٣٧ - ٱلصَّافَّات
37 - As-Saffat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
8
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {لاَ يَسْمَعُونَ } أي الشياطين وسماعهم مستأنف، في المعنى المحفوظ عنه {إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ } الملائكة في السماء، وَعُدِّيَ السماع بإلى لتضمنه معنى الإِصغاء. وفي قراءة بتشديد الميم والسين: أصله يتسمعون، وأدغمت التاء في السين {وَيَقْذِفُونَ } أي الشياطين بالشهب {مِن كُلِّ جَانِبٍ } من آفاق السماء.
ابن عطية
تفسير : {الملأ الأعلى} أهل السماء الدنيا فما فوقها، ويسمى الكل منهم أعلى بالإضافة إلى ملإ الأرض الذي هو أسفل، والضمير في {يسمعون} للشياطين، وقرأ جمهور القراء والناس "يسْمعون" بسكون السين وتخفيف الميم، وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص وابن عباس بخلاف عنه وابن وثاب وعبد الله بن مسلم وطلحة والأعمش "لا يسّمّعون" بشد السين والميم بمعنى لا يتسمعون فينتفي على القراءة الأولى سمعهم وإن كانوا يستمعون وهو المعنى الصحيح، ويعضده قوله تعالى {أية : إنهم عن السمع لمعزولون} تفسير : [الشعراء: 212] وينتفي على القراءة الآخرة أن يقع منهم استماع أو سماع، وظاهر الأحاديث أنهم يستمعون حتى الآن لكنهم لا يسمعون وإن سمع منهم أحد شيئاً لم يفلت الشهاب قبل أن يلقي ذلك السمع إلى الذي تحته، لأن من وقت محمد صلى الله عليه وسلم ملئت السماء حرساً شديداً وشهباً، وكان الرجم في الجاهلية أخف، وروي في هذا المعنى أحاديث صحاح مضمنها أن الشياطين كانت تصعد إلى السماء فتقعد للسمع واحداً فوق آخر يتقدم الأجسر نحو السماء ثم الذي يليه ثم الذي يليه فيقضي الله تعالى الأمر في الأمور في الأرض، فيتحدث به أهل السماء، فيسمعه منهم ذلك الشيطان الأدنى، فيلقيه إلى الذي تحته، فربما أحرقه شهاب وقد ألقى الكلام، وربما لم يحرقه جملة فينزل تلك الكلمة إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة، فتصدق تلك الكلمة، فيصدق الجاهلون الجميع، فلما جاء الله تعالى بالإسلام حرست السماء بشدة فلم يفلت شيطان سمع بتة، ويروى أنها لا تسمع شيئاً الآن، والكواكب الراجمة هي التي يراها الناس تنقض منقضية، قال النقاش ومكي: وليست بالكواكب الجارية في السماء لأن تلك لا ترى حركتها وهذه الراجمة ترى حركتها لقربها منا. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، {ويقذفون} معناه ويرجمون، و"الدحور" الإصغار والإهانة لأن الدحر الدفع بعنف، وقال مجاهد مطرودين، وقرأ الجمهور "دُحوراً"، بضم الدال، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، "دَحوراً" بفتح الدال، و"الواصب" الدائم، قاله مجاهد وقتادة وعكرمة، وقال السدي وأبو صالح: "الواصب" الموجع، ومنه الوصب، والمعنى هذه الحال الغالبة على جميع الشياطين، إلا من شذ فخطف خبراً ونبأً {فأتبعه شهاب} فأحرقه، وقرأ جمهور القراء "خَطِف" بفتح الخاء وكسر الطاء وتخفيفها، وقرأ الحسن وقتادة "خِطِّف" بكسر الخاء والطاء وتشديد الطاء، قال أبو حاتم: يقال إنها لغة بكر بن وائل وتميم بن مر، وروي عن ابن عباس "خِطِف" بكسر الخاء والطاء مخففة، و"الثاقب" النافذ بضوئه وشعاعه المنير، قاله قتادة والسدي وابن زيد، وحسب ثاقب إذا كان سنياً منيراً.
ابن عبد السلام
تفسير : {لا يَسَّمَّعُونَ} منعوا من السمع والتسمع، أو يتسمعون ولا يسمعون "ع" {الْمَلإِ الأَعْلَى} السماء الدنيا، أو الملائكة {وَيُقْذَفُونَ} يرمون من كل مكان.
البقاعي
تفسير : ولما كان المراد في سورتي النساء والحج ذم الكفرة بفعل ما ليس في كونه شراً لبس، وبوضع النفس باتباع ما لا شك في دناءته ببعده عن الخير بعد الإخفاء به، عبر بالمريد للمبالغة، وكما أنه حرس السماء المحسوسة بما ذكره سبحانه وتعالى فكذلك زين عز وجل قلوب الأولياء التي هي كالسماء لأراضي أجسامهم بنجوم المعارف، فإذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا فرشقته شهب أحوالهم ومعارفهم وأقوالهم. ولما تشوف السامع إلى معرفة هذا الحفظ وثمرته وبيان كيفيته، استأنف قولاً: {لا يسمعون} أي الشياطين المفهومون من كل شيطان، لا يتجدد لهم سمع أصلاً، قال ابن الجوزي: قال الفراء: {لا} هنا كقوله "كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به" ويصلح في {لا} على هذا المعنى الجزم، والعرب تقول: ربطت في شيء لا ينفلت - انتهى. ويؤخذ من التسوير بكل ثم الجمع نظراً إلى المعنى، والإفراد لضمير الخاطف وللخطفة أنهم معزولون عن السمع جمعهم ومفردهم من الجمع، وأن الخطف يكون - إن اتفق - في الواحد لا الجمع ومن الواحد لا الجمع، وللكلمة وما حكمها لا أكثر، وإليه يشير حديث الصحيح "تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني" وأكد بعدهم بإثبات حرف الغاية، فقال مضمناً {سمع} بعد قصره معنى "انتهى" أو "أصغى" ليكون المعنى: لا ينتهي سمعهم أو تسمعهم أو إصغاؤهم {إلى الملإ} أي الجمع العظيم الشريف، وأوضحت هذا المعنى قراءة من شدد السين والميم بمعنى يتسمعون، أي بنوع حيلة، تسمعاً منتهياً إلى ذلك، وهو يفهم أنهم يتسمعون، ولكن لا ينتهي تسمعهم إلى ما ذكر، بما أشار إليه الإدغام، ويشير أيضاً إلى أنهم يجتهدون في إخفاء أمرهم، وأفرد الوصف دلالة أيضاً على أن العطف يكون من واحد لا من جمع فقال: {الأعلى} أي مكاناً ومكانة بحيث يلمؤون العيون بهجة والصدور هيبة. ولما كان التقدير: لأنهم يطردون طرداً قوياً، دل عليه بالعاطف في قوله: {ويقذفون} أي الشياطين يرمون رمياً وحياً شديداً يطردون به، وبني للمفعول لأن النافع قذفهم لا تعيين قاذفهم، مع أنه أدل على القدرة الإلهية عزت وجلت {من كل جانب *} أي من جوانب السماوات بالشهب إذا قصدوا السماع بالاستراق {دحوراً} أي قذفاً يردهم مطرودين صاغرين مبعدين، فهو تأكيد للقذف بالمعنى أو مفعول له أو حال. ولما كان هذا ربما سبباً لأن يظن ظان أنهم غير مقدور عليهم في غير هذه الحالة بغير هذا النوع أخبر أنهم في قبضته، وإنما جعل حالهم هذا فتنة لمن أراد من عباده، فقال معبراً باللام التي يعبر بها غالباً عن النافع تهكماً بهم: {ولهم عذاب} أي في الدنيا بهذا وبغيره، وفي الآخرة يوم الجمع الأكبر {واصب *} أي دائم ممرض موجع كثير الإيجاع مواظب على ذلك ثابت عليه وإن افترق الدوامان في الاتصال والعظم والشدة والألم. ولما ثبت بهذا حراسة القرآن بقدرة الملك الديان عن لبس الجان، وكان بعضهم مع هذا يسمع في بعض الأحايين ما أراد الله أن يسمعه ليجعله فتنة لمن أراد من عباده مع تميز القرآن بالإعجاز، استثنى من فاعل {يسمعون} قوله: {إلا من خطف} ودل على قلة ذلك بعد إفراد الضمير بقوله: {الخطفة} أي اختلس الكلمة أو أكثر، مرة من المرات منهم، ودل على قوة انقضاض الكواكب في أثره بالهمزة في قوله: {فأتبعه} مع تعديه بدونها، أي تبعه بغاية ما يكون من السرعة حتى كأنه يسوق نفسه ويتبعها له كأن الله سبحانه وعز شأنه هيأها لئلا تنقض إلا في أثر من سمع منهم حين سماعه سواء لا يتخلف {شهاب} أي شعلة النار من الكوكب أو غيره {ثاقب *} أي يثقب ما صادفه من جني وغيره وإن كان الجني من نار فإنه ليس ناراً خالصة، وعلى التنزل فربما كان الشيء الواحد أنواعاً بعضها أقوى من بعض، فيؤثر أقواه في أضعفه كالحديد، وتارة يخطئ الجني وتارة يصيبه، وإذا أصابه فتارة يحرقه فيتلفه وتارة يضعفه. ولما كان المقصود من هذا الكتاب الأعظم بيان الأصول الأربعة: التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر، ودل سبحانه بهذه المذكورات على وجوده وكمال علمه وتمام قدرته على الأفعال الهائلة وبديع حكمته اللازم منه إثبات وحدانيته تفصيلاً لبعض إجمال {أو ليس الذي خلق السماوات والأرض} فكان ما دونها من الأفعال أولى، سبب عن ذلك لإثبات الحشر الذي أخبر به هذا القرآن الذي حرسه عن تلبيس الجان بزينة الكواكب التي أنشأ منها الشهب الثواقب قوله تهكماً بهم: {فاستفتهم} أي سلهم أن يتفتوا بأن يبينوا لك ما تسألهم عنه من إنكارهم البعث، وأصله من الفتوة وهي الكرم: {أهم أشد} أي أقوى وأشق وأصعب {خلقاً} أي من جهة إحكام الصنعة وقوتها وعظمها {أم من} ولما كان المراد الإعلام بأنه لا شيء من الموجودات إلا وهو خلقه سبحانه، عبر بما يدل على ذلك دون ذكرنا، وليكون أعم، وحذف المفعول لأنه مفهوم، ولئلا يلبس إذا ذكر ضمير المستفتين، فقال: {خلقنا} أي من هذه الأشياء التي عددناها من الحي وغيره من الجن الذين أعطيناهم قدرة التوصل إلى الفلك وغيرهم، وعبر بـ "من" تغليباً للعاقل من الملائكة وغيرهم مما بين السماوات والأرض. ولما كان الجواب قطعاً أن هذه المخلوقات أشد خلقاً منهم وأنهم هم من أضعف الخلائق خلقاً، قال دالاً على إرادة التهكم بهم في السؤال، مؤكداً إشارة إلى أن إنكارهم البعث لاستبعادهم تمييز التراب من التراب يلزم منه إنكار ابتداء الخلق على هذا الوجه: {إنا خلقناهم} أي على عظمتنا {من طين} أي تراب رخو مهين {لازب *} أي شديد اختلاط بعضه ببعض فالتصق وضمر وتضايق وتلازم بعضه لبعض، وقل واشتد ودخل بعض التراب المنتثر من بعض، قال ابن الجوزي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو الطين الحر الجيد اللزق. وإنما كانوا من طين لأن أباهم آدم كان منه من غير أب ولا أم، فصاروا بهذا التقدير بعض الطين الذي هو بعض خلقه الذي عدده قبل ذلك سبحانه الذاتية التي لا يمتنع عليها مقدور، ولا يعجزها مأمور، فدل ابتداء خلقهم وخلق ما هو أشد منهم وأعظم على القدرة على إعادتهم قطعاً بل بطريق الأولى من غير وجه، وحسن هذا الاستقتاء كل الحسن ختم الكلام قبله بمن بلغوا السماء تكبراً وعلواً، وهموا بما لم ينالوا تجبراً وعلواً، وسلط عليهم ما يردهم مقهورين مبعدين مدحورين، واستثنى منهم من {خطف} ليعلم أنه غير محال ما تعلقت به منهم الآمال، هذا مع ذكره في خلقهم من الطين اللازب الذي من شأنه الرسوب لثقله والسفول كما أن من شأن من ختم بهم ما قبله العلو لخفتهم والصعود. ولما كان من المعلوم قطعاً أن المراد بهذا الأمر بالاستفتاء إنما هو التبكيت لأن من المعلوم قطعاً أن الجواب: ليسوا أشد خلقاً من ذلك، فليس بعثهم ممتنعاً، وليست غلبتهم لرسول الواحد القهار - الذي حكمه في هذا الوحي بإظهاره على الدين كله - بجائزة أصلاً، نقلاً ولا عقلاً، بوجه من الوجوه، فلا شبهة لهم في إنكاره ولا في ظنهم أنهم يغلبون رسولنا، بل هم في محل عجب شديد في إنكاره وظنهم أنهم غالبون في الدنيا، عبر عن ذلك بقوله، مسنداً العجب إلى أجلّ الموجودات أو أجلّ المخلوقات تعظيماً لم بمعنى أنه قول يستحق أن يقال فيه: أنه لا يدري ما الذي أوقع فيه وكان سبباً لارتكابه، فقال: {بل عجبت} بضم التاء على قراءة حمزة والكسائي لفتاً للقول من مظهر العظمة للتصريح بإسناد التعجب إليه سبحانه إشارة إلى تناهي هذا العجب إلى حد لا يوصف لإسناده إلى من هو منزه عنه، وبفتحها عند الباقين أي من جرأتهم في إنكارهم البعث ولا سيما وقد دل عليه القرآن في هذه الأساليب الغريبة والوجوه البديعة العجيبة التي لا يشك فيها من له أدنى تصور، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ظن كما هو اللائق أنه لا يسمع القرآن أحد إلا آمن به، قال القشيري: وحقيقة التعجب تغير النفس بما خفي فيه السبب مما لم تجر العادة بحدوث مثله، ومثل هذا حديث الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال لأم سليم وأبي طلحة رضي الله عنهما: حديث : ضحك - وفي رواية: عجب - الله من فعالكما الليلةتفسير : ، وحديث البخاري رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً:حديث : عجب ربنا من أقوام يقادون إلى الجنة في السلاسلتفسير : . ومثله كثير، والمعنى في الكل التنبيه على عظم الفعل وأنه خارق للعادة، ويجوز أن يكون المعنى أنهم لم ينكروه لقلة الدلائل عليه، بل قد أتى من دلائله ما يعجب إعجاباً عظيماً من كثرته وطول الأناة في مواترته {ويسخرون *} أي حصل لك العجب والحال أنهم يجددون السخرية كلما جئتهم بحجة {وإذا ذكروا} أي وعظوا من أيّ واعظ كان بشيء هم به عارفون جداً يدلهم على البعث مثل ما يذكرون به من القدرة، مع أنه لا يجوز في عقل عاقل منهم أن أحداً يدع مَن تحت يده بلا محاسبة {لا يذكرون *} أي لا يعملون بموجب التذكير.
اسماعيل حقي
تفسير : {لا يسمعون الى الملأ الاعلى} اصل يسمعون يتسمعون فادغمت التاء فى السين وشددت والتسمع وتعديته بالى لتضمنه معنى الاصغاء. والملأ جماعة يجتمعون على رأى فيملأون العيون رواء والنفوس جلالة وبهاء والملأ الاعلى الملائكة او اشرافهم او الكتبة وصفوا بالعلو لسكونهم فى السموات العلى والجن والانس هم الملأ الاسفل لانهم سكان الارض وهذا كلام مبتدأ مسوق لبيان حالهم بعد بيان حفظ السماء منهم مع التنبيه على كيفية الحفظ وما يعتريهم فى اثناء ذلك من العذاب. والمعنى لا يتطلبون السماء والاصغاء الى الملائكة الملكوتية: يعنى [ملائكه كه مطلع اند بر بعضى از اسرار لوح بايكديكر ميكويند ايشانرا نمى شنوند بلكه طاقت شنودن وكوش فرانهادن ندارند] {ويقذفون} القذف الرمى البعيد ولاعتبار البعد فيه قيل منزل قذف وقذيف وقذفته بحجر رميت اليه حجرا ومنه قذفه بالفجور اى يرمون: وبالفارسية [وانداخته مى شوند] {من كل جانب} من جميع جوانب السماء اذا قصدوا الصعود اليها
الجنابذي
تفسير : {لاَّ يَسَّمَّعُونَ} لا يستمعون يعنى لا يقدرون على الاستماع {إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ} لا انّهم لا يريدون الاستماع بقرينة ما يأتى وذلك انّهم ظلمانيّون بفطرتهم والملأ الاعلى نورانيّون بفطرتهم ولا يقدر الظّلمة على قرب النّور والاّ بطل ذاتها {وَ} اذا ارادوا استراق السّمع {يُقْذَفُونَ} اى يرمون بالشّهب الّتى هذه الشّهب المحسوسة انموذج منها وصورتها والاّ فالشّهب الّتى يرمون بها شهب مناسبة لعالمى المثال يعنى عالم الجنّ وعالم الملائكة {مِن كُلِّ جَانِبٍ} اى من جوانب السّماء او من جوانبهم اذا قصدوا صعود السّماء المحسوسة فانّها لكونها مظهراً لسماء عالم الملائكة لا يقدرون على الصّعود اليها الاّ بنحو استراق السّمع فانّهم يصعدون الى قربها لاستراق السّمع، وهكذا اذا قصدوا صعود سماء عالم المثال الكلّىّ وعالم المثال الجزئىّ الانسانىّ، ولمّا كان عالم الانسان نسخة مختصرة من العالم فلينظر المراقب المجاهد ولِيَرَ صعود الشّياطين الى مقام صدره ولير شهب تذكّراته وطردهم بها عنه حتّى يعلم كيفيّة صعودهم الى سماء العالم الكبير وطردهم عنها بشهبها.
اطفيش
تفسير : {لا يَسمَّعُون إلى الملأ الأعلى} مستأنف أن نعت لكل، أو لمارد، بمعنى أنهم لا يؤثر سمعهم، أو لا يحصل لهم سمع، أو لا يسمعون سمعا نافعا فاما أن لا يسمعوا أو يسمعوا سمع خطف، وقدر بعض لئلا يسمعوا، ولما حذفت أن رفع الفعل وعدى بإلى لتضمنه معنى أصغى على حد ما مر، أى لا يؤثر إصغاؤهم أو لا يحصل لهم إصغاء أولا يصغون إصغاء نافعا، وذلك لأنهم يرجمون كما قال الله عز وجل: {ويُقْذفون من كلِّ جانب} يرجم الملائكة من جاء من الشياطين لاستراق السمع من جانب ما من الجوانب اذا جاء واحد رماه ملك واحد، ويجوز أن يكون الفاعل الذى ناب عنه المفعول النجوم، وكأنه قيل وتقذفهم النجوم من كل جانب.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ } أي لا يتسمعون وهذا أصله فأدغمت التاء في السين، وضمير الجمع لكل شيطان لأنه بمعنى الشياطين. وقرأ الجمهور {لا يسمعون} بالتخفيف، والملأ في الأصل جماعة يجتمعون على رأي فيملؤن العيون رواء والنفوس جلالة وبهاء، ويطلق على مطلق الجماعة وعلى الأشراف مطلقاً، والمراد بالملأ الأعلى الملائكة عليهم السلام كما روي عن السدي لأنهم في جهة العلو ويقابله الملأ الأسفل وهم الإنس والجن لأنهم في جهة السفل. وقال ابن عباس: هم أشراف الملائكة عليهم السلام، وفي رواية أخرى عنه أنهم كتابهم، وفسر العلو على الروايتين بالعلو المعنوي. وتعدية الفعل على قراءة الجمهور بإلى لتضمينه معنى الإصغاء أي لا يسمعون مصغين إلى الملأ الأعلى، والمراد نفي سماعهم مع كونهم مصغين، وفيه دلالة على مانع عظيم ودهشة تذهلهم عن الإدراك، وكذا على القراءة الأخرى وهي قراءة ابن عباس بخلاف عنه وابن وثاب وعبد الله بن مسلم وطلحة والأعمش وحمزة والكسائي وحفص بناءً على ما هو الظاهر من أن التفعل لا يخالف ثلاثيه في التعدية، واستعمال تسمع مع إلى لا يقتضي كونه غير مضمن، وقيل لا يحتاج إلى اعتبار التضمين عليها والتفعل مؤذن بالطلب فتسمع بمعنى طلب السماع، قيل: ويشعر ذلك بالإصغاء لأن طلب السماع يكون بالإصغاء فتتوافق القراءتان وإن لم يقل بالتضمين في قراءة التشديد، ولعل الأولى القول بالتضمين ونفي طلبهم السماع مع وقوعه منهم حتى قيل: إنه يركب بعضهم بعضاً لذلك إما ادعائي للمبالغة في نفي سماعهم أو هو على ما قيل بعد وصولهم إلى محل الخطر لخوفهم من الرجم حتى يدهشوا عن طلب السماع، وقال أبو حيان: إن نفي التسمع لانتفاء ثمرته وهو السمع. وقال ابن كمال: عدي الفعل في القراءتين بإلى لتضمنه معنى الانتهاء أي لا ينتهون بالسمع أو التسمع إلى الملأ الأعلى وليس بذاك كما لا يخفى على المتأمل الصادق. والجملة في المشهور مستأنفة استئنافاً نحوياً ولم يجوز كونها صفة لشيطان قالوا إذ لا معنى للحفظ من شياطين لا تسمع أو لا تسمع مع إيهامه لعدم الحفظ عمن عداها. وكذا لم يجوز كونها استئنافاً بيانياً واقعاً جواب سؤال مقدر إذ المتبادر أن يؤخذ السؤال من فحوى ما قبله فتقديره حينئذٍ لم تحفظ فيعود محذور الوصفية، وكذا كونها حالاً مقدرة لأن الحال كذلك يقدرها صاحبها والشياطين لا يقدرون عدم السماع أو عدم التسمع ولا يريدونه، وجوز ابن المنير كونها صفة والمراد حفظ السمٰوات ممن لا يسمع أو لا يسمع بسبب هذا الحفظ، وهو نظير {أية : ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا }تفسير : [المؤمنون: 44] {أية : وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلْنُّجُومُ مُسَخَّرٰتٌ بِأَمْرِهِ }تفسير : [النحل: 12] ومن هنا لم يجعل بعض الأجلة قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من قتل قتيلاً فله سلبه»تفسير : من مجاز الأول. وتعقب بأن ذلك خلاف المتبادر ولا يكاد يفهم من أضرب الرجل المضروب كونه مضروباً بهذا الضرب المأمور به لا بضرب آخر قبله، وكذا جوز صاحب "الكشف" كونها صفة وكونها مستأنفة استئنافاً بيانياً أيضاً ودفع المحذور وأبعد في ذلك المغزى كعادته في سائر تحقيقاته فقال: المعنى لا يمكنون من السماع/ مع الإصغاء أو لا يمكنون من التسمع مبالغة في نفي السماع كأنهم مع مبالغتهم في الطلب لا يمكنهم ذلك، ولا بد من ذلك جعلت الجملة وصفاً أولا جمعاً بين القراءتين وتوفية لحق الإصغاء المدلول عليه بإلى وحينئذٍ يكون الوصف شديد الطباق؛ ورد الاستئناف البياني وارد على تقدير السؤال لم تحفظ؟ وليس كذلك بل السؤال عما يكون عند الحفظ وعن كيفيته لأن قوله سبحانه: {أية : وَحِفْظاً مّن كُلّ شَيْطَـٰنٍ مَّارِدٍ } تفسير : [الصافات: 7] مما يحرك الذهن له فقيل {لاَ يَسْمَعُونَ } جواباً عما يكون عنده {وَيَقْذِفُونَ } لكيفية الحفظ، وهذا أولى من جعلها مبدأ اقتصاص مستطرد لئلا ينقطع ما ليس بمنقطع معنى انتهى. واستدقه الخفاجي واستحسنه وذكر أن حاصله أنه ليس المنفي هنا السماع المطلق حتى يلزم ما ظنوه من فساد المعنى لأنه لما تعدى بإلى وتضمن معنى الإصغاء صار المعنى حفظناها من شياطين لا تنصت لما فيها إنصاتاً تاماً تضبط به ما تقوله الملائكة عليهم السلام، ومآله حفظناها من شياطين مسترقة للسمع، وقوله سبحانه: {أية : إِلاَّ مَنْ خَطِفَ } تفسير : [الصافات: 10] الخ ينادي على صحته، والمناقشة بحديث الأوصاف قبل العلم بها أخبار إن جاءت لا تتم فالحديث غير مطرد، وقيل: إن الأصل لأن لا يسمعوا على أن الجار متعلق بحفظاً فحذفت اللام كما في جئتك أن تكرمني ثم حذفت أن ورفع الفعل كما في قوله شعر : : ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي تفسير : وفيه أن حذف اللام وحذف أن ورفع الفعل وإن كان كل منهما واقعاً في الفصيح إلا أن اجتماع الحذفين منكر يصان كلام الله تعالى عنه. وأبو البقاء يجوز كون الجملة صفة وكونها استئنافاً وكونها حالاً فلا تغفل. {وَيَقْذِفُونَ } أي يرمون ويرجمون {مِن كُلّ جَانِبٍ } من جوانب السماء إذا قصدوا الصعود عليها، وليس المراد أن كل واحد يرمي من كل جانب بل هو على التوزيع أي كل من صعد من جانب رمى منه. وقرأ محبوب عن أبـي عمرو {يقذفون} بالبناء للفاعل ولعل الفاعل الملائكة، وجوز أن يكون الكواكب، وأمر ضمير العقلاء سهل.
ابن عاشور
تفسير : اعتراض بين جملة {أية : إنَّا زيَّنا السماء الدُّنيا}تفسير : [الصافات:6] وجملة {أية : فاستفتِهِم أهُم أشدُّ خلقاً}تفسير : [الصافات:11] قصد منه وصف قصة طرد الشياطين. وعلى تقدير قوله: {أية : وَحِفْظاً}تفسير : [ الصافات:7] مصدراً نائباً مناب فعله يجوز جعل جملة {لاَ يَسمعُونَ}بياناً لكيفية الحفظ فتكون الجملة في موقع عطف البيان من جملة {وحِفْظَاً}على حد قوله تعالى: {أية : فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك}تفسير : [طه:120] الآية، أي انتفى بذلك الحفظ سَمع الشياطين للملأ الأعلى. وحرف {إلى} يشير إلى تضمين فعل {يَسَّمَّعُونَ} معنى ينتهون فيسمعون، أي لا يتركهم الرمي بالشهب منتهين إلى الملأ الأعلى انتهاء الطالب المكان المطلوب بل تدحرهم قبل وصولهم فلا يتلقفون من عِلم ما يجري في الملأ الأعلى الأشياء مخطوفة غير متبينة، وذلك أبعد لهم من أن يسمعوا لأنهم لا ينتهون فلا يسمعون. وفي «الكشاف»: أن سمعت المعدّى بنفسه يفيد الإِدراك، وسمعت المعدّى بــــ {إلى} يفيد الإصغاء مع الإدراك. وقرأ الجمهور: {لاَ يَسْمَعُونَ} بسكون السين وتخفيف الميم. وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف {لا يسَّمَّعون} بتشديد السين وتشديد الميم مفتوحتين على أن أصله: لا يَتسمعون فقلبت التاء سيناً توصلاً إلى الإِدغام، والتسمع: تطلب السمع وتكلفه، فالمراد التسمع المباشر، وهو الذي يتهيأ له إذا بلغ المكان الذي تصل إليه أصوات الملأ الأعلى، أي أنهم يدحرون قبل وصولهم المكان المطلوب، والقراءتان في معنى واحد. وما نقل عن أبي عبيد من التفرقة بينهما في المعنى والاستعمال لا يصح. وحاصل معنى القراءتين أن الشهب تحول بين الشياطين وبين أن يسمعوا شيئاً من الملأ الأعلى وقد كانوا قبل البعثة المحمدية ربما اختطفوا الخطفة فألقوها إلى الكهان فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم قدر زيادة حراسة السماء بإرداف الكواكب بعضها ببعض حتى لا يرجع من خطف الخطفة سالماً كما دلّ عليه قوله: {إلاَّ مَنْ خَطِفَ الخَطْفَةَ}، فالشهب كانت موجودة من قبل وكانت لا تحول بين الشياطين وبين تلقف أخبار مقطعة من الملأ الأعلى فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حرمت الشياطين من ذلك. و {الملأ}: الجماعة أهل الشأن والقدر. والمراد بهم هنا الملائكة. ووصف {المَلإِ} بــــ {الأَعْلَىٰ} لتشريف الموصوف. والقذف: الرجم، والجانب: الجهة، والدُّحور: الطرد. وانتصب على أنه مفعول مطلق لــــ {يقذفون}. وإسناد فعل {يُقذفون} للمجهول لأن القاذف معلوم وهم الملائكة الموكّلون بالحفظ المشار إليه في قوله تعالى: {أية : وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشُهُباً}تفسير : [الجن:8]. والعذاب الواصب: الدائم يقال: وصب يصب وصوباً، إذا دام. والمعنى: أنهم يطردون في الدنيا ويحقرون ولهم عذاب دائم في الآخرة فإن الشياطين للنار {أية : فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثياً}تفسير : في سورة [مريم: 68]، ويجوز أن يكون المراد عذاب القذف وأنه واصب، أي لا ينفكّ عنهم كلما حاولوا الاستراق لأنهم مجبولون على محاولته. وجملة {ولهم عذابٌ واصِبٌ} معترضة بين الجملة المشتملة على المستثنى منه وهي جملة {لا يسمعون إلى الملإ الأعلى} وبين الاستثناء. و {من خطف الخطفة} مستثنى من ضمير {لا يسمعونَ} فهو في محل رفع على البدلية منه. والخطف: ابتدار تناول شيء بسرعة، و {الخطفة} المرة منه. فهو مفعول مطلق لــــ {خَطِفَ} لبيان عدد مرات المصدر، أي خطفة واحدة، وهو هنا مستعار للإِسراع بسمع ما يستطيعون سمعه من كلام غير تام كقوله تعالى: {أية : يكاد البرق يخطف أبصارهم}تفسير : في سورة [البقرة:20]. وأتبعه بمعنى تبعه فهمزته لا تفيده تعدية، وهي كهمزة أبان بمعنى بان. والشهاب: القبس والجمر من النار. والمراد به هنا ما يُسمّى بالنيزك في اصطلاح علم الهيئة، وتقدم في قوله:{أية : فأتبعه شهاب مبين}تفسير : في سورة [الحجر: 18]. والثاقب: الخارق، أي الذي يترك ثَقباً في الجسم الذي يصيبه، أي ثاقب له. وعن ابن عباس: الشهاب لا يقتل الشيطان الذي يصيبه ولكنه يحترق ويَخْبِل، أي يفسُد قِوامه فتزول خصائصه، فإن لم يضمحل فإنه يصبح غير قادر على محاولة اسْتراق السمع مرة أخرى، أي إلا من تمكّن من الدنوّ إلى محل يسمع فيه كلمات من كلمات الملأ الأعلى فيُردف بشهاب يثقبه فلا يرجع إلى حيث صدر، وهذا من خصائص ما بعد البعثة المحمدية. وقد تقدم الكلام على استراق السمع عند قوله تعالى:{ أية : وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم}تفسير : في سورة [الشعراء:210، 211].
د. أسعد حومد
تفسير : (8) - وَيُمْنَعُ عُتَاةُ الشَّيَاطِينِ مِنَ الاسْتِمَاعِ إِلَى مَا يَجْرِي فِي المَلأ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِيهَا مِنَ المَلائِكَةِ، وَإِذَا حَاوَلُوا الوُصُولَ إِلَى ذَلِكَ المَقَامِ لِيَسْتَمِعُوا إِلَى مَا تَتَحَدَّثُ بِهِ المَلاَئِكَةُ، فَإِنَّهُم يُرْمَوْنَ بالشُّهُبِ، وَيُرَدُّونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ يُريدُونَ بُلُوغَ السَّمَاءِ مِنْهُ. يُقْذَفُونَ - يُرْجَمُونَ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لاَّ يَسَّمَّعُونَ} معناه يَتَسمَّعون ولا يَسمَعون. وقوله تعالى: {وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً} معناه يُرمون من كُلِّ جَانبٍ. دُحوراً. أي إبعاداً. وقوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ} معناه دائمٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):