Verse. 384 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا وَمَاتُوْا وَھُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُّقْبَلَ مِنْ اَحَدِھِمْ مِّلْءُ الْاَرْضِ ذَھَبًا وَّلَوِ افْتَدٰى بِہٖ۝۰ۭ اُولٰۗىِٕكَ لَھُمْ عَذَابٌ اَلِيْمٌ وَّمَا لَھُمْ مِّنْ نّٰصِرِيْنَ۝۹۱ۧ
Inna allatheena kafaroo wamatoo wahum kuffarun falan yuqbala min ahadihim milo alardi thahaban walawi iftada bihi olaika lahum AAathabun aleemun wama lahum min nasireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض» مقدار ما يملؤها «ذهبا ولو افتدى به» أدخل الفاء في خبر إن لشبه بالشرط وإيذانا بتسبب عدم القبول عن الموت على الكفر «أولئك لهم عذاب أليم» مؤلم «وما لهم من ناصرين» مانعين منه.

91

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الكافر على ثلاثة أقسام أحدها: الذي يتوب عن الكفر توبة صحيحة مقبولة وهو الذي ذكره الله تعالى في قوله {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [آل عمران: 89] وثانيهما: الذي يتوب عن ذلك الكفر توبة فاسدة وهو الذي ذكره الله في الآية المتقدمة وقال: إنه لن تقبل توبته وثالثهما: الذي يموت على الكفر من غير توبة ألبتة وهو المذكور في هذه الآية، ثم إنه تعالى أخبر عن هؤلاء بثلاثة أنواع. النوع الأول: قوله {فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْء ٱلأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ } قال الواحدي ملء الشيء قدر ما يملؤه وانتصب {ذَهَبًا } على التفسير، ومعنى التفسير: أن يكون الكلام تاماً إلا أن يكون مبهماً كقوله: عندي عشرون، فالعدد معلوم، والمعدود مبهم، فإذا قلت: درهماً فسرت العدد، وكذلك إذا قلت: هو أحسن الناس فقد أخبرت عن حسنه، ولم تبين في ماذا، فإذا قلت وجهاً أو فعلاً فقد بينته ونصبته على التفسير وإنما نصبته لأنه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه فلما خلا من هذين نصب لأن النصب أخف الحركات فيجعل كأنه لا عامل فيه قال صاحب «الكشاف» وقرأ الأعمش {ذَهَبَ } بالرفع رداً على ملء كما يقال: عندي عشرون نفساً رجال. وههنا ثلاثة أسئلة: السؤال الأول: لم قيل في الآية المتقدمة {لَّن تُقْبَلَ } بغير فاء وفي هذه الآية {فَلَن يُقْبَلَ } بالفاء؟. الجواب: أن دخول الفاء يدل على أن الكلام مبني على الشرط والجزاء، وعند عدم الفاء لم يفهم من الكلام كونه شرطا وجزاء، تقول: الذي جاءني له درهم، فهذا لا يفيد أن الدرهم حصل له بسبب المجيء، وإذا قلت: الذي جاءني فله درهم، فهذا لا يفيد أن الدرهم حصل له بسبب المجيء فذكر الفاء في هذه الآية يدل على أن عدم قبول الفدية معلل بالموت على الكفر. السؤال الثاني: ما فائدة الواو في قوله {وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ }؟. الجواب: ذكروا فيه وجوهاً الأول: قال الزجاج: إنها للعطف، والتقدير: لو تقرب إلى الله بملء الأرض ذهباً لم ينفعه ذلك مع كفره، ولو افتدى من العذاب بملء الأرض ذهباً لم قبل منه، وهذا اختيار ابن الأنباري قال: وهذا أوكد في التغليظ، لأنه تصريح بنفي القبول من جميع الوجوه الثاني: {الواو} دخلت لبيان التفصيل بعد الإجمال وذلك لأن قوله {فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْء ٱلأَرْضِ ذَهَبًا } يحتمل الوجوه الكثيرة، فنص على نفي القبول بجهة الفدية الثالث: وهو وجه خطر ببالي، وهو أن من غضب على بعض عبيده، فإذا أتحفه ذلك العبد بتحفة وهدية لم يقبلها ألبتة إلا أنه قد يقبل منه الفدية، فأما إذا لم يقبل منه الفدية أيضاً كان ذلك غاية الغضب، والمبالغة إنما تحصل بتلك المرتبة التي هي الغاية، فحكم تعالى بأنه لا يقبل منهم ملء الأرض ذهباً ولو كان واقعاً على سبيل الفداء تنبيهاً على أنه لما لم يكن مقبولاً بهذا الطريق، فبأن لا يكون مقبولاً منه بسائر الطرق أولى. السؤال الثالث: أن من المعلوم أن الكافر لا يملك يوم القيامة نقيراً ولا قطميراً ومعلوم أن بتقدير أن يملك الذهب فلا ينفع الذهب ألبتة في الدار الآخرة، فما فائدة قوله {لَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْء ٱلأَرْضِ ذَهَبًا }. الجواب: فيه وجهان أحدهما: أنهم إذا ماتوا على الكفر فلو أنهم كانوا قد أنفقوا في الدنيا ملء الأرض ذهباً لن يقبل الله تعالى ذلك منهم، لأن الطاعة مع الكفر لا تكون مقبولة والثاني: أن الكلام وقع على سبيل الفرض، والتقدير: فالذهب كناية عن أعز الأشياء، والتقدير: لو أن الكافر يوم القيامة قدر على أعز الأشياء ثم قدر على بذله في غاية الكثرة لعجز أن يتوسل بذلك إلى تخليص نفسه من عذاب الله، وبالجملة فالمقصود أنهم آيسون من تخليص النفس من العقاب. النوع الثاني: من الوعيد المذكور في هذه الآية قوله {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } واعلم أنه تعالى لما بيّن أن الكافر لا يمكنه تخليص النفس من العذاب، أردفه بصفة ذلك العذاب، فقال: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي مؤلم. النوع الثالث: من الوعيد قوله {وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ } والمعنى أنه تعالى لما بيّن أنه لا خلاص لهم عن هذا العذاب الأليم بسبب الفدية، بيّن أيضاً أنه لا خلاص لهم عنه بسبب النصرة والإعانة والشفاعة، ولأصحابنا أن يحتجوا بهذه الآية على إثبات الشفاعة وذلك لأنه تعالى ختم تعديد وعيد الكفار بعدم النصرة والشفاعة فلو حصل هذا المعنى في حق غير الكافر بطل تخصيص هذا الوعيد بالكفر، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : المِلء (بالكسر) مقدار ما يملأ الشيء، والملء (بالفتح) مصدر ملأت الشيء؛ ويقال: أعطني مِلأَه ومِلأيْه وثلاثة أمْلائِه. والواو في {وَلَوِ ٱفْتَدَى بِهِ} قيل: هي مقحمة زائدة؛ المعنى: فلن يقبل من أحدهم مِلء الأرض ذهباً لو ٱفتدى به. وقال أهل النظر من النحويين: لا يجوز أن تكون الواو مقحمة لأنها تدل على معنى. ومعنى الآية: فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً تبرُّعاً ولو ٱفتدى به. و «ذهباً» نصب على التفسير في قول الفرّاء. قال المفضّل: شرط التفسير أن يكون الكلام تامّاً وهو مُبْهَمٌ؛ كقولك عندي عشرون؛ فالعدد معلوم والمعدود مبهم؛ فإذا قلت درهماً فسّرت. وإنما نصب التمييز لأنه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه، وكان النصب أخف الحركات فجُعِل لكل ما لا عامل فيه. وقال الكسائيّ: نصب على إضمار مِنْ، أي من ذهب؛ كقوله: {أية : أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً} تفسير : [المائدة: 95] أي من صيام. وفي البخاريّ ومسلم عن قتادة عن أنس بن مالك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به فيقول نعم فيقال له قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك»تفسير : . لفظ البخاري. وقال مسلم بدل «قد كنت؛ كذبتَ، قد سُئلتَ».

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ } مقدار ما يملؤها {ذَهَبًا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ } أدخل الفاء في خبر (إن) لشبه (الذين) بالشرط، وإيذاناً بتسبب عدم القبول عن الموت على الكفر {أُوْلَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم {وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ } مانعين منه.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار} قال ابن عباس: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دخل من كان من أصحاب الحارث بن سويد حباً في الإسلام فنزلت هذه الآية فيمن مات منهم على الكفر، وقيل نزلت فيمن مات كافراً من جميع أصناف اليهود والنصارى وعبدة الأصنام، فالآية عامة في جميع من مات على الكفر {فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً} أي قدر ما يملأ الأرض من شرقها إلى غربها {ولو افتدى به} قيل معناه لو افتدى به والواو زائدة مقحمة وقيل الواو على حالها وفائدتها أنها للعطف والتقدير لو تقرب إلى الله بملء الأرض ذهباً وقد مات على كفره لم ينفعه ذلك وكذا لو افتدى من العذاب بملء الأرض ذهباً لن يقبل منه، وهذا آكد في التغليظ لأنه تصريح بنفي القبول من جميع الوجوه. فإن قلت الكافر لا يملك شيئاً في الآخرة فما وجه قوله فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً؟ قلت: الكلام ورد على سبيل الفرض والتقدير والمعنى لو أن للكافر قدر ملء الأرض ذهباً يوم القيامة لبذله في تخليص نفسه من العذاب ولكن لا يقدر على شيء من ذلك وقيل معناه لو أن الكافر أنفق في الدنيا ملء الأرض ذهباً ثم مات على كفره لم ينفعه ذلك لأن الطاعة مع الكفر غير مقبولة {أولئك} إشارة إلى من مات على الكفر {لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين} يعني مانعين يمنعونهم من العذاب (ق) عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يقول الله عز وجل لأهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لو أن لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم فيقول أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا الشرك" تفسير : لفظ مسلم. قوله عز وجل: {لن تنالوا البر} قال ابن عباس: يعني الجنة، وقيل: البر هو التقوى، وقيل هو الطاعة وقيل معناه لن تنالوا حقيقة البر ولن تكونوا أبرار حتى تنفقوا مما تحبون وقيل معناه لن تنالوا بر الله وهو ثوابه وأصل البر التوسع في فعل الخير يقال بر العبد ربه أي توسع في طاعته فالبر من الله الثواب ومن العبد الطاعة وقد يستعمل في الصدق وحسن الخلق لأنهما من الخير المتوسع فيه (ق) عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وأن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً"تفسير : . (م) عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال: "حديث : البر حسن الخلق والإثم ما حاك صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس منك فعلى هذا يكون المعنى عليكم بالأعمال الصالحة حتى تكونوا ابراراً وتدخلوا في زمرة الأبرار" تفسير : ومن قال إن لفظ البر هو الجنة فقال معنى الآية لن تنالوا الثواب البر المؤدي إلى الجنة {حتى تنفقوا مما تحبون} يعني من جيد أموالكم أنفسها عندكم قال الله تعالى: {أية : ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} تفسير : [البقرة: 267] وقيل هو أن تنفق من مالك ما أنت محتاج إليه قال الله تعالى: {أية : ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} تفسير : [الحشر: 9] (ق) عن أبي هريرة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: "حديث : إن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تهمل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا إلاّ وقد كان"تفسير : ، واختلفوا في هذا الإنفاق قال ابن عباس: هو الزكاة المفروضة والمعنى لن تنالوا حتى تخرجوا زكاة أموالكم فعلى هذا القول قيل إن الآية منسوخة بآية الزكاة وفيه بعداً لأنه ترغيب في إخراج الزكاة وقال ابن عمر: المراد بها سائر الصدقات وقال الحسن: كل شيء أنفقه المسلم من مالك مما يبتغي به وجه الله ويطلب ثوابه حتى التمرة فإنه يدخل في قوله: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون (ق) عن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً وكان أحب أمواله إليه بيرحا وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب قال أنس: فلما نزلت هذه الآية {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الله تعالى يقول في كتابه {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} وإن أحب أموالي إلي بيرحا وإنها صدقة لله عز وجل أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بخ بخ ذلك مال رابح" تفسير : أو قال ذلك مال رايح أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه قوله بخ بخ هي كلمة تقال عند المدح والرضا وتكريرها للمبالغة وهي مبنية على السكون فإذا وصلت جرب ونونت فقلت: بخ بخ قوله: مال رابح أي ذو ربح وفي الرواية الأخرى ذلك مال رايح بالياء معناه يروح عليك نفعه وثوابه وبيرحا اسم موضع بالمدينة وهو حائط كان لأبي طلحة. وروي عن مجاهد قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتحت فلما جاءت أعجبته فقال عمر إن الله عزّ وجلّ يقول لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون فأعتقها عمر وعن حمزة بن عبدالله بن عمر أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما خطرت على قلبه هذه الآية: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} قال عبدالله فذكرت ما أعطاني الله تعالى فما كان شيء أحب إليّ من فلانة فقلت هي حرة لوجه الله تعالى قال ولولا أني لا أعود في شيء جعلته لله لنكحتها وعن عمرو بن دينار قال لما نزلت هذه الآية لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون حديث : جاء زيد بن حارثة بفرس يقال لها سيل كان يحبها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: تصدق بهذه يا رسول الله فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد بن حارثة فقال يا رسول الله إنما أردت أن أتصدق بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد قبلت صدقتك" تفسير : وفي رواية حديث : كأن زيداً أوجد في نفسه فلما رأى ذلك منه النبي صلى الله عليه وسلم قال: أما إن الله قد قبلها تفسير : ورُوي أن أبا ذر نزل به ضيف فقال للراعي: ائتني بخير إبلي فجاء بناقة مهزولة فقال للراعي خنتني فقال الراعي وجدت خير الإبل فحلها فذكرت يوماً حاجتكم إليه فقال: إن يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي وقوله تعالى: {وما تنفقوا من شيء} يعني من أي شيء كان من طيب تحبونه أو من خبيث تكرهونه {فإن الله به عليم} أي يعلمه ويجازيكم به.

ابن عادل

تفسير : اعلم أن الكافر على ثلاثة أقسام: الأول: الذي يتوب عن الكفر توبةً صحيحةً مقبولةً، وهو المراد بقوله: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ} تفسير : [آل عمران: 89]. الثاني: الذي يتوب عن الكفر توبةً فاسدةً، وهو المذكور في الآيةِ المتقدمةِ، وقال: {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُم}. الثالث: الذي يموت على الكفر من غير توبةٍ، وهو المذكور في هذه الآية، وقد أخبر عن هؤلاء بثلاثة أشياء: أحدها: قوله: {فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً} قد تقدم أن عكرمة يقرأ: "نقبل ملء" بالنون مفعولاً به وقرأ بعضهم "فلن يقبل" - بالياء من تحت مبنيًّا للفاعل وهو الله تعالى، "مِلْءَ" بالنصب كما تقدم. وقرأ ابو جعفر وأبو السَّمَّال "مل الأرض" بطرح همزة "ملء"، نقل حركتها إلى الساكن قبلها. وبعضهم يدغم نحو هذا - أي لام "ملء" في لام "الأرضِ" - بعروض التقائهما. والملء: مقدار ما يُمْلأ الوعاء، والمَلْء - بفتح الميم - هو المصدر، يقال: ملأت القدر، أملؤها، مَلأ، والملاءة بضم الميم والمد: الملحَفة. و "ذهباً" العامة على نصبه، تمييزاً. وقال الكسائي: على إسقاط الخافض، وهذا كالأول؛ لأن التمييز مقدر بـ "من" واحتاجت "ملء" إلى تفسير؛ لأنها دالة على مقدار - كالقفيز والصّاع -. وقرأ الأعمش: "ذهب" - بالرفع -. قال الزمخشريُّ: ردًّا على "مِلْءُ" كما يقال: عندي عشرون نَفْساً رجال، يعني الردّ البدل، ويكون بدل نكرة من معرفة. قال أبو حيان: ولذلك ضبط الحذّاق قوله: "لك الحمد ملء السموات" بالرفع، على أنه نعت لِـ "الْحَمْد". واستضعفوا نصبه على الحال، لكونه معرفة. قال شهاب الدين: "يتعين نصبه على الحال، حتى يلزم ما ذكره من الضعف، بل هو منصوب على الظرف، أي: إن الحمد يقع مِلْئاً للسموات والأرض". فإن قيل: من المعلوم أن الكافر لا يملك يوم القيامة نقيراً ولا قطميراً، وبتقدير أن يملك الذهب فلا نَفْعَ فيه، فما فائدة ذكره؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أنهم إذا ماتوا على الكُفْر، فلو أنهم كانوا قد أنفقوا في الدنيا - مع الكفر - أموالاً، فإنها لا تكون مقبولة. الثاني: أن هذا على سبيل الفرْض والتقدير، فالذهب كناية عن أعز الأشياء، والتقدير: لو أن الكافر يوم القيامة قدر على أعز الأشياء، ثم قدر على بَذْله في غاية الكثرة، فعجز أن يتوسل بذلك إلى تخليص نفسه من العذاب، والمقصود أنهم آيسون من تخليص النفس من العقاب. روى أنس - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يَقُولُ اللهُ - لأهْوَن أهْلِ النَّارِ عَذَاباً يَومَ القِيَامَةِ -: لَوْ أنَّ لَكَ مَا فِي الأرْضِ مِنْ شَيءٍ، أكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ، فَيَقُولُ: أرَدتُّ مِنْك أهْوَنَ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلبِ آدَمَ: أنْ لا تُشْرِكَ بِي شَيْئاً، فأبَيْتَ إلاَّ أنْ تُشْرِكَ بِي " تفسير : قوله: "ولو افتدى به" الجمهور على ثبوت الواو، وهي واو الحال. قال الزمخشريّ: فإن قلت: كيف موقع قوله: "ولو افتدى به"؟ قلت: هو كلام محمول على المعنى، كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية، ولو افتدى بملء الأرض ذهباً. انتهى. والذي ينبغي أن يُحْمَل عليه: أن الله - تعالى - أخبر أن مَنْ مات كافراً لا يُقْبَل منه ما يملأ الأرض من ذهب على كل حال يقصدُها، ولو في حال افتدائه من العذاب، وذلك أن حالة الافتداء حالة لا يميز فيها المفتدي عن المفتدى منه؛ إذ هي حالة قهر من المفتدى منه للمفتدي. قال أبو حيان: وقد قررنا - في نحو هذا التركيب - أن "لَوْ" تأتي منبهة على أن ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء، وما بعدها جاء تنصيصاً على الحالة التي يظن أنها لا تندرج فيما قبلها، كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعْطُوا السَّائِلَ ولو جاء عَلَى فَرَسٍ" تفسير : وقوله: "حديث : رُدُّوا السَّائِلَ ولَو بِظِلْف محرق" تفسير : كأن هذه الأشياء مما ينبغي أن يؤتى بها؛ لأن كون السائل على فرس يُشْعر بغناه، فلا يناسب أن يُعْطَى، وكذلك الظلف المحرق، لا غناء فيه، فكان يناسب أن لا يُرَدَّ به السائل. قيل: الواو - هنا - زائدة، وقد يتأيد هذا بقراءة ابن أبي عبلة "لو افتدى به" - دون واو - معناه أنه جعل الافتداء شرطاً في عدم القبول، فلم يتعمم النفي وجود القبول. و "لو" قيل: هي - هنا - شرطية؛ بمعنى "إن" لا التي معناها لما كان سيقع لوقوع غيره؛ لأنها متعلقة بمستقبل، وهو قوله: "فلن تقبل"، وتلك متعلّقة بالماضي. قال الزجاج: إنها للعطف، والتقدير: لو تقرب إلى الله بملء الأرض ذهباً لن يقبل منه، ولو افتدى به لم تقبل منه، وهذا اختيار ابن الأنباري، قال: وهذا آكد في التغليظ؛ لأنه تصريح بنفي القبول من وجوه. وقيل: دخلت الواو لبيان التفصيل بعد الإجمال؛ لأن قوله: {فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً} يحتمل الوجوه الكثيرة، فنص على نفي القبول بجهة الفدية. وقال ابن الخطيب: إن مَنْ غضب على بعض عبيده، فإذا أتحفه ذلك العبد بتُحفَةٍ وهدية لم يقبلْها البتة، إلا أنه قد يُقْبَل منه الفدية، فأما إذا لم تُقْبَل منه الفدية - أيضاً - كان ذلك غاية الغضب، والمبالغة إنما تحصل بذكر ما هو الغاية، فحكمه - تعالى - بأنه لا يقبل منهم ملءَ الأرض ذهباً، ولو كان واقعاً على سبيل الفداء تنبيه على أنه إذا لم يكن مقبولاً لا بالفدية فبأن لا يقبل منهم بسائر الطرق أولى. وافتدى افتعل - من لفظ الفدية - وهو متعدٍّ لواحد؛ لأنه بمعنى فدى، فيكون افتعل فيه وفعل بمعنى، نحو: شَوَى، واشْتَوَى، ومفعوله محذوف، تقديره: افْتدَى نفسه. والهاء في "به" - فيها أقوال: أحدها: - وهو الأظهر - عودها على "ملء"؛ لأنه مقدار يملأها، أي: ولو افتدى بملء الأرض. الثاني: أن يعود على "ذَهَباً"، قاله أبو البقاء. قال أبو حيان: ويوجد في بعض التفاسير أنها تعود على الملء، أو على الذهب، فقوله: "أو على الذهب" غلط. قال شهاب الدين: "كأن وجه الغلط فيه أنه ليس محدَّثاً عنه، إنما جيء به بياناً وتفسيراً لغيره، فضلة". الثالث: أن يعود على "مِثْل" محذوف. قال الزمخشريُّ: "ويجوز أن يُراد: ولو افتدى بمثله، كقوله: {أية : لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَه} تفسير : [الرعد: 18]، والمثل يحذف في كلامهم كثيراً، كقولك: ضربت ضرب زيد - تريد: مثل ضربه - وقولك: أبو يوسف أبو حنيفة - أي: مثله -. وقوله: [الرجز] شعر : 1537- لا هَيْثَمَ اللَّيْلَةَ لِلْمَطِيِّ وَلاَ فَتَى إلاَّ ابْنُ خَيْبَرِيّ تفسير : و "قضية ولا أبا حسن لها" يريد: لا مثل هيثم، ولا مثل أبي حسن، كما أنه يزاد قولهم: مثلك لا يفعل كذا، يريدون: أنت لا تفعل كذا، وذلك أن المثلين يسد أحدهما مسد الآخر، فكانا في حكم شيء واحد". قال أبو حيان: "ولا حاجةَ إلى تقدير "مثل" في قوله: "ولو افتدى به"، وكأن الزمخشريَّ تخيَّل انَّ قدّر أن يُقْبَل لا يُمكن أن يُفْتَدَى به، فاحتاج إلى إضمار: "مثل" حتى يغاير ما نُفِي قبولُه وبين ما يفتدى به، وليس كذلك؛ لأن ذلك - ما ذكرناه - على سبيل الفرض والتقدير؛ إذ لا يمكن - عادةً - أن أحداً يملك مِلْءَ الأرض ذهباً، بحيث أنه لو بَذَلَهُ - على أيِّ جهةٍ بذله - لم يُقْبَل منه، بل لو كان ذلك ممكناً لم يَحْتَج إلى تقدير "مثل"؛ لأنه نفى قبوله - حتى في حالة الافتداء - وليس ما قدر في الآية نظير ما مثل به، لأن هذا التقدير لا يحتاج إليه، ولا معنى له، ولا في اللفظ، ولا في المعنى ما يدل عليه، فلا يقدر. وأما ما مثل به - من نحو: ضربت ضربَ زيدٍ، وأبو يوسف أبو حنيفةَ - فبضرورة العقل يُعْلَم أنه لا بد من تقدير مثل إذ ضربك يستحيل أن يكون ضربَ زيد، وذات أبي يوسف، يستحيل أن تكون ذاتَ أبي حنيفة. وأما "لا هيثم الليلة للمطي"، فدل على حذف "مثل" ما تقرر في اللغة العربية أن "لا" التي لنفي الجنس، لا تدخل على الأعلام، فتؤثر فيها، فاحتيج إلى إضمار: "مثل" لتبقى على ما تقرر فيها؛ إذ تقرر أنها لا تعمل إلا في الجنس؛ لأن العلمية تنافي عمومَ الجنس. وأما قوله: كما يزاد في: مثلك لا يفعل - تريد: أنت - فهذا قول قد قيل، ولكن المختار عند حُذَّاق النحويين أن الأسماء لا تزاد". قال شهاب الدين: وهذا الاعتراض - على طوله - جوابه ما قاله أبو القاسم - في خطبة كشافه - واللغوي وإن علك اللغة بلحييه والنحوي - وإن كان أنحَى من سيبويه - [لا يتصدى أحد لسلوك تلك الطرائقِ، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائقِ، إلا رجل قد برع في علمين مختصَّين بالقرآن المعاني والبديع - وتمهَّل في ارتيادهما آونةً، وتعب في التنقير عنهما أزمنةً]. قوله: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} هذا هو النوع الثاني من وعيده الذي توعَّدَهم به. ويجوز أن يكون "لهم": خبراً لاسم الإشارة، و "عَذَابٌ" فاعل به، وعمل لاعتماده على ذي خبره، أي: أولئك استقر لهم عذاب. وأن يكون "لَهُمْ" خبراً مقدَّماً, و "عَذَابٌ" مبتدأ مؤخر، والجملة خبر عن اسم الإشارة، والأول أحسن؛ لأن الإخبار بالمفرد أقرب من الإخبار بالجملة، والأول من قبيل الإخبار بالمفرد. قوله: {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} هذا هو النوع الثالث من الوعيد، ويجوز في إعرابه وجهان: أحدهما: أن يكون {مِّن نَّاصِرِينَ}: فاعلاً، وجاز عمل الجارّ؛ لاعتماده على حرف النفي، أي: وما استقر لهم من ناصرين. والثاني: أنه خبر مقدَّم، و {مِّن نَّاصِرِينَ}: مبتدأ مؤخر، و "مِنْ" مزيدة على الإعرابَيْن؛ لوجود الشرطين في زيادتها. وأتى بـ "ناصرين" جمعاً؛ لتوافق الفواصل. واحتجوا بهذه الآية على إثبات الشفاعة؛ لأنه - تعالى - ختم وعيد الكفار بعدم النصرة والشفاعة، فلو حصل هذا المعنى في حق غير الكافر بطل تخصيص هذا الوعيد بالكفر.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً} قال: هو كل كافر. وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟ فيقول: نعم. فيقال: لقد سئلت ما هو أيسر من ذلك "تفسير : . فذلك قوله تعالى {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار...} الآية. لفظ ابن جرير.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ} لمّا كان الموتُ على الكفر سبباً لامتناع قبولِ الفِديةِ زيدت الفاءُ هٰهنا للإشعار به، وملءُ الشيءِ ما يُملأ به، وذهباً تميـيزٌ وقرىء بالرفع على أنه بدلٌ من ملء، أو خبرٌ لمحذوفِ {وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ} محمولٌ على المعنى، كأنه قيل: فلن يُقبل من أحدهم فديةٌ ولو افتدى بملء الأرضِ ذهباً أو معطوف على مضمر تقديرُه فلن يقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذهباً لو تصدق به في الدنيا ولو افتدى به من العذاب في الآخرة، أو المرادُ ولو افتدى بمثلِه كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ} تفسير : [الزمر، الآية 47] والمِثلُ يحذف ويراد كثيراً لأن المِثلَين في حكم شيءٍ واحد {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافِهم بالصفات الشنيعةِ المذكورة {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} مؤلمٌ. اسمُ الإشارةِ مبتدأ والظرفُ خبرُه ولاعتماده على المبتدأ ارتفع به عذابٌ أليم على الفاعلية {وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ} في دفع العذابِ عنهم أو في تخفيفه، و{مِنْ} مزيدةٌ للاستغراق، وصيغةُ الجمعِ لمراعاة الضميرِ أي ليس لواحد منهم ناصرٌ واحد. {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ} مِنْ ناله نيلاً إذا أصابه، والخطابُ للمؤمنين وهو كلامٌ مستأنفٌ سيق لبـيان ما ينفعُ المؤمنين ويُقبلُ منهم إثرَ بـيانِ ما لا ينفعُ الكفرةَ ولا يُقبل منهم. أي لن تبلُغوا حقيقةَ البِرِّ الذي يتنافس فيه المتنافسون ولن تُدركوا شأوَه ولن تلحَقوا بزُمْرة الأبرارِ أو لن تنالوا برَّ الله تعالى وهو ثوابُه ورحمتُه ورضاه وجنتُه {حَتَّىٰ تُنفِقُواْ} أي في سبـيل الله عز وجل رغبةً فيما عنده، و{مِنْ} في قوله تعالى: {مِمَّا تُحِبُّونَ} تبعيضيّة ويؤيده قراءةُ من قرأ بعضَ ما تحبون، وقيل: بـيانيةٌ و{مَا} موصولةٌ أو موصوفة، أي مما تهوَوْن ويُعجبُكم من كرائمِ أموالِكم وأحبَّها إليكم كما في قوله تعالى: {أية : أَنفِقُواْ مِن طَيّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ } تفسير : [البقرة، الآية 267] أو مما يعُمّها وغيرَها من الأعمال والمُهَج، على أن المرادَ بالإنفاق مطلقُ البذلِ وفيه من الإيذان بعزة منالِ البرِّ ما لا يخفى، وكان السلفُ رضي الله عنهم إذا أحبوا شيئاً جعلوه لله عز وجل، ورُوي أنها لما نزلت حديث : جاء أبو طلحةَ فقال: يا رسولَ الله إن أحبَّ أموالي إليَّ بَـيْرحاءُ فضعْها يا رسولَ الله حيث أراك الله، فقال عليه السلام: «بخٍ بخٍ ذاك مالٌ رائجٌ أو رابحٌ وإني أرى أن تجعلَها في الأقربـين»تفسير : ، فقسَمها في أقاربه، حديث : وجاء زيدُ بنُ حارثةَ بفرسٍ له كان يحبُّها فقال: هذه في سبـيل الله فحمل عليها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أسامةَ بنَ زيدٍ فكأن زيداً وجَدَ في نفسه وقال: إنما أردتُ أن أتصدقَ بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إن الله تعالى قد قبِلها منك»تفسير : . قيل: وفيه دَلالةٌ على أن إنفاقَ أحبِّ الأموالِ على أقربِ الأقاربِ أفضلُ. وكتب عمرُ رضي الله عنه إلى أبـي موسى الأشعريِّ أن يشتريَ له جاريةً من سبْـي جَلولأَ يوم فُتِحت مدائنُ كِسْرىٰ فلما جاءت إليه أعجبتْه فقال: إن الله تعالى يقول: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران، الآية 92] فأعتقها، وروي أن عمرَ بنَ عبد العزيز كانت لزوجته جاريةٌ بارعةُ الجمال وكان عمرُ راغباً فيها وكان قد طلبها منها مراراً فلم تُعطِها إياه، ثم لما وليَ الخِلافةَ زيَّنَتْها وأرسلتها إليه فقالت: قد وهبتُكَها يا أميرَ المؤمنين فلتخدُمْك، قال: من أين ملكتِها، قالت: جئتُ بها من بـيت أبـي عبدِ الملك، ففتش عن كيفية تملُّكِها إياها، فقيل: إنه كان على فلانٍ العاملِ ديونٌ فلما تُوفيَ أُخِذت من ترِكَته، ففتش عن حال العاملِ وأحضر ورثتَه وأرضاهم جميعاً بإعطاء المالِ ثم توجّه إلى الجارية وكان يهواها هوىً شديداً، فقال: أنت حرةٌ لوجه الله تعالى، فقالت: لمَ يا أميرَ المؤمنين وقد أزحْتَ عن أمرها كلَّ شُبهة؟ قال: لستُ إذن ممن نهىٰ النفسَ عن الهوى. {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْء} ما شرطيةٌ جازمةٌ لتنفقوا منتصبةٌ به على المفعولية ومن تبعيضيةٌ متعلقةٌ بمحذوف هو صفةٌ لاسم الشرطِ، أيْ أيَّ شيءٍ تنفقوا كائناً من الأشياء، فإن المفردَ في مثل هذا الموضعِ واقعٌ موقعَ الجمعِ، وقيل: محلُّ الجارِّ والمجرور النصبُ على التميـيز أيْ أيَّ شيءٍ تنفقوا طيباً تحبُّونه أو خبـيثاً تكرَهونه، {فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} تعليلٌ لجوابِ الشرطِ واقعٌ موقِعَه، أي فمجازيكم يحسَبه جيداً كان أو رديئاً فإنه تعالى عليمٌ بكل شيءٍ تُنفِقونه علماً كاملاً بحيث لا يخفىٰ عليه شيءٌ من ذاته وصفاته، وتقديمُ الجارِّ والمجرور لرعاية الفواصلِ، وفيه من الترغيب في إنفاق الجيدِ والتحذيرِ عن إنفاق الرديء ما لا يخفى.

القشيري

تفسير : الإشارة منه: لِمنْ مات بعد فترته - وإن كانت له بداية حسنة - فلا يحشر في الآخرة مع أهل هذه القصة، ولو تشفع له ألف عارف، بل من كمال المكر به أنه يلقى شبهه في الآخرة على غيره حتى يتوهم معارفه من أهل المعرفة أنه هو - فلا يخطر ببال أحد أنه ينبغي أن يشفع له.

اسماعيل حقي

تفسير : { ان الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل} لما كان الموت على الكفر سببا لامتناع قبول الفدية دخلت الفاء ههنا ايذانا بسبية المبتدأ لخبره {من احدهم} فدية {ملء الارض ذهبا} تمييز اى ما يملؤها من شرقها الى غربها {ولو افتدى به} اى بملىء الارض ذهبا. فان قيل نفى قبول الافتداء يوهم ان الكافر يملك يوم القيامة من الذهب ما يفتدى به وهو لا يملك فيه تقيرا ولا قطميرا فضلا عن ان يملك ملىء الارض ذهبا. قلنا الكلام وارد على سبيل الفرض والتقدير فالذهب كناية من اعز الاشياء وكونه ملىء الارض كناية عن كونه فى غاية الكثرة والتقدير لو ان الكافر يوم القيامة قدر على أعز الاشياء بالغا الى غاية الكثرة وقدر على بذله لنيل اعز المطالب لا يقدر على ان يتوسل بذلك الى تخليص نفسه من عذاب الله تعالى المقصود بيان انهم آيسون من تخليص انفسهم من العقاب {اولئك} اشارة الى المذكورين باعتبار اتصافهم بالصفات الشنيعة المذكورة {لهم عذاب اليم} اى مؤلم {وما لهم من ناصرين} فى دفع العذاب عنهم او فى تخفيفه ومن مزيدة للاستغراق وصيغة الجمع لمراعاة الضمير اى ليس لواحد منهم ناصر واحد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يقول الله لاهون اهل النار عذابا يوم القيامة لو ان لك ما فى الارض من شىء أكنت تفدى به فيقول نعم فيقول اردت منك اهون من هذا وانت فى صلب آدم ان لا تشرك بى شيأ فابيت الا ان تشرك بى " .تفسير : قال الامام اعلم ان الكافر على ثلاثة اقسام احدها الذى يتوب عن الكفر توبة صحيحة مقبولة وهو الذى ذكره الله فى قوله {أية : إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم}.تفسير : [آل عمران: 89]. وثانيها الذى يتوب عن ذلك الكفر توبة فاسدة وهوالذى ذكره الله تعالى فى الآية المتقدمة وقال {أية : لن تقبل توبتهم}. تفسير : [آل عمران: 90]. وثالثها الذى يموت على الكفرمن غير توبة البتة وهو المذكور فى هذه الآية {ان الذين كفروا وماتوا وهم كفار} الآية انتهى وهم الذين رسخت هيئة استيلاء النفوس الامارة على قلوبهم وتمكنت وصارت رينا وتناهوا فى الشر والغى وتمادوا فى العناد والبغى فلن يقبل من احدهم ملىء الارض اذ لا يقبل هناك الا الامور النورانية الباقية لان الآخرة هى عالم النور والبقاء فلا وقع ولا خطر للامور الظلمانية الفانية فيها وهل كان سبب كفرهم واحتجابهم الا محبة هذه العوائق الفانية فكيف تكون فداءهم وسبب نجاتهم وقربهم وقبولهم وهى بعينها سبب هلاكهم وبعدهم وخسرانهم وحرمانهم فاياك من اوصاف الكفر وهى حب الدنيا واتباع الهوى والاقبال على شهوات النفس والاعراض عن الحق شعر : تراشهوت وكبر وحرص وحسد جوخون درركند وجوجان درجسد تفسير : يعنى كما ان الدم سارى فى العروق وجارى فيها وكذا الروح فى الجسد فكذلك هذه الصفات الذميمة محيطة بك شعر : كراين دشمنان تقويت يافتند سر ازحكم ورأى توبر تافتند هوا وهوس را نماند ستيز جوبينند سرنجه عقل تيز تفسير : يعنى اذا كان المرء تابعا للشرع وقضية العقل يكون غالبا على هواه فلا تجادله الصفات السبعية الشيطانية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اخوف ما اخاف على امتى اتباع الهوى وطول الامل فاما اتباع الهوى فيصد عن الحق واما طول الامل فينسى الآخرة " .تفسير : قال ذو النون المصرى مفتاح العبادة الفكرة وعلامة الاصابة مخالفة النفس والهوى ومخالفتها ترك شهواتها. قال جعفر بن نصير دفع الى الجنيد درهما فقال اشتربه التين الوزيرى فاشتريته فلما افطر اخذ واحدة ووضعها فى فيه ثم القاها وبكى وقال احمله فقلت له فى ذلك فقال هتف فى قلبى أما تستحى شهوة تركتها من اجله تعالى ثم تعود اليها. قال ابو سليمان الدارانى رحمه الله من احسن فى ليلة كوفى فى نهاره ومن احسن فى نهاره كوفى فى ليله ومن صدق فى ترك شهوة كفى مؤونتها والله اكرم من ان يعذب قلبا ترك شهوة لاجله. واعلم ان النفس عين لطيفة هى معدن الاخلاق الذميمة مودعة بين جنبى الانسان اى جميع جسده وهى امارة بالسوء وهى مجبولة على صد الروحانية المخلوقة من الملكوت الاعلى فانهم يأمرون بالخير وينهون عن الشر وهى مخلوقة من الملكوت السفلى كالشياطين وهم لا يأمرون الا بالشر ومنطبعهم التمرد والاباء والاستكبار ولهذا تأبى النفس من قبول الموعظة وتظهر التمرد كما قال الشيخ فى قصيدة البردة شعر : فان امارتى بالسوء ما اتعظت من جهلها بنذير الشيب والهرم تفسير : يعنى ان النفس الامارة بالسوء والعيب ما قبلت الوعظ من نذير الشيب فتمادت فى غواية الجهل بعد الهرم وما كبحت عنان جماح الشهوة بايدى الندم وقد خلق الله النفس على صورة جهنم وخلق بحسب كل دركة فيها صفة لها وهى باب من جهنم يدخل فيها من هذا الباب الى دركة من دركاتها السبع وهى سبع صفات الكبر والحرص والشهوة والحسد والغضب والبخل والحقد فمن زكى نفسه عن هذه الصفات فقد عبر عن هذه الدركات السفلية ووصل الى درجات الجنان العلوية كما قال الله تعالى {أية : قد أفلح من زكاها} تفسير : [الشمس: 9]. ومن لم يزك نفسه عن هذه الصفات بقى فى دركات جهنم خائبا خاسرا كما قال تعالى {أية : وقد خاب من دساها}تفسير : [الشمس: 10]. عصمنا الله واياكم من كيد النفس الامارة وشر الشيطان واصلح حالنا ما دامت الارواح فى الابدان آمين يا مستعان.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ذهباً} : تمييز، و {لو افتدى به}: محمول على المعنى، كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية، ولو افتدى بملء الأرض ذهباً، أو عطف على محذوف، أي: فلن يقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذهباً لو تقرب به في الدنيا، ولو افتدى به من العذاب في الآخرة. قاله البيضاوي. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الذين كفروا}، واستمروا على كفرهم حتى ماتوا، {يقبل} منهم فدية، ولو افتدوا بملء الأرض ذهباً، بل يحصل لهم الإياس من رحمة الله، {أولئك لهم عذاب أليم}؛ فلا ينفعهم فداء منه ولا شفاعة ولا حميم، {وما لهم من ناصرين} ينصروهم من عذاب رب العالمين. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"حديث : يُجَاءُ بالكَافِر، يومَ القيامةِ، فيُقال له: أرأيتَ لو كان لكَ ملءُ الأرض ذهباً - أكنْتَ مفتدِياً به؟ فيقولُ: نعم، نعم، فيُقال له: قد سُئلْتَ ما هو أيسرُ من ذلك"تفسير : . يعني: لا إله إلا الله: ثبتنا الله عليها إلى الممات عالمين بها. آمين. الإشارة: كل من كفر بطريق أهل الخصوصية، وحرم نفسه من دخول الحضرة القدوسية، واستمر على كفرانه إلى الممات، فلا شك أنه يحصل له الندم وقد زلّت به القدم، لأنه مات مصراً على الكبائر وهو لا يشعر، فإذا حشر مع عوام المسلمين، وسَكَن في رَبضِ الجنة مع أهل اليمين، ثم رأى منازل المقربين في أعلى عليين، ندم وتحسر، وقد غلبه القدر، فلو اشترى المُقَام معهم بملء الأرض ذهباً ما نفعه ذلك، فيمكث في غمّ الحجاب وعذاب القطيعة هنالك، مقطوع عن شهود الأحباب على نعت الكشف والبيان، ممنوع عن الشهود والعيان. وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : اللغة: الملء أصله الملأ، وهو تطفيح الأناء. ومنه الملأ الاشراف، لأنهم يملأون العين هيبة وجلالة. ومنه رجل ملىء بالامر، وهو أملأ به من غيره. والملأ اسم للمقدار الذي يملأ. والملأ بفتح العين مصدر ملأت الأناء ملأ. ومثله الرعي بكسر الراء: النبات, وبفتح الراء مصدر رعيته. قال الزجاج: ومن قال: هما سواء فقد غلط. الاعراب: وقوله: {ذهباً} نصب على التمييز. والتمييز على ضربين تمييز المقادير وتمييز الاعداد وكله مستحق النصب لاشتغال العامل بالاضافة أو ما عاقبها من النون الزائدة، فجرى ذلك مجرى الحال في اشتغال العامل بصاحبها، ومجرى المفعول في اشتغال العامل عنه بالفاعل. ومثل ذلك، عندي ملء زق عسلا وقدر نحي سمناً. المعنى: وقوله: {ولو افتدى به} فالفدية البدل على الشيء في إزالة الاذية. ومنه قوله: {أية : وفديناه بذبح عظيم}تفسير : لأنه بدل منه في ازالة الذبح عنه، ومنه فداء الاسير بغيره، لأنه بدل منه في إزالة القتل والاسر عنه. وقيل في معنى الافتداء هاهنا قولان: أحدهما - البيان عن أن ما كلفه في الدنيا يسير في جنب ما يبذله في الآخرة من الفداء الكثير لو وجد إليه السبيل، قال قتادة يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً، لكنت تفتدي به، فيقول: نعم، فيقال لقد سئلت أيسر من ذلك، فلم تفعل. والثاني - ما حكاه الزجاج أنه لو افتدى به في دار الدنيا مع الاقامة على الكفر لم يقبل منه. وقيل في دخول الواو في قوله {ولو افتدى به} قولان قال: قوم: هي زائدة اجاز ذلك الفراء. والمعنى لو افتدى به. قال الزجاج: وهذا غلط، لأن الكلام يجب حمله على فائدة إذا أمكن، ولا يحمل على الزيادة. والثاني - أنها دخلت لتفصيل نفي القبول بعد الاجمال، وذلك أن قوله {فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً} قد عم وجوه القبول بالنفي ثم أتى بالتفصيل، لئلا يتطرق عليه سوء التأويل، ولو قيل: بغير واو لم يكن قد عم النفي وجوه القبول، فقد دخلت الواو لهذه الفائدة من نفي التفصيل بعد الجملة، فأما الواو في قوله {وليكون من الموقنين} فانها عاطفة على محذوف في التقدير، والمعنى {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} ليعتبر {أية : وليكون من الموقنين}.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ} بيان لحال من بقى على الكفر {وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ} التّقييد بهذا القيد للاشعار بانّ الكافر يمكن ان يموت على الاسلام فلا يجوز بغض الكافر من حيث ذاته فى حال كفره وحياته، ولا لعنه بعد مماته الاّ لمن علم حاله فى حياته وانّه يموت على الكفر، او من سمع من صادقٍ بصير بحاله انّه مات او يموت على الكفر، وللاشارة اليه قال المولوىّ قدّس سرّه: شعر : هيج كافر را بخوارى منكَر يد كه مسلمان مر دنش باشد اميد جه خبر دارى زختم عمر او تا بكَر دانى از او يكباره رو تفسير : لكن ان ماتوا على الكفر {فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً} تميز محوّل عن الفاعل او منصوب بنزع الخافض اى ملء الارض من ذهب {وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ} نفسه اى ولو بالغ فى الافتداء به فانّ الافتعال اذا لم يفد المطاوعة يدلّ على المبالغة وعلى هذا فلا حاجة الى التّكلّف فى توجيه صحّة الاتيان به هاهنا لانّ ما بعد لو هذه يكون اخفى افراد الشّرط {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} واتى فى هذه بالفاء فى خبر الموصول تأكيداً للزوم الجزاء للشّرط، وترك الفاء فى خبر الموصول فى القرين السّابق مع انّه كان اولى بالتّأكيد والبسط والتّغليظ لانّ المرتدّ الّذى ازداد فى كفره لوضوح عقابه وشدّة عذابه كأنّ عذابه كان من المسلمات فلا حاجة له الى التّأكيد والتّغليظ والبسط ولذلك اقتصر فيه على ذكر عدم قبول التّوبة وكونهم من الضّالّين من دون ذكر عذاب وكيفيّة عقاب لهم بخلاف السّابق عليه واللاحق به، ولذلك ولكون الضّلالة من اوصافهم لا بياناً لعقابهم اتى بالعاطف فى قوله {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ} بخلاف قوله فى السّابق {أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ}، الآية، وبخلاف قوله فى الّلاحق: {اولئك لهم عذابٌ اليمٌ} فانّ الاتيان بالعاطف اشارة الى انّه معطوف ومعدود من اوصافهم المعلومة وليس المقام مقام سؤالٍ حتّى يجعل جواباً لسؤالٍ مقدّرٍ بخلاف الفقرتين الاخريين.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ}: نزلت على العموم فى كل كافر، وقال ابن عباس: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، دخل من كان من أصحاب الحارث بن سويد حيا فى الإسلام، فنزلت الآية فيمن مات منهم. {فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ}: كلها شرقاً وغرباً. {ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ}: قرن خبر {إن} بالفاء لأن عدم قبول ملء الأرض ذهباً، مسبباً عن موته كافراً، فكان الخبر فى مرتبة على صلة اسم {إن} وما عطف عليها تشبيهاً بترتيب الجواب على الشرط، وملء الأرض: ما يملؤها وكذا ملء الشىء: ما يملؤه، وقرئ ببناء يقل للفاعل وهو ضمير عائد إلى الله تعالى، ونصب ملْء. وقرئ بنقل حركة الهمزة للأم قبلها، وحذف الهمزة وهو قراءة لبعض من قرأ للبناء للمفعول، ورفع {ملء}، ولبعض من قرأ بالبناء للفاعل، ونصب {ملء}، و{ذهباً}: تمييز. وقرأ الأعمش بالرفع على أنهُ بدل من {ملء} وإنما جاز إبدال النكرة من المعرفة بدل كل، لأنها أفادت ما لم تفد المعرفة، وأن ملء الأرض مجمل، يصلح للذهب وغيره، والذهب بيان خاص، فإذا أفادت ما لم تفد المعرفة، جاز إبدالها سواء أفادت بتابعها أو بنفسها أو غير ذلك، هذا تحقيق المقام، وهو أولى مما شهر أنهُ لا يجوز ذلك إلا أن نعتت النكرة وإن لم تفد لم يجز، لأنه إبهام بعد تفسير، كقولك: مررت بزيد رجل لمن علم أن زيداً رجل، وإن قلت: كيف جعل الافتداء به غاية لعدم قبوله مع أن عدم القبول لا يتصور إلا بعد الافتداء؟ قلت: جاز، لأنهُ يجوز أن يقال فيمن أخذ منه مال قهراً عقوبة أنه قبل منه بمعنى أنه أجزأه عند السلطان فترك عقابه، ومعلوم أن الافتداء إذعان، والإذعان أولى، فكأنهُ قيل: لا يقبل ولو أذعن للافتداء به، فكيف لو لم يذعن أو لا يقبل؟ لو لم يذعن ولم يفتد به، ولو افتدى به إذعاناً على ما علمت من أن الواو قبل إن ولو الوصليتين حالية لو عاطفة على محذوف، وقد مر ثم رأيت القاضى كأنه استشعر هذا السؤال وأجاب بأن الواو للحال، والكلام محمول على المعنى، أى لن تقبل من أحدهم فدية، ولو افتدى بملء الأرض ذهباً، أو للعطف، أى لو تقرب به فى الدنيا ولو اقتدى به فى الآخرة من العذاب فى الآخرة، يعنى والله أعلم: والافتداء به فى الآخرة أولى، لأنه إذعان بخلاف التقرب به فى الدنيا مع الشرك، لعدم الإذعان فجعل الافتداء به فى الآخرة غاية، لأنه أولى وهذا الوجه الأخير بعينه هو مذهب الزجاج، ولفظه هكذا، ولو أنفق ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به، أيضاً فى الآخرة قال: فأخبر الله أنه لا يثنيهم على أعمالهم من الخير، ولا يقبل منهم الافتداء من العذاب، وليس كما قيل إن الواو زائدة حاملة على الدعاء، الزيادة أنهُ الافتداء فى الآخرة، وإذا قيل: لو افتدى به بلا واو نعت لو الافتداء ولا نحتاج لذلك لأن المعنى، لو كان له ملء الأرض، وافتدى به لم يقبل، بدليل الآية الأخرى {أية : ولو أن للذين ظلموا ما فى الأرض جميعاً} تفسير : وإلا فحكمه بزيادة لو لم يغن شيئاً فى قوله {لَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْض}، ويجوز تقدير مضاف وظرف، أى: ولو افتدى بمثله معه، بدليل قوله: {أية : ولو أن للذين ظلموا ما فى الأرض جميعاً}تفسير : ومثله معه. {أُوْلَـئِكَ}: الذين ماتوا وهم كفار. {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: ومعلوم فى الجملة أن من لا يقبل منه الفداء يعاقب، إلا أنه قد يقع قليلا، أنه لا يقبل الفداء فى الدنيا عن أحد، وإن عفى عنه بعد رد فدائه تكرماً، فأوضح كل الإيضاح، بأنه لا يقبل عنهم الفداء، وأن لهم عذاباً أليماً، لا عفواً. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حديث : يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال لهُ: أرأيت لو كان ملءُ الأرض ذهباً، أكنت مفدى به؟ فيقول: نعم يا رب، فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك فأبيت بمعنى الإيمانتفسير : . ورواية أنس بن مالك عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله عز وجل: لأهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لو أن لك ما فى الأرض من شىء، كنت تفتدى به؟ فيقول: نعم. فيقول: أردت منك أهون من هذا وأنت فى صلب آدم لم تشرك بى شيئاً فأبيت إلا الشرك ". تفسير : {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}: يمنعونه من العذاب، ومن التأكيد نفى جنس جماعة الناصر، أى لا جماعة من جماعات الناصرين لهم، وقدم {لهم} للفاصلة، وليليهم النفى والله أعلم.

الالوسي

تفسير : {إِن ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ } أي على كفرهم. {فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْء ٱلأَْرْضِ } من مشرقها إلى مغربها {ذَهَبًا } نصب على التمييز، وقرأ الأعمش ـ ذهب ـ بالرفع، وخرج على البدلية من {مّلْء } أو عطف البيان، أو الخبر لمحذوف، وقيل عليه: إنه لا بد من تقدير وصف ليحسن البدل ولا دلالة عليه ولم يعهد بيان المعرفة بالنكرة، وجعله خبراً إنما يحسن إذا جعلت الجملة صفة، أو حالاً ولا يخلو عن ضعف، وملء الشيء بالكسر مقدار ما يملؤه، وأما مَلء بالفتح فهو مصدر ملأه ملأ، وأما الملاءة بالضم والمد فهي الملحفة. وهٰهنا سؤال مشهور وهو أنه لم دخلت الفاء في خبر {إِنَّ} هنا ولم تدخل في الآية السابقة مع أن الآيتين سواء في صحة إدخال الفاء لتصور السببية ظاهراً؟ وأجاب غير واحد بأن الصلة في الآية الأولى الكفر وازدياده وذلك لا يترتب عليه عدم قبول التوبة بل إنما يترتب على/ الموت عليه إذ لو وقعت على ما ينبغي لقبلت بخلاف الموت على الكفرة في هذه الآية فإنه يترتب عليه ذلك ولذلك لو قال: من جاءني له درهم كان إقراراً بخلاف ما لو قرنه بالفاء ـ كما هو معروف بين الفقهاء ـ ولا يرد أن ترتب الحكم على الوصف دليل على السببية لأنا لا نسلم لزومه لأن التعبير بالموصول قد يكون لأغراض كالإيماء إلى تحقق الخبر كقوله:شعر : إن التي ضربت بيتاً مهاجرة بكوفة الجند غالت دونها غول تفسير : وقد فصل ذلك في المعاني؛ وقرىء ـ فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ـ على البناء للفاعل وهو الله تعالى ونصب ـ ملء وملء الأرض ـ بتخفيف الهمزتين. {وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ } قال ابن المنير في «الانتصاف»: إن هذه الواو المصاحبة للشرط تستدعي شرطاً آخر تعطف عليه الشرط المقترنة به ضرورة والعادة في مثل ذلك أن يكون المنطوق به منبهاً على المسكوت عنه بطريق الأولى مثاله قولك: أكرم زيداً ولو أساء فهذه الواو عطفت المذكور على محذوف تقديره ـ أكرم زيداً لو أحسن ولو أساء ـ إلا أنك نبهت بإيجاب إكرامه وإن أساء على أن إكرامه إن أحسن بطريق الأولى؛ ومنه {أية : كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَاء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ }تفسير : [النساء: 135] فإن معناه ـ والله تعالى أعلم ـ لو كان الحق على غيركم ولو كان عليكم ولكنه ذكر ما هو أعسر عليهم فأوجبه تنبيهاً على أن ما كان أسهل أولى بالوجوب، ولما كانت هذه الآية مخالفة لهذا النمط من الاستعمال لأن قوله سبحانه: {وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ } يقتضي شرطاً آخر محذوفاً يكون هذا المذكور منبهاً عليه بطريق الأولى، والحالة المذكورة أعني حالة افتدائهم ـ بملء الأرض ذهباً ـ هي أجدر الحالات بقبول الفدية، وليس وراءها حالة أخرى تكون أولى بالقبول منها ـ خاض المفسرون بتأويلها ـ فذكر الزمخشري ثلاثة أوجه حاصل الأول: أن عدم قبول ـ ملء الأرض ـ كناية عن عدم قبول فدية مّا لدلالة السياق على أن القبول يراد للخلاص وإنما عدل تصويراً للتكثير لأنه الغاية التي لا مطمح وراءها في العرف، وفي الضمير يراد {مّلْء ٱلأَْرْضِ } على الحقيقة فيصير المعنى لا تقبل منه فدية ولو افتدى ـ بملء الأرض ذهباً ـ ففي الأول نظر إلى العموم وسده مسد فدية ما، وفي الثاني إلى الحقيقة أو لكثرة المبالغة من غير نظر إلى القيام مقامها، وحاصل الثاني: أن المراد ولو افتدى بمثله معه كما صرح به في آية أخرى ولأنه علم أن الأول فدية أيضاً كأنه قيل: لا يقبل ملء الأرض فدية ولو ضوعف، ويرجع هذا إلى جعل الباء بمعنى مع، وتقدير مثل بعده أي مع مثله، وحاصل الثالث: أنه يقدر وصف يعينه المساق من نحو كان متصدقاً به، وحينئذ لا يكون الشرط المذكور من قبل ما يقصد به تأكيد الحكم السابق بل يكون شرطاً محذوف الجواب ويكون المعنى لا يقبل منه ـ ملء الأرض ذهباً لو تصدق ولو افتدى به أيضاً لم يقبل منه ـ وضمير {بِهِ } للمال من غير اعتبار وصف التصدق فالكلام من قبيل {أية : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ }تفسير : [فاطر: 11]، وعندي درهم ونصفه انتهى. ولا يخفى ما في ذلك من الخفاء والتكلف، وقريب من ذلك ما قيل: إن الواو زائدة، ويؤيد ذلك أنه قرىء في الشواذ بدونها وكذا القول: بأن {لَوْ } ليست وصلية بل شرطية، والجواب ما بعد أو هو ساد مسده، وذكر ابن المنير في الجواب مدعياً أن تطبيق الآية عليه أسهل وأقرب بل ادعى أنه من السهل الممتنع أن قبول الفدية التي هي ملء الأرض ذهباً تكون على أحوال تارة تؤخذ قهراً كأخد الدية، وكرة يقول المفتدي: أنا أفدي نفسي بكذا ولا يفعل، وأخرى يقول ذلك والفدية عتيدة ويسلمها لمن يؤمل قبولها منه فالمذكور في الآية أبلغ الأحوال وأجدرها بالقبول، وهي أن يفتدي بملء الأرض ذهباً افتداءاً محققاً بأن/ يقدر على هذا الأمر العظيم ويسلمه اختياراً، ومع ذلك لا يقبل منه فلأن لا يقبل منه مجرد قوله: أبذل المال وأقدر عليه، أو ما يجري هذا المجرى بطريق الأولى فتكون الواو والحالة هذه على بابها تنبيهاً على أن ثَمّ أحوالاً أخر لا يقع فيها القبول بطريق الأولى بالنسبة إلى الحالة المذكورة، وقوله تعالى: مصرح بذلك، والمراد به أنه لا خلاص لهم من الوعيد وإلا فقد علم أنهم في ذلك اليوم أفلس من ابن المُذَلَّق لا يقدرون على شيء، ونظير هذا قولك: لا أبيعك هذا الثوب بألف دينار ولو سلمتها إليَّ في يدي انتهى، وقريب منه ما ذكره أبو حيان قائلاً: إن الذي يقتضيه هذا التركيب وينبغي أن يحمل عليه أن الله تعالى أخبر أن من مات كافراً لا يقبل منه ما يملأ الأرض من ذهب على كل حال يقصدها ولو في حال افتدائه من العذاب لأن حالة الافتداء لا يمتن فيها المفتدي على المفتدى منه إذ هي حالة قهر من المفتدى منه، وقد قررنا في نحو هذا التركيب أن (لو) تأتي منبهة على أن ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء وما بعدها جاء تنصيصاً على الحالة التي يظن أنها لا تندرج فيما قبلها كقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : أعطوا السائل ولو جاء على فرس»تفسير : و «حديث : ردوا السائل ولو بظلف محرق» تفسير : كأن هذه الأشياء مما لا ينبغي أن يؤتى بها لأن كون السائل على فرس يشعر بغناه فلا يناسب أن يعطى، وكذلك الظلف المحرق لا غناء فيه فكان يناسب أن لا يرد السائل به. وكذلك حالة الافتداء يناسب أن يقبل منه ملء الأرض ذهباً لكنه لا يقبل، ونظيره {أية : وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ } تفسير : [يوسف: 17] لأنهم نفوا أن يصدقهم على كل حال حتى في حالة صدقهم وهي الحالة التي ينبغي أن يصدقوا فيها ولو لتعميم النفي والتأكيد له. هذا وقد أخرج الشيخان وابن جرير ـ واللفظ له ـ عن أنس عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت مفتدياً به؟ فيقول: نعم فيقال: لقد سئلت ما هو أيسر من ذلك فلم تفعل فذلك قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْءُ ٱلأَْرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ }تفسير : . {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } إسم الإشارة مبتدأ والظرف خبر ولاعتماده على المبتدأ رفع الفاعل، ويجوز أن يكون {لَهُمْ } خبراً مقدماً، و {عَذَابٌ } مبتدأ مؤخراً، والجملة خبر عن اسم الإشارة والأول أحسن، وفي تعقيب ما ذكر بهذه الجملة مبالغة في التحذير والإقناط لأن من لا يقبل منه الفداء ربما يعفى عنه تكرماً {وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ } في دفع العذاب أو تخفيفه، و {مِنْ } مزيدة بعد النفي للاستغراق وتزاد بعده سواء دخلت على مفرد أو جمع خلافاً لمن زعم أن ذلك مخصوص بالمفرد، وصيغة الجمع لمراعاة الضمير، وفيها توافق الفواصل، والمراد ليس لواحد منهم ناصر واحد. وما باب الإشارة:{أية : قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } تفسير : [آل عمران: 64] وهي كلمة التوحيد وترك اتباع الهوى والميل إلى السوى فإن ذلك لم يختلف فيه نبـي ولا كتاب قط {مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ } الخليل {يهودياً} متعلقاً بالتشبيه {وَلاَ نَصْرَانِيّا } قائلاً بالتثليث {وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا } مائلا عن الكون برؤية المكون {أية : مُسْلِمًا} تفسير : [آل عمران: 67] منقاداً عند جريان قضائه وقدره، أو ذاهباً إلى ما ذهب إليه المسلمون المصطفون القائلون {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ } تفسير : [الشورى: 11]، {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ } بشرط التجرد عن الكونين ومنع النفوس عن الالتفات إلى العالمين فإن الخليل لما بلغ حضرة القدس زاغ بصره عن عرائس الملك والملكوت فقال {أية : إِنّى بَرِىءٌ مّمَّا تُشْرِكُونَ */ إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَْرْضَ } تفسير : [الأنعام: 78-79] {وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ } العظيم يعني محمداً عليه من الله تعالى أفضل الصلاة وأكمل التسلم أولى أيضاً بمتابعة أبيه الخليل وسلوك منهجه الجليل لأنه زبدة مخيض محبته وخلاصة حقيقة فطرته {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } به صلى الله عليه وسلم وأشرقت عليهم أنواره وأينعت في رياض قلوبهم أسراراه {أية : وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [آل عمران: 68] كافة يحفظهم عن آفات القهر ويدخلهم في قباب العصمة ويبيح لهم ديار الكرامة {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } جعله أهل الله سبحانه خطاباً للمؤمنين كما قال بذلك بعض أهل الظاهر أي لا تفشوا أسرار الحق إلا إلى أهله ولا تقرّوا بمعاني الحقيقة للمحجوبين من الناس فيقعون فيكم ويقصدون سفك دمائكم {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ } أعني {هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ } من علم الباطن، {أَوْ} مثل ما {يُحَآجُّوكُمْ} به في زعمهم {عِندَ رَبِّكُمْ } وهو علم الظاهر. وحاصل المعنى: إن الهدى الجمع بين الظاهر والباطن وأما الاقتصار على علم الظاهر وإنكار الباطن فليس بهدى {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ } فيتصرف به حسب مشيئته التابعة لعلمه التابع للمعلوم في أزل الآزال {أية : وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ } تفسير : [آل عمران: 73] فكيف يتقيد بالقيود بل يتجلى حسبما تقتضيه الحكمة في المظاهر لأهل الشهود {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ } الخاصة {مَن يَشَاءُ} من عباده وهي المعرفة به وهي فوق مكاشفة غيب الملكوت ومشاهدة سر الجبروت، {أية : وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ } تفسير : [آل عمران: 74] الذي لا يكتنه {بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ } وهو عهد الروح بنعت الكشف؛ وعهد القلب بتلقي الخطاب، وعهد العقل بامتثال الأوامر والنواهي {وَٱتَّقَىٰ } من خطرات النفوس وطوارق الشهوات {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ } تفسير : [آل عمران: 76] أي فهو بالغ مقام حقيقة المحبة {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا } تفسير : [آل عمران: 77] الآية إشارة إلى من مال إلى خضرة الدنيا وآثرها على مشاهدة حضرة المولى وزين ظاهره بعبادة المقربين ومزجها بحب الرياسة فذلك الذي سقط عن رؤية اللقاء ومخاطبة الحق في الدنيا والآخرة {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ ٱللَّهِ } لأن الاستنباء لا يكون إلا بعد الفناء في التوحيد فمن محا الله تعالى بشريته بإفنائه عن نفسه وأثابه وجوداً نورانياً حقياً قابلاً للكتاب والحكمة العقلية لا يمكن أن يدعو إلى نفسه إذ الداعي إليها لا يكون إلا محجوباً بها، وبين الأمرين تناقض {وَلَـٰكِنِ } يقول: {أية : كُونُواْ رَبَّـٰنِيّينَ } تفسير : [آل عمران: 79] أي منسوبين إلى الرب، والمراد عابدين مرتاضين بالعلم والعمل والمواظبة على الطاعات لتغلب على أسراركم أنوار الرب، ولهم في الرباني عبارات كثيرة، فقال الشبلي: الرباني الذي لا يأخذ العلوم إلا من الرب ولا يرجع في شيء إلا إليه، وقال سهل: الرباني الذي لا يختار على ربه حالاً، وقال القاسم: هو المتخلق بأخلاق الرب علماً وحكماً، وقيل: هو الذي محق في وجوده ومحق عن شهوده، وقيل: هو الذي لا تؤثر فيه تصاريف الأقدار على اختلافها وقيل وقيل. وكل الأقوال ترد من منهل واحد، {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ وَٱلنَّبِيّيْنَ أَرْبَابًا } فإنها بعض مظاهره وهو سبحانه المطلق حتى عن قيد الإطلاق {أية : أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ }تفسير : [آل عمران: 80] أي أيأمركم بالاحتجاب برؤية الأشكال والنظر إلى الأمثال بعد أن لاح في أسراركم أنوار التوحيد وطلعت في قلوبكم شموس التفريد {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ }تفسير : [آل عمران: 81] الآية فيه إشارة إلى أنه سبحانه أخذ العهد من نواب الحقيقة المحمدية في الأزل بالانقياد والطاعة والإيمان بها، وخصهم بالذكر لكونهم أهل الصف الأول ورجال الحضرة، وقيل: إن الله تعالى أخذ عليهم ميثاق التعارف بينهم وإقامة الدين وعدم التفرق وتصديق بعضهم بعضاً ودعوة الخلق إلى التوحيد وتخصيص العبادة بالله تعالى وطاعة النبـي وتعريف بعضهم بعضاً لأممهم، وهذا غير الميثاق العام المشار إليه بقوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ/ مِن بَنِى ءادَمَ } تفسير : [الأعراف: 172] الخ {فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ } أي بعد ما علم عهد الله تعالى مع النبيين وتبليغ الأنبياء إليه ما عهد إليهم {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } تفسير : [آل عمران: 82] أي الخارجون عن دين الله تعالى ولا دين غيره معتداً به في الحقيقة إلا توهماً {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَْرْضَ } أي من في عالم الأرواح وعالم النفوس، أو من في عالم الملكوت وعالم الملك {طَوْعاً } باختياره وشعوره {وَكَرْهًا } من حيث لا يدري ولا يدري أنه لا يدري بسبب احتجابه برؤية الأغيار، ولهذا سقط عن درجة القبول {أية : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ }تفسير : [آل عمران: 83] في العاقبة حين يكشف عن ساق {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ } وهو التوحيد {دِينًا } له {فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ } لعدم وصوله إلى الحق لمكان الحجاب {وَهُوَ فِى ٱلأَْخِرَةِ } ويوم القيامة الكبرى {أية : مّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ }تفسير : [آل عمران: 85] الذين خسروا أنفسهم {أية : كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا } تفسير : [آل عمران: 86] الآية استبعاد لهداية من فطره الله على غير استعداد المعرفة، وحكم عليه بالكفر في سابق الأزل فإن من لم يكن له استعداد لم يقع في أنوار التجلي، ومن خاض في بحر القهر ولزم قعر بعد البعد لم يكن له سبيل إلى ساحل قرب القرب والله غالب على أمره ولله در من قال:شعر : إذا المرء لم يخلق سعيداً تحيرت ظنون مربيه وخاب المؤمل فموسى الذي رباه جبريل كافر وموسى الذي رباه فرعون مرسل تفسير : هذا والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

ابن عاشور

تفسير : استئناف لبيان حال الكافرين الذين ماتوا على كفرهم، نشأ عن حكم فريق من الكفار تكرّر منهم الكفر حتى رسخ فيهم وصار لهم ديدَناً. وإن كان المراد في الآية السابقة من الذين ازدادوا كفراً الذين ماتوا على الكفر، كانت هذه الآية كالتوكيد اللفظي للأولى أعيدت ليبنى عليها قوله: {فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً}. وأياً مّا كان فالمراد بالموصول هنا العموم مثل المعرّف بلام الاستغراق. والفاء في قوله: {فلن يقبل} مؤذنة بمعاملة الموصول معاملة اسم الشرط ليدل على أنّ الصلة هي علة عدم قبول التوبة، ولذلك لم يقترن خبر الموصول بالفاء في الجملة التي قبلها: {أية : إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم}تفسير : [آل عمران: 90] لأنّهم إذا فعلوا ذلك ولم يموتوا كافرين قبلت توبتهم، بخلاف الذين يموتون على الكفر فسبب عدم قبول التوبة منهم مصرّح به، وعليه فجملة فلن يقبل من أحدهم إلى آخرها في موضع خبر (إن) وجملة {أولئك لهم عذاب أليم} مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن الإخبار بأنه لن يقبل من أحدهم فدية ويجوز أن تكون جملة {فلن يقبل من أحدهم} إلى آخرها معترضة بين اسم (إنّ) وخبرها مقترنة بالفاء كالتي في قوله تعالى: {أية : ذلكم فذوقوه وأنّ للكافرين عذاب النار}تفسير : [الأنفال: 14] وتكون جملة {أولئك لهم عذاب أليم} خبر (إنّ). ومعنى {فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً} لن يقبل منهم بشيء يفتدون به في الآخرة لظهور أن ليس المراد نفي قبول الافتداء في الدنيا؛ ضرورة أنهم وصفوا بأنهم ماتُوا وهم كفار. والمِلْء - بكسر الميم - ما يملأ وعاءً، ومِلء الأرض في كلامهم كناية عن الكثرة المتعذّرة، لأنّ الأرض لا يملؤها شيء من الموجودات المقدّرة، وهذا كقولهم عدد رمال الدهناء، وعدد الحصى، ومُيز هذا المقدار بذَهباً لعزة الذهب وتنافس الناس في اقتنائه وقبول حاجة من بذله قال الحريري: شعر : وقارنتْ نَجْحَ المساعي خَطْرتُه تفسير : وقوله: {ولو افتدى به} جملة في موقع الحال، والواو واو الحال، أي لا يقبل منهم ولو في حال فرض الافتداء به، وحرف (لو) للشرط وحذف جوابه لدلالة ما قبله عليه، ومثل هذا الاستعمال شائع في كلام العرب، ولكثرته قال كثير من النحاة: إنّ لو وإن الشرطيتين في مثله مجرّدتان عن معنى الشرط لا يقصد بهما إلاّ المبالغة، ولَقبوهُما بالوصليتين: أي أنّهما لِمجرد الوصل والربط في مقام التأكيد. وتردّدوا أيضاً في إعراب الجملة الواقعة هذَا الموقع، وفي الواو المقترنة بها، والمحققون على أنّها واو الحال وإليه مَال الزمخشري، وابنُ جنّي، والمرزوقي. ومن النحاة من جعل الواو عاطفة على شرط محذوف هو ضدّ الشرط المذكور: كقوله تعالى: {أية : كونوا قوّامين بالقسط شهداء للَّه ولو على أنفسكم}تفسير : [النساء: 135]. ومن النحاة من جعل الواو للاستئناف، ذكره الرضي رادّاً عليه، وليس حقيقاً بالردّ: فإنّ للاستئناف البياني موقعاً مع هذه الواو. هذا وإنّ مواقع هذه الواو تؤذن بأنّ الشرط الذي بعدها شرط مفروضٌ هو غاية ما يتوقّع معه انتفاء الحكم الذي قبلها، فيذكره المتكلم لقصد تحقق الحكم في سائر الأحوال كقول عمرو بن معد يكرب: شعر : لَيْسَ الجمالُ بمِئْزَرٍ فاعْلَمْ وإنْ رُدِّيتَ بُرْدا تفسير : ولذلك جرت عادة النحاة أن يقدّروا قبلها شرطاً هو نقيض الشرط الذي بعدها فيقولون في مثل قوله: وإنْ رُدّيت بُردا - إنْ لم تُرَدَّ بُردا بل وإن رُدِّيتَ بردا - وكذا قول النابغة: شعر : سأكْعَمُ كَلبي أَن يَريبَك نبحُه ولو كنْتُ أرْعى مُسْحلانِ فَحَامِرا تفسير : ولأجل ذلك، ورد إشكال على هذه الآية: لأنّ ما بعد {ولو} فيها هو عين ما قبلها، إذ الافتداء هو عين بَذل مِلْءِ الأرض ذهباً، فلا يستقيم تقدير إن لم يفتد به بل ولَو افتدى به، ولذلك احتاج المفسرون إلى تأويلات في هذه الآية: فقال الزجّاج المعنى لن يقبل من أحدهم مِلء الأرض ذهباً ينفقه في الدنيا ولو افتدى به في الآخرة، أي لا يفديهم شيء من العذاب، وهذا الوجه بعيد، إذ لا يقدر أنّ في الآخرة افتداء حتى يبالغ عليه، وقال قوم: الواو زائدة، وقال في «الكشاف»: هو محمول على المعنى كأنه قيل: فلن تقبل من أحدهم فدية ولو افتدى مِلء الأرض ذهباً، يريد أنّ كلمة بمِلء الأرض في قوة كلمة فدية واختُصر بعد ذلك بالضمير، قال ويجوز أن يقدر كلمة (مثل) قبل الضمير المجرور: أي ولو افتدى بمثله أي ولو زاد ضعفَه كقوله: {أية : ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به}تفسير : [الزمر: 47]. وعندي أنّ موقع هذا الشرط في الآية جارٍ على استعمال غفل أهل العربية عن ذكره وهو أن يقع الشرط استئنافاً بيانياً جواباً لسؤال، محقّق أو مقدّر، يتوهمه المتكلم من المخاطَب فيريد تقريره، فلا يقتضي أنّ شرطها هو غاية للحكم المذكور قبله، بل قد يكون كذلك، وقد يكون السؤال مجرّد استغراب من الحكم فيقع بإعادة ما تضمّنه الحكم تثبيتاً على المتكلم على حدّ قولهم: «ادْرِ ما تقول» فيجيب المتكلم بإعادة السوال تقريراً له وإيذاناً بأنه تكلم عن بينة، نعم إنّ الغالب أن يكون السؤال عن الغاية وذلك كقول رؤبة، وهو من شواهد هذا: شعر : قالت بناتُ العَمِّ يا سلمَى وإنْ كَان فَقيراً مُعْدِمَا قالتْ وإنْ تفسير : وقد يحذف السؤال ويبقى الجواب كقول كعب بن زهير: شعر : لا تأخُذَنِّي بأقوال الوُشاة ولم أذْنِبْ وإنْ كَثُرَتْ فيّ الأقاويل تفسير : وقد يذكر السؤال ولا يذكر الجواب كقوله تعالى: {أية : أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أوَ لَوْ كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون}تفسير : [الزمر: 43] فلو ذكر الجواب من قبل المشركين لأجابوا بتقرير ذلك. فقوله: {ولو افتدى به} جواب سؤالِ متعجِّبٍ من الحكم وهو قوله: {فلن يقبل من أحدهم} فكأنه قال ولو افتدى به فأجيب بتقرير ذلك على حدّ بيت كعب. فمفاد هذا الشرط حينئذ مجرّد التأكيد. ويجوز أن يكون الشرط عطفاً على محذوف دلّ عليه افتدى: أي لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً يجعله رَهينة. ولو بذلُه فدية، لأنّ من عادة العرب أن المطلوب بحق قد يعطي فيه رَهناً إلى أن يقع الصلح أو العفو، وكذلك في الديون، وكانوا إذا تعاهدوا على صلح أعطت القبائل رَهائن منهم كما قال الحارث: شعر : واذْكروا حِلْف ذي المَجاز وما قُدِّ م فيه العُهُودُ والكُفَلاء تفسير : ووقع في حديث أبي رافع اليهودي أنّ مُحمد بن مَسلمة قال لأبي رافع: «نرهنك السلاح واللاّمة». وجملة {أولئك لهم عذاب أليم} فذلكة للمراد من قوله: {أية : إنّ الذين كفروا بعد إيمانهم}تفسير : [آل عمران: 90] الآيتين. وقوله: {وما لهم من ناصرين} تكميل لنفي أحوال الغَناء عنهم وذلك أنّ المأخوذ بشيء قد يعطي فدية من مال، وقد يكفُله من يوثق بكفالتهم، أو يشفع له من هو مسموع الكلمة، وكلٌّ من الكفيل والشفيع ناصر.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً} الآية. صرح في هذه الآية الكريمة، أن الكفار يوم القيامة لا يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به. وصرح في مواضع أخر أنه لو زيد بمثله لا يقبل منه أيضاً كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ} تفسير : [المائدة: 36] وبين في مواضع أخر، أنه لا يقبل فداء في ذلك اليوم منهم بتاتاً كقوله: {أية : فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [الحديد: 15] وقوله: {أية : وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ} تفسير : [الأنعام: 70] وقوله: {أية : وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ} تفسير : [البقرة: 123] والعدل الفداء.

د. أسعد حومد

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} {نَّاصِرِينَ} (91) - يُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى الذِينَ يَكْفُرُونَ بَعْدَ إيمَانِهِمْ، ثُمَّ يَزْدَادُونَ كُفْراً وَيَسْتَمِرُّونَ عَلَى الكُفْرِ إلى حِينِ مَمَاتِهِمْ، فَهَؤُلاءِ لَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ تَوْبَةٌ عِنْدَ المَمَاتِ، وَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُمْ عَمَلُ خَيْرٍ أبداً، وَلَوْ كَانُوا أنْفَقُوا مِلْءَ الأرْضِ ذَهَباً فِيمَا يَظُنُّونَ أنَّهُ خَيْرٌ وَقُرْبَةٌ إلى اللهِ. كَمَا لاَ تُقَبَلُ مِنْ أحَدِهِم فِدْيَةٌ وَلَوْ كَانَتْ فِي مِثْلِ الأرْضِ ذَهَباً، وَهَؤُلاءِ هُمُ الكَافِرُونَ، وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَلَنْ يَجِدُوا أحَداً يُنْقِذُهُمْ وَيُجِيرُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ الألِيمِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لقد كفروا، ولم يقدر الله لهم أن يتوبوا، فماتوا على الكفر، ويريد الله أن يعطينا حكماً خاصاً بعملهم في الدنيا، وحكماً خاصاً بما يتلقونه من عذاب في الآخرة، والحكم الخاص بعملهم في الدنيا سببه أن لهم اختياراً، والحكم الخاص بما يتلقونه في الآخرة من عقاب لأنه لا خيار لهم، وهنا للعلماء وقفة، فهل ملء الأرض ذهباً أنهم أنفقوا في حياتهم ملء الأرض ذهباً؟ نقول له: لا ينفعك هذا الإنفاق في أعمال الخير لأن أعمالك حابطة. هب أن كافراً مات على الكفر وقد أنفق في الخير ملء الأرض ذهباً، نقول له: هذا الإنفاق لا ينفع مع الخيانة العظمى وهي الكفر، فما دام غير مؤمن بإله، فهو قد أنفق هذا المال من أجل الناس، وصار منفقاً على من لا يقدر على أن يجازيه بالخير في الآخرة، لذلك فليس له عند الله شيء، فالذي يعمل عملاً، عليه أن يطلب أجراً ممن عمل له، فهل كان الله في بال ذلك الكافر؟ لا؛ لأنه مات على الكفر، لذلك لو أنفق ملء الأرض ذهباً فلن يقبل منه. لقد صنع ذلك الخير وفي باله الناس، والناس يعطونه حقه من الثناء، سواء كان مخترعاً أو محسناً أو غير ذلك، إنه ينال أجره من الإنسانية، وينطبق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "وفعلت ليقال وقد قيل". (من حديث شريف). كأن الله يقول له: لم أكن في بالك فلماذا تطلب مني أجراً في الآخرة، لم يكن في بالك أن الملك لي، قال سبحانه: {أية : يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر: 16]. وبعض الناس يقول: كيف لا ينال ثواب الآخرة من ملأوا الدنيا بالاكتشافات والابتكارات وخففوا بها آلام الإنسانية؟ ونقول: لقد أعطتهم الإنسانية وخلدت ذكراهم، وأقامت لهم التماثيل والمؤلفات والأعياد والجوائز، لقد عملوا للناس فأعطاهم الناس، فلا بخس في حقوقهم، ذلك أنهم لم يعملوا وفي بالهم الله، وقد صور الحق موقفهم التصوير الرائع فيقول جل شأنه: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [النور: 39]. إنه سراب ناتج عن تخيل الماء في الصحراء يتوهمه السائر العطشان في الصحراء نتيجة انعكاسات الضوء، فيظل السائر متجهاً إلى وهم الماء، إنه يصنع الأمل لنفسه، فإذا جاءه لم يجده شيئاً، ويفاجأ بوجود الله، فيندم ويتلقى العذاب، وكذلك لن يقبل منه ملء الأرض ذهباً لو أنفقه في أي خير في الدنيا، وبعد ذلك لن يقبل الله منه ملء الأرض ذهباً، لو افتدى به نفسه في الآخرة، إن كان سيجد ملء الأرض ذهباً، وعلى فرض أنه قد وجد ملء الأرض ذهباً، فهل يجد من يقبل ذلك منه؟ لا، إنّه في الحقيقة لن يجد الذهب؛ لأنه في الآخرة لم يعد يملك شيئاً: يقول الحق: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر: 16]. ويقول سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [النور: 39]. {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [آل عمران: 91] أي إن لهؤلاء عذاباً أليماً؛ لأن كل حدث من الأحداث إنما يأخذ قوته من قوة فاعله، فإذا كان الحدث التعذيبي منسوباً إلى الله وله مطلق القوة والقدرة، لذلك فالعذاب لن يطاق. ولن يجد الظالم من يدرأ عنه هذا العذاب. لأنه لن يجد ناصراً له، ولن يجد شفيعاً فلن يأتي أحد ويقول: إن فلاناً يتعذب فهيا بنا ننصره، لا يأتي أحد لينصره. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ...}.