٣٦ - يس
36 - Yaseen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
74
Tafseer
الرازي
تفسير : إشارة إلى بيان زيادة ضلالهم ونهايتها، فإنهم كان الواجب عليهم عبادة الله شكراً لأنعمه، فتركوها وأقبلوا على عبادة من لا يضر ولا ينفع، وتوقعوا منه النصرة مع أنهم هم الناصرون لهم كما قال عنهم: {أية : حَرّقُوهُ وَٱنصُرُواْ ءالِهَتَكُمْ } تفسير : [الأنبياء: 68] وفي الحقيقة لا هي ناصرة ولا منصورة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً} أي قد رأوا هذه الآيات من قدرتنا، ثم ٱتخذوا من دوننا آلهة لا قدرة لها على فعل. {لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} أي لما يرجون من نصرتها لهم إن نزل بهم عذاب. ومن العرب من يقول: لعله أن يفعل. {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ} يعني الآلهة. وجمعوا بالواو والنون؛ لأنه أخبر عنهم بخبر الآدميين. {وَهُمْ} يعني الكفار {لَهُمْ} أي للآلهة، {جُندٌ مٌّحْضَرُونَ} قال الحسن: يمنعون منهم ويدفعون عنهم. وقال قتادة: أي يغضبون لهم في الدنيا. وقيل: المعنى أنهم يعبدون الآلهة ويقومون بها؛ فهم لها بمنزلة الجند وهي لا تستطيع أن تنصرهم. وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى. وقيل: إن الآلهة جند للعابدين محضرون معهم في النار، فلا يدفع بعضهم عن بعض. وقيل: معناه وهذه الأصنام لهؤلاء الكفار جند الله عليهم في جهنم؛ لأنهم يلعنونهم ويتبرءون من عبادتهم. وقيل: الآلهة جند لهم محضرون يوم القيامة لإعانتهم في ظنونهم. وفي الخبر: إنه يمثل لكل قوم ما كانوا يعبدونه في الدنيا من دون الله فيتبعونه إلى النار؛ فهم لهم جند محضرون. قلت: ومعنى هذا الخبر ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، وفي الترمذي عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد ثم يَطَّلِع عليهم ربُّ العالمين فيقولُ أَلاَ لِيتبعْ كلُّ إنسانٍ ما كان يعبد فيُمثَّل لصاحب الصليب صليبه ولصاحب التصاوير تصاويره ولصاحب النار ناره فيتبعون ما كانوا يعبدون ويبقى المسلمون»تفسير : وذكر الحديث بطوله. {فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} هذه اللغة الفصيحة. ومن العرب من يقول يُحزِنك. والمراد تسلية نبيه عليه السلام؛ أي لا يحزنك قولهم شاعر ساحر. وتم الكلام، ثم ٱستأنف فقال: {إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} من القول والعمل وما يظهرون فنجازيهم بذلك.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى منكراً على المشركين في اتخاذهم الأنداد آلهة مع الله يبتغون بذلك أن تنصرهم تلك الآلهة، وترزقهم وتقربهم إلى الله زلفى، قال الله تعالى: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ} أي: لاتقدر الآلهة على نصر عابديها، بل هي أضعف من ذلك، وأقل وأحقر وأدحر، بل لا تقدر على الاستنصار لأنفسها، ولا الانتقام ممن أرادها بسوء؛ لأنها جماد لا تسمع ولا تعقل. وقوله تبارك وتعالى: {وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ} قال مجاهد: يعني: عند الحساب، يريد: أن هذه الأصنام محشورة مجموعة يوم القيامة، محضرة عند حساب عابديها؛ ليكون ذلك أبلغ في حزنهم، وأدل عليهم في إقامة الحجة عليهم. وقال قتادة: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ} يعني: الآلهة، {وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ} والمشركون يغضبون للآلهة في الدنيا، وهي لا تسوق إليهم خيراً، ولا تدفع عنهم شراً، إنما هي أصنام، وهكذا قال الحسن البصري، وهذا القول حسن، وهو اختيار ابن جرير رحمه الله تعالى. وقوله تعالى: {فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} أي: تكذيبهم لك، وكفرهم بالله، {إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} أي: نحن نعلم جميع ما هم فيه، وسنجزيهم وصفهم، ونعاملهم على ذلك يوم لا يفقدون من أعمالهم جليلاً ولا حقيراً، ولا صغيراً ولا كبيراً، بل يعرض عليهم جميع ما كانوا يعملون قديماً وحديثاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره {ءَالِهَةً } أصناماً يعبدونها {لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ } يمنعون من عذاب الله تعالى بشفاعة آلهتهم بزعمهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {... وهم لهم جندٌ محضرون} يعني أن المشركين لأوثانهم جند، وفي الجند ها هنا وجهان: أحدهما: شيعة، قاله ابن جريج. الثاني: أعوان. {محضرون} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: محضرون عند الحساب، قاله مجاهد. الثاني: محضرون في النار، قاله الحسن. الثالث: محضرون للدفع عنهم والمنع منهم، قاله حميد. قال قتادة: يغضبون لآلهتهم، وآلهتهم لا تنصرهم.
البقاعي
تفسير : ولما ذكرهم نعمه، وحذرهم نقمه، عجب منهم في سفول نظرهم وقبح أثرهم، فقال موبخاً ومقرعاً ومبكتاً ومعجباً من زيادة ضلالهم عادلاً عن مظهر العظمة إلى أعظم منه: {واتخذوا} أي فعلنا لهم ذلك والحال أنهم كلفوا أنفسهم على غير ما تهدي إليه الفطرة الأولى أن أخذوا، أو يكون معطوفاً على "كانوا" من قوله: {إلا كانوا به يستهزءون} فيكون التقدير: إلا كانوا يجددون الاستهزاء، واتخذوا قبل إرساله إليهم مع ما رأوا من قدرتنا وتقبلوا فيه من نعمتنا: {من دون الله} أي الذي له جميع العظمة، فكل شيء دونه، وما كان دونه كان مقهوراً مربوباً {آلهة} أي لا شيء لها من القدرة ولا من صلاحية الإلهية. ولما تقرر أنها غير صالحة لها أهلوها له، تشوف السامع إلى السؤال عن سبب ذلك، فقال جواباً له تعجيباً من حالهم: {لعلهم} أي العابدين. ولما كان مقصودهم حصول النصر من أي ناصر كان، بني للمفعول قوله: {ينصرون *} أي ليكون حالهم بزعمهم في اجتماعهم عليها والتئامهم بها حال من ينصر على من يعاديه ويعانده ويناويه. ولما كان للنصر سببان: ظاهري وهو الاجتماع، وأصلي باطني وهو الإله المجتمع عليه، بين غلطهم بتضييع الأمل، فقال مستأنفاً في جواب من كأنه قال: فهل بلغوا ما أرادوا؟: {لا يستطيعون} أي الألهة المتخذة {نصرهم} أي العابدين {وهم} أي العابدون {لهم} أي الآلهة {جند} ولما كان الجند مشتركاً بين العسكر والأعوان والمدينة، عين المراد بضمير الجمع ولأنه أدل على عجزهم وحقارتهم فقال: {محضرون *} أي يفعلون في الاجتماع إليها والمحاماة عنها فعل من يجمعه كرهاً إيالة الملك وسياسة العظمة، فصارت العبرة بهم خاصة في حيازة السبب الظاهري مع تعبدهم للعاجز وذلهم للضعيف الدون مع ما يدعون من الشهامة والأنفة والضخامة، فلو جمعوا أنفسهم على الله لكان لهم ذلك، وحازوا معه السبب الأعظم. ولما بين ما بين من قدرته الباهرة، وعظمته الظاهرة، و وهي أمرهم في الدنيا والآخرة، وكان قد تقدم ما لوح إلى أنهم نسبوه صلى الله عليه وسلم إلى الشعر، وصرح باستهزائهم بالوعد مع ما قبل ذلك من تكذيبهم وإجابتهم للمؤمنين من تسفيههم وتضليلهم، سبب عن ذلك بعد ما نفى عنهم النصرة قوله تسلية له صلى الله عليه وسلم: {فلا يحزنك} قراءة الجماعة بفتح الياء وضم الزاي، ومعناه: يجعل فيك، وقراءة نافع بضم الياء وكسر الزاي تدل على أن المنهي عنه إنما هو كثرة الحزن والاستغراق فيه، لا ما يعرض من طبع البشر من أصله، فإن معنى أحزن فلاناً كذا، أي جعله حزيناً {قولهم} أي الذي قدمناه تلويحاً وتصريحاً وغير ذلك فيك وفينا ولما كان علم القادر بما يعمل عدوه سبباً لأخذه، علل ذلك بقوله مهدداً بمظهر العظمة: {إنا نعلم ما} أي كل ما {يسرون} أي يجددون إسراره {وما يعلنون *} أي فنحن نجعل ما يسببونه لأذاك سبباً لأذاهم ونفعك إلى أن يصيروا في قبضتك وتحت قهرك وقدرتك.
اسماعيل حقي
تفسير : {واتخذوا} اى مع هذه الوجوه من الاحسان {من دون الله} اى متجاوزين الله المتفرد بالقدرة المتفضل بالنعمة {آلهة} من الاصنام واشركوها به تعالى فى العبادة {لعلهم ينصرون} رجاء ان ينصروا من جهتهم فيما اصابهم من الامور او ليشفعوا لهم فى الآخرة ثم استأنف فقال
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {واتخذوا من دون الله آلهةٌ} أشركوها معه في العبادة، بعدما رأوا منه تلك القدرة الباهرة، والنعم المتظاهرة، وتحقّقوا أنه المنفرد بها، فعبدوا الأصنام، {لعلهم يُنصَرُون} بها إذا حزبهم أمْرٌ. والأمر بالعكس، {لا يستطيعون نَصْرَهم} أبداً، {وهم لهم} أي: الكفار للأصنام {جُندٌ} أي: أعوان وشيعة {مُحْضَرُونَ} يخدمونهم، ويذبّون عنهم، ويعكفون على عبادتهم، أو: اتخذوهم لينصروهم عند الله، ويشفعوا لهم، والأمر على خلاف ما توهّموا، فهم يوم القيامة جند معدّون لهم، محضرون لعذابهم؛ لأنهم يجعلون وقوداً للنار، التي يحترقون بها. ثم سلّى نبيه مما يسمع بقوله: {فلا يَحْزُنك قَولُهم} فلا يُهمنَّك تكذيبهم، وأذاهم وما تسمع منهم من الإشراك والإلحاد. {إِنا نعلم ما يُسِرُّون} من عداوتهم وكفرهم، {وما يُعلِنُون} فيجازيهم عليه، فحقّ مثلك أن يتسلّى بهذا الوعيد، ويستحضر في نفسه صورة حاله وحالهم في الآخرة، حتى ينقشع عنهم الهمّ، ولا يرهقه حزن. وهو تعليل للنهي على طريق الاستئناف، ولذلك لو قُرىء "أنّا" بالفتح، على حذف لام التعليل، لجاز، خلافاً لمَن أنكره وأبطل صلاة مَن قرأ به. انظر النسفي. الإشارة: كل مَن ركن إلى شيء دون الله، فهو في حقه صنم، كائناً ما كان، عِلماً، أو عملاً، أو حالاً، أو غير ذلك. ولذلك قال القطب ابن مشيش لأبي حسن الشاذلي رضي الله عنهما لَمَّا قال: بِمَ تلقى الله يا أبا الحسن؟ فقال له: بفقري، قال: إذاً تلقاه بالصنم الأعظم، أي: وإنما يلقى الله بالله، ويغيب عما سواه. وقوله تعالى: {فلا يحزنك قولهم} فيه تسلية لمَن أُوذي في جانب الله. قال القشيري: إذا عَلِمَ العبدُ أنه بمرأىً من الحق، هان عليه ما يقاسيه، لا سيما إذا كان في الله. هـ. ثم أبطل دعوى من أنكر البعث، وهو من جملة قولهم، الذي أمر نبيّه بالتسلي عنه، فقال: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ...}
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : لما ذكر لمعة من شواهد إلهيته، ودلائل توحيده وعظمته وقدرته، الموجبة للإهتداء إلى طريق معرفته وعبوديته وشكر نعمته، أشار إلى سقوط درجة النازلين إلى مهوى الهوى والهوان، الهابطين في مهبط الخزي والخسران، وهم الذين اتخذوا من دونه آلهة يعبدونها لكي ينصرونهم ويدفعوا عنهم عذاب الله، وبيّن فساد جهلهم الذي هو أصل كفرهم وشركهم بأن هذه الآلهة التي اعتقدوها واتخذوها آلهة وعبدوها ليتقوا (ليتقربوا) بها، ويعتضدوا بمكانها، لا يقتدر شيء منها على نصرهم، ولا يستطيع الذب عنهم، بل الأمر على عكس ما قدّروا وتصوروا، حيث هؤلاء من خدّام آلهتهم محضرون مُعَدّون لخدمتها يخدمونها ويذُبّون عنها ويغضبون لها كالجنود والأعوان. وبهذا جرى حكم الله وقضاؤه باستيلاء الدواعي الباطلة على نفوس هؤلاء البطالين الجهلة، لمصلحة قدرية وحكمة قضائية تعلّقت بطاعتهم وخدمتهم لهذه الأصنام، وعبوديتهم لهذه التماثيل المنصوبة من الأجسام أو الأصنام أو غيرها، لِتَشارُك الجهالة وموت القلب، واتّفاق الجنسيّة والظلمة والخسة والدناءة. وعن بعضهم: معناه: اتخذوهم لينصرونهم عند الله ويشفعوا لهم، والأمر خلاف ما توهموا، حيث هم يوم القيامة جند مُعَدّون لهم، مُحضرون لعذابهم، لأنهم يُجعلون وقوداً للنار. وعن الجبائي: أن معنى قوله تعالى: {وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ}: إن هذه الآلهة معهم في النار مُحضرون، لأن كل حزب مع ما عبدته من الأوثان في النار، فلا الجند يدفعون عنها الإحراق، ولا هي تدفع عنهم العذاب. وهذا كما قال تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}تفسير : [الأنبياء:98]. مكاشفة قرآنية اعلم، هداك الله طريق معرفته وعبوديّته، إن كل من أحب شيئاً محبة نفسانية، أو اعتقد معبوداً حصر الإلهية فيه من المعتقدات المخالفة لما هو الحق في ذاته، فهو بالحقيقة مشرك عابد للصنم - سواء كان صنمه صورة موهومة أو شبحاً محسوساً - وقد مرّ أنه لا يعتقد معتقد من المحجوبين الذين جعلوا الآله منحصراً في صورة معتقدهم فقط، إلاّ بما جعل في نفسه وتصوره بوهمه، فإن الإله من حيث ذاته منّزه عن التعيّن والتقيد، وبحسب أسمائه وصفاته له ظهورات في صور مختلفة، فكل من أحب غير الله كحب الله، فلم يكن أهلاً لمحبة الله مخلصاً، بل طردته العزة والغيرة الإلهية إلى محبة الأنداد، واتخاذ ما هو دون الله، سواء كانت الأهل والأولاد والأحجار والأجساد. وتحقيق ذلك: أن كل محبة لشيء فهو عبودية له، والمحبة نوعان: محبة هي من صفات النفس الإنسانية، - وهي من هوى النفس الأمّارة بالسوء -، ومحبة هي من صفات الحق - وهي محبة المعرفة والحكمة -، كما في قوله تعالى: (كنتُ كنزاً مخفياً، فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف) فكما أن محبوب الحق كونه معروفاً، فمحبوب أهل الله كونهم عارفين له، كما أشار إليه قوله: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة:54] فمن وكل إلى محبته النفسانية تعلقت محبته بما يلائم هوى النفس وشهواتها - من الأصنام وغيرها -. فكما أن الكفار بعضهم يحبون اللاّتَ ويعبدونها، وبعضهم يحبّون العُزَّى ويعبدونها، كذلك أهل الدنيا، بعضهم يحبون الأموال ويعبدونها، وبعضهم يحبون الأولاد ويعبدونها، كما قال تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة:165] ولقد حذر الله تعالى الخلق عن فتنة هذه الأشياء وأعلمهم عداوتها بقوله: {أية : إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} تفسير : [التغابن:15] وبقوله: {أية : إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ} تفسير : [التغابن:14] يعني: فاحذروا عن محبتهم، لأنها عدو لكم يمنعكم عن محبة الله، - وهو الحبيب الحقيقي والمقصود الأصلي - وإنهم العدو. فمن أحب الله، ينظر إلى ما سواه من حيث ما هو سواه بنظر العداوة، كما كان حال الخليل (عليه السلام) فقال: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء:77]. ومن كان في الأزل أهلاً لمحبة الله وعبوديته، فما وكل إلى المحبة النفسانية الشيطانية، بل جذبته العناية الأزلية وَنَظَمَتْهُ في سلك الكناية من قول "يحبهم" فيتجلى لهم بصفة المحبة، فانعكست تلك المحبة لمرائى قلوبهم، فبتلك المحبة يحبونه، فلا تتعلق تلك المحبة بغير الله، لأنها فائضة من عالم الوحدة فلا تقبل الشركة، كما قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} تفسير : [البقرة:165] ولو أحب غيره لأحبه من حيث كونه ولياً له، نبياً مبعوثاً من حضرته، أو كتاباً نازلاً من عنده، أو أمةً قانتاً لله. ولأن الأعداء - كأهل الدنيا - أحبوا الأنداد بمحبة فانية نفسانية، والأحباء أحبوا الله بمحبة باقية أزلية، فلا محالة، لمّا تقطعت بالموت عنهم هذه الأسباب، ورأوا مبادئ العذاب، يتبرء أهل هذه المحبة الفانية بعضهم عن بعض، كما قال تعالى: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ}تفسير : [البقرة:166] ويكون حاصل أمرهم الفرقة والعداوة والتبرّي، كقوله {أية : يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ}تفسير : [الزخرف:38] وقوله: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الزخرف:67]. إذا تحققتَ ما ذكرناه، وفهمتَ ما مهدناه فاعلم أن المراد من قوله: {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ}، هو اتخاذ ما سوى الله للمحبة النفسانية التي ترجع إلى عبادة الصور الوهمية، إذ من أحب غير الله فهو لا يزال يعبده ويخدمه ويتوسل إليه، ويتحرى الطريق إلى وصلته، والتقرب منه والاتحاد به، ويتصور أن الوصول إليه يستلزم النصرة له، ويدخل السرور في قلبه، ويوجب له اللذة الوافرة والسكون والراحة والطمأنينة. وهذا حال أكثر الناس في المستلذات الحسية، مثل الأهل، والمال، والولد، والجاه، والرفعة، والإشتهار، والصيّت، والتقرّب من الملوك والسلاطين، وهكذا حال من يتولى الشياطين، ويحب أهل الملل الباطلة وأصحاب الأديان الفاسدة، وكذا كل من يعتقد شيخاً وإماماً تعصباً وافتخاراً لا من جهة المحبة الإيمانية والمحبة الإلهية، وطلب الإهتداء بالله، وتحصيل المعرفة واليقين، فإن الجميع متخذون من دون الله آلهة عابدون إياها، لاغترارهم بظنونهم الفاسدة أن هذه الآلهة الباطلة ينصرونهم من دون الله. وذلك لجهلهم بالمعارف الحقة، وإعراضهم عن ذكر الله والتدبّر في آياته وأفعاله، كما في قوله تعالى: {أية : بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ * أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ * بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ}تفسير : [الأنبياء:42 - 44] ومن عرف الله وعرف صفاته وأفعاله، ونظر إلى الأشياء بنظر التوحيد الافعالي، يقول لهؤلاء المتخذين غير الله مخدومين معبودين: {أية : أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ}تفسير : [الأنبياء:67]، ويعلم أن لا هادي ولا معطي إلاّ الله، وأن لا يستطيع أحد نصره إلاّ الله، ولا يشفع له شفاعة إلاّ بإذن الله، كما قال تعالى: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ} وكقوله: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}تفسير : [البقرة:255]. وأما قوله: {وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ} فيحتمل أن يراد به أن عبدة الهوى وأحبّاء الشهوة والدنيا، يتخذون الأهل والأولاد والأحفاد والعبيد والخدّام أحباءَ من دون الله بمحبة فانية نفسانية، ويعتقدون أن هذه خدام لهم، وجنود وأعوان ينصرونهم - وهذا حال كل من طلب الدنيا وذهل عن الآخرة ونسي ذكر الله -. ولا يعلم المسكين المسخّر للشيطان المسحور بسحر الدنيا، أن الشيطان اللعين سخرّ عقله واستخدمه، وجعله رهين الشهوات وعرضة البليّات والآفات، وصيّره دائماً مشغوفاً بتحصيل الأسباب وطلب المناصب والمهمات، وجمع الذخائر والأموال، ومشغولاً بالسعي والكد والتعب والقيل والقال، ومعارضة الأعداء والحسّاد، والمجادلة مع الخصماء والأنداد، وارتكاب المخاطر والأهوال، وقطع المفاوز والبوادي البعيدة، وركوب البحار المهلكة، حتى يهلكه في أيّ واد أراد، ويجعله جسراً يعبر به أهل الشهوات في طلب المراد وطريقاً إلى جهنم وبئس المهاد. ومن نظر بعين الحقيقة، يعلم أن لا حاصل له في هذه المحن الشديدة، ولا طائل تحت هذه المساعي الكثيرة، ولا فيما يتعلق به، إلاّ أنه صار بحسب التقدير وسيلة لأن ينتظم أحوال شهوات جماعة ارتبطت شهواتهم بسعي هذا الأحمق السفيه، وانتظمت أرزاقهم بكدّه وارتباطه، فعلى التحقيق هو من جملة خدّام القوى الشهوية والغضبية لهذه المسميات بالأهل والعبيد، والخدم والجنود، لا أنهم عبيده وخدمه وجنوده، إلاَّ أن هذا الأحمق وكثير من الحمقى - الذين عقولهم في هذه المرتبة - يزعمون أن أمثالهم ومن هو في مرتبتهم مخاديم والمتعلقون بهم أتباعهم وجنودهم. ولما كان هذا من الأغلاط الفاحشة الشائعة بين الأنام، أراد الله أن يكشف عنه وأزاحه عن الأوهام فقال: {وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ}، وسبب ذلك، أن هذا العالم عالم الانتكاس والإنعكاس، يرى فيه الخادم مخدوماً والفقير غنياً، والنار نوراً والظل حروراً، والقبيح حسناً، والحسن قبيحاً، والموت حياة والحياة مماتاً، والذلة لذة، والناظرون بعين الشهود والمعرفة يرون بواطن الأمور، ويشاهدون اشتغال الخلق بطلب ما هو سبب النكال والوبال، ويتعجبون من شغفهم بصحبة المؤذيات، وسعيهم في خدمة العقارب والحيّات، وتسميتهم لها من الحظوظ واللذات، وطاعتهم للكلاب والذئاب، وعدّهم لها من جملة الأصحاب والأحباب، ويشاهدون عجائب عديدة وغرائب كثيرة: منها: أن رجلاً يعيش في قعر بئر مظلم في مزبلة، عليها سماد طرية، وجيف منتة، يأكل الدم والصديد والقاذورات، ويشرب الحميم والزقوم، وأكثر طعامه من غِسلين، وشرابه من أبوال الحيوانات، ويعاشر امرأة قبيحة منتنة ركيكة مريضة، عليها أوجاع وجراحات لا تحصى، ويتغنى الرجل في جلود غير مدبوغة بألحان غير موزونة، يصف بها حسن امرأته، وهو بنفسه يضرب الدف ويرقص فرحاً ويسأل الله أن يثبته على هذه الحالة أبداً. ومنها: أن رجلاً ضعيفاً عاجزاً به أمراض وجراحات ومحن لا تحصى، في خربة من المغارة (المفازة) المنقوشة، يدعي أن تلك الخربة عمارات، وتلك الجراحات راحات، وتلك النقوش والصور خدمه وحشمه، وهو ملك عظيم قدير يفعل ما يشاء، وبيده ملكوت الأشياء وعنده حقائق الأنباء. فانتبه يا نائم، واستقم يا هائم، واعتصم بحبل الله المتين ليصعدك من مهوى عالم الشياطين - العارفين بعلم السيمياء، القادرين على إراءة الأشياء لا على ما هي عليها -، لعلك تنجو من عذاب أليم، وتصل إلى الرضوان والنعيم.
الجنابذي
تفسير : {وَٱتَّخَذُواْ} عطف على فلا يشكرون يعنى افلا يشكرون؟! بل يكفرون بان اتّخذوا، او عطف على مجموع افلا يشكرون يعنى انّهم لا يشكرون البتّة وينبغى ان يشكروا واتّخذوا بدلاً من الشّكر {مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً} كفراناً به وبنعمه، ويجوز ان يكون عطفاً على لم يروا او على او لم يروا {لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} بالآلهة مع انّ الله ناصرهم فى جليلهم وحقيرهم ومعطيهم فى قليلهم وكثيرهم.
اطفيش
تفسير : {واتخذوا من دون الله آلهة} مع علمهم بأنه تعالى المنفرد بالقدرة والنعم. {لعلهم ينصرون} أي راجين منها النصر مما ينزل بهم دنيا او اخرى.
اطفيش
تفسير : {واتَّخَذوا مِن دُون الله} العظيم الشأن، الذى لا إله إلا هو، المنعم بتلك النعم {آلهةً} أصناما أو غيرها، عاجزة غير عاقلة لا تملك شيئا {لعلهم يُنْصَرون} قائلين لعلها تنصرنا فى الدنيا عن البلاء، وفى الآخرة عن النار إن كانت الآخرة، ورد الله عز وجل عليهم بقوله: {لا يسْتَطيعُون} أى لا تستطيع آلهتهم {نَصْرهم} أى نصر هؤلاء العابدين لها فى الدنيا ولا فى الآخرة {وهُم} أى الآلهة {لَهُم} أى لعابديها {جُنْدٌ مُحضرون} تحضر ليعذب عابدوها بها، بأن تجعل لهم وقود النار، أو تحضر لحساب عابديها فيتبين أنها لا تدفع عنهم شيئا وفى جعلها جندا لهم كعسكر يدفع عنكم تهكم بهم، وكذا فى لام النفع، وكان الأمر بالعكس، إذ كانت جند الله يعذبهم بها، وكذا فى قول الحسن وقتادة هم لعابديها، ولهم للآلهة، وجند محضرون فى الدنيا لحفظها، والذب عنها، مع أنها لا نفع فيها، وكذا فى رواية عن الحسن، هم أى عابدوها جند الآخرة، أو هم عابدوها لآلهتهم جند محضرون فى النار بعد إحضار الآلهة فيها، والواو للحال المقدرة.
الالوسي
تفسير : {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي متجاوزين الله تعالى الذي رأوا منه تلك القدرة الباهرة والنعم الظاهرة وعلموا أنه سبحانه المتفرد بها {ءالِهَةً } من الأصنام وأشركوها به عز وجل في العبادة {لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ } رجاء أن ينصروا أو لأجل أن ينصروا من جهتهم فيما نزل بهم وأصابهم من الشدائد أو يشفعوا لهم في الآخرة.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة { أية : أو لم يروا أنَّا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً } تفسير : [يس: 71]، أي ألم يروا دلائل الوحدانية ولم يتأملوا جلائل النعمة، واتخذوا آلهة من دون الله المنعِم والمنفرد بالخلق. ولك أن تجعله عطفاً على الجملتين المفرعتين، والمقصود من الإِخبار باتخاذهم آلهة من دون الله التعجيب من جريانهم على خلاف حقّ النعمة ثم مخالفةِ مقتضى دليل الوحدانية المدمَج في ذكر النعم. والإِتيان باسم الجلالة العَلَم دون ضميرٍ إظهارٌ في مقام الإِضمار لما يشعر به اسمه العلم من عظمة الإِلهية إيماء إلى أن اتخاذهم آلهة من دونه جراءة عظيمة ليكون ذلك توطئة لقوله بعده { أية : فلا يحزنك قولهم } تفسير : [يس: 76] أي فإنهم قالوا ما هو أشد نكراً. وأما الإِضمار في قوله في سورة الفرقان (3): { أية : واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون } تفسير : فلأنه تقدم ذكر انفراده بالإِلهية صريحاً من قوله: { أية : الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً } تفسير : [الفرقان:2]. وقوله: {لعلَّهم يُنصرون} وقعت (لعلّ) فيه موقعاً غير مألوف لأن شأن (لعلّ) أن تفيد إنشاء رجاء المتكلم بها وذلك غير مستقيم هنا. وقد أغفل المفسرون التعرض لتفسيره، وأهمله علماء النحو واللغةِ من استعمال (لعلّ)، فيتعين: إما أن تكون (لعلّ) تمثيلية مكنية بأن شبه شأن الله فيما أخبر عنهم بحال من يرجو من المخبرَ عنهم أن يحصُل لهم خبرُ (لعلّ)، وذكر حرف (لعلّ) رمز لرديف المشبه به فتكون جملة {لعلهم ينصرون} معترضة بين {ءَالِهَةً} وبين صفته وهي جملة {لا يستطيعون نصرهم}، وإما أن يكون الكلام جرى على معنى الاستفهام وهو استفهام إنكاري أو تهكمي والجملة معترضة أيضاً، وإما أن يجعل الرجاء منصرفاً إلى رجاء المخبر عنهم، أي راجين أن تنصرهم تلك الآلهة وعلى تقدير قول محذوف، أي قائلين: لعلنا نُنصر، وحكي {يُنصَرون} بالمعنى على أحد وجهين في حكاية الأقوال تقول: قال أفعَلُ كذا، وقال يَفعلُ كذا، وتكون جملة {لا يستطيعون نصرهم} استئنافاً للرد عليهم. وإما أن تجعل (لعلّ) للتعليل على مذهب الكسائي فتكون جملة {لا يستطيعون نصرهم} استئنافاً. والمقصود: الإِشارة إلى أن الكفار يزعمون أن الأصنام تشفع لهم عند الله في أمور الدنيا ويقولون: { أية : هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه } تفسير : [يونس:18] وهم سالكون في هذا الزعم مسلك ما يألفونه من الاعتزاز بالموالاة والحلف بين القبائل والانتماء إلى قادتهم، فبمقدار كثرة الموالي تكون عزّة القبيلة فقاسوا شؤونهم مع ربهم على شؤونهم الجارية بينهم وقياس أمور الإِلهية على أحوال البشر من أعمق مهاوي الضلالة. وأجري على الأصنام ضمير جمع العقلاء في قوله: {لا يستطيعون} لأنهم سموهم بأسماء العقلاء وزعموا لهم إدراكاً. وضمير {وهُمْ} يجوز أن يعود إلى {ءَالِهَة} تبعاً لضمير {لا يستطيعون}. وضمير {لَهُم} للمشركين، أي والأصنام للمشركين جند محضَرون، والجند العدد الكثير. والمحضر الذي جيء به ليحضر مشهداً. والمعنى: أنهم لا يستطيعون النصر مع حضورهم في موقف المشركين لمشاهدة تعذيبهم ومع كونهم عدداً كثيراً ولا يقدرون على نصر المتمسكين بهم، أي هم عاجزون عن ذلك، وهذا تأييس للمشركين من نفع أصنامهم. ويجوز العكس، أي والمشركون جند لأصنامهم محضرون لخدمتها. ويجوز أن يكون هذا إخباراً عن حالهم مع أصنامهم في الدنيا وفي الآخرة. وينبغي أن تكون جملة {وهم لهم جندٌ مُحضرونَ} في موضع الحال، والواو واو الحال من ضمير {يستطيعون}، أي ليس عدم استطاعتهم نصرهم لبعد مكانهم وتأخر الصريخ لهم ولكنهم لا يستطيعون وهم حاضرون لهم، واللام في {لَهُم} للأجَل، أي أن الله يحضر الأصنام حين حشر عبدتها إلى النار ليُري المشركين خطَل رأيهم وخيبة أملهم، فهذا وعيد بعذاب لا يجدون منه ملجأ.
د. أسعد حومد
تفسير : {آلِهَةً} (74) - واتَّخَذَ هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ آلِهَةً يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللهِ، طَمَعاً فِي أَنْ تَنْصُرَهُمْ، وَتَدْفَعَ عَنْهُم العَذَابَ، وَأَنْ تُقَرِّبَهم إِلَى اللهِ زُلْفَى.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : عجيبٌ أن يحكي القرآن عنهم هذا بعد أن شرح اللهُ لهم آياته التي تثبت وجوده الأعلى ووحدانيته الكبرى، ففي الآفاق حول الإنسان آيات، وفي نفسه آيات، فمَنِ انصرف عن الأولى أو غفل عنها، فكيف يغفل عن الأخرى، وهي في نفسه وذاته التي لا تفارقه. لذلك قال سبحانه: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 53]. ومع ذلك {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً} [يس: 74] أي: عبدوها من دون الله، لماذا؟ {لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74] صحيح أن الإنسان يتخذ إلهاً منه لينصره في شدته، لكن إذا كان هذا الإله الذي ترجع إليه في الشدة هو الذي يرجع إليك ويحتاجك؛ لتصلحه إنْ كسرتْه الريح، أو أطاحت به العوارض، فإن وقع تقيمه، وإنْ كُسِرت ذراعه أصلحتها، وإن جاء السيل جرفه، وألقى به في الوحل، إذن: كيف يُتَّخذ هذا إلهاً؟ وتعرفون قصة سيدنا إبراهيم لما حطم الأصنام سأل قومه: {أية : أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ} تفسير : [الأنبياء: 62-63]. وهكذا أوقفهم نبي الله إبراهيم على كلمة الحق التي لا يستطيعون إنكارها، وهي أنهم جمادات صمَّاء لا تنطق {أية : فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ} تفسير : [الأنبياء: 64] لكن سرعان ما تنبهوا إلى خطورة هذا الاعتراف، فعادوا إلى ما كانوا عليه من المكابرة والعناد {أية : ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ} تفسير : [الأنبياء: 65] عندها رأى إبراهيم أنْ يجابههم بهذه الحقيقة التي يحاولون الانفلات منها {أية : قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 66-67]. لذلك يرد الله عليهم: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ} [يس: 75] فهم لا ينصرون عابديهم، إنما العابدون هم الذين ينصرونهم، ويوم القيامة سيجمعهم الله معاً، لا يُحشر العابد بدون المعبود لتكون المواجهة، فلو حُشِر العابد وحده لانتظر معبوده ينصره ويدافع عنه، إنما يُحشَر الجميع معاً، كما قال سبحانه: {أية : مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} تفسير : [الصافات: 25-26]. وقال سبحانه: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ} تفسير : [الصافات: 22] أي: أحضروهم معهم في النار، العابد والمعبود، والمعنى أن هذه الأصنام ستكون وقوداً للنار التي يُعذَّب بها العابدون. وبعد ذلك يعود السياق إلى رسول الله، الذي يكابرون فيه ويعاندونه: {فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا بيان لبطلان آلهة المشركين، التي اتخذوها مع اللّه تعالى، ورجوا نصرها وشفعها، فإنها في غاية العجز { لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ } ولا أنفسهم ينصرون، فإذا كانوا لا يستطيعون نصرهم، فكيف ينصرونهم؟ والنصر له شرطان: الاستطاعة [والقدرة] فإذا استطاع، يبقى: هل يريد نصرة من عبده أم لا؟ فَنَفْيُ الاستطاعة، ينفي الأمرين كليهما. { وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ } أي: محضرون هم وهم في العذاب، ومتبرئ بعضهم من بعض، أفلا تبرأوا في الدنيا من عبادة هؤلاء، وأخلصوا العبادة للذي بيده الملك والنفع والضر، والعطاء والمنع، وهو الولي النصير؟
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):