٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
90
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: اختلفوا فيما به يزداد الكفر، والضابط أن المرتد يكون فاعلاً للزيادة بأن يقيم ويصر فيكون الإصرار كالزيادة، وقد يكون فاعلاً للزيادة بأن يضم إلى ذلك الكفر كفراً آخر، وعلى هذا التقدير الثاني ذكروا فيه وجوهاً الأول: أن أهل الكتاب كانوا مؤمنين بمحمد عليه الصلاة والسلام قبل مبعثه، ثم كفروا به عند المبعث، ثم ازدادوا كفراً بسبب طعنهم فيه في كل وقت، ونقضهم ميثاقه، وفتنتهم للمؤمنين، وإنكارهم لكل معجزة تظهر الثاني: أن اليهود كانوا مؤمنين بموسى عليه السلام، ثم كفروا بسبب إنكارهم عيسى والإنجيل، ثم ازدادوا كفراً، بسبب إنكارهم محمداً عليه الصلاة والسلام والقرآن والثالث: أن الآية نزلت في الذين ارتدوا وذهبوا إلى مكة، وازديادهم الكفر أنهم قالوا: نقيم بمكة نتربص بمحمد صلى الله عليه وسلم ريب المنون الرابع: المراد فرقة ارتدوا، ثم عزموا على الرجوع إلى الإسلام على سبيل النفاق، فسمى الله تعالى ذلك النفاق كفراً. المسألة الثانية: أنه تعالى حكم في الآية الأولى بقبول توبة المرتدين، وحكم في هذه الآية بعدم قبولها وهو يوهم التناقض، وأيضاً ثبت بالدليل أنه متى وجدت التوبة بشروطها فإنها تكون مقبولة لا محالة، فلهذا اختلف المفسرون في تفسير قوله تعالى: {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } على وجوه؛ الأول: قال الحسن وقتادة وعطاء: السبب أنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت والله تعالى يقول: {أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَـٰتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنّى تُبْتُ ٱلآنَ } تفسير : [النساء: 18] الثاني: أن يحمل هذا على ما إذا تابوا باللسان ولم يحصل في قلوبهم إخلاص الثالث: قال القاضي والقفال وابن الأنباري: أنه تعالى لما قدم ذكر من كفر بعد الإيمان، وبيّن أنه أهل اللعنة، إلا أن يتوب ذكر في هذه الآية أنه لو كفر مرة أخرى بعد تلك التوبة فإن التوبة الأولى تصير غير مقبولة وتصير كأنها لم تكن، قال وهذا الوجه أليق بالآية من سائر الوجوه لأن التقدير: إلا الذين تابوا وأصلحوا فإن الله غفور رحيم، فإن كانوا كذلك ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم، الرابع: قال صاحب «الكشاف»: قوله {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } جعل كناية عن الموت على الكفر، لأن الذي لا تقبل توبته من الكفار هو الذي يموت على الكفر، كأنه قيل إن اليهود والمرتدين الذين فعلوا ما فعلوا مائتون على الكفر داخلون في جملة من لا تقبل توبتهم الخامس: لعلّ المراد ما إذا تابوا عن تلك الزيادة فقط فإن التوبة عن تلك الزيادة لا تصير مقبولة ما لم تحصل التوبة عن الأصل، وأقول: جملة هذه الجوابات إنما تتمشى على ما إذا حملنا قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْرًا } على المعهود السابق لا على الاستغراق وإلا فكم من مرتد تاب عن ارتداده توبة صحيحة مقرونة بالإخلاص في زمان التكليف، فأما الجواب الذي حكيناه عن القفال والقاضي فهو جواب مطرد سواء حملنا اللفظ على المعهود السابق أو على الاستغراق. أما قوله {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلضَّالُّونَ } ففيه سؤالان الأول: {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلضَّالُّونَ } ينفي كون غيرهم ضالاً، وليس الأمر كذلك فإن كل كافر فهو ضال سواء كفر بعد الإيمان أو كان كافراً في الأصل والجواب: هذا محمول على أنهم هم الضالون على سبيل الكمال. السؤال الثاني: وصفهم أولاً بالتمادي على الكفر والغلو فيه والكفر أقبح أنواع الضلال والوصف إنما يراد للمبالغة، والمبالغة إنما تحصل بوصف الشيء بما هو أقوى حالاً منه لا بما هو أضعف حالاً منه والجواب: قد ذكرنا أن المراد أنهم هم الضالون على سبيل الكمال، وعلى هذا التقدير تحصل المبالغة.
القرطبي
تفسير : قال قتادة وعطاء الخراسانيّ والحسن: نزلت في اليهود كفروا بعيسى والإنجيل، ثم ٱزدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. وقال أبو العالية: نزلت في اليهود والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بنعته وصفته، {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً} بإقامتهم على كفرهم. وقيل: {ٱزْدَادُواْ كُفْراً} بالذنوب التي ٱكتسبوها. وهذا ٱختيار الطبري، وهي عنده في اليهود. {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} مشكل لقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ}تفسير : [الشورى: 25] فقيل: المعنى لن تقبل توبتهم عند الموت. قال النحاس: وهذا قول حسن؛ كما قال عز وجل: {أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ} تفسير : [النساء: 18]. ورُوي عن الحسن وقتادة وعطاء. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله يقبل توبة العبد مالم يُغَرْغر»تفسير : . وسيأتي في «النساء» بيان هذا المعنى. وقيل: {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُم} التي كانوا عليها قبل أن يكفروا؛ لأن الكفر قد أحبطها. وقيل: {لن تقبل توبتهم} إذا تابوا من كفرهم إلى كفر آخر؛ وإنما تقبل توبتهم إذا تابوا إلى الإسلام. وقال قطرب. هذه الآية نزلت في قوم من أهل مكة قالوا: نتربص بمحمد ريب المنون، فإن بدا لنا الرّجعة رجعنا إلى قومنا. فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} أي لن تقبل توبتهم وهم مقيمون على الكفر؛ فسماها توبة غير مقبولة؛ لأنه لم يصح من القوم عزم، والله عز وجل يقبل التوبة كلها إذا صحّ العزم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى متوعداً ومهدداً لمن كفر بعد إيمانه، ثم ازداد كفراً، أي: استمر عليه إلى الممات، ومخبراً بأنهم لن تقبل لهم توبة عند الممات، كما قال تعالى: {أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَـٰتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} تفسير : [النساء: 18] الآية، ولهذا قال ههنا: {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ} أي: الخارجون عن المنهج الحق إلى طريق الغي، قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا يزيد ابن زريع، حدثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن قوماً أسلموا، ثم ارتدوا، ثم أسلموا، ثم ارتدوا، فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} تفسير : [آل عمران: 90] وهكذا رواه، وإسناده جيد، ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ} أي: من مات على الكفر، فلن يقبل منه خير أبداً، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهباً فيما يراه قربة، كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن جدعان، وكان يقري الضيف، ويفك العاني، ويطعم الطعام: هل ينفعه ذلك؟ فقال: «حديث : لا، إنه لم يقل يوماً من الدهر: ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين» تفسير : وكذلك لو افتدى بملء الأرض ذهباً ما قبل منه، كما قال تعالى: {أية : وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَـٰعَةٌ} تفسير : [البقرة: 123] وقال: {أية : لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلَـٰلٌ} تفسير : [إبراهيم: 31]، وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [المائدة: 36]. ولهذا قال تعالى ههنا: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ} فعطف {وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ} على الأول، فدل على أنه غيره، وما ذكرناه أحسن من أن يقال: إن الواو زائدة، والله أعلم، ويقتضي ذلك أن لا ينقذه من عذاب الله شيء، ولو كان قد أنفق مثل الأرض ذهباً، ولو افتدى نفسه من الله بملء الأرض ذهباً، بوزن جبالها وتلالها وترابها ورمالها وسهلها ووعرها وبرها وبحرها، وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثني شعبة عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء، أكنت مفتدياً به؟ قال: فيقول: نعم، فيقول الله: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئاً، فأبيت إلا أن تشرك» تفسير : وهكذا أخرجاه البخاري ومسلم. (طريق أخرى) وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا حماد عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يؤتى بالرجل من أهل الجنة، فيقول له: يا ابن آدم، كيف وجدت منزلك؟ فيقول: أي رب خير منزل، فيقول: سل وتمن، فيقول: ما أسأل ولا أتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا، فأقتل في سبيلك عشر مرار؛ لما يرى من فضل الشهادة، ويؤتى بالرجل من أهل النار، فيقول له: يا ابن آدم، كيف وجدت منزلك؟ فيقول: يا رب شر منزل، فيقول له: أتفتدي مني بطلاع الأرض ذهباً؟ فيقول: أي رب نعم، فيقول: كذبت، قد سألتك أقل من ذلك وأيسر، فلم تفعل، فيرد إلى النار»تفسير : . ولهذا قال: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّـٰصِرِينَ} أي: وما لهم من أحد ينقذهم من عذاب الله، ولا يجيرهم من أليم عقابه.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل في اليهود {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بعيسى {بَعْدَ إِيمَٰنِهِمْ } بموسى {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً } بمحمد {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } إذا غرغروا أو ماتوا كفاراً {وَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ }.
ابن عطية
تفسير : اختلف المتأولون في كيف يترتب كفر بعد إيمان، ثم زيادة كفر، فقال الحسن وقتادة وغيرهما: الآية في اليهود كفروا بعيسى بعد الإيمان بموسى ثم {ازدادوا كفراً} بمحمد صلى الله عليه وسلم. قال الإمام أبو محمد: وفي هذا القول اضطراب، لأن الذي كفر بعيسى بعد الإيمان بموسى ليس بالذي كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فالآية على هذا التأويل تخلط الأسلاف بالمخاطبين، وقال أبو العالية رفيع: الآية في اليهود، كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بصفاته وإقرارهم أنها في التوراة. ثم ازدادوا كفراً بالذنوب التي أصابوها في خلاف النبي صلى الله عليه وسلم، من الافتراء والبهت والسعي على الإسلام وغير ذلك. قال الإمام أبو محمد: وعلى هذا الترتيب يدخل في الآية المرتدون اللاحقون بقريش وغيرهم، وقال مجاهد: معنى قوله {ثم ازدادوا كفراً} أي تموا على كفرهم وبلغوا الموت به، فيدخل في هذا القول اليهود والمرتدون، وقال السدي نحوه، ثم أخبر تعالى أن توبة هؤلاء لن تقبل، وقد قررت الشريعة أن توبة كل كافر تقبل، سواء كفر بعد إيمان وازداد كفراً، أو كان كافراً من أول أمره، فلا بد في هذه الآية من تخصيص تحمل عليه ويصح به نفي قبول التوبة فقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: نفي قبول توبتهم مختص بوقت الحشرجة الغرغرة والمعاينة، فالمعنى {لن تقبل توبتهم} عند المعاينة، وقال أبو العالية: معنى الآية: لن تقبل توبتهم من تلك الذنوب التي أصابوها مع إقامتهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يقولون في بعض الأحيان: نحن نتوب من هذه الأفعال، وهم مقيمون على كفرهم، فأخبر الله تعالى، أنه لا يقبل تلك التوبة. قال الفقيه الإمام: وتحتمل الآية عندي أن تكون إشارة إلى قوم بأعيانهم من المرتدين ختم الله عليهم بالكفر، وجعل ذلك جزاء لجريمتهم ونكايتهم في الدين، وهم الذين أشار إليهم بقوله {أية : كيف يهدي الله قوماً} تفسير : [آل عمران: 86] فأخبر عنهم أنهم لا تكون لهم توبة فيتصور قبولها، فتجيء الآية بمنزلة قول الشاعر: شعر : (على لاحب لا يهتدى بمناره) تفسير : أي قد جعلهم الله من سخطه في حيز من لا تقبل له توبة إذ ليست لهم، فهم لا محالة يموتون على الكفر، ولذلك بيّن حكم الذين يموتون كفاراً بعقب الآية، فبانت منزلة هؤلاء، فكأنه أخبر عن هؤلاء المعينين، أنهم يموتون كفاراً، ثم أخبر الناس عن حكم من يموت كافراً و {الضالون} المخطئون الطريق القويم في الأقوال والأفعال، وقرأ عكرمة: "لن نقبل" بنون العظمة "توبتَهم" بنصب التاء. وقوله تعالى: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار} الآية، جزم للحكم على كل مواف على الكفر إلى يوم القيامة، وقرأ عكرمة: "فلن نقبل" بنون العظمة "ملء الأرض" بالنصب، و"الملء" ما شحن به الوعاء، فهو بكسر الميم الاسم وبفتحها المصدر، تقول ملأت الشيء أملؤه مَلأً والملء اسم ما ملأت به، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وأبو السمال: "مل" دون همزة، ورويت عن نافع و {ذهباً} نصب على التمييز، وقرأ ابن أبي عبلة: "ذهباً لو افتدى به"، دون واو، واختلف الناس في هذه الآية في قوله {ولو افتدى} فقال الطبري: هي متعلقة بمحذوف في آخر الكلام دل عليه دخول الواو، كما دخلت في قوله {أية : وليكون من الموقنين} تفسير : [الأنعام: 75] لمتروك من الكلام، تقديره، وليكون من الموقنين أريناه ملكوت السماوات والأرض. قال الفقيه الإمام: وفي هذا التمثيل نظر فتأمله، وقال الزّجاج: المعنى: لن يقبل من أحدهم إنفاقه وتقرباته في الدنيا "ولو أنفق ملء الأرض ذهباً ولو افتدى" أيضاً به في الآخرة لم يقبل منه، قال: فأعلم الله أنه لا يثيبهم على أعمالهم من الخير، ولا يقبل منهم الافتداء من العذاب. قال الفقيه الإمام أبو محمد: وهذا قول حسن: وقال قوم: الواو زائدة وهذا قول مردود، ويحتمل أن يكون المعنى نفي القبول جملة على كل الوجوه، ثم خص من تلك الوجوه أليقها وأحراها بالقبول، كما تقول: أنا لا أفعل لك كذا بوجه، ولو رغبت إليَّ، وباقي الآية وعيد بيّن.
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِينَ كَفَرُواْ} اليهود كفروا بالمسيح. {ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا} بمحمد صلى الله عليه وسلم. {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} عند الموت، أو أهل الكتاب لا تقبل توبتهم من ذنوبهم مع إصرارهم على كفرهم، أو هم مرتدون عزموا على إظهار التوبة تورية فأطلع الله ـ تعالى ـ الرسول صلى الله عليه وسلم على سرهم أو اليهود والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم به قبل بعثه، ثم ازدادوا كفراً إلى حضور آجالهم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْرًا...} الآية: قال أبو العَالِيَة رُفَيْعٌ: الآيةُ في اليهودِ كَفَرْوا بمحمَّد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بصفاته، وإقرارِهِمْ أنها في التَّوراة، ثم ٱزدادوا كُفْراً؛ بالذُّنوبِ الَّتي أصابوها في خلافِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ مِنَ الافتراءِ، والبَهْتِ، والسَّعْي على الإسلام، وغير ذلك. قال * ع *: وعلَىٰ هذا الترتيبِ يَدْخُلُ في الآية: المرتدُّون اللاحقون بقُرَيْش، وغيرُهم. وقال مجاهد: معنى قوله: {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً}، أي: أتموا علَىٰ كُفْرهم، وبلغوا المَوْت به. قال * ع *: فيدخُلُ في هذا القولِ: اليهودُ، والمرتدُّون، وقال السُّدِّيُّ نحوه، ثم أخبر تعالَىٰ أنَّ توبة هؤلاءِ لَنْ تقبَل، وقد قررت الشريعةُ؛ أنَّ توبة كلِّ كافر تقبل، فلا بُدَّ في هذه الآيةِ مِنْ تخصيصٍ تُحْمَلُ عليه، ويصحُّ به نَفْيُ قبولِ التَّوبة، فقال الحسن وغيره: المعنَىٰ: لَنْ تُقْبَلَ توبتُهم عنْدَ الغَرْغَرَةِ والمعاينة، وقال أبو العاليَةِ: المعنَىٰ: لَنْ تُقْبَلَ توبتْهم مِنْ تلك الذُّنُوبِ الَّتي أصابُوها مع إقامتهم على كُفْرهم بمحمَّد صلى الله عليه وسلم. قال * ع *: وتحتملُ الآية عنْدي أنْ تكونَ إشارةً إلَىٰ قومٍ بأعيانهم من المرتدِّين، وهم الذين أشار إلَيْهم بقوله سبحانه: {أية : كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً}تفسير : [آل عمران:86]، فأخبر عنهم أنَّه لا تكونُ منهم توبَةٌ، فيتصوَّر قبولها؛ فكأنه أخبر عن هؤلاء المعيَّنين؛ أنهم يموتون كُفَّاراً، ثم أخبر الناسَ عَنْ حُكْم كلِّ مَنْ يموت كافراً، والمِلْء: ما شُحِنَ به الوعاء، وقوله: {وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ}، قال الزَّجَّاج: المعنَىٰ: لَنْ يقبلَ منْ أحدهم إنفاقُهُ وتقرُّباته في الدُّنْيَا، ولو أنفق مِلْءَ الأرْض ذَهَباً، ولو ٱفتَدَىٰ أيضًا به في الآخرة، لَنْ يقبَل منْه، قال: فأَعْلَمَ اللَّهُ أنه لا يُثِيبُهُم علَىٰ أعمالهم من الخَيْر، ولا يقبل منهم الافتداء من العذاب. قال * ع *: وهذا قولٌ حسَنٌ، وقال قوم: الواو زائدةٌ، وهذا قولٌ مردودٌ، ويحتملُ المعنَىٰ نفْيَ القَبُول علَىٰ كلِّ وجه، ثم خص مِنْ تلك الوجوهِ أليقها وأحراها بالقَبُول، وباقي الآية وعيدٌ بَيِّن، عافانا اللَّه من عقابِهِ، وخَتَمَ لنا بما خَتَمَ به للصَّالحين من عباده. وقوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ...} الآية: خطابٌ لجميعِ المؤمنين، فتحتملُ الآية أنْ يريد لَنْ تنالوا بِرَّ اللَّه بكُمْ، أي: رحمتَهُ ولُطْفَه، ويحتملُ أنْ يريد لَنْ تنالوا درجَةَ الكمالِ مِنْ فعْلِ البِرِّ؛ حتى تكونُوا أبراراً إلاَّ بالإنفاقِ المُنْضَافِ إلى سائر أعمالكم. قال * ص *: قوله: {مِمَّا تُحِبُّونَ}: «مِنْ»: للتبعيضِ؛ تدلُّ عليه قراءةُ عبْد اللَّهِ: «بَعْضِ مَا تُحِبُّونَ» اهـــ. قال الغَزَّالِيُّ: قال نافعٌ: كانَ ابْنُ عُمَرَ مريضاً، فٱشتهَىٰ سَمَكَةً طَرِيَّةً، فحملتْ إلَيْه علَىٰ رغيفٍ، فقام سائلٌ بالبابِ، فأمر بدفعها إلَيْه، ثم قَالَ: سمعْتُ رسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «حديث : أَيُّمَا ٱمْرِىءٍ ٱشْتَهَىٰ شَهْوَةً، فَرَدَّ شَهْوَتَهُ، وآثَرَ عَلَىٰ نَفْسِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ»تفسير : اهـــ من «الإِحياء». قال * ع *: وبسبب نزول هذه الآيةِ تَصَدَّقَ أبو طَلْحَةَ بحائِطِه المسمَّىٰ بَيْرَحاً، وتصدَّق زيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بفَرَسٍ كان يحبُّها، وكان عبد اللَّه بنُ عُمَرَ يشْتَهِي أكْلَ السُّكَّر باللّوز، فكان يَشْتَرِي ذلك، ويَتصدَّق به. قال الفَخْر: والصحيحُ أنَّ هذه الآية في إيتاء المالِ علَىٰ طريق النَّدْب، لا أنها في الزكاة الواجِبَةِ. اهـــ. وقوله سبحانه: {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} شرطٌ وجوابٌ فيه وعْد، أي: عليمٌ مُجَازٍ به، وإن قَلَّ. وقوله تعالى: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِي إِسْرٰءيلَ...} الآية إخبارٌ بمَغِيَّب عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم لا يعلمه إلا اللَّه، وعُلَماءُ أهْلِ الكِتَابِ، وحِلاَّ: معناه: حَلاَلاً، والآيةُ ردُّ على اليهودِ في زَعْمهم؛ أنَّ كُلَّ ما حَرَّموه علَىٰ أنفسهم؛ أنه بأمر اللَّه تعالَىٰ في التوراة، فأكذبهم اللَّه تعالَىٰ بهذه الآية، وقوله سبحانه: {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ}، أي: فهو محرَّم عليهم في التَّوْراة، لا هذه الزوائد التي ٱفتَرَوْهَا. وقال الفَخْر: قوله تعالَىٰ: {مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ}، المعنَىٰ: أنَّ قَبْلَ نُزُولِ التوراةِ كان حَلاَلاً لبني إسرائيل كُلُّ أنواعِ المطْعُوماتِ سِوَىٰ ما حرَّمه إسرائيلُ علَىٰ نفسه، فأما بعد نزولِ التوراةِ، فلم يَبْقَ الأمرُ كذلك، بل حَرَّم اللَّه عليهمْ أنواعاً كثيرةً بسبب بَغْيِهِمْ، وذلك هو عَيْنُ النَّسْخِ الذي هُمْ له مُنْكِرُونَ. اهـــ. قال * ع *: ولم يختلفُ فيما علمتُ أنَّ سبَبَ تحريمِ يَعْقُوبَ ما حرَّمه علَىٰ نَفْسِهِ هو بمَرَضٍ أصابه، فَجَعَلَ تحريمَ ذلِكَ شُكْراً للَّه، إنْ شُفِيَ، وقيل: هو وَجَعُ عِرْقِ النَّسَا، وفي حديثٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ عِصَابَةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ، قَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، مَا الَّذِي حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ؟ فَقَالَ لَهُمْ: أُنْشِدُكُمْ بِاللَّه! هَلْ تَعْلَمُونَ؛ أنَّ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً، فَطَالَ سَقَمُهُ مِنْهُ، فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْراً، إنْ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ، لَيُحْرِّمَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ، وَكَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إلَيْهِ لُحُومَ الإبِلِ، وَأَحَبُّ الشَّرَابِ إلَيْهِ أَلْبَانَهَا؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ، نَعَمْ».تفسير : قال * ع *: وظاهرُ الأحاديثِ والتفاسيرِ في هذا الأمْرِ أنَّ يعقوبَ ـــ عليه السلام ــــ حَرَّم لُحوم الإبلِ وألْبَانَهَا، وهو يحبُّها؛ تقرُّباً بذلك؛ إذْ ترك الترفُّه والتنعُّم من القُرَبِ، وهذا هو الزهْدُ في الدُّنْيا، وإليه نَحَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ (رضي اللَّه عنه)؛ بقوله: «إيَّاكُمْ وهذه المَجَازِرَ؛ فإنَّ لها ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الخَمْرِ»؛ ومِنْ ذلك قولُ أبِي حَازِمٍ الزاهِدِ، وقدْ مَرَّ بسُوقِ الفَاكِهَةِ، فرأَىٰ مَحَاسِنَهَا، فقَالَ: مَوْعِدُكَ الجَنَّةُ، إنْ شَاءَ اللَّهِ. وقوله عز وجل: {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ...} الآية: قال الزَّجَّاج. وفي هذا تعجيزٌ لهم، وإقامةٌ للحجة علَيْهم.
ابن عادل
تفسير : قوله: "كفراً" تمييز منقول من الفاعلية، والأصل: ثم ازداد كفرُهم، والدال الأولى بدل من تاء الافتعال؛ لوقوعها بعد الزاي، كذا أعربه أبو حيان، وفيه نظر؛ إذ المعنى على أنه مفعول به، وهي أن الفعل المتعدي لاثنين إذا جُعِل مطاوعاً نقص مفعولاً، وهذا من ذاك؛ لأن الأصل: زدت زيداً خيراً فازداده، وكذلك أصل الآيةِ الكريمةِ: زادهم الله كُفراً فازدادوه، فلم يؤت هنا بالفاء داخلةً على "لَنْ" وأتي بها في "لَنْ" الثانية، لأن الفاءَ مُؤذِنَةً بالاستحقاق بالوصف السابق - لأنه قد صَرَّحَ بقَيْد مَوْتِهِم على الكُفْر، بخلاف "لَنِ" الأولى، فإنه لم يُصَرَّحْ معها به فلذلك لم يُؤتَ بالفاء. قال ابن الخطيب: دخول الفاء يدل على أن الكلام مبني على الشرط والجزاء، وعند "عدم" الفاء لم يفهم من الكلام كونه شرطاً وجزاء، تقول: الذي جاءني له درهم، فهذا لا يُفيد أن الدرهم حصل له بسبب المجيء، وذكر التاء يدل على أن عدم قبول الفدية معلل بالموت على الكفر. وقرأ عكرمة "لن نَقْبَلَ" بنون العظمة، ونصب "توبَتَهم" وكذلك قرأ "فلن نقبل من أحدهم ملء" بالنصب. فصل قال القرطبي: قال قتادة والحسن: نزلت هذه الآية في اليهود، كفروا بعيسى عليه السلام، والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم، ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. وقال أبو العالية: نزلت في اليهود والنصارى، كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم لما رأوه بعد إيمانهم بنعته وصفته في كتبهم، ثم ازدادوا كفراً يعني: ذنوباً، يعني: في حال كفرهم. وقال مجاهد: نزلت في جميع الكفار؛ أشركوا بعد إقرارهم بأن الله تعالى خالقُهم، ثم ازدادوا كُفْراً، أي: أقاموا على كُفْرهم حتى هلكوا عليه. وقيل: ازدادوا كُفْراً كلما نزلت آية كفروا بها، فازدادوا كُفْراً. وقيل: ازدادوا بقولهم: نتربص بمحمد ريب النون. وقال الكلبي: نزلت في الأحد عشر أصحاب الحَرْث بن سُوَيْد، لما رجع إلى الإسلام، أقاموا هم على الكفر بمكة، وقالوا: نقيم على الكفر ما بدا لنا، فمتى أردنا الرجعة ينزل فينا ما نزل في الحَرْث، فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكةَ، فمن دخل منهم في الإسلام قُبِلَت توبته، ونزلت فيمن مات منهم كافراً: {أية : إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّار} تفسير : [البقرة: 161] الآية. فإن قيل: قد وعد اللهُ بقبول توبة مَنْ تاب، فما معنى قوله: "فلن تقبل توبتهم"؟ قيل: لن تقبل توبتُهم إذا وقعوا في الحشرجة، كما قال: {أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآن} تفسير : [النساء: 18] قاله الحسنُ وقتادة وعطاء. وقيل: هذا مخصوص بأصحاب الحرث بن سُويد حين أمسكوا عن الإسلام، وقالوا: نتربَّص بمحمد، فإن ساعده الزمان نرجع إلى دينه، لن يقبل ذلك منهم. وقال القاضي والقفال وابنُ الأنباري: إنه - تعالى - لما قدَّم ذِكْر مَنْ كفر بعد الإيمان، وبيَّن أنه أهل اللعنة إلا أن يتوب، ذكر في هذه أنه لو كفر مرةً أخْرَى بعد تلك التوبة الأولى، فإن تلك التوبة الأولى تعتبر غير مقبولة، وتصير كأنها لم تكن. قال: وهذا الوجه أليق بالآية من سائر الوجوه، لأن تقدير الآية: إلا الَّذين تابوا وأصلحوا فإن الله غفور رحيم، فإن كانوا كذلك، ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم. وقال الزمخشري: قوله: "لن تقبل توبتهم" كناية عن الموت على الكفر؛ لأن الذي لا تُقْبَل توبتُه من الكفار هو الذي يموت على الكفر، كأنه قيل: إن اليهود والمرتدين الذين فعلوا ما فعلوا، ميتون على الكفر داخلون في جملة من لا تُقْبَل توبتهم. وقيل: لعلّ المراد ما إذا تابوا عن تلك الزيادة، ولا تصير مقبولة ما لم تحصل التوبة عن الأصل. قال ابن الخطيب: "وهذه الجوابات إنما تتمشى على ما إذا حملنا قوله: "إن الذين كفروا ثم ازدادوا كفراً" على المعهود السابق، لا على الاستغراق، وإلا فكم من مرتد تابَ عن ارتداده توبةً صحيحةً، مقرونة بالإخلاص في زمان التكليف، فأما جواب القفال والقاضي، فهو جواب مطرد، سواء حملنا اللفظ على المعهود السابق، أو على الاستغراق". قوله: "وأولئك هم الضالون" في هذه الجملة ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون في محل رفع؛ عَطْفاً على خبر "إنَّ"، أي: إن الذين كفروا لن تُقْبَلَ توبتُهم، وإنهم أولئك هم الضَّالُّون. الثاني: أن تُجعل معطوفةً على الجملة المؤكَّدة بـ "إنَّ"، وحينئذ فلا محل لها من الإعراب، لعَطْفِها على ما لا محل له. الثالث: هو إعرابها بأن تكون الواو للحال، فالجملة بعدها في محل نصب على الحال، والمعنى: لن تقبل توبتهم من الذنوب، والحال أنهم ضالُّون، فالتوبة والضلال متنافيان، لا يجتمعان، قاله الراغب. وهو بعيد في التركيب، وإن كان قريب المعنى. قال أبو حيان: "وينبو عن هذا المعنى هذا التركيب إذْ لو أريد هذا المعنى لم يُؤتَ باسم الإشارة". فإن قيل: قوله: "وأولئك هم الضالون" ظاهره ينفي عدم كون غيرهم ضالاً، وليس الأمر كذلك؛ بل كل كافر ضال، سواء كفر بعد الإيمان، أو كان كافراً في الأصل، فالجواب: هذا محمول على أنهم هم الضالون على سبيل الكمال. فإن قيل: إنه وصفهم - أولاً - بالكفر والغُلُوِّ فيه، ثم وصفهم - ثانياً - بالضلال، والكفر أقبح أنواع الضلالة، والوصف إنما يراد للمبالغة، والمبالغة إنما تحصل بوصف الشيء بما هو أقوى منه حالاً، لا بما هو أضعف حالاً منه. فالجواب: قد ذكرنا أن المراد منه: أنهم هم الضالُّون على سبيل الكمال، وحينئذ تحصل المبالغة.
السيوطي
تفسير : أخرج البزار عن ابن عباس. أن قوماً أسلموا، ثم ارتدوا، ثم أسلموا، ثم ارتدوا. فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم. فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فنزلت هذه الآية {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً...} الآية. هذا خطأ من البزار. وأخرج ابن جرير عن الحسن في الآية قال: اليهود والنصارى، لن تقبل توبتهم عند الموت. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: هم اليهود، كفروا بالإنجيل وعيسى، ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية في الآية قال: إنها نزلت في اليهود والنصارى، كفروا بعد إيمانهم، ثم ازدادوا كفراً بذنوب أذنبوها، ثم ذهبوا يتوبون من تلك الذنوب في كفرهم، ولو كانوا على الهدى قبلت توبتهم، ولكنهم على ضلالة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {لن تقبل توبتهم} قال: تابوا من الذنوب ولم يتوبوا من الأصل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {ثم ازدادوا كفراً} قال: تموا على كفرهم. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله {ثم ازدادوا كفراً} قال: ماتوا وهم كفار {لن تقبل توبتهم} قال: إذا تاب عند موته لم تقبل توبته.
القشيري
تفسير : الإشارة منه: أن الذين رجعوا إلى أحوال أهل العادة بعد سلوكهم طريق الإرادة، وآثروا الدنيا ومطاوعة الهوى على طلب الحق سبحانه وتعالى، ثم أنكروا على أهل الطريقة، وازدادوا في وحشة ظلماتهم - لن تُقبلَ توبتهم، {وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} عن طريق الحق فإنه لا يقبل الأمانة بعد ظهور الخيانة. وعقوبتهم أنهم على ممر الأيام لا يزدادون إلا نفرة قلب عن الطريقة، ولا يتحسرون على ما فاتهم من صفاء الحالة. ولو أنهم رجعوا عن إصرارهم لها لقُبِلت توبتهم، ولكن الحق سبحانه أجرى سنته مع أصحاب الفترة في هذه الطريقة إذا رجعوا إلى أصول العادة ألا يتأسَّفوا على ما مضى من أوقاتهم. قال تعالى: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [الأنعام: 110] وإن المرتدَّ عن الإسلام لأشدُّ عداوة للمسلمين من الكافر الأصلي، فكذلك الراجع عن هذه الطريقة لأشد إنكاراً لها وأكثر إعراضاً عن أهلها من الأجنبيِّ عنها.
البقلي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ} اى من كوشف له من مقامات الاول شئ وصدق به وأمن باحوالهم وكراماتهم ثم كذبهم عن ايمانه بهم بسبب اوعلة اوفراد من مجاهداتهم واجتهادهم وضيق رسومهم ثم اذاد كفروا باقامتهم على انكارهم وشروعهم فى ايذاء الاولياء والمريدين واهل الرغائب والاشار فه الا هؤلاء الذين وقعوا فى عاهة الانكار بلية الجحود بعد شهودهم اثار الغيب فى مشاهدة البيان وانسوابه والقوه ثم عميت ابصارهم قلوبهم عن مشاهدة الاخرة وصمت اذان اسرارهم عن خطاب الحق فى بواطن الغيب وصدرت عقولهم برين الجهالة وعصيت نفوسهم خالق الخلق بهجومها فى غلطات الكبر والرعونة وخبث اخلاقهم من شوائب الشهوات وكدرات اوراحهم من اقتحامهم فى العجيب والرياء والكبر و بغضت الاولياء وساءت ادابهم بين يدى الله لم يقبل الله تعالى توبتهم لانهم ذاقوا حلاوة الرياء والسمعة وأثروا حظوظ الدنيا على صحبة اهل المعرفة وركنوا الى صحبة الاضداد ومالوا عن بساط الحرمة الى عرضة لمخالفة ومن هذه احواله فتوبته لا نستقيم واويته لا تدوم الغلبة الشهوة على قلبه وكثرة الفترة على بدنه لا يلصق به نصيحة ولا اثرت فيه شفقة ولا ينتظم شمله بطرت نفوس هؤلاء وبالشهوات واسودت قلوبهم من الشبهات جازاتهم الله تعالى بابعادهم عن حرة الوصال وشهد الجمال وهو قوله تعالى لن تقبل توبتهم فاولئك هم الضالون ضالون عن طريق الحقائق والمعارف والكواشف واسبل الله على قلوبهم غطاء القهر حتى لا يرون انوار عجائب كرامات اوليائه ولا يقومون عند الله يوم القيمة وزنا وان كثرت صلوتهم وصيامهم وصدقاتهم قال الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ} قوله تعالى {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} اهل هذه الصفة فى انقاقهم على اربع طبقات منهم اهل المعاملات وهم على عشرة اقسام قمس منهم التائبون وانفاقهم ثلثة ترك الدنيا وترك الرياسة وترك النفس لله وفى وقسم منهم المتورعون وانفاقهم ثلثة الاجتناب من المعاصى وتكر ما سوى البلغة من الحلال وفطام النفس عن الشهوات وقسم منهم الزاهدون وانفاقهم ثلثة مجاهدة النفس وتزكية الاعمال وذم الجوارح وقسم منه الفقراء وانفاقهم حفظ الاوقات وصيانة الفقر والتعفف فى جميع الامور وقسم منهم الاغنياء من هذه الطائفة وانفاقهم ثلثة بذلك الاموال بغير المنة والابداء والتواضع عند الفقراء وطلب الاخلاص من انفسهم عند خطرات الرياء قسم منهم الصابرون وانفاقهم ثلثة الخروج من الجزوع عند الفاقة ونشاط القلب عند نزول البلاء وايثار البلاء على الراحة وقسم منهم الشاكرون وانفاقهم ثلثة قصر السنتهم عن الثناء مع عرفاتهم نعم ربهم استحياء منهم وحيرة فى قلوبهم عن معرفة حقيقة المنعم والخروج من رسم الاعواض فى بذل الارواح وقسم منهم المتوكلون وانفاقهم ثلثة استرسال النفوس لله عند نزول بلائه وبذل المهجة له طلبا لرضاه وضبط الخاطر من المخطرات عند جريان قضائه وقسم منهم الراضون وانفاقهم ثلثة ترك اختيارهم فى اختياره وترك تدبيرهم مارده وصون اسارهم عما دونه وقسم منهم الصادقون وانفاقهم ثلثة اخلاص العبودية عن رؤية الخلق واخلاص السر عن عونه النفس واخلاص التوحيد عن رسم الحدوثية وطبقة منهم اهل الحالات وهم على شعرة اقسام قسم منهم المراقبون وانفاقهم ثلثة دفع الخطرات واخفاء المناجاة وحفظ الحرمة فى الخلوات وقسم منهم الخائقون وانفاقهم ثلثة قلة النوم وقلة الاكل وقلة الكلام وقسم منهم الراجعون وانفقاهم ثلثة ترك الطبع فى الدارين والارتقاء من هذين المنزلين وتخلية السر عن ذكر العالمين وقسم منهم المجنون وانفاقهم ثلثة الاتقاء عن معرض الكرامات وترك الالتفات الى الطاعات وتصفيةالقلب من الدرجات لوصولهم الى مقام المشاهدات وقسم منهم المشتقاون وانفاقهم ثلثة احتراق القلوب ونيران الحزن واحتراق النفوس بنيران الجوع واحتراق الارواح بنيران الخوف والاجلال وقسم منهم العاشقون وانفاقهم ثلثة ترك طلبة الولاية وترك حظ المحبة والتزام السر فى منزل الرعاية وقسم منهم الموقنون وانفاقهم ثلثة ترك الشفقة على النفوس ودوام رعاية القلوب والشروع فى تزكية الارواح عن ذكر الحدثان وقسم منهم المستانسون وانفاقهم ثلثة الاعراض عن الخلق والقاء الخاص الى مشهد طلوع صبح انوار المشاهدة وطهارة السر عن معارضة العدو وقسم منهم المطمئنون وانفاقهم ثلثة التمكن فى البلاء والصبر فى العناء والشكر فى النعماء وقسم منهم المحسنون وانفاقهم ثلثة صحة العبودية بنعت رؤية المشاهدة وبذل الروح لله بلا رغبة فى ثواب الجنة ومطالعة انور الكناية وطبقة منه اهل المعرفة وهم على عشرة اقسام قسم منهم الذاكرون وانفاقهم ثلثة دفع الوسواس وطرد الغفلة من القلب بين الناس والخروج من رسوم الاشخاص ومنهم المتفكرون وانفاقهم ثلثة ارسال الارواح الى مشاهدة الغيوب لترائى هلال جلال القدم وامهال العقول الى ميادين الملكوت لمشاهدة الجبروت وادلاء القلوب الى بساط القربة لطلب الوصلة بنعت الهيبة وركاب السر فى جولانه فى انوار البقاء والازل وقسم منهم الحكماء واتفاقهم ثلثة التكلم للمريدين ونشروا العلم للطالبين وارشاد الصواب للعالمين قسم منهم اهل الحياء وانفاقهم ثلثة الفرق بالسر من مقام المكرو وتقديس شهوة الحقيقة عن مشهد الذكر ودفع دقائق الرياء فى مجارى الخطرات وقسم منهم اهل التلوين وانفاقهم ثلثة التفكير فى الربوبية بالعقل لتحصيل المعرفة والنظر الى قديم العامة بالقلب لتصيل المحبة والسر بالروح فى علام الملكوت لتحصيل انوار المشاهدة وهذه صفة من يباشر قلبه نور الاحدية على الاوقات السرمدية فهؤلاء مترون بكنوز الانوار التوحيد معرفون من بحار الامتنان حقائق الاسرار الهوية بنعت التجريد ناطقون عما فى الضمائر وكاشفون مكنون السرائر وقسم منهم اهل التمكين وانفاقهم ثلثة حفظ جناح العبودية على رصيد الربوبية ودفع تهمة البشرية عن مصدر كشف المشاهدة ورسوخ السر فى طوالع سلطان الهيبة فاهل التمكن متربون عن ادراك حقيقة جمال القدم ومقدمون عن اتحاد البقاء باعدام مشاهد صرف سلطان الوحدانية يجرسون اسرارهم عن شوائب الحوادث ويخوطون انوارهم عن الاطلاع الخلائق ويصونون ما اوحى الله اليهم من اسرار لالهام عن تجريفات الشياطين واباطيلهم وقسم منهم اهل الحقيقة وانفاقهم ثلثة الدعاء على العصاة وتحمل ايذايهم على طيب النفس وترك الطمع فى مجازاتهم فهؤلاء رحمة الله على عبادة فالخلق مصرمون عن المصارف وهم مكثرون بالكواشف فيضهم الله لبقاء العباد والبلاد اليهم تابون الاحوال واهل غائب الالاء قسم منهم اهل السرو وانفاقهم ثلثة كتمان الاسرار من خوف غيرة الحق عليهم وخروجهم عن مرادهم لمراد الحق وتفقد جمال شيب غيبة فى صدروهم غيبة عن الخلق وقسم منهم العارفون وانفاقهم ثلثة يتركون الدنيا لاهلها ويتركون الاخرة ولذاتها ويجلسون على باب مولاهم منصرمين ما سواه مفلحين اليه بنعت رغائب المحبة مفتقرين الى مشاهدته بصفاء العبودية ايحسموا عن المكونات وانقطعوا اليه عن المخلوقات وطبقة منهم اهل التوحيد وهم على عسرة اقسام قسم منهم اهل القبض وانفاقهم ثلثة غد انفاس المراقبات فى مقام الحزن وصب الدماء فى حين العشق والتاؤه من صميم القلب فى مقام الشوق وقسم منهم اهل البسط وانفاقهم ثلثة الفرج بوجه لحبيب والزفرة من مخاطبة الرقيب والتفرق بكثرة النوافل الى القربى وقسم منهم اهل السكر وانفاقهم ثلثة الشروع فى السماع وطلب الوصل بالنغمات واستنشاق نفخات القرب بالمارقابت وقسم منهم اهل الصحو انفاقهم ثلثة السكون فى مرارة الهجران والحنين من شوق الرحمن والحنن على خلقه شفقة على احوالهم والتمكين فى محاربة الشيطان وقسم منهم اهل الفناء وانفاقهم ثلثة تزيكة الاسرار بالذكر وتربية الاحوال ----- الاشباح بزمان المجاهدة وقسم منهم اهل البقاء وانفاقهم ثلثة ذكرا المشاهدات ونشر الكرامات والتخلص من المجاهدات بتحصيل المكاشفات وقسم منهم اهل الانبساط وانفاقهم ثلثة الاستغفار بعد الشطح وحفظ الاداب فى حال السكر والاخبار عن المقامات الاخل الارادات وقسم منهم اهل حقائق التوحيد وانفاقهم ثلثة الاستقامة فى الامتحان بنعت اخلاص الايمان وترك حظوظهم فى مقام المحبة الوجدان جمال القدم لان المحبة حظ العارف ورؤية القدم نصيب الحق جل وعز ورعاية الاسرار بترك رسوم المقامات وقسم منهم اهل الوله وانفاقهم ثلثة الركزة فى العبرات والفوز فى الازليات وبذلك وبذل المهجة للابديات وقسم منهم اهل الاتحاد وانفاقهم لثلثة قسمع شهوات العشق عن ---- اشجار التويحد وسير السير فى قدم القدم بنعت التجريد وطيران الروح فى بقاء البقاء باجنحة التفريد هذا وصف انفاق رجال الصدق وهم بالتفاوت فيما نالوا من ثواب الانفاق فى هذه المقامات من جز بل الكرامات وهو ما ذكر الله تعالى فى كتابه لن تنالوا البر حتى تنفقوا فالبّر جزاؤهم منه ولكل طائفة منه برٌّ من هؤلاء الذين ذكرنا احوالهم فى انفاقهم على قصد ارادتهم وصدق يناتهم فبرا التائبين وهو محبة الله لهم بعد ايابهم منهم اليه وهذا اشارة الله تعالى قال ان الله يحب التوابين واما برا المتور عين فهو استجابة الدعوة مقرونة بالتقوى واما الزاهدين فهو الحكمة من الله وهو اشارة النبى صلى الله عليه وسلم قال من زهد فى الدنيا اربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه فامر بر الفقراء فهو السكينة من الله تعالى ظهرت فى قلوبهم واما بر الاغنياء فهو درجة الكرامات واما بر الصابرين فهو درجة الولايات وام بر الشاكرين فهو زيادة القربة قال الله تعالى لئن شكرتم لازيدنكم واما بر المتوكلين وهو الكفاية فى جميع المراد وجدان لطائف محبة الله تعالى من يتوكل على الله فهو حسبه وقال تعالى ان الله يحب المتوكلين واما بر الراضين فهو رضوان الله تعالى قال الله تعالى رضى الله عنهم ورضوا عنه وقال عليه السلام الرضوان الاكبر هوت جلى الخاص ومن بلغ مقام الرضا فقد وجد رضوان الاكبر واما بر الصادقين فهو المحمدة فى الدنيا والاخرة وحيقية الطانية والكرامة على رؤس الخلائق يوم القيامة قال الله تعالى ليجزى الله الصديقين بصدقهم هذا درجة اهل المعاملات فى مجازات الله اياهم ببره وكرامته واما بر المراقبين فهو وجدان نور الفراسة وحلاوة الذكر واما بر الخائفين فهو ذوق المحبة ومعرفة اجلال الحق تعالى واما بر الراجين فهو صفاء اليقين ونور البسط والانبساط واما بر المحبين فهو المكاشفة وانوار القربة والمشاهدة واما بر المشتاقين فهو الانس بالله فى جميع المعانى واما بر العاشقين فهو بهجة سناء الجمال فى عين الارواح واما بر الموقنين فهو مشاهدة الالاء والنعماء والطمانية فى رسوم الربوبية اما بر المستانسين فهو حلاوة حسن القدم فى قلوبهم وتفرد خواطرهم عن وجل لخطرات الشياطين فى اسواق الشهوات واما بر المطمئنين فهو حصول الكرامات من تقليب الايعان وانواع عجائب الايات وان يذوق العارق طعم حلاوة الذكر قال الله تعالى الا بذكر الله تطمئن القلوب واما بر المحسنين فهو مشاهدة الحق فى لباس الملكوت هذا وصف بر اهل اللاحوال واما بر الذاكرين فهو رؤية المذكور فى حقائق نفس الايمان واما بر المتفكرين فهو رؤية اثار تجلى الصفات فى لباس الايات واما بر الحكماء فهو خصائص الخطاب بنعت الالهام واما بر الحياء فهو رؤية لمشاهدة العظمة والكبرياء واما بر اهل التلوين فهو رؤية عين جميع الافعال بنعت جمال الصفات واما بر اهل التمكين فهو رؤية عين جميع الصفات بلا رسم الافعال واما بر اهل الحقيقة فهو رؤية عين القدم بنعت الفناء ومحق البشرية ومحو رسوم الخيال واما بر اهل السر فهو رؤية كنز علم الازلى بعين الروح فى مدارج المعرفة واما بر العارفين هو فتجلى صرف الوحدانية والسرمدية ورؤية قرب القرب وهذا صفة بر العارفين واما بر اهل القبض فهو رؤية العزة واما بر اهل البسط فهو رؤية جلال الصفات بنعت الحلاوة ببروز نور القربة واما بر اهل السكر فهو ظهور الحق لهم فى لباس حالاتهم بالبغتة واما بر اهل الصحو فهو رؤية الحق بنعت الحسن والجمال واما بر اهل الفناء هو رؤية القيومية بنعت الفردانية واما بر اهل البقاء فهو رؤية ديمومية الحق جل وعز واما بر اهل الانبساط فهو رؤية بسط الحق لهم فى وجدان مرادهم منه واما بر اهل حقائق التوحيد فهو رؤية انوار الذات والصفات واما بر اهل الوله فهو رؤية انبساط الحق فى انفسهم لذلك هاموا واما بر اهل الاتحاد فو رؤية كسوة جمال القدم بوصف الصفات على اسرار رواحهم وتخسير الكون لهم بالحكم لا بالتضرع والدعاء وهذا وصف براهل حقائق التوحيد ذكرت فى هذا الفصل ما اتحف الحق الى اوليائه من انواع المقامات والكرامات بر امنه لهم وجزاء عظيم الله اجرهم اذكافاهم بمشاهدة وقربه وعطف عليهم بما هو اجدر منه من مننه القديمة وعنايته الازلية وقال الاستاد منهم من ينق على ملاحظة الجزاء والعوض ومنهم من ينفق على مراقبة دفع البلاء والمحن ومنهم من ينفق اكتفاء بعلمه قال قائلهم شعر : ويهتر للمعرفون فى طلب العلى ليذكر يوما عند سلمى شمائله تفسير : وقيل اذا كنت لا يصل الى البر الا بانفاق محبوبك فمتى تصل الى البار وكنت توثر عليه حظوظك وقال جعفر الصادق لن تنالوا خدمتى الا معرفتى ولن تنالوا بمعرفتى الا برضائى ولن تنالوا رضائى الا بمشاهدتى ولن تنالوا مشاهدتى الا بعصمتى ولن تنالوا عصمتى الا بتعظيم ربوبيتى ولن تنالوا تعظيم ربوبيتى الا بالانقطاع عما سوى وقال بعضهم اول بر الهداية ثم المجاهدة ثم المشاهدة معناه لن تنالوا هذه الخصال الا بان ينفقوا مما تحبون قا ابن عطا لن تصلوا الى القربة وانتم متعلقون بحظوظ انفسكم وقال جعفر الصدق بانفاق المهج يصل العبيد الى بر حبيبه وقرب مولاه قال الله تعالى لن تنالوا البر الاية وقال ابو عثمان لن يضل الى مقامات الخواص من بقى عليه شئ من اداب النفوس ورياضتها وقال الواسطى الوصول الى البر بانفاق بعض المحاب منك ليكون خالصا فى محبتة لا تلتفت منه الى شئ سواه قال ابن عطا لن تنالوا وصلتى وفى اسراركم موافقة او محبة بسوالا وقال النصر ابادى قال بعض المفسرين البر اية الجنة وعندى ان البر صفة البار فكانه قال لن تنالوا قربتى الا بقطع العلائق وقال الصادق لن تنالوا الحق حتى تنفصلوا عما دونه قال ابن عطا لن تناولا معرفتى وقربتى حتى خرجوا من أنفسكم وهمومكم بالكلية وقال العلوى احب الاشياء اليك روحك فاجل حيوتك نفقة عليك لكى تنال برى بك وقال ابو بكر الوارقا دلهم بهذه الأية على الفتوة وقال لن تنالوا برى بكم الا ببربكم اخوانكم والانفاق عليهم من اموةالكم وجاهكم وما تحبونه من اماركم فاذا فعلتم ذلك نالكم برى وعطفى وانه اعلم بنياتكم فى اتفاكم وبركم ما كان منه لى خالصا قابلته ببرى وهو اعلى وما كان من ذلك للرياء والسمعة فانا اغنى الشركاء عن الشرك كما روى عن المصطفى صلى الله عليه وسلم قال الجنيد قال لن تنالوا محبة الدر حتى نسخوا بانفسكم فى الله قوله تعالى {و كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} الاشارة فهي ان اهل هذه القصة يجوز لهم ان يتركوا شيئا من الماكولات من جهة المجاهدة لا من جهة التحريم ثم حثهم الله تعالى باعلامهم شان بانبيائه صلوات الله عليهم فى المجاهدات ليقتدوا بهم وايضا فيه اشارة الى ترك اللحوم على لادوام لما فيها ضراوة كضراوة الخمر من جهة المجاهدة لا من جهة التحريم وايضا حرم على لنفسه نبى الله يعقوب عليه السلام اشهى طعام الاخبار عنه تعليم الله تعاىل اهل محبته ليتركوا ما احب اليهم من الاطعمة الشهية وما تشتهى انفسهم من زهرة الدنيا ولذتها وايضا فيه اشارة الى اهل الدعوى الباطلة من السالوسين والناموسين ان لا يحرموا ما احل الله لهم من الطيبات ولا تحلوا ما حرم الله عليهم من المنكرات والخبيثات وهؤلاء اهل الاباحة الذين ظهروا فى هذا الزمان استاصلهم الله فى الدنيا والاخرة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين} كاليهود {كفروا} بعيسى والانجيل {بعد ايمانهم} بموسى والتوراة {ثم ازدادوا كفرا} حيث كفروا بمحمد عليه السلام والقرآن او كفروا به عليه السلام بعد ما آمنوا به قبل مبعثه ثم ازدادوا كفرا بالاصرار عليه والطعن فيه والصد عن الايمان ونقض الميثاق {لن تقبل توبتهم} لانهم لا يتبون الا عند اشرافهم على الهلاك فكنى عن عدم توبتهم بعدم قبولها تغليظا فى شأنهم وابرازا لحالهم فى صورة حال الآيسين من الرحمة او لان توبتهم لا تكون الا نفاقا لارتدادهم وازديادهم كفرا وذلك لم تدخل فيه الفاء {واولئك هم الضالون} على سيبل الكمال فهو من قبيل حصر الكمال والا فكل كافر ضال سوآء كفر بعد الايمان او كان كافرا فى الاصل ومن جملة كمالهم فى الضلال ثباتهم عليه وعدم كون الاهتداء متوقعا منهم.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الذين} ارتدوا عن الإيمان {ثم ازدادوا} في الكفر، وقالوا: نتربص بمحمد ريب المنون، {لن تقبل توبتهم} أي: لا توبة لهم فتقبل، لأنه سبق لهم الشقاء، أو لأنهم لا يتوبون إلا عند الغرغرة، أو {لن تقبل توبتهم} ما داموا على كفرهم. {وأولئك هم الضالون} المنهمكون في الضلالة. قيل: نزلت في أصحاب الحارث بن سويد المتقدم، وكانوا أحد عشر رجلاً، لما رجع الحارثُ قالوا: نقيم بمكة على الكفر ما بَدا لنا، فمتى أردنا الرجعة رجعنا، فلما افتتح النبيّ صلى الله عليه وسلم مكة، دخل في الإسلام بعضُهم، فقُبلت توبته، وبقي من بقي على كفره، فنزلت الآية فيهم. وقيل: نزلت في اليهود، كفروا بعيسى بعد إيمانهم بأنبيائهم، ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: نزلت في النصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بعيسى، {ثم ازدادوا كفراً} بإصرارهم عليه. وقيل: نزلت في الفريقين معاً، كفرا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم به قبل ظهوره، {ثم ازدادوا كفراً} بتمردهم فيه، وتماديهم على المعاصي. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن من دَخَل طريق التربية، وأخذ في تهذيب نفسه وتطهيرها من المساوئ وأوساخ الحس، ثم غلبته القهرية ورجع عنها، فإن تاب قريباً ورجع إليها سهل عليه الرجوع، ورجى نجحه وقبلت توبته، وإن استمر على رجوعه عنها حتى ألفت نفسه البطالة؛ لن ترجى توبته وصار من الضالين، فمثله كآنية، فرَّغت منها لبناً أو عسلاً، وعَمَرْتها بالقطران، فإن بادرت بإهراقه منها قريباً سهل غسلها، وإن أمهلتها حتى صبغ فيها عَسُر غسلها، وتعذب زوال راحته منها. [فإن مات على رجعته فلا يحشر في الآخرة مع أهل هذه الرفقة، ولو شفع فيه ألف عارف، بل من كمال المكر به أن يلقى شبهه في الآخرة على غيره، حتى يتوهم عارفوه من أهل المعرفة أنه هو، فلا يخطر بباله أنه يشفع فيه]. قاله القشيري. قال المحشي: وما ذكره ربما ينظر إلى قضية الخليل مع أبيه، حين يلقاه وعليه القترة، فيريد الشفاعة له، فيمسخ ذيخاً متلطخاً - أي: خنزيراً - فينكره، كما في الحديث الصحيح، فتذكر واعتبر. هـ. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
الطوسي
تفسير : المعنى: قيل في المعني بهذه الآية أربعة أقوال: أحدها - قال ابن عباس هي فرقة ارتدت ثم عزمت على إظهار التوبة على جهة التورية، فاطلع الله نبيه على ذلك بانزال هذه الآية. وقال أبو العالية لم تقبل توبتهم من ذنوب أصابوها مع الاقامة على كفرهم. وقال قتادة: هم اليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى {ثم ازدادوا كفراً} بمحمد (صلى الله عليه وسلم) {فلن تقبل توبتهم} عند حضور موتهم. وقال الحسن: هم اليهود والنصارى كفروا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) {فلن تقبل توبتهم} التي كانت في حال إيمانهم، فان قيل: لم لم تقبل التوبة من هذه الفرقة؟ قيل: لأنها كفرت بعد إيمانها ثم ازدادت كفراً إلى انقضاء أجلها، فحصلت على ضلالتها، فلم تقبل منها التوبة الاولى في حال كفرها بعد إيمانها، ولا التوبة الثانية في حال ايجابها. وقيل: إنما لم تقبل توبتهم، لأنهم لم يكونوا فيها مخلصين بدلالة قوله: {وأولئك هم الضالون}. وقال الطبري: إنه لا يجوز تأويل من قال لن تقبل توبتهم عند حضور موتهم. قال: لأنه لا خلاف بين الأمة أن الكافر إذا أسلم قبل موته بطرفة عين في أن حكمه حكم المسلمين في وجوب الصلاة عليه ومواريثه ودفنه في مقام المسلمين واجراء جميع أحكام الاسلام عليه، ولو كان إسلامه غير صحيح، لما جاز ذلك. وهذا الذي قاله ليس بصحيح، لأنه لا يمتنع أن نتعبد باجراء احكام الاسلام عليه وان كان اسلامه على وجه من الالجاء لا يثبت معه استحقاق الثواب عليه، كما أنا تعبدنا باجراء أحكام الاسلام على المنافقين وإن كانوا كفاراً. وإنما لم يجز قبول التوبة في حال الالجاء إليه، لأن فعل الملجأ كفعل المكره في سقوط الحمد والذم. وقد قال الله تعالى: {أية : وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن }.تفسير : وقال: {أية : فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين. فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا}تفسير : فأما إذا عاد في الذنب، فلا يعود إليه العقاب الذي سقط بالتوبة، لأنه إذا تاب منه صار بمنزلة ما لم يعمله، فلا يجوز عقابه عليه كما لا يجوز عقابه على ما لم يعمله سواء قلنا أن سقوط العقاب عند التوبة كان تفضلا أو واجباً. وقد دل السمع على وجوب قبول التوبة وعليه إجماع الأمة. وقال تعالى {أية : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات} تفسير : وقال: {أية : غافر الذنب وقابل التوب}تفسير : وغير ذلك من الآي.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بيان للمرتدّ الفطرىّ {بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} العامّ او الخاصّ {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً} بحيث يؤدّى الى ابطال الفطرة وقطع حبل الله {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} الاتيان باداة نفى التّأبيد للاشعار بأنّهم ما بقى لهم استحقاق التّوبة وقبولها لقطع ما به الاستعداد والاستحقاق {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ} يعنى انّ الضّلال على الاطلاق منحصر بمن قطع الفطرة وامّا من لم يقطع الفطرة وان ارتدّ عن الاسلام لم يكن ضالاًّ على الاطلاق لبقاء الهداية التّكوينيّة له.
الأعقم
تفسير : {إن الذين كفروا} هم اليهود كفروا بعيسى والإِنجيل بعد إيمانهم بموسى والتوراة {ثم ازدادوا كفراً} بكفرهم بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والقرآن وكفروا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن كانوا مؤمنين به قبل بعثه، وقيل: نزلت في الذين ارتدوا ولحقوا بدار الحرب {فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به} يعني جعله فدية، قوله تعالى: {لن تنالوا البر} أي لن تبلغوا حقيقة البر وهو الثواب {حتى تنفقوا مما تحبون} أي حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها، قوله تعالى: {كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل} الآية قيل: "حديث : نزلت لما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لليهود والنصارى: "أنا علي دين إبراهيم" قالوا: كيف وأنت تأكل لحم الإِبل وتشرب ألبانها؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "كان ذلك حلالاً لإبراهيم فنحن نحلّه" فقالت اليهود: كل شيء أصبحت اليوم تحرمه فإنه كان محرماً على نوح وإِبراهيم وهلمَّ جرّا حتى انتهى الينا"تفسير : ، فنزلت الآية: {إلا ما حرّم} والذي حرم {إسرائيل على نفسه} وهو يعقوب لحوم الإِبل، وقيل: العروق، وكان به عرق النساء، فنذر إن شفي أن يحرم على نفسه أحب الطعام إليه وكان ذلك أحب إلي، وإنما حرم ذلك على اليهود عقوبة لهم، قوله تعالى: {قل} يا محمد {فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} وروي أنهم لم يجسروا على إخراج التوراة من بعد ما لزمتهم الحجة القاطعة {فأولئك هم الظالمون} المكابرون الذين لا ينصفون من أنفسهم ولا يلتفتون إلى البيّنات، قوله تعالى: {قل صدق الله} تعريض لكذبهم {فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً} وهي ملة الإِسلام التي عليها محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن اتّبعه، قوله تعالى: {إن أول بيت وضع للناس} صفة للبيت والواضع هو الله تعالى، جعله متعبداً للناس، حديث : وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سُئِلَ عن أول مسجد وضع للناس؟ فقال: "المسجد الحرام ثم بيت المقدس" وسئل كم بينهما؟ فقال: "أربعون سنة وأول من بناه إبراهيم (عليه السلام)، ثم بناه من العرب جرهُم، ثم هدم فبناه العمالقة، ثم هدم فبنته قريش"تفسير : . وعن ابن عباس هو أول بيت حج بعد الطوفان، وقيل: هو أولَّ بيت ظهر على وجه الماء حين خلق الله السماء والأرض، خلقه قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على الماء، فدحيت الأرض تحته، وقيل: أول بيت بناه آدم (عليه السلام) {ببكة} بكة ومكة لغتان، وقيل: لأنها تبك أعناق الجبابرة، لم يقصدها جبار إلاّ قصمه الله تعالى {مباركاً} كثير الخير لما يحصل لمن حجه من الثواب، قوله تعالى: {مقام إبراهيم} قيل: إنه لما ارتفع بنيان الكعبة وضع إبراهيم رجله على هذا الحجر فغاصت فيه قدمه، وقيل: أنه جاء زائراً من الشام إلى مكة، فقالت له امرأة اسماعيل: إنزل حتى تغسل رأسك، فلم ينزل، فجاءته بهذه الحجر فوضعته على شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه، ثم حولته على شقه الأيسر فغسلت شقه الآخر، فبقي أثر قدمه عليه، قوله تعالى: {من دخله كان آمناً} قيل: من القتل، وقيل: من النار، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من مات في احد الحرمين بعث يوم القيامة آمناً" تفسير : وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائة عام" تفسير : {من استطاع إليه سبيلاً} عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه فسَّر الاستطاعة بالزاد والراحلة وعليه أكثر العلماء {ومن كفر} أي لم يحج تغليظاً على تارك الحج، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من مات ولم يحج مات إن شاء يهودياً أو نصرانياً" تفسير : ونحوه من التغليظ من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر بالله مجتهداً.
الهواري
تفسير : قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} قال الحسن: هم أهل الكتاب، كانوا مؤمنين ثم كفروا. {ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً} أي ماتوا على كفرهم {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} أي لن يَقْبل الله إيمانهم الذي كان قبل ذلك إذا ماتوا على كفرهم. {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} وقال بعضهم: هم اليهود كفروا بالإِنجيل، ثم ازدادوا كفراً حين بعث النبي عليه السلام فأنكروه وكذبوا به. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟ فيقول: نعم، يا رب. فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك . تفسير : قوله: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي موجع. {وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ} أي ينصرونهم من عذاب الله. قوله: {لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} قال الحسن: يعني الزكاة الواجبة. ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: إيتاء المال على حبه أن تنفق وأنت صحيح شحيح تأمل الحياة وتخشى الفقر. قوله: {وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ} يعني الصدقة {فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} أي يحفظه لكم حتى يجازيكم به.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً}: قال أبو العالية: نزلت فى اليهود كفروا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بصفاته وإقرارهم أنها فى التوراة، ثم ازدادوا كفراً بالإصرار والافتراء عليهِ، والصد عن الإيمان. وقال مجاهد فى ازدياد كفرهم: أنهم بلغوا الموت به وقال الحسن: نزلت فى اليهود والنصارى، آمنوا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لصفاته ولما بعث كفروا به وازدادوا كفراً، بالدوام عليه إلى الموت وقيل: نزلت فيمن مات مصرا من أصحاب الحارث بن سويد، لأحد عشر وذلك أن الحارث أسلم - كما مر - ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، أسلم بعض ومات بعضهم كافراً، وقد قالوا حين ارتدوا، ونزلت توبة الحارث: نقيم على الكفر ما شئنا، ومتى أردنا الرجعة، نزلت فينا ما نزل فى الحارث من قبول التوبة، وقيل: إن ازدياد الكفر هو قول من يقول تتربص به ريب المنون بعدما آمن، وذلك أن قوماً ارتدوا، ولحقوا بمكة ثم قالوا نتربص بمحمد ريب المنون، أو نرجع إليه وننافقه بإظهار الإسلام، وقيل فى اليهود آمنوا بموسى عليه السلام والتوراة، كفروا بعيسى والإنجيل، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، وقيل: فى كل كافر لأنهم آمنوا حين خرجوا كالذر، ثم كفروا حين كلفوا، وازدادوا كفراً بالدوام عليه، إلى الموت. {لَّنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ}: لأنهم لا يتوبون إلا إذا عاينوا الموت، قال الله تعالى: {أية : وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الآن}تفسير : فالآية فيمن قضى الله عليه، ألا يتوب إلا عند ذلك، وبذلك يقول الحسن وقتادة وعطاء والسدى، أو معنى عدم قبول توبتهم، عدم صدور التوبة منهم، فضلا عن أن تقبل فإنه إذا لم يتوبوا صدق أنه لا قبول توبة لهم، لأنهم لم يتوبوا، فأطلق اللازم، وهو عدم القبول على الملزوم، وهو عدمها، وفى هذا تغليظ عليهم، وتصوير لهم بصورة الآيس، أو لا تقبل توبتهم لأنهم يظهرونها نفاقاً، ستراً على أنفسهم، وقد أضروا الإصرار، وبهذا يقول ابن عباس رضى الله عنهما وزاد أنهم الذين ارتدوا، أظهروها نفاقاً، وقال أبو العالية: إنما كانت توبتهم من ذنوب عملوها فى الشرك، ولم يتوبوا من الشرك، وعلى كل حال فالذين لن تقبل توبتهم، هم الذين كفروا بعد إيمانهم، ثم ازدادوا كفراً، ولم يقرن خبر إن هنا بالفاء، لأن عدم قبول توبتهم غير مسبب عن كفرهم، بعد إيمانهم، وعن ازدياد الكفر، لأن كثيرا كفر بعد إيمان، وازداد كفراً، ثم تاب نصوحاً وقبلت توبته. {وَأُوْلَـئِكَ} الذين كفروا بعد إيمانهم، ثم ازدادوا كفراً. {هُمُ الضَّآلُّونَ}: الثابتون على الضلال، الكاملون فيه، حتى كأنه لا ضلال إلا ضلالهم، ولذلك حصر الضلال فيهم، بمعنى حصر كماله، لأن الكافر ضال مطلقاً ولو لم يؤمن قط، والجملة معطوفة على {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا.. } إلخ، أو على {لَنْ تُقْبَلَ تَوبَتُهُم}.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعدَ إيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً} كاليهود، كفروا بعيسى والإنجيل، ومحمد القرآن بيد بعثه، بعد الإيمان بموسى والتوراة والقرآن ومحمد قبل بعثه، وازدادوا كفرا بمحمد والقرآن زيادة كم، وبالإصرار زيادة كيف، وبالطعن والصد عن الإيمان، ونقض الميثاق بعد بعثه زيادة كم، وكقوم ارتدوا ولحقوا بمكة، وازدادوا كفرا بقولهم: نتربص به ريب المنون، وإن صار غالبا نرجع إليه وننافقه زيادة كيف {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} لإصرارهم إلى أن غرغروا وعاينوا فتابوا، أو لم يتوبوا إلا بعد الموت، أو المعنى لا يتوبون، لأن توبة المعاينة أو ما بعد الموت كلا توبة، لعدم التكليف، أو المعنى لا توبة لهم فضلا عن أن تقبل، فنفى اللازم بدل نفى الملزوم، كما تقول، لا جحر للضب فى هذه الصحراء، بمعنى لا ضب فيها، وقيل، تاب قوم من أهل الكتاب من ذنوب غير الكفر، فلم تقبل توبتهم، وقيل، قال أصحاب الحارث، نقيم على الكفر حتى إذا شئنا تبنا، فينزل قبولنا كما نزل قبوله {وَأُولَئِكَ هُمُ الضّآلُّونَ} الراسخون فى الضلال بحيث لا يخرجون، فهم أعظم من أن يقال، الكاملون فى الضلال، والكافر إما تائب توبة نافعة، كقوله تعالى: {أية : إلا الذين تابوا} تفسير : [آل عمران: 89]، وإما تائب توبة فاسدة، كقوله تعالى: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم}، وإما غير تائب، كقوله تعالى: {إنَّ الَّذِينَ كَفرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَن يُقْبَلَ} الفاء إشعار بأن عدم القبول مسبب عن موتهم كفارا، ولم تكن فى لن تقبل توبتهم، لأن الارتداد وزيادة الكفر لا يكونان سببا لعدم قبول التوبة، بل هما نفس الذنب، وإنما السبب الغرغرة أو الموت، إلا أن ازياد الكفر يوجب ازياد الدين المانع من التوبة، ولم يعتبر هذا لأنه لا يتبادر إلا بالتوسط، وقرن خبر إن هنا بالفاء لأن اسمها على معنى العموم فكان كمن الشرطية، ولم يقرن فيما قبلهما لأن اسمها جاء لمعنيين فلم يشبه من الشرطية {مِنْ أَحَدِهِمْ} هذا أبلغ من أن يقال منهم، لأن المعنى من واحد منهم كائناً ما كان {مِّلْءُ الأَرْضِ} شرقا وغربا وغيرهما إلى السماء الدنيا، وملء الشىء ما يملؤه، ولا أطراف للأرض مرتفعة ارتفاع أطراف الوعاء، فكان المراد ملء هوائها إلى السماء، وهذا أولى من أَن يقال، ملؤها تعميم ظاهرها {ذَهَبَاً} وهو أعز ما يملك، وكل أحد يعرف له قدرا، وكثرت معاملته، وكان أثمن الأشياء، ويزين به، بخلاف سائر الجواهر الثمينة كالزبرجد فإنه غير متداول بين الناس إلا قليلاً {وَلَو افْتَدَى بِهِ} لا يخفى أن نقيض الشرط فى لو أن الوصلتين أولى بالجزاء، ونقيض افتدى لم يفتد، ولا يصح هنا لو لم يفتد به ولو افتدى به، ولا افتدى به، فكيف لو لم يفتد، لأن الكلام فى القبول، ولا يتصور مع عدم الافتداء، فإما أن يجعل المعنى والحال أنه افتدى به، كما قيل بزيادة لو، وإما أن تجعل الواو زائدة كما قرىء خارج العشرة شادَّا، بإسقاطها، وإما أن يقدر، لو تقرب به إلى الله فى الدنيا لكفره ولو افتدى به من العذاب من الآخرة، أو لا يقبل ولو فى حال الافتداء، وهو لا يمتن فيها إذ هى حالة قهر، أو الآية عبارة عن عدم قبول الفدية مطلقاً، ولو كانت أضعاف ملىء الأرض، كما يعبر بالسبعين عن العدد الذى لا يتناهى، أو تجعل شرطية محذوفة الجواب، أى ولو افتدى به لم يكفه، أو لم ينفعه، أو لمَ ينجه من العذاب، ودل على ذلك قوله عز وجل {أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ} وإما أن يجعل إولئك لهم عذاب أليم جواباً، فلا يصح، لأن جواب لولا يكون جملة اسمية، للهم إلا إن ضمنت معنى إن، وفى البخارى ومسلم والطبرانى عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟ فيقول: نعم، فيقال: لقد سئلت ما هو أيسر من ذلك فلم تفعل"تفسير : ، فذلك قوله تعالى: إن الذين كفروا.. الآية {وَمَا لَهُم مِّن نّاصِرِينَ} بدفع العذاب أو تخفيفه.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْرًا } قال عطاء وقتادة: نزلت في اليهود كفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم، ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وقيل: في أهل الكتاب آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، ثم كفروا به بعد مبعثه، ثم ازدادوا كفراً بالإصرار والعناد والصد عن السبيل، ونسب ذلك إلى الحسن، وقيل: في أصحاب الحرث بن سويد فإنه لما رجع قالوا: نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا فمتى أردنا الرجعة رجعنا فينزل فينا ما نزل في الحرث، وقيل: في قوم من أصحابه ممن كان يكفر ثم يراجع الإسلام، وروي ذلك عن أبـي صالح مولى أم هانىء. و {كُفْراً } تمييز محول عن فاعل، والدال الأولى في {ٱزْدَادُواْ } بدل من تاء الافتعال لوقوعها بعد الزاي. {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } قال الحسن وقتادة والجبائي: لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت والمعاينة وعند ذلك لا تقبل توبة الكافر، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لأنها لم تكن عن قلب، وإنما كانت نفاقاً، وقيل: إن هذا من قبيل:شعر : ولا ترى الضب بها ينجحر تفسير : أي لا توبة لهم حتى تقبل لأنهم لم يوفقوا لها فهو من قبيل الكناية ـ كما قال العلامة ـ دون المجاز حيث أريد بالكلام معناه لينتقل منه إلى الملزوم، وعلى كل تقدير لا ينافي هذا ما دل عليه الاستثناء وتقرر في الشرع كما لا يخفى، وقيل: إن هذه التوبة لم تكن عن الكفر وإنما هي عن ذنوب كانوا يفعلونها معه فتابوا عنها مع إصرارهم على الكفر فردت عليهم لذلك، ويؤيده ما أخرجه ابن جرير عن أبـي العالية قال: هؤلاء اليهود والنصارى كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً بذنوب أذنبوها ثم ذهبوا يتوبون من تلك الذنوب في كفرهم فلم تقبل توبتهم ولو كانوا على الهدى قبلت ولكنهم على ضلالة، وتجيء على هذا مسألة تكليف الكافر بالفروع وقد بسط الكلام عليها في الأصول. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلضَّالُّونَ } عطف إما على خبر {إِنَّ} فمحلها الرفع، وإما على {إِنَّ} مع اسمها فلا محل لها، و {ٱلضَّالُّونَ } المخطئون طريق الحق والنجاة، وقيل: الهالكون المعذبون والحصر باعتبار أنهم كاملون في الضلال فلا ينافي وجود الضلال في غيرهم أيضاً.
ابن عاشور
تفسير : قال قتادة، وعطاء، والحسن: نزلت هذه الآية في اليهود، وعليه فالموصول بمعنى لام العهد، فاليهود بعد أن آمنوا بموسى كفروا بعيسى وازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل أريد به اليهود والنصارى: فاليهود كما علمتَ، والنصارى آمنوا بعيسى ثم كفروا فعبدوه وألهوه ثم ازدادوا كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم. وتأويل {لن تقبل توبتهم} إما أنه كناية عن أنهم لا يتوبون فتقبَل توبتهم كقوله تعالى: {أية : ولا يقبل منها شفاعة}تفسير : [البقرة: 48] أي لا شفاعة لها فتقبل وهذا كقول امرىء القيس شعر : على لاَ حب لا يُهتدَى بمناره تفسير : أي لا منار له، إذ قد علم من الأدلة أنّ التوبة مقبولة ودليله الحصر المقصود به المبالغة في قوله: {وأولئك هم الضالون}. وإمَّا أنّ الله نهى نبيه عن الاغترَار بما يظهرونه من الإسلام نفاقاً، فالمراد بعدم القبول عدم تصديقهم في إيمانهم، وإما الإخبار بأنّ الكفر قد رسخ في قلوبهم فصار لهم سجية لا يحولون عنها، فإذا أظهروا التوبة فهم كاذبون، فيكون عدم القبول بمعنى عدم الاطمئنان لهم، وأسرارُهم موكولة إلى الله تعالى. وقد أسلم بعض اليهود قبل نزول الآية: مثل عبد الله بن سلام، فلا إشكال فيه، وأسلم بعضهم بعد نزول الآية. وقيل المراد الذين ارتدّوا من المسلمين وماتوا على الكفر، فالمراد بالازدياد الاستمرار وعدم الإقلاع. والقول في معنى لن تقبل توبتهم كما تقدم. وعليه يكون قوله: {إن الذين كفروا وماتوا} توكيداً لفظياً بالمرادف، ولِيُبْنى عليه التفريع بقوله: {فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً} وأياماً كان فتأويل الآية مُتعين: لأنّ ظاهرها تعارضه الأدلة القاطعة على أنّ إسلام الكافر مقبول، ولو تكرّر منه الكفر، وأنّ توبة العُصاة مقبولة، ولو وقع نقضها على أصح الأقوال وسيجيء مثل هذه الآية في سورة النساء (137) وهو قوله: {أية : إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن اللَّه ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً}.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {ِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} الآية. قال بعض العلماء: يعني إذا أخروا التوبة إلى حضور الموت فتابوا حينئذ، وهذا التفسير يشهد له قوله تعالى: {أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ}تفسير : [النساء: 18] وقد تقرر في الأصول حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا. وقال بعض العلماء: معنى. لن تقبل توبتهم لن يوفقوا للتوبة حتى تقبل منهم ويشهد له قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنْ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } تفسير : [النساء: 137] فعدم غفرانه لهم لعدم هدايتهم السبيل الذي يغفر لصاحبه ونظيرها قوله تعالى: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ} تفسير : [النساء: 168-169].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الكفر: الجحود لله تعالى والتكذيب لرسوله وما جاء به من الدين والشرع. بعد إيمانهم: أي ارتدوا عن الإِسلام إلى الكفر. الضالون: المخطئون طريق الهدى. ملء الأرض: ما يملأها من الذهب. ولو افتدى به: ولو قدمه فداء لنفسه من النار ما قبل منه. معنى الآيتين: ما زال السياق في أهل الكتاب وهو هنا في اليهود خاصة إذ أخبر تعالى عنهم أنهم كفروا بعد إيمانهم كفروا بعيسى والإِنجيل بعد إيمانهم بموسى والتوراة. ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن فلن تقبل توبتهم إلا إذا تابوا بالإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن لكنهم مصرون على الكفر بهما فكيف تقبل توبتهم إذاً مع إصرارهم على الكفر، ولذا أخبر تعالى أنهم هم الضالون البالغون أبعد الحدود في الضلال ومن كانت هذه حاله فلا يتوب ولا تقبل توبته، ثم قرر مصيرهم بقوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً} يريد يوم القيامة مع أنه لا مال يومئذ ولكن من باب الفرض والتقدير لا غير. فلو أن لأحدهم ملء الأرض ذهباً وقبل منه فداء لنفسه من عذاب الله لافتدى، ولكن هيهات هيهات إنه يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، ولكن من جاء ربّه بقلب سليم من الشرك والشك وسائر أمراض القلوب نجا من النار ودخل الجنة بإذن الله تعالى. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- سنة الله فيمن توغل في الكفر أو الظلم أو الفسق وبلغ حداً بعيداً أنه لا يتوب. 2- اليأس من نجاة من مات كافراً يوم القيامة. 3- لا فدية تقبل يوم القيامة من أحد ولا فداء لأحد فيه.
القطان
تفسير : ان الذين كفروا بعد إيمانهم بالرسول وأصرّوا على كفرهم، فازدادوا بذلك جحودا - لن تُقبل توبتهم (مثل اغلب اليهود الذين عاصروا مبعث الرسالة المحمدية)، لأن قبول التوبة عند الله يتطلب من العبد الاستمرار على الايمان الصحيح، ولم يتوافر ذلك في حالهم. أما باب التوبة فإنه مفتوح دائما للمذنبين اذا تابوا توبة حقيقية. هؤلاء فريق، أما الفريق الآخر فهم أولئك الذين كفروا وظلوا على كفرهم حتى ماتوا. وهؤلاء لن يستطيع أحد منهم ان يفتدي نفسه من عذاب الله يوم القيامة، ولو عرض لفديته ما يملأ الأرض ذهبا. ذلك ان النجاة يوم القيامة لا تكون ببذل المال بل بالعمل الصالح المقرون بالإيمان. ولهؤلاء الذين اصروا على الكفر عذابٌ مؤلم وما لهم من ناصرين.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِيمَانِهِمْ} {وَأُوْلَـٰئِكَ} (90) - وَقَبُولُ التَّوبَةِ مُنوطٌ بالاسْتِمْرَارِ عَلَى الإِيمَانِ، فَالذِينَ يَكْفُرُونَ بَعْدَ إيمَانِهِمْ، وَيَزْدَادُونَ فِي كُفْرِهِمْ طُغْيَاناً وَفَسَاداً، وَإيذَاءً لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَسْتَمِرُّونَ فِي ذَلِكَ حَتَّى مَمَاتِهِمْ فإنَّ اللهَ لَنْ يَقْبَلَ التَّوْبَةَ التِي يُحْدِثُونَها وَقْتَ المَوْتِ لأنَّها لَيْسَتْ تَوْبَةً خَالِصَةً، وَهَؤُلاءِ هُمْ أَهْلُ الضَّلاَلَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه الآية تتحدث عن أولئك الذين كفروا بعد إيمانهم، وازدادوا كفراً، وهؤلاء لا تقبل توبتهم وهم الضالون، وقد جاءت مقابلة للآية السابقة، أناس تابوا وأناس لم يتوبوا. لكن كيف يزداد الكفر؟ إنه قد كفر في ذاته، وبعد ذلك كان عائقاً لغيره عن أن يؤمن، وهو لا يكتفي بخيبته، بل يحاول أن ينشر خيبته على الآخرين، وفي ذلك ازدياد في الكفر والعياذ بالله، وهذا القول قد نزل في بعض من اليهود الذين آمنوا بالبشارات التي تنبأت بمقدم عيسى عليه السلام، فلما جاء عيسى كفروا به، ولما جاء محمد ازدادوا كفراً. لقد كفروا بعيسى أولاً، ثم ازدادوا كفراً بمحمد وادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وهؤلاء ليسوا من الذين تابوا. أو أنهم أعلنوا التوبة باللسان، ولم يتوبوا التوبة النصوح، "والراجع في توبته كالمستهزئ بربه". وقانا الله وإياكم هذا المنقلب. وبعد ذلك يقول الحق: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ...}.
الأندلسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} قيل: نزلت في اليهود كفروا بعيسى وبالإِنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم. {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً} بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد أن آمنوا بنعته في التوراة. {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} المعنى لا توبة لهم فتقبل فنفي القبول. والمراد نفي التوبة ويكون ذلك في قوم بأعيانهم ختم الله عليهم بالكفر فيموتون عليه ولذلك لم تدخل الفاء في قوله: لن تقبل، إذ قوله الذين لا عموم فيه. {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ} لفظ الذين هنا عام فيمن كفر ومات على الكفر فلذلك دخلت الفاء في قوله: فلن يقبل تشبيهاً للموصول باسم الشرط. وقرىء نقبل بالنون ونصب ملء. وقرىء مل بحذف الهمزة والفاء حركتها على اللام. وانتصب ذهباً على التمييز، ولذلك يجوز دخول من عليه في غير القرآن. {وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ} قال الزمخشري: فإِن قلت: كيف موقع قوله: ولو افتدى به. قلت: هو كلام محمول على المعنى كأنه قيل: فلن تقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً. "انتهى". وهذا المعنى ينبو عنه هذا التركيب ولا يحتمله والذي يقتضيه هذا التركيب وينبغي أن يحمل عليه أن الله تعالى أخبر أنّ من مات كافراً لا يقبل منه ما يملأ الأرض من ذهب على كل حال يقصدها، ولو في حالة افتدائه من العذاب لأن حالة الإِفتداء هي حالة لا يمتنُّ فيها المفتدي على المفتدي منه، إذ هي حالة قهر من المفتدي منه للمفتدى، وقد قررنا في نحو هذا التركيب ان لو تأتي منبهة على أن ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء، وما بعدها جاء تنصيصاً على الحالة التي يظن انها لا تندرج فيما قبلها كقوله: اعطوا السائل ولو جاء على فرس مشعر بغناه فلا يناسب أن يعطي. (قال) الزمخشري: ويجوز أن يراد ولو افتدى بمثله كقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ} تفسير : [الزمر: 47] والمثل يحذف كثيراً في كلامهم، كقولك: ضربتُ ضربَ زيد، تريد مثل ضربه، وأبو يوسف أبو حنيفة، تريد مثله. ولا هيثم الليلة للمطي وقضية ولا أبا حسن لها تريد، ولا مثيل هيثم، ولا مثل أبي حسن. كما أنه يزاد في نحو قولهم: مثلك لا يفعل كذا، تريد أنت وذلك أن المثلين يسد أحدهما مسد الآخر فكانا في حكم شيء واحد. "انتهى". لا حاجة إلى تقدير مثل في قوله: ولو افتدي به. وكأنّ الزمخشري تخيّل ان ما نفي أن يقبل لا يمكن أن يفتدى به فاحتاج إلى اضمار مثل: حتى يغاير بين ما نفي قبوله وبين ما يفتدى به وليس كذلك، لأن ذلك كما ذكرنا على سبيل الفرض والتقدير، إذ لا يمكن عادة أن أحداً يملك ملأ الأرض ذهباً بحيث لو بذله في أية جهة بذله لم يقبل منه بل لو كان ذلك ممكناً لم يحتج إلى تقدير مثل لأنه نفي قبوله حتى في حالة الإفتراء وليس ما قدر في الآية نظير ما مثل به، لأن هذا التقدير لا يحتاج إليه ولا معنى له ولا في اللفظ ولا المعنى ما يدل عليه فلا يقدر وأما في ما مثل به من: ضرب ضرب زيد وأبو يوسف أبو حنيفة فبضرورة العقل يعلم أنه لا بد من تقدير مثل إن ضربك يستحيل أن يكون ضرب زيد وذات أبي يوسف يستحيل أن تكون ذات أبي حنيفة وأما لا هيثم الليلة مطي، فدل على حذف مثل ما تقرر في اللغة العربية أنّ لا التي لنفي الجنس لا تدخل على الاعلام فتؤثر فيها، فاحتيج الى إضمار مثل لتبقى على ما تقرر فيها إذ تقرر انها لا تعمل إلا في الجنس لأن العلمية تنافي عموم الجنس. وأما قوله: كما انه يزاد في مثلك لا يفعل كذا، تريد أنت فهنا قول قد قيل ولكن المختار عند حذاق النحويين ان الأسماء لا تزاد ولتقرير ان مثلك لا يفعل كذا ليست فيه مثل زائدة مكان غير هذا. ولو في قوله: ولو افتدى به وفيما قبله على سبيل الفرض لأنه لا يمكنه أن يأتي بملء الأرض ذهباً. {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ} الآية مناسبتها لما قبلها انه لما أخبر تعالى عمن مات كافراً أنه لا يقبل منه ملء الأرض ذهباً على سبيل الفرض لو أتى به حضٌ المؤمنين على الصدقة التي تنفع في الآخرة والبر ما تقرب به الى الله تعالى من أعمال الخير وغيا ذلك بلفظة حتى والإِنفاق مما يحبه المؤمن ولما سمع الصحابة رضوان الله عليهم هذه الآية تصدقوا لما كانوا يحبون، فتصدق أبو طلحة ببئر حاء، وزيد بن حارثة بفرس له كان يحبها، وأبو ذر بفحل خير أبله. {بِهِ عَلِيمٌ} أي مجاز عليه.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ارتدوا، العياذ بالله {بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} ثم لم يتوبوا {ثُمَّ} لم يتندموا بل {ٱزْدَادُواْ كُفْراً} أو إصراراً وعتواً واستكباراً {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} بعدما عاندوا {وَأُوْلَـٰئِكَ} المعاندون المصرون {هُمُ ٱلضَّآلُّونَ} [آل عمران: 90] المقصرون على الضلالة في بدء الفطرة، لا يرجى منهم الفلاح أصلاً بل: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ} في مدة أعمارهم {وَمَاتُواْ وَ} الحال أنه {هُمْ كُفَّارٌ} كما كانوا {فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ} أي: لن تقبل توبتهم عند الله وإن أنفق وافتدى كل واحد منهم ملء الأرض ذهباً رجاء أن تقبل توبته، بل {أُوْلَـٰئِكَ} الهالكون في تيه الضلال {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} دائماً مستمراً {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [آل عمران: 91] من أنواع النصر من الشفاعة والإنفاق والعمل الصالح والحج المبرور وغير ذلك. ثم لما سجل سبحاه عليهم العذاب بحيث لا يخفف عنهم أصلاً، ولا تقبل توبتهم وإن أنفق كل واحد منهم ملء الأرض ذهباً، نبه علكى المؤمنين طريق الإنفاق، وخاطبهم على وجه التأكيد والمبالغة فقال: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ} أي: لن تصلوا ولن تبلغوا أيها المؤمنون مرتبة الأبرار والأخيار عند الله مطلقاً {حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ} امتثالاً لأمره وطلباً لرضاه {مِمَّا تُحِبُّونَ} أي: من أحسن ما عندكم وأكرمه {وَ} اعلموا أن {مَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ} ولو حبة أو ذرة أو كلمة طيبة خالصاً لرضاه بلا شوب المنة والأذى {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لجميع أحوالكم ونياتكم {بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92] لا يغيب عن علمه شيء فيجازيكم على مقتضى علمه.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن الإمعان في الكفر بعد الإيمان بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ} [آل عمران: 90]، إشارة في الآيتين: إن الذين ستروا أنوار الأرواح بأستار الصفات البشرية، وحجب الأوصاف الحيوانية بعد إيمانهم بإقرار التوحيد عند الميثاق، إذا قال: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف: 172]، {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً} [آل عمران: 90]، بمتابعة الهوى ومخالفة الشرع والحق، وتربية الصفات السبعية والشيطانية، {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} [آل عمران: 90]، الصادرة منهم باللسان دون إنابة القلب وسلامته من أوصاف الكفر؛ وهي من أحب الدنيا وإتباع الهوى والإقبال على شهوات النفس والإعراض عن الحق، {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ} [آل عمران: 90]، في نية البهيمية والأخلاق السبعية حالة التوبة، ولا يهيمون أن يخرجوا منها بقدم الأنانية. {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [آل عمران: 91]، وضلوا في هذا النية {وَمَاتُواْ} [آل عمران: 91]؛ أي: ماتت قلوبهم {وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِه} [آل عمران: 91]؛ أي: بملء الأرض ذهباً من عذاب موت القلب {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 91]، بموت القلب وفقد المعرفة {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [آل عمران: 91]، على إحياء القلب بنور المعرفة، كما أحيى الله تعالى قلب المؤمن بنور المعرفة كقوله تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً} تفسير : [الأنعام: 122]. ثم أخبر عن نيل البر وإنه من إنفاق ما أحب إلى البر بقوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92]، إشارة في الآية: إنكم {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ} [آل عمران: 92]، والبار هو صفته، {حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]؛ أي: من أنفسكم؛ وهي أحب الأشياء إلى الخلق، {وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92]؛ يعني: أنفسكم في الله {فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92]، فبقدر ما تكونون له يكون لكم، كما قال: "من كان لله كان الله له"، إن الفراش ما نال من بر الشمع وهو شعلة حتى أنفق مما أحبه؛ وهو نفسه، فافهم جيداً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أن من كفر بعد إيمانه، ثم ازداد كفرا إلى كفره بتماديه في الغي والضلال، واستمراره على ترك الرشد والهدى، أنه لا تقبل توبتهم، أي: لا يوفقون لتوبة تقبل بل يمدهم الله في طغيانهم يعمهون، قال تعالى {أية : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة } {أية : فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم } تفسير : فالسيئات ينتج بعضها بعضا، وخصوصا لمن أقدم على الكفر العظيم وترك الصراط المستقيم، وقد قامت عليه الحجة ووضح الله له الآيات والبراهين، فهذا هو الذي سعى في قطع أسباب رحمة ربه عنه، وهو الذي سد على نفسه باب التوبة، ولهذا حصر الضلال في هذا الصنف، فقال { وأولئك هم الضالون } وأي: ضلال أعظم من ضلال من ترك الطريق عن بصيرة، وهؤلاء الكفرة إذا استمروا على كفرهم إلى الممات تعين هلاكهم وشقاؤهم الأبدي، ولم ينفعهم شيء، فلو أنفق أحدهم ملء الأرض ذهبا ليفتدي به من عذاب الله ما نفعه ذلك، بل لا يزالون في العذاب الأليم، لا شافع لهم ولا ناصر ولا مغيث ولا مجير ينقذهم من عذاب الله فأيسوا من كل خير، وجزموا على الخلود الدائم في العقاب والسخط، فعياذا بالله من حالهم.
همام الصنعاني
تفسير : 427- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً}: [الآية: 90]، قال: ازدادوا كفراً حين حضرهم الموت، فلم تقبل توبتهم حين حضرهم الموت. قال معمر: وقال مثل ذلك عطاء الخراسانين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):