٣٧ - ٱلصَّافَّات
37 - As-Saffat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
22
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية أبحاث: البحث الأول: اعلم أنه لا نزاع في أن هذا من كلام الملائكة فإن قيل ما معنى: {ٱحْشُرُواْ } مع أنهم قد حشروا من قبل وحضروا في محفل القيامة وقالوا: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدّينِ } تفسير : [الصافات: 20] وقالت الملائكة لهم بل: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ } تفسير : [الصافات: 21] أجاب القاضي عنه، فقال المراد احشروهم إلى دار الجزاء وهي النار، ولذلك قال بعده: {فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْجَحِيمِ } أي خذوهم إلى ذلك الطريق ودلوهم عليه ثم سأل نفسه فقال: كيف يصح ذلك وقد قال بعده {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مسئولون} ومعلوم أن حشرهم إلى الجحيم، إنما يكون بعد المسألة، وأجاب أنه ليس في العطف بحرف الواو ترتيب فلا يمتنع أن يقال احشروهم وقفوهم، مع أنا بعقولنا نعلم أن الوقوف كان قبل الحشر إلى النار، هذا ما قاله القاضي، وعندي فيه وجه آخر وهو أن يقال إنهم إذا قاموا من قبورهم لم يبعد أن يقفوا هناك بحيرة تلحقهم بسبب معاينة أهوال القيامة، ثم إن الله تعالى يقول للملائكة: احشروا الذين ظلموا واهدوهم إلى صراط الجحيم، أي سوقوهم إلى طريق جهنم وقفوهم هناك وتحصل المسألة هناك ثم من هناك يساقون إلى النار وعلى هذا التقدير فظاهر النظم موافق لما عليه الوجه. البحث الثاني: الآمر في قوله تعالى: {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } هو الله فهو تعالى أمر الملائكة أن يحشروا الكفار إلى موقف السؤال والمراد من الحشر أن الملائكة يسوقونهم إلى ذلك الموقف. البحث الثالث: أن الله أمر الملائكة بحشر ثلاثة أشياء: الظالمين، وأزواجهم، والأشياء التي كانوا يعبدونها. وفيه فوائد: الفائدة الأولى: أنه تعالى قال: {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } ثم ذكر من صفات الذين ظلموا كونهم عابدين لغير الله وهذا يدل على أن الظالم المطلق هو الكافر وذلك يدل على أن كل وعيد ورد في حق الظالم فهو مصروف إلى الكفار ومما يؤكد هذا قوله تعالى: {أية : وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } تفسير : [البقرة: 254]. الفائدة الثانية: اختلفوا في المراد بأزواجهم وفيه ثلاثة أقوال الأول: المراد بأزواجهم أشباههم أي أحزابهم ونظراؤهم من الكفر فاليهودي مع اليهودي والنصراني مع النصراني والذي يدل على جواز أن يكون المراد من الأزواج الأشباه وجوه الأول: قوله تعالى: {أية : وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَـٰثَةً } تفسير : [الواقعة: 7] أي أشكالاً وأشباهاً الثاني: أنك تقول عندي من هذا أزواج أي أمثال وتقول زوجان من الخف لكون كل واحد منهما نظير الآخر وكذلك الرجل والمرأة سميا زوجين لكونهما متشابهين في أكثر أحكام النكاح وكذلك العدد الزوج سمي بهذا الاسم لكون كل واحد من سميه مثالاً للقسم الثاني في العدد الصحيح، قال الواحدي فعلى هذا القول يجب أن يكون المراد بالذين ظلموا الرؤساء لأنك لو جعلت الذين ظلموا عاماً في كل من أشرك لم يكن للأزواج معنى القول الثاني: في تفسير الأزواج أن المراد قرناؤهم من الشياطين لقوله تعالى: أية : {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون} تفسير : [الأعراف: 202]، والقول الثالث: أن المراد نساؤهم اللواتي على دينهم. أما قوله: {وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ } ففيه قولان الأول: المراد ما كانوا يعبدون من دون الله من الأوثان والطواغيت، ونظيره قوله: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ } تفسير : [البقرة: 24] قيل المراد بالناس عباد الأوثان والمراد بالحجارة الأصنام التي هي أحجار منحوتة، فإن قيل إن تلك الأحجار جمادات فما الفائدة في حشرها إلى جهنم؟ أجاب القاضي بأنه ورد الخبر بأنها تعاد وتحيا لتحصل المبالغة في توبيخ الكفار الذين كانوا يعبدونها ولقائل أن يقول هب أن الله تعالى يحيي تلك الأصنام إلا أنه لم يصدر عنها ذنب، فكيف يجوز من الله تعالى تعذيبها؟ والأقرب أن يقال إن الله تعالى لا يحيي تلك الأصنام بل يتركها على الجمادية. ثم يلقيها في جهنم لأن ذلك مما يزيد في تخجيل الكفار القول الثاني: أن المراد من قوله: {وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } الشياطين الذين دعوهم إلى عبادة ما عبدوا فلما قبلوا منهم ذلك الدين صاروا كالعابدين لأولئك الشياطين وتأكد هذا بقوله تعالى: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدم أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان } تفسير : [يس: 60] والقول الأول أولى لأن الشياطين عقلاء وكلمة ما لا تليق بالعقلاء، والله أعلم. ثم قال: {فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْجَحِيمِ } قال ابن عباس: دلوهم يقال هديت الرجل إذا دللته وإنما استعملت الهداية ههنا، لأنه جعل بدل الهداية إلى الجنة، كما قال: {أية : فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [آل عمران: 21] فوقعت البشارة بالعذاب لهؤلاء بدل البشارة بالنعيم لأولئك، وعن ابن عباس {فَٱهْدُوهُمْ} سوقوهم وقال الأصم: قدموهم، قال الواحدي: وهذا وهم. لأنه يقال هدى إذا تقدم ومنه الهداية والهوادي والهاديات الوحش، قال ولا يقال هدى بمعنى قدم، ثم قال {وَقِفُوهُمْ } يقال: وقفت الدابة اقفها وقفاً فوقفت هي وقوفاً، والمعنى احبسوهم وفي الآية قولان أحدهما: على التقديم والتأخير، والمعنى قفوهم واهدوهم، والأصوب أنه لا حاجة إليه، بل كأنه قيل: فاهدوهم إلى صراط الجحيم فإذا انتهوا إلى الصراط قيل {وَقِفُوهُمْ } فإن السؤال يقع هناك وقوله: {أَنَّهُمْ مسؤولون } قيل عن أعمالهم في الدنيا وأقوالهم، وقيل المراد سألتهم الخزنة {أية : أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ... قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [الزمر: 71] ويجوز أن يكون هذا السؤال ما ذكر بعد ذلك وهو قوله تعالى: {مَا لَكُمْ لاَ تَنَـٰصَرُونَ } أي أنهم يسألون توبيخاً لهم، فيقال: {مَا لَكُمْ لاَ تَنَـٰصَرُونَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا ينصر بعضكم بعضاً كما كنتم في الدنيا، وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر فقيل لهم يوم القيامة ما لكم غير متناصرين، وقيل يقال لكفار ما لشركائكم لا يمنعونكم من العذاب. ثم قال تعالى: {بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ } يقال استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع، ومعناه في الأصل طلب السلامة بترك المنازعة، والمقصود أنهم صاروا منقادين لا حيلة لهم في دفع تلك المضار لا العابد ولا المعبود.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ} هو من قول الله تعالى للملائكة: {ٱحْشُرُواْ} المشركين {وَأَزْوَاجَهُمْ} أي أشياعهم في الشرك، والشرك الظلم؛ قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان: 13] فيحشر الكافر مع الكافر؛ قاله قتادة وأبو العالية. وقال عمر بن الخطاب في قول الله عز وجل: {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ} قال: الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، وصاحب السرقة مع صاحب السرقة. وقال ابن عباس: «وَأَزْوَاجَهُمْ» أي أشباههم. وهذا يرجع إلى قول عمر. وقيل: «وَأَزْوَاجَهُمْ» نساؤهم الموافقات على الكفر؛ قاله مجاهد والحسن، ورواه النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب. وقال الضحاك: «وَأَزْوَاجَهُمْ» قرناءهم من الشياطين. وهذا قول مقاتل أيضاً: يحشر كل كافر مع شيطانه في سلسلة. {وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي من الأصنام والشياطين وإبليس. {فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ} أي سوقوهم إلى النار. وقيل: «فَٱهْدُوهُمْ» أي دُلّوهم. يقال: هديته إلى الطريق، وهديته الطريق؛ أي دللته عليه. وأهديتُ الهديّةَ وهَديتُ العروسَ، ويقال أهديتها؛ أي جعلتها بمنزلة الهديّة. قوله تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} وحكى عيسى بن عمر «أَنَّهُمْ» بفتح الهمزة. قال الكسائي: أي لأنهم وبأنهم، يقال: وَقفتُ الدابَة أقفها وَقْفاً فوقفت هي وقوفاً، يتعدى ولا يتعدى؛ أي ٱحبسوهم. وهذا يكون قبل السَّوق إلى الجحيم؛ وفيه تقديم وتأخير، أي قفوهم للحساب ثم سوقوهم إلى النار. وقيل: يساقون إلى النار أولاً ثم يحشرون للسؤال إذا قربوا من النار. «إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ» عن أعمالهم وأقوالهم وأفعالهم؛ قاله القرظي والكلبي. الضحاك: عن خطاياهم. ٱبن عباس: عن لا إلٰه إلا الله. وعنه أيضاً: عن ظلم الخلق. وفي هذا كله دليل على أن الكافر يحاسب. وقد مضى في «الحجر» الكلام فيه. وقيل: سؤالهم أن يقال لهم: {أية : أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ} تفسير : [الأنعام: 130] إقامة للحجة. ويقال لهم: {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ } على جهة التقريع والتوبيخ؛ أي ينصر بعضكم بعضاً فيمنعه من عذاب الله. وقيل: هو إشارة إلى قول أبي جهل يوم بدر: {أية : نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ} تفسير : [القمر: 44]. وأصله تتناصرون فطُرحت إحدى التاءين تخفيفاً. وشدّد الْبَزِّي التاء في الوصل. قوله تعالى: {بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ } قال قتادة: مستسلمون في عذاب الله عز وجل. ٱبن عباس: خاضعون ذليلون. الحسن: منقادون. الأخفش: ملقون بأيديهم. والمعنى متقارب. {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} يعني الرؤساء والأتباع {يَتَسَآءَلُونَ} يتخاصمون. ويقال لا يتساءلون فسقطت لا. النحاس: وإنما غلط الجاهل باللغة فتوهّم أن هذا من قوله: {أية : فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ}تفسير : [المؤمنون: 101] إنما هو لا يتساءلون بالأرحام، فيقول أحدهم: أسألك بالرحم الذي بيني وبينك لما نفعتني، أو أسقطت لي حقاً لك عليّ، أو وهبت لي حسنة. وهذا بيّن؛ لأن قبله «فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ». أي ليس ينتفعون بالأنساب التي بينهم؛ كما جاء في الحديث: «حديث : إن الرجل لَيُسَرّ بأن يصح له على أبيه أو على ٱبنه حق فيأخذه منه لأنها الحسنات والسيئات»تفسير : ، وفي حديث آخر: «حديث : رحم الله ٱمرءاً كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فأتاه فٱستحلّه قبل أن يطالبه به فيأخذ من حسناته فإن لم تكن له حسنات زِيد عليه من سيئات المطالب»تفسير : . و «يَتَسَاءَلُونَ» هاهنا إنما هو أن يسأل بعضهم بعضاً ويوبخه في أنه أضلّه أو فتح له باباً من المعصية؛ يبيّن ذلك أن بعده {إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ} قال مجاهد: هو قول الكفار للشياطين. قتادة: هو قول الإنس للجن. وقيل: هو من قول الأتباع للمتبوعين؛ دليله قوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ}تفسير : [سبأ: 31] الآية. قال سعيد عن قتادة: أي تأتوننا عن طريق الخير وتصدوننا عنها. وعن ٱبن عباس نحو منه. وقيل: تأتوننا عن اليمين التي نحبها ونتفاءل بها لتغرونا بذلك من جهة النصح. والعرب تتفاءل بما جاء عن اليمين وتسميه السانح. وقيل: «تَأَتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ» تأتوننا مجيء من إذا حلف لنا صدّقناه. وقيل: تأتوننا من قِبل الدِّين فتهوِّنون علينا أمر الشريعة وتنفِّروننا عنها. قلت: وهذا القول حسن جداً؛ لأن من جهة الدِّين يكون الخير والشر، واليمين بمعنى الدِّين؛ أي كنتم تزينون لنا الضلالة. وقيل: اليمين بمعنى القوّة؛ أي تمنعوننا بقوّة وغلبة وقهر؛ قال الله تعالى: {أية : فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ }تفسير : [الصافات: 93] أي بالقوّة وقوّة الرجل في يمينه؛ وقال الشاعر:شعر : إذا مَا رَايةٌ رُفِعتْ لمجدٍ تَلّقاها عَرابَةُ باليمين تفسير : أي بالقوّة والقدرة. وهذا قول ٱبن عباس. وقال مجاهد: «تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ» أي من قبل الحق أنه معكم؛ وكله متقارب المعنى. {قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } قال قتادة: هذا قول الشياطين لهم. وقيل: من قول الرؤساء؛ أي لم تكونوا مؤمنين قط حتى ننقلكم منه إلى الكفر، بل كنتم على الكفر فأقمتم عليه للإلف والعادة. {وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} أي من حجة في ترك الحق. {بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ} أي ضالين متجاوزين الحد. {فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ} هو أيضاً من قول المتبوعين؛ أي وجب علينا وعليكم قول ربنا، فكلنا ذائقو العذاب، كما كتب الله وأخبر على ألسنة الرسل {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [السجدة: 13]. وهذا موافق للحديث: «حديث : إن الله جل وعز كتب للنار أهلا وللجنة أهلا لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم»تفسير : . {فَأَغْوَيْنَاكُمْ} أي زيّنا لكم ما كنتم عليه من الكفر {إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ} بالوسوسة والاستدعاء. ثم قال خبراً عنهم: {فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ } الضال والمضل. {إِنَّا كَذَلِكَ} أي مثل هذا الفعل {نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ} أي المشركين. {إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ } أي إذا قيل لهم قولوا فأضمر القول. و «يَسْتَكْبِرُونَ» في موضع نصب على خبر كان. ويجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر إنّ، وكان ملغاة. ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب عند موته وٱجتماع قريش: «حديث : قولوا لا إله إلا الله تملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم» تفسير : أبَوْا وأنِفُوا من ذلك. وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أنزل الله تعالى في كتابه فذكر قوماً ٱستكبروا فقال: {إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ }» تفسير : وقال تعالى: {أية : إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا}تفسير : [الفتح: 26] وهي (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ٱستكبر عنها المشركون يوم الْحُدَيْبِيَة يوم كاتبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قضية المدّة؛ ذكر هذا الخبر البيهقي، والذي قبله القشيري.
المحلي و السيوطي
تفسير : ويقال للملائكة: {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } أنفسهم بالشرك {وَأَزْوٰجَهُمْ } قرناءَهم من الشياطين {وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَأَزْوَاجَهُمْ} أشباههم المرابي مع المرابين والزاني مع الزناة وشارب الخمر مع شاربيه، أو قرناءهم "ع"، أو أشياعهم، أو نساؤهم الموافقات على الكفر. {وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ} إبليس، أو الشياطين، أو الأصنام.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} قال: تقول الملائكة للزبانية {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} . وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وابن منيع في مسنده وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث من طريق النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قوله {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} قال: أمثالهم الذين هم مثلهم، يجيء أصحاب الربا مع أصحاب الربا، وأصحاب الزنا مع أصحاب الزنا، وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر. أزواج في الجنة، وأزواج في النار. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} قال: أشباههم. وفي لفظ نظراءهم. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير وعكرمة رضي الله عنهما، مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في قوله {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} قال: أزواجهم في الأعمال وقرأ {أية : وكنتم أزواجاً ثلاثة}تفسير : [الواقعة: 7] الآية {أية : فأصحاب الميمنة} تفسير : [الواقعة: 8] زوج {أية : وأصحاب المشئمة}تفسير : [الواقعة: 9] زوج {أية : والسابقون} تفسير : [الواقعة: 10] زوج. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} قال: أمثالهم. القتلة مع القتلة، والزناة مع الزناة، وأكلة الربا مع أكلة الربا. وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} قال: أشباههم من الكفار مع الكفار {وما كانوا يعبدون من دون الله} قال: الأصنام. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} قال: سوقوهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فاهدوهم} قال: دلوهم {إلى صراط الجحيم} قال: طريق النار.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ}. أراد بأزواجهم قرناءَهم وأشكالهم ومَنْ عمل مثل أعمالهم، ومن أعانهم على ظلمهم بقليل أو كثير.. وكذلك في هذه الطريقة: من أعان صاحبَ فترة في فترته، أو صاحب زَلة على زلته - كان مُشاركاً له في عقوبته، واستحقاق طرده وإهانته. قوله: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ}: مقامُ السؤالِ مقامٌ صعبٌ؛ قوم يسألهم المَلَكُ وقومٌ يسألهم المَلِكُ؛ فالذين تسألهم الملائكةُ أقوامٌ لهم أعمالٌ صالحةٌ تصلح للعرض والكشف، وأقوامٌ لهم أعمالٌ لا تصلح للكشف، وهم قسمان: الخواصّ يسترهم الحقّ عن اطلاع الخلق عليهم في الدنيا والآخرة، وأقوامٌ هم أربابُ الزلات يرحمهم اللَّهُ فلا يفضحهم، ثم إنهم يكونون في بعض أحوالهم بنعت الهيبة، وفي بعض أحوالهم بنعت البسط والقربة، وفي الخبر: "أن قوماً يسترهم بيده ويقول تذكر غداً ربك" وهؤلاء أصحاب الخصوص في التحقيق: فأما الأغيار والأجانب والكفار فيقال لهم:{أية : كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}تفسير : [الإسراء: 14]، فإذا قَرؤوا كتابهم يقال لهم: من عمل هذا؟ وما جزاؤه؟ فيقولون: جزاؤه النار. فيقال لهم: أدخلوها بحكمكم. ثم يقال لهم في بعض أحوال استيلاء الفزَع عليهم: قوله جلّ ذكره: {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ}. يُورِّك بعضُهم الذنبَ على بعض؛ فهذا يتبرأ من صاحبه، وصاحبه يتبرأُ منه، إلى أن يحكم الله عليهم بالخزي والهوان ويجمعهم في اللعن والإبعاد.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله للملائكة يوم القيامة: {احْشُرُوا الذين ظلموا} أي: اجمعوا الذين كفروا {وأزواجَهم} وأَشباهَهم، فيُحشر عابد الصنم مع عبدة الأصنام، وعابد الكواكب مع عبدتها. أو: نساءهم الكافرات، أو: قرناءهم من الشياطين. و "الواو" بمعنى "مع"، أو: عاطفة. {وما كانوا يعبدون من دون الله} أي: الأصنام، اجمعوها معهم، {فاهْدُوهم إلى صراطِ الجحيم} أي: دُلوهم على طريقها، وعرّفوهم بها. وعن الأصمعي: يقال: هديته في الدين هُدى، وهديته الطريق هداية. {وقِفُوهُم}: احبسوهم {إِنهم مسؤولون} عن أقوالهم وأفعالهم وعقائدهم، {ما لكم لا تَنَاصَرُون} لا ينصر بعضكم بعضاً. وهذا توبيخ لهم بالعجز عن التناصر، بعدما كانوا يتناصرون في الدنيا، أو: استهزاء بهم. وقيل: هو جواب لأبي جهل، حيث قال يوم بدر: {أية : نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ} تفسير : [القمر: 44]، وجملة النفي: حال، أي: ما لكم غير متناصرين، {بل هم اليوم مسْتَسْلِمون} منقادون لِما يُراد بهم؛ لعجزهم؛ وانْسِدَادِ أبواب الحيل عليهم، أو: قد أسلم بعضهم بعضاً وخذله. {وأقْبَل بعضُهم على بعضٍ} أي: التابع على المتبوع {يتساءلون} يتخاصمون، ويسأل بعضهم بعضاً سؤال توبيخ وتسخُّط، {قالوا} أي: الأتباع للمتبوعين: {إِنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} أي: تصدوننا عن الحق والإيمان، قاله الحسن. وبيانه: أن العرب كانت تتيمّن بالسانح عن اليمين من الطير، ويناسبه ما ذكره ابن عطية في جملة التأويلات بقوله: ومنها: أن يريد باليمين اليمْن، أي: تأتوننا من جهة النصائح، والعمل الذي يتيمّن به. هـ. قلت: والأحسن: أن يقدر معلق الجار، أي: تأتوننا وتصرفوننا عن طريق أهل اليمين. {قالوا} أي: الرؤساء: {بل لم تكونوا مؤمنين} أي: بل أنتم أبيتم الإيمان، وأعرضتم عنه مع تمكُّنكم منه، مختارين للكفر، غير ملجئين إليه، أو: بل أنتم سبقت منكم الضلالة على إغوائنا، وإنما نشأ عن إغوائنا دوام كُفركم لا استئنافه. {وما كان لنا عليكم من سلطانٍ} وقهر، نسلبكم به تمكُّنكم واختياركم، {بل كنتم قوماً طاغين} أي: بل كنتم قوماً مختارين للطغيان، {فحقَّ علينا} أي: لزمنا جميعاً {قولُ ربِّنا إِنا لذائقون} يعني: حقت علينا كلمتُه بأنا ذائقون لعذابه. ولو حكى الوعيد على ما هو لقال: إنكم لذائقون، لكنه عدل به إلى لفظ المتكلم؛ لأنهم يتكلّمون بذلك على أنفسهم. ثم قالوا لضعفائهم: {فأغويناكم} فدعوناكم إلى الغي {إِنا كنا غَاوِينَ} فأردنا إغواءكم لتكونوا مثلنا، {فإِنهم} أي: الأتباع والمتبوعين جميعاً، {في العذاب يومئذٍ مشترِكون} كما كانوا مشتركين في الغواية. {إِنا كذلك نفعل بالمجرمين} المشركين، أي: مثل ذلك الفعل نفعل بكل مجرم. الإشارة: ويقال على طريق العكس: احْشُروا الذين أحسنوا واتقوا ربهم، وأزواجهم، ومَن انتسب إليهم، فاهدوهم إلى طريق الجنان، وقِفوهم يشفعوا فيمن تعلّق بهم، إنهم مسؤولون عن أصحابهم وعشائرهم، حتى يخلصوهم من ورطة الحساب. ما لكم لا تناصرون، فينصر بعضكم بعضاً في هذا الموطن الهائل، بل هم اليوم منقادون لأمر الله، حتى يأذن لهم في الشفاعة. وفي الحديث: "حديث : اتَّخِذُوا يداً عند الفقراءِ، فإن لهم دَوْلَة يومَ القيامة" تفسير : ودولتهم: الشفاعة فيمن أحبهم وأحسن إليهم. والفقراء هم المتوجهون إلى الله تعالى، حتى وصلوا إلى حضرته، ومَن صَدّ الناسَ عن طريقه وصحبتهم، يتعلّق به المخذول عنهم، فيقول له: {إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ...} الآية.
الجنابذي
تفسير : {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} حال او مستأنف بتقدير القول، واصل الظّلم الظّلم لآل محمّد (ص) وكلّما نشأ من هذا الظّلم فهو ظلم، واوّل الظّلم لآل محمّد (ص) هو ستر الولاية التّكوينيّة الّتى هى حبل من الله وينشأ منه الظّلم التّكليفىّ وترك الولاية التّكليفيّة، وفسّر الظّلم ههنا بظلم آل محمّد (ص) {وَأَزْوَاجَهُمْ} المناسبات لهم {وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ} استعمال الهداية للتّهكّم بهم.
اطفيش
تفسير : {احشروا الذين ظلموا} خطاب من الله سبحانه للملائكة وقيل من الملائكة بعضهم لبعض والحشر الجمع والمراد اجمعوا الذين ظلموا وقد تفرقوا وقيل اجمعوهم من مقاماتهم الى الموقف وقيل منها إلى النار والذين ظلموا هم المشركون وقيل عام في كل ظالم والصحيح الأول لقوله بعد وما كانوا يعبدون من دون الله وبه قال الكلبي {وأزواجهم}. قال عمر وابن عباس - رضي الله عنهم - وقتادة انواعهم عابد صنم مع عابد صنم وعابد شمس مع عابد شمس وعابد نجم مع عابد نجم وعابد قمر مع عابد قمر وهكذا وقيل قرناهم من الشياطين يقرن كل كافر مع قرينه من الشياطين في سلسلة وبه قال عمر في رواية النعمان بن بشير عنه وقيل نسائهم المشركات وهو رواية عن ابن عباس والحسن وقيل نظرائهم من العصاة أهل الخمر مع أهل الخمر وأهل الزنا مع أهل الزنا وأهل السرقة مع أهل السرقة وأهل الرياء مع أهل الرياء وأهل الكبر مع أهل الكبر وأهل الحسد مع أهل الحسد وهكذا وهو رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وما كانوا يعبدون من دون الله} زيادة في تحسرهم وتخجيلهم إلا الذين سيقت لهم الحسنى كالملائكة وعيسى وعزير ممن كان معبود الا بأمره ولا برضاه وكان متقيا وقال الحسن الذين يعبدون من دون الشياطين الذين دعوهم إلى عبادة الأصنام. {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} دلوهم على طريق النار يسلكونه كذا ظهر لي ثم رأيته مسندا إلى ابن عباس رضي الله عنهما وذلك على جهة التهكم بهم والجحيم النار مطلقا وقيل الباب الخامس منها.
اطفيش
تفسير : {احشرُوا الَّذين ظلَمُوا} المشركين أو المشركين والفساق، والصحيح أنها فى المشركين، وذلك من الموقف الى النار، أو من مواضعهم الى موقف الحساب وهوالمدلول، عليم بما سبق وما يأتى، ألا ترى قوله تعالى: " أية : وقفوهم إنهم مسئولون" تفسير : [الصافات: 24] أو يقوله الملائكة بعض لبعض {وأزْواجَهُم} أزواجهم المشركات، أو قرناءهم من أشباههم: كيهودى مع يهودى، وزان مع زان أو زانية، وصاحب ربا مع صاحب رباً، وصاحب خمر مع صاحب خمر {وما كانُوا يعْبُدون * من دُون الله} من الأصنام والأوثان زيادة فى تخجيلهم وتعذيبهم، أو ما واقعة على الأصنام والأوثان والشياطين، ولفظ ما لخسة الشياطين كأنها أوثان يقرنون مع هؤلاء فى النار، وقيل ما لهؤلاء كلهم، ولمن عبد من الملائكة، وعيسى وعزير، إلا أنهم لا يدخلونها " أية : أولئك عنها مبْعَدون" تفسير : [الأنبياء: 101] ولكن احضروا ليتبرءوا من عبادتهم، والواو عاطفة فى الموضعين، ولا دليل على أنها فى الأول للمعية، ومعنى المعية مفاد. {فاهْدوهم} أو صلوهم {إلى صراط} طريق {الجَحِيم} النار الشديدة الاتقاد، والتعبير بالهداية والصراط تهكم بهم، كأنهم أرادوا صراط الجحيم، فبين لهم وأوصلوا اليه، وهو بالمشى فى الأرض حتى يصلوه.
الالوسي
تفسير : {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } خطاب من الله تعالى للملائكة أو من الملائكة بعضهم لبعض. أخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تقول الملائكة للزبانية: احشروا الخ، وهو أمر بحشر الظالمين من أماكنهم المختلفة إلى موقف الحساب؛ وقيل من الموقف إلى الجحيم، والسباق والسياق يؤيدان الأول {وَأَزْوٰجُهُمْ } أخرج عبد الرزاق وابن أبـي شيبة وابن منيع في "مسنده" والحاكم وصححه وجماعة من طريق النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: أزواجهم أمثالهم الذين هم مثلهم يحشر أصحاب الربا مع أصحاب الربا وأصحاب الزنا مع أصحاب الزنا وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر. وأخرج جماعة عن ابن عباس في لفظ أشباههم وفي آخر نظراءهم. وروي تفسير/ الأزواج بذلك أيضاً عن ابن جبير ومجاهد وعكرمة، وأصل الزوج المقارن كزوجي النعل فأطلق على لازمه وهو المماثل. وجاء في رواية عن ابن عباس أنه قال: أي نساءهم الكافرات ورجحه الرماني. وقيل قرناءهم من الشياطين وروي هذا عن الضحاك. والواو للعطف وجوز أن تكون للمعية. وقرأ عيسى بن سليمان الحجازي {وأزواجهم} بالرفع عطفاً على ضمير {ظلموا} عل ما في "البحر" أي وظلم أزواجهم. وأنت تعلم ضعف العطف على الضمير المرفوع في مثله، والقراءة شاذة {وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ }.
ابن عاشور
تفسير : تخلُّص من الإِنذار بحصول البعث إلى الإِخبار عما يحلّ بهم عقبه إذا ثبتوا على شركهم وإنكارهم البعث والجزاء. و {احْشُرُوا} أمر، وهو يقتضي آمراً، أي ناطقاً به، فهذا مقول لقول محذوف لظهور أنه لا يصلح للتعلق بشيء مما سبقه، وحَذْفُ القول من حديث البحر، وظاهر أنه أمر من قبل الله تعالى للملائكة الموكّلين بالناس يوم الحساب. والحشر: جمع المتفرقين إلى مكان واحد. و {الذين ظلموا}: المشركون {أية : إن الشرك لظلم عظيم}تفسير : [لقمان: 13]. والأزواج ظاهره أن المراد به حلائلهم وهو تفسير مجاهد والحسن. وروي عن النعمان بن بشير يرويه عن عمر ابن الخطاب وتأويله: أنهن الأزواج الموافقات لهم في الإِشراك، أما من آمن فهن ناجيات من تبعات أزواجهن وهذا كذكر أزواج المؤمنين في قوله تعالى: {أية : هم وأزواجهم في ظلال}تفسير : [يس: 56] فإن المراد أزواجهم المؤمنات فأطلق حملاً على المقيّد في قوله: {أية : ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم}تفسير : [الرعد: 23] وذكر الأزواج إبلاغ في الوعيد والإِنذار لئلا يحسبوا أن النساء المشركات لا تبعة عليهن. وذلك مثل تخصيصهن بالذكر في قوله تعالى: {أية : الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى}تفسير : في سورة [البقرة: 178]. وقيل: الأزواج: الأصناف، أي أشياعهم في الشرك وفروعه. قاله قتادة وهو رواية عن عمر بن الخطاب وابن عباس. وعن الضحاك: الأزواج المقارنون لهم من الشياطين. وضمير {يَعْبُدُونَ} عائد إلى {الذين ظلموا وأزواجَهُم}. ومَا صدَقُ {ما} غير العقلاء، فأما العقلاء فلا تزِرُ وازرة وزر أخرى. والضمير المنصوب في {فَاهْدُوهُم} عائد إلى {الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله،} أي الأصنام. وعطف {فَاهدُوهُم} بفاء التعقيب إشارة إلى سرعة الأمر بهم إلى النار عقب ذلك الحشر فالأمر بالأصالة في القرآن. والهداية والهَدي: الدلالة على الطريق لمن لا يعرفه، فهي إرشاد إلى مرغوب وقد غلبت في ذلك، لأن كون المهديّ راغباً في معرفة الطريق من لوازم فعل الهداية ولذلك تقابل بالضلالة وهي الحيرة في الطريق، فذكر {اهدوهم}هنا تهكّم بالمشركين، كقول عمرو بن كلثوم:شعر : قريناكم فعجلنا قراكم قُبيل الصبح مِرادة طَحونا تفسير : والصراط: الطريق، أي طريق جهنم. ومعنى: {وَقِفُوهُم} أمر بإيقافهم في ابتداء السير بهم لما أفاده الأمر من الفور بقرينة فاء التعقيب التي عطفته، أي احبسوهم عن السير قَليلاً ليُسألوا سؤال تأييس وتحقير وتغليظ، فيقال لهم: {ما لكم لا تناصرون}، أي ما لكم لا ينصر بعضكم بعضاً فيدفع عنه الشقاء الذي هو فيه، وأين تناصركم الذي كنتم تتناصرون في الدنيا وتتألبون على الرسول وعلى المؤمنين. فالاستفهام في {ما لكم لا تناصرونَ} مستعمل في التعجيز مع التنبيه على الخطأ الذي كانوا فيه في الحياة الدنيا. وجملة {ما لكم لا تناصرون}مبيّنة لإبهام {مَسْؤُولُونَ} وهو استفهام مستعمل في التعجيب للتذكير بما يسوءهم، فظهر أن السؤال ليس على حقيقته وإنما أريد به لازمه وهو التعجيب، والمعنى: أيّ شيء اختص بكم، فــــ {ما} الاستفهامية مبتدأ و {لكم} خبر عنه. وجملة {لا تَنَاصَرُونَ} حال من ضمير {لكم} وهي مناط الاستفهام، أي أن هذه الحالة تستوجب التعجب من عدم تناصركم. وقرأ الجمهور {لاَ تَنَاصَرُونَ} بتخفيف المثناة الفوقية على أنه من حذف إحدى التاءين. وقرأه البَزِّي عن ابن كثير وأبو جعفر بتشديد المثناة على إدغام إحدى التاءين في الأخرى. والإِضراب المستفاد من {بَل} إضراب لإِبطال إمكان التناصر بينهم وليس ذلك مما يتوهمه السمع، فلذلك كان الإِضراب تأكيداً لما دل عليه الاستفهام من التعجيز. والاستسلام: الإِسلام القوي، أي إسلام النفس وترك المدافعة فهو مبالغة في أسلم. وذكر {اليَوْمَ} لإِظهار النكاية بهم، أي زال عنهم ما كان لهم من تناصر وتطاول على المسلمين قبل اليوم، أي في الدنيا إذ كانوا يقولون: {أية : نحن جميع منتصر}تفسير : [القمر: 44] وقد قالها أبو جهل يوم بدر، أي نحن جماعة لا تغلب فكان لذكر اليوم وقع بديع في هذا المقام.
الشنقيطي
تفسير : المراد بالذين ظلموا الكفار كما يدلّ عليه قوله بعده: {وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}. وقد قدمنا إطلاق الظلم على الشرك في آيات متعددة كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]. وقوله تعالى: {أية : وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} تفسير : [البقرة: 254]. وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [يونس: 106]. وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر الظلم بالشرك في قوله تعالى: {أية : وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} تفسير : [الأنعام: 82]. وقوله تعالى: {وَأَزْوَاجَهُمْ} جمهور أهل العلم منهم: عمر وابن عباس، على أن المراد به أشباههم ونظراؤهم، فعابد الوثن مع عابد الوثن، والسارق مع السارق، والزاني مع الزاني، واليهودي مع اليهودي، والنصراني مع النصراني، وهكذا وإطلاق الأزواج على الأصناف مشهور في القرآن، وفي كلام العرب كقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} تفسير : [الزخرف: 12] الآية. وقوله تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يس: 36]، وقوله تعالى: {أية : فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ} تفسير : [طه: 53] الآية. وقوله تعالى: {أية : لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} تفسير : [الحجر: 88] إلى غير ذلك من الآيات. فقوله تعالى: {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ} أي اجمعوا الظالمين وأشباههم ونظراءهم، فاهدوهم إلى النار ليدخلها جميعهم، وبذلك تعلم أن قول من قال: المراد بأزواجهم نساؤهم اللاتي على دينهم خلاف الصواب. وقوله تعالى: {وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي احشروا مع الكفار الشركاء التي كانوا يعبدونها من دون الله ليدخل العابدون والمعبودات جميعاً النار كما أوضح ذلك بقوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 98ـ99] وقد بيّن تعالى أن الذين عبدوا من دون الله من الأنبياء، والملائكة، والصالحين كعيسى وعزير خارجون عن هذا، وذلك في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 101] إلى قوله: {أية : هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 103]، وأشار إلى ذلك في قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وَقَالُوۤاْ أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} تفسير : [الزخرف: 57ـ59] الآية. وقوله تعالى: {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} تفسير : [الإسراء: 57] الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {فَٱهْدُوهُمْ} من الهدي العام: أي دلّوهم وأرشدوهم إلى صراط الجحيم أي طريق النار ليسلكوها إليها، والضمير في قوله تعالى: {فَٱهْدُوهُمْ} راجع إلى الثلاثة أعني الذين ظلموا، وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله. وقد دلت هذه الآية أن الهدي يستعمل في الإرشاد والدلالة على الشر، ونظير ذلك في القرآن قوله: {أية : كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الحج: 4] ولذلك كان للشرِّ أئمة يؤتم بهم فيه كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} تفسير : [القصص: 41] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: احشروا الذين ظلموا: أي أنفسهم بالشرك والمعاصي. وأزواجهم: أي قُرناءهم من الشياطين. من دون الله: أي من غير الله من الأوثان والأصنام. فاهدوهم: أي دلوهم وسوقوهم. إلى صراط الجحيم: أي إلى طريق النار. وقفوهم إنهم مسؤولون: أي احبسوهم عند الصراط إنهم مسؤولون عن جميع أقوالهم وأفعالهم. ما لكم لا تناصرون: أي ما لكم لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم في الدنيا توبيخا لهم. إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين: أي عن يمين أحدنا تزينون له الباطل وتحسِّنون له الشر فتأمرونه بالشرك وتنهونه عن التوحيد. قالوا بل لم تكونوا مؤمنين: أي قال قرناؤهم من الجن ردّا عليهم بل لم تكونوا أساسا مؤمنين. وما كان لنا عليكم من سلطان: أي من حجة ولا قوة على حملكم على الشرك والشر والباطل. بل كنتم قوما طاغين: أي بل كنتم طغاة ظلمة تعبدون غير الله وتجبرون الناس على ذلك. معنى الآيات: ما زال السياق في موقف عرصات القيامة إنهم بعد اعترافهم بأن هذا يوم الدين وردّ الله تعالى عليهم بقوله {أية : هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} تفسير : [الصافات: 21] يقول الجبار عز وجل {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ} أي احشروا الذين ظلموا بالشرك والمعاصي، وقوله {وَأَزْوَاجَهُمْ} أي قُرناءهم من الجن {وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} من الأصنام والأوثان. وقوله تعالى {فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ} يقول الله عز وجل فاهدوهم أي دلوهم إلى طريق النار. ويقول {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} ثم يسألون {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ} أي لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم في الدنيا. كيف ينصر بعضهم بعضا في مثل هذا الموقف الرهيب بل هم اليوم مستسلمون أي منقادون ذليلون وقوله تعالى {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} أي أقبل الأتباع على المتبوعين يتساءلون أي يتلاومون كلّ يلقي بالمسؤولية على الآخر. فقال الأتباع من الإِنس لقرنائهم من الجن ما أخبر تعالى به عنهم {إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ} أي والشمال أي توسوسون لنا فَتْحَسِّنُون لنا الشرك والشر بل تأمروننا به وتحضوننا عليه. فرد عليهم قرناؤهم بما أخبر تعالى به عنهم في قوله {قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} أي ما كنتم مؤمنين فكفرناكم ولا صالحين فأفسدناكم، ولا موحدين فحملناكم على الشرك. هذا أولا وثانيا ما كان لنا عليكم من سلطان أي من حجج قوية أقنعناكم بها، ولا قدرة لنا أزهقناكم فاتبعتمونا، بل كنتم أنتم قوما طاغين أي ظلمة متجاوزين الحد في الإِسراف والظلم والشر. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان صورة لموقف من مواقف عرصات القيامة. 2- بيان أن الأشباه في الكفر أو في الفجور أو في الفسق تحشر مع بعضها بعضا. 3- عدم جدوى براءة العابدين من المعبودين واحتجاج التابعين على المتبوعين.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَزْوَاجَهُمْ} (22) - وَيَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المَلاَئِكَةَ بِأَنْ يُمَيِّزُوا الكُفَّارَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي المَوْقِفِ، وَبِأَنْ يَحْشُروا الظَّالِمِينَ مَعَ قُرَنَائِهِمْ وَأَشْبَاهِهِمْ (أَزْوَاجِهِمْ). فَيُحْشَرُ أَصْحَابُ الزِّنى مَعَ أَصْحَابِ الزِّنى، وَأَصْحَابُ الرِّبَا مَعَ أَصْحَابِ الرِّبَا، وَعَابِدُوا الأَوْثَانِ والأَصْنَامِ مَعَ الأَصْنَامِ التي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللهِ. أَزْوَاجَهُمْ - أَشْبَاهَهُمْ وَقُرَنَاءَهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: اجمعوا كل هؤلاء معاً في النار {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ} [الصافات: 22] إذن: المحشور ثلاثة: الذين ظلموا جزاءَ ظلمهم، وأزواجهم، وما كانوا يعبدونه من دون الله. قلنا: الزوج يعني المفرد ومعه مثله. فلا نقول على الرجل والمرأة زوج، إنما زوجان، الرجل يسمى (زوج) والمرأة تسمى (زوج)، لا أن الزوج يعني الاثنين كما يظن البعض، ومثلها كلمة توأم، فكل واحد منهما يُسمَّى توأم، وهما معاً توأمان؛ لذلك قال تعالى في سورة الأنعام: {أية : ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ ..} تفسير : [الأنعام: 143]. وقال: {أية : وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ ..} تفسير : [الأنعام: 144]. فلو أن الزوج يُطلق على الاثنين لقال: أربعة أزواج. ومعنى كلمة {وَأَزْوَاجَهُمْ} [الصافات: 22] أي: أزواجهم في الدنيا، كالزوجة التي تعين زوجها على الظلم، كامرأة أبي لهب، التي قال الله في حقها: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} تفسير : [المسد: 1-5]. أو يُراد بأزواجهم أشكالهم ونظائرهم وقرناءهم الذين أضلُّوهم وأغوَوْهم {وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ..} [الصافات: 22-23] أي: الأصنام التي عبدوها من دون الله، تُحشَر معهم في النار، ليَروْا آلهتهم التي عبدوها وتعلّقوا بها تسبقهم إلى النار، فينقطع أملهم في النجاة وبيان لفساد تفكيرهم، حيث عبدوا أصناماً لا تضرُّ ولا تنفع، وهذا توبيخ لهم؛ لذلك يمتدُّ هذا التوبيخ بعنف في قوله تعالى: {فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ} [الصافات: 23] وهل القذف في النار هُدىً؟ والمعنى: دُلُّوهم على طريق جهنم، يعني: سخريةً منهم وتهكماً بهم. ثم يقول سبحانه: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} [الصافات: 24] أي: احبسوهم للسؤال وللحساب، وهذا السؤال سيكون فردياً ليس جماعياً، فكل واحد منهم سيُسأل وسيُناقش، قالوا: في السؤال تبكيت النفسِ للنفسِ قبل أن يُبكِّتهم الله الذي كفروا به، يعني: ساعةَ يعاينون البعث وموقف الحساب يُبكِّتون أنفسهم، ويندمون ساعةَ لا ينفعُ الندم.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ} معناه وأمثالُهُمْ وأَشباهُهُم وضُرباؤهُمْ.
الجيلاني
تفسير : ثم أمر سبحانه للملائكة المترصدين لأمره القائمين لحكمه: {ٱحْشُرُواْ} وسوقوا {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} بالخروج عن مقتضى الحدود الإلهية، واجمعوهم للحشر {وَأَزْوَاجَهُمْ} أي: أشباههم وأمثالهم وقرناءهم الذين اقتدوا واقتفوا أثرهم معهم {وَ} أحضروا له أيضاً معهم {مَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ} [الصافات: 22] {مِن دُونِ ٱللَّهِ} ظلماً وعدواناً؛ أي: معبوداتهم الباطلة تتميماً لإلزامهم {فَٱهْدُوهُمْ} أي: قدموهم ودلوهم جميعاً {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ} [الصافات: 23]. وبالجملة: سوقوهم بأجمعهم عابداً ومعبوداً إلى نيران الطرد وجحيم الخذلان {وَقِفُوهُمْ} واحبسوهم في الموقف ساعة {إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} [الصافات: 24] عن أعمالهم التي جاءوا بها في نشأتهم الأولى محاسبون عليها. وبعدما سئلوا وحوسبوا جوزوا بمقتضاها ثم سوقوا إلى النار، والسر في السؤال والله أعلم: تسجيل العذاب عليهم؛ لئلا ينسب سبحانه إلى الظلم والعوان ظاهراً، لئلا يجادلون معه سبحانه؛ إذ كان الإنسان أكثر شيء جدلاً. ثم قيل لهم من قبل الحق توبيخاً وتقريعاً: {مَا لَكُمْ} أي: ما شأنكم، وأي شيء عرض عليكم أيها الضالون المضلون {لاَ تَنَاصَرُونَ} [الصافات: 25] أي: لا ينصر بعضكم بعضاً؛ أي: معبوداتكم لا تنصر بتخليص عابديهم مع أنكم اتخذتموهم أولياء واعتقدتموهم آلهة شفعاء، فلم لا ينصرونكم ولا ينقذونكم من عذابنا؟ ولم لا تمكرون ولا تحيلون أنواع الحيل والخداع؟ ولم لا تعتذرون بالأعذار الكاذبة؛ لإنقاذكم من عذابنا كما تزعمون في النشأة الأولى؟!. وهم حينئذ من شدة الهول هائمون حائرون {بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} [الصافات: 26] منقادون خاضعون، ومن خوف اشتداد العذاب عليهم خائفون خاشعون {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} حين يساقون نحو النار {يَتَسَآءَلُونَ} [الصافات: 27] أي: يتخاصمون ويتلاومون. {قَالُوۤاْ} أي: الضعفاء السفلة منهم لرؤسائهم: {إِنَّكُمْ} أيها الضالون المضلون كنتم من شدة شغفكم، وحرصكم على تضليلنا، ومنعنا عن تصديق الرسل وقبول دعوتهم {كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ} [الصافات: 28] أي: عن أقوى جوانبنا، أو عن أقوى الطرق الموصلة إلى مطلوبكم منا، وهو المال وحطام الدنيا، فتعطوننا منها، وتحرفوننا عن سبل السلامة وطرق الاستقامة. {قَالُواْ} أي: الرؤساء في جواب الضعفاء: ما قولكم هذا إلا افتراء منكم إيانا ومراء، كيف نؤثر نحن في قلوبكم بحيلنا ومركنا، أو بعطائنا المال إليكم والإحسان عليكم لو كنتم مؤمنين، والإيمان من أفعال القلوب {بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ} في أنفسكم {مُؤْمِنِينَ} [الصافات: 29] مصدقين، فتميلون على ما كنا عليه طبعاً وهوى، فتفترون اليوم علينا مراء. {وَ} إن ادعيتم إكراهنا إياكم حينئذ فقد كذبتم؛ إذ {مَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} وغلبة إلى حد تخافون عن قهرنا وإهلاكنا، لو لم تكفروا {بَلْ كُنتُمْ} في أنفسكم كما كنا {قَوْماً طَاغِينَ} [الصافات: 30] طغيتم وبغيتم على الله كما طغينا وبغينا. وبالجملة: إنا وإياكم لفي ضلال مبين {فَحَقَّ} أي: لزم وثبت وجرى {عَلَيْنَا} وعليكم {قَوْلُ رَبِّنَآ} وحكمه المبرم المثبت في لوح قضائه وحضرة علمه، بأنا وأنتم من الأشقياء المردودين المستحقين لأنواع العذاب والنكال {إِنَّا لَذَآئِقُونَ} [الصافات: 31] بأجمعنا اليوم ما كتب لنا ربنا من العذاب. وبالجملة: سلمنا أنا أضللناكم عن الهدى بمكرنا وخداعنا {فَأَغْوَيْنَاكُمْ} عن التوحيد والإيمان {إِنَّا كُنَّا} أيضاً {غَاوِينَ} [الصافات: 32] أمثالكم، فلحق بنا ما لحق بكم، إلى متى تعييروننا وتخاصموننا؟!. وبعدما تطاول وتمادى جدالهم وتخاصمهم، قيل لهم من قبل الحق: {فَإِنَّهُمْ} بأجمعهم ضالاً ومضلاً، تابعاً ومتبوعاً {يَوْمَئِذٍ فِي ٱلْعَذَابِ} المؤبد المخلد {مُشْتَرِكُونَ} [الصافات: 33] كما كانوا مشتركين في أسبابه وموجباته في النشأة الأولى.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي إذا أحضروا يوم القيامة، وعاينوا ما به يكذبون، ورأوا ما به يستسخرون، يؤمر بهم إلى النار، التي بها كانوا يكذبون، فيقال: { احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا } أنفسهم بالكفر والشرك والمعاصي { وَأَزْوَاجَهُمْ } الذين من جنس عملهم، كل يضم إلى من يجانسه في العمل. { وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } من الأصنام والأنداد التي زعموها، فاجمعوهم جميعا { فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ } أي: سوقوهم سوقا عنيفا إلى جهنم. وبعد ما يتعين أمرهم إلى النار، ويعرفون أنهم من أهل دار البوار، يقال: { وَقِفُوهُمْ } قبل أن توصلوهم إلى جهنم { إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ } عما كانوا يفترونه في الدنيا، ليظهر على رءوس الأشهاد كذبهم وفضيحتهم. فيقال لهم: { مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ } أي: ما الذي جرى عليكم اليوم؟ وما الذي طرقكم لا ينصر بعضكم بعضا، ولا يغيث بعضكم بعضا، بعدما كنتم تزعمون في الدنيا، أن آلهتكم ستدفع عنكم العذاب، وتغيثكم وتشفع لكم عند اللّه، فكأنهم لا يجيبون هذا السؤال، لأنهم قد علاهم الذل والصغار، واستسلموا لعذاب النار، وخشعوا وخضعوا وأبلسوا، فلم ينطقوا. ولهذا قال: { بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ }.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 806 : 2 : 5 - سفين عن أبيه عن المسيب بن رافع عن بن عباس في قوله {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ} قال، اشباههم. [الآية 22].
همام الصنعاني
تفسير : 2512- معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: { وَأَزْوَاجَهُمْ}: [الآية: 22]، قال: هم وأشكالُهُمْ. 2513- عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، أنه سمع النعمان بن بشير في قوله {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ}: [الآية: 22]، قال: أمثلهم الذين مثلهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):