Verse. 3776 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

اَوَلَمْ يَرَوْا اَنَّا خَلَقْنَا لَہُمْ مِّمَّا عَمِلَتْ اَيْدِيْنَاۗ اَنْعَامًا فَہُمْ لَہَا مٰلِكُوْنَ ۝۷۱
Awalam yaraw anna khalaqna lahum mimma AAamilat aydeena anAAaman fahum laha malikoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أوَ لم يروْا» يعلموا والاستفهام للتقرير والواو الداخلة عليه للعطف «أنا خلقنا لهم» في جملة الناس «مما عملت أيدينا» عملناه بلا شريك ولا معين «أنعاما» هي الإبل والبقر والغنم «فهم لها مالكون» ضابطون.

71

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم إنه تعالى أعاد الوحدانية ودلائل دالة عليها فقال تعالى: {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعـٰماً } أي من جملة ما عملت أيدينا أي ما عملناه من غير معين ولا ظهير بل عملناه بقدرتنا وإرادتنا. وقوله تعالى: {فَهُمْ لَهَا مَـٰلِكُونَ } إشارة إلى إتمام الإنعام في خلق الأنعام، فإنه تعالى لو خلقها ولم يملكها الإنسان ما كان ينتفع بها. وقوله: {وَذَلَّلْنَـٰهَا لَهُمْ } زيادة إنعام فإن المملوك إذا كان آبياً متمرداً لا ينفع، فلو كان الإنسان يملك الأنعام وهي نادة صادة لما تم الإنعام الذي في الركوب وإن كان يحصل الأكل كما في الحيوانات الوحشية، بل ما كان يكمل ننعمة الأكل أيضاً إلا بالتعب الذي في الاصطياد، ولعل ذلك لا يتهيأ (إلا) للبعض وفي البعض. وقوله تعالى: {فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ } بيان لمنفعة التذليل إذ لولا التذليل لما وجدت إحدى المنفعتين وكانت الأخرى قليلة الوجود.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم} هذه رؤية القلب؛ أي أو لم ينظروا ويعتبروا ويتفكروا. {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ} أي مما أبدعناه وعملناه من غير واسطة ولا وكالة ولا شركة. و «ما» بمعنى الذي وحذفت الهاء لطول الاسم. وإن جعلت «ما» مصدرية لم تحتج إلى إضمار الهاء. {أَنْعاماً} جمع نعم والنعم مذكر. {فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ } ضابطون قاهرون. {وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ} أي سخرناها لهم حتى يقود الصبي الجمل العظيم ويضربه ويصرّفه كيف شاء لا يخرج من طاعته. {فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ} قراءة العامة بفتح الراء؛ أي مركوبهم، كما يقال: ناقة حَلوب أي محلوب. وقرأ الأعمش والحسن وٱبن السَّمَيْقَع: «فَمِنْهَا رُكُوبُهُمْ» بضم الراء على المصدر. وروي عن عائشة أنها قرأت: «فَمِنْهَا رَكُوبَتُهُمْ» وكذا في مصحفها. والرَّكوب والرَّكوبة واحد، مثل الحَلوب والحَلوبة، والحمَول والحمَولة. وحكى النحويون الكوفيون: أن العرب تقول: ٱمرأة صَبور وشَكور بغير هاء. ويقولون: شاة حَلوبة وناقة رَكوبة؛ لأنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما كان له الفعل وبين ما كان الفعل واقعاً عليه، فحذفوا الهاء مما كان فاعلاً وأثبتوها فيما كان مفعولاً؛ كما قال:شعر : فيها ٱثنتانِ وأربعون حَلُوبَةً سُودًا كخافيةِ الغرابِ الأَسْحَمِ تفسير : فيجب أن يكون على هذا رَكوبتهم. فأما البصريون فيقولون: حذفت الهاء على النسب. والحجة للقول الأول ما رواه الجرمي عن أبي عبيدة قال: الركوبة تكون للواحد والجماعة، والرَّكُوب لا يكون إلا للجماعة. فعلى هذا يكون لتذكير الجمع. وزعم أبو حاتم: أنه لا يجوز «فَمِنْهَا رُكُوبُهُمْ» بضم الراء لأنه مصدر؛ والرَّكُوب ما يركب. وأجاز الفرّاء «فَمِنْهَا رُكُوبُهُمْ» بضم الراء، كما تقول فمنها أكلهم ومنها شربهم. {وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} من لحومها {وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} من أصوافها وأوبارها وأشعارها وشحومها ولحومها وغير ذلك. {وَمَشَارِبُ} يعني ألبانها؛ ولم ينصرفا لأنهما من الجموع التي لا نظير لها في الواحد. {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} الله على نعمه.

ابن كثير

تفسير : يذكر تعالى ما أنعم به على خلقه من هذه الأنعام التي سخرها لهم {فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} قال قتادة: مطيقون، أي: جعلهم يقهرونها، وهي ذليلة لهم، لا تمتنع منهم، بل لو جاء صغير إلى بعير لأناخه، ولوشاء لأقامه وساقه، وذاك ذليل منقاد معه، وكذا لو كان القطار مائة بعير أو أكثر، لسار الجميع بسير الصغير. وقوله تعالى: {فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} أي: منها ما يركبون في الأسفار، ويحملون عليه الأثقال إلى سائر الجهات والأقطار، {وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} إذا شاؤوا ونحروا واجتزروا {وَلَهُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ} أي: من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين، {وَمَشَارِبُ} أي: من ألبانها، وأبوالها؛ لمن يتداوى، ونحو ذلك، {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} أي: أفلا يوحدون خالق ذلك ومسخره، ولا يشركون به غيره؟.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ } يعلموا. والاستفهام للتقرير، والواو الداخلة عليها للعطف {أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم } في جملة الناس {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينآ } أي عملناه بلا شريك ولا معين {أَنْعٰماً } هي الإِبل والبقر والغنم {فَهُمْ لَهَا مَٰلِكُونَ }؟ ضابطون.

الشوكاني

تفسير : ثم ذكر سبحانه قدرته العظيمة، وإنعامه على عبيده، وجحد الكفار لنعمه، فقال: {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعـٰماً } والهمزة للإنكار، والتعجيب من حالهم، والواو للعطف على مقدّر كما في نظائره، والرؤية هي القلبية أي: أو لم يعلموا بالتفكر، والاعتبار {أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم } أي: لأجلهم {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } أي: مما أبدعناه، وعملناه من غير واسطة، ولا شركة، وإسناد العمل إلى الأيدي مبالغة في الاختصاص، والتفرّد بالخلق كما يقول الواحد منا: عملته بيدي للدلالة على تفرّده بعمله، "وما" بمعنى: الذي، وحذف العائد لطول الصلة، ويجوز أن تكون مصدرية، والأنعام جمع نعم، وهي: البقر، والغنم، والإبل، وقد سبق تحقيق الكلام فيها. ثم ذكر سبحانه المنافع المترتبة على خلق الأنعام، فقال: {فَهُمْ لَهَا مَـٰلِكُونَ } أي: ضابطون قاهرون يتصرفون بها كيف شاءوا، ولو خلقناها وحشية لنفرت عنهم، ولم يقدروا على ضبطها، ويجوز أن يكون المراد: أنها صارت في أملاكهم، ومعدودة من جملة أموالهم المنسوبة إليهم نسبة الملك. {وَذَلَّلْنَـٰهَا لَهُمْ } أي: جعلناها لهم مسخرة لا تمتنع مما يريدون منها من منافعهم حتى الذبح، ويقودها الصبيّ، فتنقاد له، ويزجرها، فتنزجر، والفاء في قوله: {فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ } لتفريع أحكام التذليل عليه أي: فمنها مركوبهم الذي يركبونه كما يقال: ناقة حلوب أي: محلوبة. قرأ الجمهور {ركوبهم} بفتح الراء. وقرأ الأعمش، والحسن، وابن السميفع بضم الراء على المصدر. وقرأ أبيّ، وعائشة "ركوبتهم"، والركوب والركوبة واحد، مثل الحلوب والحلوبة، والحمول والحمولة. وقال أبو عبيدة: الركوبة تكون للواحدة والجماعة، والركوب لا يكون إلا للجماعة. وزعم أبو حاتم: أنه لا يجوز، فمنها ركوبهم بضم الراء؛ لأنه مصدر، والركوب ما يركب، وأجاز ذلك الفراء كما يقال: فمنها أكلهم، ومنها شربهم، ومعنى {وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ }: ما يأكلونه من لحمها، و"من" للتبعيض {وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} أي: لهم في الأنعام منافع غير الركوب لها، والأكل منها، وهي ما ينتفعون به من أصوافها، وأوبارها، وأشعارها، وما يتخذونه من الأدهان من شحومها، وكذلك الحمل عليها، والحراثة بها {وَمَشَـٰرِبُ } أي: ولهم فيها مشارب مما يحصل من ألبانها {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ } الله على هذه النعم، ويوحدونه، ويخصونه بالعبادة. ثم ذكر سبحانه جهلهم، واغترارهم، ووضعهم كفران النعم مكان شكرها، فقال: {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءالِهَةً } من الأصنام، ونحوها يعبدونها، ولا قدرة لها على شيء، ولم يحصل لهم منها فائدة، ولا عاد عليهم من عبادتها عائدة {لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ } أي: رجاء أن ينصروا من جهتهم إن نزل بهم عذاب، أو دهمهم أمر من الأمور، وجملة {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ } مستأنفة لبيان بطلان ما رجوه منها، وأملوه من نفعها، وجمعهم بالواو، والنون جمع العقلاء بناء على زعم المشركين أنهم ينفعون، ويضرون، ويعقلون {وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ } أي: والكفار جند للأصنام محضرون أي: يحضرونهم في الدنيا. قال الحسن: يمنعون منهم، ويدفعون عنهم، وقال قتادة: أي: يغضبون لهم في الدنيا. قال الزجاج: ينتصرون للأصنام، وهي لا تستطيع نصرهم. وقيل: المعنى يعبدون الآلهة، ويقومون بها، فهم لهم بمنزلة الجند، هذه الأقوال على جعل ضمير "هم" للمشركين، وضمير "لهم" للآلهة، وقيل: {وهم} أي: الآلهة لهم أي: للمشركين {جند محضرون} معهم في النار، فلا يدفع بعضهم عن بعض. وقيل: معناه وهذه الأصنام لهؤلاء الكفار جند الله عليهم في جهنم؛ لأنهم يلعنونهم، ويتبرءون منهم. وقيل: المعنى: إن الكفار يعتقدون أن الأصنام جند لهم يحضرون يوم القيامة لإعانتهم. ثم سلى سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: {فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ } هذا القول هو ما يفيده قوله: {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءالِهَةً } فإنهم لا بدّ أن يقولوا: هؤلاء آلهتنا، وإنها شركاء لله في المعبودية، ونحو ذلك. وهو نهي للرسول صلى الله عليه وسلم عن التأثر بذلك. وقيل: إنه نهي لهم عن الأسباب التي تحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن النهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن التأثر لما يصدر منهم هو من باب: «لا أرينك ها هنا» فإنه يراد به نهي من خاطبه عن الحضور لديه، لا نهي نفسه عن الرؤية، وهذا بعيد، والأوّل أولى، والكلام من باب التسلية كما ذكرنا، ويجوز أن يكون المراد بالقول المذكور هو: قولهم إنه ساحر، وشاعر، ومجنون. وجملة {إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } لتعليل ما تقدّم من النهي، فإن علمه سبحانه بما يظهرون، ويضمرون مستلزم المجازاة لهم بذلك. وأن جميع ما صدر منهم لا يعزب عنه سواء كان خافياً، أو بادياً سرًّا، أو جهراً مظهراً، أو مضمراً. وتقديم السرّ على الجهر للمبالغة في شمول علمه لجميع المعلومات. وجملة {أَوَ لَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ } مستأنفة مسوقة لبيان إقامة الحجة على من أنكر البعث، وللتعجيب من جهله، فإن مشاهدة خلقهم في أنفسهم على هذه الصفة من البداية إلى النهاية مستلزمة للاعتراف بقدرة القادر الحكيم على ما هو دون ذلك من بعث الأجسام، وردّها كما كانت، والإنسان المذكور في الآية المراد به: جنس الإنسان كما في قوله: {أية : أَوْ لاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً } تفسير : [مريم: 67]، ولا وجه لتخصيصه بإنسان معين كما قيل: إنه عبد الله بن أبيّ، وأنه قيل له ذلك لما أنكر البعث. وقال الحسن: هو: أمية بن خلف. وقال سعيد بن جبير: هو: العاص بن وائل السهمي. وقال قتادة، ومجاهد: هو: أبيّ بن خلف الجمحي، فإن أحد هؤلاء، وإن كان سبباً للنزول، فمعنى الآية: خطاب الإنسان من حيث هو، لا إنسان معين، ويدخل من كان سبباً للنزول تحت جنس الإنسان دخولاً أوّلياً، والنطفة هي: اليسير من الماء، وقد تقدّم تحقيق معناها {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } هذه الجملة معطوفة على الجملة المنفية قبلها داخلة معها في حيز الإنكار المفهوم من الاستفهام، و"إذا" هي: الفجائية أي: ألم يرَ الإنسان أنا خلقناه من أضعف الأشياء، ففجأ خصومتنا في أمر قد قامت فيه عليه حجج الله، وبراهينه، والخصيم: الشديد الخصومة الكثير الجدال، ومعنى المبين: المظهر لما يقوله الموضح له بقوّة عارضته، وطلاقة لسانه، وهكذا جملة: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِىَ خَلْقَهُ } معطوفة على الجملة المنفية داخلة في حيز الإنكار المفهوم من الاستفهام، فهي تكميل للتعجيب من حال الإنسان، وبيان جهله بالحقائق، وإهماله في نفسه فضلاً عن التفكر في سائر مخلوقات الله، ويجوز أن تكون جملة {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ } معطوفة على خلقنا، وهذه معطوفة عليها أي: أورد في شأننا قصة غريبة كالمثل: وهي إنكاره أحياناً للعظام، ونسي خلقه، أي: خلقنا إياه، وهذه الجملة معطوفة على ضرب، أو في محلّ نصب على الحال بتقدير قد. وجملة {قَالَ مَن يُحييِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ } استئناف جواباً عن سؤال مقدّر كأنه قيل: ما هذا المثل الذي ضربه؟ فقيل: قال: من يحيي العظام، وهي رميم، وهذا الاستفهام للإنكار؛ لأنه قاس قدرة الله على قدرة العبد، فأنكر أن الله يحيي العظام البالية حيث لم يكن ذلك في مقدور البشر، يقال: رمّ العظم يرمّ رماً إذا بلي، فهو رميم، ورمام، وإنما قال: {رميم}، ولم يقل: "رميمة" مع كونه خبراً للمؤنث؛ لأنه اسم لما بلي من العظام غير صفة كالرمة والرفات. وقيل: لكونه معدولاً عن فاعلة، وكل معدول عن وجهه يكون مصروفاً عن إعرابه كما في قوله: {أية : وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً } تفسير : [مريم: 28]؛ لأنه مصروف عن باغية، كذا قال البغوي، والقرطبي، وقال بالأوّل صاحب الكشاف. والأولى أن يقال: إنه فعيل بمعنى: فاعل، أو مفعول، وهو يستوي فيه المذكر، والمؤنث كما قيل في جريح، وصبور. ثم أجاب سبحانه عن الضارب لهذا المثل، فقال: {قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } أي: ابتدأها، وخلقها أوّل مرة من غير شيء، ومن قدر على النشأة الأولى قدر على النشأة الثانية {وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } لا يخفى عليه خافية، ولا يخرج عن علمه خارج كائناً ما كان. وقد استدلّ أبو حنيفة، وبعض أصحاب الشافعي بهذه الآية على أن العظام مما تحله الحياة. وقال الشافعي: لا تحله الحياة، وأن المراد بقوله: {مَن يُحىِ ٱلْعِظَـٰمَ } من يحيي أصحاب العظام على تقدير مضاف محذوف، وردّ بأن هذا التقدير خلاف الظاهر {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً } هذا رجوع منه سبحانه إلى تقرير ما تقدّم من دفع استبعادهم، فنبه سبحانه على وحدانيته، ودل على قدرته على إحياء الموات بما يشاهدونه من إخراج النار المحرقة من العود النديّ الرطب، وذلك أن الشجر المعروف بالمرخ، والشجر المعروف بالعفار إذا قطع منهما عودان، وضرب أحدهما على الآخر انقدحت منهما النار، وهما أخضران. وقيل: المرخ هو: الذكر، والعفار هو: الأنثى، ويسمى الأوّل الزند، والثاني الزندة، وقال: {الأخضر}، ولم يقل: "الخضراء" اعتباراً باللفظ. وقرىء "الخضر" اعتباراً بالمعنى، وقد تقرّر أنه يجوز تذكير اسم الجنس، وتأنيثه كما في قوله: {أية : نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ } تفسير : [القمر: 20] وقوله: {أية : نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } تفسير : [الحاقة: 7] فبنو تميم، ونجد يذكَّرونه، وأهل الحجاز يؤنثونه إلا نادراً، والموصول بدل من الموصول الأوّل {فَإِذَا أَنتُم مّنْه تُوقِدُونَ } أي: تقدحون منه النار، وتوقدونها من ذلك الشجر الأخضر. ثم ذكر سبحانه ما هو أعظم خلقاً من الإنسان، فقال: {أَوَ لَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } والهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدّر كنظائره، ومعنى الآية: أن من قدر على خلق السماوات، والأرض - وهما في غاية العظم، وكبر الأجزاء - يقدر على إعادة خلق البشر الذي هو صغير الشكل ضعيف القوّة، كما قال سبحانه: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ } تفسير : [غافر: 57] قرأ الجمهور {بقادر} بصيغة اسم الفاعل. وقرأ الجحدري، وابن أبي إسحاق، والأعرج، وسلام بن المنذر، وأبو يعقوب الحضرمي "يقدر" بصيغة الفعل المضارع. ثم أجاب سبحانه عما أفاده الاستفهام من الإنكار التقريريّ بقوله: {بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ } أي: بلى هو قادر على ذلك، وهو المبالغ في الخلق، والعلم على أكمل وجه، وأتمه. وقرأ الحسن، والجحدري، ومالك بن دينار "وهو الخالق". ثم ذكر سبحانه ما يدل على كمال قدرته، وتيسر المبدأ، والإعادة عليه، فقال: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } أي: إنما شأنه سبحانه إذا تعلقت إرادته بشيء من الأشياء أن يقول له: احدث، فيحدث من غير توقف على شيء آخر أصلاً، وقد تقدّم تفسير هذا في سورة النحل، وفي البقرة. قرأ الجمهور {فيكون} بالرفع على الاستئناف. وقرأ الكسائي بالنصب عطفاً على {يقول}. ثم نزّه سبحانه نفسه عن أن يوصف بغير القدرة، فقال: {فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَىْء }، والملكوت في كلام العرب لفظ مبالغة في الملك كالجبروت، والرحموت كأنه قال: فسبحان الذي بيده مالكية الأشياء الكلية. قال قتادة: ملكوت كلّ شيء: مفاتح كلّ شيء. قرأ الجمهور {ملكوت} وقرأ الأعمش، وطلحة بن مصرف، وإبراهيم التيمي "ملكة" بزنة شجرة، وقرىء "مملكة" بزنة مفعلة، وقرىء "ملك"، والملكوت أبلغ من الجميع. وقرأ الجمهور {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بالفوقية على الخطاب مبنياً للمفعول. وقرأ السلمي، وزر بن حبيش، وأصحاب ابن مسعود بالتحتية على الغيبة مبنياً للمفعول أيضاً. وقرأ زيد بن عليّ على البناء للفاعل أي: ترجعون إليه لا إلى غيره وذلك في الدار الآخرة بعد البعث. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في معجمه، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: جاء العاص بن وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حائل، ففته بيده، فقال: يا محمد أيحيـي الله هذا بعد ما أرم؟ قال: «حديث : نعم يبعث الله هذا، ثم يميتك، ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم»تفسير : . فنزلت الآيات من آخر يۤس {أَوَ لَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ } إلى آخر السورة. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه قال: جاء عبد الله بن أبيّ في يده عظم حائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر مثل ما تقدّم قال ابن كثير: وهذا منكر؛ لأن السورة مكية، وعبد الله بن أبيّ إنما كان بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: جاء أبيّ بن خلف الجمحي، وذكر نحو ما تقدّم. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً قال: نزلت في أبي جهل، وذكر نحو ما تقدّم.

الماوردي

تفسير : قوله عز جل: {أو لم يروا أَنا خلقنا لهم مما عَمِلتْ أيدينا أنعاماً} فيه وجهان: أحدهما يعني بقوتنا: قاله الحسن كقوله تعالى {أية : والسماء بنيناها بأيد}. تفسير : [الذاريات: 47] أي بقوة. الثاني: يعني من فعلنا وعملنا من غير أن نكله إلى غيرنا، قاله السدي. والأنعام: الإبل والبقر والغنم. {فهم لها مالكون} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ضابطون، قاله قتادة، ومنه قول الشاعر: شعر : أصبحت لا أحمل السِّلاح ولا أملِك رأس البعير إن نَفَرا تفسير : الثاني: مطبقون رواه معمر. الثالث: مقتنون وهو معنى قول ابن عيسى. قوله عز وجل: {وذللناها لهم} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وطيبناها لهم؛ قاله ابن عيسى. الثاني: سخرناها لهم، قاله ابن زيد. الثالث: ملكناها لهم. {فمنها ركوبُهم} والركوب بالضم مصدر ركب يركب ركوباً، والركوب بالفتح الدابة التي تصلح أن تركب. {ومنها يأكلون} يعني لحوم المأكول منها. {ولهم فيها منافع} قال قتادة: هي لبس أصوافها. {ومشارب} يعني شرب ألبانها {أفلا يشكرون} يعني رب هذه النعمة بتوحيده وطاعته.

ابن عطية

تفسير : هذه مخاطبة في أمر قريش وإعراضهم عن الشرع وعبادتهم الأصنام فنبههم تعالى على الألوهية، بما لا يحصى من الأدلة كثرة وبياناً، فنبه بهذه الآية على إنعامه عليهم ببهيمة الأنعام، وقوله تعالى {أيدينا} عبارة عن القدرة عبر عنها بيد وبيدين وبأيد، وذلك من حيث كان البشر إنما يقيمون القدرة والبطش باليد، فعبر لهم عن القدرة بالجهة التي قربت في أفهامهم، والله تعالى منزه عن الجارحة والتشبيه كله، وقوله {فهم لها مالكون} تنبيه على أن النعمة في أن هذه الأنعام ليست بعاتية ولا متبورة، بل تقتنى وتقرب منافعها، {وذللناها} معناه سخرناها ذليلة، والركوب المركوب، وهذا فعول بمعنى مفعول وليس إلا في ألفاظ محصورة كالركوب والحلوب والقروع، وقرأ الجمهور "رَكوبهم" بفتح الراء، وقرأ الحسن والأعمش "رُكوبهم" بضم الراء، وقرأ أبي بن كعب وعائشة "ركوبتهم"، و"المنافع" إشارة إلى الأصواف والأوبار وغير ذلك، و"المشارب" الألباب، ثم عنفهم في اتخاذ آلهة طلب الاستنصار بها والتعاضد، ثم أخبر أنهم {لا يستطيعون} نصراً ويحتمل أن يكون الضمير في {يستطيعون} للكفار في نصرهم الأصنام، ويحتمل الأمر عكس ذلك لأن الوجهين صحيحان في المعنى، كذلك قوله {وهم لهم جند محضرون} يحتمل أن يكون الضمير الأول للكفار والثاني للأصنام على معنى وهؤلاء الكفار، متجندون متحزبون لهذه الأصنام في الدنيا لكنهم لا يستطعيون التناصر مع ذلك، ويحتمل أن يكون الضمير الأول للأصنام والثاني للكفار أي يحضرون لهم في الآخرة عند الحساب على معنى التوبيخ والنقمة، وسماهم جنداً في هذا التأويل إذ هم عدة للنقمة منهم وتوبيخهم، وجرت ضمائر الأصنام في هذه الآية مجرى من يعقل إذ نزلت في عبادتها منزل ذي عقل فعملت في العبارة بذلك، ثم أنس تعالى نبيه، بقوله {فلا يحزنك قولهم} وتوعد الكفار بقوله {إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون}.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ} من فعلنا من غير أن نكله إلى غيرنا، أو بقوتنا {أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ}تفسير : [الذاريات: 47] {مَالِكُونَ} [ضابطون]، أو مقتنون، أو مطيقون.

النسفي

تفسير : {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعـٰماً } أي مما تولينا نحن إحداثه ولم يقدر على توليه غيرنا {فَهُمْ لَهَا مَـٰلِكُونَ } أي خلقناها لأجلهم فملكناها إياهم فهم متصرفون فيها تصرف الملاك مختصون بالانتفاع بها أو فهم لها ضابطون قاهرون {وَذَلَّلْنَـٰهَا لَهُمْ } وصيرناها منقادة لهم وإلا فمن كان يقدر عليها لولا تذليله تعالى وتسخيره لها، ولهذا ألزم الله سبحانه الراكب أن يشكر هذه النعمة ويسبح بقوله {أية : سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ }تفسير : [الزخرف: 13] {فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ } وهو ما يركب {وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ } أي سخرناها لهم ليركبوا ظهرها ويأكلوا لحمها {وَلَهُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ } من الجلود والأوبار وغير ذلك {وَمَشَـٰرِبُ } من اللبن وهو جمع مشرب وهو موضع الشرب أو الشراب {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ } الله على إنعام الأنعام {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ } أي لعل أصنامهم تنصرهم إذا حزبهم أمر {لاَ يَسْتَطِيعُونَ } أي آلهتهم {نَصَرَهُمْ} نصر عابديهم {وَهُمْ لَهُمْ } أي الكفار للأصنام {جُندٌ } أعوان وشيعة {مُحْضَرُونَ } يخدمونهم ويذبون عنهم، أو اتخذوهم لينصروهم عند الله ويشفعوا لهم والأمر على خلاف ما توهموا حيث هم يوم القيامة جند معدون لهم محضرون لعذابهم لأنهم يجعلون وقود النار {فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ } وبضم الياء وكسر الزاي: نافع من حزنه وأحزنه يعني فلا يهمك تكذيبهم وأذاهم وجفاؤهم. {إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ } من عداوتهم {وَمَا يُعْلِنُونَ } وإنا مجازوهم عليه فحق مثلك أن يتسلى بهذا الوعيد ويستحضر في نفسه صورة حاله وحالهم في الآخرة حتى ينقشع عنه الهم ولا يرهقه الحزن. ومن زعم أن من قرأ {إِنا نعلم} بالفتح فسدت صلاته وإن اعتقد معناه كفر فقد أخطأ، لأنه يمكن حمله على حذف لام التعليل وهو كثير في القرآن والشعر وفي كل كلام، وعليه تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أن الحمد والنعمة لك»تفسير : كسر أبو حنيفة وفتح الشافعي رحمة الله عليهما، وكلاهما تعليل. فإن قلت: إن كان المفتوح بدلاً من {قَوْلُهُمْ } كأنه قيل: فلا يحزنك أنا نعلم ما يسرون وما يعلنون ففساده ظاهر. قلت: هذا المعنى قائم مع المكسورة إذا جعلتها مفعولة للقول، فقد تبين أن تعلق الحزن بكون الله عالماً وعدم تعلقه لا يدوران على كسر «إن» وفتحها، وإنما يدوران على تقديرك فتفصل إن فتحت بـ «أن» تقدر معنى التعليل ولا تقدر معنى البدل كما أنك تفصل بتقدير معنى التعليل إذا كسرت ولا تقدر معنى المفعولية. ثم إن قدرته كاسراً أو فاتحاً على ما عظم فيه الخطب ذلك القائل فما فيه إلا نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحزن على علمه تعالى بسرهم وعلانيتهم، والنهي عن حزنه ليس إثباتاً لحزنه بذلك كما في قوله: {أية : فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لّلْكَـٰفِرِينَ }تفسير : [القصص: 86] {أية : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ } تفسير : [الأنعام: 14] {أية : وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءَاخَرَ} تفسير : [القصص: 88]. ونزل في أبي بن خلف حين أخذ عظماً بالياً وجعل يفته بيده ويقول: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعدما رم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : «نعم ويبعثك ويدخلك جهنم» تفسير : {أَوَ لَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ } مذرة خارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } بين الخصومة أي فهو على مهانة أصله ودناءة أوله يتصدى لمخاصمة ربه وينكر قدرته على إحياء الميت بعد ما رمت عظامه، ثم يكون خصامه في ألزم وصف له وألصقه به وهو كونه منشأ من موات وهو ينكر إنشاءه من موات وهو غاية المكابرة {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً } بفته العظم {وَنَسِىَ خَلْقَهُ } من المني فهو أغرب من إحياء العظم، المصدر مضاف إلى المفعول أي خلقنا إياه {قَالَ مَن يُحىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ } هو اسم لما بلي من العظام غير صفة كالرمة والرفات ولهذا لم يؤنث، وقد وقع خبراً لمؤنث ومن يثبت الحياة في العظام ويقول إن عظام الميتة نجسة لأن الموت يؤثر فيها من قبل أن الحياة تحلها يتشبث بهذه الآية وهي عندنا طاهرة، وكذا الشعر والعصب لأن الحياة لا تحلها فلا يؤثر فيها الموت. والمراد بإحياء العظام في الآية ردها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حي حساس {قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَا } خلقها {أَوَّلَ مَرَّةٍ } أي ابتداء {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ } مخلوق {عَلِيمٌ } لا تخفى عليه أجزاؤه وإن تفرقت في البر والبحر فيجمعه ويعيده كما كان {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ } تقدحون. ثم ذكر من بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر مع مضادة النار الماء وانطفائها به وهي الزناد التي تورى بها الأعراب وأكثرها من المرخ والعفار، وفي أمثالهم «في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار» لأن المرخ شجر سريع الوري، والعفار شجر تقدح منه النار، يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ ـ وهو ذكر ـ على العفار ـ وهي أنثى ـ فتنقدح النار بإذن الله. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ليس من شجرة إلا وفيها النار إلا العناب لمصلحة الدق للثياب، فمن قدر على جمع الماء والنار في الشجر قدر على المعاقبة بين الموت والحياة في البشر، وإجراء أحد الضدين على الآخر بالعقيب أسهل في العقل من الجمع معاً بلا ترتيب. والأخضر على اللفظ وقريء الخضراء على المعنى. ثم بين أن من قدر على خلق السماوات والأرض مع عظم شأنهما فهو على خلق الأناسيّ أقدر بقوله {أَوَ لَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } في الصغر بالإضافة إلى السماوات والأرض أو أن يعيدهم لأن المعاد مثل للمبتدأ وليس به {بَلَىٰ } أي قل بلى هو قادر على ذلك {وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ } الكثير المخلوقات {ٱلْعَلِيمُ } الكثير المعلومات {إِنَّمَا أَمْرُهُ } شأنه {إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن } أن يكونه {فَيَكُونُ } فيحدث أي فهو كائن موجود لا محالة. فالحاصل أن المكونات بتخليقه وتكوينه ولكن عبر عن إيجاده بقوله {كُن } من غير أن كان منه كاف ونون وإنما هو بيان لسرعة الإيجاد كأنه يقول: كما لا يثقل قول «كن» عليكم فكذا لا يثقل على الله ابتداء الخلق وإعادتهم، {فيكون} شامي وعلي عطف على {يقول}، وأما الرفع فلأنها جملة من مبتدأ وخبر لأن تقديرها «فهو يكون» معطوفة على مثلها وهي «أمره أن يقول له كن» {فَسُبْحَـٰنَ } تنزيه مما وصفه به المشركون وتعجيب من أن يقولوا فيه ما قالوا {ٱلَّذِى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ} أي ملك كل شيء. وزيادة الواو والتاء للمبالغة يعني هو مالك كل شيء {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تعادون بعد الموت بلا فوت، {تَرجعون}: يعقوب. قال عليه الصلاة والسلام «حديث : إن لكل شيء قلباً وإن قلب القرآن يس»، «حديث : من قرأ يس يريد بها وجه الله غفر الله له وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتين وعشرين مرة»تفسير : وقال عليه السلام «حديث : من قرأ يس أمام حاجته قضيت له»تفسير : وقال عليه السلام «حديث : من قرأها إن كان جائعاً أشبعه الله، وإن كان ظمآن أرواه الله، وإن كان عرياناً ألبسه الله، وإن كان خائفاً أمنه الله، وإن كان مستوحشاً آنسه الله، وإن كان فقيراً أغناه الله، وإن كان في السجن أخرجه الله، وإن كان أسيراً خلصه الله، وإن كان ضالاً هداه الله، وإن كان مديوناً قضى الله دينه من خزائنه»تفسير : وتدعى الدافعة والقاضية تدفع عنه كل سوء وتقضي له كل حاجة والله أعلم.

ابن عادل

تفسير : ثم إنه تعالى أعاد الوحدانية والدلائل عليها فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ} أي من جملة ما عملت أيدينا أي ما عملناهُ من غير معين ولا ظهير بل عملناه بقدرتنا وإرادتنا {أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} ضابطون قاهرون أي لم يخلق الأنعام وحشيةً نافرةً من بني آدم لا يقدرون على ضبطها بل هي مسخرة لهم كقوله: "وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ"، "سَخَّرْنَاهَا لهم". "فمِنْهَا رَكُوبُهُمْ" أي ما يركبون وهي الإبل "وَمِنْهَا يَأكُلُونَ" من لحمانِها. قوله: "رَكُوبُهُمْ" أي مركوبهم كالحَلُوب والحَصُور بمعنى المفعول وهو لا ينقاس. وقرأ أبيّ وعائشةٌ "رَكُوبَتُهمْ" بالتاء وقد عد بعضهم دخول التاء على هذه الزِّنة شاذاً وجعلها الزمخشري في قول بعضهم جمعاً يعني اسم جمع وإلا فلمْ يرد في أبنية التكسير هذه الزنة. وقد عد ابن مالك أيضاً أبنية أسماء الجموع فلم يذكر فيها فَعُولَةً، وقرأ الحسنُ وأبو البَرَهسم والأعمش رُكُوبهم بضم الراء، ولا بدّ من حذف مضاف إما من الأول أي فمن منافعها ركوبهم وإما من الثاني أي ذو ركوبهم. قال ابن خالويه العرب تقول: نَاقَةٌ حَلُوبٌ رَكُوبٌ وَركُوبةٌ حَلُوبَةٌ ورَكْبَاةٌ حَلْبَاةٌ وَرَكَبُوتٌ حَلَبُوتٌ وَرَكَبَى حَلَبَى وَرَكَبُوتَا (حَلَبُوتَا) وَركبَانَةٌ حَلْبَانَةٌ وأنشد: شعر : 4188- رَكْبَانَةٌ حَلْبَانَةٌ زَفُوفْ تَخْلِطُ بَيْنَ وَبَرٍ وَصُوفْ تفسير : فصل لما بين الركوب والأكل ذكر غير ذلك فقال: {وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ} فالمراد بالمنافع أصوافها وأوبارها وأشعراها ونسلها وبالمشارب ألبانها، والمَشَارِب جمع مَشْرب بالفتح مصدراً ومكاناً. ثم قال: "أَفَلاَ يَشْكُرُونَ" ربَّ هذه النعم "وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً" إشارة إلى بيان زياة ضلالهم لأنه كان الواجب عليهم عبادة الله شكراً لأنْعُمِهِ فتركوها، وأقبلوا على عبادة من لا يضر ولا ينفع "لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ" أي ليمنعهم من عذاب الله ولا يكون ذلك، والضمير في قوله: "لاَ يَسْتَطِيعُونَ" إما للآلهة وإما لعابديها وكذلك الضمائر بعده. قال ابن عباس: لا تَقْدر الأصنام على نصرهم ومَنْعِهم من العذاب {وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ} أي الكفار جند للأصنام فيغضبون لها ويحضرونها في الدنيا وهي لا تسوق لهم خيراً ولا تستطيع لهم نصراً، وقيل: هذا في الآخرة يؤتى بكل معبود من دون الله ومعه أبتاعه الذين عبدوه كأنه جند(ه) يحضرون في النار. وهذا إشارة إلى الحَشْر بعد تقرير التوحيد. وهذا كقوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء:98] وقوله: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات:22-23]. قوله: "فَلاَ يَحْزُنكَ" قد تقدم قراءة "يَحْزُن" و"يُحْزِن". "قَوْلُهُمْ" يعني قول الكفار في تكذيبك وهذا إشارة إلى الرسالة لأن الخطاب معه بما يوجب تسلية قلبه {إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} ما يسرون في ضمائرهم وما يعلنون من عبادة الأصنام أو ما يعلنون بألسنتهم من الأذى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏ {‏مما عملت أيدينا‏} ‏ قال‏:‏ من صنعتنا‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فهم لها مالكون‏}‏ قال‏:‏ ضابطون ‏ {‏وذللناها لهم فمنها ركوبهم‏} ‏ يركبونها ويسافرون عليها ‏ {‏ومنها يأكلون‏}‏ لحومها ‏{‏ولهم فيها منافع‏} ‏ قال‏:‏ يلبسون أصوافها ‏{‏ومشارب‏}‏ يشربون ألبانها ‏{‏أفلا يشكرون‏}‏ .‏ وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن عروة رضي الله عنه قال في مصحف عائشة رضي الله عنها ‏"‏فمنها ركبوتهم"‏.‏ وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هارون رضي الله عنه قال في حرف أُبيّ بن كعب رضي الله عنه ‏"‏فمنها ركبوتهم"‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن هارون رضي الله عنه قال‏:‏ قراءة الحسن والأعرج وأبي عمرو والعامة ‏{‏فمنها ركوبهم‏} ‏ يعني ركوبتهم حمولتهم‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏واتخذوا من دون الله آلهة‏}‏ قال‏:‏ هي الأصنام‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ‏ {‏لعلهم ينصرون‏} ‏ قال‏:‏ يمنعون‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏{‏لا يستطيعون نصرهم‏} ‏ قال‏:‏ لا تستطيع الآلهة نصرهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏لا يستطيعون نصرهم‏} ‏ قال‏:‏ نصر الآلهة، ولا تستطيع الآلهة نصرهم ‏ {‏وهم لهم جند محضرون‏} ‏ قال‏:‏ المشركون يغضبون للآلهة في الدنيا، وهي لا تسوق إليهم خيراً، ولا تدفع عنهم سوءاً، إنما هي أصنام‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وهم لهم جند محضرون‏} ‏ قال‏:‏ هم لهم جند في الدنيا وهم ‏ {‏محضرون‏} ‏ في النار‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ‏ {‏وهم لهم جند محضرون‏}‏ لآلهتهم التي يعبدون، يدفعون عنهم، ويمنعونهم‏.‏

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ}. ذَكَرَ عظيمَ مِنَّتِه عليهم، وجميلَ نعمته لديهم بما سخر لهم من الأنعام التي ينتفعون بها بوجوه الانتفاع. ولفظ {أَيْدِينَآ} تَوَسُّع؛ أي مما عملنا وخلقنا، وذلك أنهم ينتفعون بركوبها وبأكل لحومها وشحومها، وبشرْبِ ألبانها، وبالحَمْلِ عليها، وقَطْعِ المسافاتِ بها، ثم بأصوافها وأوبارها وشَعْرِها ثم بِعَظْمِ بعضها.. فطَالَبَهم بالشكر عليها، ووصَفَهم بالتقصير في شُكْرِهم. ثم أظْهَرَ - ما إذا كان في صفة المخلوقين لكان شكاية - أنهم مع كل هذه الوجوه من الإحسان: - {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ}. اكتفوا بأمثالهم معبوداتٍ لهم، ثم سَلَّى نبيَّه - صلى الله عليه وسلم بأنْ قال له:- {فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}. وإذا عَلِمَ العبدُ أنّه بمرأى من الحقّ هَانَ عليه ما يقاسيه، ولا سيما إذا كان في الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {أولم يروا} الهمزة للانكار والتعجيب والواو للعطف على مقدر والضمير للمشركين من اهل مكة اى ألم يتفكروا ولم يعلموا علما يقينيا هو فى حكم المعاينة اى قدرأوا وعملوا {انا} بمقتضى جودنا {خلقنا لهم} اى لاجلهم وانتفاعهم {مما عملت ايدينا} العمل كل فعل من الحيوان يقصد فهو اخص من الفعل اى مما تولينا احداثه بالذات لم يشاركنا فيه غيرنا بمعاونة وتسبب وذكر الايدى واسناد العمل اليها استعارة تمثيلية من عمل يعمل بالايدى لانه تعالى منزه عن الجوارح. قال الكاشفى [ميان مردمان مثاليست هركارى كه تنها كند كويند من اين مهم بدست خود ساخته ام يعنى ديكر مرا درساختن يارى نداده] وانما تخاطب العرب بما يستعملون فى مخاطباتهم [اينجا نيز ميفر مايدكه ماآفريديم براى ايشان بخود بى مشاركت غيرى]. قال الراغب الايدى جمع يد بمعنى الجارحة خص لفظ اليد لقصورنا اذ هى اجل الجوارح التى يتولى بها الفعل فيما بيننا. وقال العتبى الايدى هنا القوة و القدرة وقوله عملت ايدينا حكاية عن الفعل وان لم يباشر الفعل باليد هذا كقوله جرى بناء هذه القنطرة وهذا القصر على يدى فلان. وفى الخبر على اليد ما اخذت حتى تؤديه فالامانة مؤداة وان لم تباشر باليد فيقول مالى فى يد فلان او اليتيم تحت يد القيم فاليد يكنى بها عن الملكة والضبط. وقال فى الاسئلة المقحمة الايدى هنا صلة وهو كقوله {أية : فبما كسبت ايديهم} تفسير : ومذهب العرب الكناية باليد والوجه عن الجملة انتهى. وهذه المعانى متقاربة فى الحقيقة {انعاما} مفعول خلقنا اخر جمعا بينه وبين احكامه المتفرعة عليه بقوله تعالى {فهم} الخ جمع نعم وهو المال الراعية وهى الابل والبقر والغنم والمعز مما فى سيره نعومة اى لين ولا يدخل فيها الخيل والبغال والحمير لشدة وطئها الارض وخص بالذكر من بين سائر ما خلق الله من المعادن والنبات والحيوان غير الانعام لما فيها من بدائع الفطرة كما فى الابل وكثرة المنافع كما فى البقر والغنم اى الضأن والمعز {فهم لها مالكون}. قال ابن الشيخ الفاء للسببية ومالكون من ملك السيد والتصرف اى فهم لسبب ذلك مالكون لتلك الانعام بتمليكنا اياها وهم متصرفون فيها بالاستقلال يختصون بالانتفاع بها لا يزاحمهم فى ذلك غيرهم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {أَوَ لَم يَرَوا} أي: أعموا ولم يعلموا {أَنا خلقْنا لهم مما عَمِلَت أيدينا} أي: أظهرته قدرتنا، ولم يقدر على إحداثه غيرُنا. وذِكْر الأيدي، وإسناد العمل إليها، استعارة، تُفيد مبالغة في الاختصاص والتفرُّد بالإيجاد، {أنعاماً} خصَّها بالذكر؛ لِمَا فيها من بدائع الحكمة والمنافع الجمة. {فهم لها مالكون} أي: خلقناها لأجلهم، فملكناها إياهم، فهم يتصرفون فيها تصرُّف المالك، مختصُّون بالانتفاع بها. أو: فهم لها حافظون قاهرون. {وذَلَّلناها لهم} وصيَّرناها منقادة لهم. وإلا فمَن كان يقدر عليها لولا تذليلُه وتسخيره لها. وبهذا أمر الراكب أن يشكر هذه النعمة، ويسبح بقوله: {أية : سُبْحَانَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} تفسير : [الزخرف: 13] {فمنها رَكوبهم} أي: مركوبهم، وهو ما يُركب منها، وقرىء بضم الراء، أي: ذو ركوبهم. أو: فمن منافعها ركوبهم. {ومنها يأكلون} ما يأكلون لحمه، أي: سخرناها لهم ليركبوا ظهرها ويأكلوا لحمها. {ولهم فيها منافعُ} من الجلود، والأوبار، والأصواف، وغير ذلك، {ومشَارِبُ} من اللبن، على تلوُّنه من المضروب وغيره، وهو جمع: مشرب، بمعنى: موضع الشرب. أو: المصدر، أي: الشرب. {أفلا يشكرون} نِعَم الله في ذلك؟ إذ لولا إيجاده لها ما أمكن الانتفاع بها. الإشارة: قوم نظروا إلى ما منَّ الله إليهم من المبرة والإكرام، فانقادوا إليه بملاطفة الإحسان، فعرفوا المنعِّم، وشكروا الواحد المنّان، فسخّر لهم الكون وما فيه، وقوم لم ينجع فيهم سوابغ النعم، فسلّط عليهم المصائب والنقم، فانقادوا إليه قهراً بسلاسل الامتحان، "عَجِبَ ربك من قوم يُساقون إلى الجنة بالسلاسل"، وكل هؤلاء سبقت لهم من الله العناية. وقوم لم ينجح فيهم نِعَمٌ ولا نِقَم، قد سبق لهم الخذلان، فأصرُّوا على العصيان، ولم يشكروا الله على ما أسدى من سوابغ الإحسان. وإلى لهؤلاء توجّه الخطاب بقوله: {وَٱتَّخَذُواْ مِن...}

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى منبهاً لخلقه على الاستدلال على معرفته {أولم يروا} ومعناه او لم يعلموا {أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا انعاماً} ومعناه إنا عملناه من غير أن نكله إلى غيرنا، فهو بمنزلة ما يعمله العباد بأيديهم في انهم تولوا فعله ولم يكلوه إلى غيرهم، وتقديره انا تولينا خلق الانعام لهم بأنفسنا. والأنعام جمع النعم، وهي الأبل والبقر والغنم {فهم لها مالكون} معناه. لو لم يخلق ذلك لما صح ملكهم لها، وكذلك سائر أملاك العباد بهذه الصفة فهو المنعم على عباده بكل ما ملكوه، وبحسب ما ينتفعون به يكون حاله حال المنعم. واليد في اللغة على أربعة أقسام: احدهما - الجارحة. والثاني - النعمة. والثالث - القوة. والرابع - بمعنى تحقيق الاضافة. تقول: له عندي يد بيضاء أي نعمة، وتلقى قولي باليدين أي بالقوة والتقبل، وقول الشاعر: شعر : دعوت لما نابني مسوراً فلبى فلبى يدي مسور تفسير : فهذا بمعنى تحقيق الاضافة. وتقول هذا ما جنت يدك، وما كسبت يدك أي ما كسبت أنت. وقوله {وذللناها لهم} فتذليل الانعام تسخيرها بالانقياد ورفع النفور لان الوحشي من الحيوان نفور، والانسي مذلل بما جعله الله فيه من الانس والسكون، ورفع عنه من الاستيحاش والنفور. وقوله {فمنها ركوبهم ومنها يأكلون} قسمة الانعام، فان الله تعالى جعل منها ما يركب ومنها ما يذبح وينتفع بلحمه ويؤكل، فالركوب - بفتح الراء - صفة. يقال: دابة ركوب أي تصلح للركوب، والركوب - بضم الراء - مصدر ركبت. وقرأت عائشة {فمنها ركوبتهم} مثل الحلوبة. وقوله {ولهم فيها منافع ومشارب} فمن منافعها لبس اصوافها وشرب ألبانها واكل لحومها وركوب ظهورها إلى غير ذلك من انواع المنافع الكثيرة فيها. ثم قال {أفلا تشكرون} الله على هذه النعم المختلفة المتقنة. ثم اخبر عن حال الكفار فقال {واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون} يعبدونها لكي ينصروهم. ثم قال تعالى {فلا يستطيعون نصرهم} يعني هذه الآلهة التي اتخذوها وعبدوها لا تقدر على نصرهم والدفع عنهم ما ينزل بهم من عذاب الله {وهم لهم جند محضرون} ومعناه إن هذه الآلهة معهم في النار محضرون، لأن كل حزب مع ما عبد من الأوثان في النار، كما قال {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} إلا من استثناه بقوله {أية : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون} تفسير : فاما الاصنام فان الله تعالى يجعلها مع من عبدها في النار، فلا الجند يدفعون عنها الاحراق بالنار ولا هم يدفع عنهم العذاب. وقال قتادة: يعني وهم لهم جند محضرون أي وهم يغضبون للاوثان في الدنيا.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : ثم أعاد الكلام إلى ذِكر شواهد التوحيد وآيات الربوبية، فقال: أولم يروا أنا خلقنا لهم - أي: لأجل وجودهم، أو لأجل انتفاعهم - مما عملت أيدينا - أي: مما تولينا خلقه بإبداعنا وانشائنا من غير مشاركة أحد ولا إعانة معين فيه، لبدائع الفطرة وشواهد الحكمة فيها التي لا يصح أن يقدر عليها إلاّ هو. و"اليد" في اللغة يطلق على معان: منها: الجارحة المخصوصة، ومنها: النعمة - يقال: لفلان يد بيضاء، ومنها: القوة - يقال: فلان تلقي قولي باليدين، أي بالقوة والتقبل، ومنها: تحقيق الإضافة، كما في قول الشاعر: شعر : دعوت لما نابني مِسْورَا فلبّى فلبّى يَدَي مِسْوَر تفسير : وإنما ثنّاه لتحقيق المبالغة في الإضافة إلى مسور، ويقولون: "هذا ما جنت يداك" وهو المعني في الآية، وإذا قال رجل: "عملتُ هذا بيدي" دلّ ذلك على انفراده بعمله من غير أن يكِلَه إلى غيره، وهو المعني في الآية. وفي الكشّاف: "عمل الأيدي استعارة من عمل ما يعملون بالأيدي". قلت: فعلى هذا كان قوله: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ} موضع "مما عملنا بالأيدي". و "الأنعام" هي الإبل والبقر والغنم - فهم لها مالكون - ولو لم نخلقها لما ملكوها ولما انتفعوا بها وبألبانها وركوب ظهورها ولحومها، أي: خلقناها لأجلهم فملّكناها إياهم، فهم متصرفون فيها تصرف الملاّك في أملاكهم، وقيل: فهم لها ضابطون قاهرون لم نخلقها وحشيّة نافرة منهم لا يقدرون على ضبطها، بل مسخرة مذلّلة، من قول الشاعر: شعر : أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير أن نفرا تفسير : أي لا أضبطه. تبيان كلامي وبرهان حكمي قد تقرر عند كبراء الحكماء وأولياء المعرفة والإيقان، وأهل النسك والإيمان، أن وجود الإنسان هو غاية إيجاد المكونات العنصرية من الجماد والنبات والحيوان، لأن الغاية في كل موجود حادثٍ هو الوصول إلى كمال ثانٍ له، والبلوغ إلى ما هو أشرف، فالكمال الثاني للجسم العنصري، هو الصورة التركيبية التي للجماد، الحافظة له عن التبدد والانحلال والفساد، وكمال مرتبة المعادن هي النفس النباتية المفيدة زيادة في الأقطار وتوليد الأمثال، وكمال النبات هي النفس الحيوانية المفيدة للحس والحركة بالإختيار، وكمال الحيوان هو البلوغ إلى درجة الإنسان، فالإنسان كمال العالم العنصري وثمرته وغايته، ولا يلزم مما ذكرناه أن يكون كل جماد ونبات وحيوان ممكن الوصول إلى ما هو فوقه إمكاناً وقوعياً استعدادياً، بخصوص تعيّنه الخاص الشخصي أو النوعي، بل اللازم منه ذلك بحسب مطلق طبيعته الواقعة في وسط من أوساط حدود التوجهات إلى غاية الوجود ومطلق وجوده، الواقع في مرتبة من مراتب القرب والبعد من خلاّق الخير والجود، إذا لم يكن له حجاب من تعيّنه ووجوده، بل لا بدّ من توجهه إلى مرتبة تكون فوقه، وانتقاله إلى درجة أخرى وتطور بطور آخر، من انزعاج في وجوده وقبول تأثير ولين وانكسار سَوْرَة وقلة تمنّع وشدة افتقار. أَوَلاَ ترى أن العناصر ما لم تنكسر قوتها وسَوْرَةُ كيفيتها حتى كادت أن تفنى وتنفسد وتتعرى عن كسوة الصورة، لم يترحم الباري عليها بإفاضة وجود مستأنف وإعطاء كسوة جديدة، وكذا الحبوب والبذور المدفونة في الأرض، ما لم تتعذب بصحبة المخالط الضدّ حتى كادت تنفسد، لم تحصل فيها قوة النماء ولم تتخط من طور الجماديّة إلى نشأة النبات. وكذا ليس كل جسد نباتي قابلاً لصورة الحيوان التام، بل ما مكث في جهنم المعدة مدة الانهضام، ثم سلك المسالك الضيقة في العروق والمسام، وسعى في خدمة الله وعمارة كعبة القلب الصوري الصنوبري وبيت الله الحرام، حتى يصير سعيه مشكوراً وذنبه مغفوراً، وأعطاه الله صورة الحس والحركة وأحياه بالحياة الحسيّة. وكذا ليس كل حيوان يقبل النفس الناطقة التي من شأنها إدراك المعرفة واليقين، والوصول إلى عالم الآخرة يوم الدين، بل الذي مضت عليه أيام وشهور محبوساً في جهنم المعدة، مسجوناً بسجن الرحم ومضيق المشيمة، معذباً بيد مالك الطبيعة، مقيّداً بقيود سدنة القوى الأربعة الهاضمة، وزبانية القوى التسعة عشر الحيوانيّة، شارباً شراب الحميم، متغذياً بدم الحيض الحار الأسود، متلطّخاً بالأفراث والأرواث، مَصْليّاً بنار الحرارة الغريزية - وهكذا -، إلى أن يأذن الله له في الدخول إلى عالم النعيم الإنساني، وجنّة المشتهيات النفسانيّة، وكرّمه بكرامة الصورة الآدميّة، المحمولة في برّ الجسمانيّات وبحر الروحانيات، المرزوقة من طيبات الكلمات الحكميّة والعقلية، المفضلة على كثير من المخلوقات، كقوله: {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}تفسير : [الإسراء:70]. وهكذا الإنسان، لا يستعد لنفخ الروح الإلهي القابل للخلافة الإلهية، ومسجوديّة الملائكة العلويّة والسفلية، ما لم يرتض بالرياضات النفسانيّة، ولم يتهذب بالتهذيبات العقلية، ولم يمتحن بالمحن الشديدة، والتكاليف الشرعيّة والآداب النبوية - من الصيام والقيام وغيرها، وتكثير الأوراد والدعوات، ومواصلة الأذكار والتسبيحات طول الليل والنهار - وهكذا حتى مضت عليه مدة مديدة من الشهور والسنين، وبلغ أوان بلوغه الحقيقي الباطني إلى قرب أربعين، وهكذا يتطور من طور إلى طور حتى بلغ إلى ما لم يمكن وصفه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خَطَرَ على قلب بشر. والمقصود أن خلقه المكّونات من البسائط والمركبات - كما دلّت عليه هذه الآية وكثير من الآيات - لأجل ماهيّة الإنسان ووجوده الفائق على سائر المخلوقات، على الوجه الذي مرّ بيانه، وقد أشرنا إلى أن المتحرك إلى غاية، ما دام كونه متحركاً إليها، يجب أن يكون أمراً بالقوة، شبيهاً بالعدم، تحقيقاً لمعنى الحركة، وتحت هذا أسرار لطيفة يختص فهمه لمن وفّق له. اشارة قرآنية اعلم أن قوله: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ}، معناه - كما ذكره صاحب الكشّاف - عملنا بالأيدي، وذلك لما حقق أن المؤثر الحقيقي في خلق الموجودات هو الباري سبحانه، والوسائط مسخّرة لقدرته. سواء كانت ملائكة علويّة أو سفلية، أو كانت أجراماً سماوية أو أرضية، إذ ليس لشيء منها رتبة الإنشاء والإيجاد، اللهم ألا أن يراد بالعمل معنى التحريك والإعداد بإذن الله المعطي الجواد. وروح اليد ومعناه الأصلي ليس منحصراً في الجارحة المخصوصة التي اعتاد أهل اللغة فهمها عند اطلاق لفظ "اليد"، بل الواسطة الطبيعيّة بين القدرة على القبض والبسط ومتعلقها، سواء كانت أموراً جسمانيّة من عظم ولحم ورباط وعصب، أولم يكن، فكما أن ذات الله وصفاته لا تشبه ذوات الخلق وصفاتهم، فكذلك كل ما نسب إليه من اليد، واليمين، والقلم، واللوح، والكتابة، والرق المنشور، والبيت المعمور، والعرش، والكرسي، أما سمعت أن متاع البيت يشبه رب البيت. فكما أن ذاته لا يشبه الذوات، فـ "يد الله" لا تشبه الأيدي، ولا قلمه يشبه الأقلام، ولا خطّه سائر الخطوط، فليس الله في ذاته يمكن أن يكون بجسم ولا في مكان - بخلاف غيره -، ولا تكون يده من لحم وعظم ودم - بخلاف سائر الأيدي - وكذا لا يكون قلمه من قصب، ولا لوحه من خشب، ومن توقف في تنزيه بعض الأمور الإلهية دون بعض، ويؤمن ببعض ويكفر بما وراءه، فهو كالمخنّث بين فحولة التنزيه وأنوثة التشبيه، مذبذباً بين إثبات هذا ونفي ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فكيف ينزه ذاته وصفاته من مشاركة الأجسام وصفاتها، ولم ينزه يده وقلمه عنها؟ أو كيف يؤمن بذاته وصفاته ويكفر بيده وقلمه رأساً؟ فإن كنت فهمت من معنى الصفات ما يوجب الإنفعال اللائق بالأجساد، ومن معنى الإستواء على العرش ما يوجب الإفتقار والإعتماد، فكن حنبلياً محضاً ومشبّهياً مطلقاً، كما يقال: "كن يهودياً صرفاً وإلاّ فلا تلعب بالتوراة". وإن كنت فهمت من معانى الصفات ما ينحفظ معها التقديس والوحدة المحضة، ومن الاستواء على العرش معنى الإستيلاء المعنوي عليه والتمكن في الإلهيّة وظهور الرحمانية به، فكن منزهاً صرفاً ومقدِساً فحلاً في كل الأمور الإلهية. فإذا كنت مؤمناً بجميع ما ورد في الآيات، مقدساً للباري عن وصمة الجمسانيات، فتيقنّ أن الأيدي العمّالة لله هي الوسائط العقلية والنفسية، من الملائكة السماوية والأرضية، الموكلة بخلق مواد الحيوانات، من الجماد والنبات، فبتعديلها صور الحيوانات في مواد النطف منقوشة، وبتقويمها بسائط الأشكال على بسيط الهيولى مفروشة. تفريع شهودي "كلتا يدي الرحمان يمين"، {أية : يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}تفسير : [الفتح:10] {أية : وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} تفسير : [الزمر:67]، ومن انكشف له معرفة ذات الله وتقديسه عن وصمة الإشتراك والإمكان، وتنزيه صفاته الحقيقية عن شَوْب التكثّر والنقصان، وتمجيد صفاته الفعلية العملية عن القصور والحدثان، فينكشف له أن معنى القدرة الإلهية ليس كالقدرة التي في الحيوان - وهي القسمة المتساوية طرفاها، المفتقرة إلى الداعي والرجحان - وينكشف له أن يمينه ليست كالأيمان. فإذا علم معرفة الذات والصفة والقدرة واليد، يظهر له أن الشمس والقمر، والكواكب والأفلاك، والمطر والغيم، والهواء والماء والأرض، وكل ما يحصل منه وجود الحيوان من مواد النُطَف والأركان، كلها مسخّرات بيمينه وفي قبضة قدرته تسخّر القلم في يد الكاتب، فإذا علم ذلك، انصرف عنه الشيطان وَخَنَسَ، لأن توحيده عن مزج الشرك مقدس، ووجه قلبه متوجه إلى فاطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين. اشارة أخرى في كيفية خلقة الحيوان مما عملته أيدي الرحمان قد مرت الإشارة منّا سابقاً، إلى أن طينة الإنسان وحصته الحيوانية إنما قبضتها وعملتها ملائكة الله، وبهذا الإعتبار توفّته رسل الله، فلنبيّن كيفية خلقه الحيوان مما عملته أيدي الرحمان، سواء كان مما هو داخل مملكة الإنسان وأجزاء هذا القوام، أو مما ملّكه الله له من الدواب والأنعام، وذلّله وسخره للحمل والركوب له وللزينة وغيرها من أغراض عالم الأجسام، ليحصل لك الإطلاع على أفعال بعض ملائكة الله السفلية الموكلة بعالم الحيوان، بل الإنسان، المقبوضة المسخرة لملائكة أُخرى علوية مطوية تحت أيدي قدرة الله الرحمان، ليمكنك الشكر والحمد على نِعَمه المتعلقة بقوام الحياة الدنيا، المتوقفة عليها أسباب معيشتك الأخرى، ومقدمات سفرك إلى الله وقدومك بين يديه من مركبك وزادك، وإنما مركبك البدن والقوى، وزاد سفرك الذي لأجله خلقت العلم، والتقوى، وأسباب ما خلقه الله وهيّأ لك من أجناس هذا العالم كالشجر والدواب والأنعام. فمن نِعم الله عليك، الملائكة الموكلة ببدنك وبما هو تحت تصرفك من الأنعام والعبيد فيما يرجع إلى الأكل والغذاء، ويتوقف عليه الحيوان في الحدوث والبقاء، فإن كل جزء من أجزاء بدنك - بل من أجزاء كل حيوان ونبات - لا يتغذى إلاّ بأن يوكل به سبعة من الملائكة - هو أقل - إلى عشرة، إلى مأة إلى ما وراء ذلك. وبيانه أن معنى الغذاء أن يقوم جزء من الغذاء مكان جزء قد تلف من بدنك لإستيلاء الحرارات المحللات عليه، وهي الغريزية والأسطقسية الداخلتان، والشمسية والتحريكية الخارجتان، وحرارة الهواء المطيفة بك، وذلك الغذاء جسم نباتي أو حيواني يصير دماً في آخر الأمر، ثم يصير لحماً وعظماً وعصباً، وهو لا يتحرك من مكانه بنفسه، ولا يتغير في حاله بنفسه، ومجرد الطبع لا يكفي في تردده في جهاته وأطواره، كما أن البُرّ بنفسه لا يصير طحيناً ثم عجيناً ثم خبزاً مستديراً مطبوخاً إلاّ بصنّاع كثيرة، فكذلك الدم لا يصير لحماً وعظماً وعروقاً وعصباً إلاّ بصُنّاع في الباطن هم الملائكة، كما أن الصنّاع في الظاهر هم أهل البلد. وقد أسبغ الله عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، فلا ينبغي أن تغفل عن نعمه الباطنة وتجحدها، فنقول: لا بد أولاً من مَلك يجذب الغذاء ويقبض طينة الخلقة إلى جوار اللحم والعظم، لِمَا علمت أن الغذاء لا يتحرك بنفسه، بل بمحرك غائب عن البصر، ثم لا بد من مَلَك آخر يمسك الغذاء في جواره حتى يتغير، لأن الاستحالة حركة، وكل حركة إنما وقعت في زمان، ثم لا بد من ثالث يخلع عنه صورة الدم، ومن رابع يكسوه صورة اللحم والعظم أو العصب، ومن خامس يدفع الفضل الفاضل من حاجة الغذاء، ومن سادس يلصق ما اكتسى بصورة العظم بالعظم حتى لا يكون منفصلاً، ولا بدّ من سابع يرعى المقادير في الإلصاق. شك وتحقيق فإن قلت: فهلاّ فُوِضّتَ هذه الأفعال إلى مَلَك واحد، ولِمَ افتقرت إلى سبعة أملاك، والحنطة أيضاً تحتاج إلى من يطحن أولاً، ثم إلى من يميز عنه النخالة ويدفع عنه الفضالة ثانياً، ثم إلى من يصب عليه الماء ثالثاً، ثم إلى من يعجن رابعاً، ثم إلى من يقطعه كرات مدورات خامساً، ثم إلى من يرقّقها دوائر عريضة ورغفاناً مستديرة سادساً، ثم إلى من يلصقها بالتنور سابعاً، فلا كانت أفعال الملائكة باطناً كأفعال الإنس ظاهراً؟ فاعلم أن خِلقة الملائكة تخالف خِلقة الإنس، ما من واحد إلاّ وهو وحداني الصفة، ليس فيه خلط وتركيب، فلا يكون لكل واحد إلاّ فعل واحد، وإليه الإشارة بقوله: {أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}تفسير : [الصافات:164] نعم ربما يصدر منه - إذا كان علوياً - أفعال متعددة باستخدام وسائط مسخرة مقهورة له بجهات متعددة ترتقي إلى جهة واحدة. وتحقيق ذلك موكول إلى علم آخر، به يعلم النظم والترتيب بين ملائكة الله العلوية والسفلية، ولذلك ليس بينهم تنافس وتقابل ولا تفاخر، بل مثالهم في تعيين ماهية كل واحد وفعله مثال الحواس الخمس، فإن البصر لا يزاحم السمع ولا يشاركه في إدراك الأصوات، ولا الشم يزاحمها، ولا هما ينازعان الشم، وليس كاليد اللحمي والرِجْل، فإنك قد تبطش بأصابع الرِجْل بطشاً ضعيفاً فتزاحم به اليد، وقد تضرب غيرك برأسك مكان اليد التي هي آلة الضرب، ولا كالإنسان الواحد الذي يتولى بنفسه الطحن والعجن والخبز، فإن هذا نوع من الإعوجاج والعدول عن العدل، سببه اختلاف صفة الإنسان واختلاف دواعيه وتكثّر أغراضه، فلما لم يكن وحداني الصفة، لم يكن وحداني الفعل، ولذلك ترى الإنسان يطيع الله مرة ويعصيه أخرى لاختلاف دواعيه وصفاته الروحانية والجسمانية، ولو تفرد الإنسان بذاته وطبعه، ولم يتغيّر عمّا فطره الله عليه، لم تكن أفعاله إلاّ على نظم حكمي وترتيب طبيعي. وذلك الإختلاف غير ممكن في طبائع الملائكة، بل هم مجبولون على الطاعة، مفطورون على العبودية والخدمة، لا مجال للمعصية في حقهم، فلا جَرَم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، يُسبّحون الليل والنهار لا يفترون، والراكع منهم راكع أبداً، والساجد منهم ساجد أبداً، لا اختلاف في أفعالهم ولا فتور في أعمالهم، ولكل واحد منهم مقام معلوم لا يتعدّاه. وطاعتهم لله تعالى من حيث لا مجال للمخالفة فيهم، تشبه طاعة أطرافك لك، فإنك مهما جزمت الإرادة بفتح الأجفان، لم يكن للجفن الصحيح تمرد وتردد واختلاف في طاعتك مرة ومعصيتك أخرى، بل كأنه منتظر لأمرك ونهيكِ فينفتح وينطبق متصلاً بإشارتك، فهذا يشبهه من وجه ولكن يخالفه من وجه، إذ الجفن لا علم له بما يصدر من الحركة فتحاً وإطباقاً، والملائكة أحياء عالمون بما يفعلون. فإذن هذه نعمة الله عليك من جملة الملائكة الأرضية العمّالة، لخلقة الحيوان، وهي بعض نعم الله عليك من الملائكة العلمية والعملية الموكلة بباطنك وظاهرك وقلبك وقالبك، يجب عليك شكر هذه النعم الخفية والجلية. ومن كفر بشيء منها كفر بالجميع من حيث لا يشعر، فإن من كفر بالقدرة على فتح العين التي من جملة نعم الله في الأجفان، التي من جملتها خلق أطرافها حادة منطبقة على الحدقة، وما يتوقف عليه من الغذاء وأسباب التغذية، فقد كفر بالعين وما يتوقف عليه من الموجودات، إذ الأجفان لا تقوم إلاّ بالعين، ولا العين إلاّ بالرأس، ولا الرأس إلاّ بجميع البدن، ولا البدن إلاّ بالغذاء، ولا الغذاء إلاّ بالماء والأرض والهواء والمطر والغيم، ولا تقوم هي إلاّ بالشمس والقمر والنجوم، ولا يقوم شيء منها إلاّ بالسموات، ولا السموات إلاّ بالملائكة المحركة، ولا هي إلاّ بعالم الأمر لقوله تعالى: {أية : وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} تفسير : [الأعراف:54] وقوله: {أية : وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا} تفسير : [فصلت:12]. فإن الكل كالشيء الواحد الطبيعي، المرتبط بعضه ببعض، كارتباط أعضاء بدن الإنسان الواحد بعضها ببعض، وارتباط بدنه بنفسه، ونفسه بروحه وعقله، والكل مرتبط به تعالى في الوجود، {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ} تفسير : [الأعراف:54]. فإذنَ، من كفر بفتح العين فقد كفر كل نعمة من نعم الله من منتهى الثريّا إلى منتهى الثرى من وجوه كثيرة: منها: ما ذكرنا من وجود السوابق التي تتوقف هي عليه، كالنظر والمشاهدة ثم التخيل، ثم التذكر، ثم التعقل، ثم الإنتقال من تعقل إلى تقعل آخر، وهكذا إلى تعقل، المبادي الفعلية، ثم تعقل وجود المبدء تعالى، ثم صفاته الجمالية، ثم الجلالية، ثم الإضافية الإلهية، ثم الافعالية، ثم الآثارية، ثم الاستغراق في شهود كبريائه وجماله، والإنخراط في سلك عبيده المهيمين في ملاحظة عظمته وجلاله، فإن الجميع مما يتوقف على فتح العين، فإن من فقد حِساً فقد علِماً، فمن جحدة فقد جحد الكل، فلم يبق فَلَك ولا مَلَك ولا حيوان ولا نبات ولا جماد ولا بر ولا بحر إلاّ ويلعنه. ولذلك ورد في الأخبار: "إن البقعة التي تجتمع فيها جماعة إما أن تلعنهم إذا تفرقوا، أو تستغفر لهم"، وكذلك ورد في الحديث: "حديث : إن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر"تفسير : ، و "إن الملائكة يلعنون العصاة"، في ألفاظ كثيرة لا يمكن إحصائها. وكل ذلك إشارة إلى أن العاصي بتفريطة واحدة جنى على جميع ما في الملك والملكوت، وقد أهلك نفسه إلاّ أن يُتْبع السيّئة بالحسنة، فيتبدل اللعن بالاستغفار، فعسى الله أن يتوب عليه ويتجاوز عنه، فافهم، ثم افهم. ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول: من جملة ما يتوقف عليه وجود الأنعام وسائر الحيوان فضلاً عن الإنسان مما عملته أيدي الرحمان وملائكة الله العزيز المنّان، تحصيل وجود الأطعمة حتى تصير صالحة للاغتذاء، وتستعد لأن تتصرف فيها الملائكة السبعة المذكورة أولاً. فاعلم أن الأطعمة كثيرة، ولله في خلقتها عجائب كثيرة لا يحصى عددها، وأسباب متوالية لا يتناهي وصفها، وذكر ذلك في كل طعام مما يطول، إذ لا طعمة إما أغذية وإما أدوية وإما فواكه. فلنأخذ الأغذية - فإنها الأصل -، ولنأخذ من جملتها الحبوب، بل حبة من الشعير أو الحنطة التي يتغذى بها الحيوان أو الإنسان، فنقول: إذا وجدت حبة أو حبّات، فلو أكلتها أو أطعمت بها دابتك لفنَتْ وبقيتَ جائعاً أو بَقيتَ دابتك كذلك، فما أحوجك أن تنمو الحبة في نفسها أو تتضاعف حتى تفي بجميع حاجاتك، فخلق الله في الحبة من القوى ما تتغذى - كما خلق فيك -، فإن النبات إنما يفارقك في الحسّ والحركة لا في الإغتذاء، ولسنا نطنب في ذكر آلات النبات في اجتذاب الغذاء إلى نفسه وامساكها، وهضمها ودفع فضولها، ولكن كلامنا في نفس الغذاء - كيف يحصل - لا في الإغتذاء به. فنقول: كما أن الخشب والتراب لا يصلح لغذائك، بل تحتاج إلى طعام مخصوص مناسب لك، فكذا الحبة لا تغتذي بكل شيء، بل تحتاج إلى شيء مخصوص مناسب لها، بدليل أنه لو تركتها في البيت لم تزد بمجرد مصادفة الهواء، ولو تركتها في الماء لم تزد، ولو تركتها في أرض لا ماء فيها لم تزد، بل لا بد من أرض فيها ماء يمتزج ماؤها بالأرض، فيصير طيناً، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً} تفسير : [عبس:24 - 25] - الآية. ثم لا يكفي الماء والتراب، إذ لو تركتها في أرض نَديَّة صلبة متراكمة، لم تنبت لفقد الهواء، فيحتاج إلى أرض خربة متخلخلة، يتخلخل الهواء إليها، ثم الهواء لا يتحرك إليها بنفسه، فيحتاج إلى ريح يحرك الهواء ويضربه بقهر وعنف على وجه الأرض حتى ينفذ فيها، وإليها الإشارة بقوله تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} تفسير : [الحجر:22] وإنما لقاحها في إيقاع الإزدواج بين الهواء والماء والأرض، ثم كل ذلك لا يكفي لو كان في برد مفرط وشتاء شاق، فيحتاج إلى حرارة الربيع والصيف، فقد ثبت احتياج غذائها إلى هذه الأربع. فانظر إلى ما يحتاج إليه الماء، فيسال في أرض الزراعة من البحار والعيون والأنهار والسواقي، فانظر كيف خلق الله البحار، وفجّر العيون، وأجرى منها الأنهار بيد ملائكة موكلة بها، تسمى بمَلَك البحار ومَلَك الأنهار. ثم الأرض ربما تكون مرتفعة والمياه لا ترتفع إليها، فانظر كيف خلق الله الغيوم، فسلط الرياح عليها لتسوقها تلك الرياح بإذنه إلى أقطار العالم - وهي سحب ثقال حوامل بالماء -، ثم كيف يرسله مدراراً بيد مَلَك الأمطار على وجه الأرض في وقت الربيع والخريف على حسب الحاجة. وانظر كيف خلق الجبال لها قوة حافظة للمياه، ومَلَكاً موكلاً بها، وآخر موكلاً بتفجير العيون منها تدريجاً، فلو خرجت دفعة لخربت البلاد وهلك الزرع والأنعام والمواشي، ونِعم الله في السحاب والجبال والبحار والأمطار لا يمكن احصاؤها وإحصاء ملائكة عمّالة لها بإذن الله. وأما الحرارة فإنها لا تحصل من الماء والأرض - وكلاهما باردان - فانظر كيف سخّر الشمس وكيف جعلها مع بُعدها عن الأرض مسخنة للأرض في وقت دون وقت آخر، فيحصل البرد عند الحاجة إليه، والحر عند الحاجة إليه، فهذه إحدى حِكَم الشمس - والحِكم فيها أكثر من أن تحصى -. ثم النبات إذا ارتفع عن الأرض، فإن في كثير منها انعقاداً وصلابة تفتقر إلى رطوبة غريزية تنضج وتصبغها، فانظر كيف خلق القمر وجعل من خاصيته نضج الفواكه وصبغها بتقدير الفاطر الحكيم. بل نقول: كل كوكب في السماء فقد سخّره لنوع فائدة وحكمة، كما سخّر الشمس للتسخين، والقمر للترطيب، بل لا يخلو واحد منها عن حكم كثيرة لا تفي قوة البشر باحصائها، ولو لم يكن كذلك لكان خلقها عبثاً وباطلاً، ولم يصح قوله تعالى: {أية : رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً} تفسير : [آل عمران:191] وقوله: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} تفسير : [الأنبياء:16] وكما أنه ليس في أعضائك عضو إلاّ لفائدة فالعالم كله كشخص واحد، وآحاد أجسامه كالأعضاء له، وهي متعاونة تعاون أعضاء بدنك في جملة بدنك، وشرح ذلك يطول، وأكثر الناس غافلون عن حكم الله في السماء والأرض، جاحدون في خلقها، معرضون عن آياتها، لقوله تعالى: {أية : وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ}تفسير : [الأنبياء:32]. وتوهم بعضهم أن التفكر في حكمة ما في السموات والتدبر في آياتها يستلزم الإيمان بالنجوم المنهي عنه في الشرع، لجهلهم بامتياز هذا العلم عن علم الأحكاميين، الذين يحكمون على الكواكب بآثار أرضية في ساعات معيّنة رجماً بالغيب، بحسب تخمينات ومجازفات وتجارب ناقصة، فأحكامهم من هذه الجهة كاذبة وأن اتفقت أحياناً. وليس كذلك علم الهيئة والهندسة والحساب من الرياضي، ولا علم السماء والعالم من الطبيعي، ولا البحث عن مبادئها وغاياتها والنظر في الآثار والحكم المترتبّة عليها كليّة من العلم الإلهي، فإن جميع ذلك من العلوم الشريفة ومن الحكمة الممدوحة في الكتاب والسنّة، إلاّ أن بعضها أشرف من بعض، وهو ما يكون أوثق برهاناً، وأعلى لِميّة، وأقصى غاية، وأرفع غرضاً وفائدة، ولذلك حديث : نظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى السماء وتدبر في نجومها وقرأ قوله تعالى: {رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:191] ثم قال: "ويل لمن قرأ هذه الآية ثم مسح بها سبلته" تفسير : ومعناه أن يقرأ ويترك التأمل، ويقتصر من فهم ملكوت السموات على أن يعرف لون السماء وضوء الكواكب وذلك مما يعرفه البهائم أيضاً، فمن قنع منه بمعرفة ذلك فهو الذي مسح سبلته. وأقول: قوله (صلى الله عليه وآله) عقيب قراءة الآية، إشارة إلى تفسير الآية ولميّة عذاب النار، المفهوم من فحواها بواسطة "الفاء" التفريعية، الدالة على أن التدبر في النجوم، والعلم بحقيقة ما في السماء يوجب الوقاية عن عذاب النار، والجهل بها والإعراض عن آياتها يوجب العذاب الدائم والحرمان عن لقائه والطرد عن رحمته، والبعد عن حضرته، فلّله في ملكوت السماء والأرض والآفاق والأنفس والحيوانات والنبات عجائب حكمة تطلب معرفتها أهل المحبة الإلهية، فإن من أحب عالماً أحب مطالعة تصنيفه، فلا يزال مشغوفاً بتصانيفه ليزداد بمزيد الوقوف على عجائب حكمته وعلمه وحاله، فكذلك الأمر في عجائب صنع الله، فإن العالم كله من تصنيفه، بل تصنيف المصنفين كلهم من تصنيفه الذي صنّفه بواسطة عباده أو كتبه في قلوب أوليائه {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ} تفسير : [المجادلة:22] فلا تتعجب من تصنيف المصنّفين، بل من الذي سخّرهم للتأليف بما أنعم عليهم من هدايته وتسديده وتعريفه. والمقصود، أن غذاء النبات لا يحصل إلاّ بالماء والهواء والشمس والقمر والكواكب، ولا يتم ذلك إلاّ بالأفلاك التي هي مركوزة فيها، ولا تتم الأفلاك إلاّ بحركاتها، ولا تتم حركاتها إلاّ بملائكة سماوية يحركونها - وكذلك تتمادى إلى أسباب قاصية - وهي حَرِيّة بأن تكون بأيدي الرحمٰن. طريقة أخرى اعلم أن الذي ينبت في الأرض من النبات، لا يمكن أن يقضم أو يؤكل - وهو كذلك - بل لا بد في كل واحد من اصلاح وطبخ، وتركيب وتنظيف بالقاء البعض وإبقاء البعض، إلى أمور أخرى كآلات الحصاد والتصفية (والتنقية) والنقل والتحويل مما يطول. فأول ما يحتاج إليه الحراث (الحرث) - ليزرع ويصلح الأرض - الثور الذي يثير الأرض والفدّان وجميع أسبابه، ثم بعد ذلك التعهد لسقي الماء مدة، ثم تنقية الأرض من الحشيش، ثم الحصاد، ثم الفرك والتنقية، ثم الطحن، ثم العجن، ثم الخبز إن كان للإنسان، فكذلك إن كان للحيوان الذي له حرمة، لأن قضيمته تتوقف على الإنسان وهو يحتاج إلى الأكل. فتأمل عدد هذه الأفعال التي ذكرناها وما لم نذكره، وعدد الأشخاص القائمين بها، وعدد الآلات التي يحتاج إليها - من الحديد والخشب والحجر وغيره - ويحتاج إليها النجار والحداد وغيرهم، الذين يعملون هذه الآلات القريبة بآلات أخرى بعيدة حديدية أو خشبية، تفتقر هي أيضاً في وجودها إلى آلات غيرها وهكذا. فانظر إلى حاجة الحداد إلى الحديد والرصاص والنحاس، وانظر كيف خلق الجبال والأحجار، وكيف جعل الأرض قطعاً متجاورات مختلفة، فإن فتّشت علمت أن رغيفاً واحداً لا يستدير بحيث يصلح لأكلك - يا مسكين - ما لم يعمل عليه أكثر من ألف صانع، فابتدئ من المَلَك الذي يزجي السحاب لينزل الماء إلى آخر الأعمال التي من جهة الملائكة، حتى ينتهي إلى عمل الإنسان، فإذا استدار فقد عمل فيه قريب من سبعة آلاف صانع، كل صانع أصل من أصول الصنائع التي تتم بها مصلحة الخلق. ثم تأمل كثرة أعمال الإنسان في تلك الآلات، حتى أن الإبرة - التي هي آلة صغيرة يفتقر إليها في بعض أمور الحراثة، وفي خيط اللباس للزارع الذي يمنع عنه البرد - لا يصلح صورتها من حديد يصلح للإبرة إلاّ بعد أن تمر على يد الإبَريّ خمسة وعشرين مرة يتعاطى في كل مرة عملاً. فلو لم يجمع الله البلاد، ولو لم يسخر العباد، وافتقرت إلى عمل المنجل الذي يحصد به البُر والشعير مثلاً بعد نباته ويبسه، لنفد عمرك وعجزت عنه. ثم إن هؤلاء الصنّاع المصلحين للآلات والأطعمة وغيرها، لو تفرقت آراؤهم، وتنافرت طباعهم - تنافر طباع الوحش -، لتبددوا وتفرقوا وتباعدوا، ولم ينتفع بعضهم ببعض، بل كانوا كالوحش لا يحويهم مكان واحد، ولا يجمعهم غرض واحد، فانظر كيف ألّف الله بين قلوبهم، ولو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم، فلأجل الألف وتعارف الأرواح، اجتمعوا وائتلفوا وبنوا المدن والبلاد، ورتبوا المساكن والدور متقاربة متجاورة، ورتبوا الأسواق والخانات وسائر أصناف البقاع. ثم هذه المحبة مما قد تزول بأغراض يتزاحمون عليها ويتنافسون فيها، وفي جِبلّة الإنسان الغيظ والحسد والمنافسة، وذلك يؤدي إلى التقابل والتنافر، فانظر كيف سلط الله السلاطين وأيّدهم بالقوة والقدرة، وألقى رعبهم في قلوب الرعايا حتى أذعنوا لهم طوعاً أو كرهاً. وكيف هدى الله السلاطين إلى طريق اصلاح البلاد حتى رتبوا أجزاء المدن كأنها أجزاء شخص واحد يتعاون على غرض واحد، ينتفع البعض منها بالبعض، ورتبوا الرؤساء والقضاة والسجن وزعماء الأسواق، واضطروا الخلق إلى قانون العدل، وألزموهم التساعد والتعاون، حتى صار الحدّاد ينتفع بالقصّاب، والخبّاز، وسائر أهل البلد، وكلهم ينتفعون بالحدّاد، وصار الحجّام ينتفع بالحارث، والحارث بالحجّام، وينتفع كل واحد بكل واحد، كما يتعاون جميع أجزاء البدن وينتفع بعضها ببعض. فانظر كيف بعث الأنبياء حتى أصلحوا السلاطين المصلحين للرعايا، وعرفوهم قوانين الشرع في حفظ العدل بين الرعايا، وقوانين السياسة في ضبطهم، وكشفوا عن أحكام الإمامة والقضاء والسلطنة، وأحكام الفقه في المعاملات والمناكح والسياسات والحدود والجراحات ما اهتدوا به إلى اصلاح الدنيا، فضلاً عمّا أرشدوهم إليه من إصلاح الدين. فانظر كيف أصلح الله الأنبياء بالملائكة - الذين هم أيدي الرحمان - وكيف أصلح الله هذه الملائكة بعضهم ببعض، إلى أن ينتهي إلى المقرّبين الذين هم أعين الله التي لا تنام، كما قال: {أية : فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} تفسير : [الطور:48] وهكذا إلى أن ينتهي إلى الملك المقرّب الذي لا واسطة بينه وبين الله. فالخبّاز يصلح الخبز، والطحّان يصلح الحَبّ بالطحن، والحرّاث يصلحه بالحصاد، والحدّاد يصلح آلات الحرّاث، والنّجار يصلح آلات الحداد، وكذا جميع أرباب الصناعات المصلحين لآلات الأطعمة، والسلطان يصلح الصنّاعين، والعلماء يصلحون السلاطين، والأنبياء يصلحون العلماء، الذين هم ورثة الأنبياء، والملائكة يصلحون الأنبياء إلى أن ينتهي إلى حضرة الربوبية، ويد الله التي فوق أيديهم، وقدرته النافذة في جميع المخلوقات، وسمعه وبصره وعينه التي لا تنام، وشمس وجهه الذي هو ينبوع كل حسن ونظام، ومطلع كل كمال وتمام، وغاية كل حركة وسعي واهتمام، وغاية كل معرفة وهداية وعلم وكلام، والكل من رشحات وجوده وتوابع خيره وجوده، وهو منعم جميع النعم، ورب الأرباب ومسبّب الأسباب. فإذا تقرر عندك - أيها القارئ لكتاب الله - هذه المقدمات، وتأملت في هذه الأسباب المترتبة لخلقة الحيوان المعمولة لأجل الإنسان تأملاً كاملاً، وتدبرت فيها تدبراً شافياً، علمت بما في هذه الآية من الإشارة إلى آثار حكمة الله العظيمة وبدائع لطفه وإحسانه، والإشعار بنعمه الجسيمة وامتنانه. فقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ}: استفهام معناه الأمر بالنظر والإعتبار والحثّ على التدبر والاستبصار في الأمور التي ذكرنا شطراً منها، مما تتوقف عليها خلقة الحيوان، لينكشف على المتأمل أن أسباب خلقته لا تتم إلاّ بما عملته أيدي الرحمان، ليتمكن على قليل من شكر نعمه العظيمة، ويهتدي إلى لمعة من معرفة جوده وحكمته الجليلة. ولولا فضله ورحمته وهدايته إذ قال: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} تفسير : [العنكبوت:69]، لما اهتدينا إلى معرفة هذه النبذة اليسيرة من نعمته وحكمته {أية : بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ}تفسير : [العنكبوت:49]. ولولا عزله إيّانا عن أن نطيح بعين الطمع إلى الإحاطة بكُنْه نعمه، وتحذيره وتحذير رسوله إيّانا عن التفكر في ذاته، لَتَشَوّقنا إلى طلب الإحاطة والاستقصاء بكُنْه نعمه، وتطلعنا إلى التفكر في ذاته، وطلب الإكتناه بحقيقته، لكن عَزَلنا بحكم القهر والقدرة، فقال: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [إبراهيم:34] وحذرنا بحكم الصمدية وشدة النورية التي احتجب بها، فقال: {أية : وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَٱللَّهُ رَؤُوفُ بِٱلْعِبَادِ} تفسير : [آل عمران:30] وقال نبيه المنذر (صلى الله عليه وآله): "حديث : تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في الله ". تفسير : فإن تكلمنا فبلطفه وإذنه انبسطنا، وإن سكتنا فبغلبة نوره وقهره انقبضنا، فالحمد لله الذي ميّزنا عن الجاحدين لأنوار الربوبية والكفار، وأسمعنا في كل لحظة من لحظات العمر قبل انقضاء الأعمار نداء الملك الجبار: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر:16].

الجنابذي

تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ} يعنى ملائكتنا العمّالة فانّهم ايدى الله {أَنْعاماً} خصّ الانعام بالذّكر من جملة ما ينتفع الانسان فى معاشه او معاده به لما فيها من المنافع المعاشيّة من المأكول والمشروب والملبوس والمركوب فهى نافعة له فى جميع جهات معاشه دون غيرها وينتفع بها فى جهات معاده {فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} بخلاف سائر ما ينتفع به من انواع النّبات والاشجار والمعادن فانّ اكثرها غير مملوكةٍ لهم.

اطفيش

تفسير : {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا} أي مما تولينا خلقه ولم يكن أحد أعاننا ولا يكون احد قادرا عليه وذكر الأيدي استعارة تفيد الاختصاص تقول هذا مما عملته يدي تريد أنك منفرد به أو الأيدي استعارة للقوة والقدرة. {أنعاما} الابل والبقر والغنم وخص الأنعام بالذكر لأنها أكثر أموال العرب والنفع بها أعم وابداعها أدل على القدرة والضمير لقريش او للمشركين مطلقا. {فهم لها مالكون} يتصرفون فيها أو مالكون لأمرها قاهرون لها قادرون عليها كما قال. {وذللناها} سخرناها وجعلناها منقادة. {لهم فمنها ركوبهم} وصف لا مصدر ومعناه مركوبهم وهو الابل وقرىء ركوبتهم بالتاء والمعنى واحد وقيل جمعه مثل كماء للمفرد وكمئة للجماعة وقرىء ركوبهم بضم الراء مصدر بمعنى اسم مفعول كالنسج بمعنى المنسوج أو يقدر مضاف اي ذو ركوبهم او يبقى على المعنى المصدري ويقدر المضاف اولا اي فمن منافعها ركوبهم. {ومنها يأكلون} اللبن والجبن واللحم وقيل ان الانعام هنا الابل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير وان المأكول منها الابل والبقر والغنم والخيل والمركوب الابل والخيل والحمار والبغل. قال جابر بن عبدالله وعطاء نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحم الحمير والبغال ورخص في لحم الخيل.

اطفيش

تفسير : {أو لَم يَروا} إذا لم نجعل الهمزة مما بعد العاطف قدرنا ألم يتفكروا أو ألم يلاحظوا، أو ألم يعلموا يقينا ولم يروا {أنَّا خَلقْنا لَهُم} اللام للنفع والتمليك، أو للتعليل والأول أولى {ممَّا عَملتْ أيْدينا} أحدثناه بلا توسط مخلوق فيه، وهو غير قليل كخلق الأرضين والعرش والكرسى، والسموات والملائكة، شبه الاحداث وكونه بالقدرة بصنع الصانع، وكونه صنعه باليد ففيه استعارة تمثيلية، أو كنى عن الإيجاد بعمل الأيدى فى شأن المخلوق كالانسان، ثم استعير عمل الأيدى الاستعارة التمثيلية. وقيل العمل الاحداث وهو حقيقة، والأيدى القدرة مجازا وعليه فالجمع تعظيم لذلك الصنع العجيب، كما أن ضمير أيدينا للتعظيم، ولا قرينة قالية، ولا حالية، ولا عهدية، على إرادة الملائكة بالأيدى، على أن العمل بالواسطة كنفخهم الأرواح فى الأبدان، فضلا عن أن يستعار الأيدى لهم، وأبعد منه استعارة الأيدى لأسماء الله تعالى عملا بالواسطة لكل منها أثر اسم، ولا يوجد الأيدى بمعنى الملائكة، أو بمعنى الأسماء فى القرآن ولا فى الحديث، ولا فى كلام، واليد بمعنى القدرة أو المتكلم مثلا صحيح معنى ولغة وشرعا فيجب التفسير بذلك، فمن تركه وجعل ذلك من التشابه كفرار من الضوء الى الظلمة، ومن العلم الى الجهالة، وسواء فى ذلك الافرد: كيد الله فوق أيديهم، والتثنية: كخلقت بيدى، والجمع كالآية. {أنعاماً} ثمانية خصها بالذكر لكثرة منافعها، قيل وبدائع فطرتها، وفيه أن كل حيوان بديع الفطرة، وكذا غيره نعم، قال الله عز وجل: " أية : أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت" تفسير : [الغاشية: 17] وقع عظم الأنعام شأنا، أخرها بطريق الاهتمام بلهم وبما عملت، وللتشويق الى ذكر ما عملت أيدينا، وليتصل ذكرها بذكر ملكها وتذليلها، والركوب عليها والأكل منها والانتفاع بها والشرب منها {فَهُم لَها مالكون} عطف على خلقنا لهم إلخ، والفاء لمجرد التفريع ولا خفاء فيه، إذ لو لم يخلقها لم يملكوها، ولا يحتاج الى تقدير، وملكاها لهم فهم لها الخ، لأن هذا التقدير يغنى عنه قوله عز وجل: {أنا خلقنا لهم} وقيل: مالكون قادرون، والإعراب واحد، يقال: ملكت العجين إذا استعمل فيه قدرته، وأما قوله: شعر : أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعيران نفرا تفسير : فيحتمل أن المعنى ظاهره لأنه إن نفر فكأنه غير مالك له، ولو أمسكه لكان فى قبضته، وأن المعنى لا أستطيعه، والاستطاعة هنا كالقدرة، ولام لها للتقوية، وقد اختلف فى تعليقها، وقدم للفاصلة، وبطريق الاهتمام.

الالوسي

تفسير : {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } الهمزة للإنكار والتعجيب والواو للعطف على جملة منفية مقدرة مستتبعة للمعطوف أي ألم يتفكروا أو ألم يلاحظوا أو ألم يعلموا علماً يقينياً مشابهاً للمعاينة زعم بعضهم أن هذا عطف على قوله تعالى: {أية : أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا }تفسير : [يس: 31] الخ والأول للحث على التوحيد بالتحذير من النقم وهذا بالتذكير بالنعم المشار إليها بقوله تعالى: {أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم } أي لأجلهم وانتفاعهم {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } أي مما تولينا إحداثه بالذات من غير مدخل لغيرنا فيه لا خلقاً ولا كسباً. والكلام استعارة تمثيلية فيما ذكر، وجوز أن يكون قد كني عن الإيجاد بعمل الأيدي فيمن له ذلك ثم بعد الشيوع أريد به ما أريد مجازاً متفرعاً على الكناية، وقال بعضهم: المراد بالعمل الإحداث وبالأيدي القدرة مجازاً، وأوثرت صيغة التعظيم والأيدي مجموعة تعظيماً لشأن الأثر وإنه أمر عجيب وصنع غريب وليس بذاك، وقيل الأيدي مجاز عن الملائكة المأمورين بمباشرة الأعمال حسبما يريده عز وجل في عالم الكون والفساد كملائكة التصوير وملائكة نفخ الأرواح في الأبدان بعد إكمال تصويرها ونحوهم، ولا يخفى ما فيه. ونحوه ما قيل الأيدي مجاز عن الأسماء فإن كل أثر في العالم بواسطة اسم خاص من أسمائه عز وجل. وأنت تعلم أن الآية من المتشابه عند السلف وهم لا يجعلون اليد مضافة إليه تعالى بمعنى القدرة أفردت ـ كـ{أية : يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}ـتفسير : [الفتح: 10] أو ثنيت كـ{أية : خَلَقْتُ بِيَدَيَّ }تفسير : [ص: 75] أو جمعت كما هنا بل يثبتون اليد له عز وجل كما أثبتها لنفسه مع التنزيه الناطق به قوله سبحانه: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء }تفسير : [الشورى: 11] وارتضاه كثير ممن وفقه الله تعالى من الخلق، ولا أرى الطاعنين عليهم إلا جهلة. {أَنْعـٰماً } مفعول {خَلَقْنَا } وأخر عن الجارين المتعلقين به اعتناء بالمقدم وتشويقاً إلى المؤخر وجمعا بينه وبين ما يتعلق به من أحكامه المتفرعة عليه، والمراد بالأنعام الأزواج الثمانية وخصها بالذكر لما فيها من بدائع القطرة وكثرة المنافع، وهذا كقوله تعالى: {أية : أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}تفسير : [الغاشية: 17]. {فَهُمْ لَهَا مَـٰلِكُونَ } أي متملكون لها بتمليكنا إياها لهم، والفاء قيل للتفريع على مقدر أي خلقنا لهم أنعاماً وملكناها لهم فهم بسبب ذلك مالكون لها، وقيل للتفريع على خلقها لهم وفيه خفاء. وجوز أن يكون الملك بمعنى القدرة والقهر من ملكت العجين إذا أجدت عجنه، ومنه قول الربيع بن منيع الفزاري وقد سئل عن حاله بعد إذ كبر: شعر : أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا تفسير : / والأول أظهر ليكون ما بعد تأسيساً لا تأكيداً، وأياً ما كان فلها متعلق بمالكون واللام مقوية للعمل وقدم لرعاية الفواصل مع الاهتمام. وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على استقرار مالكيتهم لها واستمرارها.

ابن عاشور

تفسير : بعد أن انقضى إبطال معاقد شرك المشركين أخذ الكلام يتطرق غرضَ تذكيرهم بنعم الله تعالى عليهم وكيف قابلوها بكفران النعمة وأعرضوا عن شكر المنعم وعبادته واتخذوا لعبادتهم آلهة زعماً بأنها تنفعهم وتدفع عنهم وأدمج في ذلك التذكير بأن الأنعام مخلوقة بقدرة الله. فالجملة معطوفة عطف الغرض على الغرض. والاستفهام: إنكار وتعجيب من عدم رؤيتهم شواهد النعمة، فإن كانت الرؤية قلبية كان الإِنكار جارياً على مقتضى الظاهر، وإن كانت الرؤية بصرية فالإِنكار على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيل مشاهدتهم تلك المذكورات منزلةَ عدم الرؤية لعدم جريهم على مقتضى العلم بتلك المشاهدات الذي ينشأ عن رؤيتها ورؤية أحوالها، وعلى الاحتمالين فجملة الفعل المنسبك بالمصدر سادَّة مسدّ المفعولين للرؤية القلبية، أو المصدر المنسبك منها مفعول للرؤية البصرية. وفي خلال هذا الامتنان إدماج شيء من دلائل الانفراد بالتصرف في الخلق المبطلة لإِشراكهم إياه غيره في العبادة وذلك في قوله: {أنَّا خلقنا} وقوله: {مما عملت أيدينا} وقوله: {وذَلَّلْناهَا} وقوله: {ولهم فيها منافِعُ ومشَارِبُ}، لأن معناه: أودعنا لهم في أضراعها ألباناً يشربونها وفي أبدانها أوباراً وأشعاراً ينتفعون بها. وقوله: {لهم} هو محل الامتنان، أي لأجلهم، فإن جميع المنافع التي على الأرض خلقها الله لأجل انتفاع الإِنسان بها تكرمة له، كما تقدم في قوله تعالى: { أية : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً } تفسير : في سورة البقرة (29). واستعير عمل الأيدي الذي هو المتعارف في الصنع إلى إيجاد أصول الأجناس بدون سابق منشأ من توالد أو نحوه فأسند ذلك إلى أيدي الله تعالى لظهور أن تلك الأصول لم تتولد عن سبب كقوله: { أية : والسماء بنيناها بأيد } تفسير : [الذاريات:47]، فــــ (من) في قوله: {مما عَمِلتْ} ابتدائية لأن الأنعام التي لهم متولدة من أصول حتى تنتهي إلى أصولها الأصلية التي خلقها الله كما خلق آدم، فعبر عن ذلك الخلق بأنه بيد الله استعارة تمثيلية لتقريب شأن الخلق الخفيّ البديع مثل قوله: { أية : لما خلقت بيدي } تفسير : [ص:75]. وقرينة هذه الاستعارة ما تقرّر من أن ليس كمثله شيء وأنه لا يشبه المخلوقات، فذلك من العقائد القطعية في الإسلام. فأما الذين رأوا الإِمساك عن تأويل أمثال هذه الاستعارات فسمّوها المتشابه وإنما أرادوا أننا لم نصل إلى حقيقة ما نعبر عنه بالكنه، وأما الذين تأوّلوها بطريقة المجاز فهم معترفون بأن تأويلها تقريب وإساغة لغصص العبارة. فأما الذين أثبتوا وصف الله تعالى بظواهرها فباعثهم فرط الخشية، وكان للسلف في ذلك عذر لا يسع أهل العصُور التي فشَا فيها الإِلحاد والكفر فهم عن إقناع السائلين بمعزل، وقلم التطويل في ذلك مَغْزِل. والأنعام: الإِبل والبقر والغنم والمعز. وفرع على خلقها للناس أنهم لها مالكون قادرون على استعمالها فيما يشاءُون لأن الملك هو أنواع التصرف. قال الربيع بن ضَبُع الفزاري من شعراء الجاهلية المعمَّرين: شعر : أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملِك رأسَ البعير إن نفرا تفسير : وهذا إدماج للامتنان في أثناء التذكير. وتقديم {لَهَا} على {مالكون} الذي هو متعلَّقه لزيادة استحضار الأنعام عند السامعين قبل سماع متعلّقه ليقع كلاهما أمكن وَقع بالتقديم وبالتشويق، وقضى بذلك أيضاً رَعي الفاصلة. وعدل عن أن يقال: فهُم مالكوها، إلى {فهم لها مالكون} ليتأتّى التنكير فيفيدَ بتعظيم المالكين للأنعام الكنايةَ عن تعظيم الملك، أي بكثرة الانتفاع وهو ما أشار إليه تفصيلاً وإجمالاً قوله تعالى: {وذللناها لهم} إلى قوله: {ولهم فيها منافِعُ ومشارِبُ}. وأن إضافة الوصف المُشبه الفعل وإن كانت لا تكسَب المضاف تعريفاً لكنها لا تنسلخ منها خصائص التنكير مثل التنوين. وجيء بالجملة الاسمية لإِفادة ثبات هذا الملك ودوامه. والتذليل: جعل الشيء ذليلاً، والذليل ضد العزيز وهو الذي لا يدفع عن نفسه ما يكرهه. ومعنى تذليل الأنعام خلق مهانتها للإِنسان في جبلتها بحيث لا تُقدم على مدافعة ما يريد منها فإنها ذات قُوات يدفع بعضها بعضاً عن نفسه بها فإذا زجرها الإِنسان أو أمرها ذلّت له وطاعت مع كراهيتها ما يريده منها، من سير أو حمل أو حلب أو أخذ نسل أو ذبح. وقد أشار إلى ذلك قوله: {فمنها ركوبهم ومنها يأكلون}. والرَّكوب بفتح الراء: المركوب مثل الحلوب وهو فعول بمعنى مفعول، فلذلك يطابق موصوفه يقال: بعير رَكوب وناقةٌ حَلوبة. و {مِن} تبعيضية، أي وبعضها غير ذلك مثل الحرث والقتال كما قال: {ولهم فيها منافِعُ ومشَارِبُ} والمشارب: جمع مشرب، وهو مصدر ميمي بمعنى: الشرب، أريد به المفعول، أي مشروبات. وتقديم المجروريْن بــــ (مِن) على ما حقهما أن يتأخرا عنهما للوجه الذي ذكر في قوله: {فهم لها مالِكُون}. وفرع على هذا التذكير والامتنان قوله: {أفلا يَشْكُرونَ} استفهاماً تعجيبياً لتركهم تكرير الشكر على هذه النعم العِدّة فلذلك جيء بالمضارع المفيد للتجديد والاستمرار لأن تلك النعم متتالية متعاقبة في كل حين، وإذ قد عُجِب من عدم تكريرهم الشكر كانت إفادة التعجيب من عدم الشكر من أصله بالفحوى ولذلك أعقبه بقوله: { أية : واتخذوا من دُونِ الله ءَالِهَةً } تفسير : [يس: 74].

القطان

تفسير : ركوبهم: بفتح الراء، هو ما يركب. ذلّلناها لهم: سخّرناها لهم. الم يشاهد هؤلاء المشركون بالله أنّا خلَقنا لهم بقُدْرتنا أنعاماً من الإبل والغنم والبقر فهم لها مالكون يتصرفون فيها كما يشاؤون! وسخّرناها لهم فمنها ما يركبون، ومنها ما يأكلون، ولهم فيها ما ينتفعون به من أصوافِها وأوبارِها وأشعارها وجلودها وغير ذلك، ولهم مشاربُ من ألبانها ايضاً! أيجحدون هذه النعم الكثيرة فلا يشكرون الله عليها!!. ومع كل هذه النعم اتخذ المشركون آلهة يعبدونها من دون الله، رجاء ان تنصرهم! إن هذه الآلهة لا تستطيع نصر احد، ولا تقدر ان ترد عن أحدٍ أذى إن أراد الله بهم سوءا. {وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ} وهم لسخفهم جنودٌ لهذه الآلهة يحمونها ويذبُّون عنها المهتدين. ثم بعد ذلك يسلّي الله رسوله الكريم بقوله: {فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} لا يحزنك قولهم فيك بالتكذيب والافتراء عليك، انا نعلم ما يخفون وما يعلنون، وسيلقون جزاءهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَنْعاماً} {مَالِكُونَ} (71) - أَوَ لَمْ يُشَاهِدْ هَؤُلاَءِ المُكَذِّبُونَ أَنَّنَا خَلَقْنَا لَهُمْ بِأَيْدِينَا أَنْعَاماً: مِنَ الإِبلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، يُصَرِّفُونَهَا كَيْفَ شَاؤُوا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هنا نقلهم الحق سبحانه إلى مجال المادة التي لا يستطيعون إنكارها، وقلنا: إن الرؤية في {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} [يس: 71] يصح أن تكون رؤية بصرية أو رؤية علمية {أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً} [يس: 71] قوله {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ} [يس: 71] ينفي المشاركة يعني: هذه صنعتنا وخَلْقنا لم يشاركنا فيه أحد، ولم يعاونَّا فيه أحد، بل هو خَلْق لله وحده. وكلمة {أَنْعاماً} [يس: 71] هي الأنعام التي ذُكرت في سورة الأنعام: {أية : ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ * وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ} تفسير : [الأنعام: 143-144]. وهي البقر والإبل والغنم والماعز، وسميت أنعاماً لأنها النعمة البارزة في أشياء متعددة، ننتفع بها في حياتنا، فنأخذ منها الصوف والوبر والجلود والألبان، ونحمل عليها الأثقال، وهذه كلها نِعَم واضحة في البيئة العربية. ثم إن خَلْق الأنعام في ذاته نعمة، وقوله سبحانه {فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} [يس: 71] نعمة أخرى؛ لأن هناك حيوانات أخرى متوحشة لا تُملَك إلا بالصيد وبالقوة، وهي قليلة النفع إذا ما قُورِنت بالمستأنسة التي ينتفع بها الإنسان، فيسوقها ويركبها ويحلبها. ثم نعمة التذليل {وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ} [يس: 72] وإلا فإذا خلقها الله ولم يُذلِّلها ما استطاع الإنسانُ تذليلها، ولا الاستفادة منها، فالجمل مثلاً رغم ضخامة حجمه وقوته، إلا أن الطفل يسوقه ويُنيخه ويركبه، كيف؟ لأن الله ذَلَّله وسخَّره، أما الثعبان فمع صِغَر حجمه إلا أننا نخافه ونهرب منه؛ لأن الله لم يُذلِّله لنا، بل البرغوث في الفراش يشاغبك ويقلقك، وليس لك سلطان عليه. إذن: فخَلْق هذه الأنعام في ذاته نعمة، وتملّكها نعمة، وتذليلها نعمة، وهذه النِّعم للمؤمن والكافر على السواء، لأنها من عطاء الربوبية. إذن: كان عليهم أن يحترموا هذه، وأن يسألوا أنفسهم: كيف نكفر بالله وهو يوالي علينا كل هذه النِّعَم، وليت الأمر يقف عند كفرهم هم، إنما يتعدى ذلك حين يمنعون الرسل من نَشْر دعوتهم. وقوله سبحانه: {فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ} [يس: 72] أي: ما يُركب من الدواب. ورَكُوب مثل قولنا: شاة حَلُوب يعني: تُحلب {وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} [يس: 72] أي: من لبنها وهي حية، واللبن نأمل منه الجبن والزبدة .. الخ {وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ} [يس: 73] مشارب جمع مشرب. والمراد القِرْبة التي كانوا يشربون بها، وتُصنع من جلود هذه الحيوانات أو يُراد بالمشارب ما يُشرب من ألبانها، واللبن وإنْ كان يُشرب من الأنثى إلا أن الذكر سبب فيه، فلولا أنها حملتْ ما كان منها اللبن. ثم تُختم هذه النِّعَم بقوله سبحانه {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} [يس: 73] هكذا بأسلوب الاستفهام ليجيبوا هم، فالله لا يقول لهم: اشكروني على هذه النِّعم إنما يقررهم: أهذه تستوجب الشكر أم لا؟ ثم لو شكرتم فسوف تتعرضون لعطاء آخر وزيادة: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 7]. إذن: كان يجب عليهم أن يشكروا الله على نِعَمه، وأن تدعوهم هذه النِّعَم إلى الإيمان بهذا الإله المنعِم الذي يُوالي عليهم نعمة ظاهرة وباطنة، ولِمَ لا والإنسان حينما يكون موظفاً يتقاضى أجره كل شهر من صاحب العمل لا بُدَّ أن يُحيِّيه كل يوم ويتودد إليه، فالمنعم بكل هذه النعم أفلا يستحق أنْ يُعبد وأنْ يُشكر؟ وليت الأمر ينتهي بهم عند حَدِّ عدم الشكر، إنما يحكي القرآن عنهم فيقول: {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} معناه مُطيعونَ.

الأندلسي

تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا} لما كانت الأشياء المصنوعة لا يباشرها البشر إلا باليد عبر لهم بما يقرب من إفهامهم بقوله: مما عملته أيدينا أي مما تولينا عمله ولا يمكن لغيرنا أن يعمله فبقدرتنا وإرادتنا برزت هذه الأشياء لم يشركنا فيها أحد والباري سبحانه وتعالى منزه عن اليد التي هي الجارحة وعن كل ما اقتضى التشبيه بالمحدثات. ثم عنفهم واستجهلهم في اتخاذهم آلهة لطلب الاستنصار. {لاَ يَسْتَطِيعُونَ} أي الآلهة نصر فتخذيهم وهذا هو الظاهر كما اتخذوهم آلهة للاستنصار بهم رد تعالى عليهم بأنهم ليست لهم قدرة على نصرهم والظاهر أن الضمير في وهم عائد على ما هو الظاهر في لا يستطيعون أي والآلهة للكفار جند محضرون في الآخرة عن الحساب على جهة التوبيخ والنقمة وسماهم جنداً إذ هم معدون للنقمة من عابديهم وللتوبيخ ثم آنس نبيه عليه السلام بقوله: {فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} أي لا يهمنك تكذيبهم واذاهم وجفاؤهم وتوعد الكفار بقوله: {إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} فنجازيهم على ذلك. {أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ} قبح تعالى إنكار الكفرة البعث حيث قرر أن عنصره الذي خلقه منه هو نطفة من ماء مهين خارج من مخرج النجاسة أفضى به مهانة أصله إلى أن تطور تطوراً وصار ذا تمييز ينكر قدرة الله تعالى ويقول من يحيي الميت بعدما رم مع علمه أنه منشأ من موات وقائل ذلك العاصي بن وائل وقيل غيره حديث : وقد كان لأبي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مراجعات ومقامات جاء بالعظم الرميم بمكة ففتته في وجهه الكريم وقال من يحيي هذا يا محمد فقال عليه السلام الله يحييه ويميتك ويحييك ويدخلك جهنم ثم نزلت الآية وأبي هذا قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة بالحربة فخرجت من عنقه فمات بها . تفسير : {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً} ذكر ما هو أغرب من خلق الإِنسان من نطفة وهو إبراز الشىء من ضده وذلك أبدع شىء وهو انقداح النار من الشجر الأخضر ألا ترى أن الماء يطفىء النار ومع ذلك خرجت مما هو مشتمل على الماء والإِعراب توري النار من الشجر الأخضر وأكثرها من المرخ والعفار وفي أمثالهم في كل شجر نار واستحجر المرخ والعفار يقطع الرجل منها غصنين مثل السواكين وهما أخضران يقطر منهما الماء فيسحق المرخ وهو ذكر على العفار وهو أنثى فتنقدح النار بإِذن الله تعالى. وعن ابن عباس ليس شجر إلا وفيه نار إلا العناب ثم ذكر ما هو أبدع وأغرب من خلق الإِنسان من نطفة ومن إعادة الموتى وهو إنشاء هذه المخلوقات العظيمة الغريبة من صرف العدم إلى الوجود فقال: {أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم} قال الزمخشري: مثلهم يحتمل معنيين أن يخلق مثلهم في الصغر والغماءة بالإِضافة إلى السماوات والأرض أو أن يعيدهم لأن المعاد مثل المبتدأ أو ليس به "انتهى" الذي نقوله ان المعاد هو عين المبتدأ أو لو كان مثله لم يسم ذلك إعادة بل يكون إنشاء مستأنفاً. {إِنَّمَآ أَمْرُهُ} تقدم الكلام عليه. {فَسُبْحَانَ} تنزيه عام له تعالى عن جميع النقائص والمعنى أنه متصرف فيه على ما أراد وقضى. {مَلَكُوتُ} ملك. {كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي إلى جزائه ترجعون.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر تعالى العباد بالنظر إلى ما سخر لهم من الأنعام وذللها، وجعلهم مالكين لها، مطاوعة لهم في كل أمر يريدونه منها، وأنه جعل لهم فيها منافع كثيرة من حملهم وحمل أثقالهم ومحاملهم وأمتعتهم من محل إلى محل، ومن أكلهم منها، وفيها دفء، ومن أوبارها وأشعارها وأصوافها أثاثا ومتاعا إلى حين، وفيها زينة وجمال، وغير ذلك من المنافع المشاهدة منها، { أَفَلا يَشْكُرُونَ } اللّه تعالى الذي أنعم بهذه النعم، ويخلصون له العبادة ولا يتمتعون بها تمتعا خاليا من العبرة والفكرة.

همام الصنعاني

تفسير : 2497- معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ}: [الآية: 71]، قال: مطيعون.