Verse. 382 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

اِلَّا الَّذِيْنَ تَابُوْا مِنْۢ بَعْدِ ذٰلِكَ وَاَصْلَحُوْا۝۰ۣ فَاِنَّ اللہَ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ۝۸۹
Illa allatheena taboo min baAAdi thalika waaslahoo fainna Allaha ghafoorun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا» عملهم «فإن الله غفور» لهم «رحيم» بهم.

89

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ } عملهم {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } لهم {رَّحِيمٌ } بهم.

القشيري

تفسير : أولئك هم الذين تداركتهم الرحمة، ولم يكونوا في شق السبق من تلك الجملة، وإن كانوا في توهم الخلق من تلك الزمرة.

اسماعيل حقي

تفسير : {الا الذين تابوا من بعد ذلك} اى من بعد الارتداد {واصلحوا} اى ما افسدوا {فان الله غفور رحيم} فيقبل توبتهم ويتفضل عليهم وعطف قوله {واصلحوا} على قوله {الا الذين تابوا} يدل على ان التوبة وحدها وهى الندم على ما مضى من الارتداد والعزم على تركه فى المستقبل لا تكفى حتى يضاف اليها العمل الصالح أي واصلحوا باطنهم مع الحق بالمراقبات ومع الخلق بالمعاملات وهذا الندم والتوبة انما يحصل لمن لم ترسخ فيه بعد هيئة استيلاء النفس الامارة على قلبه ولم تصر رينا وبقى فيه من وراء حجاب صفات النفس مسكة من نور استعداده فيتداركه الله برحمته وتوفيقه فيندم ويواظب على الرياضات من باب التزكية والتصفية - يحكى - عن السرى السقطى قدس سره انه قال قلت يوما عجبت من ضعيف عصى قويا فلما كان الغداة وصليت الغداة اذا انا بشاب قد وافى وخلفه ركبان على دواب بين يديه غلمان وهو راكب على دابة فنزل وقال ايكم السرى السقطى فاومأ جلسائى الى فسلم على وجلس وقال سمعتك تقول عجبت من ضعيف عصى قويا فما اردت به فقلت ما ضعيف اضعف من ابن آدم لا قوى أقوى من الله تعالى وقد تعرض ابن آدم مع ضعفه الى معصية الله قال فبكى ثم قال يا سرى هل يقبل ربك غريقا مثلى قلت ومن ينقذ الغرقى الا الله تعالى قال يا سرى ان على مظالم كثيرة كيف اصنع قال اذا صححت الانقطاع الى الله ارضى عنك الخصوم بلغنا عن النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : اذا كان يوم القيامة واجتمع الخصوم على ولى الله تقول الملائكة لهم لا تروّعوا ولى الله فان الحق اليوم على الله فيهب الله لهم مقامات عالية بدل حقوقهم فيتجاوزون عن الولى " .تفسير : قال فبكى ثم قال صف لى الطريق الى الله فقلت ان كنت تريد طريق المقتصدين فعليك بالصيام والقيام وترك الآثام وان كنت تريد طريق الاولياء فاقطع العلائق واتصل بخدمة الخالق فعلى السالك ان يتوب من جميع الآثام ولا يشغل سره سوى مشاهدة الله العلام شعر : بهشت تن اسانى آنكه خورى كه بردوزخ نيستى بكذرى تفسير : يعنى لا تصل الى الحضور الباقى والحياة الابدية الا بافناء وجودك فى وجود الحق وتبديل الاخلاق الذميمة بالاخلاق الحميدة فاذا جاوزت هذا الصراط الادق وصلت الى الجناب المطلق وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما انه قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يا عبدالله كن فى الدنيا كأنك غريب او عابر سبيل " .تفسير : أى لا تركن اليها ولا تتخذها وطنا ولا نحدث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها ولا تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب فى غير وطنه ولا تشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريب الذى يريد الذهاب الى اهله "حديث : وعد نفسك من اصحاب القبور " .تفسير : وفيه اشارة الى الفناء عن اضافة الوجود الى نفسه بل الوجود كله لله تعالى فالبدن للروح بمنزلة القبر للميت فكما ان الميت فى قبره يسلم لامر مولاه ولا يتعرض الى شىء اصلا كذلك ينبغى ان لا يتعرض العبد لشىء من الآفات البدنية والقلبية بل يدور حيث اوقفه الله من الفطرة الاصلية والشهود التام وقل من سلم من هذه الآفات الا ان العبد بالتوبة يتدراك ما فات فاياك ان ترخص لنفسك فى فعل شر فاذا قد فتحت بابه فاول الشر الخطرة كما ان اول السيل قطره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما بال اقوام يشرفون المسرفين ويستخفون بالعابدين ويعملون بالقرآن ما وافق اهواءهم وما خالف اهواءهم تركوه فعند ذلك يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض يسعون فيما يدرك من القدر المحتوم والرزق المقسوم والاجل المكتوب ولا يسعون فيما لا يدرك الا بالسعى من الاجر الموفور والسعى المشكور والتجارة التى لا تبور ".تفسير : فاذا وقفت على هذا جعلت سعيك للآخرة لا للدنيا بل لم تطلب من الله الا الله رزقنا الله واياكم ذلك آمين.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: إلا مَن تاب من بعد الردة، فأسلم وأصلح ما أفسد، {فإن الله غفور} له فيما فعل، {رحيم} به حيث تاب. ولمّأ نزلت الآية حملها إليه رجلٌ من قومه وقرأها عليه، فقال الحارث: إنك ولله فيما علمت لصدوق، وإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لأصدق منك، وإن الله - تعالى - لأصدق الثلاثة، فرجع الحارث إلى المدينة، فأسلم وحَسُن إسلامُه. الإشارة: كل مَن ابتغى الخصوصية من غير أهلها، أو ادعاها ولم يأخذْها من معدنها، فلن تُقبل منه، وهو عند القوم من الخاسرين في طريق الخصوص، فكل من لا شيخ له في هذا الشأن فهو لقيط، لا أب له، دَعِيٍّ، لا نسب له. والمراد بأهلها: العارفون بالله، أهلُ الفناء والبقاء، أهل الجذب والسلوك، أهل السكر والصحو، الذين شربوا الخمر فسكروا ثم صحوا وتكملوا، فمعدنُ الخصوصية عند هؤلاء، فكل من لم يصحبهم ولم يشرب من خمرتهم، لا يُقتدى به، ولو بلغ من الكرامة ما بلغ، وأخسرُ مِنْ صحب أهل هذه الخمرة، وشهد بأن طريقهم حق، ثم رجع عنها، فهذا مغبون ملعون عند كافة الخلق، أي: مطرود عن شهود الحق، إلا مَن تاب ورجع إلى صحبتهم والأدب معهم، فإن الله غفور رحيم.

الطوسي

تفسير : المعنى: إن قيل إذا كانت التوبة من الذنب لا تصلح إلا بعد فعله، فلم قال: {من بعد ذلك}؟ قيل فائدته أنه يفيد معنى تابوا منه، لأن توبتهم من غيره لا تنفع في التخلص منه، كما لا تنفع التوبة من الكبير في التخلص من الصغير، فأما من قال: إن التوبة من معصية لا تصح مع الاقامة على معصية أخرى، فانه يقول ذلك على وجه التأكيد، فان قيل: إذا كانت التوبة وحدها تسقط العقاب وتحصل الثواب فلم شرط معها الاصلاح؟ قيل الوجه في ذلك إزالة الابهام لئلا يعتقد، أنه إذا حصل الايمان، والتوبة من الكفر لا يضر معه شيء من أفعال القبائح، كقوله: {أية : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون}تفسير : فذكر مع الايمان عمل الصالحات، لازالة الايهام بأن من كان مؤمناً في الحكم، لم يضره مع ذلك ما عمله من المعاصي. وقبول التوبة واجب، لأنها طاعة واستحقاق الثواب بها ثابت عقلا، فأما سقوط العقاب عندها، فانما هو تفضل من الله، ولولا أن السمع ورد بذلك, وإلا، فلا دلالة في العقل على ذلك. وقوله: {فإن الله غفور رحيم} دخلت الفاء لشبهه بالجزاء، إذا كان الكلام قد تضمن معنى إن تابوا {فإن الله غفور رحيم} أي يغفر لهم وليست في موضع خبر الذين، لأن الذين في موضع نصب بالاستثناء من الجملة الأولى التي هي قوله: {أولئك عليهم لعنة الله....} الآية، وذكر المغفرة في الآية دليل على أن اسقاط العقاب بالتوبة تفضل، لأنه لو كان واجباً لما استحق بذلك الاثم بأنه غفور، لأنه لا يقال هو غفور إلا فيما له المؤاخذة، فأما ما لا يجوز المؤاخذة به فلا يجوز تعليقه بالمغفرة.

الجنابذي

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} الكفر بعد الاسلام {وَأَصْلَحُواْ} ما افسدوه حين الكفر وهو استثناء من (قوماً) او من (اولئك) لا عن فاعل (خالدين) ولا عن المجرور فى قوله (عنهم) ولا عن مرفوع (ينظرون) لايهام الكلّ خلاف المقصود والمعنى اولئك عليهم لعنة الله الاّ الّذين تابوا منهم لانّهم كما سبق ما قطعوا الحبل من الله المقتضى لاستعداد التّوبة ويقبل الله توبتهم {فَإِنَّ الله غَفُورٌ} يغفر مساوِئهم بعد رجوعهم اليه {رَّحِيمٌ} يتفضّل عليهم ويرحمهم بعد مغفرتهم. روى انّ نزول الآية فى رجلٍ من الانصار ارتدّ بواسطة قتل وقع منه ولحق بمكّة ثمّ ندم وارسل الى قومه ان سألوا رسول الله (ص) فنزلت فرجع الى المدينة وحسن اسلامه، لكنّها تجرى فى كلّ من ارتدّ بانكار الله او الرّسول او بعض احكامه او بعض اقواله.

اطفيش

تفسير : {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ}: أى من بعد كفرهم، بعد الإيمان. {وَأَصْلَحُواْ}: عملهم بعد ذلك، أى أتوا به صالحاً مستأنفاً، كما تقول: أدر جيب القميص، أى اصنعه مداراً، أو دخلوا فى الصلاح، وأصلحوا ما أفسدوا قبل الارتداد وبعد الارتداد، وقد اختلفوا فى المرتد: هل يمحى عنه ما عمل من الذنوب، قبل الردة وفيها من الذنوب إذا أسلم. {فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ}: لذنوبهم فلا يعاقبهم. {رَّحِيمٌ}: لهم بالجنة، روى أن الحارث بن سويد لما ارتد ولحق بمكة ندم فأرسل إلى قومه أن اسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لى من توبة؟ فسألوا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {إلاّ الَّذِيِنَ تَابُوا} فبعث إليه بها أخوه الجلاس مع رجل من قومه، وقرأ عليه، فقال الحارث: والله إنك فيما علمت لصدوق، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق منك وإن الله عز وجل لأصدق الثلاثة، فرجع الحارث إلى المدينة، وتاب وأسلم قال مجاهد: وحسن إسلامه.

اطفيش

تفسير : {إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا} من الكفر الأصيل، أو من كفر الردة، فالاستثناء متصل، كأنه قيل، الكفرة ملعونون، كفرا أصيلا أو كفر ردة،، إلا من تاب منهم فلا لعن عليه، فلا حاجة إلى جعله منقطعا {بَعْدِ ذَلِكَ} الارتداد أو الكفر مطلقا {وَأَصْلَحُوا} أى اعتقادهم وأعمالهم مع الخالق والمخلوق، أو دخلوا فى الإصلاح {فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لهم ولكل مذنب تائب، نزلت الآية فى الحارث بن سويد، كما أخرجه النسائى عن ابن عباس، رضى الله عنهما، ارتد، فلحق بمكة، وندم، فأرسل إلى قومه أن يسألوا النبى صلى الله عليه وسلم، هل له من توبة، فسألوه صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، فبعث بها إليه أخوه الحلاس، بضم وتخفيف، وقيل بالتشديد، مع رجل من قومه، فأقبل إلى المدينة تائبا، فقبله النبى صلى الله عليه وسلم، وحسن إسلامه، وخصوص السبب لا ينافى ظوم الحكم المفاد باللفظ العام.

الالوسي

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } أي الكفر الذي ارتكبوه بعد الإيمان {وَأَصْلَحُواْ } أي دخلوا في الصلاح بناءاً على أن الفعل لازم من قبيل ـ أصبحوا ـ أي دخلوا في الصباح، ويجوز أن يكون متعدياً والمفعول محذوف ـ أي أصلحوا ما أفسدوا ـ ففيه إشارة كما قيل إلى أن مجرد الندم على ما مضى من الارتداد، والعزم على تركه في الاستقبال غير كاف لما أخلوا به من الحقوق، واعترض بأن مجرد التوبة يوجب تخفيف العذاب ونظر الحق إليهم، فالظاهر أنه ليس تقييداً بل بيان لأن يصلح ما فسد. وأجيب بأنه ليس بوارد لأن مجرد الندم والعزم/ على ترك الكفر في المستقبل لا يخرجه منه فهو بيان للتوبة المعتد بها، فالمآل واحد عند التحقيق. {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي فيغفر كفرهم ويثيبهم، وقيل: {غَفُورٌ } لهم في الدنيا بالستر على قبائحهم {رَّحِيمٌ } بهم في الآخرة بالعفو عنهم ـ ولا يخفى بعده ـ والجملة تعليل لما دل عليه الاستثناء.

د. أسعد حومد

تفسير : (89) - وَمِنْ لُطْفِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ أنَّ مَنْ تَابَ إِلَيهِ مِنْ عِبَادِهِ، تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، فَاسْتَثْنَى، اللهُ تَعَالَى مِنْ حُكْمِ المُرْتَدِّينَ، الذِينَ تَابُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَأَنَابُوا إلى رَبِّهِمْ، وَتَرَكُوا الكُفْرَ الذِي دَنَّسُوا بِهِ أنْفُسَهُمْ، نَادِمِينَ عَلَى مَا أصَابُوا مِنْهُ، وَأصْلَحُوا أَنْفُسَهُمْ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ، فَإنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيهِمْ، وَيَقْبَلُ تَوْبَتَهُمْ، وَيَغْفِرُ لَهُمْ لأنَّهُ تَعَالَى هُوَ الغَفُوُرُ الرَّحِيمُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والحق سبحانه وتعالى هو الخالق للخلق كلهم، يحب أن يكونوا على ما يود ويحب؛ لأنهم صنعة الله فهو سبحانه وتعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين. وقد أمر عباده أن يتوبوا إليه توبة نصوحاً أي توبة صادقة خالصة لا رجوع فيها هذه التوبة تتسم بالإقلاع عن الذنب والندم على ما فات والعزم على عدم العودة للذنب مرة أخرى ورد المظالم لأصحابها إن كانت هناك مظالم. وقد قال صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ". تفسير : وهكذا أوجد الحق تشريع التوبة بهدف إصلاح الكون؛ لأن الله لو لم يشرع التوبة لمن أذنب فإن من غفل عن منهج الله ولو مرة واحدة قد يصير في نظر نفسه ضائعاً فاسداً مرتكباً لكل الحماقات، فكأن الله بتشريع التوبة قد ضمن لصاحب الإسراف على نفسه في ذنب أن يعود إلى الله، كما يرحم المجتمع من شرور إنسان فاسد، إذن فتشريع التوبة إنما جاء لصالح الكون، ولصالح الإنسان لينعم بمحبة الله، لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 89]. فبرغم كفرهم السابق إلا أن الله برحمته لا يدخلهم في الوعيد؛ إنهم مطالبون بالتوبة والإصلاح، ومعنى كلمة "أصلح" أنه زاد شيئاً صالحاً على صلاحه. والكون ليس فيه شيء فاسد. اللهم إلا ما ينشأ عن فعل اختياري من الإنسان وعلى التائب أن يزيد من الصلاح في الكون، وهكذا نضمن ألا يجيء التائب إلى الشيء فيفسده؛ لأن من يريد أن يزيد الصالح صلاحاً، لن يفسد الشيء الصالح. وربما كان هؤلاء الذين أسرفوا على أنفسهم في لحظة من لحظات غفلة وعيهم الإيماني ساعة يذكرون الذنب أو الجريرة التي اقترفوها بالنسبة لدينهم، يحاولون أن يجدِّوا ويسارعوا في أمر صالح حتى يَجْبُر الله كسر معصيتهم السابقة بطاعتهم اللاحقة. ولذلك تجد كثيراً من الناس الذين يتحمسون للإصلاح وللخير، هم أناس قد تكون فيهم زاوية من زوايا الإسراف على نفوسهم في شيء، وبعد ذلك يتجهون لعمل الخيرات في مجالات كثيرة جداً، كأن الله يقول لكل منهم: أنت اختلست من محارمي شيئاً وأنا سآخذك إلى حلائلي، إنه الحق يجعل من معصية الفرد السابقة سياطاً دائمة تلهب ضميره فيتجه إلى الخير، فيتصدق على الفقراء، وربما كان أهل الطاعة الرتيبة ليس في حياتهم مثل هذه السياط. ولكن الذين أسرفوا على أنفسهم هم الذين تلهبهم تلك السياط، فساعة يرى الواحد منكم إنساناً قد أسرف على نفسه فليدع الله له بالهداية، واعلم تمام العلم أن الله سيُسَخِّر منه ما يفعل به الخير؛ لأن أحدا لن يسرق الكون من خالقه أبداً. وهذا ينطبق على من قال عنهم الله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ} [آل عمران: 89] (وأصلحوا) أي عملوا صلاحات كثيرة لأن حرارة إسرافهم على نفوسهم تلهب ظهورهم دائماً، فهم يريدون أن يصنعوا دائماً أشياء لاحقة تستر انحرافاتهم السابقة وتذهبها. وبعد ذلك يقول الحق: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّن ...}.