Verse. 3794 (AR)

٣٧ - ٱلصَّافَّات

37 - As-Saffat (AR)

اِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاۗءَ الدُّنْيَا بِزِيْنَۃِۨ الْكَـوَاكِبِ۝۶ۙ
Inna zayyanna alssamaa alddunya bizeenatin alkawakibi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنَّا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب» أي بضوئها أو بها، والإضافة للبيان كقراءة تنوين زينة المبينة بالكواكب.

6

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة وحفص عن عاصم زينة منونة الكواكب بالجر وهو قراءة مسروق بن الأجدع، قال الفراء وهو رد معرفة على نكرة كما قال: {أية : بِٱلنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ } تفسير : [العلق: 15، 16] فرد نكرة على معرفة وقال الزجاج: الكواكب بدل من الزينة، لأنها هي كما تقول مررت بأبي عبد الله زيد. وقرأ عاصم بالتنوين في الزين ونصب الكواكب قال الفراء: يريد زينا الكواكب، وقال الزجاج: يجوز أن تكون الكواكب في النصف بدلاً من قوله بزينة، لأن بزينة في موضع نصب وقرأ الباقون (بزينة الكواكب) بالجر على الإضافة. المسألة الثانية: بين تعالى أنه زين السماء الدنيا، وبين أنه إنما زينها لمنفعتين إحداهما: تحصيل الزينة والثانية: الحفظ من الشيطان المارد، فوجب أن نحقق الكلام في هذه المطالب الثلاثة أما الأول: وهو تزيين السماء الدنيا بهذه الكواكب، فلقائل أن يقول إنه ثبت في علم الهيئة أن هذه الثوابت مركوزة في الكرة الثامنة، وأن السيارات الستة مركوزة في الكرات الست المحيطة بسماء الدنيا فكيف يصح قوله: {إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوٰكِبِ } والجواب أن الناس الساكنين على سطح كرة الأرض إذا نظروا إلى السماء فإنهم يشاهدونها مزينة بهذه الكواكب، وعلى أنا قد بينا في علم الهيئة أن الفلاسفة لم يتم لهم دليل في بيان أن هذه الكواكب مركوزة في الفلك الثامن، ولعلنا شرحنا هذا الكلام في تفسير سورة {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ } تفسير : [الملك: 1] في تفسير قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ } تفسير : [الملك: 5]، وأما المطلوب الثاني: وهو كون هذه الكواكب زينة السماء الدنيا ففيه بحثان: البحث الأول: أن الزينة مصدر كالنسبة واسم لما يزن به، كالليقة اسم لما تلاق به الدواة قال صاحب الكشاف وقوله: {بِزِينَةٍ ٱلْكَوٰكِبِ } يحتملهما فإن أردت المصدر فعلى إضافته إلى الفاعل أي بأن زينتها الكواكب أو على إضافته إلى المفعول أي بأن زان الله الكواكب وحسنها، لأنها إنما زينت السماء بحسنها في أنفسها، وإن أردت الاسم فللإضافة وجهان أن تقع الكواكب بياناً للزينة، لأن الزينة قد تحصل بالكواكب وبغيرها، وأن يراد ما زينت به الكواكب. البحث الثاني: في بيان كيفية كون الكواكب زينة للسماء وجوه الأول: أن النور والضوء أحسن الصفات وأكملها، فإن تحصل هذه الكواكب المشرقة المضيئة في سطح الفلك لا جرم بقي الضوء والنور في جرم الفلك بسبب حصول هذه الكواكب فيها قال ابن عباس: {بِزِينَةٍ ٱلْكَوٰكِبِ } أي بضوء الكواكب الوجه الثاني: يجوز أن يراد أشكالها المتناسبة المختلفة كشكل الجوزاء وبنات نعش والثريا وغيرها الوجه الثالث: يجوز أن يكون المراد بهذه الزينة كيفية طلوعها وغروبها الوجه الرابع: أن الإنسان إذا نظر في الليلة الظلماء إلى سطح الفلك ورأى هذه الجواهر الزواهر مشرقة لامعة متلألئة على ذلك السطح الأزرق، فلا شك أنها أحسن الأشياء وأكملها في التركيب والجوهر، وكل ذلك يفيد كون هذه الكواكب زينة وأما المطلوب الثالث: وهو قوله: {وَحِفْظاً مّن كُلّ شَيْطَـٰنٍ مَّارِدٍ } ففيه بحثان: البحث الأول: فيما يتعلق باللغة فقوله: {وَحِفْظاً } أي وحفظناها، قال المبرد: إذا ذكرت فعلاً ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر نصبت المصدر لأنه قد دل على فعله، مثل قولك أفعل وكرامة لأنه لما قال أفعل علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال، فكان المعنى أفعل ذلك وأكرمك كرامة، قال ابن عباس يريد حفظ السماء بالكواكب و {مّن كُلّ شَيْطَـٰنٍ مَّارِدٍ } يريد الذي تمرد على الله قيل إنه الذي لا يتمكن منه، وأصله من الملاسة ومنه قوله: {أية : صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ } تفسير : [النمل: 44] ومنه الأمرد: وذكرنا تفسير المارد عند قوله: {أية : مَرَدُواْ عَلَى ٱلنّفَاقِ } تفسير : [التوبة: 101]. البحث الثاني: فيما يتعلق بالمباحث العقلية في هذا الموضع، فنقول الاستقصاء فيه مذكور في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لّلشَّيَـٰطِينِ } تفسير : [الملك: 5] قال المفسرون الشياطين كانوا يصعدون إلى قرب السماء فربما سمعوا كلام الملائكة وعرفوا به ما سيكون من الغيوب، وكانوا يخبرونهم به ويوهمونهم أنهم يعلمون الغيب فمنعهم الله تعالى من الصعود إلى قرب السماء بهذه الشهب فإنه تعالى يرميهم بها فيحرقهم بها، وبقي ههنا سؤالات: السؤال الأول: هذه الشهب هل هي من الكواكب التي زين الله السماء بها أم لا؟ والأول باطل لأن هذه الشهب تبطل وتضمحل فلو كانت هذه الشهب تلك الكواكب الحقيقية لوجب أن يظهر نقصان كثير من أعداد كواكب السماء، ومعلوم أن هذا المعنى لم يوجد ألبتة فإن أعداد كواكب السماء باقية في حالة واحدة من غير تغير ألبتة، وأيضاً فجعلها رجوماً للشياطين مما يوجب وقوع النقصان في زينة السماء فكأن الجمع بين هذين المقصودين كالمتناقض، وأما القسم الثاني: وهو أن يقال إن هذه الشهب جنس آخر غير الكواكب المركوزة في الفلك فهذا أيضاً مشكل لأنه تعالى قال في سورة: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ } تفسير : [الملك: 1]، {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لّلشَّيَـٰطِينِ } تفسير : [الملك: 5] فالضمير في قوله: {وَجَعَلْنَـٰهَا } عائد إلى المصابيح، فوجب أن تكون تلك المصابيح هي الرجوع بأعيانها من غير تفاوت، والجواب أن هذه الشهب غير تلك الثواقب الباقية، وأما قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لّلشَّيَـٰطِينِ } تفسير : [الملك: 5] فنقول كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصابيح لأهل الأرض إلا أن تلك المصابيح منها باقية على وجه الدهر آمنة من التغير والفساد، ومنها ما لا يكون كذلك، وهي هذه الشهب التي يحدثها الله تعالى ويجعلها رجوماً للشياطين، وبهذا التقدير فقد زال الإشكال، والله أعلم. السؤال الثاني: كيف يجوز أن تذهب الشياطين إلى حيث يعلمون بالتجويز، أن الشهب تحرقهم ولا يصلون إلى مقصودهم ألبتة، وهل يمكن أن يصدر مثل هذا الفعل عن عاقل، فكيف من الشياطين الذين لهم مزيّة في معرفة الحيل الدقيقة والجواب: أن حصول هذه الحالة ليس له موضع معين وإلا لم يذهبوا إليه، وإنما يمنعون من المصير إلى مواضع الملائكة ومواضعها مختلفة، فربما صاروا إلى موضع تصيبهم فيه الشهب، وربما صاروا إلى غيره ولا يصادفون الملائكة فلا تصيبهم الشهب، فلما هلكوا في بعض الأوقات، وسلموا في بعض الأوقات، جاز أن يصيروا إلى مواضع يغلب على ظنونهم أنه لا تصيبهم الشهب فيها، كما يجوز فيمن يسلك البحر أن يسلكه في موضع يغلب على ظنه حصول النجاة، هذا ما ذكره أبو علي الجبائي من الجواب عن هذا السؤال في تفسيره. ولقائل أن يقول: إنهم إذا صعدوا فإما أن يصلوا إلى مواضع الملائكة، أو إلى غير تلك المواضع، فإن وصلوا إلى مواضع الملائكة احترقوا، وإن وصلوا إلى غير مواضع الملائكة لم يفوزوا بمقصودهم أصلاً، فعلى كلا التقديرين المقصود غير حاصل، إذا حصلت هذه التجربة وثبت بالاستقراء أن الفوز بالمقصود محال وجب أن يمتنعوا عن هذا العمل وأن لا يقدموا عليه أصلاً بخلاف حال المسافرين في البحر، فإن الغالب عليهم السلامة والفوز بالمقصود، أما ههنا فالشيطان الذي يسلم من الاحتراق إنما يسلم إذا لم يصل إلى مواضع الملائكة، وإذا لم يصل إلى تلك المواضع لم يفز بالمقصود، فوجب أن لا يعود إلى هذا العمل ألبتة، والأقرب في الجواب أن نقول هذه الوقعة إنما تتفق في الندرة، فلعلها لا تشتهر بسبب كونها نادرة بين الشياطين، والله أعلم. السؤال الثالث: قالوا: دلت التواريخ المتواترة على أن حدوث الشهب كان حاصلاً قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الحكماء الذين كانوا موجودين قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم بزمان طويل ذكروا ذلك وتكلموا في سبب حدوثه، إذا ثبت أن ذلك كان موجوداً قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم امتنع حمله على مجيء النبي صلى الله عليه وسلم، أجاب القاضي بأن الأقرب أن هذه الحالة كانت موجودة قبل النبي صلى الله عليه وسلم لكنها كثرت في زمان النبي صلى الله عليه وسلم فصارت بسبب الكثرة معجزة. السؤال الرابع: الشيطان مخلوق من النار، قال تعالى حكاية عن إبليس {أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ } تفسير : [الأعراف: 12] وقال: {أية : وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ } تفسير : (الحجر؛ 27) ولهذا السبب يقدر على الصعود إلى السموات، وإذا كان كذلك فكيف يعقل إحراق النار بالنار؟ والجواب يحتمل أن الشياطين وإن كانوا من النيران إلا أنها نيران ضعيفة، فإن وصلت نيران الشهب إليهم، وتلك النيران أقوى حالاً منهم لا جرم صار الأقوى مبطلاً للأضعف، ألا ترى أن السراج الضعيف إذا رجع في النار القوية فإنه ينطفىء فكذلك ههنا. السؤال الخامس: أن مقر الملائكة هو السطح الأعلى من الفلك، والشياطين لا يمكنهم الوصول إلا إلى الأقرب من السطح الأسفل من الفلك، فيبقى جرم الفلك مانعاً من وصول الشياطين إلى القرب من الملائكة، ولعل الفلك عظيم المقدار دفع حصول هذا المانع العظيم، كيف يعقل أن تسمع الشياطين كلام الملائكة، فإن قلتم إن الله تعالى يقوي سمع الشيطان حتى يسمع كلام الملائكة، فنقول فعلى هذا التقدير إذا كان الله تعالى يقوي سمع الشيطان حتى يسمع كلام الملائكة، وجب أن لا ينفي سمع الشيطان، وإن كان لا يريد منع الشيطان من العمل فما الفائدة في رميه بالرجوم؟ فالجواب: مذهبنا أن أفعال الله تعالى غير معللة، فيفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله، فهذا ما يتعلق بمباحث هذا الباب، وإذا أضيف ما كتبناه ههنا إلى ما كتبناه في سورة الملك، وفي سائر الآيات المشتملة على هذه المسألة بلغ تمام الكفاية في هذا الباب، والله أعلم. وأما قوله: {لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم {لاَ يَسْمَعُونَ } بتشديد السين والميم وأصله يتسمعون، فأدغمت التاء في السين لاشتراكهما في الهمس، والتسمع تطلب السماع يقال تسمع سمع أو لم يسمع، والباقون بتخفيف السين، واختار أبو عبيد التشديد في يسمعون، قال: لأن العرب تقول تسمعت إلى فلان ويقولون سمعت فلاناً، ولا يكادون يقولون سمعت إلى فلان، وقيل في تقوية هذه القراءة إذا نفى التسمع، فقد نفى سمعه، وحجة القراءة الثانية قوله تعالى: {أية : إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ } تفسير : [الشعراء: 212] وروى مجاهد عن ابن عباس: أن الشياطين يسمعون إلى الملأ الأعلى، ثم يمنعون فلا يسمعون، وللأولين أن يجيبوا فيقولون التنصيص على كونهم معزولين عن السمع لا يمنع من كونهم معزولين أيضاً عن التسمع بدلالة هذه الآية، بل هو أقوى في ردع الشياطين ومنعهم من استماع أخبار السماء، فإن الذي منع من الاستماع فبأن يكون ممنوعاً من السمع أولى. المسألة الثانية: الفرق بين قولك سمعت حديث فلان، وبين قولك سمعت إلى حديثه، بأن قولك سمعت حديثه يفيد الإدراك، وسمعت إلى حديثه يفيد الإصغاء مع الإدراك. المسألة الثالثة: في قوله: {لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ } قولان الأول: وهو المشهور أن تقدير الكلام لئلا يسمعوا، فلما حذف الناصب عاد الفعل إلى الرفع كما قال: {أية : يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } تفسير : [النساء: 176] وكما قال: {أية : رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ } تفسير : [لقمان: 10] قال صاحب «الكشاف»: حذف أن واللام كل واحد منهما جائز بانفراده. أما اجتماعهما فمن المنكرات التي يجب صوت القرآن عنها والقول الثاني: وهو الذي اختاره صاحب «الكشاف» أنه كلام مبتدأ منقطع عما قبله، وهو حكاية حال المسترقة للسمع وأنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة ويتسمعوا وهم مقذوفون بالشهب، مدحورون عن ذلك المقصود. المسألة الرابعة: الملأ الأعلى الملائكة لأنهم يسكنون السموات. وأما الإنس والجن فهم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض. واعلم أنه تعالى وصف أولئك الشياطين بصفات ثلاثة الأولى: أنهم لا يسمعون الثانية: أنهم يقذفون من كل جانب دحوراً وفيه أبحاث: الأول: قد ذكرنا معنى الدحور في سورة الأعراف عند قوله: {أية : ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءومًا مَّدْحُورًا } تفسير : [الأعراف: 18] قال المبرد الدحور أشد الصغار والذل وقال ابن قتيبة دحرته دحراً ودحوراً أي دفعته وطردته. البحث الثاني: في انتصاب قوله: {دُحُوراً } وجوه الأول: أنه انتصب بالمصدر على معنى يدحرون دحوراً، ودل على الفعل قوله تعالى: {وَيَقْذِفُونَ } الثاني: التقدير ويقذفون للدحور ثم حذف اللام الثالث: قال مجاهد دحوراً مطرودين، فعلى هذا هو حال سميت بالمصدر كالركوع والسجود والحضور. البحث الثالث: قرأ أبو عبد الرحمن السلمي دحوراً بفتح الدال قال الفراء كأنه قال يقذفون يدحرون بما يدحر، ثم قال ولست أشتهي الفتح، لأنه لو وجد ذلك على صحة لكان فيها الباء كما تقول يقذفون بالحجارة ولا تقول يقذفون الحجارة إلا أنه جائز في الجملة كما قال الشاعر: شعر : تعال اللحم للأضياف نيئاً تفسير : أي تعالى باللحم الصفة الثالثة: قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ } والمعنى أنهم مرجومون بالشهب وهذا العذاب مسلط عليهم على سبيل الدوام، وذكرنا تفسير الواصب في سورة النحل عند قوله تعالى: أية : {وله الدين واصباً} تفسير : [النحل: 52] قالوا كلهم إنه الدائم، قال الواحدي ومن فسر الواصب بالشديد والموجع فهو معنى وليس بتفسير. ثم قال تعالى: {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ } ذكرنا معنى الخطف في سورة الحج قال الزجاج وهو أخذ الشيء بسرعة، وأصل خطف اختطف قال صاحب «الكشاف» {مِنْ } في محل الرفع بدل من الواو في لا يسمعون أي لا يسمع الشياطين إلا الشيطان الذي خطف الخطفة أي اختلس الكلمة على وجه المسارقة {فَأَتْبَعَهُ } يعني لحقه وأصابه يقال تبعه وأتبعه إذا مضى في أثره وأتبعه إذا لحقه وأصله من قوله تعالى: {أية : فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } تفسير : [الأعراف: 175] وقد مر تفسيره وقوله تعالى: {شِهَابٌ ثَاقِبٌ } قال الحسن ثاقب أي مضيء وأقول سمي ثاقباً لأنه يثقب بنوره الهواء، قال ابن عباس في تفسير قوله: {أية : وَٱلنَّجْمِ ٱلثَّاقِبُ } تفسير : [الطارق: 3] قال: إنه رجل سمي بذلك لأنه يثقب بنوره سمك سبع سموات، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ } قال قتادة: خلقت النجوم ثلاثاً؛ رجوماً للشياطين، ونوراً يهتدى بها، وزينة لسماء الدنيا. وقرأ مسروق والأعمش والنخعي وعاصم وحمزة: «بِزِينةٍ» مخفوض منوّن «الْكَوَاكِبِ» خفض على البدل من «زينة» لأنها هي. وقرأ أبو بكر كذلك إلا أنه نصب «الْكَوَاكب» بالمصدر الذي هو زينة. والمعنى بأن زينا الكواكب فيها. ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار أعني؛ كأنه قال: إنا زيناها «بِزينة» أعني «الكواكِبَ». وقيل: هي بدل من زينة على الموضع. ويجوز «بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبُ» بمعنى بأن زينتها الكواكبُ. أو بمعنى هي الكواكب. الباقون «بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ» على الإضافة. والمعنى زينا السماء الدنيا بتزيين الكواكِب؛ أي بحسن الكواكب. ويجوز أن يكون كقراءة من نوّن إلا أنه حذف التنوين ٱستخفافاً. {وَحِفْظاً} مصدر؛ أي حفظناها حفظاً. {مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ} لما أخبر أن الملائكة تنزل بالوحي من السماء، بيّن أنه حرس السماء عن ٱستراق السمع بعد أن زيّنها بالكواكب. والمارد: العاتي من الجن والإنس، والعرب تسميه شيطاناً. قوله تعالى: {لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ} قال أبو حاتم: أي لئلا يسمعوا ثم حذف «أن» فرفع الفعل. الملأ الأعلى: أهل السماء الدنيا فما فوقها، وسمّي الكل منهم أعلى بالإضافة إلى ملإ الأرض. الضمير في «يَسَّمَّعُون» للشياطين. وقرأ جمهور الناس «يَسْمَعُونَ» بسكون السين وتخفيف الميم. وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص «لاَ يَسَّمَّعُونَ» بتشديد السين والميم من التسميع. فينتفي على القراءة الأولى سماعهم وإن كانوا يستمعون، وهو المعنى الصحيح، ويعضده قوله تعالى: {أية : إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ }تفسير : [الشعراء: 212]. وينتفي على القراءة الأخيرة أن يقع منهم ٱستماع أو سماع. قال مجاهد: كانوا يتسمَّعون ولكن لا يسمعون. وروي عن ٱبن عباس «لاَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإَ» قال: هم لا يسمَّعون ولا يتسمعون. وأصل «يَسَّمَّعُونَ» يتسمعون فأدغمت التاء في السين لقربها منها. وٱختارها أبو عبيد؛ لأن العرب لا تكاد تقول: سمعت إليه وتقول تسمّعت إليه. {وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ} أي يُرمَون من كل جانب؛ أي بالشُّهب. {دُحُوراً} مصدر؛ لأن معنى «يُقْذَفُونَ» يُدحَرون. دحرته دَحْراً ودُحُورا أي طردته. وقرأ السُّلَمي ويعقوب الحضرمي «دَحُوراً» بفتح الدال يكون مصدراً على فعول. وأما الفرّاء فإنه قدّره على أنه ٱسم الفاعل. أي ويقذفون بما يدحرهم أي بدحور ثم حذف الباء؛ والكوفيون يستعملون هذا كثيراً كما أنشدوا:شعر : تَمُّرونَ الديارَ ولَمْ تَعوجُوا تفسير : وٱختُلف هل كان هذا القذف قبل المبعث، أو بعده لأجل المبعث؛ على قولين. وجاءت الأحاديث بذلك على ما يأتي من ذكرها في سورة «الجن» عن ٱبن عباس. وقد يمكن الجمع بينهما أن يقال: إن الذين قالوا لم تكن الشياطين تُرْمى بالنجوم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم رميت؛ أي لم تكن تُرمَى رمياً يقطعها عن السمع، ولكنها كانت تُرمَى وقتاً ولا تُرمَى وقتاً، وتُرمى من جانب ولا تُرمَى من جانب. ولعل الإشارة بقوله تعالى: {وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ } إلى هذا المعنى، وهو أنهم كانوا لا يقذفون إلا من بعض الجوانب فصاروا يرمون واصباً. وإنما كانوا من قبل كالمتجسسة من الإنس، يبلغ الواحد منهم حاجته ولا يبلغها غيره، ويَسلَم واحد ولا يَسلَم غيره، بل يقبض عليه ويعاقب وينكِّل. فلما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم زِيد في حفظ السماء، وأعدّت لهم شُهُب لم تكن من قبل؛ ليُدْحَروا عن جميع جوانب السماء، ولا يُقَرُّوا في مقعد من المقاعد التي كانت لهم منها؛ فصاروا لا يقدرون على سماع شيء مما يجري فيها، إلا أن يختطف أحد منهم بخفّة حركته خطفة، فيتبعه شهاب ثاقب قبل أن ينزل إلى الأرض فيلقيها إلى إخوانه فيحرقه؛ فبطلت من ذلك الكهانة وحصلت الرسالة والنبوّة. فإن قيل: إن هذا القذف إن كان لأجل النبوّة فَلِمَ دام بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فالجواب ـ أنه دام بدوام النبوّة، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم أخبر ببطلان الكهانة فقال: «حديث : ليس منا من تكهّن» تفسير : فلو لم تحرس بعد موته لعادت الجنّ إلى تسمّعها؛ وعادت الكهانة. ولا يجوز ذلك بعد أن بطل، ولأنّ قطع الحراسة عن السماء إذا وقع لأجل النبوّة فعادت الكهانة دخلت الشبهة على ضعفاء المسلمين، ولم يُؤمَن أن يظنوا أن الكهانة إنما عادت لتناهي النبوّة، فصحّ أن الحكمة تقضي دوام الحراسة في حياة النبي عليه السلام، وبعد أن توفاه الله إلى كرامته صلى الله عليه وعلى آله {وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ} أي دائم؛ عن مجاهد وقتادة. وقال ٱبن عباس: شديد. الكلبي والسدّي وأبو صالح: موجع؛ أي الذي يصل وجعه إلى القلب؛ مأخوذ من الوصب وهو المرض {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ} ٱستثناء من قوله: {وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ} وقيل: الاستثناء يرجع إلى غير الوحي؛ لقوله تعالى: {إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ } فيسترق الواحد منهم شيئاً مما يتفاوض فيه الملائكة، مما سيكون في العالم قبل أن يعلمه أهل الأرض؛ وهذا لخفة أجسام الشياطين فيُرجمون بالشُّهب حينئذ. وروي في هذا الباب أحاديث صحاح، مضمّنها: أن الشياطين كانت تصعد إلى السماء، فتقعد للسمع واحداً فوق واحد، فيتقدّم الأجسر نحو السماء ثم الذي يليه ثم الذي يليه، فيقضي الله تعالى الأمر من أمر الأرض، فيتحدّث به أهل السماء فيسمعه منهم الشيطان الأدنى، فيلقيه إلى الذي تحته فربما أحرقه شهاب، وقد ألقى الكلام، وربما لم يحرقه على ما بيّناه. فتنزل تلك الكلمة إلى الكهّان، فيكذبون معها مائة كذبة، وتصدق تلك الكلمة فيصدّق الجاهلون الجميع كما بيّناه في «الأنعام». فلما جاء الله بالإسلام حُرست السماء بشدة، فلا يفلت شيطان سمع بَتّةً. والكواكب الراجمة هي التي يراها الناس تنقضّ. قال النقاش ومكي: وليست بالكواكب الجارية في السماء؛ لأن تلك لا ترى حركتها، وهذه الراجمة ترى حركتها؛ لأنها قريبة منا. وقد مضى في هذا الباب في سورة «الحجر» من البيان ما فيه كفاية. وذكرنا في «سبإ» حديث أبي هريرة. وفيه. «حديث : والشياطين بعضهم فوق بعض» تفسير : وقال فيه الترمذي حديث حسن صحيح. وفيه عن ٱبن عباس: «حديث : ويختطف الشياطين السمع فيرمون فيقذفونه إلى أوليائه فما جاءوا به على وجهه فهو حقّ ولكنهم يحرّفونه ويزيدون»تفسير : . قال هذا حديث حسن صحيح. والخطف: أخذ الشيء بسرعة؛ يقال: خَطَفَ وخَطِفَ وخَطَّفَ وخِطَّفَ وخِطِّفَ. والأصل في المشدّدات ٱختطف فأدغم التاء في الطاء لأنها أختها، وفتحت الخاء؛ لأن حركة التاء ألقيت عليها. ومن كسرها فلالتقاء الساكنين. ومن كسر الطاء أتبع الكسر الكسر. {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} أي مضيء؛ قاله الضحاك والحسن وغيرهما. وقيل: المراد كواكب النار تتبعهم حتى تسقطهم في البحر. وقال ٱبن عباس في الشهب: تحرقهم من غير موت. وليست الشُّهُب التي يرجم الناس بها من الكواكب الثوابت. يدلّ على ذلك رؤية حركاتها، والثابتة تجري ولا ترى حركاتها لبعدها. وقد مضى هذا. وجمع شهاب شهب، والقياس في القليل أشهِبة وإن لم يُسمع من العرب. و «ثَاقِبٌ» معناه مضيء؛ قاله الحسن ومجاهد وأبو مِجْلَز. ومنه قوله:شعر : وَزَنْدُكَ أَثْقَبُ أزنادِها تفسير : أي أضوأ. وحكى الأخفش في الجمع: شُهُبٌ ثُقُبٌ وثواقب وثقاب. وحكى الكسائي: ثَقَبتِ النارُ تَثقُب ثَقابةً وثقوباً إذا ٱتقدت، وأثقبتها أنا. وقال زيد بن أسلم في الثاقب: إنه المستوقد؛ من قولهم: أَثْقِب زِنْدَك أي ٱستوقد نارك؛ وقاله الأخفش. وأنشد قول الشاعر:شعر : بينما المرءُ شِهابٌ ثاقبٌ ضربَ الدهرُ سَناهُ فَخَمدْ

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه زين السماء الدنيا للناظرين إليها من أهل الأرض بزينة الكواكب، قرىء بالإضافة، وبالبدل، وكلاهما بمعنى واحد، فالكواكب السيارة والثوابت يثقب ضوءُها جرم السماء الشفاف فتضيء لأهل الأرض كما قال تبارك وتعالى: {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَـٰطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الملك: 5] وقال عز وجل: {أية : وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّـٰهَا لِلنَّـٰظِرِينَ وَحَفِظْنَـٰهَا مِن كُلِّ شَيْطَـٰنٍ رَّجِيمٍ إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ } تفسير : [الحجر: 16 ــــ 18] فقوله جل وعلا ههنا: {وَحِفْظاً} تقديره: وحفظناها حفظاً {مِّن كُلِّ شَيْطَـٰنٍ مَّارِدٍ} يعني: المتمرد العاتي، إذا أراد أن يسترق السمع، أتاه شهاب ثاقب، فأحرقه، ولهذا قال جل جلاله: {لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلاَْعْلَىٰ} أي: لئلا يصلوا إلى الملأ الأعلى، وهي السموات ومن فيها من الملائكة، إذا تكلموا بما يوحيه الله تعالى مما يقوله من شرعه وقدرته؛ كما تقدم بيان ذلك في الأحاديث التي أوردناها عند قوله تبارك وتعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ} تفسير : [سبأ: 23] ولهذا قال تعالى: {وَيُقْذَفُونَ} أي: يرمون {مِن كُلِّ جَانِبٍ} أي: من كل جهة يقصدون السماء منها {دُحُوراً} أي: رجماً يدحرون به ويزجرون ويمنعون من الوصول إلى ذلك ويرجمون، {وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ} أي: في الدار الآخرة لهم عذاب دائم موجع مستمر؛ كما قال جلت عظمته: {أية : وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الملك: 5] وقوله تبارك وتعالى: {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ} أي: إلا من اختطف من الشياطين الخطفة وهي الكلمة يسمعها من السماء فيلقيها إلى الذي تحته، ويلقيها الآخر إلى الذي تحته، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها بقدر الله تعالى قبل أن يأتيه الشهاب فيحرقه، فيذهب بها الآخر إلى الكاهن كما تقدم في الحديث، ولهذا قال: { إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} أي: مستنير. قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان للشياطين مقاعد في السماء، قال: فكانوا يستمعون الوحي، قال: وكانت النجوم لا تجري، وكانت الشياطين لا ترمى، قال: فإذا سمعوا الوحي، نزلوا إلى الأرض، فزادوا في الكلمة تسعاً، قال: فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الشيطان إذا قعد مقعده، جاءه شهاب فلم يخطئه حتى يحرقه. قال: فشكوا ذلك إلى إبليس لعنه الله، فقال: ما هو إلا من أمر حدث. قال: فبعث جنوده، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي بين جبلي نخلة، قال وكيع: يعني: بطن نخلة، قال: فرجعوا إلى إبليس فأخبروه، فقال: هذا الذي حدث. وستأتي إن شاء الله تعالى الأحاديث الواردة مع الآثار في هذا المعنى عند قوله تعالى إخباراً عن الجن أنهم قالوا: {أية : وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَـٰهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَـٰعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلأَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً وَأَنَّا لاَ نَدْرِىۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلاَْرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً } تفسير : [الجن: 8 ــــ 10].

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوٰكِبِ } أي بضوئها أو بها، والإِضافة للبيان. كقراءة تنوين زينةٍ المبينة بالكواكب.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إنا زينا السماء الدنيا بزينةٍ الكواكب} يحتمل تخصيص سماء الدنيا بالذكر وجهين: أحدهما: لاختصاصها بالدنيا. الثاني: لاختصاصها بالمشاهدة، وقوله بزينة الكواكب لأن من الكواكب ما خلق للزينة، ومنها ما خلق لغير الزينة. حكى عقبة بن زياد عن قتادة قال: خلقت النجوم لثلاث:رجوماً للشياطين ونوراً يهتدى به، وزينة لسماء الدنيا. {وحفظاً مِن كُلِّ شيطان مارِدٍ} فيه وجهان: أحدهما: يعني من الكواكب حفظاً من كل شيطان، قاله السدي. الثاني: أن الله سبحانه حفظ السماء من كل شيطان مارد، قاله قتادة. وفي المارد ثلاثة أوجه: أحدها: الممتنع، قاله ابن بحر. الثاني: العاتي مأخوذ من التمرد وهو العتو. الثالث: أنه المتجرد من الخير، من قولهم شجرة مرداء، إذا تجردت من الورق. قوله عز وجل: {لا يسمعون إلى الملإِ الأعلى} فيه قولان: أحدهما: أنهم منعوا بها أن يسمعوا أو يتسمعوا، قاله قتادة. الثاني: أنهم يتسمعون ولا يسمعون، قاله ابن عباس. وفي الملإ الأعلى قولان: أحدهما: السماء الدنيا، قاله قتادة. الثاني: الملائكة، قاله السدي. {ويُقذفون من كل جانب} قال مجاهد: يرمون من كل مكان من جوانبهم، وقيل من جوانب السماء. {دُحوراً} فيه تأويلان: أحدهما: قذفاً في النار، قاله قتادة. الثاني: طرداً بالشهب، وهو معنى قول مجاهد. قال ابن عيسى: والدحور: الدفع بعنف. {ولهم عذابٌ واصبٌ} فيه وجهان: أحدهما: دائم. الثاني: أنه الذي يصل وجعه إلى القلوب، مأخوذ من الوصب. قوله عز وجل: {إلا من خَطِفَ الخطفَة} فيه تأويلان: أحدهما: إلا من استرق السمع، قاله سعيد بن جبير، مأخوذ من الاختطاف وهو الاستلاب بسرعة، ومنه سمي الخطاف. الثاني: من وثب الوثبة، قاله علي بن عيسى. {فأتبعه شهابٌ ثاقب} فيه وجهان: أحدهما: أنه الشعلة من النار. الثاني: أنه النجم. وفي الثاقب ستة أوجه: أحدها: أنه الذي يثقب، قاله زيد الرقاشي. الثاني: أنه المضيء، قاله الضحاك. الثالث: أنه الماضي، حكاه ابن عيسى. الرابع: أنه العالي، قاله الفراء. الخامس: أنه المحرق، قاله السدي. السادس: أنه المستوقد، من قولهم: اثقب زندك أي استوقد نارك، قاله زيد بن أسلم والأخفش، وأنشد قول الشاعر: شعر : بينما المرء شهابٌ ثاقب ضَرَبَ الدَّهر سناه فخمد تفسير : و {إلا} ها هنا بمعنى لكن عند سيبويه. وقيل: إن الشهاب يحرقهم ليندفعوا عن استراق السمع ولا يموتون منه.

ابن عادل

تفسير : قوله: {إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ} قرأ عاصم برواية أبي بكر: "بِزِينَةٍ" منونة ونصب "الكواكب" وفيه وجهان: أحدهما: أن تكون الزنية مصدراً، وفاعله محذوف بأن زين الله الكواكب في كونها مضيئةً حسنةً في أنفسها. والثاني: أن الزينة اسم لما يزان به كاللِّيقَةِ اسم لما يُلاَقُ به الدَّوَاة فتكون الكواكب على هذا منصوبة بإضمار أعني أو يكون بدلاً من (الـ)ـسَّمَاء الدُّنْيَا بدل اشتمال أي كواكبها أو من محل "بزِينَةٍ" وحَمْزةُ وحفصٌ كذلك إلا أنهما خفضا الكواكب على أن يراد بزينة ما يزان به، والكواكب بدل أو بيان للزينة وهي قراءة مسروق بن الأجدع. قال الفراء: وهو رد معرفة على نكرة كقوله: "بالنَّاصِيَةِ. نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ" فرد نكرة على معرفة، وقال الزجاج: الكواكب بدل من الزينة لأنها هي كقولك: "مَرَرْتُ بأَبِي عَبْد اللَّه زَيْدٍ". والباقون بإضافة زينَة إلى الكواكب. وهي تحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون إضافة أعم إلى أخص فتكون للبيان نحو: ثَوْبُ خَزٍّ. الثاني: أنها مصدر مضاف لفاعله أي بأن زَيَّنَتِ الكَوَاكِبُ السَّمَاءَ بضَوْئِهَا. والثالث: أنه مضاف لمفعوله أي بأن زينها الله بأن جعلها مشرقة مضئية في نفسها، وقرأ ابن عباس وابن مسعود بتنوينها وبرفع الكواكب فإن جَعَلْتَهَا مصدراً ارتفع الكواكب به، وإن جعلتها اسماً لما يزان به فعلى هذا ترتفع "الكواكب" بإضمار مبتدأ أي هي الكواكب. وهي في قوة البدل، ومنع الفراء إعمال المصدر المنون وزعم أنه لم يُسْمَعْ، وهو غلط لقوله تعالى: {أية : إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} تفسير : [البلد:14] كما سيأتي إن شَاءَ اللَّهُ. قوله: "وَحِفْظاً" منصوب على المصدر، بإضمار فعل أي حَفِظْنَاهَا حِفظاً، وإما على المفعول من أجله على زيادة الواو، والعامل فيه زَيَّنَّا، أو على أن يكون العامل مقدراً أي لحِفْظِهَا زَيَّنَّاهَا أو على الحمل على المعنى المتقدم أي: إنا خلقنا السماء الدينا زينةً وحفظاً، و "مِنْ كُلّ" متعلق "بحفْظاً" إن لم يكن مصدراً مؤكداً، وبالمحذوف إن جعل مصدراً مؤكداً؛ ويجوز أن يكون صفةً "لِحفْظاً"، قال المبرد: إذا ذكرت فعلاً ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر نصبت المصدر لأنه قد دل على فعله كقولك: أفْعَلُ وكَرَامَةً لما قال أفعل علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال فكان المعنى أفْعَل ذَاكَ وأُكْرِمُكَ كَرَامَةً. فصل قال ابن عباس {زينا السماء الدنيا} بضوء الكواكب {وحفظناها من كل شيطان مارد} متمرد يرمون بها، وتقدم الكلام على المارد عند قوله: {أية : مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ} تفسير : [التوبة: 101]. واعلم أنه تعالى بين أنه زين السماء لمنفعتين: إحداهما: تحصل الزينة. والثانية: الحفظ من الشيطان المارد. فإن قيل: ثبت في علم الهيئة أن هذه الكواكب الثوابت مركوزة في الكرة الثامنة وأن السيارات مركوزة في الكرات السِّتَّةِ المحيطة بسماء الدنيا فكيف يصح قوله: إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب؟. فالجواب: أن الناس الساكنين على سطح كرة الأرض إذا نظروا إلى السماء فإنهم يشاهدو(نـَ)ـهَا مزينة بهذه الكواكب فصح قوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ}. وأيضاً فكون هذه الكواكب مركوزة في الفلك الثامن لم يتم دليل الفلاسفة عليه. فإن قيل: هذه الشهب التي يرمى بها هل هي من الكواكب التي زين الله المساء بها أم لا؟ والأول باطل لأن هذه الشهب تَبْطُل وتَضْمَحِّل فلو كانت هذه الشهب تلك الكواكب الحقيقة لوجب أن يظهر نقصان كثير في أعداد كواكب السماء ولم يوجد ذلك فإن أعداد كواكب السماء باقية لم تتغير ألبتة وأيضاً فجعلها رجوماً للشياطين مما يوجب وقوع النقصان في زينة السماء فكان الجمع بين هذين المقصودين كالمتناقض. وإن كانت هذه الشهب جنساً آخر غير الكواكب المركوزة في الفلك فهو أيضاً مُشْكِل لأنه تعالى قال في سورة الملك: {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ } تفسير : [الملك:5] فالضمير في قوله: "وَجَعَلْنَاهَا" عائد إلى المصابيح فوجب أن تكون تلك المصابيح هي الرجوم بأعينها. فالجواب: أن الشهبَ غير تلك الكواكب الثاتبة وأما قوله تعالى: {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين} فنقو(ل) كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض إلا أن تلك المصابيح منها باقية على وجه الأرض آمنة من التغير والفساد ومنها ما لا يكون كذلك وهي هذه الشهب التي يحدثها الله تعالى ويجعلها رجوماً للشياطين إلى حيث يعلمون وبهذا يزول الإشكال. فإن قيل: كيف يجوز أن تذهب الشياطين حيث يعلمون أن الشهب تحرقهم ولا يصلون إلى مقصودهم البتة وهل يمكن أن يصدر (مثل) هذا الفعل عن عاقل فكيف من الشياطين الذين لهم مَزِيَّة في معرفة الحِيل الدقيقة؟. فالجواب: أن حصول هذه الحال ليس له موضع معين وإلا لم يذهبوا إليه وإنما يمنعون من المصير إلى مواضع الملائكة ومواضعها مختلفة فربما صاروا إلى موضع تصيبهم الشهب وربما صاروا إلى غيره ولا صادفوا الملائكة ولا تصيبهم الشهب فلما هلكوا في بعض الأوقات وسلموا في بعض الأوقات جاز ان يصيروا إلى مواضع يغلب على ظنونهم أنهم لا تصيبهم الشهب فيما كما يجوز فيمن سَلَك البَحْرَ أن يسلكه في موضع يغلب على ظنه حصول النجاة. هذا ما ذكره أبو عَلِيٍّ الجُبَّائي في الجواب عن (هذا) السؤال في تفسيره وفي هذا الجواب نظر فإن السموات ليس فيها موضع خال من الملائكة لقوله - عليه (الصلاة و) السلام -: "حديث : أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلاَّ وَفيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ سَاجِدٌ" تفسير : ، قال ابن الخطيب: ولقائل أن يقول: إنهم إذا صعدوا إما أن يَصِلوا إلى مواضع (الملائكة) وإلى غير (تلك) المواضع فإن وصلوا إلى مواضع الملائكة احترقوا وإن وصلوا إلى غير مواضع الملائكة لم يفوزوا بمقصود أصلاً وعلى كلا التقديرين فالمقصود غير حاصل. وإذا كان الفوز بالمقصود محالاً وجب أن يمتنعوا عن هذا الفعل وألا يقدموا عليه أصلاً بخلاف حال المسافر في البحر فإن الغالب عليهم السلامة والفوز بالمقصود وأما ههنا فالشيطان الذي يسلم من الإحراق إنما يسلم إذا لم يصل إلى مواضع الملائكة وإذا لم يصل إلى ذلك الموضع لم يفز بالمقصود فوجب أن لا يعود إلى هذا العمل البتة والأقرب في الجواب أن يقال هذه الواقعة إنما تتفق في الندرة فلعلها لا تشتهر بسبب نُدْرَتِهَا فيما بين الشياطين. والله أعلم. فإن قيل: دلتنا التواريخ المتواترة على أن حدوث الشهب كان حاصلاً قبل مجيء النبي - صلى الله عليه وسلم- (ولذلك) فإن الحكماء الذين كانوا موجودين قبل مجيء النبي - صلى الله عليه وسلم - بزمان طويل ذكروا ذلك وتكلموا في سبب حدوثه وإذا ثبت أن ذلك كان موجوداً قبل مجيء النبي - صلى الله عليه وسلم - امتنع حمله على مجيء النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاب القاضي بأن الأقرب أنَّ هذه الحالة كانت موجودة قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكنها كثرت في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - فصارت بسبب الكثرة معجزةً. فإن قيل: الشيطان مخلوق من النار كما حكي عن قول إبليس {أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ} تفسير : [الأعراف:12] وقال: {أية : وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} تفسير : [الحجر:27] ولهذا السبب يقدر على الصعود إلى السموات وإذا كان كذلك فكيف يعقل إحراق النار بالنار؟. فالجواب: يحتمل أن الشياطين وإن كانوا من النِّيران إلا أنَّها نيران ضعيفة ونيران الشهب أقوى حالاً منهم ولا جَرَمَ صار الأقوى للأضعف مبطلاً، ألا ترى أن السراج الضعيف إذا وضع في النار القوية فإنه ينطفىء فكذلك ههنا. قوله: "لاَّ يَسَّمَّعُونَ" قرأ الأخوان وَحفصٌ بتشديد السين (فالميم) والأصل يَسْتَمِعُونَ فأدغم، والباقون بالتخفيف فيهما. واختار أبو عُبَيْدٍ الأولى وقال: لو كان مخففاً لم يتعد بإِلى. وأجيب عنه بأن معنى الكلام لا يسمعون إلى الملأ، وقال مكي: لأنه جرى مجرى مُطَاوِعِهِ وهو يسّمعون فكما كان يسمع يتعدى "بإلى" تعدى سَمِع بإلى، وفَعِلْتُ وافْتَعَلْتُ في التعدي سواء فتسمع مطاوع سمع واستمع أيضاً مطاوع سمع فتعدى سمع تعدّي مطاوعه. وهذه الجملة منقطعة عما قبلها ولا يجوز فيها أن تكون صفة لشيطان على المعنى إذ يصير التقدير: مِنْ كُلّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ غير سامع أو مستمع وهو فاسد، ولا يجوز أن يكون جواباً لسؤال سائل: لم تحفظ من الشياطين؟ إذ يفسد معنى ذلك. وقال بعضهم: وأصل الكلام لئلا يسمعوا فحذفت "اللام وأن" فارتفع الفعل وفيه تعسف. وقَدْ وَهِمَ أبو البقاء فجوّز أن تكون صفة وأن تكون حالاً وأن تكون مستأنفة فالأولان ظاهِرَا الفساد والثَّالث إنْ عني به الاستئناف البياني فهو فاسد أيضاً. وإن أراد الانقطاع على ما تقدم فهو صحيح. فصل واحتجوا لقراءة التخفيف بقوله تعالى: {أية : إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} تفسير : [الشعراء:212]. وروى مجاهد عن ابن عباس: أن الشياطين يسمعون إلى الملأ الأعلى ثم يمنعون ولا يسمعون وللأولين أن يجيبوا فيقولوا التنصيص على كونهم معزولين عن السمع لا يمنع من كونهم معزولين أيضاً عن التسمع بدلالة هذه الآية بل هذا أقوى في رَدْعِ الشياطين ومنعهم من استماع أخبار السماء فإن الذي منع من الاستماع بأن يكون ممنوعاً عن السمع أولى واعلم أن الفرق بين قولك: سَمِعْتُ حَدِيثَ فُلاَن وبين قولك: سَمِعْتُ إلى حَدِيثه أنّ قولك: سَمِعْتُ حديثَه يفيد الإدراك وسمعت إلى حديثه يفيد الإصفاء مع الإدراك، وفي قوله: {لا يسمعون إلى الملإ الأعلى} قولان أشهرهما: أن تقدير الكلام لئلا يسمعوا، فلما حذف الناصب صار كقوله: {أية : يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} تفسير : [النساء:176] وقوله: {أية : رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} تفسير : [النحل:15]. قال الزمخشري: حذف اللام وإن كل واحد منهما جائز بانفراده وأما اجتماعهما فمن المنكرات التي يجب صون القرآن عنها، قال الزمخشري: إنه كلام منقطع عما قبله وهو حكاية المُسْتَرِقِينَ السمع وأنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة ويتسمعوا وهم مقذوفون بالشهب مدحورون عن المقصود. والملأ الأعلى هم الملائكة الكتبة سكان السموات ومعنى يُقْذَفُونَ يُرْمَوْنَ من كل جانب من آفاق السماء. قوله: "دُحُوراً" العامة على ضم الدال. وفي نصبه أوجه: أحدهما: المفعول له أي لأجل الطرد. الثاني: مصدر ليقذفون أي يُدْحَرُونَ دُحُوراً أو يُقْذَفُون قذفاً فالتجوز إما في الأول وإما في الثاني. الثالث: أنه مصدر لمقدر أي يُدْحَرُونَ دُحُوراً. الرابع: أنه في موضع الحال أي ذَوِي دُحُورٍ أو مَدْحُورِينَ. وقيل: هو جمع دَاحِر قَاعِد وقُعُودٍ فيكون حالاً بنفسه من غير تأويل. قال مجاهد: دحوراً مطرودين. وروي عن أبي عمرو أنه قرأ ويَقْذِقُونَ مبنياً للفاعل وقرأَ علِيٌّ والسُّلَمِّي وابنُ أَبِي عَبْلَةَ دَحْوراً بفتح الدال وفيها وجهان: أحدهما: أنه صفة لمصدر مقدر أي قَذْفاً دَحُوراً. وهو كالصَّبُور والشَّكُورِ. والثاني: أنه مصدر كالقبُول والوَلُوع وقد تقدم أنه محصور في ألفاظ، والدُّحُور قال المبرد: أشد الصغار والذل. وقال ابن قتيبة: دَحَرْتُهُ دُحُوراً ودَحْراً أي دَفَعْتُهُ وطَرَدْتُهُ. وتقدم في الأعراف عند قوله: {أية : مَذْءُوماً مَّدْحُوراً} تفسير : [الأعراف:18]. قوله: {وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ} قال مقاتل: دائم إلى النفخة الأولى. وتقدم في سورة النحل في قوله: {أية : وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً} تفسير : [النحل:52]. قوله: {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ} فيه وجهان: أحدهما: أنه مرفوع المحل بدلاً من ضمير "لا يَسَّمَّعُونَ" وهو أحسن لأنه غير موجب. والثاني: أنه منصوب على أصل الاستثناء، والمعنى: أن الشياطين لا يسمعون الملائكة إلا من خطف، قال شهاب الدين: ويجوز أن يكون "من" شرطية وجوابها: "فَأَتْبَعَهُ" أو موصولة وخبرها "فَأَتْبَعَهُ". وهو استثناء منقطع وقد نصوا على أن مثل هذه الجملة تكون استثناء منقطعاً كقوله: {أية : لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ} تفسير : [الغاشية: 22، 23]، والخَطْفَةُ مصدر معرف بأل الجنسية أو العهدية، وقرأ العامة خَطِفَ بفتح الخاء وكسر الطاء مخففة، وقتادةُ والحسنُ بكسرهما وتشديد الطاء. وهي لغة تميم بن مُرة وبكر بن وائل. وعنهما أيضاً وعن عيسى: بفتح الخاء وكسر الطاء مشددة وعن الحسن (أيضاً) خطف كالعامة. وأصل القراءتين اختطف فلما أريد الإدغام سكنت التاء وقبلها الخاء ساكنة فكسرت الخاء لالتقاء الساكنين ثم كسرت الطاء إتباعاً لحركة الخاء وهذه [الأولى] واضحةٌ. وأما الثانية فمشكِلةٌ جدّاً لأن كسر الطاء إنما كان لكسر الخاء وهو مفقود. وقد وجه على التَّوَهُّم وذلك أنهم لما أرادوا الإدغام نقلوا حركة التاء إِلى الخاء ففتحت وهم يتوهمون أنهم مكسورة لالتقاء الساكنين - كما تقدم تقريره - فأتبعوا الطاء لحركة الخاء المتوهمة، وإذا كانوا قد فعلوا ذلك في مقتضيات الإعراب فلأن يَفْعَلُوه في غيره أولى. وبالجملة فهو تعليل شذوذ، وقرأ ابنُ عَبَّاسٍ خِطِفَ بكسر الخاء والطاء خفيفةً. وهو إتباع كقولهم: نِعِمْ بكسر النون والعين. وقرىء فاتَّبعه بالتشديد. فصل ومعنى الخطف أي اختلس الكلمة من كلام الملائكة مسارقةً "فأتبعه" أي لحقه شهاب ثاقب كوكب مضيء قوي لا يخطئه يقلته أو يحرقه، قيل: سمي ثاقباً لأنه يَثْقُبُ بنوره سَبْعَ سمواتٍ. وقال عطاء: سمي النجم الذي يرمي به الشياطين ثاقباً لأنه يَثْقُبُهُمْ وإنما يعودون إلى استراق السمع مع علمهم بأنهم لا يصلون إليه طمعاً في السلامة ونيل المراد كراكب البَحْر. قوله: {فَٱسْتَفْتِهِمْ} يعني كفار مكة أي سَلْهُمْ {أهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنَا} يعني السموات والأرض والجبال. وهو استفهام بمعنى التقرير أي هذه الأشياء أشد خلقاً كقوله: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [غافر: 57] وقوله: {أية : أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا} تفسير : [النازعات:27]. (وقيل: معنى) أَمَّنْ خَلَقْنَا (يعني): من الأمم الخالية لأن مَن تذكر لمن يعقل. والمعنى أن هؤلاء ليسوا بأحكَم خلقاً من غيرهم من الأمم وقد أهلكناهم في ذنوبهم فما الذي يُؤمِّنُ هؤلاء من العذاب. قوله: "أمَّنْ خَلَقْنَآ" العامة على تشديد الميم. الأصل أَمْ مَنْ وهي "أَمْ" المتصلة عطفت "من" على "هم" وقرأ الأعمش بتخفيفها وهو استفهام ثانٍ، فالهمزة للاستفهام أيضاً و "مَنْ" مبتدأ وخبره محذوف أي الذين خلقناهم أشد، فهما جملتان مستلقتان، وغلب من يعقل على غيره ولذلك أتى "بمن" قوله: {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} أي جيّد حر لاصق يعْلِقُ باليد. واللازبُ واللازمُ بمعنى. وقد قرىء: لاَزمٌ، لأنه يلزم اليد، وقيل: اللازِبُ اللَّزج. وقال مجاهد والضحاك: مُنْتِن، وأكثر أهل اللغة على أن الباء في اللازب بدل من الميم. فصل وجه النظم: أنه قد تقرر أن المقصود الأعظم من القرآن إثبات الأصول الأربعة وهي الإلهيّات والمَعَاد والنُّبُوة وإثبات القَضَاء والقدر فافتتح تعالى هذه السورة بإثبات ما يدل على وُجُود الصانع وعلى علمه وقدرته وحكمته ووحدانيته وهو خالق السموات والأرض وما بينهما وَربّ المشارق، ثم فرع عليها إثبات الحشر والنشر والقيامة وهو أن من قدر على ما هو أصعب وأشق وجب أن يقدر على ما هو دونه وهو قوله: {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} فمن قدر على ما هو أشد وأصعب فبِأَنْ يكونَ قادراً على إعادة الحياة في هذه الأجساد كان أولى. وأيضاً فقوله: {إنا خلقناهم من طين لازب} يعني أن هذه الأجساد قابلة للحياة إذ لو تكن قابلةً للحياة لما صارت حية في المرة الأولى والمراد بقوله: {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} يعني أصلهم وهو آدم - عليه (الصلاة و) السلام - رُوِيَ أنَّ القوم قالوا: كيف يعقل تولد الإنسان لا من أبوين ولا من نطفة؟ فكأنه تعالى قال لهم: إنكم لما أقررتم بحُدوثِ العَالَم واعترفتم بأن السموات والأرض وما بينهما إنما حصل بتخليق الله تعالى وتكوينه فلا بد وأن يعترفوا بأن الإنسان الأول إنما حدث لا من الأبوين فإن اعْتَرَفْتُمْ به فقد سقط قولكم: إن الإنسان كيف يحدث من غير نطفة ومن غير الأبوين؟ وأيضاً فقد اشتهر عند الجمهور أن آدم مخلوق من طين لازب ومن قدر على خلق الحياة من الطين اللازب كيف يعجز عن إعادة الحياة إلى هذه الذوات ويمكن أن يكون المراد بقوله: {إنا خلقناهم من طين لازب} أي كل الناس ووجهه أن الحيوان إنما يتولد من المَنِي ودَم الطَّمْثِ والمني إنما يتولد من الدَّم فالحيوان إنما يتولد من الدم والدم إنما يتولد من الغِذَاء، والغذاء إما حيوانيّ وإما نباتيّ، أما تولد الحيوان الذي صرا غذاءً فالكلام في كيفية تولده كالكلام في تولد الإنسان فثبت أن الأصل في الأغذية هو النبات والنبات إنما يتولد من امتزاج الأرض بالماء وهو الطين اللازب فظهر أن كل الخلق (منه) مُتَوَلِّدُونَ من الطِّينِ اللازب وهو قابل للحياة والله تعالى قادر عليها. وهذه القابلية والقادرية واجبة البقاء فوجب بقاء هذه الصفة في كل الأوقات. وهذه بيانات ظاهرة.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود أنه كان يقرأ "بزينة الكواكب"‏ منونة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي بكر بن عياش قال‏:‏ قال عاصم رضي الله عنه من قرأها ‏"‏بزينة الكواكب"‏ مضافاً، ولم ينون، فلم يجعلها زينة للسماء، وإنما جعل الزينة للكواكب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وحفظا‏} ‏ قال‏:‏ جعلناها حفظاً ‏ {‏من كل شيطان مارد، لا يسمعون إلى الملأ الأعلى‏} ‏ قال‏:‏ منعوا بها‏.‏ يعني بالنجوم‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ ‏{‏لا يسمعون إلى الملأ الأعلى‏}‏ مخففة وقال‏:‏ إنهم كانوا يتسمعون، ولكن لا يسمعون‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏{‏لا يسمعون إلى الملأ الأعلى‏}‏ قال‏:‏ الملائكة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ويقذفون من كل جانب‏}‏ قال‏:‏ يرمون من كل مكان ‏ {‏دحورا‏ً} ‏ قال‏:‏ مطرودين ‏ {‏ولهم عذاب واصب‏}‏ قال‏:‏ دائم‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏ويقذفون من كل جانب دحوراً‏} ‏ قال‏:‏ قذفاً بالشهب ‏ {‏ولهم عذاب واصب‏}‏ قال‏:‏ دائم‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله ‏{‏عذاب واصب‏}‏ قال‏:‏ دائم‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما‏،‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله ‏{‏إلا من خطف الخطفة‏} ‏ يقول‏:‏ إلا من استرق السمع من أصوات الملائكة ‏{‏فأتبعه شهاب‏} ‏ يعني الكواكب‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ إذا رمي الشهاب لم يخطىء من رمى به وتلا ‏ {‏فأتبعه شهاب ثاقب‏}‏‏ . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏فأتبعه شهاب ثاقب‏} ‏ قال‏:‏ إن الجني يجيء، فيسترق، فإذا سرق السمع، فرمي بالشهاب، قال للذي يليه‏:‏ كان كذا وكذا‏.‏‏.‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن يزيد الرقاشي في قوله ‏{‏شهاب ثاقب‏} ‏ قال‏:‏ يثقب الشيطان حتى يخرج من الجانب الآخر، فذكر ذلك لأبي مجلز رضي الله عنه فقال‏:‏ ليس ذاك، ولكن ثقوبه ضوءه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {‏شهاب ثاقب‏} ‏ قال‏:‏ ضوءه إذا نقض، فأصاب الشيطان‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال ‏ {‏الثاقب‏}‏ المتوقد‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة والحسن في قوله ‏ {‏ثاقب‏}‏ قالا‏:‏ مضيء‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال ‏ {‏الثاقب‏}‏ المحرق‏.‏

السلمي

تفسير : قال ابن عطاء: زين الله تعالى سماء الدنيا بالكواكب النيِّرة وقلوب أوليائه بكواكب المعرفة وهى الأنوار الظاهرة.

القشيري

تفسير : زَيَّنَ السماءَ الدنيا بالنجوم، وقلوبَ أوليائه بنجوم المعارف والأحوال، وحفظ السماواتِ بِأَنْ جعل النجومَ للشياطين رجوماً، وكذلك زَيَّن القلوبَ بأنوار التوحيد، فإذا قَرُبَ منها الشيطان رَجَمها بنجوم معارفهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {انا زينا السماء الدنيا} اى القربى منكم ومن الارض واما بالنسبة الى العرش فهى البعدى. والدنيا تأنيث الادنى بمعنى الاقرب {بزينة} عجيبة بديعة {الكواكب} بالجر بدل من زينة على ان المراد بها الاسم اى ما يزان به لا المصدر فان الكواكب بانفسها واوضاع بعضها عن بعض زينة وأى زينة. وفيه اشارة الى ان الزينة التى تدرك بالبصر يعرفها الخاصة والعامة والى الزينة التى يختص بمعرفتها الخاصة وذلك احكامها وسيرها والكواكب معلقة فى السماء كالقناديل او مكوكبة عليها كالمسامير على الابواب والصناديق وكون الكواكب زينة للسماء الدنيا لا يقتضى كونها مركوزة فى السماء الدنيا ولا ينافى كون بعضها مركوزة فيما فوقها من السموات لان السموات اذا كانت شفافة واجراما صافية فالكواكب سواء كانت فى السماء الدنيا او فى سماوات اخرى فهى لا بد وان تظهر فى السماء الدنيا وتلوح منها فتكون سماء الدنيا مزينة بالكواكب. والحاصل ان المراد هو التزيين فى رأى العين سواء كانت اصول الزينة فى سماء الدنيا او فى غيرها وهذا مبنى على ما ذهب اليه اهل الهيئة من ان الثوابت مركوزة فى الفلك الثامن وما عدا القمر فى السنة المتوسطة وان لم يثبت ذلك فحقيقة العلم عند الله تعالى

الجنابذي

تفسير : جوابُ سؤالٍ مقدّرٍ فى مقام التّعليل، او فى مقام بيان الحال والمراد بالسّماء الدّنيا السّماء الطّبيعيّة لا السّماء الدّنيا الى الارض بالنّسبة الى سائر السّماوات فلا ينافى كون اكثر الكواكب فى السّماء الثّامنة، او المراد بالسّماء الدّنيا عالم المثال وسماواته، او المراد الصّدر المنشرح بالاسلام، والمراد بالكواكب الكواكب المضيئة الطّبيعيّة او كواكب القوى والمدارك الجزئيّة والكلّيّة فى مراتب نفس العالم الكبير او نفس العالم الصّغير، والمدارك المستنيرة بنور الاسلام والايمان مانعة للشّياطين من العروج الى تلك السّماوات والتّصرّف فيها كما قال تعالى {وَحِفْظاً...}.

الهواري

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظاً} أي: وجعلناها، أي: الكواكب، حفظاً للسماء. {مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ} أي: مرد على المعصية، أي: اجترأ على المعصية، وهم سراة إبليس. {لاَّ يَسَّمَّعُونَ} أي: لئلا يسمعوا {إِلَى المَلإِ الأَعْلَى} يعني الملائكة في السماء، وكانوا يسمعون قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم أخباراً من أخبار السماء. أما الوحي فلم يكونوا يقدرون على أن يسمعوه، وكانوا يقعدون منها مقاعد للسمع، فلما بعث النبي عليه السلام مُنِعوا من تلك المقاعد. قال: {لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَى المَلإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ} أي: ويرمون {مِن كُلِّ جَانِبٍ} أي: من كل مكان {دُحُوراً} أي: طرداً، يطردون عن السماء. ذكروا عن أبي رجاء العطاردي قال: كنا قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم ما نرى نجماً يُرمى به، فبينما نحن ذات ليلة إذا النجوم قد رُمي بها، فقلنا: ما هذا إلا أمر حدث؛ فجاءنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث، فأنزل الله في سورة الجن: (أية : وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً ) تفسير : [الجن: 9]. قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ} أي: دائم. {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} رجع إلى الكلام الأول: {لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَى المَلإِ الأَعْلَى} إلا من خطف الخطفة، أي: استمع الاستماعة كقوله: (أية : إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ) تفسير : [الحجر: 18] قال: {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} أي: مضى. ذكروا عن بعضهم قال: ثقوبه ضوءه. ذكروا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا رأيتم الكوكب قد رمي به فتواروا فإنه لا يخطئ، وهو يحرق ما أصاب ولا يقتل. وتفسير الحسن: إنه يقتله في أسرع من الطرف. ذكروا عن محمد بن سيرين عن رجل قال: كنا مع أبي قتادة على سطح فانقض كوكب فنهانا أبو قتادة أن نتبعه أبصارنا. ذكروا عن عمرو قال: سأل حفص الحسن: أأتبع بصري الكوكبَ فقال: قال الله: (أية : وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ) تفسير : [الملك: 5] وقال: (أية : أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) تفسير : [الأعراف: 185] كيف نعلم إذا لم ننظر إليه. لأتبعنَّه بصري.

اطفيش

تفسير : {إنا زينا السماء الدنيا} نعت السماء أي السماء القربي فإن هذه السماء أقرب الى الأرض بالنسبة إلى باقي السماوات والدنيا صفة وألفه للتأنيث والذكر الادنى. {بزينة الكواكب} الاضافة للبيان أي بزينة هي الكواكب فالزينة اسم لما يزين له الشيء وبدل لذلك قرأه حمزة ويعقوب وحفص بتنوين زينة وجر الكواكب على الابدال او البيان او الاضافة للبيان على حذف مضاف أي بزينة هي ضوء الكواكب وهو تفسير ابن عباس رضي الله عنهما ويجوز أن يكون الزينة بمعنى الوضوء اي بضوء الكواكب وان تكون اشكالها المختلفة كشكل الثريا والجوزاء وبنات نعش ومطالعها ومسايرها ويجوز ان تكون الزينة على المعنى المصدري والاضافة إلى الفاعل اي بأن زينتها الكواكب او للمفعول اي بأن زينا الكواكب فيها فان تزيين الكواكب تزيين للسماء ويناسبه قراءة ابي بكر والأعمش وابن وثاب بالتنوين ونصب الكواكب على اعمال المصدر والمقرون بالتاء وفيه بحث او على اضمار زينا مبدلا من زينا المذكور بدل اشتمال فان قلت ليس في السماء الدنيا من الكواكب الا القمر وباقيها في باقي السماوات وفي كل سماء كوكب والباقي في السماء السابعة او في الفلك الثامن وقد قيل انها كلها بين السماء والأرض إلا القمر قلت انها ولو كانت في السماوات لكنها لم تحجبها السماوات ولا هذه السماوات بل نراها مشرقة متلألئة على سطح هذه الازرق بأشكال مختلفة وكذا ان سلمنا انها بيننا وبين هذه فإنا نراها كذلك ويجوز ان يكون نصب الكواكب تبعا على المعنى لمحل زينة بأن المعنى خلقنا زينة للسماء الكواكب فهو بدل من زينة او بيان له.

اطفيش

تفسير : {إنَّا زينا السَّماء الدنْيا} اسم تفضيل لأنه مؤنث اسم التفضيل الذى هو الأدنى، وهو نعت للسماء وألفه للتأنيث، والسماء مؤنث وهو خارج عن التفضيل، لأن المراد السماء القريبة لا السماء التى هى أقرب إلينا من الأخرى {بزينةِ الكَوكبِ} الاضافة على ظاهرها، لأن للكواكب زينة، فأضيفت اليها كقولك: جمال زيد وشبابه، ويجوز أن تكون للبيان أى بزينة هى الكواكب بأن تطلق الزينة على الكواكب، ولو كان فى الأصل مصدرا، ويدل له قراءة زينة بالتنوين، فإن الكواكب حينئذ بدله، أو عطف بيان على جواز مخالفته تعريفا وتنكيرا، ولا ندرى بتحقيق أن الكواكب والقمرين تحت السماء، كما قيل: بأيدى الملائكة فى قناديل مسلسلة، أو عليها متصلة، أو فى الفلك الثانى أو أن القمر فى السماء الأولى، وعطارد فى الثانية، والزهرة فى الثالثة، والشمس فى الرابعة، والمريخ فى الخامسة، والمشترى فى السادسة، وزحل فى السابعة، والثوابت فى فلك هو الكرسى. ولا بد أن القمرين والكواكب زينة للسماء من فوقها أو من تحتها، ويجوز أن يكون زينة مصدرا من زان المتعد، يقال: زانه الأمر فهو من إضافة المصدر الى مفعوله، أى زينا السماء بزينتنا الكواكب، أى زيناها بأن زينتها الكواكب.

الالوسي

تفسير : {إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا } أي أقرب السمٰوات من أهل الأرض فالدنيا هنا مؤنث أدنى بمعنى أقرب أفعل تفضيل {بِزِينَةٍ } عجبية بديعة {ٱلْكَوٰكِبِ } بالجر بدل من {زِينَةُ } بدل كل على أن المراد بها الاسم أي ما يزان به لا المصدر فإن الكواكب بأنفسها وأوضاع بعضها من بعض زينة وأي زينة: شعر : فكأن أجرام النجوم لوامعا درر نثرن على بساط أزرق تفسير : وجوز أن تكون عطف بيان. وقرأ الأكثرون {بزينة الكواكب} بالإضافة على أنها بيانية لما أن الزينة مبهمة صادقة على كل ما يزان به فتقع الكواكب بياناً لها، ويجوز أن تكون لامية على أن الزينة للكواكب أضواؤها أو أوضاعها، وتفسيرها بالأضواء منقول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وجوز أن تكون الزينة مصدراً كالنسبة وإضافتها من إضافة المصدر إلى مفعوله أي زينا السماء الدنيا بتزييننا الكواكب فيها أو من إضافة المصدر إلى فاعله أي زيناها بأن زينتها الكواكب. وقرأ ابن وثاب ومسروق بخلاف عنهما والأعمش وطلحة وأبو بكر {بزينة} منوناً {الكواكب} نصباً فاحتمل أن يكون زينة مصدراً والكواكب مفعول به كقوله تعالى: {أية : أَوْ إِطَعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً }تفسير : [البلد: 14ـ15] وليس هذا من المصدر المحدود كالضربة حتى يقال لا يصح إعماله كما نص عليه ابن مالك لأنه وضع مع التاء كالكتابة والإصابة وليس كل تاء في المصدر للوحدة، وأيضاً ليست هذه الصيغة صيغة الوحدة، واحتمل أن يكون {ٱلْكَوٰكِبِ } بدلاً من {ٱلسَّمَاء } بدل اشتمال واشتراط الضمير معه للمبدل منه إذا لم يظهر اتصال أحدهما بالآخر كما قرروه في قوله تعالى: {أية : قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ }تفسير : [البروج: 4ـ5]. وقيل: اللام بدل منه، وجوز كونه بدلاً من محل الجار والمجرور أو المجرور وحده على القولين، وكونه منصوباً بتقدير أعني. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {بزينة} منوناً {الكواكب} رفعاً على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هي الكواكب أو فاعل المصدر ورفعه الفاعل قد أجازه البصريون على قلة، وزعم الفراء أنه ليس بمسموع. وظاهر الآية أن الكواكب في السماء الدنيا ولا مانع من ذلك وإن اختلفت حركاتها وتفاوتت سرعة وبطأً لجواز أن تكون في أفلاكها وأفلاكها في السماء الدنيا وهي ساكنة ولها من الثخن ما يمكن معه نضد تلك الأفلاك المتحركة بالحركات المتفاوتة وارتفاع بعضها فوق بعض. وحكى النيسابوري في تفسير سورة التكوير عن الكلبـي أن الكواكب في قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من نور وتلك السلاسل بأيدي الملائكة عليهم السلام، وهو مما يكذبه الظاهر ولا أراه إلا حديث خرافة. وأما ما ذهب إليه جل الفلاسفة من أن القمر وحده في السماء الدنيا وعطارد في السماء الثانية والزهرة في الثالثة والشمس في الرابعة والمريخ في الخامسة والمشتري في السادسة وزحل في السابعة والثوابت في فلك فوق السابعة هو الكرسي بلسان الشرع فمما لا يقوم عليه برهان يفيد اليقين، وعلى فرض صحته لا يقدح في الآية لأنه يكفي لصحة كون السماء الدنيا مزينة بالكواكب كونها كذلك في رأي العين.

ابن عاشور

تفسير : هذه الجملة تتنزل من جملة {أية : رَبُّ السمٰوٰتِ والأرض وما بينهما}تفسير : [الصافات: 5] منزلة الدليل على أنه رب السماوات. واقتصر على ربوبية السماوات لأن ثبوتها يقتضي ربوبية الأرض بطريق الأوْلى. وأدمج فيها منة على الناس بأن جعل لهم في السماء زينة الكواكب تروق أنظارهم فإن محاسن المناظر لذّة للناظرين قال تعالى: {أية : ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون}تفسير : [النحل:6]، ومنة على المسلمين بأن جعل في تلك الكواكب حفظاً من تلقّي الشياطين للسمع فيما قضى الله أمره في العالم العلوي لقطع سبيل اطلاع الكهان على بعض ما سيحدث في الأرض فلا يفتنوا الناس في الإِسلام كما فتنوهم في الجاهلية، وليكون ذلك تشريفاً للنبي صلى الله عليه وسلم بأن قطعت الكهانة عند إرساله وللإِشارة إلى أن فيها منفعة عظيمة دينية وهي قطع دابر الشك في الوحي، كما أن فيها منفعة دنيوية وهي للزينة والاهتداء بها في ظلمات البر والبحر. و {الكواكب}: الكريات السماوية التي تلمع في الليل عَدا الشمس والقمر. وتسمى النجوم، وهي أقسام: منها العظيم، ومنها دونه، فمنها الكواكب السيارة، ومنها الثوابت، ومنها قِطع تدور حول الشمس. وفي الكواكب حِكم منها أن تكون زينة للسماء في الليل فالكواكب هي التي بها زينت السماء. فإضافة {زينة} إلى {الكواكِبِ} إن جعلتَ {زينة} مصدراً بوزن فِعلة مثل نِسبة كانت من إضافة المصدر إلى فاعله، أي زانتها الكواكب أو إلى المفعول، أي بزينة الله الكواكب، أي جعلها زَيْناً. وإن جعلتَ {زينة} اسماً لما يتزين به مثل قولنا: لِيقة لما تُلاق به الدَّواة، فالإِضافة حقيقية على معنى «من» الابتدائية، أي زينة حاصلة من الكواكب. وأَيًّا مَّا كان فإقحام لفظ {زينة} تأكيد، والباء للسببية، أي زيَّنا السماء بسبب زينة الكواكب فكأنه قيل: إنا زينا السماء الدنيا بالكواكب تزييناً فكان {بزِينةٍ الكواكب} في قوّة: بالكواكب تزيينا، فقوله: {بِزينَةٍ}مصدر مؤكد لفعل {زَيَّنَّا} في المعنى ولكنْ حُوّل التعليق فجعل {زينة} هو المتعلق بــــ {زَيَّنَّا} ليفيد معنى التعليل ومعنى الإِضافة في تركيب واحد على طريقة الإِيجاز، لأنه قد علم أن الكواكب زينة من تعليقه بفعل {زيَّنَّا} من غير حاجة إلى إعادة {زينة} لولا ما قصد من معنى التعليل والتوكيد. و {الدنيا}: أصله وصف هو مؤنث الأدنى، أي القربى. والمراد: قربها من الأرض، أي السماء الأولى من السماوات السبع. ووصفها بالدنيا: إمَّا لأنها أدنى إلى الأرض من بقية السماوات، والسماء الدنيا على هذا هي الكرة التي تحيط بكرة الهواء الأرضية وهي ذات أبعاد عظيمة. ومعنى تزيينها بالكواكب والشهب على هذا أن الله جعل الكواكب والشهب سابحة في مقعّر تلك الكرة على أبعاد مختلفة ووراء تلك الكرة السماوات السبع محيط بعضها ببعض في أبعاد لا يعلم مقدار سعتها إلا الله تعالى. ونظام الكواكب المعبر عنه بالنظام الشمسي على هذا من أحوال السماء الدنيا، ولا مانع من هذا لأن هذه اصطلاحات، والقرآن صالح لها، ولم يأت لتدقيقها ولكنه لا ينافيها. والسماء الدنيا على هذا هي التي وصفت في حديث الإِسراء بالأولى. وإمّا لأن المراد بالسماء الدنيا الكرة الهوائية المحيطة بالأرض وليس فيها شيء من الكواكب ولا من الشهب وأن الكواكب والشهب في أفلاكها وهي السماوات الست والعرش، فعلى هذا يكون النظام الشمسي كله ليس من أحوال السماء الدنيا. ومعنى تزيين السماء الدنيا بالكواكب والشهب على هذا الاحتمال أن الله تعالى جعل أديم السماء الدنيا قابلاً لاختراق أنوار الكواكب في نصف الكرة السماوية الذي يغشاه الظلام من تباعد نور الشمس عنه فتلوح أنوار الكواكب متلألئة في الليل فتكون تلك الأضواء زينة للسماء الدنيا تزدان بها. والآية صالحة للاحتمالين لأنها لم يثبت فيها إلا أن السماء الدنيا تزدان بزينة الكواكب، وذلك لا يقتضي كون الكواكب سابحة في السماء الدنيا. فالزينة متعلقة بالناس، والأشياء التي يزدان بها الناس مغايرة لهم منفصلة عنهم ومثله قولنا: ازدان البحر بأضواء القمر. وقرأ الجمهور {بِزينَةِ الكواكِبِ} بإضافة {زينة} إلى {الكَواكِبِ}. وقرأ حمزة {بزينةٍ الكواكب} بتنوين {زينة} وجر {الكَواكِبِ} على أن {الكواكب} بدل من {زينة}. وقرأه أبو بكر عن عاصم بتنوين {زينةٍ} ونصب {الكَواكِبَ} على الاختصاص بتقدير: أعني. وقد تقدم الكلام على زينة السماء بالكواكب وكونها حفظاً من الشياطين عند قوله تعالى: {أية : ولقد جعلنا في السماء بروجاً وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم}تفسير : في سورة [الحجر: 17،16]. وتقدم ذكر الكواكب في قوله: {أية : رأى كوكباً}تفسير : في سورة [الأنعام: 76]. وانتصب {حفظاً} بالعطف على {بِزِينَةٍ الكواكِبِ} عطفاً على المعنى كما ذهب إليه في «الكشاف» وبَيَّنه ما بيَّناه آنفاً من أن قوله: {بِزِينَةٍ الكواكِبِ} في قوة أن يقال: بالكواكب زينةً، وعامله {زَيَّنَّا}. والحفظ من الشياطين حكمة من حكم خلق الكواكب في علم الله تعالى لأن الكواكب خُلقت قبل استحقاق الشياطين الرجم فإن ذلك لم يحصل إلا بعد أن أُطرد إبليس من عالم الملائكة فلم يحصل شرط اتحاد المفعول لأجْله مع عامله في الوقت، وأبو علي الفارسي لا يرى اشتراط ذلك. ولعل الزمخشري يتابعه على ذلك حيث جعله مفعولاً لأجله وهو الحق لأنه قد يكون على اعتباره علّة مقدرة كما جوز في الحال أن تكون مقدرة. ولك أن تجعل {حفظاً} منصوباً على المفعول المطلق الآتي بدلاً من فعله فيكون في تقدير: وحَفِظنا، عطفاً على {زَيَّنَّا}. أي حفظنا بالكواكب من كل شيطان مارد. وهذا قول المبرد. والمحفوظ هو السماء، أي وحفظناها بالكواكب من كل شيطان. وليس الذي به الحفظ هو جميع الذي به التزيين بل العلة موزعة فالذي هو زينة مشاهَد بالأبصار، والذي هو حفظ هو المبين بقوله: {أية : فأتْبعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ}تفسير : [الصافات:10]. ومعنى كون الكواكب حفظاً من الشياطين أن من جملة الكواكب الشهبَ التي تُرجم بها الشياطين عند محاولتها استراق السمع فتفرّ الشياطين خشية أن تصيبها لأنها إذا أصابت أشكالها اخترقتها فتفككت فلعلها تزول أشكالها بذلك التفكك فتنعدم بذلك قوام ماهيتها أو تتفرق لحظة لم تلتئم بعد فتتألَّم من ذلك الخرق والالتئام فإن تلك الشهب التي تلوح للناظر قطعاً لامعة مثل النجوم جارية في السماء إنما هي أجسام معدنية تدور حول الشمس وعندما تقرب إلى الأرض تتغلب عليها جاذبية الأرض فتنزعها من جاذبية الشمس فتنقضّ بسرعة نحو مرْكز الأرض ولشدة سرعة انقضاضها تولد في الجو الكروي حرارة كافية لإِحراق الصغار منها وتَحمَى الكبار منها إلى درجة من الحرارة توجب لمعانها وتسقط حتى تقع على الأرض في البحر غالباً وربما وقعت على البَر، وقد يعثر عليها بعض الناس إذ يجدونها واقعة على الأرض قطعاً معدنية متفاوتة وربما أحرقت ما تصيبه من شجر أو منازل. وقد أرخ نزول بعضها سنة (616) قبل ميلاد المسيح ببلاد الصين فكسر عدة مركبات وقتل رجالاً، وقد ذكرها العرب في شعرهم قبل الإِسلام قال دَوس بن حَجر يصف ثوراً وحشياً:شعر : فانقضّ كالدَّريّ يتبعه نقع يثور تخالُه طُنبا تفسير : وقال بشر بن خازم أبي خازم أنشده الجاحظ في «الحيوان»: شعر : والعَيْرُ يُرهقها الخَبَارَ وَجَحْشُها ينقض خلفهما انقاضا الكواكب تفسير : وفي سنة (944) سجل مرور كريات نارية في الجو أحرقت بيوتاً عدة. وسقطت بالقطر التونسي مرتين أو ثلاث مرات، منها قطعة سقطت في أوائل هذا القرن وسط المملكة أحسب أنها بجهات تالة ورأيت شظيّة منها تشبه الحديد، والعامة يحسبونها صاعقة ويسمّون ذلك حجر الصاعقة، وتساقطها يقع في الليل والنهار ولكنا لا نشاهد مرورها في النهار لأن شعاع الشمس يحجبها عن الأنظار. ومما علمت من تدحرج هذه الشهب من فلك الشمس إلى فلك الأرض تبين لك سبب كونها من السماء الدنيا وسبب اتصالها بالأجرام الشيطانية الصاعدة من الأرض تتطلب الاتصال بالسماوات. وقد سُميت شهباً على التشبيه بقبس النار وهو الجمر، وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : أو آتيكم بشهاب قبس}تفسير : في سورة [النمل: 7]. والمارد: الخارج عن الطاعة الذي لا يلابس الطاعة ساعة قال تعالى: {أية : ومن أهل المدينة مردوا على النفاق}تفسير : [التوبة: 101]. وفي وصفه بالمارد إشارة إلى أن ما يصيب إخوانه من الضرّ بالشهب لا يعظه عن تجديد محاولة الاستراق لما جبل عليه طبعه الشيطاني من المداومة على تلك السجايا الخبيثة كما لا ينزجر الفراش عن التهافت حول المصباح بما يصيب أطراف أجنحته من مسّ النار.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا} تفسير : [الأنعام: 97] الآية. وقرأ هذا الحرف السبعة غير عاصم وحمزة، بإضافة (زينة) إلى (الكواكب) أي بلا تنوين في (زينة)، مع خفض الباء في (الكواكب). وقرأه حمزة وحفص عن عاصم: بتنوين (زينة)، وخفض (الكواكب) على أنه بدل من (زينة). وقرأه أبو بكر عن عاصم: (بزينة الكواكب) بتنوين (زينة)، ونصب (الكواكب)، وأعرب أبو حيان (الكواكب) على قراءة النصب إعرابين. أحدهما: أن (الكواكب) بدل من (السماء) في قوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ} والثاني: أنّه مفعول به لزينة بناء على أنه مصدر منكر، كقوله تعالى: {أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} تفسير : [البلد: 14] {أية : يَتِيماً} تفسير : [البلد: 15] الآية. والأظهر عندي: أنّه مفعول فعل محذوف تقديره أعني (الكواكب) على حد قوله في الخلاصة: شعر : ويحذف الناصبها إن علما وقد يكون حذفه ملتزما

د. أسعد حومد

تفسير : (6) - وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى الكَوَاكِبَ زِينَةً فِي السَّمَاءِ القَرِيبَةِ مِنَ الأَرْضِ (الدُّنْيَا)، وَجَعَلَهَا لأَِهْلِ الأَرْضِ ضِيَاءً وَزِينَةً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نعم، حين ننظر إلى السماء ليلاً نجدها مُزْدانةً بالنجوم تتلألأ، وفي هذه النجوم عجائب وأسرار عرفها العربي الأُميُّ، فعرف النجم وعرف اسمه ومكانه وحركته، واهتدى به في سيره في الصحراء، كما قال سبحانه: {أية : وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} تفسير : [النحل: 16]. وحين تتأمل هذه النجوم في السماء ترى أن الله تعالى أراد أنْ يرحمنا من حرارة الشمس، ويُبقي لنا آثار الضوء نهتدي به ليلاً؛ لأن هذه النجوم إنما تستمد ضوءها من ضوء الشمس. ثم للكواكب مهمة أخرى: {وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ} [الصافات: 7] يعني: تحفظنا هذه الكواكب من الشياطين؛ لأنها تنقضّ على الشياطين فتحرقها، وهذا النوع يُسمُّونه النيازك، أما زينة الكواكب فباقية لأنها لا دَخْل لها بهذه المسألة، أما النجوم المخصصة للشيطان المارد، فلا بُدَّ أنْ تتناقص. ومعنى (المارد) أي: المتمرد على منهج ربه، لأنه وارث لإبليس، يقف من ذريته نفس الموقف الذي وقفه إبليس من آدم، فإنْ قلْتَ: الله تعالى يريد أن يسود منهجه الكونَ، ليسود السلامُ والأَمْن والطمأنينة، فلماذا إذن يخلق الشيطان المارد؟ نقول: ليُوصِّل الإيمان في النفس المؤمنة مع وجود المخالف، وإلا فما الميزة إذا كان الجميع مؤمنين طائعين، إذن: لابُدَّ أنْ نُصفي أهل الإيمان، وأنْ نُمحِّصهم لنعلم أهل الثبات، لأنهم سيحملون دعوة يظل نداؤها إلى أنْ تقومَ الساعة، فهذه لا يحملها ألا أولو العزم. وقوله: {لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ} [الصافات: 8] جاءت هذه الآيات بعد أنْ أقسم الله بالزاجرات زَجْراً، وقلنا: من معانيها أن الملائكة تزجر الشياطين عن استراقِ السمع في الملأ الأعلى، حيث كانوا يخطفون بعض الجزئيات ويُلْقُونها إلى أوليائهم من الكهنة فيضيف هؤلاء إليها كثيراً من الكذب ليُضلِّلوا به الخَلْق. وقد كَثُر هذا الاستراق قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بُعِث صلى الله عليه وسلم منعهم الله من استراقِ السمع، وسلَّط عليهم الشهب تزجرهم وتنقضّ عليهم، كما حكى القرآن: {أية : وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} تفسير : [الجن: 9] ذلك تكريماً لرسالة محمد أن يدلِّس عليها تدخُّل الشياطين بشيء يفسد على الناس عقائدهم، فقال: {أية : فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً} تفسير : [الصافات: 2]. ومن عجائب الزَّجْر أنه يأتي على معنيين. فمعنى: زَجَرْتُ إنساناً يعنى: نهيتُه عن عمل شيء، أما زجرتُ الدابة يعني: أحثُّها على السير، ومن ذلك قول الشاعر: شعر : فَيَا وَيْحَنَا إلْفَيْنِ بُوعِدَ بَيْنَنَا فَهَذا لهُ عُشٌّ وَذَلِكَ فِي عُشّ فَلَمَّا ألحَّتْ لِلْوِصَالِ صَبَابَتي زَجَرْتُ جَوَادِى أنْ يطِيرَ ولاَ يَمْشِي تفسير : وفي المعنى الآخر، قال الشاعر: شعر : .... لَمْ يُبْقِ فِيـ ـنَا لِلْمودَّةِ مَطْرَحاً إِنِّي زَجَرْتُكَ عَنْ خَناً فَزَجَرْتَنِي أَنْ أَنْصَحَا تفسير : فالزَّجْر يأتي بمعنيين متضادين. ومعنى {لاَّ يَسَّمَّعُونَ} [الصافات: 8] فَرْق بين سَمِع وتسمَّع: سَمِع يعني دون قَصْد منه، إنما تسمَّع يعني حاول وتكلَّف أنْ يسمع بصرف النظر أنه سمع شيئاً أو لم يسمع. والمعنى: أن هؤلاء الشياطين مُنِعُوا بعد بعثته صلى الله عليه وسلم من تسمُّع الأخبار في الملأ الأعلى، وهم يحاولون، لكن تزجرهم الملائكة وتنقضُّ عليهم الشُّهُب. {وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ} [الصافات: 8] والقذف: الرَّجْم بحيث تكون الضربة نافذة {دُحُوراً} [الصافات: 9] يعني: مذمومين مطرودين، والمدحور هو المطرود بإهانة {وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ} [الصافات: 9] يعني: دائم لا يتغير، ومنه قوله تعالى {أية : وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً..} تفسير : [النحل: 52] يعني: دائماً، فالدين هو هو واحد مع كل الرسل، ووَصْف العذاب هنا بأنه دائم؛ لأنه حِيَل بينه وبين إنفاذ مهمته في استراق السمع والتقاط الأخبار من الملأ الأعلى.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 805 : 1 : 11 - سفين عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال، قرأها عبد الله {بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ} [الآية 6].