٣٦ - يس
36 - Yaseen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
70
Tafseer
الرازي
تفسير : قريء بالتاء والياء، بالتاء خطاباً مع النبي صلى الله عليه وسلم وبالياء على وجهين أحدهما: أن يكون المنذر هو النبي صلى الله عليه وسلم حيث سبق ذكره في قوله: {أية : وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ } تفسير : [يسۤ: 69] وقوله: {أية : وَمَا يَنبَغِى لَهُ } تفسير : [يسۤ: 69]. وثانيهما: أن يكون المراد أن القرآن ينذر والأول أقرب إلى المعنى والثاني: أقرب إلى اللفظ، أما الأول: فلأن المنذر صفة للرسل أكثر وروداً من المنذر صفة للكتب وأما الثاني: فلأن القرآن أقرب المذكورين إلى قوله: {لّيُنذِرَ } وقوله: {مَن كَانَ حَيّاً } أي: من كان حي القلب، ويحتمل وجهين أحدهما: أن يكون المراد من كان حياً في علم الله فينذره به فيؤمن الثاني: أن يكون المراد لينذر به من كان حياً في نفس الأمر، أي من آمن فينذره بما على المعاصي من العقاب وبما على الطاعة من الثواب {وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } أما قول العذاب وكلمته كما قال تعالى: {أية : وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنْي لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } تفسير : [السجدة: 13] وقوله تعالى: {أية : حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ } تفسير : [الزمر: 71] وذلك لأن الله تعالى قال: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } تفسير : [الإسراء: 15] فإذا جاء حق التعذيب على من وجد منه التكذيب، وأما القول المقول في الوحدانية والرسالة والحشر وسائر المسائل الأصولية الدينية فإن القرآن فيه ذكر الدلائل التي بها تثبت المطالب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لِّيُنذِرَ } بالياء والتاء به {مَن كَانَ حَيّاً } يعقل ما يخاطب به وهم المؤمنون {وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ } بالعذاب {عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ } وهم كالميتين لا يعقلون ما يُخاطبون به.
ابن عبد السلام
تفسير : {لتنذر} يا محمد وبالياء القرآن {حَيّاً} عاقلاً، أو مؤمناً، أو مهتدياً، أو حي القلب والبصر {وَيَحِقَّ الْقَوْلُ} يجب العذاب.
الخازن
تفسير : {لتنذر} أي يا محمد وقرىء بالياء أي القرآن {من كان حياً} يعني مؤمناً حي القلب لأن الكافر كالميت الذي لا يتدبر ولا يتفكر {ويحق القول} أي وتجب حجة العذاب {على الكافرين} قوله عز وجل: {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا} أي تولينا خلقه بإبداعنا له من غير إعانة أحد في إنشائه كقول القائل عملت هذا بيدي إذا تفرد به ولم يشاركه فيه أحد وقيل عملناه بقوتنا وقدرتنا وإنما قال ذلك لبدائع الفطرة التي لا يقدر عليها إلا هو {أنعاماً} إنما خص الأنعام بالذكر وإن كانت الأشياء كلها من خلق الله تعالى وإيجاده لأن النعم أكثر أموال العرب والنفع بها أعم {فهم لها مالكون} أي خلقناها لأجلهم فملكناهم إياها يتصرفون فيها تصرف الملاك. وقيل معناه فهم لها ضابطون قاهرون ومنه قول بعضهم: شعر : أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا تفسير : أي لا أضبط رأس البعير والمعنى لم تخلق الأنعام وحشية نافرة من بني آدم لا يقدرون على ضبطها بل خلقناها مذللة مسخرة لهم وهو قوله تعالى: {وذللناها لهم فمنها ركوبهم} أي الإبل {ومنها يأكلون} أي الغنم {ولهم فيها منافع} أي من أصوافها وأوبارها وأشعارها وجلودها ونسلها {ومشارب} أي من ألبانها {أفلا يشكرون} أي رب هذه النعم {واتخذوا من دون الله آلهة} يعني الأصنام {لعلهم ينصرون} أي لتمنعهم من عذاب الله ولا يكون ذلك قط {لا يستطيعون نصرهم} قال ابن عباس لا تقدر الأصنام على نصرهم ومنعهم من العذاب {وهم لهم جند محضرون} أي الكفار جند الأصنام يغضبون لها ويحضرونها في الدنيا وهي لا تسوق إليهم خيراً ولا تستطيع لهم نصراً وقيل هذا في الآخرة يؤتى بكل معبود من دون الله ومعه أتباعه الذين عبدوه في الدنيا كأنهم جند محضرون في النار {فلا يحزنك قولهم} يعني قول كفار مكة في تكذيبك يا محمد {إنا نعلم ما يسرون} أي في ضمائرهم من التكذيب {وما يعلنون} أي من عبادة الأصنام وقيل ما يعلنون بألسنتهم من الأذى. قوله تعالى: {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة} أي من نطفة قذرة خسيسة {فإذا هو خصيم مبين} أي جدل بالباطل بين الخصومة والمعنى العجب من جهل هذا المخاصم مع مهانة أصله كيف يتصدى لمخاصمة الجبار ويبرز لمجادلته في إنكاره البعث, وكيف لا يتفكر في بدء خلقه وأنه من نطفة قذرة ويدع الخصومة, نزلت في حديث : أبي بن خلف الجمحي خاصم النبي صلى الله عليه وسلم في إنكار البعث وأتاه بعظم قد رم وبلي ففتته بيده وقال أترى يحيي الله هذا بعد ما رم فقال النبي صلى الله عليه وسلم "نعم ويبعثك ويدخلك النار" تفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآيات {وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه} أي بدأ أمره {قال من يحيي العظام وهي رميم} أي بالية والمعنى وضرب لنا مثلاً في إنكار البعث بالعظم البالي حين فتته بيده وتعجب ممن يقول إن الله تعالى يحييه ونسي أول خلقه وأنه مخلوق من نطفة.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {لّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً} أي: حيَّ القَلْبِ والبَصِيرَةِ، ولم يكن مَيِّتاً لكُفْرِهِ؛ وهذه استعارةٌ، قال الضحاك: {مَن كَانَ حَيّاً} معناه: عاقِلاً، {وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ} معناه: يُحَتَّمَ العذابُ ويَجِبَ الخُلُودُ. وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا} الآيةُ. مخاطَبةٌ لقريشٍ أيضاً. وقوله: {أَيْدِينَا} عبارةٌ عَنِ القُدْرةِ، واللَّه تعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ. وقوله تعالى: {فَهُمْ لَهَا مَـٰلِكُونَ} تنبيهٌ على النِعْمَةِ. وقوله: {وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ} أي: يُحْضَرُونَ لهُمْ في الآخِرةِ عَلَىٰ معنى التوبيخِ والنِّقْمةِ، وسَمَّى الأصْنَامَ جُنْداً؛ إذْ هُمْ عُدَّةٌ للنِّقْمَة من الكفرة، ثم أنَّسَ اللَّهُ نبيَّه ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ بقوله: {فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} وَتَوَعَّدَ الكَفَرَةَ بقوله: {إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فيما آتاه من غرائز الشرف في سن النكس لغيره، ذكر علة ذلك فقال: {لينذر} أي الرسول صلى الله عليه وسلم بدليل ما دل عليه السياق من التقدير، ويؤيده لفت الكلام في قراءة نافع وابن عامر ويعقوب بالخطاب إشارة إلى أنه لا يفهمه حق فهمه غيره صلى الله عليه وسلم. ولما كان هذا القرآن مبيناً، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم متخلقاً به، فهو مظهره وصورة وسورته، فكان حاله مقتضياً لئلا يتخلف عن الإيمان حيّ، قال مظهراً لما كان حقه في بادي الرأي الإضمار إفادة للتعميم مبيناً لأن حكمه سبحانه منع من ذلك، فانقسم المنذورن إلى قسمين: {من كان} كوناً متمكناً {حياً} أي حياة كاملة معنوية تكون سبباً للحياة الدائمة، فإنه لا يتوقف حينئذ عن الإيمان به خوفاً مما يخوف به من الأمور التي لا يتوجه إليها ريب بوجه، فيرجى له الخير، فهو مؤمن في الحقيقة وإن ظهر عليه في أول أمره خلاف ذلك، وأفرد الضمير هنا على اللفظ إشارة إلى قلة السعداء، وجمع في الثاني على المعنى إعلاماً بكثرة الأشقياء {ويحق} أي يجب ويثبت {القول} أي بالعذاب {على الكافرين *} أي العريقين في الكفر فإنهم أموات في الحقيقة وإن رأيتهم أحياء، فالآية من الاحتباك: حذف الإيمان أولاً لما دل عليه من ضده ثانياً، وحذف الموت ثانياً لما دل عليه من ضده أولاً، فتحقق بهذا أن أعظم منافاة القرآن للشعر وكذا السجع من أجل أنه جد كله، فمحط أساليبه بالقصد الأول المعاني والألفاظ تابعة، والشاعر والساجع محط نظرهما بالقصد الأول الروي والقافية والفاصلة حتى أن ذلك ليؤدي إلى ركة المعنى والكلام بغير الواقع ولا بد، كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه وحاله معروف في البلاغة والتفنن في أساليب الكلام وصدق اللهجة وحسن الإسلام في غزوة الغابة وكان أميرها سعد بن زيد الأشهلي رضي الله عنه: شعر : أسـر أولاد اللقيطــة أننــا سلـم غــداة فـوارس المقــداد تفسير : فغضب سعد على حسان رضي الله عنهما وحلف: لا يكلمه أبداً، وقال: انطلق إلى خيلي وفوارسي، فجعلها للمقداد، فاعتذر إليه حسان رضي الله عنهما ومدحه بأبيات وقال: والله ما أردت ذلك ولكن الروي وافق اسم المقداد، لأن القصيدة دالية، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يدور في فكره أبداً قصد اللفظ، فإنه من باب الترويق، وهو صلى الله عليه وسلم جد كله، فهو لا يعدل عنه لأنه موزون، بل لأنه لا يؤدي المعنى كما أن العرب تعدل عن اللحن ولا تحسن النطق به ولا تطوع ألسنتها له لكونه لحناً، لا لكونه حركة، فإن وافق شيء من الموزون ما أريد من المعنى لأجل أداء المعنى قاله، كما يقع لكثير من المصنفين الكلام الموزون وما قصده، وكما وقع كثير من الكلام الموزون من جميع أبحر الشعر في القرآن وإن لم يوافق المعنى لم يقله، وعلى هذا يتخرج قوله صلى الله عليه وسلم: شعر : أنــــا النـبــــي لا كـــــذب أنــا ابـــن عبـــد المطلــــب تفسير : لو تظاهر الإنس والجن على أن يأتوا بما أداه من المعنى في ألفاظه أو مثلها على غير هذا النظم لم يقدروا، وإذا تأملت كل بيت تمثل به فكسره لا تجده كسره إلا لمعنى جليل، لا يتأتى مع الوزن أو يكون لا فرق بين أدائه موزوناً ومكسوراً، وهكذا السجع سواء، ومن هنا علم أنه ليس المعنى أنه لا يحسن الوزن، بل المعنى أن تعمد الوزن والسجع نقيصة لا تليق بمنصبه العالي لأن الشاعر مقيد بوزن وروي وقافية، فإن إطاعه المعنى مع ما هو مقيد به كان وإلا احتال في إتمام ما هو مقيد به وإن نقص المعنى، والساجع قريب من ذلك، فهذا هو الذي لم يعلمه الله له، لأنه صلى الله عليه وسلم تابع للمعاني والحقائق والحكم التي تفيد الحياة الدائمة، لأنه مهيأ بالطبع المستقيم لذلك غير مهيأ لغيره من التكلف، وإذا أنعمت النظر في آخر الآية الذي هو تعليل لما قبله تحققت أن هذا هو المراد، فوضح أيّ وضوح بهذا أن كلاًّ منهما نقيصة، فلا يتحرك شيء من أخلاقه الشريفة نحوها، ولا يكون له بذلك شيء من الاعتناء، وقد أشبعت الكلام في هذا وأتقنته في كتابي "مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور" وهو كالمدخل إلى هذا الكتاب - والله الموفق للصواب. ولما أخبر سبحانه بإعماء أفكارهم، وهدد بطمس أبصارهم، ومسخهم على مقاعدهم وقرارهم، وأعلم بأن كتابه خاتم بإنذارهم، ذكرهم بقدرته وقررهم تثبيتاً لذلك ببدائع صنعته، فقال عاطفاً على ما تقديره: ألم يروا ما قدمناه وأفهمته آية {ومن نعمره} وما بعدها من بدائع صنعنا تلويحاً وتصريحاً الدال على علمنا الشامل وقدرتنا التامة، فمهما صوبنا كلامنا إليه حق القول عليه ولم يمنعه مانع، ولا يتصور له دافع {أولم يروا} أي يعلموا علماً هو كالرؤية ما هو أظهر عندهم دلالة من ذلك في أجل أموالهم، ولا يبعد عندي - وإن طال المدى - أن يكون معطوفاً على قوله: {ألم يروا كما أهلكنا قبلهم من القرون} فذاك استعطاف إلى توحيده بالتحذير من النقم، وهذا بالتذكير بالنعم، ونبههم على ما في ذلك من العظمة بسوق الكلام في مظهرها كما فعل في آية إهلاك القرون فقال: {أنا خلقنا لهم} وخصها بنفسه الشريفة محواً للأسباب وإظهاراً لتشريفهم بتشريفها في قوله: {مما عملت}. ولما كان الإنسان مقيداً بالوهم لا ينفك عنه، ولذلك يرة الأرواح في المنام في صور أجسادنا، وكانت يده محل قدرته وموضع اختصاصه، عبر له بما يفهمه فقال: {أيدينا} لأي بغير واسطة على علم منا بقواها ومقاديرها ومنافعها وطبائعها وغير ذلك من أمورها {أنعاماً} ثم بين كونها لهم بما سبب عن خلقها من قوله: {فهم لها مالكون *} أي ضابطون قاهرون من غير قدرة لهم على ذلك لولا قدرتنا بنوع التسبب. ولما كان الملك لا يستلزم الطواعية، قال تعالى: {وذللناها لهم} أي يسرنا قيادها، ولو شئنا لجعلناها وحشية كما جعلنا أصغر منها وأضعف، فمن قدر على تذليل الأشياء الصعبة جداً لغيره فهو قادر على تطويع الأشياء لنفسه، ثم سبب عن ذلك قوله: {فمنها ركوبهم} أي ما يركبون، وهي الإبل لأنها أعظم مركوباتهم لعموم منافعها في ذلك وكثرتها، ولمثل ذلك في التذكير بعظيم النعمة والنفع واستقلال كل من النعمتين بنفسه أعاد الجار، وعبر بالمضارع للتجدد بتجدد الذبح بخلاف المركوب فإن صلاحه لذلك ثابت دائم فقال: {ومنها يأكلون *}. ولما أشار إلى عظمة نفع الركوب والأكل بتقديم الجار، وكانت منافعها من غير ذلك كثيرة، قال: {ولهم فيها منافع} أي بالأصواف والأوبار والأشعار والجلود والبيع وغير ذلك، وخص المشرب من عموم المنافع لعموم نفعه، فقال جامعاً له لاختلاف طعوم ألبان الأنواع الثلاثة، وكأنه عبر بمنتهى الجموع لاختلاف طعوم أفراد النوع الواحد لمن تأمل {ومشارب} أي من الألبان، أخرجناها مميزة عن الفرث والدم خالصة لذيذة، وكل ذلك لا سبب له إلا أن كلمتنا حقت به، فلم يكن بد من كونه على وفق ما أردنا، فليحذر من هو أضعف حالاً منها من حقوق أمرنا ومضي حكمنا بما يسوءه. ولما كانت هذه الأشياء من العظمة بمكان، لو فقده الإنسان لتكدرت معيشته، سبب عن ذلك استئناف الإنكار عليهم في تخلفهم عن طاعته بقوله: {أفلا يشكرون *} أي يوقعون الشكر، وهو تعظيم المنعم لما أنعم وهو استفهام بمعنى الأمر.
ابو السعود
تفسير : {لّيُنذِرَ} أي القُرآنُ أو الرَّسولُ عليه الصلاة والسلام ويُؤيِّده القراءةُ بالتَّاءِ، وقرىء لينذر من نذر به أي علمه، وليُنذرَ مبنيَّا للمفعولِ من الإنذارِ. {مَن كَانَ حَيّاً} أي عاقِلاً متأمِّلاً، فإنَّ الغافلَ بمنزلةِ الميِّتِ، أو مؤمناً في علمِ الله تعالى فإن الحياةَ الأبديَّةَ بالإيمانِ، وتخصيصُ الإنذار به لأنَّه المنتفعُ به {وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ} أي تجبُ كلمةُ العذابِ {عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} المصرِّين على الكفرِ، وفي إيرادِهم بمقابلةِ مَن كان حيّاً إشعارٌ بأنَّهم لخلوِّهم عن آثارِ الحياةِ وأحكامِها التي هي المعرفةُ أمواتٌ في الحقيقةِ. {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} الهمزةُ للإنكار والتَّعجيبِ. والواو للعطفِ على جملةٍ منفيِّةٍ مقدَّرةٍ مستتبعةٍ للمعطوفِ أي ألم يتفكرَّوا أو ألم يلاحظُوا ولم يعلمُوا علماً يقينيّاً مُتاخِماً للمُعاينةِ. {أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم} أي لأجلِهم وانتفاعِهم {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} أي ممَّا تولينا إحداثَه بالذَّاتِ. وذكرُ الأيدي وإسنادُ العمل إليها إستعارةٌ تفيد مبالغة في الاختصاص والتَّفردِ بالأحداث والاعتناء به. {أَنْعـٰماً} مفعولُ خلقنَا. وتأخيره عن الجارَّينِ المتعلِّقين به مع أنَّ حقَّه التَّقدمُ عليهما لما مرَّ مراراً من الاعتناء بالمقدَّمِ والتَّشويقِ إلى المؤخَّرِ فإنَّ ما حقُّه التَّقدِيمُ إذا أُخِّر تبقى النَّفسُ مترقبةَ له فيتمكن عند ورودِه عليها فضلُ تمكُّنٍ لا سيَّما عند كونِ المقدَّصصمِ منبئاً عن كونِ المؤخَّر أمراً نافعاً خطيراً كما في النَّظمِ الكريم فإنَّ الجارَّ الأول المُعربَ عن كون المؤخَّرِ من منافعهم، والثَّاني المفصح عن كونه من الأمورِ الخطيرةِ يزيدان النَّفسَ شوقاً إليه ورغبةً فيه ولأنَّ في تأخيره جمعاً بـينه وبـين أحكامِه المتفرِّعةِ عليه يقوله تعالى {فَهُمْ لَهَا مَـٰلِكُونَ} الآياتِ الثلاثَ أي مَلّكناها إيَّاهمُ. وإيثارُ الجملة الاسميَّةِ على ذلك للدِّلالةِ على استقرارِ مالكِّيتِهم لها واستمرارِها. والَّلامُ متعلِّقةٌ بمالكون مقوَّيةٌ لعمله أي فهُم مالِكون لها بتمليكِنا إيصِّاهم لهم متصرِّفون فيها بالاستقلالِ مختصُّون بالانتفاع بها لا يُزاحمهم في ذلك عيرُهم أو قادرون على ضبطها متمكِّنون من التَّصرُّفِ فيها بأقدارِنا وتمكيننا وتسخيرِنا إيَّاها لهم كما في قولِ مَن قال: [المنسرح] شعر : أصبحتُ لا أحملُ السِّلاحَ ولا أملكُ رأسَ البعيرِ إنْ نَفَرا تفسير : والأَوَّلُ هو الأظهرُ ليكون قوله تعالى {وَذَلَّلْنَـٰهَا لَهُمْ} تأسيساً لنعمةٍ على حيالِها لا تتمَّةً لما قبلها أي صيَّرناها منقادةً لهم بحيثُ لا تستعصِي عليهم في شيءٍ مَّما يُريدون بها حتَّى الذَّبح حسبما ينطقُ به قوله تعالى {فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ} الخ فإنَّ الفاء فيه لتفريع أحكام التَّذليلِ عليه وتفصيلها أي فبعضٌ منها ركوبُهم أي مركوبُهم أي معظم منافعها الرُّكوبُ، وعدم التَّعرضِ للحمل لكونِه من تتمَّاتِ الرُّكوبِ. وقُرىء ركوبتُهم وهي بمعناه كالحَلوبِ والحَلوبةِ وقيل: الرَّكوبةُ اسم جمع. وقُرىء رُكوبُهم أي ذُو رُكوبِهم {وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} أي وبعضٌ منها يأكلون لحمه.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً} [الآية: 70]. قال ابن عطاء: أى من كان فى علم الله حيّا أحياه الله بالنظر إليه والفهم عنه والسماع منه والسلام عليه. قال جعفر: ليبلغ الرسالة إلى من سبقت له من الله العطية. قال الجنيد - رحمة الله عليه -: الحى: من تكون حياته بحياة خالقه لا من يكون حياته ببقاء هيكله ومن يكون بقاؤه ببقاء نفسه فإنه ميت فى وقت حياته ومن كان حياته بربه كانت حقيقة حياته عند وفاته لأنه يصل بذلك إلى رتبة الحياة الأصلية. قال الله عز من قائل: {لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً}.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً} اى من كان عارفا بالله و بصفاته عاشقا بوجهه شتا قال الى لقائه والها فى جماله ذاهلا فى عظمته وكبريائه متصفا بحيوته قال ابن عطا اى من كان فى علم الله حيا احيا الله بالنظر اليه والفهم عنه والسماع منه والسّلام عليه قال الجنيد الحى من يكون حيوته بحيوة خالقه لا من لا يكون حيوته ببقاء هيكله ومن يكون بقاوه ببقاء نفسه فانه ميت فى وقت حيوته ومن كان حيوته بربه كان حقيقة حيوته وفاته لانه يصل بذلك الى رتبة الحياة الاصلى قال الله لينذر من كان حيا.
اسماعيل حقي
تفسير : {لينذر} اى القرآن متعلق بقوله وقرآن او بمحذوف دل عليه قوله الا ذكر وقرآن اى الا ذكر انزل ليندر ويخوف {من كان حيا} اى عاقلا فهيما يميز المصلحة من المفسدة ويستخدم قلبه فيما خلق له ولا يضيعه فيما لا يعنيه فان الغافل بمنزلة الميت وجعل العقل والفهم للقلب بمنزلة الحياة للبدن من حيث ان منافع القلب منوطة بالعقل كما ان منافع البدن منوطة بالحياة. وفيه اشارة الى ان كل قلب تكون حياته بنور الله وروح منه يفيده الانذار ويتأثر به وامارة تأثره الاعراض عن الدنيا والاقبال على الآخرة والمولى. وقال بعضهم من كان حيا اى مؤمنا فى علم الله فان الحياة الابدية بالايمان يعنى ان ايمان من كان مؤمنا فى علم الله بمنزلة الحياة للبدن لكونه سببا للحياة الابدية. قال ابن عطاء من كان فى علم الله حيا احياه الله بالنظر اليه والفهم عنه والسماع منه والسلام عليه. وقال الجنيد الحى من كان حياته بحياة خالقه لا من تكون حياته ببقاء نفسه ومن كان بقاؤه ببقاء نفسه فانه ميت فى وقت حياته ومن كان حياته بربه كان حقيقة حياته عند وفاته لانه يصل بذلك الى رتبة الحياة الاصلية وتخصيص الانذار بمن كان حى القلب مع انه عام له ولمن كان ميت القلب لانه المنتفع به {ويحق القول} اى يجب كلمة العذاب وهو {أية : لأملأنّ جهنم من الجنة والناس أجمعين} تفسير : {على الكافرين} المصرين على الكفر لانه اذا انتفت الريبة الا المعاندة فيحق القول عليهم وفى ايرادهم بمقابلة من كان حيا اشعار بانهم لخلوهم عن آثار الحياة واحكامها التى هى المعرفة اموات فى الحقيقة كالجنين ما لم ينفخ ما لم ينفخ فيه الروح فالمعرفة تؤدى الى الايمان والاسلام والاحسان التى لا يموت اهلها بل ينتقل من مكان الى مكان. قال حضرة شيخى وسندى روح الله روحه حالة النوم وحالة الانتباه اشارة الى الغفلة ويقظة البصيرة فوقت الانتباه كوقت انتباه القلب فى اول الامر ثم الحركة الى الوضوء اشارة الى التوبة والانابة ثم الشروع فى الصلاة اشارة الى التوجه الالهى والعبور من عالم الملك والناسوت والدخول فى عالم الملكوت ففى الحركات بركات كما اشار اليه المولوى فى قوله شعر : فرقتى لو لم تكن فى ذا السكوت لم يقل انا اليه راجعون تفسير : ثم ان الانذار صفة النبى عليه السلام فى الحقيقة وقد قرئ لتنذر بتاء الخطاب ثم صفة وارثه الا كمل الذى هو على بصيرة من امره. قال الشيخ الشهير بافتاده قدس سره ان الوعظ لا يليق بمن لم يعرف المراتب الاربع لانه يعالج مرض الصفراء بعلاج البلغم او السوداء نعم يحصل له الثواب اذا كان لوجه الله تعالى ولكن لا يحصل الترقى قدرذرة فانه لا بد ان يعرف الواعظ ان أية آية تتعلق بالطبيعة وأية آية تتعلق بالنفس ولذلك بكى الاصحاب دما فمن وجب عليه القول الازلى بموت قلبه وقساوته كالكافرين والغافلين فلا يتأثر بالانذار اذ الباز الاشهب انما يصيد الصيد الحى فنسأل الله الحياة واليقظة والتأثر من كل الانذار والتنبيه والعظة
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : قرئ بالتاء والياء كلاهما على صيغة الأفعال، فعلى الأول يكون المنذر هو الرسول، وعلى الثاني يكون المنذر إمّا الله بالقرآن، أو القرآن نفسه، وقرئ: ولتنذر ولينذر من "نذر به" إذا علمه". لمّا حقق الله ماهية ما أنزل الله على رسوله، بأن حصره في قسمين هما أشرف أقسام الكلام، لأن التقسيم باب من التعريب - وهو ضم قيود متخالفة إلى المقسم ليحصل بانضمام كل قيد إليه ماهية قسم منه وحده -، أراد أن يبيّن غاية المُنزل، إذ الحقائق قد تعرف بغاياتها أيضاً كما تعرف بقيودها وأجزائها، فبيّن الفائدة فيه فذكر أن الفائدة فيه أمران: إنذار المؤمنين، وإيجاب كلمة العذاب على المنافقين. مكاشفة تحقيق الآية يستدعي إشارات: الأولى في معنى "الحي" هاهنا: إن "الحياة" حياتان: حياة الجسد وحياة النفس، أما حياة الجسد: فهي "النفس" بعينها، لأن بالنفس يتحرك ويحس وينمو ويتغذى، وأما حياة النفس فهي قوة نورية بها تهتدي النفس إدراك المعارف الحقة الإلهية، التي توجب بقاءها أبداً سرماً مخلداً. وتحقيق ذلك، أن ماهية الإنسان لمّا كانت مجموعة من بينه جسمانية ونفس روحانية، وهما جوهران متضادان في الأحوال الذاتية، متبائنان في الصفات الأصلية، مشتركان في الأفعال العارضة والآثار الزائدة، فصارت حياة كل منهما شيئاً آخر، وإحدى الحياتين - وهي الدنيوية - لا تحتمل البقاء والدوام، لأن الحس والحركة مثاران (منشآن) للتغير والدثور، لأن قوامها بالتجدد والإنفعال والتأثر والحركة، وأما الحياة الأخروية فهي باقية دائمة، لأن العقل والإبداع اللذين فيها بإزاء الحس والحركة في الحياة الحيوانية لا يحتملان العدم والإنقطاع - كما تقرر في مقامه -. ولكل من الحياتين قوة واستعداد وكمال، فالقوة في الحياة الحسية كما للمني، والاستعداد فيها كما للجنين ما دام كونه في مضيق الرحم، والكمال كما للمولود، وأما القوة في الحياة الملكوتية فكما لكل نفس إنسانية في أوائل درجتها ومبدء فطرتها التي فطر الله الناس عليها قبل أن يتغير أو ينحرف، وأما الاستعداد فكما لأرواح أهل الإيمان والتقوى ما داموا في مضيق رحم الدنيا ومشيمة الأبدان قبل خروجهم من حفرة القبور إلى سعة عالم الآخرة والنشور، والجنة التي عرضها السموات والأرض، وأما الكمال فكما لأهل المعرفة عند قيام الساعة عليهم - سواء قامت على غيرهم أم لا -. قال الجنيد - قدس سره - في هذه الآية: "الحي من تكون حياته بحياة خالقه، لا من تكون حياته ببقاء هيكله، ومن يكون بقاؤه ببقاء نفسه فإنه ميت وقت حياته، ومن كانت حياته بربه كانت حياته عند وفاته، لأنه يصل بذلك إلى رتبة الحياة الأصلية". انتهى قوله. الاشارة الثانية في أن لكل من هاتين الحياتين افتقاراً - في الخروج من القوة إلى الفعل ومن النقص إلى الكمال - إلى أغذية وأدوية معينة. أما أغذية الحيوانات الدنيوية وأدويتها فمعلومة لكل أحد، وقد تقع الحاجة في معرفة بعض الأدوية وتمييزها، والفرق بين ضارّها ونافعها، وترياقها النافع وسمها الناقع إلى الأطباء والبيطارين. وأما أغذية الأرواح الأخروية وأدويتها، فأغذيتها المعارف القرآنية والعلوم الربانية، وأدويتها النافعة المواعظ الخطابية والآداب الدينية والأعمال الشرعية. والمهلكات هي الجهل بالمعارف الإيمانية واكتساب ذمائم الأخلاق، والأطباء العارفون بمنافع الأغذية والأدوية الروحانية، ومضارّ السموم القاتلة المهلكة الشيطانية، هم الأنبياء، ثم الأولياء، والعلماء الراسخون في العلم. الاشارة الثالثة لمّا ثبت أن الإنسان جملة مجموعة، فلا جَرَمَ صارت أفعال الخلق ما داموا في الدنيا متبائنة متضادة، فصار كل أحد من حيث بدنه الجسماني الأرضي مريداً للبقاء في الدنيا متمنيّاً للخلود فيها مخلداً في الأرض، ومن أجل نفسه الروحانية طالباً لِلَذّات الآخرة متمنيّاً لحصول المعارف، وهكذا أكثر أمورهم متبائنة متضادة، كالعلم والجهل، والجود والبخل، والنفع والضر، والخير والشر، وما شاكلها من الأخلاق والأفعال والأقاويل المتضادات والآراء المتناقضات. والاختلافات الواقعة في المذاهب والآراء، كلها منشعبة من هاتين الجهتين في الإنسان، وقلّ من الناس من يتجرد فيه احداهما عن الأخرى، بحيث لا يشوبها أصلاً. فإن الصفات المختصة بالجسد المجرد، هو أنه جوهر ظلماني جسماني مركّب، وطبائع ممتزجة مفسد مستحيل، راجع إلى العناصر بعد انحلاله وترك استعمال النفس إياه، حتى أن حياته الحسيّة نور من أنوار النفس وقعت عليه فيحيا به البدن، إلاّ أن هذه الحياة مركب الروح الإلهي الشريف الذي هو نور من أنوار الله المعنوية، وشعلة ملكوتيّة حاصلة في فتيلة النور الحسي والحياة الحيوانية، بسبب النفخ الإلهي بوساطة نافخ هو ملك مقدس اسمه "إسرافيل"، وشأنه تصوير الصور العقلية بإذن الله، وإنشاء الحياة الثانية المخلّدة بإذن رب الصور المجردة. وأما الصفات المختصة بالنفس، فهي إنها جوهر روحانية سماوية نورانية حية بالذات بالحياة الأولوية فعلاً، وبالحياة الأخروية قوة، علامة بالقّوة، قابلة للتقديس، فعّالة في الأجسام بالآلة ومستعملة للآلات، ومتممة للأجسام الحيوانية والنباتية إلى وقت معلوم، ثم إنها تاركة لها ومفارقة إياها وراجعة إلى عنصرها ومعدنها ومبدئها ومعادها كما كانت بَديّاً، إمّا بربح وغبطة سرور، أو بندامة وخسران وحسرة، أما مشرقة ناضرة، إلى ربها ناظرة، أو مظلمة مكدرة منكوسة معلقة معذبة لقوله تعالى: {أية : كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ}تفسير : [الأعراف:29 - 30] وقوله: {أية : كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}تفسير : [الأنبياء:104] وقال سبحانه: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ}تفسير : [المؤمنون:115]. وكفى بهذا أيها الأخ المسكين زجراً ووعيداً وتوبيخاً وتهديداً، فتذكر الموت ومفارقة الروح إن كنت من أهل الذكر والإنذار، متنبهاً من نوم الغفلة، ومنبعثاً من قبر الجهالة حيّاً بروح المعرفة، وأعيذك أن تكون من الذين ذمهم الله بقوله: {أية : لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} تفسير : [الأعراف:179]. ولما تبين أن أكثر أمور الإنسان مثنوية متضادة، من جهة أنه جملة مجموعة من جوهرين متبائنين حصلا من اقليمين، صار لكل منهما حياة يتوقف بقاؤها على أغذية وأشربة مخصوصة، ولكل منهما قِنْيَة، وصارت القنية نوعين اثنين - جسمانية كالمال ومتاع الدنيا، وروحانية كالعلم والدين - وإنما معدن العلم والدين هو الذكر الحكيم والقرآن المبين، ولهذا قال: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ * لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً} [يس:69-70] أي بالحياة الروحانية الأخروية. وكما أن بالمال يتمكن الإنسان من تناول اللذات - من الأكل والشرب في الحياة الدنيا - فهكذا بقوة العلم واليقين يصل إلى الأغذية والإشربة الروحانية، وبالعلم يضيء النفوس ويشرق ويكمل ويصح، كما أن بالأكل والشرب ينمى الجسد ويزيد ويسمن. وما ورد في الباب من الأحاديث والأخبار كثيرة: منها: ما رواه أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني عن سليم بن قيس، قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حديث : منهومان لا يشبعان، طالب دنيا وطالب علمتفسير : . وفي رواية أخرى: "حديث : منهوم العلم ومنهوم المال ". تفسير : ومنها ما رواه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: روّحوا أنفسكم ببديع الحكمة، فإنها تكِلّ كما تكِلّ الأبدان. وقال بعض الحكماء: أليس الرجل إذا مُنع عنه الطعام والشراب يموت؟ قالوا: بلى، قال: كذلك القلوب، إذا منعت عن الحكمة والعلم ثلاثة أيام تموت. ولما كان هذا هكذا صارت المجالس اثنين، مجلس الأكل والشرب واللهو واللعب، ولذّات جسمانيّة من لحوم الحيوان ونبات الأرض، لصلاح الجسد وحياته الفانية، وزيادة لذاتها وشهوتها، ومجلس للعلم والحكمة وسماع روحاني، فيها قوة للنفوس، وقرة للأعين، ولذة للأرواح التي لا تبيد جواهرها، ولا تنقطع حياتها وسرورها ولذتها وشهوتها في الدار الآخرة، كما في قوله تعالى: {أية : فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} تفسير : [الزخرف:71]. الاشارة الرابعة الكفر، هو الاحتجاب، والكافرون هم المحجوبون عن الله تعالى، لقوله تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} تفسير : [المطففين:15] وسبب كفرهم وحجابهم أمران: إما غلبة حب الدنيا واستيلاء القوى البدنية الحسية، وإما غلبة الهوى واستيلاء القوى النفسانية الشيطانية وانحرافها وضلالها عن الهدى. فالكفّار هم أهل الإغترار، فمنهم من غرتهم الحياة الدنيا ومنهم من غرهم بالله الغرور. أما الذين غرتهم الحياة الدنيا، فهم أهل الحرص والشهوة، فلغاية ميلهم إلى اللذات العاجلة وحرصهم إلى اقتناء المال واكتساب الشهوات، صاروا محجوبين عن فهم القرآن ومعانيه، دون ألفاظه ومبانيه، وعن إدراك أمور الآخرة وأحوال المبدء والمعاد، والعلم بالمفازات والربوبيات، فانكبوا عن الطريق وحرموا عن الجدوى، جعلوا أصابعهم في آذانهم، واشتغشوا ثيابهم، نسوا الله فأنساهم أنفسهم. وأما الذين غرهم بالله الغرور - أي الهوى والشيطان والقياس الفاسد - فهم الذين حادوا عن الطريق، وانحرفوا عن الحق بواسطة مرض قلوبهم وانحراف طبائعهم عن الصراط المستقيم، واعوجاج نفوسهم عن درك المعارف بالبراهين النيّرة والآيات الربانية، وإنما سبب انحرافهم عن الحق وحَيْدِهِم عن الصراط أحد الأمرين: إما تعصب الآباء وتقليد الأسلاف، وإما الاستبداد بالرأي الفاسد والفكر الكاسد، وكل ذلك يوجب العمى في القلب. وهذا القسم من الكفار هم "المنافقون"، وهم من أهل القهر الإلهي، لا ينجع فيهم الإنذار ولا خلاص لأحدهم من النار. والقرآن مع كونه شفاء للصدر، ونجاة من الأسقام، والترياق الأكبر لدفع السموم، لا ينفع في إزالة هذا الداء المهلك، ولا ينجع في قطع هذا المرض المزمن القاتل، ولا في دفع هذا السم الناقع. {أية : كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوۤاْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [يونس:33] {أية : وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} تفسير : [غافر:6] بل الإنذار بالقرآن، والإشعار بآيات الله والتعليم بالكتاب والحكمة يزيدهم شراً وَوَبالاً، ويضاعف فيهم جهلاً وضلالاً، ويحق عليهم عذاباً ونكالاً، ولهذا قال: {لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}. فما هو سبب الهداية والإنذار لقوم، فهو بعينه سبب نزول كلمة العذاب على قوم آخرين من الكفار {أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ * ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ}تفسير : [البقرة:26 - 27] - الآية -. وأما القسم الأخير من الكافرين، فيمكن إزالة مرضهم ودفع غرورهم بهذا القرآن، لأن منشأ كفرهم واحتجابهم ليس قوة نفسانية غير قابلة للتأثر والإنفعال - لكونها قاسية كالحجارة أو أشد قسوة -، بل منشأها شهوة الطبع ومحبة الدنيا، والشهوات أمور انفعالية قابلة للزوال والدثور، وأكثر اغترارهم بالدنيا ولذاتها لأجل الشكوك، وشكوكهم ترجع إلى أن قالوا: "هذه نقد، والنقد خير من النسيّة، فتكون الدنيا خيراً من الآخرة" أو قالوا: "اليقين خير من الشك، ولذّات الدنيا يقينية، ولذّات الآخرة مشكوك فيها، وكذا اللذة الحسية يقينية، واللذة العقلية بلقاء الله أمر مشكوك فيه، والعاقل لا يترك اليقين بالشك". وهذه أوهام فاسدة وأقيسة باطلة، وعلاج المغرور بها، إما البرهان وإما التصديق بمجرد الإيمان بما أخبر الله تعالى من قوله: {أية : وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} تفسير : [القصص:60] {أية : وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ}تفسير : [الضحى:4] {أية : وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ} تفسير : [آل عمران:185] وقد أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك طوائف من الكفار، فقلدوه وآمنوا به ولم يطالبوه بالبرهان، ومنهم من قال: "نشدتك بالله أَبَعَثَكَ الله رسولاً"؟ فكان يقول: "نعم"، فيصدّق. وهذا إيمان العامة، وهذا بمنزلة تصديق الصبي والده في أن حضور المكتب خير من حضور الملعب، مع أنه لا يدري وجه كونه خيراً، وأما المعرفة بالبرهان، فهو أن يعرف وجه فساد القياس الأول بفساد إحدى مقدمتيه، وإن كانت الأخرى صحيحة، فإن قوله: "النقد خير من النسيّة" محل التلبس، فإنه لو كانت بين النقد والنسية مماثلة في القدر والمقصود، فالنقد خير من النسية، وإلاّ فلا. وأما القياس الثاني - وهو أكثر فساداً من الأول لأن كلا أصليه باطل - أما قوله: "اليقين خير من الشك"، إنما يصح في صورة التساوي وإلاّ فلا، أو لاَ ترى أن التاجر في تعبه على يقين وفي ربحه على شك، ومع ذلك يترك الراحة اليقينية طلباً للربح المشكوك فيه، وكذا المتفقه في اجتهاده على يقين وفي إدراكه رتبة العلم على شك، ولهذا أمثلة كثيرة. وأما أصله الآخر وهو: "إن الآخرة شك" فهو أيضاً خطأ، بل ذلك يقين عند المؤمنين، وليقينه مدركان: أحدهما: الإيمان والتصديق تقليداً للأنبياء والأولياء، وذلك أيضاً يزيل الجهل والغرور، وهو مدرك عوامّ أهل الإسلام، وأكثر الخلق اطمأنوا به كما تطمئن نفوس المرضى إلى تصديق قول الأطباء الحذّاق، وهذا القدر من الإيمان كاف لجملة الخلق متى لم تتغير فطرتهم الأصلية، كما لأحد صنفي الكفار من المنافقين الأشرار. والقرآن كما يشتمل على البراهين العقلية التي يكمل بها العلماء الأحياء بالفعل - وهم أهل البرهان والكشف -، كذا يشتمل على ما ينتفع به من كان معتقداً قول الأنبياء والأولياء سلام الله عليهم بعد السماع منهم، - وهم أهل الحياة الآخرة بالقوة -، سواء حصل لهم استعداد قريب كجملة المؤمنين المعتقدين بالله واليوم الآخر، الجازمين بصدق دعوى الرسول، المتابعين للأئمة بعده، أو لم يحصل، ولكن من شأنهم أن يحصل لهم الاعتقاد اليقيني، فهذا القدر من الإيمان والإعتقاد الجازم باليوم الآخر، الذي لجملة أهل الإيمان يكفي للحث على العمل لأجل الآخرة والعبادة لله، وصرف نعمه فيما خلقها لأجله، ليستعدّوا بذلك لليقين، وهو المعنيُّ بالحياة الأخروية بالفعل، لقوله: {أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ} تفسير : [الحجر:99]. وأما المدرك الثاني للمعرفة، الموجب لبرد اليقين، فهو إما الوحي للأنبياء أو الإلهام للأولياء، ولا تظن أن معرفة النبي (صلى الله عليه وآله) لأمر المبدء والمعاد، أو لأمور الدين، تقليد بجبرائيل بالسماع منه، كما أن معرفتك تقليد له، حتى تكون معرفتك كمعرفته، وإنما يختلف المقلد فقط - هيهات -، فإن التقليد ليس بمعرفة، بل هو اعتقاد صحيح أو فاسد، والأنبياء عارفون بالله وآياته، ومعنى معرفتهم، إنهم كشفت لهم حقيقة الأشياء كما هي عليها، فشاهدوها بالبصيرة الباطنية أوضح مما يشاهده الناس بالحواس، وذلك بأن ينكشف لهم عن حقيقة الروح وهو سلّم المعارف وأنه من أمر الله، ليس المراد به معنى يقابل النهي، ولا المراد به الشأن والشيء - حتى يعم الموجودات كلها - بل العالم عالمان: "عالم الأمر" و "عالم الخلق"، لأنه عبارة عن التقدير، وكل موجود منزّه عن الكمية فهو من عالم الأمر، وشرح معرفة الروح مما لا رخصة في ذكره، لاستضرار أكثر الخلق بسماعه كاستضرار المزكوم بشم رائحة الورد، بل كاستضرار الجَعل بشم رائحة المسك، لا كاستضرار عين الخفاش برؤية الشمس. فمن عرف سر الروح فقد عرف نفسه، وإذا عرف نفسه عرف ما فوقه من المفارقات، حتى تنتهي معرفتها إلى معرفة الحق الأول، فيعرف أن الجميع مقهورون تحت أشعة نوره الأبهر وكبرياءه الأنور، وإذا علم نفسه وربه، علم أنه أمر رباني بطبعه وفطرته وذاته، وأنه في العالم الجسماني غريب، وأن هبوطه إليه لم يكن بمقتضى طبعه، بل بكره، لأجل أمر عارض غريب من ذاته ورد على أبيه آدم أولاً، وعبّر عنه بالمعصية، وهي التي حطّته عن الجنة التي هي أليق به بمقتضى ذاته، فإنها في جوار ربه، وأنه أمر رباني، وحنينه إلى جوار الرب تعالى له طبعي ذاتي، فيشتاق إلى طلب الآخرة إلى أن يصرفه عن مقتضى طبعه عوارض العالم الغريب من ذاته، فينسى عند ذلك نفسه وذاته. ومهما فعل ذلك، فقد ظلم نفسه، واستحق الطرد والبُعد، إذ قيل له: {أية : وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} تفسير : [الحشر:19] أي الخارجون عن مقتضى طبعهم ومظنة استحقاقهم. وانفتاح هذا الباب من سرّ القلب إلى عالم الملكوت يسمى "معرفة" و "ولاية" ويسمى صاحبه "ولياً" و "عارفاً"، وهي مبادئ مقامات الأنبياء. وآخر مقامات الأولياء أول مقامات الأنبياء سلام الله عليهم. وهذه إشارات إلى أسرار يهتز لاستنشاق روائحها العشاق الالهيون، ويشمئزّ من سماع ألفاظها المغترّون والقاصرون، فإنها تضرهم كما تضرّ رياح الورد بالجُعل، وكما تبهر الشمس أبصار الخفافيش. فإذا تمهّدت وتحققت لك أسرارها وأغوارها، يظهر لك أن لفظي "الإيمان" و "الحياة القلبية" كالمترادفين في لغة القرآن وفي اصطلاح حامليه، كما عند أهل الله وأبناء الحقيقة، وكذا "الموت القلبي" و "الكفر" يجريان مجرى المترادفين، وإطلاق "الحي" على المؤمن و"الميت" على الكافر على وجه يُشعر بأن جهتي الحياة والموت هما الإيمان والكفر والمعرفة والجهل، شائع كثير في الآيات والأحاديث، وقد مرّ أن الحياة لها مراتب بحسب القوة والإستعداد، وكذا الموت الذي يقابلها، وما من نفس إلاّ وقد كانت في أصل الفطرة حية بالقوة قبل أن تبطل استعدادها فكل من في وجه الأرض إما أموات غير أحياء - وهم الكفار الجاحدون، حيث بطل استعدادهم للحياة القلبية بالجحود والإنكار والتمرد والإستكبار - وإما مرضى - وهم أكثر الخلق - على تفاوت جهلهم ومرضهم، وإما أصحاء - وهم العلماء بالله والمؤمنون حقاً - لكنهم ما داموا في الدنيا قبل قيام القيامة عليهم بمنزلة الأجنّة في بطون أمهاتهم، وفي مشيمة البدن بمنزلة الجنين في مشيمة الرحم. والقرآن ليس شفاءً للأموات لعدم السمع والبصر الباطنيين، اللذين هما بابان لفهم المعارف لهم، وبطلان القلب الحقيقي الذي هو المشعر الإلهي عنهم، كما قال تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ} تفسير : [النمل:80]. وكقوله: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ} تفسير : [يونس:42 - 43]. فقد نبّه الله تعالى لنبيه النذير المنذر (صلى الله عليه وآله)، على أن أصحاب (أهل) الحجاب الكلي سُلب عنهم السمع الباطني الذي هو غاية المسع الحسي - وهو فهم المقاصد وتعقّل المطالب -، وكذا نبّه على أنهم لا يبصرون من الرجال الإلهيين إلاّ بقدر ما يراه بصر الدوابّ والأنعام من الصور والأشكال وهيئات الأجسام. وقال أيضاً: في غير موضع من القرآن في حق المنسلخين عن الفطرة الإنسانية "صم، بكم، عُمْي" سلب إدراك المعارف من طريق السمع عنهم، وسلب معرفة الرجال وأولياء الله من باب البصر عنهم، وكذا سلب عنهم الفطرة الإنسانية واستعداد الحياة البقائية الأخروية، كما أفصح الله عن انحطاط درجتهم عما كانوا، ونزول رتبتهم عما فُطروا عليه بقوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} تفسير : [الأعراف:179]، وقال أيضاً: {أية : وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}تفسير : [الأنفال:21 - 22] وقال في النعي عليهم والصريح بموتهم ميتة الجاهلية: {أية : أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}تفسير : [النحل:21]. وإذا ثبت أن الكفار والمنافقين فقدت عنهم آلة السمع والبصر وجدوا هما، وماتت قلوبهم فلا يجديهم سماع القرآن ظاهراً، ولا دراسة الكتاب والحديث رواية بلا دراية، فقد ثبت أن القرآن لا يشفي عليلهم ولا يروي غليلهم، لأنهم أهل الحجاب، الذي حقّت عليهم كلمة العذاب، وغلقت عليهم الأبواب، وهو معنى قوله: {وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} كما قال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ} تفسير : [يونس:96 - 97]. وقال أيضاً: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} تفسير : [الأنفال:23]. واعلم أن حال أكثر المتظاهرين بالإيمان عند التحقيق هذا الحال - وإن كانوا من جملة المعدودين عند الناس من أهل الفضل والكمال - كما مضى من قوله تعالى في صدر هذه السورة "لقد حق القول على أكثرهم فم لا يؤمنون"، فإن مجرد الإطلاع على ظاهر العربية من اللغة والنحو والصرف والعلوم الجزئية، وكذا حفظ الأقوال في الحرام والحلال وصنعة المباحثة والقيل والقال، وصنعة الكلام بالمجادلة من غير بصيرة بحقيقة الحال، لا يرتقي به الإنسان عن درجة الجهّال والأرذال، ولا يرتفع إلى رتبة السعداء والمقربين من الحق المتعال، ولا يهتدي بحقائق القرآن والآيات، بل يزيده شراً ووبالاً وجحوداً واستكباراً عن سماع ما هو الحق، اللهم إلاّ بالقلب السليم عن الآفات المهلكة والأمراض النفسانية كما مرّت الإشارة إليه غير مرة، ودلّ عليه قوله تعالى: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً} تفسير : [الإسراء:82]. فقد بقي كون القرآن منذراً لمن كان حياً، أي قابلاً للحياة الأخروية، مستعداً لفهم المعارف الإلهية، مؤمناً بالله واليوم الآخر - ولو بالسماع والتسليم - من غير انحراف عن سنن الحق وحَيْد عن الصراط المستقيم، سواء كان صحيح القلب بريئاً عن المعاصي مطلقاً، أو مريضاً لكن غير مزمن المرض، ولا المكذب للطبيب وهم الأولياء والحكماء. فالدنيا بمنزلة دار الشفاء، والعلماء الربانيون هم الأطباء، والقرآن هو الدواء، والحكمة التي بها تقع الشفاء - والإعراض عنه هو السم المهلك - الموجب للشفاء {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيِاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً أَبَداً}تفسير : [الكهف:57]. والنفوس الساذجة الغير الكاملة في العلم والعمل، هم المرضى، القابلون للتداوي، المستعدون للصحة والحياة الكاملة، والنفوس الجاهلة الشقية الغير السليمة - إن كانت لهم فطانة بتراء وجهل مشفوع بالإعتقاد، واعتقاد تقليدي مركب بالنفاق والعناد - هم المرضى الغير القابلين للعلاج، بل يزيد فيهم المرض يوماً فيوماً، كما قال الله تعالى: {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [البقرة:10]. وهؤلاء هم الذين كانوا مستعدين في الأصل للحياة، قابلين للنور، ولكن احتجبوا بالرَّين المستفاد من اكتساب الرذائل وارتكاب الخطيئات ومزاولة المكائد الشيطانية وطلب الترفعات الباطلة، حتى رسخت الهيئات الفاسقة في صفحة باطنهم، وتراكمت المَلَكات المظلمة على مرآة قلوبهم، كما قال تعالى: {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}تفسير : [المطففين:14]. فلا تقبل التصفية والتطهير بعد ذلك، لتراكم ظلمتهم وعينية نجاستهم، كما قال: {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [يونس:100] وذلك لكونها كثيرة التعلق بالدنيا، متعلقة الوجود بأجسادها وأبدانها الغالب عليها القوة الشهوية والغضبية مثل الكلب والخنزير، والدنيا دار النجاسة وطالبها الأنجاس وطلبة الأرجاس، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : الدنيا جيفة وطلاّبها كلاب"تفسير : ، وورد أيضاً في الحديث: "حديث : الدنيا ملعونة ملعون ما فيها ". تفسير : وإن لم يكونوا ذا فطانة وعقل ولا اعتقاد صادق أو كاذب، فهم إما المطرودون والمبعدون طبعاً من أهل الحجاب، أو المستضعفون من النساء والولدان. فالأول هم الأموات المعزولون عن الخطاب، المختوم على قلوبهم أزلاً، كما قال: {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} تفسير : [الأعراف:179] فالقرآن لا ينذرهم كما لا ينذر القسم الأول، إلاّ أن المانع في أحدهما وهم المنافقون وجودي - وهو المرض المزمن -، وفي الثاني وهم المطرودون عَدَمي، وهو الموت، - وقد أخبر الله تعالى عن نفي قبول الإنذار عن أحدهما بقوله: {أية : كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوۤاْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [يونس:33] وعن نفيه عن الثاني بقوله: {أية : وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [يونس:101] وقوله: {أية : ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً}تفسير : [الكهف:101]. وأما المستضعفون فهم غير معلومي العاقبة لا يعلم حالهم إلاّ الله. فهذا ما حضرني الآن في بيان هذه الآية، والله أعلم بحقائق آياته وأسرار كلماته.
الجنابذي
تفسير : {لِّيُنذِرَ} القرآن او محمّد (ص) {مَن كَانَ حَيّاً} بالفطرة كما عن علىّ (ع) انّه فسّره بمن كان عاقلاً يعنى من كان حيّاً بالحيٰوة الانسانيّة بان كان حبل الله فيه ظاهراً غير منقطعٍ ولا محتجبٍ تحت حجب الاهوية، او من كان حيّاً بالحيٰوة التّكليفيّة الحاصلة بالبيعة الخاصّة الولويّة المورثة للحبل من النّاس، وانذار الحىّ ليس الاّ من جهة كفره السّاتر لذينك الحبلين {وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ} بدخلو النّار {عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} لم يقل ويعذّب او يورث العذاب للاشعار بانّ العذاب ليس من قبل الله ولا من قبل خلفائه انّما هو من قبلهم وناشٍ من سوء اعمالهم، والخلفاء لمّا كانوا موازين للعباد واعمالهم كانوا مظهرين بسوء اعمالهم ولواحقها.
الهواري
تفسير : {لِّيُنذِرَ} أي: من النار. وتقرأ بالتاء والياء. فمن قرأها بالياء فهو يعني لينذر القرآن، ومن قرأها بالتاء فهو يعني لتنذر يا محمد {مَن كَانَ حَيّاً} أي: مؤمناً، وهو الذي يقبل نذارتك. {وَيَحِقَّ الْقَوْلُ} أي: الغضب {عَلَى الكَافِرِينَ} أي: بكفرهم. قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ} أي: بقوتنا في تفسير الحسن. كقوله: (أية : وَالسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ) تفسير : [الذاريات: 47] أي: بقوة {أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} أي: ضابطون {وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ} يعني الإِبل والبقر والغنم والدواب والخيل والبغال والحمير. {فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ} أي: من الإِبل والخيل والبغال والحمير. {وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} أي من الإِبل والبقر والغنم، وقد يرخّص في الخيل. ذكروا عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله "حديث : أنهم أكلوا يوم خيبر الحمير والبغال والخيل، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمير والبغال ولم ينه عن الخيل".تفسير : وذكروا عن عطاء عن جابر بن عبد الله "حديث : أنهم كانوا يأكلون لحوم الخيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ".تفسير : قال: {وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} أي: في أصوافها وأوبارها وأشعارها ولحومها {وَمَشَارِبُ} أي: يشربون من ألبانها. {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} أي: فليشكروا هذه النعم. قوله: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ ءَالِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} أي: يمنعون كقوله: (أية : وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ ءَالِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً) تفسير : [مريم: 81] قال: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ} أي: لا تستطيع آلهتهم نصرهم {وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ} أي: معهم في النار.
اطفيش
تفسير : {لينذر} متعلق بأن النافية بناء على جواز التعلق بأحرف المعاني مطلقا أو بمحذوف أي أنزلناه لتنذر به. {من كان حيا} عاقلا متأملا وغيره كالميت لا ينتفع بالانذار فأنت تنذره لكن انذارك له كالعدم أو من كان في علم الله يحيى بالايمان والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على طريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب وذلك في قراءة نافع وابن عامر ويعقوب وقرأ الباقون بالياء التحتية المثناة اي لينذر الرسول ويقويه قراءة الخطاب او لينذر القرآن واسناد الانذار إلى القرآن مجاز. {ويحق القول على الكافرين} وهم كالموتى مقابلة لقوله من كان حيا وحق القول وقوع العذاب او الغضب او ثبوته وقد ثبت من قبل لكن المراد هنا أن يثبت مع قطع اعذارهم بالحجج الظاهرة.
اطفيش
تفسير : {ليُنْذر} به متعلق بمحذوف أى أنزلناه لينذر به {مَن كان} فى علم الله، أو بمعنى يكون فعبر بالماضى للتحقق {حياً} عاقلا بالغاً، شبه العقل بالحياة، واشتق من الحياة بمعنى حيا، أو مؤمنا فيكون قد شبه الإيمان بالحياة والعلاقة فيهما الانتفاع، ولكن انذار المؤمن بمعنى زيادة التأكيد عليه، أو أراد بالإنذار مطلق الاخبار أو إنذار المؤمن إنذاره عما قد يصدر عنه، أو ذلك مجاز مرسل، لأن العقل النافع او الإيمان سبب للحياة الأبدية، وغير العاقل وغير المؤمن كالميت، كما قابل الحى بالكافر اشارة الى أنهم كالموتى فى قوله: {ويحقَّ} يثبت {القَول على الكافرين} قولنا إن الكافرين فى النار حقت كلمة العذاب على الكافرين، أو شبه الكافرين بالموتى على الاستعارة أو المجاز الارسالى.
الالوسي
تفسير : {لّيُنذِرَ } أي القرآن أو الرسول عليه الصلاة والسلام، ويؤيده قراءة نافع وابن عامر {لتنذر} بتاء الخطاب. وقرأ اليماني {لينذر} مبنياً للمفعول ونقلها ابن خالويه عن الجحدري وقال: عن أبـي السمال واليماني أنهما قرءا (لينذر) بفتح الياء والذال مضارع نذر بالشيء بكسر الذال إذا علم به. {مَن كَانَ حَيّاً } أي عاقلاً كما أخرج ذلك ابن جرير والبيهقي في "شعب الإيمان" عن الضحاك، وفيه استعارة/ مصرحة بتشبيه العقل بالحياة أو مؤمناً بقرينة مقابلته بالكافرين، وفيه أيضاً استعارة مصرحة لتشبيه الإيمان بالحياة، ويجوز كونه مجازاً مرسلاً لأنه سبب للحياة الحقيقية الأبدية. والمضي في {كَانَ } باعتبار ما في علمه عز وجل لتحققه، وقيل كان بمعنى يكون، وقيل في الكلام مجاز المشارفة ونزلت منزلة المضي وهو كما ترى. وتخصيص الإنذار به لأنه المنتفع بذلك. {وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ } أي تجب كلمة العذاب {عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } الموسومين بهذا الوسم المصرين على الكفر. وفي إيرادهم بمقابلة من كان حياً إشعار بأنهم لخلوهم عن آثار الحياة وأحكامها كالمعرفة أموات في الحقيقة. وجوز أن يكون في الكلام استعارة مكنية قرينتها استعارة أخرى، وكأنه جىء بقوله سبحانه: {لّيُنذِرَ } الخ رجوعاً إلى ما بدىء به السورة من قوله عز وجل: {أية : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ }تفسير : [يس: 6] ولو نظرت إلى هذا التخلص من حديث المعاد إلى حديث القرآن والإنذار لقضيت العجب من حسن موقعه.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النمل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ} تفسير : [النمل: 80] الآية. وفي سورة فاطر في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ} تفسير : [فاطر: 22].
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكَافِرِينَ} (70) - لِيَنْتَفِعَ بِذِكْرِهِ وَإِنْذَارِهِ مَنْ كَانَ حَيَّ القَلْبِ، مُسْتَنيرَ البَصِيرَةِ، فَيَرْشُدَ بِهَديِهِ. أَمَّا الكَافِرُونَ الذينَ هُمْ فِي حُكْمِ الأَمْوَاتِ فَإِنَّ كَلِمَةَ العَذَابِ تَحِقُّ عَلَيْهِمْ لِقِيَامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، فَالقُرْآنُ رَحْمَةٌ لِلمُؤْمِنينَ، وَحُجَّةٌ عَلَى الكَافِرِينَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):