله والظاهر ان المراد وما ينبغى له من حيث نبوته وصدق لهجته ان يقول الشعر لان المعلم من عند الله لايقول الا حقا وهذا لا ينافى كونه فى نفسه قادرا على النظم والنثر ويدل عليه تميزه بين جيد الشعر ورديئه اى موزونه وغير موزونه على ما سبق ومن كان مميزا كيف لا يكون قادرا على النظم فى الالهيات والحكم لكن القدرة لا تستلزم الفعل فى هذا الباب صونا عن اطلاق لفظ الشعر والشاعر الذى يوهم التخييل والكذب وقد كان العرب يعرفون فصاحته وبلاغته وعذوبة لفظه وحلاوة منطقه وحسن سرده والحاصل ان كل كمال انما هو مأخوذ منه كما سبق فى اواخر الشعراء. وكان احب الحديث اليه صلى الله عليه وسلم الشعر اى ما كان مشتملا على حكمة او وصف جميل من مكارم الاخلاق او نصرة الاسلام او ثناء على الله ونصيحة للمسلمين. وايضا كان ابغض الحديث اليه صلى الله عليه وسلم الشعر اى ما كان فيه كذب وقبح وهجو ونحو ذلك. واما ما روى من انه عليه السلام كان يضع لحسان فى المسجد منبرا فيقوم عليه يهجو من كان يهجو رسول الله والمؤمنين فذلك من قبيل المجاهدة التى اشير اليها فى قوله {أية : جاهدوا باموالكم وانفسكم وألسنتكم} شعر : شاعران شيران شدند وهجوشان همجوجنكال وجو دندانست دان تيز كن دندان وموزى قطع كن اين جنين باشد مكاقات بدان تفسير : {ان هو} اى ما القرآن {الا ذكر} اى عظة من الله تعالى وارشاد للانس والجن كما قال تعالى {ان هو الا ذكر للعالمين} {وقرآن مبين} اى كتاب سماوى بين كونه كذلك او فارق بين الحق والباطل يقرأ فى المحاريب ويتلى فى المعابد وينال بتلاوته والعمل بما فيه فوز الدين فكم بينه وبين ما قالوا. فعطف القرآن على الذكر عطف الشئ على احد اوصافه فان القرآن ليس مجرد الوعظ بل هو مشتمل على المواعظ والاحكام ونحوها فلا تكرار. قال فى كشف الاسرار [هر بيغمبرى كه آمد برهان نبوت وى ازراه ديدها در آمد جو آتش ابراهيم وعصا ويد بيضاء موسى واحياء موتاى عيسى عليهم السلام وبرهان نبوت محمد عربى ازراه دلها در آمد بل هو آيات بينات فى صدور الذين اوتوا العلم اكرجه مصطفى را نيز معجزات بسيار بود كه محل اطلاع ديدها بود جون انشقاق قمر وتسبيح حجر وكلام ذئب واسلام ضب وغير آن اما مقصود آنست كه موسى تحدى بعصا كرد وعيسى تحدى باحياء موتى كرد ومصطفى عليه السلام تحدى بكلام كرد {أية : فأتوا بسورة من مثله} تفسير : عصاى موسى هرجند درو صفت ربانى تعبيه بوداز درخت عوسج بود ودم عيسى هرجند كه درو لطف الهى تعبيه بود اما وديعت سنيه بشر بود اى محمد توكه مى روى دمى وجوبى باخود مبر جوب نفقه خران باشد ودم نصيب بيماران توصفت قديم ما قرآن مجيد باخود ببرتا معجزه توصفت ما بود]
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وما علَّمناه الشِّعْرَ} أي: وما علّمنا نبينا محمداً الشعر، حتى يقدر أن يقول شعراً، فيُتهم على القرآن، أو: وما علّمناه بتعلُّم القرآن الشعر، على معنى: أن القرآن ليس بشعر، فإنه غير مقفّى ولا موزون، وليس معناه ما يتوقاه الشعراء من التخييلات المرغبة والمنفرة ونحوها. فأين الوزن فيه؟ وأين التقفيه؟ فلا مناسبة بينه وبين كلام الشعراء، {وما ينبغي له} أي: وما يليق بحاله، ولا يتأتى له لو طلبه، أي: جعلناه بحيث لو أراد قَرْضَ الشعر لم يتأتّ له، ولم يسهل، كما جعلناه أُميًّا لم يهتدِ إلى الخط؛ لتكون الحجة أثبت، والشبهة أدحض. وأما قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ"تفسير : ، وقوله: "حديث : هَلْ أَنْتِ إِلاَّ إِصبعٌ دَمِيتِ، وفِي سَبِيلِ الله ما لَقِيتِ"تفسير : ، فهو مما اتفق وزنه من غير قصد، كما يتفق في خطاب الناس ورسائلهم ومحاوراتهم، ولا يسمى شعراً إلا ما قصد وزنه. ولَمَّا نفى القرآن أن يكون من جنس الشعر، قال: {إِن هو إِلا ذِكْرٌ} أي: ما الذي يُعلِّم ويقوله إلا ذكر من الله، يُوعظ به الإنس والجن، {وقرآنٌ} أي: كتاب سماوي، يُقرأ في المحاريب، ويُتلى في المتعبّدات، ويُنال بتلاوته والعملِ به أعلا الدرجات. فكم بينه وبين الشعر، الذي هو من همزات الشيطان؟!. أنزلناه إليك {لتُنذر به} يا محمد، أو: لينذر القرآن {من كان حَيًّا} بالإيمان، أو عاقلاً متأملاً؛ فإن الغافل كالميت، أو: مَن سبق في علم الله أن يحيى؛ فإن الحياة الأبدية بالإيمان، وتخصيص الإنذار به؛ لأنه المنتفع به، {ويَحِقَّ القولُ} أي: تجب كلمة العذاب {على الكافرين} المُصرِّين على الكفر، وجعلهم في مقابلة مَن كان حَيًّا إشعار بأنهم بكفرهم في حكم الأموات، كقوله: {أية : ومَآ أَنتَ بِمُسْمَعٍ مَّن فِى الْقُبُورِ}تفسير : [فاطر: 22]. الإشارة: أما النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ فنفى الله عنه صنعة الشِّعر، والقوة عليه، لئلا يُتهم فيما يقوله، وأما الأولياء فكثير منهم تكون له القوة عليه، ويصرف ذلك في أمداح الخمرة الأزلية، والحضرة القدسية، أو في الحضرة النبوية، وينالون بذلك تقريباً، ورتبة كبيرة، وأما قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : لأنْ يمتَلىءَ جَوْفُ أحدِكم قَيْحاً يَرِيهُ خَيرٌ من أن يمتَلىء شِعْراً" تفسير : فالمراد به شعر الهوى، الذي يشغل عن ذكر الله، أو يصرف القلب عن حضرة الله. قيل لعائشة رضي الله عنها: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثّل بشيء من الشعر؟ فقالت: لم يتمثّل بشيء من الشعر إلا بيت طرفة، أخي بني قيس: شعر : سَتُبْدِي لَكَ الأَيَّامُ ما كُنتَ جاهلاً وَيَأتِيكَ بالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوَّدِ تفسير : وربما عكسه فقال: "ويأتيك مَن لم تزود بالأخبار". وبالله التوفيق. ثم ذكرّهم بالنعم، علّهم ينقادوا بملاطفة الإحسان، فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا...}
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : وهي أن جماعة من المشركين الجاهلين بأساليب كل طبقة من الكلام، وبأحوال كل طائفة من اللئام والكرام، العاطلين عن التمييز بين ملفقّات الهوى والشيطان، وبين ما أفاضه الله على أرواح أحبائه وأيدهم بنور منه، وكتب على ألواح قلوبهم تعلّم الحق من العلم والإيمان، وعلمّهم ما لم يكونوا يعلمون، لقوله: {أية : عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} تفسير : [العلق:4 - 5] كانوا يقولون لرسول الله (صلى الله عليه وآله): "إنه شاعر" - وقيل: إن القائل "عقبة بن أبي معيط" - فقال سبحانه رداً عليهم، وتسفيهاً لعقولهم: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ} أي: ليس ما فاض على قلبه بإذن الله من قبيل القياسات الشعرية، ولا ما أجرى على لسانه أشعاراً موزونة، وأين المعاني التي يتخيلها الشعراء ويتقوَّلُها الأدباء عن حقائق الإيمان؟ وأين عبارات أهل النظم وأساليبهم عن بدائع ألفاظ القرآن؟- وما ينبغي له - أي: لا يليق به الشعر، لأن مأخذ معارفه ومنبع مكاشفاته مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلاّ هو، ومخزن معلوماته خزائن معرفة الله التي لا تنزل إلاّ بقدر معلوم بواسطة بعث ملائكة الله المقدسين عن تصرفان الوهم، والهوى، ومأخذ المعاني الشعرية هو مخزونات الوهم والخيال مما تستنبطها النفس منها بوسيلة تلفيقات المتخيلة ودعابات الوهم، فأين أحدهما من الآخر؟ وفي قوله: {وَمَا يَنبَغِي لَهُ} اشعار بأن شأنه أجلّ ومرتبته أعلى من أن يتصور منه ذلك، لا أنه لا يتسهل له ذلك. وقيل معناه: ما يتسهل له الشعر وما كان يتزين له بيت شعر، حتى أنه إذا تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسراً، كما روي عن الحسن حديث : أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يتمثل بهذا البيت: "كفى الإسلام والشيب للمرء ناهياً" فقال أبو بكر: "يا رسول الله إنما قال الشاعر: *"كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً"* أشهد أنك رسول الله، وما علّمك الشعر وما ينبغي لك ". حديث : وعن عائشة أنها قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتمثّل ببيت أخي بني قيس: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً * ويأتيك بالأخبار من لم تزود فجعل يقول: "ويأتيك من لم تزود بالأخبار" فيقول أبو بكر: "ليس هكذا يا رسول الله" فيقول: "إني لست بشاعر وما ينبغي لي ". تفسير : وقال صاحب الكشّاف: "ما ينبغي له وما يصح له ولا يتطلب لو طلبه، أي جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له ولم يتسهل، كما جعلناه أميّاً لا يهتدي للخط ولا يحسنه، لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض". وعن الخليل: كان الشعر أحب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من كثير من الكلام، ولكن لا يتأتى له، وأما قوله: (صلى الله عليه وآله): شعر : أنا النبي لا كذِب أنا بن عبد المطلب تفسير : وقوله (صلى الله عليه وآله): شعر : هل أنت إلاّ إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت تفسير : فقد قال قوم: إن هذا ليس بشعر، وقال آخرون: إنما هو اتفاق منه وليس بقصد إلى قول الشعر، وما هو إلاّ كلام من جنس كلامه الذي كان يرمي به على السليقة من غير صنعة فيه ولا تكلّف، إلاّ أنه اتفق - من غير قصد إلى ذلك ولا التفات منه إليه - أن جاء موزوناً، كما يتفق في كثير من الإنشاءات والخطب والرسائل للفصحاء بل كثيراً ما يتفق في محاورات الناس عبارات موزونة وألفاظ منظومة من غير قصد ولا خطور بالبال - لا مِنَ المتكلم ولا مِنَ السامع - إنها شعر. وذكر صاحب الكشّاف أن الخليل ما كان يعد المشطور من الرجز شعراً. كشف حال وتزييف مقال هذه كلها تكلفات مستغنى عنها، وتمحلات لا تعويل عليها، مبناه على الغفلة عن هذا المرام، وعدم تحصيل الغرض المسوق إليه الكلام، وعدم التفطن بالجهة التي بها يشين صنعة الشعر ويذم الشاعر، وذلك لأن المذموم من الشعر ليس الوزن والتقفية، ولا معانيه الحقة التي فيها تأثير في النفس بالإنذار والموعظة، بل لعمري لحري أن تعد سليقة الوزن من عداد الفضيلة لا الرذيلة، وظلا من ظلال الوحدة الجمعية كالعدالة، ولائق بالمعاني الحقة أن تعد من الحكمة لا الوسوسة. بل المذموم من الشعر التخييلات الكاذبة الباعثة على الرغبة والرهبة والمبالغات المهيجة للنفوس على الإقدام والإحجام من غير محافظة على الصدق والحقيقة، وأما المكالمات المشتملة على المقاصد الصحيحة الثابتة في ألفاظ منظومة من غير مبالغة تزيد على ما هي عليها، ولا تمزيج لها بالتخيلات الباطلة فليست بضائرة. وكان الشعر عند الحكماء الأوائل مجرد كلام تخييلي مفيد للتخيل المحض من غير اشتراط وزن ولا قافية، وبهذا المعنى كان "هوميروس" معدوداً من الشعراء، وكذا في اصطلاح المنطقيين إحدى الصناعات الخمسة بلا شرط الوزن والتقفية. نعم شأن النبي أجلّ من أن يلتفت ويتوجه إلى تحصيل الوزن والقافية كما أنه أجلّ من أن يلتفت إلى إزالة البيت عن نظمه الذي كان له، وشيء من الروايتين المنقولتين ما دلّ على أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان متعمداً في تغيير النظم، بل على أنه جرى على لسانه غير النحو الذي قاله الشاعر، فإذا اعترض عليه بذلك قال: "حديث : إني لست بشاعر وما ينبغي لي"تفسير : ، أي: ليس لي قصد إلى صورة هذا المنظوم وسائر المنظومات، بل إلى معناه إذا كان حقاً، وما ينبغي لي أن أكون شاعراً، أي مُنْشياً للمعاني المتخيلة الشعرية، ولا متعمداً إلى ملاحظة الأوزان والبحور والقوافي، لجلالة شأني ورفعة مكاني عنه، لا أنه حرم الله عليه الشعر وجعله عاجزاً عن الإتيان به، بحيث لو أراد لم يتأت له - كما ذكره الخليل وغيره - حاشاه عن ذلك. كيف والذوق السليم يحكم بأن القصور عن الإقتدار على إنشاء الشعر وانشاده نقص في الفطرة، فيستحيل على من كان في حاقّ الاعتدال الإنساني، وبحبوحة العدالة النفسانية من غير انحراف واعوجاج أصلاً. وأما علم الخط والسواد، فيحتاج إلى تعمّل واكتساب وتكلّف خارج عما فطر الله النفس عليه، وكذا سائر الصناعات العملية الغير الكمالية، المفتقرة إلى معاونة الآلات الخارجية، وهذه بخلاف العلوم الحقيقية والأخلاق الكريمة والنبوة والحكمة، فإنها مع كونها كمالات نفسانية، ليست مما يفتقر تحققها إلى التعمّلات والاكتسابات كل الإفتقار، بل قد يتحقق بمحض الموهبة الربانية، لأنها ليست أموراً جسمانية متعلقة بالحركات والتعمّلات على سبيل الوجوب والإضطرار. وبالجملة - الشعر يطلق على معنيين: أحدهما: الكلام المنظوم المعتبر فيه أحد الأوزان العروضية، وترجيع القوافي، وهو قد يشتمل على الحِكَم والمواعظ، وقد يشتمل على المجازفات الخيالية. وثانيها: الكلام التخييلي المؤثر في النفس بسطاً وقبضاً، الموقع لها ترغيباً وتنفيراً، وإقداماً وإحجاماً، كما في قولك: "الخمر ياقوتة سيّالة" حيث يفيد النفس ترغيباً كاملاً في الإقدام على شربها مع ظهور كذبه، وقولك: "العسل مرة مقيئة" ينفر الطبع عن تناوله، مع العلم بأنه كذب، تنفراً موجباً للإحجام عنه، فالمذموم هو الثاني لا الأول مطلقاً، بل القسم الثاني منه. وعلى هذا يحمل ما ورد في الأخبار، من النهي عن انشاد الشعر في المساجد وفي الصيام، لا ما كان في مدح أهل بيت النبي (عليه وعليهم السلام)، وهو منشأ تهجين الشعراء في قوله تعالى: {أية : وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ} تفسير : [الشعراء:224 - 226] لأن الغالب على أكثرهم إنشاء الجزافيات المضلّة والمخيلات الوهمية الكاذبة، ولهذا استثنى عن ذلك بقوله: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} تفسير : [الشعراء:227]. والشعراء المؤمنون الذين يُكثرون ذكر الله وأحوال الآخرة والملكوت، وغالب أشعارهم في توحيد الله والثناء عليه بما هو أهله ومستحقه، والحكمة والموعظة الحسنة، والمدح لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وأولياء أهل بيته وأمته الصالحين، وما لا بأس به من المعاني التي لا يتلطخون فيها بذنب، ولا يمزجون بشائنة وعيب، وكان هجاؤهم على سبيل الإنتصار ممن يهجوهم، كما قال الله تعالى: {أية : لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ} تفسير : [النساء:148]. وحق القول (الكلام) فيه: أن الشعر باب من الكلام الحسن، فحسنه كحسن الكلام وقبحه كقبح الكلام ولقد كثر الله من الشعراء الذين كانوا من الفضلاء الممدوحين والحكماء المقبولين بل الأولياء المرضيين. والأول كحسّان بن ثابت، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك، من الذين كانوا ينافحون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويكافحون هجاة قريش. والثاني: كابن فارض، والشيخين: أبي علي وأبي نصر - ثم الشيخين - شهاب الدين السهروردي، ومحي الدين بن عربي، ومن شعراء العجم: النسائي والعطّار ومولوي وسعدي ونظرائهم. وأما الثالث: فأمام الكل في الكل أمير المؤمنين علي وأولاده الأطيبين سلام الله عليهم أجمعين. حديث : وعن كعب بن مالك: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال له: "اهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل" وكان يقول (صلى الله عليه وآله) لحسان بن ثابت: "قل وروح القدس معك" . تفسير : ولما نفى الله تعالى أن يكون القرآن من جنس الشعر بالمعنى الذي مرّ ذكره، قال: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ} يعني: ما هو إلاّ ذكر من الله يوعظ به الجن والإنس، كما قال: {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [يوسف:104] وما هو إلاّ كتاب سماوي يقرء في المعابد، ويتلى في المساجد، ويتبرك بتلاوته، وينال الفوز بدراسته، فيه شفاء للصدور، ونجاة للنفوس، ودواء للأسقام، وهداية للأنام، ومزيل للأوهام، ومصفاة للإفهام، ومصيدة للطيور السماوية، ومطردة للأغوال المضلة، ومرقاة إلى السموات العُلىٰ ومنازل الروحانيين هو حبل من الله متين إلى أعلى شواهق عليين، كتاب مرقوم يشهدة المقرّبون، فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين وأوهام الموسوسين، وسلسلة من سلاسل المقيدين في مجالس أهل سجيّن، وهو كتاب فيه دواوين الفجّار الضالين المكذبين. اشارة أخرى في قوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ}، إشارة إلى قسمين من الأقسام الخمسة المشهورة من الكلام، وهما أشرف الصناعات المنطقية وخير الطرق العلمية، يعني: الحكمة والموعظة الحسنة فان الذكر يعني به الخطابة المفيدة للظن، والقرآن يعني به البرهان المفيد لليقين. وذلك لأن أحد قسمي البرهان - وهو الذي يعطي اللّم - ما كان المفيد للتصديق، وهو الوسط في القياس علة لثبوت الحكم في الخارج، أي اتصاف الموضوع بصفة كاتصاف الإنسان بالوجود، كما أنه علة للعلم به وثبوته في النفس، فالمبرهِن ها هنا من لاحظ ماهية العلة المعطية لوجود الشيء وجَعَلَها مقدمة للوصول إلى المطلوب. هذا شأن الحكماء في اكتسابهم العلوم الإنفعالية الإرتسامية الذهنية، وأما العلوم الشهودية الاشراقية كما هو شأن الأنبياء، فهي إنما تحصل لهم بمشاهدة المبدء الفعّال، وملاحظة العين الجمعي والعقل البسيط الذي هو فعّال الصور الفعلية الموجودة، وخلاّق العلوم التفصيلية الاشراقية، وهو مفتاح خزائن الأشياء، المشار إليها بقوله: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ} تفسير : [الحجر:21]، وحقيقة القرآن عند أهل الله بحسب المعنى هو هذا العقل البسيط، وهو مفتاح المفاتيح الغيبية المشار إليها في قوله: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ}تفسير : [الأنعام:59]. فقد ثبت أن القرآن من جهة المعنى المعقول للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أشرف ضروب البرهان، وأكسير سعادة الإنسان، وأما الأقسام الثلاثة الأخيرة - وهي الجدل والشعر والمغالطة -، فلا يفيد شيء منها اليقين ولا الظن إلاّ في قسم من الجدل، وهو الذي يؤول إما إلى البرهان أو الخطابة، ولهذا أضافه الله إليهما في قوله: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [النحل:125] وهي المجادلة التي ترجع إلى أحدهما مع عموم اعتراف الخلائق فيه المعتبر في مطلقه. وأما ها هنا لم يعدها من أقسام كتاب الله الذي فيه جوامع الكلم وأصول الحِكم، لما عرفت من أن الفائدة فيها من حيث هي مجادلة ليست تكميل النفوس بانفرادها مع قطع النظر عن الهيئة المدنيّة الجمعية، وإنما المقصود الأصلي من الأنظار العلمية، هو تكميل جواهر النفوس بحسب ذواتها، وفيما بينها وبين الله، مع قطع النظر عن النَسَب والأوضاع المنقطعة آخر الأمر، لقوله تعالى: {أية : فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [المؤمنون:101] وفي الحديث: "حديث : كل نَسَب منقطع إلاّ نسبي ". تفسير : وأما الشعر: فلما عرفت من أن مداره على الأكاذيب، ومن ثمة قيل: "أحسن الشعر أكذبه". وأما المغالطة: فالفائدة فيها تغليط الغير أو الإحتراز عن تغليطه، ومرتبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ينافي الأول ويتعاظم عن الثاني، فيستحيل أن يكون النازل عليه شعراً أو مغالطة، فبقي أن يكون النازل من الأقسام الثلاثة الباقية، كما دلّ عليه قوله: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ}تفسير : [النحل:125] - الآية -. وأما الإنحصار المستفاد من هذه الآية في الآيتين، فلما عرفت من رجوع الجدل بحسب الذات إلى أحدهما، فلا منافاة بين الأثنين، والدليل على أن الجدل من حيث هو جدل ليس مما له دخل في حصول الهداية العلميّة وتكميل النفوس الآدمية، بل ليس الغرض فيها شيء إلاّ غلبة الخصم والظفر على العدو، وهو يشبه الحرب "والحرب خِدعة"، وليس صناعة برأسه ولا علماً ولا أدباً، وينبهك عليه مشاهدة ما يعرض لأهله والمشتغلين به، لا على وجه الضرورة، من الحيرة والدهشة والشكوك والظنون والعداوة والبغضاء بينهم مثل ما يعرض لأهل صناعة الجدل، فشكّك الماضي منهم الآتي، وطعن اللاحق منهم السابق، كقوله تعالى: {أية : كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} تفسير : [الأعراف:38]. والعلّة الموجبة لذلك أمور شتى، أعظمها أنهم ربما يكونون مقلدين في أصول يجادلون فيها من المذاهب فينظرون في الفروع، ومن يكون مقلّداً في الأصل كيف يمكنه أن يكون محققاً في الفرع؟ ومن يكون ذاهباً إلى الأصل بالتقليد لقائد يقوده، كمن يقود أعمى في ليل مظلم، متى يكون ناظراً إلى الفرع بعين البصيرة المستضيئة بنور الله؟. وخصلة أخرى: أن أكثرهم ربما جادل فينصر المذاهب لا على سبيل الورع والتدين، ولكن على سبيل التعصّب والغرض النفساني، وحب العشيرة والقوم، فيعمى عن الحق ويضلّ عن الصواب. واعلم أنه ليس من طائفة تتعاطى العلم والأدب والكلام شرّ على العلماء، ولا أضرّ على الأنبياء، ولا أشد عداوة لأهل الدين، ولا أفسد للعقول السليمة للمسلمين، من كلام هؤلاء المجادلة وخصوماتهم في الآراء والمذاهب. وذلك إن كانوا في زمان الأنبياء فهم الذين يطالبونهم بالمعجزات ويعارضونهم بالخصومات، مثل ما قالوا لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم): {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً} تفسير : [الإسراء:90] الآية، وقالوا لنوح: {أية : وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ} تفسير : [هود:27] وهم الذين كانوا إذا مروا بالمؤمنين يتغامزون، وهم الذين أخبر عنهم في هذه السورة بقوله: {أية : مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}تفسير : [يس:30] وبقوله: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ} تفسير : [البقرة:13] وفي ذلك آيات كثيرة من هذا الباب، وقال الله تعالى في ذمّهم وتوبيخهم: {أية : مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} تفسير : [الزخرف:58] فهذه حال من كان منهم في زمان الأنبياء، وأما إذا كانوا في غير زمانهم، فهم الذين يجادلون أهل الدين والورع بالشبهات، وينبذون كتب الأنبياء وراء ظهورهم، يفرغون إلى المذاهب والآراء بعقولهم الناقصة وفطانتهم البتراء، ويضعون لمذاهبهم قياسات تناقضية وأحتجاجات ممّوهة، ويعارضون عقولاً سليمة من الأحداث والعامة فيغيرون فطرهم الأصلية، ويضلّونهم عن سنن الحق وسواء السبيل ويحرفون الكم عن مواضعه ويميلون طبائع أهل الديانات النبوية عن موضوعات الشرائع الناسوسية وإنك تجد فيهم من له جودة عبارة فصاحة بيان، وسحر كلام ما يقدر أن يصوّر بالوصف البليغ الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق وهو مع ذلك جاهل القلب ميّت الروح عن فهم حقائق الأشياء، بعيد الذهن عن درك المعارف، كما يروى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنه كان يقول: "حديث : أخوف ما أخاف على أمتي منافق القلب عليم اللسان، غير حكيم القلب، يغيرهم بفصاحة بيانه، ويضلّهم بجهله وقلة معرفته "... تفسير : وتجد فيهم من يجادل ويحتج ويناظر، وكلامه ينقض بعضه بعضاً، ولا يتفطن ولا يحس بذلك، فإذا تنبّه عليه لم يشعر به، وربما يصلح فاسده بما هو أفسد وأسخف وأسقط من الأول. وتجد فيهم الرجل العاقل (الغافل) المحصّل، الركين في أشياء كثيرة من أمور الدنيا وزينة أهلها، وفي علوم جزئية مثل الطب والبيطرة والنجوم والنحو واللغة وغيرها، فإذا فتّشت اعتقاده فيما هو أهل وأَوْلىٰ من أمور دينه وأحوال مذهبه، وجدت رأيه واعتقاده في تلك الأمور، أسخف وأقبح من رأي كثير من الجهّال والصبيان، والعلة في ذلك أسباب شتى: منها: شدة تعصّبه فيما يعتقده تقليداً وافتخاراً من غير بصيرة، وأخرى: إعجابه بنفسه في اعتقاده، وأخرى: اعتقاده بأصول خفي عليه خطأه فيها، وهي ظاهرة الشناعة في فروعها، فهو يلتزم تلك الشناعات في الفروع مخافة أن ينقض عليه الأصول، ويطلب لها وجوه المراوغة من إلزام الحجة تارة بالشغب وتارة بالتمويه وتارة بالمراوغة، فيروغ كالثعلب عن الجواب والإقرار بالحق، ويأنف أن يقول: "لا أدري" و "الله ورسوله أعلم" اقتداء بأدب الله كما قال: {أية : وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ}تفسير : [الشورى:10] فقال: {أية : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} تفسير : [النساء:83] وقال: {أية : إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} تفسير : [آل عمران:55] وآيات كثيرة في مثل هذا المعنى، ولكن من هؤلاء من يحتج ويقول: معنى "الرجوع إلى الله" أي: إلى ثوابه.
الجنابذي
تفسير : {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ} حتّى يكون القرآن الّذى يجرى على لسانه شعراً موزوناً مقفّىً، او كلاماً شعريّاً لا حقيقة له وكان يتزيّن بتمويهاتٍ وتخييلاتٍ لا حقيقة لها، فانّ الشّعر يطلق على الكلام الموزون، وعلى الكلام الشّعرىّ الّذى يكون باطلاً وظاهراً بصورة الحقّ بتمويهاتٍ وتزييناتٍ، ونسبوا كليهما اليه، ولمّا كان الشّعراء فى اغلب الامر بقوّة فصاحتهم وطلاقة لسانهم يأتون بكلامٍ منظومٍ او منثورٍ يجذب قلوب السّامعين ورأوا منه مثل ذلك قالوا: انّه شاعر وكلامه شعر، ولمّا ارادوا ان يقولوا انّ كلماته محض تخييلاتٍ من غير حقيقةٍ له قالوا: انّه شاعر كما قالوا: انّه مجنون يعنى انّه آتٍ بكلام مموّهٍ لا حقيقة له كما انّ المجنون يأتى بكلامٍ لا حقيقة له لكن فرق بين الشّاعر الآتى بالكلام المموّه، والمجنون الآتى بالكلامٍ الظّاهر - البطلان الغير المموّه، ولا يستفاد من هذا ذمّ الشّعر على الاطلاق بل ذمّ ما أرادوا من نسبة الشّعر اليه (ص)، فانّه (ص) مدح الشّعر واصغى الى الشّعراء ومدح الحسّان بن ثابتٍ، وروى انّه كان يتمثّل بقول الشّعراء لكن كان يغيّر الشّعر ولم يأت به موزوناً ولكنّ الرّواية من طريق العامّة وقد نسب الى ائمّتنا (ع) اشعارٌ كثيرة ونسب اليهم (ع) انّهم كثيراً ما كانوا يتمثّلون بالاشعار وكانوا يصلون الى من كان يقول فيهم شعراً {وَمَا يَنبَغِي لَهُ} يعنى انّا لم نعلّمه كلاماً شعريّاً ولم يكن شأنه ان نعلّمه ذلك ولم يكن بنفسه ان يأتى بذلك {إِنْ هُوَ} اى القرآن الجارى على لسانه {إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ} كلام جامع لطرفى الدّنيا والآخرة ولاحكام القالب والقلب والرّوح {مُّبِينٌ} ظاهر صدقه وجامعيّته، او مظهر لصدقه وجامعيّته بمضامينه.
اطفيش
تفسير : {وما علمناه الشعر} هو غير عالم بالشعر أو ما علمناه الشعر بتعليم القرآن إنما علمناه القرآن وليس القرآن بشعر لأنه غير مقفى وغير موزون وغير ات على طريق كلام الشعراء فأين نظم كلامهم من نظمه وأين معاني كلامهم من معانيه والآية رد لقول الكفار إنه شاعر. {وما ينبغي له} لا يصح له ولا يليق به ولا يستطيعه كما قال الخليل ابن احمد كان الشعر احب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثير من الكلام ولكن لا يتأتى له وكان يتمثل بقوله: شعر : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزودي تفسير : لكن يقول ويأتيك بالأخبار من لم تزوده بالأخبار ويقول له ابوبكر - رضي الله عنه - ليس هكذا وإنما هو يأتيك بالأخبار من لم تزود أشهد أنك رسول الله فقال لست بشاعر ولا ينبغي لي، وفي رواية وكان يقول ويأتيك من لم تزود بالأخبار بدون هاء، وفي رواية كان ابوبكر يقول له اشهد أنك رسول الله ما علمك الشعر وما ينبغي لك وكان يتمثل بقوله: شعر : كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا تفسير : ولكن يقول كفى بالاسلام والشيب للمرء ناهيا ويقول ابوبكر انما قال كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا اشهد انك رسول الله وقول ابي بكر أشهد انك رسول الله يناسب أنه صلى الله عليه وسلم يتمثل لذلك بعد نزول الآية وهو كذلك سواء تمثل به قبل أم لا وكلما تمثل بشعر وانكسر له وقال له ابو بكر اثما هو كذا قال هذا وذاك سواء وروي انه تمثل بقوله: شعر : اتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والاقرع تفسير : وقال بين الاقرع وعيينة فقال ابو بكر انما قال بين عيينة والاقرع فقال صلى الله عليه وسلم ها وذاك سواء وادار الشعر مرارا بلسانه فلم يمكنه فانزل الله سبحانه وما علمناه الشعر او ينبغي له وقد عاشرهم نحو اربعين سنة وطبعة لا يستطيع الشعر وياباه واما قوله: شعر : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب تفسير : فانه ولو كان بيتا مجزوا من الرجز او بيتين منهوكين منه فليس بشعر لأنه قاله على طريق النثر ولم يقصد وزنه وإنما كان على طريق الشعر بلا قصد وهذا كما قال بعض: يا صاحب المسح تبيع المسح بلا قصد وزن وقاله نثرا ففطن له ابو العتاهية فقال متمما له بنصف بيت * فإن عندي ان اردت ربحا، كما خلق الله في القرآن كلاما موزونا على علم منه وهو العليم بكل شيء لكن لم ينزله شعرا ولا يقرأ كما يقرأ الشعر وكذا من تكلم بكلام من نفسه موزون مقفى على علم منه لكن لم يرده شعرا ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: حديث : انا النبي لا كذب؛ انا ابن عبد المطلبتفسير : ، قوله صلى الله عليه وسلم: حديث : هل انت الا اصبع دميت؛ وفي سبيل الله ما لقيتتفسير : على وزن بيت من الرجز غير مشطور ولا منهوك او بيتين شطورين لكن لا على قصد. وقد روي انه نون كذب وجر المطلب وسكن لقيت ويخرج ذلك على هذا من وزن الشعر الا هل أنت الا اصبح دميت فيخرج من عدم القصد ان قلنا انه بيت مشطور وقد قال بانكسار: شعر : اللهم لا عيش الا عيش الآخرة فاكرم الأنصار والمهاجرة تفسير : وقد مر كلام في ذلك وقد قال الخليل أن المشطور ليس بشعر وقال بعضهم إنه إنما منعه الله من إنشاء الشعر من نفسه لا من ذكره شعر غيره ومع ذلك لا يتاتى له ذكر شعر غيره بل ينكسر والممنوع ايضا انشاء او انشاد بيت تام مستقيم وقيل الهاء في له للقرآن. {إن هو} أي ما الذي أتى به صلى الله عليه وسلم. {إلا ذكر} ارشاد ووعظ. {وقرآن مبين} موضع للأحكام وغيرها أو واضح إنه سماوي لا من كلام البشر لأنه معجز فبتلاوته والعمل به ينال الفوز العظيم وقيل الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم على حذف مضاف أي ما أمره وما كلامه إلا ذكر وقرآن مبين وليس منه شيء شعرا او سحرا او كهانة.
اطفيش
تفسير : أى كل ما يقول لكم محمد صلى الله عليه وسلم من أمر الدين والبعث، والإخبار عن الأمم، والوعد والوعيد، على المسخ وغيره، هو حق من عندنا لا تهمة فيه، وليس منه، ولا هو شاعر فتتهموه كما تكذب الشعراء، ويهيمون فى كل واد حتى قيل فى شأن الشعر: أعذبه أكذبه، والشعر كلام موزون بوزن مخصوص قصدا، وما وافق الوزن فيه فليس، بشعر، لأن لم يقصد أن يقرأ كقراءة الشعر، والله عالم بأن ذلك البعض على وزن الشعر، والقرآن فى التوحيد وأمور الشريعة خاصة بخلاف الأشعار، فانها فى غير ذلك إلا ما شذ، وله صلى الله عليه وسلم براهين تقوية: منها بلاغة القرآن التى لا تطاق، وقد أدركت منها كثيرا بقدر طاقة المخلوق والحمد لله، وبعضها تتنور فى قلبى، ويعجز لسانى عن بيانها إلا باطالة كلام، وما اتزن منه يقرؤه صلى الله عليه وسلم كقراءة النثر كما نقرأه، وذلك مثل قول بعض: شعر : يا صاحب المسح تبيع المسح تفسير : قرأه كالنثر، وسمعه أبو العتاهية فقال: شعر : فإن عندى إن أردت ربحا تفسير : والرجز شعر فلا يقوله النبى صلى الله عليه وسلم، ولو كانوا يقولون فلان راجز، وقبلان شاعر، وإن قلنا ليس شعرا فلا يقدح به، ولو قراه بوزنه فكيف وهو لا يتمه، وقد قيل: إنه قال: شعر : أنا النبى لا كذب أنا ابن عبد المطلب تفسير : فنقول أنه قرأه نثراً، وقيل بوزنه، ولكن كسره لسانه بفتح باء كذب، أو ضمة مع تنوينه، وكسر باء المطلب مع أن هذا مجزوء، وهو ماحذف منه جزء، أعنى مستفلعن أربعا، والخليل يقول مجزوء الرجز ليس شعرا وكذا منهوكه، ومع ذلك قيل: ليس المراد أنه لا يقدر على أن يحكى شعر الغير، بل لا يقوله من نفسه، وقد روى أنه حكى بيت ابن رواحة: شعر : يبيت يجافى جنبه عن فراشه إذا استقلت بالكافرين المضاجع تفسير : كما هو أنشد كذلك: شعر : ما أنت إلا أصبع دميت وفى سبيل الله ما لقيت تفسير : وقول ابن رواحة قال: شعر : ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك من لم تزود بالأخبار تفسير : وإنَّما هو: شعر : ويأتيك بالأخبار من لم تزود تفسير : وقال: شعر : كفى بالإسلام والشيب ناهيا تفسير : وإنَّما هو:شعر : كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا تفسير : وقال: شعر : أتجعل نهبى ونهب العبيد بين الأقرع وعيينه تفسير : وإنما هو بين عيينة والأفرع وقال: شعر : ألم تريانى كلما جئت زائرا وجدت بها وإن لم تطيب طيبا تفسير : إنما هو: شعر : بها طيبا وإن لم تطيب تفسير : كل ذلك أشعار لغيره يقرؤها على وزنها، لا كالنثر لكن يكسرها، ويقول الصديق: إذا كسر إنما قال صاحبه كذا أو يقول والله ما أنت شاعر ولا راوية، وعن عائشة ما أتم بيتا إلا قول بعض: شعر : تفاءل بما تهوى يكن فلقلما يقال لشىء كان إلا تحققا تفسير : وعليه فانما قال: وما لقيت فى سبيل الله، وعن عائشة: أبغض الكلام الى رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعر، أى الإكثار منه، وما كان منه فى حرام، وعن الخليل: كان الشعر أحب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثير من الكلام، أى ما كان منه فيه حكمة أو أمر شرعى، وقوله: إن هو إلخ معناه ما الكلام الذى يقوله محمد صلى الله عليه وسلم، وتنسبونه الى السحر والكذب والشعر، إلا ذكر أى عظة وقرآن، أى شىء سماوى يقرأ ظاهر أنه من الله عز وجل وأنه حق: شعر : أجل ليس لهادى الشفيع مماثل هو البحر لم يعرف له قط ساحل فعولن مفاعلين فعولن مفاعل طويل نجاد السيف أروع باسل أيدت خير الورى معجزات كلها آياتها بينات فاعلاتن فاعلن فاعلات ومديد حكمها دائمات للمصطفى ملة دانت لها الملل وشرعة أشرقت من نورها السبل مستفعلن فاعلن مستفعل فعل بحر بسيط به بحر الورى وشل علمت الله ليس له مثيل وأن محمدا نعم الرسول مفاعلتن مفاعلتن فعول بوافر نوره اتضح السيل بمحمد نور المعارف شامل لولاه ما عرف الفضائل فاضل متفاعلن متفاعلن متفاعل كملت صفات علاه فهو الكامل إننى المختار تنزيل به قد جاء جبريل مفاعيلن مفاعيل فإهزاج وترتيل خير الورى طرّاً وأعلى أفضل نبينا المدثر المزمل مستفعلن مستفعلن مستفعلن برجزى فى مدحه أبتهل طيبة طابت وهاتيك الجهات شملتها بالنبى البركات فاعلاتن فاعلاتن فاعلات رملا إليها اليعملات ما تحت تهديد العدا طائل نبينا الهادى لنا كافل مستفعلن مستفعلن فاعل وهو سريع خيره شامل خير الورى بالكمال مشتمل بفضله الجم يضرب المثل مستفعلن مفعولات مفتعل منسرح الجود ليس ينعقل من هدى المصطفى استفاد الهداة واستنارت بنوره النيرات فاعلاتن مستفعلن فاعلات بخفيف أمداحة راجحات علا طه شامخات على الزهر عاليات مفاعيلن فاعلات بنور مضارعات شرع طه مكتمل وهو عدل معتدل فاعلاتن مفتعل لا اقتضاب لا علل أئمة الشرك ماتوا بسيوف طه وفاتوا مسفعلن فاعلات جثت به النائبات سهمى فوق هام السماء الرسول دنا فتدلى فكان القبول فعولن فعولن فعولن فعول تقارب حيث نأى جبرائيل الفضل تقاسمه الرسل والكل بأحمد مكتمل فعلن فعلن فعل فعل وله خبباً تعد والإبل
الالوسي
تفسير : {وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ } بتعليم الكتاب المشتمل على هذا البيان والتلخيص في أمر المبدأ والمعاد {ٱلشّعْرَ } إذ لا يخفى على من به أدنى مسكة أن هذا الكتاب الحكيم المتضمن لجميع المنافع الدينية والدنيوية على أسلوب أفحم كل منطيق يباين الشعر ولا مثل الثريا للثرى، أما لفظاً فلعدم وزنه وتقفيته، وأما معنى فلأن الشعر تخيلات مرغبة أو منفرة أو نحو ذلك وهو مقر الأكاذيب، ولذا قيل أعذبه أكذبه، والقرآن حكم وعقائد وشرائع. والمراد من نفي تعليمه صلى الله عليه وسلم بتعليم الكتاب الشعر نفي أن يكون القرآن شعراً على سبيل الكناية لأن/ ما علمه الله تعالى هو القرآن وإذا لم يكن المعلم شعراً لم يكن القرآن شعراً البتة، وفيه أنه عليه الصلاة والسلام ليس بشاعر إدماجاً وليس هناك كناية تلويحية كما قيل، وهذا رد لما كانوا يقولونه من أن القرآن شعر والنبـي صلى الله عليه وسلم شاعر وغرضهم من ذلك أن ما جاء به عليه الصلاة والسلام من القرآن افتراء وتخيل وحاشاه ثم حاشاه من ذلك. {وَمَا يَنبَغِى لَهُ } اعتراض لتقرير ما أدمج أي لا يليق ولا يصلح له صلى الله عليه وسلم الشعر لأنه يدعو إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ والوزن ولأن أحسنه المبالغة والمجازفة والإغراق في الوصف وأكثره تحسين ما ليس بحسن وتقبيح ما ليس بقبيح وكل ذلك يستدعي الكذب أو يحاكيه الكذب وجل جناب الشارع عن ذلك كذا قيل. وقال ابن الحاجب: أي لا يستقيم عقلاً أن يقول صلى الله عليه وسلم الشعر لأنه لو كان ممن يقوله لتطرقت التهمة عند كثير من الناس في أن ما جاء به من قبل نفسه وأنه من تلك القوة الشعرية ولذا عقب هذا بقوله تعالى: {أية : وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [يس: 70] لأنه إذا انتفت الريبة لم يبق إلا المعاندة فيحق القول عليهم. وتعقب بأن الإيجاز يرفع التهمة وإلا فكونه عليه الصلاة والسلام في المرتبة العليا من الفصاحة والبلاغة في النثر ليس بأضعف من قول الشعر في كونه مظنة تطرق التهمة بل ربما يتخيل أنه أعظم من قول الشعر في ذلك فلو كانت علة منعه عليه الصلاة والسلام من الشعر ما ذكر لزم أن يمنع من الكلام الفصيح البليغ سداً لباب الريبة ودحضاً للشبهة وإعظاماً للحجة فحيث لم يكن ذلك اكتفاءً بالإعجاز وأن التهمة والريب معه مما لا ينبغي أن يصدر من عاقل ولذا نفى الريب مع أنه وقع علم أن العلة في أنه عليه الصلاة والسلام لا ينبغي له الشعر شيء آخر، واختار هذا ابن عطية وجعل العلة ما في قول الشعر من التخييل والتزويق للقول وهو قريب مما سمعت أولاً، وهو الذي ينبغي أن يعول عليه. وفي الآية عليه دلالة على غضاضة الشعر وهي ظاهرة في أنه عليه الصلاة والسلام لم يعط طبيعة شعرية اعتناءً بشأنه ورفعاً لقدره وتبعيداً له صلى الله عليه وسلم من أن يكون فيه مبدأ لما يخل بمنصبه في الجملة. وإنما لم يعط صلى الله عليه وسلم القدرة على الشعر مع حفظه عن إنشائه لأن ذلك سلب القدرة عليه في الإبعاد عما يخل بمنصبه الجليل صلى الله عليه وسلم ونظير ما ذكرنا العصمة والحفظ، ويفهم من كلام "المواهب اللدنية" أن من الناس من ذهب إلى أنه عليه الصلاة والسلام كان له قدرة على الشعر إلا أنه يحرم عليه أن يشعر وليس بذاك، نعم القول بحرمة إنشاء الشعر مقبول ومعناه على القول السابق على ما قيل حرمة التوصل إليه، وقد يقال: لا حاجة إلى التأويل وحرمة الشيء تجامع عدم القدرة عليه. وهل عدم الشعر خاص به عليه الصلاة والسلام أو عام لنوع الأنبياء؟ قال بعضهم هو عام لهذه الآية إذ لا يظهر للخصوص نكتة، وقيل يجوز أن يكون خاصاً والنكتة زيادة التكريم لما أن مقامه صلى الله عليه وسلم فوق مقام الأنبياء عليهم السلام ويكون الثابت لهم الحفظ عن الإنشاء مع ثبوت القدرة عليه وإن صح خبر إنشاء آدم عليه السلام يوم قتل ولده: شعر : تغيرت البلاد ومن عليها ووجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي طعم ولون وقل بشاشة الوجه الصبيح تفسير : اتضح أمر الخصوص وعلم أن لا حفظ من الإنشاء أيضاً، ولعل الحفظ حينئذٍ مما فيه ما يشين ويخل بمنصب النبوة مطلقاً، والنكتة في الخصوص ظاهرة على ما نقل عن ابن الحاجب لأن أعظم معجزاته عليه الصلاة/ والسلام القرآن فربما تحصل التهمة فيه لو قال صلى الله عليه وسلم الشعر وكذلك معجزات الأنبياء عليهم السلام فتأمل. وأياً ما كان لا يرد أنه عليه الصلاة والسلام قال يوم حنين وهو على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحرث آخذ بزمامها ولم يبق معه عليه الصلاة والسلام من الناس إلا قليل ـ أنا النبـي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ـ لأنا لا نسلم أنه شعر فقد عرفوه بأنه الكلام المقفى الموزون على سبيل القصد وهذا مما اتفق له عليه الصلاة والسلام من غير قصد لوزنه ومثله يقع كثيراً في الكلام المنثور ولا يسمى شعراً ولا قائله شاعراً، ولا يتوهم من انتسابه صلى الله عليه وسلم فيه إلى جده دون أبيه دليل القصد لأن النسبة إلى الجد شائعة ولأنه هو الذي قام بتربيته حيث توفي أبوه عليه الصلاة والسلام وهو حمل فحين ولقد قام بأمره فوق ما يقوم الوالد بأمر الولد ولأنه كان مشهوراً بينهم بالصدق والشرف والعزة فلذا خصه بالذكر ليكون كالدليل على ما قبل أو كمانع آخر من الانهزام ولأن كثيراً من الناس كانوا يدعونه عليه الصلاة والسلام بابن عبد المطلب، ومنه حديث ضمام بن ثعلبة أيكم ابن عبد المطلب على أن منهم من لم يعد الرجز مطلقاً وأصله ما كان على مستفعلن ست مرات شعراً ولذا يسمى قائله راجزاً لا شاعراً، وعن الخليل أن المشطور منه وهو ما حذف نصفه فبقي وزنه مستفعلن ثلاث مرات؛ والمنهوك وهو ما حذف ثلثاه فبقي وزنه مستفعلن مرتين ليسا بشعر، وفي رواية أخرى عنه أن المجزو وهو ما حذف من كل مصراع منه جزء فبقي وزنه مستفعلن أربع مرات كذلك فقوله صلى الله عليه وسلم أنا النبـي لا كذب إن كان نصف بيت فهو مجزو فليس بشعر على هذه الرواية وإن فرض أن هناك قصداً وإن كان بيتاً تاماً فهو فليس منهوك بشعر أيضاً على الرواية الأولى وكونه ليس بشعر على قول من لا يرى الرجز مطلقاً شعراً ظاهر. وجاء في بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام حرك الباء من كَذِبَ والمطلبَ فلا يكون ذلك موزوناً فكونه ليس بشعر أظهر وأظهر. والقول بأن ضمير {لَهُ } للقرآن المعلوم من السياق أي وما يصح للقرآن أن يكون شعراً فيجوز صدور الشعر عنه صلى الله عليه وسلم ولا يحتاج إلى توجيه ليس بشيء فإنه يكفي في نفي الشعر عنه عليه الصلاة والسلام قوله سبحانه: {وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشّعْرَ } مع أن الظاهر عود الضمير عليه عليه الصلاة والسلام، وأولى التوجيهات إخراج ذلك من الشعر بانتفاء القصد وبذلك يخرج ما وقع في القرآن من نظائره منه، وقد ذكرنا لك فيما مر كثيراً منها. وليس في الآية ما يدل على أن النبـي صلى الله عليه وسلم لا ينبغي له التكلم بشعر قاله بعض الشعراء والتمثل به، وفي الأخبار ما يدل على وقوع التكلم بالبيت متزناً نادراً كما روي أنه عليه الصلاة والسلام أنشد بيت ابن رواحة: شعر : يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع تفسير : وإنشاده إياه كذلك مذكور في البحر»، وروي أنه صلى الله عليه وسلم أصاب أصبعه الشريفة حجر في بعض غزواته فدميت فتمثل بقول الوليد بن المغيرة: على ما قاله ابن هشام في "السيرة" أو ابن رواحة على ما صححه ابن الجوزي: شعر : / ما أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت تفسير : وقيل: هو له عليه الصلاة والسلام والكلام فيه كالكلام في قوله صلى الله عليه وسلم أنا النبـي الخ إلا أن هذا يحتمل أن يكون مشطوراً إذا كان كل من شطريه بيتاً وعلى وقوع التكلم بالبيت غير متزن مع إحراز المعنى كثيراً كما روي أنه عليه الصلاة والسلام أنشد: شعر : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك من لم تزود بالأخبار تفسير : فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه ليس هكذا يا رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إني والله ما أنا بشاعر ولا ينبغي لي»تفسير : وفي خبر أخرجه أحمد وابن أبـي شيبة عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استراث الخبر تمثل ببيت طرفة ويأتيك من لم تزود بالأخبار. وأخرج ابن سعد وابن أبـي حاتم عن الحسن أنه صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت: شعر : كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا تفسير : فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله ما علمك الشعر وما ينبغي لك، وأخرج ابن سعيد عن عبد الرحمن بن أبـي الزناد أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن مرداس: أرأيت قولك: شعر : أتجعل نهبـي ونهب العبيـ د بين الأقرع وعيينة تفسير : فقال له أبو بكر رضي الله تعالى عنه: بأبـي أنت وأمي يا رسول الله ما أنت بشاعر ولا راوية ولا ينبغي لك إنما قال بين عيينة والأقرع، وروي أنه قيل له عليه الصلاة والسلام: من أشعر الناس؟ فقال: الذي يقول: شعر : ألم ترياني كلما جئت طارقا وجدت بها وإن لم تطيب طيباً تفسير : وأخرج البيهقي في "سننه" بسند فيه مجهول عن عائشة قالت ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت شعر قط إلا بيتاً واحداً:شعر : تفاءل بما تهوى يكن فلقلما يقال لشيء كان إلا تحقق تفسير : قالت عائشة ولم يقل تحققاً لئلا يعربه فيصير شعراً. ثم إنه عليه الصلاة والسلام مع هذا لم يكن يحب الشعر ففي "مسند أحمد بن حنبل" عن عائشة قالت: كان أبغض الحديث إليه صلى الله عليه وسلم الشعر، وفي «الصحيحين» وغيرهما عن أبـي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلىء شعراً»تفسير : وهذا ظاهر في ذم الإكثار منه، وما روي عن الخليل أنه قال كان الشعر أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثير من الكلام مناف لما سمعت عن "المسند"، ولعل الجمع بالتفصيل بين شعر وشعر. وقد تقدم الكلام في الشعر مفصلاً في سورة الشعراء فتذكر. {إِنْ هُوَ } أي ما القرآن {إِلاَّ ذِكْرٌ } أي عظة من الله عز وجل وإرشاد للثقلين كما قال سبحانه: {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [يوسف: 104] {وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ} أي كتاب سماوي ظاهر أنه ليس من كلام البشر لما فيه من الإعجاز الذي ألقم من تصدى للمعارضة الحجر.
سيد قطب
تفسير : في هذا القطاع الأخير من السورة تستعرض كل القضايا التي تعالجها السورة.. قضية الوحي وطبيعته وقضية الألوهية والوحدانية. وقضية البعث والنشور.. تستعرض في مقاطع مفصلة. مصحوبة بمؤثرات قوية في إيقاعات عميقة. كلها تتجه إلى إبراز يد القدرة وهي تعمل كل شيء في هذا الكون وتمسك بمقاليد الأمور كلها. ويتمثل هذا المعنى مركزاً في النهاية في الآية التي تختم السورة: {فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون}... فهذه اليد القوية المبتدعة خلقت الأنعام للبشر وذللتها لهم. وهي خلقت الإنسان من نطفة. وهي تحيي رميم العظام كما أنشأتها أول مرة. وهي جعلت من الشجر الأخضر ناراً. وهي أبدعت السماوات والأرض. وفي النهاية هي مالكة كل شيء في هذا الوجود.. وذلك قوام هذا المقطع الأخير.. {وما علمناه الشعر ـ وما ينبغي له ـ إن هو إلا ذكر وقرآن مبين، لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين}.. وردت قضية الوحي في أول السورة: {أية : يس والقرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين. على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم. لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون...}.. تفسير : والآن تجيء في صورتها هذه للرد على ما كان يدعيه بعضهم من وصف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه شاعر؛ ووصف القرآن الذي جاء به بأنه شعر. وما كان يخفى على كبراء قريش أن الأمر ليس كذلك. وأن ما جاءهم به محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ قول غير معهود في لغتهم. وما كانوا من الغفلة بحيث لا يفرقون بين القرآن والشعر. إنما كان هذا طرفاً من حرب الدعاية التي شنوها على الدين الجديد وصاحبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أوساط الجماهير. معتمدين فيها على جمال النسق القرآني المؤثر، الذي قد يجعل الجماهير تخلط بينه وبين الشعر إذا وجهت هذا التوجيه. وهنا ينفي الله ـ سبحانه ـ أنه علم الرسول الشعر. وإذا كان الله لم يعلمه فلن يعلم. فما يعلم أحد شيئاً إلا ما يعلمه الله.. ثم ينفي لياقة الشعر بالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {وما ينبغي له} فللشعر منهج غير منهج النبوة. الشعر انفعال. وتعبير عن هذا الانفعال. والانفعال يتقلب من حال إلى حال. والنبوة وحي. على منهج ثابت. على صراط مستقيم. يتبع ناموس الله الثابت الذي يحكم الوجود كله. ولا يتبدل ولا يتقلب مع الأهواء الطارئة، تقلب الشعر مع الانفعالات المتجددة التي لا تثبت على حال. والنبوة اتصال دائم بالله، وتلق مباشر عن وحي الله، ومحاولة دائمة لرد الحياة إلى الله. بينما الشعر ـ في أعلى صوره ـ أشواق إنسانية إلى الجمال والكمال مشوبة بقصور الإنسان وتصوراته المحدودة بحدود مداركه واستعداداته. فأما حين يهبط عن صوره العالية فهو انفعالات ونزوات قد تهبط حتى تكون صراخ جسد، وفورة لحم ودم! فطبيعة النبوة وطبيعة الشعر مختلفتان من الأساس ـ هذه ـ في أعلى صورها ـ أشواق تصعد من الأرض. وتلك في صميمها هداية تتنزل من السماء.. {إن هو إلا ذكر وقرآن مبين}.. ذكر وقرآن.. وهما صفتان لشيء واحد. ذكر بحسب وظيفته. وقرآن بحسب تلاوته. فهو ذكر لله يشتغل به القلب، وهو قرآن يتلى ويشتغل به اللسان. وهو منزل ليؤدي وظيفة محددة: {لينذر من كان حياً، ويحق القول على الكافرين}.. ويضع التعبير القرآني الكفر في مقابل الحياة. فيجعل الكفر موتاً، ويجعل استعداد القلب للإيمان حياة. ويبين وظيفة هذا القرآن بأنه نزل على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لينذر من به حياة. فيجدي فيهم الإنذار، فأما الكافروين فهم موتى لا يسمعون النذير؛ وظيفة القرآن بالقياس إليهم هي تسجيل الاستحقاق للعذاب، فإن الله لا يعذب أحداً حتى تبلغه الرسالة ثم يكفر عن بينة ويهلك بلا حجة ولا معذرة! وهكذا لم يعلم الناس أنهم إزاء هذا القرآن فريقان: فريق يستجيب فهو حي. وفريق لا يستجيب فهو ميت. ويعلم هذا الفريق أن قد حق عليه القول، وحق عليه العذاب! والمقطع الثاني في هذا القطاع يعرض قضية الألوهية والوحدانية، في إطار من مشاهدات القوم، ومن نعم البارئ عليهم، وهم لا يشكرون: {أو لم يروا أن خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون؟ وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون. ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون؟ واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون. لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون. فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون}.. أو لم يروا؟ فآية الله هنا مشهودة منظورة بين أيديهم، ليست غائبة ولا بعيدة، ولا غامضة تحتاج إلى تدبر أو تفكير.. إنها هذه الأنعام التي خلقها الله لهم وملكهم إياها. وذللها لهم يركبونها ويأكلون منها ويشربون ألبانها، وينتفعون بها منافع شتى.. وكل ذلك من قدرة الله وتدبيره؛ ومن إيداعه ما أودع من الخصائص في الناس وفي الأنعام، فجعلهم قادرين على تذليلها واستخدامها والانتفاع بها. وجعلها مذللة نافعة ملبية لشتى حاجات الإنسان. وما يملك الناس أن يصنعوا من ذلك كله شيئاً. وما يملكون أن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له. وما يملكون أن يذللوا ذبابة لم يركب الله في خصائصها أن تكون ذلولاً لهم!.. {أفلا يشكرون؟}.. وحين ينظر الإنسان إلى الأمر بهذه العين وفي هذا الضوء الذي يشيعه القرآن الكريم. فإنه يحس لتوه أنه مغمور بفيض من نعم الله. فيض يتمثل في كل شيء حوله. وتصبح كل مرة يركب فيها دابة، أو يأكل قطعة من لحم، أو يشرب جرعة من لبن، أو يتناول قطعة من سمن أو جبن. أو يلبس ثوباُ من شعر أو صوف أو وبر.. إلى آخره إلى آخره.. لمسة وجدانية تشعر قلبه بوجود الخالق ورحمته ونعمته. ويطرد هذا في كل ما تمس يده من أشياء حوله، وكل ما يستخدمه من حي أو جامد في هذا الكون الكبير. وتعود حياته كلها تسبيحاً لله وحمداً وعبادة آناء الليل وأطراف النهار.. ولكن الناس لا يشكرون. وفيهم من اتخذ مع هذا كله آلهة من دون الله: {واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون. لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون}: وفي الماضي كانت الآلهة أصناماً وأوثاناً، أو شجراً أو نجوماً، أو ملائكة أو جناً.. والوثنية ما تزال حتى اليوم في بعض بقاع الأرض. ولكن الذين لا يعبدون هذه الآلهة لم يخلصوا للتوحيد. وقد يتمثل شركهم اليوم في الإيمان بقوى زائفة غير قوة الله؛ وفي اعتمادهم على أسناد أخرى غير الله. والشرك ألوان، تختلف باختلاف الزمان والمكان. ولقد كانوا يتخذون تلك الآلهة يبتغون أن ينالوا بها النصر. بينما كانوا هم الذين يقومون بحماية تلك الآلهة أن يعتدي عليها معتد أو يصيبها بسوء، فكانوا هم جنودها وحماتها المعدين لنصرتها: {وهم لهم جند محضرون}.. وكان هذا غاية في سخف التصور والتفكير. غير أن غالبية الناس اليوم لم ترتق عن هذا السخف إلا من حيث الشكل. فالذين يؤلهون الطغاة والجبارين اليوم، لا يبعدون كثيراً عن عباد تلك الأصنام والأوثان. فهم جند محضرون للطغاة. وهم الذين يدفعون عنهم ويحمون طغيانهم. ثم هم في الوقت ذاته يخرون للطغيان راكعين! إن الوثنية هي الوثنية في شتى صورها. وحيثما اضطربت عقيدة التوحيد الخالص أي اضطراب جاءت الوثنية، وكان الشرك، وكانت الجاهلية! ولا عصمة للبشرية إلا بالتوحيد الخالص الذي يفرد الله وحده بالألوهية. ويفرده وحده بالعبادة. ويفرده وحده بالتوجه والاعتماد. ويفرده وحده بالطاعة والتعظيم. {فلا يحزنك قولهم. إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون}. الخطاب للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يواجه أولئك الذين اتخذوا من دون الله آلهة. والذين لا يشكرون ولا يذكرون. ليطمئن بالاً من ناحيتهم. فهم مكشوفون لعلم الله. وكل ما يدبرونه وما يملكونه تحت عينه. فلا على الرسول منهم. وأمرهم مكشوف للقدرة القادرة. والله من ورائهم محيط.. ولقد هان أمرهم بهذا. وما عاد لهم من خطر يحسه مؤمن يعتمد على الله. وهو يعلم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون. وأنهم في قبضته وتحت عينه وهم لا يشعرون! والمقطع الثالث في هذا القطاع الأخير يتناول قضية البعث والنشور: {أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين. وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه. قال: من يحيي العظام وهي رميم؟ قل: يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم. الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون. أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم؟ بلى وهو الخلاق العليم. إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن. فيكون}.. ويبدأ هذا المقطع بمواجهة الإنسان بواقعه هو ذاته في خاصة نفسه. وهذا الواقع يصور نشأته وصيرورته مما يراه واقعاً في حياته، ويشهده بعينه وحسه مكرراً معاداً. ثم لا ينتبه إلى دلالته، ولا يتخذ منه مصداقاً لوعد الله ببعثه ونشوره بعد موته ودثوره.. {أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين}.. فما النطفة التي لا يشك الإنسان في أنها أصله القريب؟ إنها نقطة من ماء مهين، لا قوام ولا قيمة! نقطة من ماء تحوي ألوف الخلايا.. خلية واحدة من هذه الألوف هي التي تصير جنينا. ثم تصير هذا الإنسان الذي يجادل ربه ويخاصمه ويطلب منه البرهان والدليل! والقدرة الخالقة هي التي تجعل من هذه النطفة ذلك الخصيم المبين. وما أبعد النقلة بين المنشأ والمصير! أفهذه القدرة يستعظم الإنسان عليها أن تعيده وتنشره بعد البلى والدثور؟ {وضرب لنا مثلاً ـ ونسي خلقه ـ قال: من يحيي العظام وهي رميم. قل: يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم}.. يا للبساطة! ويا لمنطق الفطرة! ومنطق الواقع القريب المنظور! وهل تزيد النطفة حيوية أو قدرة أو قيمة على العظم الرميم المفتوت؟ أو ليس من تلك النطفة كان الإنسان؟ أو ليست هذه هي النشأة الأولى؟ أو ليس الذي حول تلك النطفة إنساناً، وجعله خصيماً مبيناً بقادر على أن يحول العظم الرميم مخلوقاً حياً جديداً؟ إن الأمر أيسر وأظهر من أن يدور حوله سؤال. فما بال الجدل الطويل؟! {قل: يحييها الذي أنشأها أول مرة. وهو بكل خلق عليم}.. ثم يزيدهم إيضاحاً لطبيعة القدرة الخالقة، وصنعها فيما بين أيديهم وتحت أعينهم مما يملكون: {الذي جعل لكم من الشجر الأخصر ناراً فإذا أنتم منه توقدون}.. والمشاهدة الأولية الساذجة تقنع بصدق هذه العجيبة! العجيبة التي يمرون عليها غافلين. عجيبة أن هذا الشجر الأخضر الريان بالماء، يحتك بعضه ببعض فيولد ناراً؛ ثم يصير هو وقود النار. بعد اللدونة والاخضرار.. والمعرفة العلمية العميقة لطبيعة الحرارة التي يختزنها الشجر الأخضر من الطاقة الشمسية التي يمتصها، ويحتفظ بها وهو ريان بالماء ناضر بالخضرة؛ والتي تولد النار عند الاحتكاك، كما تولد النار عند الاحتراق.. هذه المعرفة العلمية تزيد العجيبة بروزاً في الحس ووضوحاً. والخالق هو الذي أودع الشجر خصائصه هذه. والذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. غير أننا لا نرى الأشياء بهذه العين المفتوحة ولا نتدبرها بذلك الحس الواعي. فلا تكشف لنا عن أسرارها المعجبة. ولا تدلنا على مبدع الوجود. ولو فتحنا لها قلوبنا لباحت لنا بأسرارها، ولعشنا معها في عبادة دائمة وتسبيح! ثم يستطرد في عرض دلائل القدرة وتبسيط قضية الخلق والإعادة للبشر أجمعين: {أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم؟ بلى وهو الخلاق العليم}.. والسماوات والأرض خلق عجيب هائل دقيق.. هذه الأرض التي نعيش عليها ويشاركنا ملايين الأجناس والأنواع، ثم لا نبلغ نحن شيئاً من حجمها، ولا شيئاً من حقيقتها، ولا نعلم عنها حتى اليوم إلا القليل.. هذه الأرض كلها تابع صغير من توابع الشمس التي تعيش أرضنا الصغيرة على ضوئها وحرارتها.. وهذه الشمس واحدة من مائة مليون في المجرة الواحدة التي تتبعها شمسنا، والتي تؤلف دنيانا القريبة! وفي الكون مجرات أخرى كثيرة. أو دنييات كدنيانا القريبة. عد الفلكيون حتى اليوم منها مائة مليون مجرة بمناظيرهم المحدودة. وهم في انتظار المزيد كلما أمكن تكبير المناظير والمراصد. وبين مجرتنا أو دنيانا والمجرة التالية لها نحو خمسين وسبع مائة ألف سنة ضوئية (السنة الضوئية تقدر بستة وعشرين مليون مليون من الأميال!).. وهناك كتل ضخمة من السدم التي يظن أنه من نثارها كانت تلك الشموس. وهذا هو الجزء الذي يدخل في دائرة معارفنا الصغيرة المحدودة! تلك الشموس التي لا يحصيها العد. لكل منها فلك تجري فيه. ولمعظمها توابع ذات مدارات حولها كمدار الأرض حول الشمس.. وكلها تجري وتدور في دقة وفي دأب. لا تتوقف لحظة ولا تضطرب. وإلا تحطم الكون المنظور واصطدمت هذه الكتل الهائلة السابحة في الفضاء الوسيع.. هذا الفضاء الذي تسبح فيه تلك الملايين التي لا يحصيها العد، كأنها ذرات صغيرة. لا نحاول تصويره ولا تصوره.. فذلك شيء يدير الرؤوس! {أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم؟}.. وأين الناس من ذلك الخلق الهائل العجيب؟ {بلى! وهو الخلاق العليم}.. ولكن الله ـ سبحانه ـ يخلق هذا وذلك ويخلق غيرهما بلا كلفة ولا جهد. ولا يختلف بالقياس إليه خلق الكبير وخلق الصغير: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن. فيكون}.. يكون هذا الشيء سماء أو أرضاً. ويكون بعوضة أو نملة. هذا وذلك سواء أمام الكلمة.. كن.. فيكون! ليس هناك صعب ولا سهل. وليس هنالك قريب ولا بعيد.. فتوجه الإرادة لخلق الشيء كاف وحده لوجوده كائناً ما يكون. إنما يقرب الله للبشر الأمور ليدركوها بمقياسهم البشري المحدود. وعند هذا المقطع يجيء الإيقاع الأخير في السورة. الإيقاع المصور لحقيقة العلاقة بين الوجود وخالق الوجود: {فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء. وإليه ترجعون}.. ولفظة ملكوت بصياغتها هذه تضخم وتعظم حقيقة هذه العلاقة. علاقة الملكية المطلقة لكل شيء في الوجود. والسيطرة القابضة على كل شيء من هذا المملوك. ثم إن إليه وحده المرجع والمصير.. إنه الإيقاع الختامي المناسب لهذه الجولة الهائلة، وللسورة كلها، ولموضوعاتها المتعقلة بهذه الحقيقة الكبيرة، التي يندرج فيها كل تفصيل..
ابن عاشور
تفسير : هذه الآية ترجع إلى ما تضمنه قوله تعالى: { أية : وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين } تفسير : [يس: 46] فقد بيّنا أن المراد بالآيات آيات القرآن، فإعراضهم عن القرآن له أحوالٌ شتى: بعضها بعدم الامتثال لما يأمرهم به من الخير مع الاستهزاء بالمسلمين وهو قوله تعالى: { أية : وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله } تفسير : [يس: 47] الآية، وبعضها بالتكذيب لما يُنذِرهم به من الجزاء، وهو قوله: { أية : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } تفسير : [يس: 48]. ومن إعراضهم عنه طعنُهم في آيات القرآن بأقوال شتّى منها قولهم: هو قول شاعر، فلما تصدّى القرآن لإِبطال تكذيبهم بوعيد بالجزاء يوم الحشر بما تعاقب من الكلام على ذلك عاد هنا إلى طعنهم في ألفاظ القرآن من قولهم: { أية : بل افتراه بل هو شاعر } تفسير : [الأنبياء: 5]، فقولهم {بل هو شاعر} يقتضي لا محالة أنهم يقولون: القرآن شعر. فالجملة معطوفة على جملة { أية : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } تفسير : [الأنبياء:38]، عطف القصة على القصة والغرضِ على الغرضِ. ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافاً ابتدائياً ويكون الواو للاستئناف، ولذلك اقتصر هنا على تنزيه القرآن عن أن يكون شعراً والنبي صلى الله عليه وسلم عن أن يكون شاعراً دون التعرض لتنزيهه عن أن يكون ساحراً، أو أن يكون مجنوناً لأن الغَرض الرد على إعراضهم عن القرآن، ألا ترى أنه لما قصد إبطال مقالات لهم في القرآن قال في الآية الأخرى: { أية : وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون } تفسير : [الحاقة: 41،42]. وضمير {عَلَّمْناهُ} عائد إلى معلوم من مقام الردّ وليس عائداً إلى مذكور إذ لم يتقدم له معاد. وبني الرد عليهم على طريقة الكناية بنفي تعليم النبي صلى الله عليه وسلم الشعر لما في ذلك من إفادة أن القرآن معلَّم للنبي صلى الله عليه وسلم من قِبَل الله تعالى وأنه ليس بشعر وأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس بشاعر. وانتصب {الشّعْرَ} على أن مفعول ثاننٍ لفعل {عَلَّمْناهُ}، وهذا الفعل من أفعال العلم، ومُجرَّدُه يتعدّى إلى مفعول واحد غالباً نحو عَلِم المسألةَ. ويتعدّى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، فإذا دخله التضعيف صار متعدياً إلى مفعولين فقط اعتداداً بأن مجرده متعدّ إلى واحد كقوله تعالى: { أية : وإذ علمتك الكتاب والحكمة } تفسير : [المائدة: 110] في سورة العقود، وقوله: {وما علَّمناهُ الشعر} في هذه السورة يس وهذه تفرقة في الاستعمال موكولة إلى اختيار أهل اللسان نبّه عليه الرضيّ في «شرح الكافية» في باب تعدية أفعال القلوب إلى مفعولين بأن أصله متعدّ إلى واحد. فتقدير المعنى: نحن علمناه القرآن وما علمناه الشعر، فالقرآن موحىً إليه بتعليم من الله والذي أوحى به إليه ليس بشعر، وإذن فالمعنى: أن القرآن ليس من الشعر في شيء، فكانت هاته الجملة ردّاً على قولهم: هو شاعر على طريقة الكناية لأنها انتقال من اللازم إلى الملزوم. ودل على أن هذا هو المقصود من قوله: {وما علمناهُ الشعر} قوله عقبه {إن هُوَ إلاَّ ذِكرٌ وقُرءانٌ مبين}، أي ليس الذي علمناه إياه إلا ذكراً وقرآناً وما هو بشعر. والتعليم هنا بمعنى الوحي، أي وما أوحينا إليه الشعر فقد أطلق التعليم على الوحي في قوله تعالى: { أية : إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى } تفسير : [النجم: 4، 5] وقال: { أية : وعلمك ما لم تكن تعلم } تفسير : [النساء: 113]. وكيف يكون القرآن شعراً والشعر كلام موزون مقفّى له معان مناسبة لأغراضه التي أكثرها هزل وفكاهة، فأين الوزن في القرآن، وأين التقفية، وأين المعاني التي ينتجها الشعراء، وأين نظم كلامهم من نظمه، وأساليبهم من أساليبه. ومن العجيب في الوقاحة أن يصدر عن أهل اللسان والبلاغة قول مثل هذا ولا شبهة لهم فيه بحال، فما قولهم ذلك إلا بهتان. وما بني عليه أسلوب القرآن من تساوي الفواصل لا يجعلها موازية للقوافي كما يعلمه أهل الصناعة منهم وكل من زاول مبادىء القافية من المولدين، ولا أحسبهم دَعوهُ شعراً إلا تعجلاً في الإِبطال، أو تمويهاً على الإِغفال، فأشاعوا في العرب أن محمداً صلى الله عليه وسلم شاعر، وأن كلامه شعر. وينبَني عن هذا الظن خبر أنيس بن جُنَادة الغفاري أخي أبي ذرّ، فقد روى البخاري عن ابن عباس، ومسلم عن عبد الله بن الصامت، يزيد أحدهما على الآخر قالا: «قال أبو ذر لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء واستمع من قوله ثم ائتني، فانطلقَ الأخ حتى قدم وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاماً ما هو بالشعر. قال أبو ذر: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر كاهن، ساحر. وكان أُنيس أحد الشعراء، قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون» ثم اقتص الخبر عن إسلام أبي ذر، ويظهر أن ذلك كان في أول البعثة. ومثله خبر الوليد بن المغيرة الذي رواه البيهقي وابن إسحاق «أنه جمع قريشاً عند حضور الموسم ليتشاوروا في أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم: إن وفود العَرب ترد عليكم فأجمعوا فيه رأياً لا يُكذب بعضكم بعضاً، فقالوا: نقول كاهن؟ فقال: والله ما هو بكاهن، ما هو بزمزمته ولا بسجعه، قالوا: نقول مجنون؟ فقال: والله ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا وسوسته، فذكر ترددهم في وصفه إلى أن قالوا: نقول شاعر؟ قال: ما هو بشاعر، قد عرفت الشعر كله رجزَه وهزجَه وقريضه ومبسوطَه ومقبوضه وما هو بشاعر...» إلى آخر القصة. فمعنى {وما علمناهُ الشعر}: وما أوحينا إليه شعراً علمناه إياه. وليس المراد أن الله لم يجعل في طبع النبي القدرة على نظم الشعر لأن تلك المقدرة لا تسمّى تعليماً حتى تنفى وإنما يستفاد هذا المعنى من قوله بعده: {وما ينبغي له} وسنتكلم عليه قريباً. وقد اقتضت الآية نفي أن يكون القرآن شعراً، وهذا الاقتضاء قد أثار مطاعن للملحدين ومشاكل للمخلصين، إذ وجدتْ فقرات قرآنية استكملت ميزان بحر من البحور الشعرية، بعضها يلتئم منه بيت كامل، وبعضها يتقوّم منه مصراع واحد، ولا تجد أكثر من ذلك فهذا يلزم منه وقوع الشعر في آي القرآن. وقد أثار الملاحدة هذا المطعن، فلذلك تعرض أبو بكر الباقلاني إلى دحضه في كتابه «إعجاز القرآن» وتبعه السكاكي وأبو بكر بن العربي، فأما الباقلاني فانفرد بردّ قال فيه: إن البيت المفرد لا يسمّى شعراً بَلْهَ المصراع الذي لا يكمل به بيت. وأرى هذا غير كاف هنا لأنه لا يستطاع نفي مسمّى الشعر عن المصراع وأولى عن البيت. وقال السكاكي في آخر مبحث ردّ المطاعن عن القرآن من كتاب «مفتاح العلوم»: «إنهم يقولون أنتم في دعواكم أن القرآن كلام الله وقد علّمه محمداً صلى الله عليه وسلم على أحد أمرين: إما أن الله تعالى جاهل لا يعلم ما الشعر، وإما أن الدعوى باطلة، وذلك أن في قرآنكم {وما علمناهُ الشِّعر} وأنه يستدعي أن لا يكون فيما عُلِّمه شعر». ثم إن في القرآن من جميع البحور شعراً: فمن الطويل من «صحيحه» { أية : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } تفسير : [الكهف: 29]. ومن مخرومه { أية : منها خلقناكم وفيها نعيدكم } تفسير : [طه: 55]. ومن بحر المديد { أية : واصنع الفلك بأعيننا } تفسير : [هود: 37]. ومن بحر الوافر { أية : ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين } تفسير : [التوبة: 14]. ومن بحر الكامل: { أية : والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } تفسير : [البقرة: 213]. ومن بحر الهجز من مخرومه: { أية : تاللَّه لقد آثرك الله علينا } تفسير : [يوسف:91]. ومن بحر الرجز: { أية : دانية عليهم ظِلالها وذلّلت قطوفها تذليلاً } تفسير : [الإنسان:14]. ومن بحر الرمل { أية : وجفان كالجواب وقدور راسيات } تفسير : [سبأ:13]. ونظيره { أية : وضعنا عنك وزرك الذي أنقضَ ظهرك } تفسير : [الشرح: 2ــــ3]. ومن بحر السريع { أية : قال فما خطبك يا سامري } تفسير : [طه: 95] ونظيره { أية : نقذف بالحق على الباطل } تفسير : [لأنبياء: 18] ومنه { أية : أو كالذي مرّ على قرية } تفسير : [البقرة:259]. ومن بحر المنسرح { أية : إنا خلقنا الإنسان من نطفة } تفسير : [الإنسان: 2]. ومن بحر الخفيف { أية : أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم } تفسير : [الماعون: 1ــــ2] ومنه { أية : لا يكادون يفقهون حديثاً } تفسير : [النساء:78] ونحوه: { أية : قال يا قوم هؤلاء بناتي } تفسير : [هود: 78]. ومن بحر المضارع من مخرومه { أية : يوم التناد يوم تولون مدبرين } تفسير : [غافر: 32ــــ33]. ومن بحر المقتضب { أية : في قلوبهم مرض } تفسير : [البقرة: 10]. ومن بحر المتقارب { أية : وأملي لهم إن كيدي متين } تفسير : [الأعراف: 183]. فيقال لهم من قَبْل النظر فيما أوردوه: هل حرفوا بزيادةٍ أو نقصانٍ حركةً أو حرفاً أم لا. وقبل أن ننظر هل راعوا أحكام علم العروض في الأعاريض والضروب التي سبق ذكرها أم لا. ومن قَبل أن ننظر هل عملوا بالمنصور من المذهبين في معنى الشعر على نحو ما سبق أم لا (يعني المذهبين مذهب الذين قالوا لا يكون الشعر شعراً إلا إذا قصد قائله أن يكون موزوناً، ومذهب الذين قالوا: إن تعمُّد الوزن ليس بواجب بل يكفي أن يلفى موزوناً ولو بدون قصد قائله للوزن وقد نصر المذهب الأول) يا سبحان الله قدروا جميع ذلك أشعاراً، أليس يصح بحكم التغليب أن لا يلتفت إلى ما أوردتموه لقلته، ويُجرى ذلك القرآن مُجرى الخالي عن الشعر فيقال بناء على مقتضى البلاغة: {وما علمناه الشعر} ا هــــ. كلامه، وقد نحا به نحو أمرين: أحدهما: أن ما وقع في القرآن من الكلام المتّزن ليس بمقصود منه الوزن، فلا يكون شعراً على رأي الأكثر من اشتراط القصد إلى الوزن لأن الله تعالى لم يعبأ باتزانه. الثاني: إن سلمنا عدم اشتراط القصد فإن نفي كون القرآن شعراً جرى على الغالب. فلا يعدّ قائله كاذباً ولا جاهلاً فلا ينافي اليقين بأن القرآن من عند الله علمه محمداً صلى الله عليه وسلم. ومَال ابن العربي في «أحكام القرآن» إلى أن ما تكلفوه من استخراج فقرات من القرآن على موازين شعرية لا يستقيم إلا بأحد أمور مثل بتر الكلام أو زيادة ساكن أو نقص حرف أو حرفين، وذكر أمثلة لذلك في بعضها ما لا يتم له فراجعْهُ. ولا محيص من الاعتراف باشتمال القرآن على فقرات متزنة يلتئم منها بيت أو مصراع، فأما ما يقلّ عن بيت فهو كالعدم إذ لا يكون الشعر أقل من بيت، ولا فائدة في الاستكثار من جلب ما يلفى متزناً فإن وقوع ما يساوي بيتاً تاماً من بحر من بحور الشعر العربي ولو نادراً أو مُزَحَّفاً أو مُعَلاّ كاف في بقاء الإِشكال، فلا حاجة إلى ما سلك ابن العربي في رده ولا كفاية لما سلكه السكاكي في كتابه، لأن المردود عليهم في سعة من الأخذ بما يلائم نحلتهم من أضعف المذاهب في حقيقة الشعر وفي زحافِه وعلله. وبعد ذلك فإن الباقلاني والسكاكي لم يغوصَا على اقتلاع ما يثيره الجواب الثاني في كلامِهما بعدم القصد إلى الوزن، من لزوم خفاء ذلك على علم الله تعالى فلماذا لا تُجعل في موضع تلك الفقرات المتزنة فقرات سليمة من الاتّزان. ولم أر لأحد من المفسرين والخائضين في وجوه إعجاز القرآن التصدي لاقتلاع هذه الشبهة، وقد مضت عليها من الزمان برهة، وكنت غير مقتنع بتلك الردود ولا أرضاها، وأراها غير بالغة من غاية خيل الحلبة منتهاها. فالذي بدا لي أن نقول: إن القرآن نزل بأفصح لغات البشر التي تواضعوا واصطلحوا عليها ولو أن كلاماً كان أفصح من كلام العرب أو أمة كانت أسلم طباعاً من الأمة العربية لاختارها الله لظهور أفضل الشرائع وأشرف الرسل وأعز الكتب الشرعية. ومعلوم أن القرآن جاء معجزاً لبلغاء العرب فكانت تراكيبه ومعانيها بالغَيْن حدًّا يقصر عنه كل بليغ من بلغائهم على مبلغ ما تتسع له اللغة العربية فصاحةً وبلاغة فإذا كانت نهاية مقتضى الحال في مقام من مقامات الكلام تتطلب لإيفاء حقّ الفصاحة والبلاغة ألفاظاً وتركيباً ونظماً فاتفق أن كان لمجموع حركاتها وسكوناتها ما كان جارياً على ميزان الشعر العربي في أعاريضه وضروبه لم يكن ذَلك الكلام معدوداً من الشعر لوْ وقَعَ مثلُه في كلامٍ عن غير قصد فوقوعه في كلام البشر قد لا يتفطن إليه قائله ولو تفطن له لم يعسر تغييره لأنه ليس غاية ما يقتضيه الحال، اللهم إلاّ أن يكون قصد به تفنناً في الإِتيان بكلام ظاهره نثر وتفكيكه نظم. فأما وقوعه في كلام الله تعالى فخارج عن ذلك كله من ثلاثة وجوه: أحدها: أن الله لا يخفى عليه وقوعه في كلام أوحى به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم. الثاني: أنه لا يجوز تبديل ذلك المجموع من الألفاظ بغيره لأن مجموعها هو جميع ما اقتضاه الحال وبلغ حد الإِعجاز. الثالث: أن الله لا يريد أن يشتمل الكلام الموحَى به من عنده على محسِّن الجمع بين النثر والنظم لأنه أراد تنزيه كلامه عن شائبة الشعر. واعلم أن الحكمة في أن لا يكون القرآن من الشعر مع أن المتحدَّيْن به بلغاء العرب وجلُّهم شعراء وبلاغتهم مُودَعة في أشعارهم هي الجمع بين الإِعجاز وبين سدّ باب الشبهة التي تعرض لهم لو جاء القرآن على موازين الشعر، وهي شبهة الغلط أو المغالطة بعدِّهم النبي صلى الله عليه وسلم في زمرة الشعراء فيحسب جمهور الناس الذين لا تغوص مدركاتهم على الحقائق أن ما جاء به الرسول ليس بالعجيب، وأن هذا الجائي به ليس بنبي ولكنه شاعر، فكان القرآن معجزاً لبلغاء العرب بكونه من نوع كلامهم لا يستطيعون جحوداً لذلك، ولكنه ليس من الصنف المسمّى بالشعر بل هو فائق على شعرهم في محاسنه البلاغية وَليس هو في أسلوب الشعر بالأوزان التي ألفوها بل هو في أسلوب الكتب السماوية والذكر. ولقد ظهرت حكمة علاّم الغيوب في ذلك فإن المشركين لمّا سمعوا القرآن ابتدروا إلى الطعن في كونه منزّلاً من عند الله بقولهم في الرسول: هو شاعر، أي أن كلامه شعر حتى أفاقهم من غفلتهم عقلاؤهم مثل الوليد بن المغيرة، وأُنيس بن جُنادة الغفاري، وحتى قرعهم القرآن بهذه الآية: {وما علمْناهُ الشعر وما ينبغي له إن هُوَ إلاَّ ذِكرٌ وقُرءَانٌ مبينٌ}. وبعد هذا فإن إقامة الشعر لا يَخلو الشاعر فيها من أن يتصرف في ترتيب الكلام تارات بما لا تقضيه الفصاحة مثل ما وقع لبعض الشعراء من التعقيد اللفظي، ومثل تقديم وتأخير على خلاف مقتضى الحال فيعتذر لوقوعه بعذر الضرورة الشعرية، فإذا جاء القرآن شعراً قصَّر في بعض المواضع عن إيفاء جميع مقتضى الحال حقّه. وسنذكر عند تفسير قوله تعالى: {وما ينبغي له} وجوهاً ينطبق معظمها على ما أشار إليه قوله تعالى هنا: {وما علمناهُ الشِّعر}. وقد قال ابن عطية: إن الضمير المجرور باللام في قوله: {وما ينبغي له} يجوز أن يعود على القرآن كما سيأتي. وقوله: {وما ينبغي له} جملة معترضة بين الجملتين المتعاطفتين قصد منها اتباع نفي أن يكون القرآن الموحَى به للنبي صلى الله عليه وسلم شعراً بنفي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم شاعراً فيما يقوله من غير ما أوحى به إليه أي فطر الله النبي صلى الله عليه وسلم على النفرة بين ملكته الكلامية والملكة الشاعرية، أي لم يجعل له ملكة أصحاب قرض الشعر لأنه أراد أن يقطع من نفوس المكذّبين دابر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم شاعراً وأن يكون قرآنه شعراً ليتضح بهتانهم عند من له أدنى مسكة من تمييز للكلام وكثير ما هم بين العرب رجالهم وكثير من نسائهم غير زوج عبد الله بن رواحة ونظيراتها، والواو اعتراضية. وضمير {ينبغي} عائد إلى الشعر، وضمير {لَهُ} يجوز أن يكون عائداً إلى ما عاد إليه ضمير الغائب في قوله: {علمناه} وهو الظاهر. وجوّز ابن عطية أن يعود إلى القرآن الذي يتضمنه فعل {عَلَّمْناهُ} فجعل جملة {وما ينبغي له} بمنزلة التعليل لِجملة {وما علمْناهُ الشِّعر}. ومعنى {وما ينبغي له} ما يتأتّى له الشعر، وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولداً } تفسير : [مريم:92] تفصيل ذلك في سورة مريم، وتقدم قريباً عند قوله: { أية : لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر } تفسير : [يس: 40]. فأصل معنى {ينبغي} يستجيب للبغي، أي الطلب، وهو يُشعر بالطلب الملحّ. ثم غلب في معنى يتأتّى ويستقيم فتنوسي منه معنى المطاوعة وصار {ينبغي} بمعنى يتأتّى يقال: لا ينبغي كذا، أي لا يتأتى. قال الطيبي: روي عن الزمخشري أنه قال في «كتاب سيبويه» «كل فعل فيه علاج يأتي مطاوعه على الانفعال: كضرب وطلب وعَلِم، وما ليس فيه علاج: كعَدِم وفقَد لا يأتي في مطاوعه الانفعال البتة» ا هــــ. ومعنى كون الشعر لا ينبغي له: أن قول الشعر لا ينبغي له لأن الشعر صنف من القول له موازين وقوافٍ، فالنبي صلى الله عليه وسلم منزّه عن قرض الشعر وتأليفه، أي ليست مِن طباع ملكته إقامة الموازين الشعرية، وليس المراد أنه لا ينشد الشعر لأن إنشاد الشعر غير تعلّمه، وكم من راوية للأشعار ومن نَقَّادٍ للشعر لا يستطيع قول الشعر وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم قد انتقد الشعر، ونبه على بعض مزايا فيه، وفضّل بعض الشعراء على بعض وهو مع ذلك لا يقرض شعراً. وربما أنشد البيت فغفل عن ترتيب كلماته فربما اختلّ وزنه في إنشاده وذلك من تمام المنافرة بين ملكة بلاغته وملكة الشعراء، ألا ترى أنه لم يكن مطّرداً فربما أنشد البيت موزوناً. هذا من جانب نظم الشعر وموازينه، وكذلك أيضاً جانب قوام الشعر ومعانيه فإن للشعر طرائق من الأغراض كالغزل والنسيب والهجاء والمديح والمُلَح، وطرائق من المعاني كالمبالغة البالغة حدّ الإِغراق وكادّعاء الشاعر أحوالاً لنفسه في غرام أو سير أو شجاعة هو خِلوٌ من حقائقها فهو كذب مغتفر في صناعة الشعر. وذلك لا يليق بأرفع مقام لكمالات النفس، وهو مقام أعظم الرسل صلوات الله عليه وعليهم فلو أن النبي صلى الله عليه وسلم قرض الشعر ولم يأت في شعره بأفانين الشعراء لعدّ غضاضة في شعره وكانت تلك الغضاضة داعية للتناول من حُرمة كماله في أنفس قومه يستوي فيها العدوّ والصديق. على أن الشعراء في ذلك الزمان كانت أحوالهم غير مرضية عند أهل المروءة والشرف لما فيهم من الخلاعة والإِقبال على السُكر والميسر والنساء ونحو ذلك. وحسبك ما هو معلوم من قضية خلع حُجر الكِندي ابنه امرأ القيس وقد قال تعالى: { أية : والشعراء يتبعهم الغاوون } تفسير : [الشعراء:224] الآية. فلو جاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالشعر أو قاله لرمقه الناس بالعين التي لا يرمق بها قدره الجليل وشرفه النبيل، والمنظور إليه في هذا الشأن هو الغالب الشائع وإلا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : إن من الشعر لحكمة » تفسير : وقال: « حديث : أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ) شعر : ألا كل شيء ما خلا الله باطل » تفسير : فتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الشعر من قبيل حياطة معجزة القرآن وحياطة مقام الرسالة مثل تنزيهه عن معرفة الكتابة. قال أبو بكر بن العربي: هذه الآية ليست من عيب الشعر كما لم يكن قوله تعالى: { أية : وما كنت تتْلُوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك } تفسير : [العنكبوت:48] من عيب الخط. فلما لم تكن الأمية من عيب الخط كذلك لا يكون نفي النظم عن النبي صلى الله عليه وسلم من عيب الشعر. ومن أجل ما للشعر من الفائدة والتأثير في شيوع دعوة الإِسلام أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم حساناً وعبد الله بن رواحة بقوله، وأظهر استحسانه لكعب بن زهير حين أنشده القصيدة المشهورة: بانت سعادُ. والقول في ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من كلام موزون مثل قوله يوم أحد: شعر : أنا النبيُ لا كَذِبْ أنا ابنُ عبد المطلبْ تفسير : كالقول فيما وقع في القرآن من شبيه ذلك مما بيناه آنفاً. وجملة {إن هو إلا ذِكرٌ وقُرءَانٌ مُبينٌ}استئناف بياني لأن نفي الشعر عن القرآن يثير سؤال متطلب يقول: فما هو هذا الذي أوحي به إلى محمد صلى الله عليه وسلم فكان قوله: {إن هو إلا ذكر} جواباً لطلبته. وضمير {هُوَ} للقرآن المفهوم من {عَلَّمْناهُ}، أي ليس الذي عُلِّمه الرسول إلا ذكراً وقرآناً أو للشيء الذي علمناه، أي للشيء المعلّم الذي تضمنه {علمناهُ}، أو عائد إلى {ذِكْرٌ} في قوله: {إلاَّ ذِكْرٌ} الذي هو {مُبِينٌ}. وهذا من مواضع عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة لأن البيان كالبدل. وتقدم نظيره في قوله تعالى: { أية : إن هي إلا حياتنا الدنيا } تفسير : في سورة [المؤمنين: 37]. وجيء بصيغة القصر المفيدة قصر الوحي على الاتصاف بالكون ذكراً وقرآناً قصر قلب، أي ليس شعراً كما زعمتم. فحصل بذلك استقصاء الرد عليهم وتأكيدُ قوله: {ومَا عَلَّمْناهُ الشِّعر} من كون القرآن شعراً. والذكر: مصدر وصف به الكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وصفاً للمبالغة، أي إن هو إلا مُذكّر للناس بما نسوه أو جهلوه. وقد تقدم الكلام على الذكر عند قوله تعالى: { أية : وقالوا يا أيها الذين نزل عليه الذكر إنك لمجنون } تفسير : في سورة [الحجر: 6]. والقرآن: مصدر قرأ، أطلق على اسم المفعول، أي الكلام المقروء، وتقدم بيانه عند قوله تعالى: { أية : وما تتلوا منه من قرآن } تفسير : في سورة [يونس 61]. والمبين: هو الذي أبان المراد بفصاحة وبلاغة. ويتعلق قوله: {لِتْنذِرَ} بقوله: {عَلَّمْناهُ} باعتبار ما اتصل به من نفي كونه شعراً ثم إثباتِ كونه ذكراً وقرآناً، أي لأن جملة {إن هو إلا ذكر} بيان لما قبلها في قوة أن لو قيل: وما علمناه إلا ذكراً وقرآناً مبيناً لينذر أو لتنذر. وجعلهُ ابن عطية متعلقاً بــــ {مُبِينٌ}. وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب {لَتُنذِرَ} بتاء الخطاب على الالتفات من ضمير الغيبة في قوله: {عَلَّمْناهُ} إلى ضمير الخطاب. وقرأه الباقون بياء الغائب، أي لينذر النبي الذي علمناه. والإِنذار: الإِعلام بأمر يجب التوقي منه. والحيّ: مستعار لكامل العقل وصائب الإِدراك، وهذا تشبيه بليغ، أي مَن كان مثل الحي في الفهم. والمقصود منه: التعريض بالمُعرِضين عن دلائل القرآن بأنهم كالأموات لا انتفاع لهم بعقولهم كقوله تعالى: { أية : إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين } تفسير : [النمل:80]. وعطف {ويَحِقَّ القولُ على الكافِرِينَ} على {لِتُنذِرَ} عطفَ المجاز على الحقيقة لأن اللام النائب عنه واو العطف ليس لام تعليل ولكنه لام عاقبة كاللام في قوله تعالى: { أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً } تفسير : [القصص:8]. ففي الواو استعارة تبعية، وهذا قريب من استعمال المشترك في معنييه. وفي هذه العاقبة احتباك إذ التقدير: لتنذر من كان حيّاً فيزداد حياة بامتثال الذكر فيفوز ومن كان ميتاً فلا ينتفع بالإِنذار فيحق عليه القول، كما قال تعالى في أول السورة { أية : إنَّما تُنذِرُ مَن اتَّبَعَ الذِّكر وخَشِيَ الرَّحْمٰن بالغيبِ فبشرْهُ بمغْفِرَةٍ وأجْرٍ كَرِيمٍ } تفسير : [يس: 11]، فجمع له بين الإِنذار ابتداء والبشارة آخراً. و{القول}: هو الكلام الذي جاء بوعيد من لم ينتفعوا بإنذار الرسول صلى الله عليه وسلم. والمراد بالكافرين: المستمرون على كفرهم وإلا فإن الإِنذار ورد للناس أول ما ورد وكلهم من الكافرين. وفي ذكر الإِنذار عوْد إلى ما ابتدئت به السورة من قوله: { أية : لتنذر قوماً ما أُنذِرَ ءَاباؤُهم فهم غافِلُونَ } تفسير : [يس:6] فهو كرد العجز على الصدر، وبذلك تمّ مجال الاستدلال عليهم وإبطال شبههم وتخلص إلى الامتنان الآتي في قوله: { أية : أوّلَمْ يَروا أنَّا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعَاماً } تفسير : [يس:71] إلى قوله: { أية : أفلا يشكرون } تفسير : [يس: 73].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ} تفسير : [الشعراء: 224] وذكرنا الأحكام المتعلقة بذلك هناك.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 69- وما علمنا رسولنا الشعر، وما يصح - لمكانته ومنزلته - أن يكون شاعراً. وما القرآن المنزل عليه إلا عظة وكتاب سماوى واضح، فلا مناسبة بينه وبين الشعر. 70- ليخوف من كان حى القلب مُستنير العقل، وتَجِبُ كلمة العذاب على الجاحدين به، المنكرين لهديه. 71- أعمى الكافرون ولم يروا أنا خلقنا لهم مما صنعت قدرتنا أنعاماً فهم مالكون لها، يتصرفون فيها كما يشاءون؟ 72- وأخضعناها لهم، فمنها ما يركبون، ومنها ما يأكلون. 73- ولهم فيها ما ينتفعون به من أصوافها وأوبارها وأشعارها وجلودها وعظامها، ومشارب من ألبانها، أينسون هذه النعم فلا يشكرون المنعم بها؟. 74- واتخذ المشركون من دون الله آلهة يعبدونها، رجاء أن تنصرهم. 75- لا تستطيع الآلهة نصرهم إن أراد الله بهم سوءاً، لأنها لا تنفع ولا تضر، وهم لآلهتهم العاجزة جند معدون لخدمتهم ودفع السوء عنهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وما علمناه الشعر: أي وما علمنا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فما هو بشاعر. وما ينبغي له: أي وما يصلح له ولا يصح منه. إن هو إلا ذكر وقرآن مبين: أي ليس كما يقول المشركون من أن القرآن شعر ما هو أي القرآن الذي يقرأ محمد صلى الله عليه وسلم إلاَّ ذكر أي عظة وقرآن مبين لا يشك من يسمعه أنه ليس بشعر لما يظهر من الحقائق العلميّة. لينذر من كان حياً: أي يعقل ما يخاطب به وهم المؤمنون. ويحق القول على الكافرين: أي ويحق القول بالعذاب على الكافرين لأنهم ميتون لا يقبلون النذارة. أنعاما فهم لها مالكون: الأنعام هي الإِبل والبقر والغنم. وذللناها لهم: أي سخرناها لهم وجعلناهم قاهرين لها يتصرفون فيها. فمنها ركوبهم ومنها يأكلون: أي من بعضها يركبون وهي الإِبل ومنها يأكلون اي ومن جميعها يأكلون. ولهم فيها منافع ومشارب: المنافع كالصوف والوبر والشعر، والمشارب الألبان. أفلا يشكرون: أي يوبخهم على عدم شكرهم الله تعالى على هذه النعم بالإِيمان والطاعة. واتخذوا من دون الله آلهة: أي أصناماً يعبدونها زعما منهم أنها تنصرهم بشفاعتها لهم عند الله. لا يستطيعون نصرهم: أي لا تقدر تلك الأصنام على نصرهم بدفع العذاب عنهم. وهم لهم جند محضرون: أي لا يقدرون على نصرتهم والحال أنهم أي المشركين جند محضرون. لتلك الآلهة ينصرونها من أن يمسها أحد بسوء فبدل أن تنصرهم هم ينصرونها كجند معبئون لنصرتها. فلا يحزنك قولهم: أي إنك لست مرسلاً وإنك شاعر وكاهن ومفتر. إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون: أي إنهم ما يقولون ذلك إلا حسداً وهم يعلمون أنك رسول الله وما جئت به هو الحق وسوف نجزيهم بتكذيبهم لك وكفرهم بنا وبلقائنا وديننا الحق. معنى الآيات: قوله تعالى {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ} ردّ على المشركين الذين قالوا في القرآن شعر وفي الرسول شاعر فقال تعالى {وَمَا عَلَّمْنَاهُ} أي نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم {ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} أي لا يصح منه ولا يصلح له. {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ} أي ما هو الذي يتلوه إلا ذكر يذكر به الله وعظة يتعظ به المؤمنون {وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ} مبين للحق مظهر لمعالم الهدى أنزلناه على عبدنا ورسوله لينذر به من كان حياً أي القلب والضمير لإِيمانه وتقواه لله ويحق أي به القول وهو العذاب على الكافرين لأنهم لا يهتدون به فيعيشون على الضلال ويموتون عليه فيجب لهم العذاب في الدار الآخرة. وقوله {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} أي أعمي أولئك المشركون ولم يروا مظاهر قدرتنا وإحساننا الموجبة لعبادتنا وهي {أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} يتصرفون فيها تصرف المالك في ملكه، والمراد بالأنعام الماشية من إبل وبقر وغنم وقوله {وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ} أي سخرناها لهم بحيث يركبون ويحلبون ويحملون وينحرون ويذبحون ويأكلون، ولولا هذا التسخير لما قدروا عليها أبداً. وقوله {وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ} المنافع كالصوف والوبر والشعر (والمشارب) جمع مشرب وهي الألبان في ضروعها يحلبون منها ويشربون. وقوله {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} يوبخهم على أكل النعم وعدم الشكر عليها، وشكر الله عليها هو الإِيمان به وتوحيده في عبادته. وقوله {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً} أي اتخذ أولئك المشركون آلهة هي أصنامهم التي يعبدونها لعلهم ينصرون أي رجاء نصرتها لهم وذلك بشفاعتها لهم عند الله تعالى كما يزعمون. قال تعالى في إبطال هذا الرجاء وقطعه عليهم {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ} لأنهم أصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر وقوله {وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ} اي والحال أن المشركين هم جند تلك الأصنام محضرون وعندما يدافعون عنها ويحمونها ويغضبون لها فكيف ينصرك من هو مفتقر إلى نصرتك. وقوله تعالى {فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} أي لا تحزن لما يقول قومك من أنك لست مرسلا، وأنك شاعر وساحر وكاهن إلى غير ذلك من أقاويلهم، {إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} وسنجزيهم عن قولهم الباطل ونأخذهم بكذبهم وافترائهم عليك كما نحن نعلم أنهم ما قالوا الذي قالوا إلا حسداً لك، وإلا فهم يعلمون أنك رسول الله وما أنت بالساحر ولا الشاعر ولا المجنون، ولكن حملهم على ما يقولون الحسد والعناد والكبر. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير النبوة المحمدية وأن القرآن ذكر وليس شعر كما يقول المبطلون. 2- الحكمة من نزول القرآن هي أن ينذر به الرسول الأحياء من أهل الإِيمان. 3- بيان خطأ الذين يقرأون القرآن على الأموات ويتركون الأحياء لا يقرأونه عيهم وعظاً لهم وإرشاداً وتعليماً وتذكيراً. 4- وجوب ذكر النعم وشكرها بالاعتراف بها، وصرفها في مرضاة واهبها وحمده عليها. 5- بيان سخف المشركين في عبادتهم أصناماً يرجون نصرها وهم جند معبأ لنصرتها من أن يمسها أحد بسوء.
القطان
تفسير : ما ينبغي: لا يليق به ولا يصح له. ذِكر: عظة من الله. حيّا: حي القلب مستنير البصيرة. يحق القول: يجب العذاب. {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}. وما علّمنا رسولَنا الشعر ولا يليق به لمكانته ومنزلته ان يكون شاعرا، وما هذا القرآن الا كتاب عظةٍ وآداب وأخلاق وتشريع، فيه سعادة البشر في دنياهم وأخراهم فلا مناسبة بينه وبين الشعر، لينذر من كان حيَّ القلب مستنير العقل، وتجبَ كلمة العذاب على الكافرين الجاحدين. قراءات: قرأ أهل المدينة وابن عامر: لتنذر بالتاء. والباقون: لينذر بالياء.
د. أسعد حومد
تفسير : {عَلَّمْنَاهُ} {قُرْآنٌ} (69) - وَمَا عَلَّمْنَا رَسُولَنَا الشِّعْرَ، وَمَا يَصِحُّ لَهُ، وَلاَ يَلِيقُ بِهِ، بِسَبَبِ مَكَانَتِهِ وَمَنْزِلَتِهِ، أَنْ يَكُونَ شَاعِراً، وَإِنَّ الشِّعْرَ لاَ يَصْلُحُ لَهُ، لأَِنَّ الشِّعْرَ تُثِيرُهُ فِي النَّفْسِ أَهْوَاءٌ وَضَغَائِنُ، والشَّرَائِعُ السَّمَاوِيَّةُ، وَالدِّيَانَاتُ، تَتَنَزَّهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ الذِي يَجْرِي عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مُحَمدٍ صلى الله عليه وسلم هُوَ قُرْآنٌ كَرِيمٌ وَاضِحٌ، مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ، لاَ يَأتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نلحظ هنا نقلة في سياق هذه الآيات، فما العلاقة التي نقلتنا من الكلام عن الآخرة وجزاء الكافرين المجرمين إلى الحديث عن سيدنا رسول الله؟ نعرف أن المقاصد الأصلية للتديُّن هي أولاً: توحيد الله، ومعنى التوحيد لله تعالى أن تشهد أنه واحد أحد، ولكل من الوصفين معنى لا يؤديه الآخر، فلكل منهما (ما صدق)، فمعنى (واحد) أي: من حيث الوجود هو واحد لا فرد آخر معه. أمَّا أحد فيعني أنه في ذاته سبحانه ليس مُكوَّناً من أجزاء، فالإله أحَد في ذاته، لم تجتمع عدة أشياء في تكوينه، ذاته لا ترتكن إلى شيء، فمثلاً حين تأخذ الشيء الواحد كالكرسي مثلاً، الكرسي في وجوده كرسي واحد، لكنه ليس واحداً، لأنه مُكوَّن من عدة أشياء، مُكوَّن من الخشب والمسامير والغِراء و (البوية) .. الخ فهو واحد ليس أحداً، أما الحق سبحانه فلاَ بُدَّ أنْ يُوصفَ بالوصفين معاً، فنقول: هو سبحانه واحد أحد؛ لأن لكل منهما معنىً. ومسألة الواحدية مسألة عملية عقلية؛ لأن الله تعالى أعلن أنه الإله الحق، وأنه واحد لا شريك له، وأنه هو الخالق وحده، وهو الرازق، وهو الذي يستحق وحده أن يُعبدَ، هذه دعوى لم يَقُمْ لها معارض، والدعوى تثبت لصاحبها إلى أنْ يدَّعيها آخر، ونحن لم نَرَ أحداً ادَّعى الخَلْق لنفسه. فلو كان معه سبحانه إله آخر أو آلهة أخرى فأين هم؟ لماذا لم يطالبوا بحقهم في هذه المسألة؟ أو أنهم سكتوا عنها أو لم يَدْرُوا بها؟ وعلى أيِّ حال من هذه الأحوال لا يصلحون لأَنْ يكونوا آلهة؛ لذلك يناقش القرآنُ هذه المسألة بكلام منطقي: {أية : قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 42]. إذن: فالتوحيد هو الأساس الأصيل للدين، لكن لا أعرف بالعقل مطلوبَ الإله مني، لا بُدَّ أن يُبعَث لي رسول يخاطبني بمطلوب ربي مني، إذن: لا بُدَّ من رسول. وهذا هو المقصد الثاني للدين. وخطاب الحق للخَلْق طاقة كمال مطلق والبشر نقص مطلق؛ لذلك لا بُدَّ في هذا الخطاب من واسطة تستطيع التلقِّي عن هذا الكمال المطلق، وتستطيع التبليغ إلى الأقل كمالاً، وهكذا تتدرج المسألة، فالله تعالى يخاطب الملائكة، والملائكة تخاطب الرسل، والرسل يخاطبون الناس. فلا بُدَّ من (الرسالة) وهي المقصد الثاني للدين، والرسول هو الواسطة بين الخالق والخَلْق، والرسول ليس مُبلِّغاً فحسب، إنما مُبلِّغ وأُسْوة سلوك وتطبيق، كما قال سبحانه: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} تفسير : [الأحزاب: 21] ولو كان الرسول مَلَكاً لما تحققتْ به الأسوة، ولا يمكن أنْ أُحمل على مطلوب الرسول إلا إذا كان الرسول من جنسي. لذلك يقول تعالى موضحاً هذه القضية: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94] فيأتي الرد (قُلْ) أي رداً عليهم: {أية : لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 95]. إذن: كيف نُنزل مَلَكاً لبشر؟ لو نزل المَلكُ على طبيعته النورانية ما رآه البشر، ولا بُدَّ أن يأتيهم في صورة بشرية، لظلَّتْ الشبهة قائمة: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 9]. فلا بد - إذن - من وسائط هي أشبه ما تكون بـ (الترانس) في عالم الكهرباء، وهو أداة تأخذ من القوى وتعطى للضعيف دون أن تحرقه. العنصر الثالث للدين هو الحشر؛ لأن الرسالة جاءتْ لتحمل المنهج: افعل كذا ولا تفعل كذا، هذا المنهج من الناس مَنْ سيسير عليه فيفعل ما أمر به وينتهي عما نُهي عنه، ومنهم مَنْ سينصرف عنه بل ويخالفه، إذن: لا بُدَّ من مَرَدٍّ يُثَاب فيه المطيع، ويُعاقَب فيه المخالف، هذا المردُّ هو الحشر. فالحق سبحانه تكلم عن التوحيد في قوله: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} تفسير : [يس: 60-61] وتكلم عن الحشر في قوله سبحانه: {أية : هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} تفسير : [يس: 63-64]. والآن يتكلم عن العنصر الثاني وهو الرسالة فنقول عن رسوله صلى الله عليه وسلم: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} [يس: 69] أي: نحن لا المجتمع ولا البيئة التي يعيش فيها؛ لذلك كانت الأمية في رسول الله شرفاً؛ لأنه لو لم يكُنْ أمياً لكانت ثقافته من الخَلْق. أمَّا أميته فتعني أنه أخذ ثقافته وعلمه من الله؛ لذلك كان من شرفه صلى الله عليه وسلم أن يكونَ أمياً، ومن شرف أمته أنْ تكون أمية، لأنها لو كانت أمة متعلمة لقيل إن ما حدث في الجزيرة العربية ما هو إلا قفزة حضارية، كما قالوا: لَمّا نصرنا الله في حرب رمضان ورأينا بأعيننا تأييد الله لنا، ومع ذلك قالوا: نَصْر حضاري. فالحق سبحانه يقرر هذه الحقيقة: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ} [يس: 69] لَكُنَّا علمناه غير الشعر، فرسول الله مُعلَّم نعم، لكن مُعلَّم مِنْ مَنْ؟ من ربه، لم يأخذ شيئاً من البشر. وقد يُظَنُّ أن الله لم يُعلِّمه الشعر؛ لأن الشعر يحتاج إلى ثقافة لغوية وعِلْم بالأوزان والقوافي، ولا بُدَّ له من الحِسِّ المرهف والأذن الموسيقية إلى آخر هذه الأدوات التي يحتاجها الشاعر وربما لم تتوفر هذه الأدوات لرسول الله كما أنها لم تتوفر لكثيرين غيره. فيرد الله تعالى هذا الظن، ويقول: {وَمَا يَنبَغِي لَهُ} [يس: 69] يعني: لم نُعلمه الشعر لنقصٍ في إمكانياته، فلو أراد أنْ يقول شعراً لَقَالَ الشعر على أحسن مَا يُقَال، لكن لا ينبغي له ذلك؛ لأن مهمة الرسول خلاف مهمة الشاعر، فأغلب الشعر في الكذب وفي الشر، فإذا دخل في الخير ضَعُفَ ولاَنَ، ذلك لأن طبيعة الشعر أن ينطلق ويُحلِّق في الخيال، وأن يقول الشاعر ما يحلو له أياً كانت غايته؛ لذلك قالوا: أعذب الشعر أكذبه. وكثيراً ما نرى الشعراء أصحاب القيم والأخرق يصعب عليهم الجمع بين مطلوب الإيمان منهم، وما تدعوهم إليه مَلَكة الشعر عندهم، فلا يملكون إلا أنْ يحصروا أنفسهم في شعر القيم والأخلاق والفضائل، ويبتعدوا عن شعر الهجاء والغزل. والشاعر المهجري الذي عُرِف عنه التقوى والصلاح، فحاول أنْ يجمع بين هذه التقوى والموهبة الشعرية لديه فقال: شعر : مَوْلاَي إنِّي قَدْ عَصَيْتُكَ عَامِداً لأَرَاكَ أَجْمَلَ مَا تكُونُ غَفُوراً وَلَقَدْ جَنَيْتُ مِنَ الذُّنُوبِ كِبَارَهَا ضَنّاً بِعَفْوِكَ أنْ يكُونَ صَغِيراً تفسير : فأجاد في الأولى، ولم يُوفَّق في الثانية. وسيدنا حسان بن ثابت، كان شاعراً مجيداً في الجاهلية، فلما أسلم قالوا له: لاَنَ شعرك يا أبا الحسام. فقال: الشعر نكِد يَقْوى في الشر، فإذا دخل في الخير ضعُفَ ولاَنَ. فقوله تعالى: {وَمَا يَنبَغِي لَهُ} [يس: 69] دفع عن رسول الله الاتهام بأن طبيعته ليست شاعرية، أو أنه غير مُرْهف الحس، وأن أذنه غير موسيقية، إلى آخر هذا الهراء، وكيف يُتَّهم بهذا مَنْ علَّمه الله، وباشرتْ أذنه الوحي؟ أما القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنشد الشعر، نعم أنشد رسول الله الشعر، لكن لم ينشده مستقيماً، بل خالف فيه حتى لا يظلَّ البيتُ على استقامة وزنه، فلما أنشد: شعر : سَتُبْدِي لَكَ الأيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلاً وَيأْتِيكَ مَنْ لَم تُزوِّدِ بِالأَخْبَارِ تفسير : وورد أنه صلى الله عليه وسلم قال: "أصدق كلمة قالها لبيد: شعر : أَلاَ كُلُّ شيءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلُ وَكُلُّ نَعيمٍ زائِلٌ لاَ مَحَالَةَ تفسير : والصواب: شعر : أَلاَ كُلُّ شيءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلٌ وَكُلُّ نَعيمٍ لاَ مَحَالَةَ زَائِلُ تفسير : إذن: كان سيدنا رسول الله يكسر وزن البيْت، حتى لا يقال إنه أنشد الشعر، مع أن الله تعالى قال: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ} [يس: 69] لكن لم يَنْه رسول الله عن إنشاده، فكأن رسول الله يحتاط للأمر، فيقول ولا أنشده أيضاً، ليكون بعيداً عنه كلية. هذا عن الإنشاد، أما عن قوله الشعر بنفسه، فيرى البعض أنه صلى الله عليه وسلم قال شعراً مثل قوله في غزوة حنين: شعر : أَنَا النَّبيُّ لاَ كَذِب أَنَا ابْنُ عَبْدِ المطَّلِبِِ تفسير : نعم جاء هذا القول من رسول الله موافقاً لوزن شعريٍّ يسمونه الرَّجز، فهو قول صادف وزناً شعرياً وفرْق بين نَظْم الكلام وإخضاعه للوزن والقافية، وبين كلام يصادف وزناً دون قصد، وإلا ففي القرآن نفسه آيات صادفت وزناً شعرياً، فهل نقول إنها شعر؟ واقرأ مثلاً: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ..} تفسير : [آل عمران: 92]. {أية : فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} تفسير : [يوسف: 32]. {أية : نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [الحجر: 49]. هذه وغيرها آيات صادفت وزناً شعرياً، لكنها لا تُسمَّى شعراً؛ لأن الشعر قول موزون مُقفَّى قصداً. الحق سبحانه حكى عن رسوله أن الكفار اتهموه فقالوا: ساحر وشاعر وقالوا: كاهن، لكن القرآن رَدَّ عليهم في مسألة الشعر، ونفى أن يقول الرسول شعراً: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ} [يس: 69] ولم يَنْفِ عنه السحر ولا الكهانة، لماذا؟ قالوا: لأن مهمة رسول الله بلاغ القرآن عن الله، والقرآن من جنس الأساليب الراقية، وأقرب شيء إليه الشعر لذلك نفاه القرآن، أما السحر فطلاسم وكلام لا معنى له، فلم يَقُلْ: وما علمناه السحر. ولو أن لهذه الكلمة مدلولاً لكان الرد عليها سهلاً، فإذا كان محمداً ساحراً سحر المؤمنين به، فلماذا لم يسحركم أنتم أيضاً، إذن: تكذيبكم له وكفركم به أدَلُّ شيء على أنه ليس ساحراً، وهل للمسحور إرادة مع الساحر. وفي قولهم كاهن ردٌّ عليهم: {أية : وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ} تفسير : [الحاقة: 42] لأن قَوْلَ الكاهن كلام مسجوع سَجْعاً بارداً، والقرآن خلاف هذا كله، ثم إنكم أهل فصاحة وبيان، وأنتم أعلم الناس بالأساليب والتمييز بينها، فهل يخفى عليكم أنْ تفرقوا بين القرآن وغيره من الكلام وأنتم أمة كلام، وتجعلون للكلمة أسواقاً ومعارض؟ ثم يُبيِّن الحق سبحانه العلة في عدم قول الرسول للشعر، فيقول سبحانه: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ} [يس: 69] إن هنا بمعنى ما النافية. يعني: ما هذا القرآن إلا تذكير لمن يعقل وقرآن مبين. أي: بيِّن واضح يُتلَى، وقد يكون له نَغَم ألذّ في أذن الوَرع من الشعر، لذلك بعض الناس يسمع القرآن فتأخذه نشوة وإعجاب، ولو سألته تجده لا يعرف ما يحدث له، لماذا؟ قالوا: لأن الذي يتكلم الله، والذي يسمع خلق الله، فالله تعالى يتكلم بالكلام الذي يؤثر ويستميل المخلوق لله الذي ما يزال على فطرته التي فطر الناس عليها، فإنْ خرج عن هذه الفطرة لم يؤثر فيه القرآن هذا التأثير، ذلك لأن القرآن واحد أمَّا الفطرة المستقبلة فتختلف. والحق سبحانه يشرح لنا هذه المسألة في قوله تعالى: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً} تفسير : [محمد: 16] فأمره الله أنْ يردّ عليهم: {أية : قُلْ هُوَ} تفسير : [فصلت: 44] أي: القرآن {أية : لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} تفسير : [فصلت: 44]. ذلك لأن فاعلَ الشيء غير قابله، وسبق أن مثَّلْنا لذلك بكوب الشاي الساخن تنفخ فيه ليبرد، وفي الشتاء تنفخ في يديك لتُدفئها، فالنفخة واحدة، لكن المستقبل لها مختلف، كذلك حال الناس في تلقِّى القرآن، فمَنْ تلقى كلام الله بفطرة سليمة فهمه وتأثر به، ومَنْ تلقى كلام الله وهو منشغل عنه أُغْلِق عليه، فلم يفهم عن الله ولم يتأثر بكلامه. لذلك نرى بعض الناس من غير العرب لا ينطق بكلمة عربية، لكنه ساعة يسمع أو يقرأ كلام الله تجد له انفعالَ مواجيد، وتدمع عيناه، لماذا؟ لا بد أن شيئاً في تكوينه تأثر بهذا الأسلوب. وإذا كان الحق سبحانه أوحى إلى الجماد فانفعل لكلامه، وأوحى إلى الحيوان ففهم عنه، فمن باب أَوْلَى يكلم الإنسان العاقل بكلام يصادف طبيعته ويؤثر فيه، فيتأثر وينفعل. ثم يقول سبحانه مبيِّناً مهمة هذا الذِّكْر وهذا القرآن المبين: {لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً} [يس: 70] نعم، سماهم أحياء وخطابك لهم دليل على أنهم أحياء، لكن أحياء الحياة المادية التي تنتهي بالموت، إنما هناك حياة أخرى بالعقل والفكر وبالقيم الروحية، وهذه لا يظهر أثرها إلا بعد الموت. والناس جميعاً يشتركون في الحياة المادية؛ لذلك يُسمَّى العنصر الذي يدخل على الحياة المادية لتأخذ طابع الحياة الروحية (الروح)، فالروح روح من أمره سبحانه، وبعد أنْ يعطيه الروح التي تحيا بها المادة يعطيه الروح التي تحيا بها القيم، وحياة القيم قُلْنا: إنها ترتقي بك لتعطيك قيمة في الآخرة، وقد تعطيك في الدنيا راحة البال واستقامة واستقراراً، لكن تظل الحياة الحقيقية في الآخرة. فإذا شاء الله أُعْطِي الإنسانُ حياةً موصولة كما أعطي سيدنا يحيى، فلما دعا سيدنا زكريا ربه {أية : قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً * وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} تفسير : [مريم: 4-6]. فأجابه الله: {أية : يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} تفسير : [مريم: 7]. إذن: بشَّره الله بالغلام، وسمَّاه اسماً يدل على أنه سيعطيه حياة موصولة؛ فحين تسمى ولدك ذكي مثلاً تفاؤلاً أن يكون ذكياً، أو نبيل تفاؤلاً أن يكون نبيلاً، لكن أتملك أنْ تحقق رغبتك هذه. لذلك قال الشاعر: شعر : وَسَمَّيْتُهُ يَحْيَى لِيحيَاْ فَلَمْ يَكُنْ لِرَدِّ قَضَاءِ اللهِ فِيهِ سَبِيلُ تفسير : نعم، أنت سميتَ، لكنك لا تهب الحياة، واهبُ الحياة هو الله، فإذا سَمَّى الله يحيى فلا بُدَّ أن يحيا حياة موصولة؛ لذلك مات سيدنا يحيى شهيداً، لتتصل حياته الدنيا بحياة الآخرة، وليحقق فيه ما أراده الله. ومعنى: {وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} [يس: 70] أي: يستحق لهم العذاب؛ لأنهم لم ينتفعوا بالإنذار. ثم يتحدث الحق سبحانه بعد ذلك عن بعض آياته في الكون: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ ...}.
الجيلاني
تفسير : ثم لما قال كفار مكة خذلهم الله: إن محمداً شاعر، وما جاء به مفترى إلى ربه من جملة الأشعار والقياسات المخيلة المشتملة على الترغيبات والتنفيرات والمواعيد والوعيدات، وإدِّعاء النبوة والوحي والمعجزة ما هو إلا قول باطل وزور ظاهر. رد الله عليهم قولهم هذا على وجه المبالغة والتأكيد فقال: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ} أي: ما جعلنا فطرته الأصلية واستعداده الجبلي قابلة على القياسات الشعرية المبنية على محض الكذب والخيال والمرغب أو المنفر، بل ما جعلناها إلا منزهة عنها، بريئة عن أمثالها، طاهرة عن أدناس الطبيعة مطلقاً، خالصة عن شوائب الإمكان ولوث الجهل والتقليد، متحلية باليقين والبرهان المنتهي إلى الكشف والعيان، ثم إلى الحق الذي هو منتهى الأمر في باب العرفان، بل {وَمَا يَنبَغِي لَهُ} ويليق بشأنه وبشأن كتابه أن ينسب هو وهو إلى الشعر والشعراء اللذين هما أبعد بمراحل عن ساحة جلالهما، بل {إِنْ هُوَ} أي: ما الكلام المنزل على خير الأنام {إِلاَّ ذِكْرٌ} عظة وتذكير ناشئ عن العلم والحكمة المتقنة الإلهية مشير إلى التوحيد الذاتي، منبه عليه {وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ} [يس: 69] مشتمل على أحكام ظاهره وآيات واضحة وبينات لائحة، محتوية على الأوامر والنواهي الإلهية، والحدود والقوانين الموضوعة بالوضع الإلهي بين عباده؛ ليوصلهم إلى طريق توحيده، منزلة على رسوله المستعد لحمله وقبوله. {لِّيُنذِرَ} أنت يا أكمل الرسل بالتبليغ، إن قرئ على صيغة الخطاب، أو القرآن إن قرئ على الغيبة {مَن كَانَ حَيّاً} بحياة الإيمان، موفقاً من عندنا باليقين والعرفان، معدوداً عن عداد السعداء في حضرة علمنا ولوح قضائنا {وَ} ألاَّ {يَحِقَّ ٱلْقَوْلُ} ويجب الحكم منا بلحوق العذاب {عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} [يس: 70] المصرين على الكفر والعناد المائتين بموت الجهل والإ نكار. {أَ} ينكرون أولئك المنكرون المشركون توحيدنا، ويكفرون نعمنا الفائضة عليهم على التعاقب والتوالي {وَلَمْ يَرَوْاْ} ولم يعلموا {أَنَّا} بمقتضى جودنا {خَلَقْنَا لَهُم} بمحض قدرتنا وحكتمنا {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ} بلا صنع لهم وتسبب ومظاهرة {أَنْعاماً} أجناساً وأنواعاً وأصنافاً {فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} [يس: 71] متصرفون فيها، ضابطون لها، قاهرون عليها. {وَ} كيف لا يملكون ولا يتصرفون فيها بأنواع التصرفات مع أنَّا قد {ذَلَّلْنَاهَا} وسخرناها؛ أي: أجناس الأنواع مع كمال قوتها وقدرتها {لَهُمْ} ولم نجعلها آبية وحشية عنهم، بل مقهورة لهم مذللة لحكمهم؛ لذلك {فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ} أي: مراكبهم التي يركبون عليها كالإبل والخيل {وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} [يس: 72] من لحومها وشحومها. {وَ} مع ذلك {لَهُمْ فِيهَا} أي: في الأنعام {مَنَافِعُ} كثيرة من أصوافها وأوبارها وأشعارها ونتائجها {وَمَشَارِبُ} من ألبانها {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} [يس: 73] نعم الله الفائضة عليهم، المهمة لهم، المقوِّية لأمزجتهم. {وَ} من علامة كفرانهم بنعم الله، ونسيانهم حقوق كرمه أنهم {ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ} الواحد الأحد الصمد، المستقل بالألوهية والربوبية أولياء وسموهم {آلِهَةً} مستحقة للعبادة والرجوع في المهمات وكشف الملمات {لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74] بهم وبشفاعتهم عن بأس الله وبطشه مع أنهم لكونهم جمادات {لاَ يَسْتَطِيعُونَ} ولا يقدرون {نَصْرَهُمْ} أي: نصر عابديهم، بل {وَهُمْ} أي: العابدون {لَهُمْ} أي: للمعبودين {جُندٌ مُّحْضَرُونَ} [يس: 75] حولهم، حافظون لهم، مزينون إياهم بأنواع التزينات، وبالجملة: هم منسلخون عن مقتضى العقل بعبادتهم إياهم واتخاذهم أولياء شفعاء، وتسميتهم آلهة دون الله. وبعدما سمعت يا أكمل الرسل حالهم وحال معبوداتهم {فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} بأنك شاعر أو مجنون، وبأن كتابك شعر، ومن أساطير الأولين، وبأنك كاذب في دعوى الرسالة والنبوة، وبأن إخبارك بالعبث زور باطل {إِنَّا نَعْلَمُ} بمقتضى حضرة علمنا الحضوري {مَا يُسِرُّونَ} في ضمائرهم من الكفر والإنكار بتوحيدنا واستقلالنا بالتصرف في ملكنا وملكوتنا {وَمَا يُعْلِنُونَ} [يس: 76] من الفسوق والعصيان، والخروج عن مقتضى حدودها ظلماً وعدواناً، فجازيهم على مقتضى علمنا بهم وبأعمالهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : ينزه تعالى نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم، عما رماه به المشركون، من أنه شاعر، وأن الذي جاء به شعر فقال: { وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ } أن يكون شاعرا، أي: هذا من جنس المحال أن يكون شاعرا، لأنه رشيد مهتد، والشعراء غاوون، يتبعهم الغاوون، ولأن اللّه تعالى حسم جميع الشبه التي يتعلق بها الضالون على رسوله، فحسم أن يكون يكتب أو يقرأ، وأخبر أنه ما علمه الشعر وما ينبغي له، { إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ } أي: ما هذا الذي جاء به إلا ذكر يتذكر به أولو الألباب، جميع المطالب الدينية، فهو مشتمل عليها أتم اشتمال، وهو يذكر العقول، ما ركز اللّه في فطرها من الأمر بكل حسن، والنهي عن كل قبيح. { وَقُرْآنٍ مُبِينٍ } أي: مبين لما يطلب بيانه. ولهذا حذف المعمول، ليدل على أنه مبين لجميع الحق، بأدلته التفصيلية والإجمالية، والباطل وأدلة بطلانه، أنزله اللّه كذلك على رسوله. { لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا } أي: حي القلب واعيه، فهو الذي يزكو على هذا القرآن، وهو الذي يزداد من العلم منه والعمل، ويكون القرآن لقلبه بمنزلة المطر للأرض الطيبة الزاكية. { وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ } لأنهم قامت عليهم به حجة اللّه، وانقطع احتجاجهم، فلم يبق لهم أدنى عذر وشبهة يُدْلُونَ بها.
همام الصنعاني
تفسير : 2496- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ}: [الآية: 69]، قال: بلغني أن عائشة سُئِلت: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثَّل بشيء من الشعر؟ قالت: كان الشعر أبغض الحديث إليْهِ، قالت: ولم يتمثل بشيءٍ من الشعر إلا ببيت أخي بني قيس - طَرَفة -: شعر : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالأخبار من لم تزوَّدِ تفسير : فجعل يقول: يأتيك من لم تزودِ بالأخبار! أبو بكر: ليس هكذا يا رسول الله! فقال: إني لستُ بشاغر ولا ينبغي لي.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):