٣٧ - ٱلصَّافَّات
37 - As-Saffat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
20
Tafseer
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن قيل الكفار يوم القيامة أنهم يرجعون على أنفسهم بالملامة، ويعترفون بأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدار الدنيا، فإذا عاينوا أهوال القيامة، ندموا كل الندم حيث لا ينفعهم الندم، { وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ} فتقول الملائكة والمؤمنون: { هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} وهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ، ويأمر الله تعالى الملائكة أن تميز الكفار من المؤمنين في الموقف في محشرهم ومنشرهم، ولهذا قال تعالى: {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَٰجَهُمْ} قال: النعمان بن بشير رضي الله عنه: يعني بأزواجهم: أشباههم وأمثالهم، وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي وأبو صالح وأبو العالية وزيد بن أسلم، وقال سفيان الثوري عن سماك عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَٰجَهُمْ} قال إخوانهم. وقال شريك عن سماك عن النعمان قال: سمعت عمر يقول: {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَٰجَهُمْ} قال: أشباههم. قال: يجيء أصحاب الزنا مع أصحاب الزنا، وأصحاب الربا مع أصحاب الربا، وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر، وقال خصيف عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما: أزواجهم: نساءهم، وهذا غريب، والمعروف عنه الأول، كما رواه مجاهد وسعيد بن جبير عنه: أزواجهم: قرناءهم { وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}، أي: من الأصنام والأنداد، تحشر معهم في أماكنهم. وقوله تعالى: {فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْجَحِيمِ} أي: أرشدوهم إلى طريق جهنم، وهذا كقوله تعالى: {أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} تفسير : [الإسراء: 97] وقوله تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} أي: قفوهم حتى يسألوا عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في الدار الدنيا. كما قال الضحاك عن ابن عباس: يعني: احبسوهم إنهم محاسبون. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا النفيلي، حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت ليثاً يحدث عن بشر عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أيما داع دعا إلى شيء، كان موقوفاً معه إلى يوم القيامة، لا يغادره، ولا يفارقه، وإن دعا رجل رجلاً» تفسير : ثم قرأ: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} ورواه الترمذي من حديث ليث بن أبي سليم، ورواه ابن جرير عن يعقوب بن إبراهيم عن معتمر عن ليث عن رجل عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً. وقال عبد الله بن المبارك: سمعت عثمان بن زائدة يقول: إن أول ما يسأل عنه الرجل جلساؤه، ثم يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ: { مَا لَكُمْ لاَ تَنَـٰصَرُونَ} أي: كما زعمتم أنكم جمع منتصر، { بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} أي: منقادون لأمر الله، لا يخالفونه، ولا يحيدون عنه، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالُواْ } أي الكفار {يَا} للتنبيه {وَيْلَنَا} هلاكنا، وهو مصدر لا فعل له من لفظه، وتقول لهم الملائكة {هَٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ } أي الحساب والجزاء.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا} أي: قال أولئك المبعوثون لما عاينوا البعث الذي كانوا يكذبون به في الدنيا: يا ويلنا، دعوا بالويل على أنفسهم. قال الزجاج: الويل كلمة يقولها القائل وقت الهلكة، وقال الفراء: إن أصله: يا وي لنا، ووي بمعنى: الحزن كأنه قال: يا حزن لنا. قال النحاس: ولو كان كما قال لكان منفصلاً، وهو في المصحف متصل، ولا نعلم أحداً يكتبه إلا متصلاً، وجملة {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدّينِ } تعليل لدعائهم بالويل على أنفسهم، والدين: الجزاء، فكأنهم قالوا: هذا اليوم الذي نجازى فيه بأعمالنا من الكفر، والتكذيب للرسل، فأجاب عليهم الملائكة بقولهم: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ }، ويجوز أن يكون هذا من قول بعضهم لبعض، والفصل: الحكم، والقضاء؛ لأنه يفصل فيه بين المحسن، والمسيء. وقوله: {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوٰجَهُمْ } هو أمر من الله سبحانه للملائكة بأن يحشروا المشركين، وأزواجهم، وهم: أشباههم في الشرك، والمتابعون لهم في الكفر، والمشايعون لهم في تكذيب الرسل، كذا قال قتادة، وأبو العالية. وقال الحسن، ومجاهد: المراد بأزواجهم: نساؤهم المشركات الموافقات لهم على الكفر، والظلم. وقال الضحاك: أزواجهم قرناؤهم من الشياطين يحشر كلّ كافر مع شيطانه، وبه قال مقاتل {وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } من الأصنام، والشياطين، وهذا العموم المستفاد من "ما" الموصولة، فإنها عبارة عن المعبودين، لا عن العابدين، كما قيل - مخصوص؛ لأن من طوائف الكفار من عبد المسيح، ومنهم من عبد الملائكة، فيخرجون بقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } تفسير : [الأنبياء: 101]، ووجه حشر الأصنام مع كونها جمادات لا تعقل هو زيادة التبكيت لعابديها، وتخجيلهم، وإظهار أنها لا تنفع، ولا تضرّ. {فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْجَحِيمِ } أي: عرّفوا هؤلاء المحشورين طريق النار، وسوقوهم إليها، يقال: هديته الطريق، وهديته إليها، أي: دللته عليها، وفي هذا تهكم بهم. {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ } أي: احبسوهم، يقال: وقفت الدابة أقفها وقفاً، فوقفت هي وقوفاً يتعدّى، ولا يتعدّى، وهذا الحبس لهم يكون قبل السوق إلى جهنم، أي: وقفوهم للحساب، ثم سوقوهم إلى النار بعد ذلك، وجملة {إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ } تعليل للجملة الأولى. قال الكلبي: أي: مسئولون عن أعمالهم وأقوالهم وأفعالهم. وقال الضحاك: عن خطاياهم، وقيل: عن لا إلٰه إلاّ الله، وقيل: عن ظلم العباد، وقيل: هذا السؤال هو المذكور بعد هذا بقوله: {مَا لَكُمْ لاَ تَنَـٰصَرُونَ } أي: أيّ شيء لكم لا ينصر بعضكم بعضاً كما كنتم في الدنيا، وهذا توبيخ لهم، وتقريع وتهكم بهم، وأصله تتناصرون، فطرحت إحدى التاءين تخفيفاً. قرأ الجمهور {إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ } بكسر الهمزة، وقرأ عيسى بن عمر بفتحها. قال الكسائي: أي: لأنهم، أو بأنهم، وقيل: الإشارة بقوله: {مَا لَكُمْ لاَ تَنَـٰصَرُونَ } إلى قول أبي جهل يوم بدر: {أية : نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ } تفسير : [القمر: 44]. ثم أضرب سبحانه عما تقدّم إلى بيان الحالة التي هم عليها هنالك، فقال: {بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ } أي: منقادون لعجزهم عن الحيلة. قال قتادة: مستسلمون في عذاب الله. وقال الأخفش: ملقون بأيديهم، يقال: استسلم للشيء: إذا انقاد له وخضع. {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } أي: أقبل بعض الكفار على بعض يتساءلون. قيل: هم الأتباع، والرّؤساء يسأل بعضهم بعضاً سؤال توبيخ وتقريع ومخاصمة. وقال مجاهد: هو قول الكفار للشياطين. وقال قتادة: هو قول الإنس للجنّ، والأوّل أولى لقوله: {قَالُواْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ } أي: كنتم تأتوننا في الدنيا عن اليمين، أي: من جهة الحقّ، والدين، والطاعة، وتصدّونا عنها. قال الزجاج: كنتم تأتوننا من قبل الدين، فتروننا أن الدين، والحق ما تضلوننا به، واليمين عبارة عن الحق، وهذا كقوله تعالى إخباراً عن إبليس: {أية : ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ } تفسير : [الأعراف: 17] قال الواحدي: قال أهل المعاني: إن الرّؤساء كانوا قد حلفوا لهؤلاء الأتباع أن ما يدعونهم إليه هو الحق، فوثقوا بأيمانهم: فمعنى {تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ } أي: من ناحية الأيمان التي كنتم تحلفونها، فوثقنا بها. قال: والمفسرون على القول الأوّل. وقيل: المعنى: تأتوننا عن اليمين التي نحبها، ونتفاءل بها، لتغرّونا بذلك عن جهة النصح، والعرب تتفاءل بما جاء عن اليمين، وتسميه السانح. وقيل: اليمين بمعنى: القوّة، أي: تمنعوننا بقوّة، وغلبة، وقهر كما في قوله: {أية : فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ } تفسير : [الصافات: 93] أي: بالقوّة، وهذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر، وكذلك جملة {قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } فإنها مستأنفة جواب سؤال مقدّر؛ والمعنى: أنه قال الرؤساء، أو الشياطين لهؤلاء القائلين: كنتم تأتوننا عن اليمين بل لم تكونوا مؤمنين، ولم نمنعكم من الإيمان. والمعنى: أنكم لم تكونوا مؤمنين قطّ حتى ننقلكم عن الإيمان إلى الكفر، بل كنتم من الأصل على الكفر، فأقمتم عليه. {وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ } من تسلط بقهر، وغلبة حتى ندخلكم في الإيمان، ونخرجكم من الكفر {بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَـٰغِينَ } أي: متجاوزين الحدّ في الكفر، والضلال، وقوله: {فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ } من قول المتبوعين، أي: وجب علينا، وعليكم، ولزمنا قول ربنا، يعنون قوله تعالى: {أية : لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [صۤ: 85] إنا لذائقو العذاب، أي: إنا جميعاً لذائقو العذاب الذي ورد به الوعيد. قال الزجاج: أي: إن المضلّ، والضّال في النار {فَأَغْوَيْنَـٰكُمْ } أي: أضللناكم عن الهدى، ودعوناكم إلى ما كنا فيه من الغيّ، وزينا لكم ما كنتم عليه من الكفر {إِنَّا كُنَّا غَـٰوِينَ } فلا عتب علينا في تعرّضنا لإغوائكم؛ لأنا أردنا أن تكونوا أمثالنا في الغواية؛ ومعنى الآية: أقدمنا على إغوائكم لأنا كنا موصوفين في أنفسنا بالغواية، فأقرّوا ها هنا بأنهم تسببوا لإغوائهم، لكن لا بطريق القهر، والغلبة، ونفوا عن أنفسهم فيما سبق أنهم قهروهم، وغلبوهم، فقالوا: {وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ }. ثم أخبر الله سبحانه عن الأتباع، والمتبوعين بقوله: {فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ } كما كانوا مشتركين في الغواية {إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ } أي: إنا نفعل مثل ذلك الفعل بالمجرمين، أي: أهل الإجرام، وهم المشركون كما يفيده قوله سبحانه: {إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ } أي: إذا قيل لهم: قولوا: لا إلٰه إلاّ الله يستكبرون عن القبول، ومحل يستكبرون النصب على أنه خبر كان، أو الرفع على أنه خبر إن، وكان ملغاة {وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو ءالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} يعنون: النبي صلى الله عليه وسلم، أي: لقول شاعر مجنون، فردّ الله سبحانه عليهم بقوله: {بَلْ جَاء بِٱلْحَقّ } يعني: القرآن المشتمل على التوحيد، والوعد، والوعيد {وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ } أي: صدّقهم فيما جاءوا به من التوحيد، والوعيد، وإثبات الدار الآخرة، ولم يخالفهم، ولا جاء بشيء لم تأت به الرسل قبله {إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ } أي: إنكم بسبب شرككم، وتكذيبكم لذائقوا العذاب الشديد الألم. قرأ الجمهور {لذائقوا} بحذف النون، وخفض العذاب، وقرأ أبان بن ثعلب عن عاصم، وأبو السماك بحذفها، ونصب العذاب، وأنشد سيبويه في مثل هذه القراءة بالحذف للنون، والنصب للعذاب قول الشاعر:شعر : فألفيته غير مستعتب ولا ذاكر الله إلا قليلاً تفسير : وأجاز سيبويه أيضاً: "والمقيمي الصلاة" بنصب الصلاة على هذا التوجيه. وقد قرىء بإثبات النون، ونصب العذاب على الأصل. ثم بيّن سبحانه: أن ما ذاقوه من العذاب ليس إلا بسبب أعمالهم، فقال: {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أي: إلا جزاء ما كنتم تعملون من الكفر، والمعاصي، أو إلا بما كنتم تعملون. ثم استثنى المؤمنين فقال: {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ }. قرأ أهل المدينة، والكوفة {المخلصين} بفتح اللام، أي: الذين أخلصهم الله لطاعته، وتوحيده. وقرأ الباقون بكسرها، أي: الذين أخلصوا لله العبادة، والتوحيد، والاستثناء إما متصل على تقدير تعميم الخطاب في {تجزون} لجميع المكلفين. أو منقطع، أي: لكن عباد الله المخلصين لا يذوقون العذاب، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى المخلصين، وهو: مبتدأ، وخبره قوله: {لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ } أي: لهؤلاء المخلصين رزق يرزقهم الله إياه معلوم في حسنه، وطيبه، وعدم انقطاعه. قال قتادة: يعني: الجنة، وقيل: معلوم الوقت، وهو أن يعطوا منه بكرة، وعشية كما في قوله: {أية : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } تفسير : [مريم: 62] وقيل: هو المذكور في قوله بعده: {فَوٰكِهُ } فإنه بدل من {رزق}، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو فواكه، وهذا هو الظاهر. والفواكه جمع الفاكهة، وهي: الثمار كلها رطبها، ويابسها، وخصص الفواكه بالذكر؛ لأن أرزاق أهل الجنة كلها فواكه كذا قيل. والأولى أن يقال: إن تخصيصها بالذكر؛ لأنها أطيب ما يأكلونه، وألذّ ما تشتهيه أنفسهم. وقيل: إن الفواكه من أتباع سائر الأطعمة، فذكرها يغني عن ذكر غيرها، وجملة: {وَهُم مُّكْرَمُونَ } في محل نصب على الحال، أي: ولهم من الله عزّ وجلّ إكرام عظيم برفع درجاتهم عنده، وسماع كلامه، ولقائه في الجنة. قرأ الجمهور {مكرمون} بتخفيف الراء. وقرأ أبو مقسم بتشديدها، وقوله: {فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ } يجوز أن يتعلق بـ {مكرمون}، وأن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً، وقوله: {عَلَىٰ سُرُرٍ } يحتمل أن يكون حالاً، وأن يكون خبراً ثالثاً، وانتصاب {مُّتَقَـٰبِلِينَ } على الحالية من الضمير في {مكرمون}، أو من الضمير في متعلق على {سرر}. قال عكرمة، ومجاهد: معنى التقابل: أنه لا ينظر بعضهم في قفا بعض، وقيل: إنها تدور بهم الأسرّة كيف شاءوا، فلا يرى بعضهم قفا بعض. قرأ الجمهور {سرر} بضم الراء. وقرأ أبو السماك بفتحها، وهي لغة بعض تميم. ثم ذكر سبحانه صفة أخرى لهم، فقال: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مّن مَّعِينٍ }، ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة جواباً عن سؤال مقدّر، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من ضمير {متقابلين}، والكأس عند أهل اللغة اسم شامل لكلّ إناء فيه الشراب، فإن كان فارغاً، فليس بكأس. وقال الضحاك، والسدّي: كل كأس في القرآن، فهي الخمر. قال النحاس: وحكى من يوثق به من أهل اللغة: أن العرب تقول للقدح إذا كان فيه خمر: كأس، فإذا لم يكن فيه خمر، فهو قدح كما يقال للخوان إذا كان عليه طعام: مائدة، فإذا لم يكن عليه طعام: لم يقل له مائدة، و{من معين} متعلق بمحذوف هو: صفة لكأس. قال الزجاج: {بكأس من معين}، أي: من خمر تجري كما تجري العيون على وجه الأرض. والمعين: الماء الجاري، وقوله: {بَيْضَاء لَذَّةٍ لّلشَّـٰرِبِينَ } صفتان لكأس. قال الزجاج: أي: ذات لذّة، فحذف المضاف، ويجوز أن يكون الوصف بالمصدر لقصد المبالغة في كونها لذّة، فلا يحتاج إلى تقدير المضاف. قال الحسن: خمر الجنة أشدّ بياضاً من اللبن له لذّة لذيذة، يقال: شراب لذّ، ولذيذ كما يقال: نبات غضّ وغضيض، ومنه قول الشاعر:شعر : بحديثها اللذّ الذي لو كلمت أسد الفلاة به أتين سراعا تفسير : واللذيذ: كل شيء مستطاب، وقيل: البيضاء: هي: التي لم يعتصرها الرجال. ثم وصف هذه الكأس من الخمر بغير ما يتصف به خمر الدنيا، فقال: {لاَ فِيهَا غَوْلٌ } أي: لا تغتال عقولهم، فتذهب بها، ولا يصيبهم منها مرض، ولا صداع {وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ } أي: يسكرون، يقال: نزف الشارب، فهو منزوف، ونزيف إذا سكر، ومنه قول امرىء القيس:شعر : وإذا هي تمشي كمشي النزيـ ـف يصرعه بالكثيب البهر تفسير : وقال أيضاً:شعر : نزيف إذا قامت لوجه تمايلت تفسير : ومنه قول الآخر:شعر : فلثمت فاها آخذاً بقرونها شرب النزيف ببرد ماء الحشرج تفسير : قال الفراء: العرب تقول: ليس فيها غيلة، وغائلة، وغول سواء. وقال أبو عبيدة: الغول أن تغتال عقولهم، وأنشد قول مطيع بن إياس:شعر : وما زالت الكأس تغتالهم وتذهب بالأوّل الأوّل تفسير : وقال الواحدي: الغول حقيقته: الإهلاك، يقال: غاله غولاً، واغتاله، أي: أهلكه، والغول كل ما اغتالك، أي: أهلكك. قرأ الجمهور {ينزفون} بضم الياء، وفتح الزاي مبنياً للمفعول. وقرأ حمزة، والكسائي بضم الياء، وكسر الزاي من أنزف الرجل: إذا ذهب عقله من السكر فهو: نزيف، ومنزوف، ومنزف، يقال: أحصد الزرع: إذا حان حصاده، وأقطف الكرم: إذا حان قطافه. قال الفراء: من كسر الزاي، فله معنيان، يقال: أنزف الرجل: إذا فنيت خمره، وأنزف: إذا ذهب عقله من السكر، وتحمل هذه القراءة على معنى: لا ينفد شرابهم لزيادة الفائدة. قال النحاس: والقراءة الأولى أبين، وأصحّ في المعنى؛ لأن معنى {لا ينزفون} عند جمهور المفسرين: لا تذهب عقولهم، فنفى الله عزّ وجلّ عن خمر الجنة الآفات التي تلحق في الدنيا من خمرها من الصداع، والسكر. وقال الزجاج، وأبو علي الفارسي: معنى لا ينزفون بكسر الزاي: لا يسكرون. قال المهدوي: لا يكون معنى ينزفون: يسكرون، لأن قبله {لاَ فِيهَا غَوْلٌ } أي: لا تغتال عقولهم، فيكون تكريراً، وهذا يقوّي ما قاله قتادة: إن الغول وجع البطن، وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد. وقال الحسن: إن الغول الصداع. وقال ابن كيسان: هو: المغص، فيكون معنى الآية: لا فيها نوع من أنواع الفساد المصاحبة لشرب الخمر في الدنيا من مغص، أو وجع بطن، أو صداع، أو عربدة، أو لغو، أو تأثيم، ولا هم يسكرون منها. ويؤيد هذا أن أصل الغول: الفساد الذي يلحق في خفاء، يقال: اغتاله اغتيالاً: إذا أفسد عليه أمره في خفية، ومنه الغول، والغيلة القتل خفية. وقرأ ابن أبي إسحاق "ينزفون" بفتح الياء، وكسر الزاي. وقرأ طلحة بن مصرّف بفتح الياء وضم الزاي. ولما ذكر سبحانه صفة مشروبهم ذكر عقبه صفة منكوحهم، فقال: {وَعِندَهُمْ قَـٰصِرٰتُ ٱلطَّرْفِ } أي: نساء قصرن طرفهنّ على أزواجهنّ، فلا يردن غيرهم، والقصر: معناه الحبس، ومنه قول امرىء القيس:شعر : من القاصرات الطرف لو دب محول من الذرّ فوق الأتب منها لأثرا تفسير : والمحول الصغير من الذرّ، والأتب القميص، وقيل: القاصرات: المحبوسات على أزواجهنّ، والأوّل أولى؛ لأنه قال: قاصرات الطرف. ولم يقل: مقصورات. والعين: عظام العيون جمع عيناء، وهي: الواسعة العين. قال الزجاج: معنى {عِينٌ } كبار الأعين حسناها. وقال مجاهد: العين: حسان العيون. وقال الحسن: هنّ: الشديدات بياض العين الشديدات سوادها. والأوّل أولى {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ } قال الحسن، وأبو زيد: شبههنّ ببيض النعام تكنها النعامة بالريش من الريح، والغبار. فلونه أبيض في صفرة، وهو أحسن ألوان النساء. وقال سعيد بن جبير، والسدّي: شبههنّ ببطن البيض قبل أن يقشر، وتمسه الأيدي، وبه قال ابن جرير، ومنه قول امرىء القيس:شعر : وبيضة خدر لا يرام خباؤها تمتعت من لهو بها غير معجل تفسير : قال المبرد: وتقول العرب إذا وصفت الشيء بالحسن، والنظافة كأنه بيض النعام المغطى بالريش. وقيل: المكنون: المصون عن الكسر، أي: إنهنّ عذارى، وقيل: المراد بالبيض: اللؤلؤ كما في قوله: {أية : وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَـٰلِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ } تفسير : [الواقعة: 22، 23] ومثله قول الشاعر:شعر : وهي بيضاء مثل لؤلؤة الغوّا ص ميزت من جوهر مكنون تفسير : والأوّل أولى، وإنما قال: {مكنون}، ولم يقل: مكنونات؛ لأنه وصف البيض باعتبار اللفظ. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوٰجَهُمْ } قال: تقول الملائكة للزبانية هذا القول. وأخرج عبد الرّزّاق، والفريابي، وابن أبي شيبة، وابن منيع في مسنده، وعبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث من طريق النعمان بن بشير، عن عمر بن الخطاب في قوله: {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوٰجَهُمْ } قال: أمثالهم الذين هم مثلهم، يجيء أصحاب الرّبا مع أصحاب الرّبا، وأصحاب الزّنا مع أصحاب الزّنا، وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر، أزواج في الجنة، وأزواج في النار. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوٰجَهُمْ } قال: أشباههم، وفي لفظ: نظراءهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْجَحِيمِ } قال: وجهوهم، وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال: دلوهم {إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْجَحِيمِ } قال: طريق النار. وأخرج عنه أيضاً في قوله: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ } قال: احبسوهم إنهم محاسبون. وأخرج البخاري في تاريخه، والدارمي، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من داع دعا إلى شيء إلا كان موقوفاً معه يوم القيامة لازماً به لا يفارقه، وإن دعا رجل رجلاً»تفسير : ثم قرأ {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُون}. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } قال: ذلك إذا بعثوا في النفخة الثانية. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في قوله: {كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ } قال: كانوا إذا لم يشرك بالله يستنكفون، {وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو ءالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} لا يعقل، قال: فحكى الله صدقه، فقال: {بَلْ جَاء بِٱلْحَقّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إلٰه إلاّ الله، فمن قال: لا إلٰه إلاّ الله، فقد عصم مني ماله، ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله»تفسير : . وأنزل الله في كتابه، وذكر قوماً استكبروا، فقال: {إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ }، وقال: {أية : إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} تفسير : [الفتح: 26] وهي: لا إلٰه إلاّ الله محمد رسول الله، استكبر عنها المشركون يوم الحديبية يوم كاتبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قضية الهدنة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مّن مَّعِينٍ } قال: الخمر {لاَ فِيهَا غَوْلٌ } قال: ليس فيها صداع {وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ } قال: لا تذهب عقولهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه قال: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول، فنزّه الله خمر الجنة عنها، فقال: {لاَ فِيهَا غَوْلٌ } لا تغول عقولهم من السكر {وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ } قال: يقيئون عنها كما يقيء صاحب خمر الدنيا عنها. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس {لاَ فِيهَا غَوْلٌ } قال: هي: الخمر ليس فيها وجع بطن. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عنه أيضاً في قوله: {وَعِندَهُمْ قَـٰصِرٰتُ ٱلطَّرْفِ } يقول: من غير أزواجهنّ {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ } قال: اللؤلؤ المكنون. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله: {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ } قال: بياض البيضة ينزع عنها فوفها، وغشاؤها.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وقالوا يا ويلنا هذا يومُ الدين} الآية. فيه وجهان: أحدهما: يوم الحساب، قاله ابن عباس. الثاني: يوم الجزاء، قاله قتادة. {هذا يوم الفصل} الآية. فيه وجهان: أحدهما: يوم القضاء بين الخلائق، قاله يحيى. الثاني: يفصل فيه بين الحق والباطل، قاله ابن عيسى. قوله عز وجل: {احشروا الذين ظلموا} الآية. فيه ثلاثة أوجه: أحدها: المكذبون بالرسل. الثاني: هم الشُرَط، حكاه الثوري. الثالث: هم كل من تعدى على الخالق والمخلوق. وفي {وأزواجهم} أربعة أوجه: أحدها: أشباههم فيحشر صاحب الزنى مع صاحب الزنى، وصاحب الخمر مع صاحب الخمر، قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه. الثاني: قرناؤهم، قاله ابن عباس. الثالث: أشياعهم، قاله قتادة، ومنه قول الشاعر: شعر : فكبا الثور في وسيل وروض مونق النبت شامل الأزواج تفسير : الرابع: نساؤهم الموافقات على الكفر، رواه النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. {وما كانوا يعبدون من دون الله} وفيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: إبليس، قاله ابن زياد. الثاني: الشياطين، وهو مأثور. الثالث: الأصنام، قاله قتادة وعكرمة. {فاهدُوهم إلى صراط الجحيم} أي طريق النار. وفي قوله تعالى: {فاهدوهم} ثلاثة أوجه: أحدها: فدلوهم، قاله ابن. الثاني: فوجهوهم، رواه معاوية بن صالح. الثالث: فادعوهم، قاله السدي. قوله عز وجل: {وقفُوهم إنَّهم مسئولون} أي احبسوهم عن دخول النار. {إنهم مسئولون} فيه ستة أوجه: أحدها: عن لا إله إلا الله، قاله يحيى بن سلام. الثاني: عما دعوا إليه من بدعة، رواه أنس مرفوعاً. الثالث: عن ولاية علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حكاه أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري. الرابع: عن جلسائهم، قاله عثمان بن زيادة. الخامس: محاسبون، قاله ابن عباس. السادس: مسئولون. {ما لكم لا تناصرون} على طريق التوبيخ والتقريع لهم، وفيهم ثلاثة أوجه: أحدها: لا ينصر بعضكم بعضاً، قاله يحيى بن سلام. الثاني: لا يمنع بعضكم بعضاً من دخول النار، قاله السدي. الثالث: لا يتبع بعضكم بعضاً في النار يعني العابد والمعبود، قاله قتادة. فإن قيل: فهلا كانوا مسئولين قبل قوله {فاهْدوهم...} الآية؟ قيل: لأن هذا توبيخ وتقريع فكان نوعاً من العذاب فلذلك صار بعد الأمر بالعذاب. قال مجاهد: ولا تزول من بين يدي الله تعالى قدم عبد حتى يُسأل عن خصال أربع: عمره فيهم أفناه، وجسده فيم أبلاه، وماله مم اكتسبه وفيم أنفقه، وعلمه ما عمل فيه.
ابن عبد السلام
تفسير : {الدِّينِ} الجزاء، أو الحساب.
الخازن
تفسير : {وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين} يعني يوم الحساب والجزاء {هذا يوم الفصل} أي القضاء وقيل بين المحسن والمسيء {الذي كنتم به تكذبون} أي في الدنيا {احشروا} أي اجمعوا {الذين ظلموا} أي أشركوا وقيل هو عام في كل ظالم {وأزواجهم} أي أشباههم وأمثالهم فكل طائفة مع مثلها فأهل الخمر مع أهل الخمر وأهل الزنا مع أهل الزنا وقيل أزواجهم أي قرناءهم من الشياطين يقرن كل كافر مع شيطانه في سلسلة وقيل أزواجهم المشركات {وما كانوا يعبدون من دون الله} أي في الدنيا يعني الأصنام والطواغيت وقيل إبليس وجنوده {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} قال ابن عباس أي دلوهم إلى طريق النار {وقفوهم} أي احبسوهم {إنهم مسؤولون} لما سيقوا إلى النار حبسوا عند الصراط للسؤال قال ابن عباس عن جميع أقوالهم وأفعالهم ويروى عنه عن لا إله إلا الله وروى عن أبي برزة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه وعن علمه ماذا عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه" تفسير : وفي رواية. "حديث : عن شبابه فيما أبلاه" تفسير : أخرجه الترمذي وله عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : قال ما من داع دعا إلى شيء إلا كان موقوفاً يوم القيامة لازماً به لا يفارقه وإن دعا رجل رجلاً" تفسير : ثم قرأ {وقفوهم إنهم مسؤولون ما لكم لا تناصرون} أي تقول لهم خزنة جهنم توبيخاً لهم ما لكم لا ينصر بعضكم بعضاً وهذا جواب لأبي جهل حيث قال يوم بدر نحن جميع منتصر قال الله تعالى: {بل هم اليوم مستسلمون} قال ابن عباس خاضعون. وقيل منقادون والمعنى هم اليوم أذلاء منقادون لا حيلة لهم.
البقاعي
تفسير : ولما حصل الغرض من تصوير حالهم بهذا الفعل المضارع، عطف عليه بصيغة المضي التي معناها الاستقبال إعلاماً بتحقق الأمر تحقق ما مضى وكان، وتحققه مع القيام سواء من غير تخلف ولا تخلل زمان أصلاً فقال: {وقالوا} أي كل من جمعه البعث من الكفرة معلمين بما انكشف لهم من أنه لا ملازم لهم غير الويل: {يا ويلنا} اي يا من ليس لنا نديم غيره {هذا يوم الدين *} أي الجزاء لكل عامل. ولما كان قولهم هذا إنما هو للتحسر على ما فاتهم من التصديق النافع به، زادوا في ذلك بقولهم يخاطب بعضهم بعضاً بدلاً أو وصفاً بعد وصف دالين بإعادة اسم الإشارة على ما داخلهم من الهول: {هذا يوم الفصل} أي الذي يفصل فيه بين الخصوم، ثو زادوا تأسفاً وتغمماً وتلهفاً بقولهم، لافتين القول عن التكلم إلى الخطاب لأنه أدل على ذم بعضهم لبعض وأبعد عن الإنصاف بالاعتراف: {الذي كنتم} أي يا دعاة الويل جبلة وطبعاً {به تكذبون *} وقدموا الجار إشارة إلى عظيم تكذيبهم به، فبينما هم في هذا التأسف إذ برز النداء بما يهدىء قواهم، ويقر قلوبهم وكلاهم، لمن لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون من الملائكة الشداد الغلاظ بإذلالهم وإصغارهم، ولبيان السرعة لذلك من غير تنفيس أسقط ما يدل على النداء من نحو قوله: فقيل الملائكة، أو فقلنا، أو فبرز النداء من جانب سلطاننا - ونحو هذا: {احشروا} أي اجمعوا بكره وصغار وذل أيها الموكلون بالعباد من الأجناد، وأظهر تعريفاً بوصفهم الموجب لحتفهم فقال: {الذين ظلموا} أي بما كانوا فيه في الدنيا بوضع الأشياء في غير محالها من الخبط الذي لا يفعله إلا من هو في أشد الظلام {وأزواجهم} أي أتباعهم الذين استنوا بهم في ذلك الضرب من الظلم وأشباههم فيه من الجن وغيرهم ومن أعانهم ولو بشطر كلمة أو رضى فعلهم لتصير كل طائفة على حدة فيصير بعضهم يبكت بعضاً وبعضهم يشتم بعضاً {وما كانوا} أي بما دعتهم إليه طباعاتهم المعوجة {يعبدون *} أي مواظبين على عبادته رجاء منفعته تحقيقاً لخسارتهم بتحقق اعتمادهم على غير معتمد، وهو يعم المعبود حقيقة أو مجازاً بالتزيين "ومن سبقت له الحسنى" مستثنى بآية الأنبياء، وأشار إلى سفول رتبة معبوداتهم وتسفيه آرائهم بانتحال الأذى بقوله صارفاً الأسلوب من المتكلم ولو بمظهر العظمة إلى أعظم منه: {من دون الله} أي الذي تفرد بنعوت العظمة وصفات الكمال، والمراد الذين رضوا بعبادتهم لهم ولم ينكروا عليهم ذلك ويأمروهم بتوحيد الله. ولما كانوا قد سلكوا في الدنيا طريق الشقاء المعنوية استحقوا أن يلزموا في القيامة سلوك طريقه الحسية، فلذلك سبب عن الأمر بحشرهم قوله تهكماً بهم وتحسيراً لهم: {فاهدوهم} أي دلوهم دلالة لا يرتابون معها ليعرفوا - مع ما هم فيه من الإكراه على سلوكها - مآلهم، فيكون ذلك أعظم في نكدهم؛ قال الرازي: وأصل الهداية التقدم، والعرب تسمي السابق هادياً، يقال: أقبلت هوادي الخيل أي أعناقها، والهادية: العصى - لأنها تتقدم ممسكها، ونظر فلان هدى أمره أي جهته. ثم أشار إلى طول وقوفهم وسوء مقامهم بقوله بأداة الانتهاء: {إلى صراط الجحيم *} أي طريق النار الشديدة التوقد الواضح الذي لا لبس عندهم بأنه يشترطهم فيؤديهم إليها، وخص هذا الاسم إعلاماً بشديد توقدها وعظيم تأججها، وبعد قعرها وضخامة غمرتها، بتراكم بعضها فوق بعض وقوة اضطرامها، وعلو شأنها واصطلاحها، وصلابة اضطرابها وتحرقها واشتمالها على داخليها وتضايقها، وفيه تهكم بهم في كونهم على غير ما كانوا عليه في الدنيا من التناصر والتعاضد. ولما كان المقصود من تعريفهم طريق النار أولاً ازدياد الحسرة، صرح بما أفهمه حرف الغاية من طول الحبس فقال: {وقفوهم} أي احبسوهم واقفين بعد ترويعهم بتلك الهداية التي سببها الضلال، فكانت ثمرتها الشقاوة، وإيقافهم يكون عند الصراط - نقله البغوي عن المفسرين، قال: لأن السؤال عند الصراط. ثم علل ذلك بقوله: {إنهم مسؤولون *} وجمع عليهم الهموم بهذه الكلمة لتذهب أوهامهم كل مذهب، فلا تبقى حسرة إلا حضرتهم، ولا مصيبة إلا علت قلوبهم فقهرتهم، فإن المكلف كله ضعف وعورة، فموقف السؤال عليه أعظم حسرة. ولما أوقفوا هذا الموقف الذليل، قد شغلهم ما دهمهم من الأسف عن القال والقيل، نودوا من مقام السطوة، وحجاب الجبروت والعزة، زيادة في تأسيفهم و توبيخهم وتعنيفهم لفتاً عن سياق الغيبة إلى الخطاب دلالة على أعظم خيبة: {ما لكم} أي أيّ شيء حصل لكم فشغلكم وألهاكم حال كونكم {لا تناصرون *} أي ينصر بعضكم بعضاً، ويتسابقون في ذلك تسابق المتناظرين فيه أولي الجد والشكيمة والنخوة والحمية ولو بأدنى التناصر - بما يفهمه إسقاط التاء، أو بعد تمكث وإعمال حيلة - بما أشارت إليه قراءة البزي عن ابن كثير بالمد والإدغام: أين قولكم في بدر {نحن جميع منتصر} معبرين بما دل على ثبات المناصرة. ولما كان قد دهمهم من الأمر ما أوجب إبلاسهم، وأحدّ إدراكهم وإحساسهم، أشار إلى ذلك بإحلالهم في محل الغيبة المؤذنة بالإبعاد بأن قال مضرباً عما تقديره: إنهم لا يتناصرون: {بل هم} وزاد في تعظيم ذلك الوقت والتذكير به فقال: {اليوم مستسلمون *} أي ثابت لهم استسلامهم ثباتاً لا زوال له، قد خذل بعضهم بعضاً موجدين الإسلام أي الانقياد إيجاد من كأنه يطلبه ويعظم فيه رغبته رجاء أن يخفف ذلك عنهم. ولما أخبر بأنهم سئلوا فلم يجيبوا، كان ربما ظن أنهم أخرسوا فنبه على أنهم يتكلمون بما يزيد نكدهم، فقال عاطفاً على قوله {وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين} إشارة إلى إقبالهم على الخصام، حين تمام القيام، والأخذ في تحريك الأقدام، بالسير على هيئة الاجتماع والازدحام، إلى مواطن النكد والاغتمام، ولم يعطفه بالفاء لأنه ليس مسبباً عن القيام، ولا عن الإيقاف للسؤال، بخلاف ما يأتي عن أهل الجنة: {وأقبل بعضهم} أي الذين ظلموا {على بعض} أي بعد إيقافهم وتوبيخهم، وعبر عن خصامهم تهكماً بهم بقوله: {يتساءلون *} أي سؤال خصومة. ولما كان كأنه قيل: عما ذا؟ أجيب بقوله: {قالوا} أي الأتباع لرؤسائهم مشيرين بأداة الكون إلى المداومة على إضلالهم مؤكدين لأجل تكذيب الرؤساء لهم: {إنكم كنتم} ولما كانوا يستغوونهم ويغرونهم بما تقبله عقولهم على ما جرت به عوائدهم بحيث يقطعون بذلك قطع من كان يريد الذهاب إلى أمر فتطير بالسانح والبارح، فرأى ما يحب فأقدم عليه وهو قاطع بحصوله، أشاروا إلى ذلك بقوله: {تأتوننا} مجاوزين لنا {عن اليمين *} أي عن القوة والقهر والغلبة والسلطان في حملكم لنا على الضلال، ففعلنا في طاعتكم فعل من خرج لحاجة، فرأى ما أوجب إقدامه عليها، فهذا كان سبب كفرنا، وكان هذا التفاؤل مما نسيت العرب كيفيته لما نسخه الشرع كما وقع في الميسر فاضطرب كلام أهل اللغة في تفسيره، قال صاحب القاموس: البارح من الصيد ما مر من ميامنك إلى مياسرك، وسنح الظبي سنوحاً ضد برح. وقال ابن القطاع في كتاب الأفعال: وسنح الشيء سنوحاً: تيسر، والطائر والظبي: جرى عن يمينك إلى يسارك وهو يتيمن به، وقال في مادة "برح": وبرح الطائر والظبي وغيرهما ضد سنح، وهو ما أراك ميامنه، وأهل الحجاز يتشاءمون به، وغيرهم يتيمنون به ويتشاءمون بالسانح، وقال ابن مكتوم في الجمع بين العباب والمحكم في مادة "برح": والبارح خلاف السانح، وقد برح الظبي - إذا والاك مياسره يمر من ميامنك إلى مياسرك، والعرب يتطير بالبارح, وفي مادة "سنح": والسانح ما أتاك عن يمينك من ظبي أو طائر أو غير ذلك, والبارح: ما أتاك من ذلك عن يسارك, وقيل: السانح ما والاك ميامنه, والبارح ما والاك مياسره, وقيل, السانح ما يجيء عن يمينك فتلي مياسره مياسرك, والعرب تختلف في عيافة ذلك، فمنهم من يتيمن بالسانح ويتشاءم بالبارح، وعلى هذا المثل: من لي بالسانح بعد البارح، قال في القاموس: أي بالمبارك بعد المشؤوم، ومنهم من يتشاءم بالسانح، وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في مادة "سنح": والسانح من الطير والظباء وغيرهما هو الذي يأتيك عن يمينك أخذاً على يسارك, فيوليك مياسره, فيمكنك رميه, وأكثر العرب يتيمن به, وقال في مادة "برح": والبارح من الطير والظبي هو خلاف السانح, وهو الذي يلقاك وشمائله عن شمائلك، وهو مما يتيمن به أهل العالية، ويتشاءمون بالسانح، والسانح هو الذي يلقاك وميامنه عن ميامنك، وهو مما يتيمن به أهل نجد ويتشاءمون بالبارح، والبارح أبين في التشاؤم من السانح، لأن البارح هو الذي يأخذ عن يسارك إلى يمينك فلا يمكنك طعنه، فيتشاءم به لتعذره على الطاعن أو الرامي، ولذلك قال أبو داود: قلت: لما برز أمن فيه كذب العير وإن كان برح، يقول: كذب إذ طمع أن ينجو، وإن كان قد برح وصعب على إمكان طعنه، وتطير ومن تيمن به بسلامته وخلاصة من الطاعن، وتطير من تيمن بالسانح بأنه يأتي من ميامنك إلى مياسرك، فيمكنك من طعنه، ومن تشاءم به تطير بقلة سلامته ووقوعه فيما يكره، ومن الطير الجابه وهو الذي يلقاك مواجهة، ومنه الناطح أيضاً ومنه القعيد، وهو الذي يأتيك من خلفك - انتهى ما وقفت عليه من كلام أهل اللغة في ذلك فافهم، والظاهر كما تفهمه الآية أن العرب مطبقة على أن ما أتى عن اليمين كان مباركاً سواء كان أتى من قدام مواجهاً لك ومر إلى جهة الخلف فوليتك ميامته، أو أتى من الجانب الأيمن سواء كان ابتداء إتيانه من خلف أو لا فمر من قدامك عرضاً إلى جهة اليسار، فوليتك في الحالتين مياسره، وما أتى من جهة اليسار على ضد ذلك كان مشؤوماً، وكأنهم اختلفوا في التسيمة فأكثرهم سمى الأول سانحاً من السنح بالضم وهو اليمن والبركة، وهو من قولهم: سنح لي رأي: تيسر - لشهرة معنى اليمن عندهم في ذلك، والثاني بارحاً من البرح، وهو الشدة والشر لشهرة هذا المعنى عندهم في مادة برح، وبعهضم عكس فسمى الأول بارحاً من البرحة، وهي الناقة تكون من خيار الإبل لشهرة ذلك عندهم، وسمى الثاني سانحاً من قولهم: سنحه عما أراد: صرفه، وسنح بالرجل وعليه: أخرجه أو أصابه بشر، فمن الاختلاف في التسمية أتى الخلاف، ولذلك عبر سبحانه وتعالى بالمعنى دون الاسم، لأن كلامه سبحانه لا يخص قوماً دون غيرهم، وأما التعليل بإمكان الطعن والرمي فلا معنى له لأن الإنسان ينفتل عن هيئة وقوفه بأدنى حركة فينعكس بالنسبة إليه أمر المياسر والميامن، ويتغير حال الطعن والرمي، هذا إذا سلم أن الطعن والرمي يعسر من جهة المياسر على أنه غير مسلم، ولو كان المعنى دائراً عليه لما اختلف فيه إلا بالنسبة إلى الأعسر وغيره، لا بالنسبة إلى أهل العالية وغيرهم، وأما البيت الذي استدل به فيمكن حمله على أن قائله كان في حاجة له لا بد له منها، فرأى البارح فلم يتطير منه ولج في أمره ذلك تكذيباً له فيما دل عليه عند العرب، وأما الجابه وغيره فأسماء أخر لبعض أنواع كل من السانح والبارح - والله أعلم، وقال أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي في كتابه الزينة: العيافة والقيافة والزجر نوع من الكهانة إلا أنه أخف في الكراهة, وذلك أن الكاهن كان بمنزلة الحاكم, وكان من الكهان من يعبد كما يعبد الصنم، وكانوا سدنة الأصنام، قلت: والكاهن في اللغة من يقضي بالغيب وذلك هو غاية العلم، فهو وصف يدل على التوغل في العلم - انتهى، قال أبو حاتم: وسمعت بعض أهل الأدب قال: الكاهن بالعبرانية العالم، وكانوا يسمون هارون عليه السلام كهناً رباً، معناه عالم الرب، ثم قال: إن الكهانة والسحر كان عند المتقدمين نوعاً من العلم، فكان الساحر والكاهن اسمين محمودين، فلما جاء الله بالإسلام صار هذان الاسمان مذمومين عند المسلمين لما كشف لهم ما في ذلك من الشر، ثم قال: فأما العائف والقائف والزاجر فلم يكن سبيلهم كذلك - يعني كالكاهن في أنه ربما عبد، قال: وإنما كره لأنه كان يخبر بشيء غائب فكره كما كره أمر النجوم توقياً أن يكون مثل الدعوى في علم الغيب، والعائف هو الذي يعيف الطير ويزجرها ويعتبر بأسمائها وأصواتها ومساقطها ومجاريها، فإذا سمع صوت طائر أو جرى من يمينه إلى شماله أو من شماله إلى يمينه قضى في ذلك بخير أو بشر في الأمر الذي يريد أن يفعله، فإذا قضى فيه بشر تجنب ذلك الأمر، يقال: عاف يعيف - إذا فعل ذلك، ومعنى عاف أي امتنع وتجنب، يقال: عافت الإبل الماء - إذا لم تشرب، وكذلك يقال في غير الإبل الزاجر أيضاً: هو مثل العائف، يقال: يزجر أيضاً زجراً، وذلك أنه ينظر إلى الطير فيقضي فيها مثل العائف، فإذا رأى شيئاً كرهه رجع عن أمر يريد أن يشرع فيه أو حاجة يريد قضاءها، والزاجر معناه الناهي، فكأن الطير قد زجره عن ذلك الفعل، أو أن من عاف له زجره عن ذلك، ويكون المعنى الزجر أيضاً أنه إذا رأى منها شيئاً صاح بها وطردها، فكان طرده إياها زجراً لها، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: حديث : أقروا الطير على مكناتهاتفسير : ، قلت: إنهم كانوا إذا لم يروا سانحاً ولا بارحاً نفروا الطير لينظروا إلى أيّ جهة تطير - والله أعلم، وقال أبو حاتم: والأصل في هذا انهم كانوا يزجرون الطير ثم كانوا يزجرون الظبي والثعلب، وبصوت الإنسان يستدلون بلفظه وبغير ذلك، ثم نسبت كلها إلى الطير فقيل: يتطير، أي يستدل بالطير، وروي عن الأصعمي قال: سألت ابن عون: ما الفال؟ فقال: هو أن تكون مريضاً فتسمع: يا سالم، وتكون باغياً فتسمع يا واجد، قال: وكان ابن سيرين يكره الطيرة ويحب الفال، وفي الحديث:حديث : أصدق الطير الفالتفسير : : والفال مأخوذ من الفيال، وهي لعبة يتقامرون بها، كانوا يأخذون الدراهم فيخلطونها بالتراب ثم يجمعونه طويلاً ثم يقسمونه بنصفين ويتقارعون عليه، فمن أصابه القرعة اختار من القسمين واحداً، فلما كان المفايل يختار منهما ما أحب سمي الفال، لأنه يتفاءل بما يحبه، وكان هذا في العرب كثيراً، وأكثره في بني أسد، قال الأصمعي: أخبرني سعد بن نصر أن نفراً من الجن تذاكروا عيافة بني أسد فأتوهم فقالوا: ضلت لنا ناقة، فلو أرسلتم معنا من يعيف، فقالوا لغليم لهم: انطلق معهم، فاستردفه أحدهم، ثم ساروا فلقيتهم عقاب كاسرة إحدى جناحيها، فاقشعر الغليم فبكى فقالوا له: ما لك؟ فقال: كسرت جناحاً، ورفعت جناحاً، وحلفت بالله صراحاً، ما أنت بإنسي ولا تبغي لقاحاً. وكانوا يسمون الذي يجيء عن يمينك فيأخذ إلى شمالك سانحاً، والذي يجيء عن يسارك فيأخذ غلى يمينك بارحاً، والذي يستقبلك ناطحاً وكافحاً، والذي يجيء من خلفك قعيداً، والذي يعرض في كل وجه متيحاً، فمنهم من كان يتشاءم بالبارح ويتيمن بالسانح، ومنهم من كان يتيمن بالبارح ويتشاءم بالسانح، قال زهير: شعر : جرت سنحاً فقلت لهـا أجيـزي نـوى مشمـولــة فمتـى اللقــاء تفسير : وقال الكميت: شعر : ولا السانحات البارحات عشية أمر سليم القرن أم مر أعضب تفسير : وكانوا يزجرون بعضب القرن وصحته، والأعضب الذي له قرن واحد، وأما القائف فهو الذي يتبع الآثار ويعرفها ويعرف شبه الرجل في ولده، ويروى عن عوسجة ابن معقب القائف: قال: كنا تسرق نخلنا فنعرف آثارهم، فركبوا الحمر فعرفنا بمس أيديهم والعذوق، فكان القائف سمي قائفاً لأنه يقفو الأثر، يقال: قفا الأثر وقاف الأثر أي تبعه، قال الأصمعي عن أبي طرفة الهذلي قال: رأى قائفان أثر بعير وهما منصرفان من عرفة بعد الناس بيوم أو يومين فقال أحدهما: ناقة، وقال الآخر: جمل، فاتبعاه فإذا هما به، فاطافا به فإذا هو خنثى، ويقال للرجل إذا كان فطناً عارفاً بالأمور: هو عائف وقائف، وكان قوم من العرب لا يتطيرون ولا يتهيبون الطيرة ويفتخرون بتركه ويعدون تركه شجاعة وإقداماً، قال بعض شعرائهم: شعر : ولقـد غـدوت وكـنـت لا أغـدو عـلى واق وحـاتــم فـإذا الأشـائـم كـالأيــا مـن والأيـامـن كالأشائــم تفسير : وقال آخر: شعر : ولست بهياب إذا اشتـد رحلـه يقول عداني اليوم واق وحاتم ولكنه يمضي على ذاك مقدمـاً إذا صد عن تلك الهناة الخثارم تفسير : الخثارم: المطير، وقيل: العيافة والقيافة، الطرق والخط، وهو أيضاً نوع من الكهانة، وهو أن يخط في الأرض خططاً في الطول، ثم يخط عليها خططاً في العرض، ثم يطرق بالحصى او بالشعير أو بخشبات، ولا يزال يخط ويمحو ويعيد ثم يتكهن عليه، ومن هذا الباب أيضاً علم الكتف وهو أن ينظر في كتف شاة فيحدث بأشياء تكون في العالم مثل الحروب والأمطار والرياح والجدب والخصب وغير ذلك، وهذا يقال له: الكتاف، كأنه أشتق له اسم من الكتف مثل العراف لأن العراف من جنس العيافة، والعيافة والعرافة، سواء، فهذه الأشياء كلها من السحر والكهانة والقيافة والعيافة والخط والطرق والكتف وما أشبهها، قد جاءت فيها الأخبار والروايات، ويطول الخطب بها، وهي كلها مكروهة حرام، فمنها ما جاء فيها التشديد مثل السحر، والكهانة، ومنها ما جاء في القليل منها الرخص والتخفيف مثل القيافة والعيافة والكتف - انتهى. وهو مسلم له في القيافة، وأما غيرها فمنازع فيه، ثم قال: فأكثر هذه الأشياء أصولها من الأنبياء عليهم السلام، فإذا استعملت بعد النسخ وبعد ما جاء فيها النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم كانت حراماً تدعو إلى الكفر والتعطيل وغير ذلك من أنواع الفساد، ثم قال: وما كان من أمر مشركي العرب فقد درس دروساً لا يعرف ولا يحتاج إلى ذكر كيفيته إذ كان متلاشياً لا أثر له، ولكن لا يستغني الفقهاء والعلماء عن معرفته إذ كان له في القرآن ذكر، وإذ كان واجباً على العلماء تعلم ما في القرآن على حسب طاقتهم، والجهل به نقص عليهم - والله أعلم بالصواب.
القشيري
تفسير : دَوا بالويل على أنفسهم! ويقال لهم: هذا يَومُ الفصل الذي كنتم تكذبون به، وقد عاينتموه اليومَ.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقالوا} اى المبعوثون وصيغة الماضى للدلالة على التحقق والتقرر {يا ويلنا} الويل الهلاك اى يا هلاكنا احضر فهذا او ان حضورك. وقال الكاشفى [اى واى برما] {هذا يوم الدين} تعليل لدعائهم الويل بطريق الاستئناف اى اليوم الذى نجازى فيه باعمالنا وانما عملوا ذلك لانهم كانوا يسمعون فى الدنيا انهم يبعثون ويحاسبون ويجزون باعمالهم فلما شاهدوا البعث ايقنوا بما بعده ايضا فتقول لهم الملائكة بطريق التوبيخ والتقريع
الجنابذي
تفسير : يوم المجازاة.
اطفيش
تفسير : {وقالوا} اي الكفار. {يا ولينا} يا هلاكنا ويا للنداء والمنادى الويل ونداؤه تفجع او للتنبيه والويل منصوب حينئذ على المفعولية المطلقة لعامل من معناه وهو الهلاك وقيل له فعل من لفظه وهو وال. {هذا يوم الدين} أي الجزاء على الاعمال وها هنا تم كلامهم واما قوله عز وجل. {هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون} من كلام الملائكة خطابا لهم وقيل هو من كلام بعضهم لبعض ويجوز ان يكون هذا يوم الدين الى تكذبون من كلام الملائكة والفصل القضاء والفرق بين المحسن والمسىء.
اطفيش
تفسير : {وقالُوا} أى ويقولون لأنفسهم، أو بعض لبعض، والماضى لتحقق الوقوع {يا ويلنا} هلاكنا أحضر فهذا وقتك، أو باحرف تنبّه وتوجع، وويل مفعول مطلق لفعل من غير لفظه {هذا يَوْم الدِّين} يوم الجزاء الذى وعدنا به على أعمالنا قد صح، ولم يكذب كما كنا نعده فى الدنيا كاذباً.
الالوسي
تفسير : {وَقَالُواْ } أي المبعوثون، وصيغة الماضي لتحقق الوقوع {يَا وَيْلَنَا} أي يا هلاكنا احضر فهذا أوان حضورك {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدّينِ } استئناف منهم لتعليل دعائهم الويل. والدين بمعنى الجزاء كما في كما تدين تدان أي هذا اليوم الذي نجازى فيه بأعمالنا، وإنما علموا ذلك لأنهم كانوا يسمعون في الدنيا أنهم يبعثون ويحاسبون ويجزون بأعمالهم فلما شاهدوا البعث أيقنوا بما بعده أيضاً. وقوله تعالى: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ...}.
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن تكون الواو للحال، أي قائلين {يٰوَيْلَنَا} أي يقول جميعهم: يا ويلنا يقوله كل أحد عنه وعن أصحابه. ويجوز أن يكون عطفاً على جملة {أية : يَنْظُرُونَ}تفسير : [الصافات: 19]. والمعنى: ونظروا وقالوا. والويل: سوء الحال. وحرف النداء للاهتمام. وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: {أية : يا حسرة على العباد}تفسير : في سورة [يس: 30]. والإِشارة إلى اليوم المشاهد. و {الدّين}: الجزاء، وتقدم في سورة الفاتحة.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الروم، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ} تفسير : [الروم: 56] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰوَيْلَنَا} (20) - وَحِينَئذٍ يَرْجِعُ الكَافِرُونَ المُنْكِرُونَ لِلبَعْثِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالمَلاَمَةِ قَائِلِينَ: يَا خَسَارَنَا وَيَا هَلاَكَنَا (يَا وَيْلَنَا) هَذَا يَوْمُ الجَزَاءِ عَلَى الأَعْمَالِ (يَوْمُ الدِّيِنِ) الذي أَنْذَرَنَا بِهِ الرَّسُولُ، فَكَذَّبْنَاهُ، وَسَخِرْنَا مِنْهُ. يَا وَيْلَنَا - يَا خَسَارَنَا هَلاَكَنَا. يَوْمُ الدِّينِ - يَومُ الحِسَابِ والجَزَاءِ عَلَى الأَعْمَالِ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ} معناه يَومُ الجَزاءِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):