٣٧ - ٱلصَّافَّات
37 - As-Saffat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
19
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة ما يدل على إمكان البعث والقيامة، ثم أردفه بما يدل على وقوع القيامة، ذكر في هذه الآيات بعض تفاصيل أحوال القيامة، وأنه تعالى ذكر في هذه الآية أنواعاً من تلك الأحوال فالحالة الأولى: قوله تعالى: {فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وٰحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ ينظرون} وفيه أبحاث: البحث الأول: قوله: {فَإِنَّمَا } جواب شرط مقدر والتقدير إذا كان كذلك فما هي إلا زجرة واحدة. البحث الثاني: الضمير في قوله: {فَإِنَّمَا هِىَ } ضمير على شريطة التفسير، والتقدير فإنما البعث زجرة واحدة. البحث الثالث: الزجرة في اللغة الصيحة التي يزجر بها كالزجرة بالنعم والإبل عند البحث ثم كثر استعمالها حتى صارت بمعنى الصيحة وإن لم يكن فيها معنى الزجر كما في هذه الآية وأقول لا يبعد أن يقال إن تلك الصيحة إنما سميت زجرة لأنها تزجر الموتى عن الرقود في القبور وتحثهم على القيام من القبور والحضور في موقف القيامة، فإذا عرفت هذا فنقول المراد من هذه الزجرة ما ذكره الله تعالى في قوله: {أية : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } تفسير : [الزمر: 68] فبالنفخة الأولى يموتون وبالنفخة الثانية يحيون ويقومون، وههنا سؤالات: السؤال الأول: ما الفائدة في هذه الصيحة فإن القوم في تلك الساعة أموات لأن النفخة جارية مجرى السبب لحياتهم فتكون مقدمة على حصول حياتهم فثبت أن هذه الصيحة إنما حصلت حال كون الخلق أمواتاً، فتكون تلك الصيحة عديمة الفائدة فهي عبث والعبث لا يجوز في فعل الله والجواب: أما أصحابنا فيقولون يفعل الله ما يشاء، وأما المعتزلة فقال القاضي فيه وجهان الأول: أن تعتبر بها الملائكة الثاني: أن تكون الفائدة التخويف والإرهاب. السؤال الثاني: هل لتلك الصيحة تأثير في إعادة الحياة؟ الجواب: لا، بدليل أن الصيحة الأولى استعقبت الموت والثانية الحياة وذلك يدل على أن الصيحة لا أثر لها في الموت ولا في الحياة، بل خالق الموت والحياة هو الله تعالى كما قال: {أية : ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ } تفسير : [الملك: 2]. السؤال الثالث: تلك الصيحة صوت الملائكة أو الله تعالى يخلقها ابتداء؟ الجواب: الكل جائز إلا أنه روي أن الله تعالى يأمر إسرافيل حتى ينادي: أيتها العظام النخرة والجلود البالية والأجزاء المتفرقة اجتمعوا بإذن الله تعالى: اللفظ الرابع: من الألفاظ المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: {فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ } فيحتمل أن يكون المراد ينظرون ما يحدث بهم ويحتمل ينظر بعضهم إلى بعض وأن يكون المراد ينظرون إلى البعث الذي كذبوا به الحالة الثانية: من وقائع القيامة ما أخبر الله عنهم أنهم بعد القيام من القبور قالوا: {يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدّينِ } قال الزجاج: الويل كلمة يقولها القائل وقت الهلكة والمقصود أنهم لما شاهدوا القيامة قالوا: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدّينِ } أي يوم الجزاء هذا، والمقصود أن الله تعالى ذكر في آيات كثيرة من القرآن، أنا نرى في الدنيا محسناً ومسيئاً وعاصياً وصديقاً وزنديقاً، ورأينا أنه لم يصل إليهم في الدنيا ما يليق بهم من الجزاء فوجب القول بإثبات القيامة: {أية : لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى } تفسير : [النجم: 31] وبالجملة فهذا يدل على أن الجزاء إنما يحصل بعد الموت، والكفار وإن سمعوا هذا الدليل القوي لكنهم أنكروا وتمردوا ثم إنه تعالى إذا أحياهم يوم القيامة فإذا شاهدوا القيامة يذكرون ذلك اليوم ويقولون: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدّينِ } أي يوم الجزاء الذي ذكر الله الدلائل الكثيرة عليه في القرآن فكفرنا بها، ونظيره أن من خوف بشيء ولم يتلفت إليه، ثم عاينه بعد ذلك فقد يقول هذا يوم الواقعة الفلانية فكذا ههنا، وفيه احتمال آخر وهو أنه تعالى قال في سورة الفاتحة {أية : مَـٰلِكَ يَوْمِ ٱلدّينِ } تفسير : [الفاتحة: 4] فبين أنه لا مالك في ذلك اليوم إلا الله فقولهم هذا يوم الدين، إشارة إلى أن هذا هو اليوم الذي لا حكم فيه لأحد إلا لله، وإنما ذكروه لما حصل في قلوبهم من الخوف الشديد. أما قوله تعالى: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } ففيه بحثان: الأول: اختلفوا في أن هذا هو من بقية كلام الكفار أو يقال تم كلامهم عند قوله تعالى: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدّينِ }. وأما قوله: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ } فهو كلام غيرهم، فبعضهم قال بالأول وزعم أن قوله: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ } الآية من كلام بعضهم لبعض، والأكثرون على القول الثاني واحتجوا بوجهين: الأول: أن قوله: {كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } من كلام بعضهم لبعض خطاب مع جميع الكفار فقائل هذا القول لا بد وأن يكون غير الكفار الثاني: أن قوله: أية : {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} تفسير : [الصافات: 22] منسوق على قوله: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } فلما كان قوله: {احشروا الذين ظلموا} كلام غير الكفار فكذلك قوله: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } يجب أن يكون كلام غير الكفار، وعلى هذا التقدير فقوله: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدّينِ } من كلام الكفار، وقوله: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ } من كلام الملائكة جواباً لهم، والوجه في كونه جواباً لهم أن أولئك الكفار، إنما اعتقدوا في أنفسهم كونهم محقين في إنكار دعوة الأنبياء عليهم السلام وكونهم محقين في تلك الأديان الفاسدة فقالوا: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدّينِ } أي هذا اليوم الذي يصل فيه إلينا جزاء طاعتنا وخيراتنا، فالملائكة يقولون لهم إنه لا اعتبار بظواهر الأمور في هذا اليوم فإن هذا اليوم يفصل فيه الجزاء الحقيقي عن الجزاء الظاهري وتميز فيه الطاعات الحقيقية عن الطاعات المقرونة بالرياء والسمعة فبهذا الطريق صار هذا الكلام من الملائكة جواباً لما ذكره الكفار.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَإِنَّمَا هِىَ } ضميره مبهم يفسره {زَجْرَةٌ } أي صيحة {وٰحِدَةً فَإِذَا هُمْ } أي الخلائق أحياء {يَنظُرُونَ } ما يفعل بهم.
ابن عطية
تفسير : هذا استئناف إخبار جره ما قبله، فأخبر تعالى أن بعثهم من قبورهم إنما هو {زجرة واحدة}، وهي نفخة البعث في الصور، وقوله {ينظرون}، يحتمل أن يريد بالأبصار أي ينظرون ما هم فيه وصدق ما كانوا يكذبون به، ويحتمل أن يكون بمعنى ينتظرون، أي ما يفعل بهم ويؤمرون به، ثم أخبر عنهم أنهم في تلك الحال يقولون {يا ويلنا} ينادون الويل بمعنى هذا وقت حضورك وأوان حلولك، وروى أبو حاتم الوقف ها هنا وجعل قوله {هذا يوم الدين} من قول الله تعالى لهم أو الملائكة، ورأى غيره أن قوله تعالى: {هذا يوم الدين} هو من قول الكفرة الذين قالوا {يا ويلنا}، و {الدين} الجزاء والمقارضة كما يقولون كما تدين تدان، وأجمعوا أن قوله {هذا يوم الفصل} إلى آخر الآية ليس من قول الكفرة وإنما المعنى يقال لهم، وقوله تعالى: {وأزواجهم} معناه وأنواعهم وضرباؤهم، قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن عباس وقتادة ومنه قوله تعالى: {أية : وكنتم أزواجاً ثلاثة} تفسير : [الواقعة: 7]، وقوله تعالى: {أية : وإذا النفوس زوجت} تفسير : [التكوير: 7] أي نوعت، وروي أنه يضم عند هذا الأمر كل شكل وصاحبه من الكفرة إلى شكله وصاحبه ومعهم {ما كانوا يعبدون من دون الله} من آدمي رضي بذلك ومن صنم ووثن توبيخاً لهم وإظهاراً لسوء حالهم، وقال الحسن: المعنى وأزواجهم المشركات من النساء وروي ذلك عن ابن عباس ورجحه الرماني، وقوله تعالى {فاهدوهم}. معناه قوموهم واجعلوهم على طريق الجحيم، و {الجحيم} طبقة من طبقات جهنم يقال إنها الرابعة، ثم يأمر تعالى بوقفهم، و"وقف" يتعدى بنفسه تقول وقفت ووقفت زيداً، وأمره بذلك على جهة التوبيخ لهم والسؤال واختلف الناس في الشيء الذي يسألون عنه فروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: يسألون هل يحبون شرب الماء البارد، وهذا على طريق الهزء بهم، وقال ابن عباس: يُسألون عن لا إله إلا الله، وقال جمهور المفسرين: يُسألون عن أعمالهم ويوقفون على قبحها. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول متجه عام في الهزء وغيره وروى أنس بن مالك عن النبي عليه السلام أنه قال "حديث : أيما رجل دعا رجلاً إلى شيء كان لازماً له" تفسير : ، وقرأ {وقفوهم إنهم مسؤولون}، وروى ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : لا تزول قدماً عبد من بين يدي الله تعالى حتى يسأله عن خمس، عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله فيما أنفقه، وكيف كسبه، وعما عمل فيما علم" تفسير : ، ويحتمل عندي أن يكون المعنى على نحو ما فسره بقوله {ما لكم لا تناصرون} أي أنكم مسؤولون عن امتناعهم عن التناصر، وهذا على جهة التوبيخ في هذا الفصل خاصة أعني الامتناع من التناصر، وقرأ "تناصرون" بتاء واحدة خفيفة، شيبة ونافع، وقرأ خلق "لا تتناصرون"، وكذلك في حرف عبد الله، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع "لا تناصرون" بإدغام التاء من قراءة عبد الله بن مسعود وقال الثعلبي قوله: {ما لكم لا تناصرون} جواب أبي جهل حين قال في بدر نحن جميع منتصر، ثم أخبر تعالى عن أنهم في ذلك اليوم في حالة الاستسلام والإلقاء باليد.
ابن عبد السلام
تفسير : {زَجْرَةٌ} صيحة أي النفخة الثانية.
ابن عادل
تفسير : قوله: "فَإِنَّمَا هِيَ" قال الزمخشري: "فَإنَّما هِيَ" جواب شرط مقدر تقديره إذا كان كذلك فما هي إلا زجره واحدة. قال أبو حيان: وكثيراً ما تضمَّن جملة الشرط قبل فاء إذا ساغ تقديره ولا ضرورة تدعو إلى ذلك ولا يحذف الشرط ويبقى جوابه إلا إذا انجزم الفعل في الذي يطلق عليه أنه جواب للأمر والنهي وما ذكر معهما، أمَّا ابتداءً فلا يجوز حذفه. فصل "هي" ضمير البعثة المدلول عليها بالسِّياق لما كانت بعثتهم ناشئة عن الزجرة جعلت إياها مجازاً، قال الزَّمَخْشَرِيُّ "هي" مبهمة يوضحها خبرها، قال أبو حيان: وكثيراً ما يقول هو وابن مالك: إن الضمير يفسره خبره. ووقف أبو حاتم على "يَا وَيْلَنا" وجعل مع ما بعده من قوله الباري تعالى، وبعضهم جعل {هَذَا يَوْمُ الدِّينِ} من كلام الكفار الكفرة فيقف عليه، وقوله: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ} من قول الباري تعالى: وقيل: الجميع من كلامهم. وعلى هذا فيكون قوله: "تُكَذِّبُونَ" إما التفاتاً من التكلم إلى الخطاب وإما مخاطبة بعضهم لبعض. فصل لما بين في الآية المتقدمة ما يدل على إنكار البعث والقيامة وأرْدَفَهُ بما يدل على وقوع القيامة ذكر في هذه الآيات بعض تفاصيل أحوال القيامة فمنها قوله: {فإنما هي زجرة واحدة} أي صيحة واحدة وهي نفخة البعث فإذا هم ينظرون أي إحياء ينظر بعضهم إلى بعض، وقيل: ينتظرون ما يحدث لهم أو ينظرون إلى البعث الذي كذبوا به والزجرة هي الصيحة التي يزجرها كالزجرة بالنَّعَمِ والإبل عند الحثّ، ثُمَّ كثر استعمالها حتى صارت بمعنى الصيحة، قال ابن الخطيب: ولا يبعد أن يقال تلك الصيحة إذا سميت زجرة لأنها تزجر الموتى عن الرقود في القبور وتحثهم على القيام من القبور إلى الحضور في موقف القيامة. فإن قيل: فما الفائدة في هذه الصيحة للأموات وهذه النفخة جارية مَجْرَى السبب لحياتهم فتكون مقدمة على حياتهم فلزم أن هذه الصيحة إنما تكون حالاً لكونهم أمواتاً فتكون الصيحة عديمة الفائدة فهي عَبَثٌ والعبث لا يجوز في فِعل الله؟ فالجواب: على قول أهل السنة يفعل الله ما يشاء وأما المعتزلة فقال القاضي: فيه وجهان: الأول: أن يعتبر بها الملائكة. والثاني: أن تكون فائدتها التخويف والإرهاب. (انتهى). وهذه الصيحة لا تأثير لها في الحياة بدليل أن الصيحة الأولى استعقبها الموت والثانية الحياة وذلك يدل على أن الصيحة لا أثر لها في الموت ولا في الحياة بل خالق الموت والحياة هو الله (وذلك يدل على أن الصيحة لا أثر لها) كما قال: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ} تفسير : [الملك:2] روي أن الله تعالى يأمرنا سراً قيل فينادى أَيَّتُّها العِظَامُ النَّخِرَة، والجُلُودُ البالية والأجزاء المتفرقة اجتمعوا بإذن الله تعالى. الحالة الثانية من تفاصيل أحوال القيامة قولهم بعد القيام من القبور: {يا ويلنا هذا يوم الدين} أي يوم الحساب ويوم الجزاء. قال الزجاج: الويل كلمة يقولها القائل وقت الهَلَكَةِ، ويحتمل أن يكون المراد بقولهم: "هذا يوم الدين" أي يوم الحساب القيامة المذكور في قوله: {أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [الفاتحة:4] أي لا مالك في ذلك اليوم إلا الله تعالى وأما قوله: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} تَقَدَّم الكلام على قائله هل هو من كلام الله تعالى أو من كلام الملائكة أو من كلام المؤمنين أو من كلام الكفار. قوله: {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} هذا من كلام الملائكة والمراد اجْمَعُوا الذين أشركوا إلى الموقف للحساب والجزاء. فإن قيل: ما معنى احشروا مع أنهم قد حشروا من قبل وحَضَروا مَحْفِل القيامة وقالوا: هذا يوم الدين وقالت الملائكة لهم: بل هذا يوم الفصل؟ أجاب القاضي عنه وقال: المراد احشروهم إلى دار الجزاء وهي النار، ولذلك قال بعده: {فَاهْدُهُمْ إلى صِرَاطِ الجَحِيم} أي دُلُّوهُمْ على ذلك الطريق، ثم سأل نفسه وقال: كيف يصح ذلك وقد قال بعده: {وَقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسؤُولُونَ} ومعلوم أن (مَـ) ـحْشَرَهُمْ إلى الجحيم إنما يكون بعد المسألة وأجاب بأنه ليس في العطف بحرف الواو ترتيب ولا يمتنع أن يقال احْشُرُوهُمْ وقِفُوهم مع أنا بعقولنا نعلم أن الوقوف كان قبل الحشر. قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر وهو أن يقال: إنهم إذا قاموا من قبورهم لم يَبْعُدْ أن يقفوا هناك لحيرَةٍ تَلْحَقُهُمْ لمعاينتهم أهوالَ القيامة، ثم إن الله تعالى يقول للملائكة: احشروا الذين ظلموا واهدوهم إلى صراط الجحيم، أي سُوقُوهم إلى طريق جهنم وقفوهم هناك ويحصل السؤال هناك ثُمّ (مِنْ) هنا (ك) يساقون إلى النار. قوله: {وَأَزْوَاجَهُمْ} العامة على نصبه وفيه وجهان: أحدهما: العطف على الموصول. والثاني: أنه مفعول معه. قال أبو البقاء: وهو في المعنى أقوى، وإنما قال في المعنى لأنه في الصناعة ضعيف لأنه أمكن العطف لا يُعْدَلُ عنه، وقرأ عِيسَى بْنُ سُلَيْمَانَ الحِجَازيّ بالرفع عطفاً على ضمير "ظَلموا". وهو ضعيف لعدم العامل، وقوله: {وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ} لا يجوز فيه هذا لأنه لا ينسب إليهم ظلم إن لم يرد بهم الشياطين وإن أريد بهم ذلك جاز فيه الرفع أيضاً على ما تقدم. قوله: "إِنَّهُمْ مَّسْؤُولُونَ" العامة على الكسر على الاستئناف المفيد للعلة، وقرىء بفتحها على حذف لام العلة أي قِفُوهُمْ لأجْل سُؤَال الله إيَّاهم. فصل المراد بالأزواج أشباههم وأمثالهم وأتباعهم. قال قتادة والكلبي: كل من عمل مثل عملهم فأهل الخمر مع أهل الخمر وأهل الزنا مع أهل الزنا واليهوديّ مع اليهوديّ والنَّصْرَانيّ مع النصراني لقوله تعالى: {أية : وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً} تفسير : [الواقعة: 7] أي أشكالاً وأشباهاً، وتقول "عندي من هذا أزواج" أي أمثال، وتقول: زَوْجَان من الخُفِّ لأن كل واحد منهما نظير الآخر وكذلك الرجل والمرأة يُسَمَّيَانِ زَوْجَيْنِ متشابهين، وكذلك العدد الزوج، وقال الضحاك ومقاتل قرناؤهم من السوء الشياطين كل كافر مع شيطانه في سلسلة. وقال الحسن: أزواجهم: المشركات، وما كانوا يعبدون من دون الله في الدنيا يعني الأوثان والطواغيت. وقال مقاتل: يعني إبليسَ وجنودَه لقوله: {أية : أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ } تفسير : [يس:60]. {فاهْدُوهم إٍلى صراط الجحيم}، قال ابن عباس: دلوهم إلى طريق النَّارِ. وقال ابن كيسان والأَصَمّ: قدموهم والعرب تسمي السابق هادياً. وقال الواحدي: وهذا وهم لأنه يقال هَدَى إذا تقدم ومنه الهَادِيَةُ والهَوَادِي، وهَادِيَاتُ الوحش، ولا يقال هَدَى بمعنى قدم. "وَقِفُوهُمْ" يقال وَقَفْتُ الدَّابَة أَقِفُها وَقْفاً فوَقَفَتْ هي وُقُوفاً. قال المفسرون: لما سِيقُوا إلى النار حبسوا عند الصراط لأن السؤال عند الصراط فقال: {قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْؤُولُونَ}. قال ابن عباس: عن أقوالهم وأفعالهم. وقيل: تسألهم الخزنة: "ألم يأتكم نذير رسل منكم"، (رسل) بالبينات قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين. ويجوز أن يكون هذا السؤال هو قوله بعد ذلك: {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ} (أي لا تسألون) (توبيخاً لهم فيقال): ما لكم لا يناصرون قال ابن عباس: لا ينصر بعضُكم بعضاً كما كنتم في الدنيا وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر: نحْن جميعٌ منتصر فقيل لهم يوم القيامة: ما لكم لا تَنَاصَرُون، وقيل: يقال للكفار: ما لشركائكم لا يمنعونكم من العذاب. قوله: "مَا لَكُمْ" يجوز أن يكون منقطعاً عما قبله والمسؤول عنه غير مذكور ولذلك قدره بعضهم عن أعمالهم، ويجوز أن يكون هو المسؤول عنه في المعنى فيكون معلقاً للسؤال و "لاَ تَنَاصَرُونَ" جملة حالية العامل فيها الاستقرار في "لكم". وقيل: بل هي على حذف حَرْفِ الجرِّ وأن الناصبة فلما حذفت "أن" ارتفع الفعل. والأصل في أن لا. وتقدمت قراءة البَزِّي لا تناصرون بتشديد التاء. وقرىء تَتَنَاصَرُونَ على الأصل. قوله (تعالى): {بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} قال ابن عباس: خاضعون. وقال الحسن منقادون، يقال اسْتَسْلَمَ للشيء إذا انقاد له وخضع. والمعنى هم اليوم أذلاّء منقادون لا حِيلَة لهم في دفع تلك المضارّ.
اسماعيل حقي
تفسير : {فانما هى زجرة واحدة} لا تحتاج الى نعم الاخرى وهى اما ضمير مبهم يفسره خبره او ضمير البعثة المذكورة فى ضمن نعم لان المعنى نعم مبعوثون والجملة جواب شرط مضمر او تعليل لنهى مقدر اى اذا امر الله بالبعث فانما هى الخ او لا تستصعبوه فانما هى الخ. والزجرة الصيحة من زجر الراعى غنمه او ابله اذا صاح عليها وهى النفخة الثانية {فاذا هم} اذا للمفاجأة والضمير للمشركين. وفى بعض التفاسير للخلائق كلهم اى فاذا هم قائمون من مراقدهم احيا {ينظرون} حيارى او يبصرون كما كانوا او ينتظرون ما يفعل بهم
الجنابذي
تفسير : {فَإِنَّمَا هِيَ} اى البعثة او البعث والتّأنيث باعتبار المسند {زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} اى صيحة واحدة هى النّفخة الثّانيّة {فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ} يبصرون او ينتظرون الحساب او ينتظرون ما يفعل بهم.
اطفيش
تفسير : {فإِنما هي} أي البعثة المعلومة مما سبق ونفخة البعث والضمير للزجرة مبهم مفسر لخبرة وهو قوله {زجرة} أي صيحة ونفخة قال العراقي الزجرة الصيحة بانتهار. {واحدة} والفاء للتعليل أي يبعثون ولا مانع من بعثكم لأنه إنما هو زجرة واحدة لا احتاج فيه إلى اعانة ولا تعب فيه بل هو امر هين تكفي صيحة واحدة لا تتعدد او رابطة لجواب شرط مقدر اي اذا كان كذلك. {فاذا هم ينظرون} فإن الخلائق أحياء ينظرون بأبصارهم قياما من قبورهم او ينتطرون ما يفعل بهم.
اطفيش
تفسير : {فإنَّما هِيَ} البعثة المعلومة من المقام، أو الضمير للبعث فأنث لتأنيث الخبر، والفاء فى جواب شرط مقدر أى اذا كان البعث أمرا لا مجيد عنه، فانها هى زجرة أو تعليل لمحذوف أى لا يصعب عليه، لأنها ما هى الا {زجْرةٌ واحدةٌ} صيحة يصيحها ملك بإذن الله عز وجل، نفخة البعث، والواحدة معلومة من زجرة، فواحدة نعت مؤكد، ويجوز العطف على نعم، لأنه فى معنى الجملة فلا تقدير، الجملة من تتمة القول، وأما اذا قدر الشرط أو المعلل، فالمجموع مستأنف من الله عز وجل، أو من تتمة القول، ويجوز كون الفاء تعليلا لقل بلا تقدير شىء {فإذا هُم} قيام من قبورههم أحياء يعقلون {ينْظُرون} يبصرون كما فى الدنيا، أو ينتظرون ما يفعل بهم.
الالوسي
تفسير : {فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وٰحِدَةٌ } الضمير راجع إلى البعثة المفهومة مما قبل، وقيل للبعث والتأنيث باعتبار الخبر. والزجرة الصيحة من زجر الراعي غنمه صاح عليها. والمراد بها النفخة الثانية في الصور ولما كانت بعثتهم ناشئة عن الزجرة جعلت إياها مجازاً. والفاء واقعة في جواب شرط مقدر أو تعليلية لنهي مقدر أي إذا كان كذلك فإنما البعثة زجرة واحدة أو لا تستصعبوها فإنما هي زجرة. وجوز الزجاج أن تكون للتفسير والتفصيل وما بعدها مفسر للبعث. وتعقب بأن تفسير البعث الذي في كلامهم لا وجه له والذي في الجواب غير مصرح به. وتفسير ما كني عنه بنعم مما لم يعهد. والظاهر أنه تفسير لما كني عنه بنعم وهو بمنزلة المذكور لا سيما وقد ذكر ما يقوي إحضاره من الجملة الحالية. وعدم عهد التفسير في مثل ذلك مما لا جزم لي به. وأبو حيان نازع في تقدير الشرط فقال: ((لا ضرورة تدعو إليه ولا يحذف الشرط ويبقى جوابه إلا إذا انجزم الفعل في الذي يطلق عليه أنه جواب الأمر والنهي وما ذكر معهما على قول بعضهم أما ابتداء فلا يجوز حذفه)) والجمهور على خلافه والحق معهم، وهذه الجملة إما من تتمة المقول وإما ابتداء كلام من قبله عز وجل. {فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ } أي فإذا هم قيام من مراقدهم أحياء يبصرون كما كانوا في الدنيا أو ينتظرون ما يفعل بهم وما يؤمرون به.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَاحِدَةٌ} (19) - وَسَيَكُونُ أمْرُ إِعَادَةِ بَعْثِكُمْ سَهْلاً يَسِيراً عَلَى اللهِ إِذْ يَأْمُرُ اللهُ بِأَنْ يُنْفَخَ فِي الصُّوْرِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ فَيَقُومُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ أَحْيَاء يَنْظُرُونَ إِلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ بِهِ مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى {فَإِنَّمَا هِيَ} [الصافات: 19] أي: مسألة البعث {زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} [الصافات: 19] صيحة واحدة، أو نفخة واحدة كافية لأن تُخرِجهم من قبورهم {فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ} [الصافات: 19] لا أننا سنذهب إلى كل واحد منهم ونوقظه (اصحى يا فلان) إذن: البعث الذي تكذِّبون به أمرُه يسير علينا، ولا يُكلِّفنا شيئاً. والصيحة في ذاتها لا تبعث الموتى، إنما هي مجرد إذْنٍ للملَك، بأن يباشر مهمته، فهي مثل الجرس الذي يُبْدأ به العمل، فبعد الزَّجْرة {فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ} [الصافات: 19] هكذا مباشرة؛ لأن إذا هنا تدل على المفاجأة، فالأمر لن يستغرق وقتاً، وأول ما يقومون من القبور ينظرون أي: هنا وهناك؛ لأنهم سيروْنَ أمراً عجيباً لا عَهْدَ لهم به، وسيُفاجئهم ما كانوا يُكذِّبون به في الدنيا. لذلك حكى القرآن عنهم في آية أخرى: {أية : رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا} تفسير : [السجدة: 12] وهي أول آية في القرآن يتقدم فيها البصر على السمع؛ لأنهم أول ما يفاجئهم يفاجئهم منظرٌ جديد لم يَرَوْهُ من قَبْل، فينظرون إليه. فإذا ما عاينوا هذا المنظر، قالوا: {يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [الصافات: 20-21] هم الذين يقولون، وهم الذين يدْعُون على أنفسهم بالوَيْل والثبور، لا نقولها نحن ويلكم، بل يقولونها هم {يٰوَيْلَنَا} [الصافات: 20] يعني: احضر، فهذا أوانك؛ لأنهم الآن تكشَّفَتْ لهم الحقائق وبَانَ كذبُهم وفسادُ تفكيرهم، وما كانوا فيه في الدنيا من اللَّدَد والعناد، وأول ما يتبين للإنسان فسادُ تفكيره وسوء عمله أوَّل ما يلوم يلوم نفسه، فيدعو عليها. وقولهم: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ} [الصافات: 20] يعني: يوم الجزاء على الأعمال، هذا الجزاء الذي لم يؤمنوا به في الدنيا، ها هم يعترفون به، أو {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ} [الصافات: 20] يعني: هذا هو اليوم الذي ينفع فيه الدين، كما تقول لولدك وهو مُقبل على الامتحان: هذا يوم المذاكرة. يعني: اليوم الذي لا تنفعك فيه إلا مذاكرتك. ثم يقولون: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ} [الصافات: 21] ثم يعترفون {ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [الصافات: 21] والفصل لا يكون إلا في الخصومة، والخصومة هنا كانت بين الرسل وأقوامهم المكذِّبين لهم والمعاندين، ومثْل هذه الخصومة لا يُنهيها الجدل؛ لأن المكذبين لديهم لدَد وعناد، وقد لا يُنهيها السيف حتى يموت الظالم دون أنْ يقتصَّ منه. إذن: لا بُدَّ أنْ يأتي يوم للقصاص وللفصل في هذه الخصومات؛ لذلك قال أحدهم: والله لا يموت ظلوم حتى ينتقمَ الله منه، فقال الآخر: كيف وفلان ظلم كثيراً ولم نَرَ فيه شيئاً؟ قال: والله، إن وراء هذه الدار داراً أخرى يُجَازَى فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. نعم، لا بُدَّ من هذا اليوم، وإلا لَكانَ الظالم أحظَّ من المظلوم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):