٣٧ - ٱلصَّافَّات
37 - As-Saffat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } قيل هم والشياطين، وقيل الرؤساء والأتباع. {يَتَسَاءلُونَ } أي يسأل بعضهم بعضاً، وهذا التساؤل عبارة عن التخاصم وهو سؤال التبكيت يقولون غررتمونا، ويقول: أولئك لم قبلتم منا، وبالجملة فليس ذلك تساؤل المستفهمين، بل هو تساؤل التوبيخ واللوم، والله أعلم.
ابن كثير
تفسير : يذكر تعالى أن الكفار يتلاومون في عرصات القيامة؛ كما يتخاصمون في دركات النار، {أية : فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ } تفسير : [غافر: 47 ــــ 48] {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلآ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَـٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلَـٰلَ فِىۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [سبأ: 31 ــــ 33] وهكذا قالوا لهم ههنا: {إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ} قال الضحاك عن ابن عباس يقولون: كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا؛ لأنا كنا أذلاء، وكنتم أعزاء، وقال مجاهد: يعني: عن الحق، والكفار تقوله للشياطين. وقال قتادة: قالت الإنس للجن: إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين، قال: من قبل الخير، فتنهوننا عنه، وتبطئوننا عنه، وقال السدي: تأتوننا من قبل الحق، وتزينون لنا الباطل، وتصدونا عن الحق. وقال الحسن في قوله تعالى: {إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ}: إي والله يأتيه عند كل خير يريده، فيصده عنه، وقال ابن زيد: معناه: تحولون بيننا وبين الخير، ورددتمونا عن الإسلام والإيمان والعمل بالخير الذي أمرنا به، وقال يزيد الرِّشْك: من قبل لا إله إلا الله. وقال خصيف: يعنون من قبل ميامنهم، وقال عكرمة: {إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ} قال: من حيث نأمنكم. وقوله تعالى: { قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تقول القادة من الجن والإنس للأتباع: ما الأمر كما تزعمون، بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان، قابلة للكفر والعصيان، {وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَـٰنٍ} أي: من حجة على صحة ما دعوناكم إليه، {بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَـٰغِينَ} أي: بل كان فيكم طغيان ومجاوزة للحق، فلهذا استجبتم لنا، وتركتم الحق الذي جاءتكم به الأنبياء، وأقاموا لكم الحجج على صحة ما جاؤوكم به، فخالفتموهم، { فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ فَأَغْوَيْنَـٰكُمْ إِنَّا كُنَّا غَـٰوِينَ } يقول الكبراء للمستضعفين: حقت علينا كلمة الله أنا من الأشقياء الذائقين للعذاب يوم القيامة، {فَأَغْوَيْنَـٰكُمْ} أي: دعوناكم إلى الضلالة {إِنَّا كُنَّا غَـٰوِينَ} أي: فدعوناكم إلى ما نحن فيه، فاستجبتم لنا، قال الله تبارك وتعالى: { فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} أي: الجميع في النار كل بحسبه { إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ} أي: في الدار الدنيا {إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} أي: يستكبرون أن يقولوها كما يقولها المؤمنون. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله بن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا الليث عن ابن مسافر، يعني: عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله ونفسه، إلا بحقه، وحسابه على الله عز وجل» تفسير : وأنزل الله تعالى في كتابه العزيز، وذكر قوماً استكبروا، فقال تعالى: { إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ}. وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد عن سعيد الجريري عن أبي العلاء قال: يؤتى باليهود يوم القيامة، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله وعزيراً، فيقال لهم: خذوا ذات الشمال، ثم يؤتى بالنصارى، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله والمسيح، فيقال لهم: خذوا ذات الشمال، ثم يؤتى بالمشركين، فيقال لهم: لا إله إلا الله، فيستكبرون، ثم يقال لهم: لا إله إلا الله، فيستكبرون، ثم يقال لهم: لا إله إلا الله، فيستكبرون، فيقال لهم: خذوا ذات الشمال. قال أبو نضرة: فينطلقون أسرع من الطير. قال أبو العلاء: ثم يؤتى بالمسلمين، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد الله تعالى، فيقال لهم: هل تعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم، فيقال لهم فكيف تعرفونه ولم تروه؟ فيقولون: نعلم أنه لا عدل له. قال: فيتعرف لهم تبارك وتعالى وتقدس، وينجي الله المؤمنين. {وَيَقُولُونَ أَءِنَّا لَتَارِكُوۤاْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} أي: أنحن نترك عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا عن قول هذا الشاعر المجنون؟ يعنون: رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى تكذيباً لهم، ورداً عليهم: {بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ} يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالحق في جميع شرعة الله تعالى له من الأخبار والطلب {وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي: صدقهم فيما أخبروا عنه من الصفات الحميدة، والمناهج السديدة، وأخبر عن الله تعالى في شرعه وأمره كما أخبروا {أية : مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} تفسير : الآية [فصلت: 43].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ } يتلاومون ويتخاصمون.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} فيهم قولان: أحدهما: أنه أقبل الإنس على الجن، قاله قتادة. الثاني: بعضهم على بعض، قاله ابن عباس. ويحتمل ثالثاً: أقبل الاتباع على المتبوعين. وفي {يتساءلون} وجهان: أحدهما: يتلاومون، قاله ابن عباس. الثاني: يتوانسون، وهذا التأويل معلول لأن التوانس راحة، ولا راحة لأهل النار. ويحتمل ثالثاً: يسأل التابع متبوعه أن يتحمل عنه عذابه. قوله عز وجل: {إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} وفي تأويل ذلك قولان: أحدهما: قاله الإنس للجن. قاله قتادة. الثاني: قاله الضعفاء للذين استكبروا، قاله ابن عباس. وفي قوله: {تأتوننا عن اليمين} ثمانية تأويلات: أحدها: تقهروننا بالقوة، قاله ابن عباس، واليمين القوة، ومنه قول الشاعر: شعر : اذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍ تَلقاها عَرابةُ باليمين تفسير : أي بالقوة والقدرة. الثاني: يعني من قبل ميامنكم، قاله ابن خصيف. الثالث: من قبل الخير فتصدوننا عنه وتمنعوننا منه، قاله الحسن. الرابع: من حيث نأمنكم، قاله عكرمة. الخامس: من قبل الدين أنه معكم، وهو معنى قول الكلبي. السادس: من قبل النصيحة واليمين، والعرب تتيمن بما جاء عن اليمين ويجعلونه من دلائل الخير ويسمونه السانح، وتتطير بما جاء عن الشمال ويجعلونه من دلائل الشر ويسمونه البارح، وهو معنى قول عليّ بن عيسى. السابع: من قبل الحق أنه معكم، قاله مجاهد. الثامن: من قبل الأموال ترغبون فيها أنها تنال بما تدعون إليه فتتبعون عليه، وهو معنى قول الحسن.
ابن عطية
تفسير : هذه الجماعة التي يقبل بعضها على بعض هي إنس وجن، قاله قتادة، وتساؤلهم هو على معنى التقريع واللوم والتسخط، والقائلون {إنكم كنتم تأتونا عن اليمين} إما أن يكون الإنس يقولونها للشياطين وهذا قول مجاهد وابن زيد، وإما أن يكون ضعفة الإنس يقولونها للكبراء والقادة، واضطرب المتأولون في معنى قولهم {عن اليمين} وعبر ابن زيد وغيره عنه بطريق الجنة والخير ونحو هذا من العبارات التي هي تفسير بالمعنى لا تختص باللفظة وبعضهم أيضاً نحا في تفسير الآية إلى ما يخصها، والذي يتحصل من ذلك معان، منها أن يريد بـ {اليمين} القوة والشدة فكأنهم قالوا إنكم كنتم تغووننا بقوة منكم وتحملوننا على طريق الضلالة بمتابعة منكم في شدة فعبر عن هذا المعنى بـ {اليمين} كما قالت العرب "بيدين ما أورد"، وكما قالوا "اليد" في غير موضع عن القوة، وقد ذهب بعض الناس ببيت الشماخ هذا المذهب وهو قوله: {الوافر] شعر : إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين تفسير : فقالوا معناه بقوة وعزمة، وإلا فكل أحد كان يتلقاها بيمينه، لو كانت الجارحة، وأيضاً فإنما استعار الراية للمجد فكذلك لم يرد باليمين الجارحة، ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يريدوا {إنكم كنتم تأتوننا} من الجهة التي يحسنها تمويهكم وإغواؤكم ويظهر فيها أنها جهة الرشد والصواب، فتصير عندنا كاليمين التي بيمين السانح الذي يجيء من قبلها. قال القاضي أبو محمد: فكأنهم شبهوا أقوال هؤلاء المغوين بالسوانح التي هي عندهم محمودة، كأن التمويه في هذه الغوايات قد أظهر فيها ما يوشك أن يحمد به، ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يريدوا إنكم كنتم تأتوننا أي تقطعون بنا عن أخبار الخير واليمن معبر عنها بـ {اليمين}، إذ اليمين هي الجهة التي يتيمن بكل ما كان منها وفيها، ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يريدوا أنكم كنتم تجيئون من جهة الشهوات وعدم النظر، والجهة الثقيلة من الإنسان وهي جهة اليمين منه لأن كبده فيها، وجهة شماله فيها قلبه وهي أخف، وهذا معنى قول الشاعر: "تركنا لهم شق الشمال"، أي زلنا لهم عن طريق الهروب، لأن المنهزم إنما يرجع على شقه الأيسر إذ هو أخف شقيه، وإذا قلب الإنسان في شماله وثم نظره فكأنه هؤلاء كانوا يأتون من جهة الشهوات والثقل. قال القاضي أبو محمد: وأكثر ما يتمكن هذا التأويل مع إغواء الشياطين وهو قلق مع إغواء بني آدم، وقيل المعنى تحلفون لنا وتأتوننا إتيان من إذا حلف صدقناه. قال القاضي أبو محمد: فاليمين على هذا القسم، وقد ذهب بعض الناس في ذكر إبليس جهات بني آدم في قوله {أية : من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} تفسير : [الأعراف: 17] إلى ما ذكرناه من جهة الشهوات فقال ما بين يديه هي مغالطته فيما يراه، وما خلفه هو ما يسارق فيه الخفاء، وعن يمينه هو جانب شهواته، وعن شماله هو موضع نظره بقلبه وتحرزه فقد يغلبه الشيطان فيه، وهذا فيمن جعل هذا في جهات ابن آدم الخاصة بيديه، ومن الناس من جعلها في جهات أموره وشؤونه فيتسع التأويل على هذا، ثم أخبر تعالى عن قول الجن المجيبين لهؤلاء {بل لم تكونوا مؤمنين} أي ليس الأمر كما ذكرتم بل كان لكم اكتساب الكفر به والبصيرة فيه وإنما نحن حملنا عليه أنفسنا وما كان لنا عليكم حجة ولا قوة إلا طغيانكم وإرادتكم الكفر فقد حق القول على جميعنا وتعين العذاب لنا وإنا جميعاً {لذائقون}، والذوق هنا مستعار وبنحو هذا فسر قتادة وغيره أنه قول الجن إلى {غاوين}، ثم أخبر تعالى عن أنهم اشتركوا جميعاً في العذاب وحصل كلهم فيه وأن هذا فعله بأهل الجرم واحتقاب الإثم والكفر.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} عام "ع"، أو أقبل الإنس على الجن، {يَتَسَآءَلُونَ} يتلاومون، أو يتوانسون.
الخازن
تفسير : {وأقبل بعضهم على بعض} يعني الرؤساء والأتباع {يتساءلون} يعني يتخاصمون {قالوا} يعني الرؤساء للأتباع {إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} يعني من قبل الدين فتضلوننا وتروننا أن الدين ما تضلوننا به. وقيل كان الرؤساء يحلفون لهم أن الدين الذي يدعونهم إليه هو الحق والمعنى أنكم حلفتم لنا فوثقنا بأيمانكم وقيل عن اليمين أي عن العزة والقدرة والقول الأول أصح {قالوا} يعني الرؤساء للأتباع {بل لم تكونوا مؤمنين} يعني لم تكونوا على حق حتى نضلكم عنه بل كنتم على الكفر {وما كان لنا عليكم من سلطان} يعني من قوة وقدرة فنقهركم على متابعتنا {بل كنتم قوماً طاغين} يعني ضالين {فحق علينا} يعني وجب علينا جميعاً {قول ربنا} يعني كلمة العذاب وهي قوله {أية : لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} تفسير : [هود: 119] {إنا لذائقون} يعني أن الضال والمضل جميعاً في النار {فأغويناكم} فأضللناكم عن الهدى ودعوناكم إلى ما كنا عليه {إنا كنا غاوين} أي ضالين قال الله تعالى: {فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون} يعني الرؤساء والأتباع {إنا كذلك نفعل بالمجرمين} قال ابن عباس الذين جعلوا لله شركاء ثم بين تعالى أنهم إنما وقعوا في ذلك العذاب باستكبارهم عن التوحيد فقال تعالى: {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} أي يتكبرون عن كلمة التوحيد ويمتنعون منها {ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون} يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى رداً عليهم {بل جاء بالحق وصدق المرسلين} يعني أنه أتى بما أتى به المرسلون قبله من الدين والتوحد ونفي الشرك.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} هذه الجماعَةُ التي يقْبِلُ بعضُها على بعضٍ هي جِنٌّ وإنْسٌ؛ قاله قتادة، وتَسَاؤُلُهم هو على معنى التَّقْرِيعِ واللَّوْمِ والتَّسَخُّطِ، والقائلون: {إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا} إما أنْ يكونَ الإنْسُ يقولونها للشياطينِ؛ وهذا قول مجاهد وابن زيد، وإما أنْ يكونَ ضَعَفَةُ الإنْسِ يقولُونَهَا لِلكبراءِ والقادةِ، واضطَرَبَ المُتَأَوِّلُونَ في معنى قولهم: {عَنِ ٱلْيَمِينِ}؛ فعبَّر ابنُ زيد وغيرُه عنه بطريقِ الجَنَّةِ، ونحو هذا من العباراتِ التي هي تفسيرٌ بالمَعْنَىٰ، ولا يختصُّ بنَفْسِ اللَّفْظَةِ، والذي يخصُّها مَعَانٍ: منها أن يريدَ باليمين: القوةَ. أي: تحملونَنَا على طريقِ الضَّلاَلَةِ بقوةٍ، ومنها أن يريدَ باليمينِ. اليُمْنَ، أي: تأتوننا من جِهَة النصائِح والعملِ الذي يُتَيَمَّنُ به، ومن المعاني التي تحتملها الآيةُ؛ أن يريدوا أنكم كُنتم تجيئُونَنَا من جهة الشَّهَوَاتِ، وأكثرُ ما يَتَمكَّنُ هذا التأويلُ مع إغواء الشياطين، وقيلَ: المعنَىٰ تَحْلِفونَ لنا، فاليمينُ علَىٰ هذا: القَسَمُ، وقد ذَهَبَ بعضُ العلماءِ في ذكرِ إبليسَ جهاتِ بني آدم في قوله: {أية : مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ }تفسير : [الأعراف:17] إلى ما ذكرناه من جهةِ الشهوات. ثم أخْبَرَ تعالى عن قول الجِنّ المجيبينَ لهؤلاءِ بقولهم: {بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}، أي: ليس الأمْرُ كما ذكرتمْ؛ بل كانَ لكمُ اكتسابُ الكُفْرِ؛ وما كانَ لنَا عليكم حُجَّةٌ، وبنحو هذا فَسَّرَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ قولُ الجِنِّ إلى {غَـٰوِينَ}. ثم أخْبَرَ تعالى بأنهم جميعاً في العذابِ مشتركون، وأنَّ هذا فعلُه بأهل الجُرْم والكُفْر.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} قيل: الأتباع والرؤساء يتساءلون متخاصمون. وقيل: هم والشياطين يقولون إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين أي من قبل الدين فتضلوننا عنه. قاله الضحاك، وقال مجاهد: من الصراط الحق واليمين عبارة عن الدِّين والحق كما أخبر الله عن إبليس: {أية : ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} تفسير : [الأعراف:17] فمن أتاه الشيطان من قبل اليمين أتاه من قبل الدين فليس عليه الحق، واليمين ههنا استعارة عن الخيرات والسعادات لأن الجانب الأيمن أفضل من الجانب الأيسر إجماعاً، ولا تباشر الأعمال الشريفة إلا باليمين ويتفاءلون بالجانب الأيمن ويسمونه البَارِح وكان - عليه (الصلاة و) السلام - يحب التيامن في شأنه كله وكاتب الحسنات من الملائكة على اليمين ووعد الله المحسن أن يعطيه الكتاب باليمين. وقيل: إن الرؤساء كانوا يحلفون للمستضعفين أن ما يدعونهم إليه هوا لحق فوثقوا بأيمانهم، وقيل: عن اليمين أي عن القوة والقدرة كقوله: {أية : لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ} تفسير : [الحاقة:45]. قوله: "عَنِ ٱلْيَمِينِ" حال من فاعل: "تَأتُوتَنَا". واليمين إما الجارحة عبّر بها عن القوة وإما الحلف لأن المتعاقدين بالحلف يمسح كل منهما يمين الآخر فالتقدير على الأول وتأتوننا أقوياء وعلى الثاني مُقْسِمِينَ حَالِفينَ. قوله: {بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} وهذا جواب الرؤساء للأتباع أي ما كنتم موصوفين بالإيمان حتى يقال: إنا أَزَلْنَاكم عنه وإنما الكفر من قبلكم {وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} من قوة وقُدْرة حتى نقهركم ونجْبِرَكم {بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طَاغِينَ} ضالين "فَحَقَّ عَلَيْنَا" وجب علينا جمعياً "قَوْلُ رَبِّنَا" يعني كلمة العذاب وهو قوله: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [هود:119]. قوله: "إنَّا لَذَائِقُوا الْعَذَابِ" الظاهر أنه من إخبار الكفرة المتبوعين أو الجن بأنهم ذائقون العذاب. ولا عدول في هذا الكلام. وقال الزمخشري: ولزمنا قول ربنا إنا لذائقون يعني وعيد الله بأنا لذائقون لعذابه لا محالة ولو حكى الوعيد كما هو لقال إنكم لذائقون ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم متكلمون بذلك عن أنفسهم ونحوه قول القائل: شعر : 4191- لَقَدْ عَلِمَتْ هَوَازِنُ قَلَّ مَالِي ..................... تفسير : ولو حكمى قولها لقال: قَلَّ مَالُكَ، ومنه قول المحلف للحالف احلف (لأخْرُجَنَّ) ولَتَخْرُجَنَّ، الهمزة لحكاية الحالف، والتاء لإقبال المحالف على المحلف. قوله: {فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ} أي إنما أقدمنا إغوائكم لأنا كنا موصفين في أنفسنا بالغِوَايَةِ. وفيه دقيقة أخرى كأنهم قالوا: إن اعتقدتم أن غوايتكم بسبب إغوائنا فغوايتنا إن كانت بسبب إغواء غاوٍ آخر لزم التسلسل. وذلك محال فعلمنا أن حصول الغواية والرشاد ليس من قِبَلِنَا بل من قِبَل غيرنا. وذلك الغير هو الذي فيما قبل وهو قوله: {فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ}. ثم قال تعالى بعده: {فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} يعني الرؤساء والأتباع يومئذ يُسْأَلُو(نَ) ويُرَاجِعُو(نَ) الكلام فيما بينهم ثم قال: {إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ} أي الكفار. قال ابن عباس: الذين جعلوا لله شركاء ثم وصفهم بأنهم {إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} يتكبرون عن كلمة التوحيد ويمتنعون منها {وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُوۤ آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - وقرأ ابن كثير أينا لتاركوا بهمزة وياء بعدها خفيفة وألف ساكنة بلا مدة. وقرأ نافع في رواية قالون وأبو عمرو كذلك، ويمدان. والباقون بهمزتين بلا مد، ثم إنه تعالى كذبهم في ذلك الكلام بقوله: {بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ} أي جاء بالدين الحق. قوله: "وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ" أي صدقهم محمد - عليه (الصلاة و) السلام - يعني صدقهم في مجيئهم بالتوحيد، وقرأ عبد الله صَدَقَ خفيف الدال "الْمُرْسَلُونَ" فاعلاً به أي صدقوا فيما جاؤوا به. ثم التفت من الغيبة إلى الحضور فقال: {أية : إِنَّكُمْ لَذَآئِقُواْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمِ} تفسير : [الصافات:38].
اسماعيل حقي
تفسير : {واقبل} حينئذ [والاقبال: بيش آمدن وروى فراكسى كردن]. يقال اقبل عليه بوجهه وهو ضد الادبار{بعضهم} هم الاتباع او الكفرة {على بعض} هم الرؤساء او القرناء حال كونهم {يتساءلون} يسأل بعضهم بعضا سؤال توبيخ بطريق الخصومة والجدال ولذا فسر بيتخاصمون كأنه قيل كيف يتساءلون فقيل
الجنابذي
تفسير : {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ} اى التّابعون {عَلَىٰ بَعْضٍ} اى المتبوعين: او اقبل كلّ بعض على كلّ بعض {يَتَسَآءَلُونَ} يسألون ويجابون.
الهواري
تفسير : قال: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} أي: الإِنس والشياطين {قَالُوا} أي: قالت الإِنس: {إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ}. قال مجاهد: أي: من قبل الدين، فصددتمونا عنه، وزيّنتم لنا الضلالة في تفسير الكلبي. وقال بعضهم: (عَنِ اليَمِينِ) أي: من قبل الخير فتثبطوننا عنه، وهو واحد. {قَالُوا} أي: قالت الشياطين للمشركين من الإِنس: {بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ} كقوله: {فَإِنَّكُمْ} يا بني إبليس، {وَمَا تَعْبُدُونَ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} أي: لستم بمضلي أحد (أية : إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ) تفسير : [الصافات: 161-163] [وقال بعضهم: {وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ} أي: من ملك فنقهركم به على الشرك] {بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ} تقوله الشياطين للمشركين. {فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ} أي: العذاب، {فَأَغْوَيْنَاكُمْ} أي: فأضللناكم، يقوله الشياطين للمشركين. {إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ} أي: إنا كنا ضالّين. قال الله: {فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} أي: يقرن كل واحد منهم هو وشيطانه في سلسلة واحدة. قال: {إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ} أي: المشركين. {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لآ إِلَهَ إِِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ} أي: عنها {وَيَقُولُونَ} يعني المشركين {أَئِنَّا لَتَارِكُوا ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} يعنون النبي عليه السلام. أي: لا نفعل. قال الله: {بَلْ جَآءَ} يعني محمداً {بِالْحَقِّ} أي: بالتوحيد {وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} قبله. {إِنَّكُمْ لَذَآئِقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ} أي: الموجع، يقوله للمشركين، يعني عذاب جهنم. قال: {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
اطفيش
تفسير : {وأقبل بعضهم على بعض} الرؤساء والاتباع او الكفرة والقرناء وعليه الشيخ هود - رحمه الله -. {يتساءلون} سؤال توبيخ ولذا فسر التخاصم.
اطفيش
تفسير : {وأقبل بعْضهُم} هم الاتباع من الانس {على بعْضٍ} هم الرؤساء المضلون، أو بعضهم كفرة الانس، وعلى بعض قرنائهم من الجن، أو كل ذلك بأن يقال قوله: {بعضهم} الاتباع، وقوله: {على بعض} الرؤساء من الإنس والجن {يتساءلون} تساؤل ندم وتفريع لم عبدناكم ولم تنفعونا.
الالوسي
تفسير : {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } هم الأتباع والرؤساء المضلون أو الكفرة من الإنس وقرناؤهم من الجن، وروي هذا عن مجاهد وقتادة وابن زيد {يَتَسَاءلُونَ } يسأل بعضهم بعضاً سؤال تقريع بطريق الخصومة والجدال.
ابن عاشور
تفسير : عطف على {أية : مستسلمون}تفسير : [الصافات: 26] أي استسلموا وعاد بعضهم على بعض باللائمة والمتسائلون: المتقاولون وهم زعماء أهل الشرك ودهماؤهم كما تبينه حكاية تحاورهم من قوله: {وما كان لنا عليكم من سُلطانٍ} وقوله: {فأغْوَيْناكُم} الخ. وعبر عن إقبالهم بصيغة المضي وهو مما سيقع في القيامة، تنبيهاً على تحقيق وقوعه لأن لذلك مزيد تأثير في تحذير زعمائهم من التغرير بهم، وتحذيرِ دهمائهم من الاغترار بتغريرهم، مع أن قرينة الاستقبال ظاهرة من السياق من قوله: {أية : فإذا هم يَنظُرُون}تفسير : [الصافات: 19] الآية. والإِقبال: المجيء من جهة قُبُل الشيء، أي من جهة وجهه وهو مجيء المتجاهر بمجيئه غير المتختّل الخائف. واستعير هنا للقصد بالكلام والاهتمام به كأنه جاءه من مكان آخر. فحاصل المعنى حكاية عتاب ولوم توجه به الذين اتبعوا على قادتهم وزعمائهم، ودلالةُ التركيب عليه أن يكون الإِتيان أطلق على الدعاية والخطابة فيهم لأن الإِتيان يتضمن القصد دون إرادة مجيء، كقول النابغة:شعر : آتاك امرؤ مسْتبطن لي بِغضَة تفسير : وقد تقدم استعماله واستعمال مرادفه وهو المجيء معاً في قوله تعالى: {أية : قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون وآتَيْناكَ بالحَقّ}تفسير : الآية في سورة [الحجر: 63 - 64]. أو أن يكون اليمين مراداً به جهة الخير لأن العرب تضيف الخير إلى جهة اليمين. وقد اشتقت من اليُمن وهو البركة، وهي مؤذنة بالفوز بالمطلوب عندهم. وعلى ذلك جرت عقائدهم في زجر الطير والوحش من التيمّن بالسانح، وهو الوارد من جهة يمين السائر، والتشاؤم، أي ترقب ورود الشر من جهة الشِمال. وكان حقّ فعل {تأتُوننا} أن يعدّى إلى جهة اليمين بحرف «مِن» فلما عُدّي بحرف {عن} الذي هو للمجاوزة تعين تضمين {تأتُونَنا} معنى «تصدوننا» ليُلائم معنى المجاوزة، أي تأتوننا صادِّيننا عن اليمين، أي عن الخير. فهذا وجه تفسير الآية الذي اعتمده ابن عطية والزمخشري وقد اضطرب كثير في تفسيرها. قال ابن عطية ما خلاصته: اضطرب المتأولون في معنى قولهم: {عَنِ اليمين} فعبر عنه ابن زيد وغيره بطريق الجنة ونحو هذا من العبارات التي هي تفسير بالمعنى ولا تختص بنفس اللفظة، وبعضهم أيضاً نحا في تفسيره إلى ما يخص اللفظة فتحصل من ذلك معان منها: أن يريد باليمين القوة والشدة (قلتُ وهو عن ابن عباس والفرّاء) فكأنهم قالوا إنكم كنتم تُغْروننا بقوة منكم، ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يريدوا: تأتوننا من الجهة التي يحسنها تمويهكم وإغواؤكم وتُظهرون فيها أنها جهة الرشد (وهو عن الزجاج والجبّائي) ومما تحتمله الآية أن يريدوا: إنكم كنتم تأتوننا، أي تقطعون بنا عن أخبار الخير واليُمْن، فعبروا عنها باليمين، ومن المعاني أن يريدوا: أنكم تجيئون من جهة الشهوات وعدم النظر لأن جهة يمين الإِنسان فيها كبده وجهة شماله فيها قلبه وأن نظر الإِنسان في قلبه وقيل: تحلفون لنا ا.هــــ. وجواب الزعماء بقولهم: {بَل لَمْ تَكُونوا مؤمِنينَ} إضراب إبطال لزعم الأتباع أنهم الذين صدّوهم عن طريق الخير أي بل هم لم يكونوا ممن يقبل الإِيمان لأن تسليط النفي على فعل الكون دون أن يقال: بل لم تؤمنوا، مشعر بأن الإِيمان لم يكن من شأنهم، أي بل كنتم أنتم الآبين قبول الإِيمان. و {ما كان لنا عليكم من سلطان} أي من قهر وغلبة حتى نُكرهكم على رفض الإِيمان، ولذلك أكدوا هذا المعنى بقولهم: {بل كنتم قوماً طاغِينَ}، أي كان الطغيان وهو التكبر عن قبول دعوة رجل منكم شأنَكم وسجيتكم، فلذلك أقحموا لفظ {قوماً} بين «كان» وخبرها لأن استحضارهم بعنوان القومية في الطغيان يؤذن بأن الطغيان من مقومات قوميتهم كما قدمنا عند قوله تعالى: {أية : لآيات لقوم يعقلون}تفسير : في سورة [البقرة: 164]. وفرّعوا على كلامهم اعترافهم بأنهم جميعاً استحقُّوا العذاب فقولهم: {فحَقَّ علينا قولُ ربنا إنَّا لذائِقُونَ}، تفريعَ الاعتراض، أي كان أمر ربنا بإذاقتنا عذاب جهنم حقّاً. وفعل «حقّ» بمعنى ثبت. وجملة {إنَّا لذائقون} بيان لــــ {قَوْلُ رَبِّنا}. وحكي القول بالمعنى على طريقة الالتفات ولولا الالتفات لقال: إنكم لذائقون أو إنهم لَذَائِقُونَ. ونكتة الالتفات زيادة التنصيص على المعنيّ بذوق العذاب. وحذف مفعول «ذائقون» لدلالة المقام عليه وهو الأمر بقوله تعالى: {أية : فاهدوهم إلى صرٰطِ الجحيم}تفسير : [الصافات:23]. وفرعوا على مضمون ردهم عليهم من قولهم: {بل لم تكونوا مؤمنين} إلى {قوماً طاغِينَ} قولهم: {فأغْوَيْناكُمْ}، أي ما أكرهناكم على الشرك ولكنّا وجدناكم متمسكين به وراغبين فيه فأغويناكم، أي فأيدناكم في غوايتكم لأنّا كنّا غاوين فسوّلنا لكم ما اخترناه لأنفسنا فموقع جملة {إنَّا كُنَّا غاوِينَ} موقع العلة. و«إن» مغنية غناء لام التعليل وفاء التفريع كما ذكرناه غير مرة. وزيادة {كنّا} للدلالة على تمكين الغواية من نفوسهم، وقد استبان لهم أن ما كانوا عليه غواية فأقرّوا بها، وقد قدمنا عند قوله تعالى في سورة [المؤمنين: 101]: {أية : فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون}تفسير : أن تساؤلهم المنفي هنالك هو طلب بعضهم مِن بعض النجدة والنصرة وأن تساؤلهم هنا تساؤل عن أسباب ورطتهم فلا تعارض بين الآيتين.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له مع التعرض لإزالة إشكالين في بعض الآيات المتعلقة بذلك، في سورة {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تفسير : [المؤمنون: 1] في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 101]
القطان
تفسير : عن اليمين: عن جهة الخير، واليمينُ لها عدة معانٍ منها: اليد والجهة المقابلة لليسار، والخير وغير ذلك. من سلطان: من قهر وتسلط. طاغين: متجاوزين الحدَّ في العصيان. فحق علينا: فوجب علينا. فأغويناكم: اضللناكم. وبعد ان بيّن الله تعالى أنهم يوم القيامة يندمون عندما يرون العذابَ - ذكر هنا أنهم يُقبلون على بعضهم البعض، ويتلاومون ويتخاصمون، ويسأل بعضهم بعضاً عن مصيرهم السيّىء ويقول التابعون للمتبوعين: {قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ} قالوا لهم: إنكم كنتم تغشوننا وتأتوننا من الناحية التي نظنُّ فيها الخير واليمن، لتصرفونا عن الحق الى الضلال. فيرد عليهم الرؤساء بقولهم: {بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ} إنا ما أضللناكم بل كنتم أنتم بطبيعتكم مستعدّين للكفر. {فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ} وجبَ علينا ما قاله الله في أننا لذائقون العذاب في هذا اليوم، وكل ما فعلناه بكم أننا دعوناكم لتكونوا مثلنا فاستجبتم لدعوتنا، فلا لومَ علينا. ويومئذ يكون التابعون والمتبوعون في العذاب مشتركين. {إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ} هذه سنةُ الله في خلقه، يعطي كل عامل جزاء ما قدّمت يداه. ان هؤلاء المجرمين كانوا اذا قيل لهم لا إله الا الله يستكبرون ويقولون: أنترك عبادةَ آلهتنا لقول شاعر مجنون! ومن ثم يكذّبهم الله تعالى ويرّد عليهم بقوله: {بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ} بل جاءهم رسولهم بالحق الذي هو التوحيد الذي دعا اليه جميع الرسل، وصدّق بذلك دعوة المرسَلين الذين جاؤا قبله.
د. أسعد حومد
تفسير : (27) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى حَالَ الكُفَّارِ فِي ذَلِكَ المَوْقِفِ، وَيُخْبِرُ أَنَّهُمْ يَتَلاَوَمُونَ فِي عَرَصَاتِ المَحْشَرِ، وَيَتَخَاصَمُونَ فِي دَرَكَاتِ النَّارِ، فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ التَّابِعُونَ، لِلرُؤَسَاءِ المُضِلِّينَ لَهُمْ: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً، وَأَنْتُمُ الذِينَ كُنْتُم تُوَسْوِسُونَ لَنَا لِنَكْفُرَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : تأمل هذه المواجهة بين التابع والمتبوع، بعد أنْ ظهرت خيبة الجميع وتكشَّفَتْ الحقائق التي طالما أنكروها في الدنيا وكذَّبوا بها، إنهم الآن يُلْقي كل منهم بالمسئولية على الآخر، ويتساءلون فيما بينهم. {قَالُوۤاْ} [الصافات: 28] أي: الأتباع {إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ} [الصافات: 28] اليمين يعني من جهة اليمين، واليمين منه اليمن والتيمن، واليمين جهة الخير؛ لذلك أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالتيمُّن في كل شيء، فبها نُسلِّم، وبها نأكل ونشرب، ونتناول الأشياء ونكتب، لأنها مُشرَّفة مُكرَّمة، حتى العرب قديماً كانوا يتفاءلون بجهة اليمين لو طار الطيرُ ناحية اليمين. واليمين أيضاً من معانيها أنها مصدر القوة في الفعل، وغالبية الناس يستخدمون اليمين، وهي عندهم الأقوى، وقد سُئِلْنا مرة عن الذين يعملون بالشمال: هل ننهاهم عن ذلك؟ نقول: العمل باليمين أو اليسار ليس مجرَّد تعوُّد، إنما هو تكوين طبيعي في الجسم، ففي الجسم مركز يتحكم في توزيع القوة، فبعض الناس يميل مركز القوة عندهم ناحية اليمين، فتكون يمينه أقوى من شماله، وبعضهم العكس، وبعضهم يتساوى عنده مركز القوة، فيعمل باليمين ويعمل باليسار بنفس القوة، وهذا يُسمُّونه (الأضبط) مثل سيدنا عمر رضي الله عنه. ومن معاني اليمين أيضاً الحَلف والقَسَم، وهذه المعاني كلها واردة في معنى هذه الآية {إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ} [الصافات: 28] يعني: من جهة الخير والحق لتصرفونا عنه، أو من ناحية البطش والقوة لتجبرونا على الفعل، أو بالحلف يعني: تحلفون لنا أن هذا هو الطريق الصحيح، لا طريق غيره. ويرد المتبوعون على التابعين {قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [الصافات: 29] يعني: ما أخرجناكم من الإيمان إلى الكفر، بل كنتم بطبيعة الحال غير مؤمنين، وبمجرد أنْ أشرنا إليكم سِرْتم خلفنا وتابعتمونا {وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} [الصافات: 30] والسلطان إما سلطانُ قوة يقهركم على الفعل، وإما سلطان حجة يقنعكم بالكفر، فليس لنا عليكم لا سلطانُ قوة وقهر، ولا سلطان حجة وإقناع. {بَلْ كُنتُمْ} [الصافات: 30] بطبيعتكم {قَوْماً طَاغِينَ} [الصافات: 30] أي: متجاوزين للحدِّ في الكفر وفي الضلال. وهذه تعليمة إبليس يقولها لأتباعه في الآخرة حين يتبرأ منهم ويُلقي عليهم مسئولية كفرهم، كما حكاه القرآن الكريم: {أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 22].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما جمعوا هم وأزواجهم وآلهتهم، وهدوا إلى صراط الجحيم، ووقفوا، فسئلوا، فلم يجيبوا، وأقبلوا فيما بينهم، يلوم بعضهم بعضا على إضلالهم وضلالهم. فقال الأتباع للمتبوعين الرؤساء: { إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ } أي: بالقوة والغلبة، فتضلونا، ولولا أنتم لكنا مؤمنين. { قَالُوا } لهم { بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } أي: ما زلتم مشركين، كما نحن مشركون، فأي: شيء فضلكم علينا؟ وأي: شيء يوجب لومنا؟ { و } الحال أنه { مَا كَانَ لنا عليكم مِنْ سُلْطَانٍ } أي: قهر لكم على اختيار الكفر { بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ } متجاوزين للحد. { فَحَقَّ عَلَيْنَا } نحن وإياكم { إِنَّا لَذَائِقُونَ } العذاب،أي: حق علينا قدر ربنا وقضاؤه، أنا وإياكم سنذوق العذاب، ونشترك في العقاب. { فـ } لذلك { أَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ } أي: دعوناكم إلى طريقتنا التي نحن عليها، وهي الغواية، فاستجبتم لنا، فلا تلومونا ولوموا أنفسكم. قال تعالى: { فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ } أي: يوم القيامة { فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ } وإن تفاوتت مقادير عذابهم بحسب جرمهم. كما اشتركوا في الدنيا على الكفر، اشتركوا في الآخرة بجزائه، ولهذا قال: { إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ }. ثم ذكر أن إجرامهم، قد بلغ الغاية وجاوز النهاية فقال: { إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ } فدعوا إليها، وأمروا بترك إلهية ما سواه { يَسْتَكْبِرُونَ } عنها وعلى من جاء بها. { وَيَقُولُونَ } معارضة لها { أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا } التي لم نزل نعبدها نحن وآباؤنا { لـ } قول { شَاعِرٍ مَجْنُونٍ } يعنون محمدا صلى اللّه عليه وسلم. فلم يكفهم - قبحهم اللّه - الإعراض عنه، ولا مجرد تكذيبه، حتى حكموا عليه بأظلم الأحكام، وجعلوه شاعرا مجنونا، وهم يعلمون أنه لا يعرف الشعر والشعراء، ولا وصفه وصفهم، وأنه أعقل خلق اللّه، وأعظمهم رأيا. ولهذا قال تعالى، ناقضا لقولهم: { بَلْ جَاءَ } محمد { بِالْحَقِّ } أي: مجيئه حق، وما جاء به من الشرع والكتاب حق. { وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ } [أي: ومجيئه صدق المرسلين] فلولا مجيئه وإرساله لم يكن الرسل صادقين، فهو آية ومعجزة لكل رسول قبله، لأنهم أخبروا به وبشروا، وأخذ اللّه عليهم العهد والميثاق، لئن جاءهم، ليؤمنن به ولينصرنه، وأخذوا ذلك على أممهم، فلما جاء ظهر صدق الرسل الذين قبله، وتبين كذب من خالفهم، .فلو قدر عدم مجيئه، وهم قد أخبروا به، لكان ذلك قادحا في صدقهم. وصدق أيضا المرسلين، بأن جاء بما جاءوا به، ودعا إلى ما دعوا إليه، وآمن بهم، وأخبر بصحة رسالتهم ونبوتهم وشرعهم. ولما كان قولهم السابق: { إِنَّا لَذَائِقُونَ } قولا صادرا منهم، يحتمل أن يكون صدقا أو غيره، أخبر تعالى بالقول الفصل الذي لا يحتمل غير الصدق واليقين، وهو الخبر الصادر منه تعالى، فقال: { إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الألِيمِ } أي: المؤلم الموجع. { وَمَا تُجْزَوْنَ } في إذاقة العذاب الأليم { إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } فلم نظلمكم، وإنما عدلنا فيكم؟ ولما كان هذا الخطاب لفظه عاما، والمراد به المشركون، استثنى تعالى المؤمنين فقال: { إِلا عِبَادَ اللَّهِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):