Verse. 385 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتّٰى تُنْفِقُوْا مِمَّا تُحِبُّوْنَ۝۰ۥۭ وَمَا تُنْفِقُوْا مِنْ شَيْءٍ فَاِنَّ اللہَ بِہٖ عَلِيْمٌ۝۹۲
Lan tanaloo albirra hatta tunfiqoo mimma tuhibboona wama tunfiqoo min shayin fainna Allaha bihi AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لن تنالوا البرَّ» أي ثوابه وهو الجنَّةُ «حتى تنفقوا» تَصَّدَّقُوا «مما تحبون» من أموالكم «وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم» فيجازي عليه.

92

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بيّن أن الإنفاق لا ينفع الكافر ألبتة علم المؤمنين كيفية الإنفاق الذي ينتفعون به في الآخرة، فقال: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } وبيّن في هذه الآية أن من أنفق مما أحب كان من جملة الأبرار، ثم قال في آية أخرى {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِى نَعِيم} تفسير : [المطففين: 22] وقال أيضاً: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَـٰفُوراً } تفسير : [الإنسان: 5] وقال أيضاً: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ * عَلَى ٱلأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَـٰمُهُ مِسْكٌ وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ } تفسير : [المطففين: 22، 26] وقال: {أية : لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ } تفسير : [البقرة: 177] فالله تعالى لما فصل في سائر الآيات كيفية ثواب الأبرار اكتفى ههنا بأن ذكر أن من أنفق ما أحب نال البر، وفيه لطيفة أخرى. وهي أنه تعالى قال: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَٱلْمَلَـئِكَةِ } إلى آخر الآية، فذكر في هذه الآية أكثر أعمال الخير، وسماه البر ثم قال في هذه الآية {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } والمعنى أنكم وإن أتيتم بكل تلك الخيرات المذكورة في تلك الآية فإنكم لا تفوزون بفضيلة البر حتى تنفقوا مما تحبون، وهذا يدل على أن الإنسان إذا أنفق ما يحبه كان ذلك أفضل الطاعات، وههنا بحث وهو: أن لقائل أن يقول كلمة {حَتَّىٰ } لانتهاء الغاية فقوله {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } يقتضي أن من أنفق مما أحب فقد نال البر ومن نال البر دخل تحت الآيات الدالة على عظم الثواب للأبرار، فهذا يقتضي أن من أنفق ما أحب وصل إلى الثواب العظيم وإن لم يأت بسائر الطاعات، وهو باطل، وجواب هذا الإشكال: أن الإنسان لا يمكنه أن ينفق محبوبه إلا إذا توسل بإنفاق ذلك المحبوب إلى وجدان محبوب أشرف من الأول، فعلى هذا الإنسان لا يمكنه أن ينفق الدنيا في الدنيا إلا إذا تيقن سعادة الآخرة، ولا يمكنه أن يعترف بسعادة الآخرة إلا إذا أقر بوجود الصانع العالم القادر، وأقر بأنه يجب عليه الانقياد لتكاليفه وأوامره ونواهيه، فإذا تأملت علمت أن الإنسان لا يمكنه إنفاق الدنيا في الدنيا إلا إذا كان مستجمعاً لجميع الخصال المحمودة في الدنيا، ولنرجع إلى التفسير فنقول في الآية مسائل: المسألة الأولى: كان السلف إذا أحبوا شيئاً جعلوه لله، روي أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو طلحة: يا رسول الله لي حائط بالمدينة وهو أحب أموالي إليّ أفأتصدق به؟ فقال عليه السلام: «حديث : بخ بخ ذاك مال رابح، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين» تفسير : فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها في أقاربه، ويروى أنه جعلها بين حسّان بن ثابت وأُبي بن كعب رضي الله عنهما، وروي أن زيد بن حارثة رضي الله عنه جاء عند نزول هذه الآية بفرس له كان يحبه وجعله في سبيل الله، فحمل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة، فوجد زيد في نفسه فقال عليه السلام: «حديث : إن الله قد قبلها» تفسير : واشترى ابن عمر جارية أعجبته فأعتقها فقيل له: لم أعتقتها ولم تصب منها؟ فقال: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ }. المسألة الثانية: للمفسرين في تفسير البر قولان أحدهما: ما به يصيرون أبراراً حتى يدخلوا في قوله {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ } فيكون المراد بالبر ما يحصل منهم من الأعمال المقبولة والثاني: الثواب والجنة فكأنه قال: لن تنالوا هذه المنزلة إلا بالانفاق على هذا الوجه. أما القائلون بالقول الأول، فمنهم من قال: {ٱلْبَرّ } هو التقوى واحتج بقوله {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ } إلى قوله {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ } تفسير : [البقرة: 177] وقال أبو ذر: إن البر هو الخير، وهو قريب مما تقدم. وأما الذين قالوا: البر هو الجنة فمنهم من قال: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ } أي لن تنالوا ثواب البر، ومنهم من قال: المراد بر الله أولياءه وإكرامه إياهم وتفضله عليهم، وهو من قول الناس: برني فلان بكذا، وبر فلان لا ينقطع عني، وقال تعالى: {لاَّ يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدّينِ } إلى قول: {أية : أَن تَبَرُّوهُمْ } تفسير : [الممتحنة: 8]. المسألة الثالثة: اختلف المفسرون في قوله {مِمَّا تُحِبُّونَ } منهم من قال: إنه نفس المال، قال تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لِحُبّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } تفسير : [العاديات: 8] ومنهم من قال: أن تكون الهبة رفيعة جيدة، قال تعالى: {أية : وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ } تفسير : [البقرة: 267] ومنهم من قال: ما يكون محتاجاً إليه قال تعالى: {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبّهِ مِسْكِيناً } تفسير : [الإنسان: 8] أحد تفاسير الحب في هذه الآية على حاجتهم إليه، وقال: {أية : وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } تفسير : [الحشر: 9] وقال عليه السلام: «حديث : أفضل الصدقة ما تصدقت به وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر» تفسير : والأولى أن يقال: كل ذلك معتبر في باب الفضل وكثرة الثواب. المسألة الرابعة: اختلف المفسرون في أن هذا الانفاق، هل هو الزكاة أو غيرها؟ قال ابن عباس: أراد به الزكاة، يعني حتى تخرجوا زكاة أموالكم، وقال الحسن: كل شيء أنفقه المسلم من ماله طلب به وجه الله فإنه من الذين عنى الله سبحانه بقوله {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } حتى التمرة، والقاضي اختار القول الأول، واحتج عليه بأن هذا الانفاق، وقف الله عليه كون المكلف من الأبرار، والفوز بالجنة، بحيث لو لم يوجد هذا الانفاق، لم يصر العبد بهذه المنزلة، وما ذاك إلا الانفاق الواجب، وأقول: لو خصصنا الآية بغير الزكاة لكان أولى لأن الآية مخصوصة بإيتاء الأحب، والزكاة الواجبة ليس فيها إيتاء الأحب، فإنه لا يجب على المزكي أن يخرج أشرف أمواله وأكرمها، بل الصحيح أن هذه الآية مخصوصة بإيتاء المال على سبيل الندب. المسألة الخامسة: نقل الواحدي عن مجاهد والكلبي: أن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة، وهذا في غاية البعد لأن إيجاب الزكاة كيف ينافي الترغيب في بذل المحبوب لوجه الله سبحانه وتعالى. المسألة السادسة: قال بعضهم كلمة {مِنْ } في قوله {مِمَّا تُحِبُّونَ } للتبعيض، وقرأ عبد الله {حَتَّىٰ تُنفِقُواْ بَعْضِ مَا تُحِبُّونَ } وفيه إشارة إلى أن إنفاق الكل لا يجوز ثم قال: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } تفسير : [الفرقان: 67] وقال آخرون: إنها للتبيين. وأما قوله: { وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم}. ففيه سؤال: وهو أن يقال: قيل فإن الله به عليم على جهة جواب الشرط مع أن الله تعالى يعلمه على كل حال. والجواب: من وجهين الأول: أن فيه معنى الجزاء تقديره: وما تنفقوا من شيء فإن الله به يجازيكم قل أم كثر، لأنه عليم به لا يخفى عليه شيء منه، فجعل كونه عالماً بذلك الإنفاق كناية عن إعطاء الثواب، والتعريض في مثل هذا الموضع يكون أبلغ من التصريح والثاني: أنه تعالى يعلم الوجه الذي لأجله يفعلونه ويعلم أن الداعي إليه أهو الإخلاص أم الرياء ويعلم أنكم تنفقون الأحب الأجود، أم الأخس الأرذل. واعلم أن نظير هذه الآية قوله {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ } وقوله {أية : وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ } تفسير : [البقرة: 270] قال صاحب «الكشاف» {مِنْ } في قوله {مِن شَىْء } لتبيين ما ينفقونه أي من شيء كان طيباً تحبونه أو خبيثاً تكرهونه فإن الله به عليم يجازيكم على قدره.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى: روى الأئمة واللفظ للنسائي عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} قال أبو طلحة: إن ربنا ليسألنا من أموالنا فأشهدك يا رسول الله أني جعلت أرضي لله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ٱجعلها في قرابتك في حسان بن ثابت وأُبيّ بن كعب»تفسير : . وفي الموطأ «وكانت أحب أمواله إليه بَئرُحَاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيبٍ». وذكر الحديث. ففي هذه الآية دليل على ٱستعمال ظاهر الخطاب وعمومه؛ فإن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لم يفهموا من فحوى الخطاب حين نزلت الآية غير ذلك. ألا ترى أبا طلحة حين سمع {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ} الآية، لم يحتج أن يقف حتى يرد البيان الذي يريد اللَّهُ أن ينفق منه عبادُه بآية أخرى أو سنة مبيِّنة لذلك فإنهم يحبون أشياء كثيرة. وكذلك فعل زيد ٱبن حارثة. عَمِد مما يحب إلى فرس يقال له «سَبَل» وقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إليّ من فرسي هذه؛ فجاء بها (إلى) النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذا في سبيل الله. فقال لأسامة بن زيد «ٱقبضه». فكأنّ زيداً وجد من ذلك في نفسه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله قد قبلها منك»تفسير : . ذكره أسد بن موسى. وأعتق ٱبن عمر نافعاً مولاه، وكان أعطاه فيه عبد الله بن جعفر ألف دينار. قالت صفية بنت أبي عبيد: أظنه تأوّل قول الله عز وجل: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}. وروى شِبل عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سَبْي جَلُولاء يوم فتح مدائنِ كسْرَى؛ فقال سعد بن أبي وقاص، فدعا بها عمر فأعجبته، فقال إن الله عز وجل يقول: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} فأعتقها عمر رضي الله عنه. وروي عن الثوري أنه بلغه أن أمّ ولد الرّبيع بن خَيْثم قالت: كان إذا جاءه السائل يقول لي: يا فلانة أعطي السائل سكراً، فإن الربيع يحب السكر. قال سفيان: يتأوّل قوله جلّ وعز: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يشتري أعدالاً من سكر ويتصدّق بها. فقيل له: هلا تصدّقت بقيمتها؟ فقال: لأن السكر أحب إليّ فأردت أن أنفق مما أحبّ. وقال الحسن: إنكم لن تنالوا ما تحبون إلا بترك ما تشتهون، ولا تُدركوا ما تأمّلون إلا بالصبر على ما تكرهون. الثانية: وٱختلفوا في تأويل «البر» فقيل الجنة؛ عن ٱبن مسعود وٱبن عباس وعطاء ومجاهد وعمرو بن ميمون والسدي. والتقدير لن تنالوا ثواب البر حتى تنفقوا مما تحبون. والنَّوَال العطاءُ، من قولك نوّلته تنويلاً أعطيته. ونالني من فلان معروف ينالني، أي وصل إليّ. فالمعنى لن تصلوا إلى الجنة وتعطوها حتى تنفقوا مما تحبون. وقيل: البر العمل الصالح. وفي الحديث الصحيح: «حديث : عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر وإنَّ البر يهدي إلى الجنة»تفسير : . وقد مضى في البقرة. قال عطية العوفى: يعني الطاعة. عطاء: لن تنالوا شرف الدين والتقوى حتى تتصدقوا وأنتم أصحاء أشحّاء تأملون العيش وتخشون الفقر. وعن الحسن، «حتى تنفِقوا» هي الزكاة المفروضة. مجاهد والكلبي: هي منسوخة، نسختها آية الزكاة. وقيل: المعنى حتى تنفقوا مما تحبون في سبيل الخير من صدقة أو غيرها من الطاعات، وهذا جامع. وروى النسائيّ عن صعصعة بن معاوية قال: لقِيت أبا ذرٍّ قال: قلت حدّثني قال: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من عبد مسلم ينفق من كل ماله زوجين في سبيل الله إلا ٱستقبلته حجبة الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده»تفسير : . قلت: وكيف ذلك؟ قال: إن كانت إبلاً فبعيرين، وإن كانت بقراً فبقرتين. وقال أبو بكر الورّاق: دلّهم بهذه الآية على الفُتُوَّة. أي لن تنالوا بِرِّي بكم إلا بَبرِّكم بإخوانكم والإنفاق عليهم من أموالكم وجاهكم؛ فإذا فعلتم ذلك نالكم بِري وعطفي. قال مجاهد: وهو مثل قوله: {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً} تفسير : [الإنسان: 8]. {وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } أي وإذا علِم جازى عليه.

ابن كثير

تفسير : روى وكيع في تفسيره عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون {لن تنالوا البر} قال: الجنة، وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، سمع أنس بن مالك، يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالاً، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} قال أبو طلحة: يا رسول الله، إن الله يقول: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}، وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : بخ بخ، ذاك مال رابح، ذاك مال رابح، وقد سمعت، وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين»تفسير : . فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه، أخرجاه. وفي الصحيحين أن عمر قال: يا رسول الله، لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال: «حديث : حبس الأصل وسبل الثمرة» تفسير : وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي عمرو بن حماس، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، قال: قال عبد الله: حضرتني هذه الآية: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} فذكرت ما أعطاني الله، فلم أجد شيئاً أحب إليّ من جارية لي رومية، فقلت: هي حرة لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته لله، لنكحتها، يعني: تزوجتها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ } أي ثوابه وهو الجنة {حَتَّىٰ تُنفِقُواْ } تَصَدَّقُوا {مِمَّا تُحِبُّونَ } من أموالكم {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْء فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } فيجازىعليه.

الشوكاني

تفسير : هذا كلام مستأنف خطاب للمؤمنين عقب ذكر ما لا ينفع الكفار. قوله: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ } يقال: نالني من فلان معروف ينالني، أي: وصل إليّ، والنوال: العطاء من قولك نولته تنويلاً أعطيته. والبرّ: العمل الصالح، وقال ابن مسعود، وابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وعمرو بن ميمون، والسديّ: هو الجنة، فمعنى الآية: لن تنالوا العمل الصالح، أو الجنة، أي: تصلوا إلى ذلك، وتبلغوا إليه حتى تنفقوا مما تحبون، أي: حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها، و {مِنْ } تبعيضية، ويؤيده قراءة ابن مسعود: «حتى تنفقوا بعض ما تحبون» وقيل: بيانية {وَمَا } موصولة، أو موصوفة، والمراد النفقة في سبيل الخير من صدقة، أو غيرها من الطاعات، وقيل: المراد: الزكاة المفروضة. وقوله: {مِن شَىْء } بيان لقوله: {مَا تُنفِقُواْ} أي: ما تنفقوا من أيّ شيء سواء كان طيباً، أو خبيثاً {فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } و"ما" شرطية جازمة. وقوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } تعليل لجواب الشرط واقع موقعه. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن أنس: «أن أبا طلحة لما نزلت هذه الآية أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إن أحبّ أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة» الحديث. وقد روي بألفاظ. وأخرج عبد بن حميد، والبزار، عن ابن عمر قال: حضرتني هذه الآية: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } فذكرت ما أعطاني الله، فلم أجد شيئاً أحبّ إلي من مرجانة جارية لي رومية، فقلت: هي حرّة لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها، فأنكحتها نافعاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء، فدعا بها عمر، فقال: إن الله يقول: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } فأعتقها عمر، وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم: إنها لما نزلت الآية جاء زيد بن حارثة بفرس له يقال لها: سبل، لم يكن له مال أحبّ إليه منها، فقال: هي صدقة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن مسعود في قوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ } قال: الجنة. وأخرج ابن جرير، عن عمرو بن ميمون، والسدي مثله. وأخرج ابن المنذر، عن مسروق مثله.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى:{لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون} في البر ثلاثة تأويلات: أحدهما: أن البر ثواب الله تعالى. والثاني: أنه فعل الخير الذي يستحق به الثواب. والثالث: أن البر الجنة، وهو قول السدي. وفي قوله تعالى: {حَتَّى تُنفِقُواْ} ثلاثة أقاويل: أحدها: في الصدقات المفروضات، وهو قول الحسن. والثاني: في جميع الصدقات فرضاً وتطوعاً، وهو قول ابن عمر. والثالث: في سبيل الخير كلها من صدقة وغيرها. وروى عمرو بن دينار قال: لما نزلت هذه الآية {لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} جاء زيد بن حارثة بفرس له يقال لها (سَبَل) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: تَصَدَّقْ بهذه يا رسول الله، فأعطاها ابنه أسامة، فقال: يا رسول الله إنما أردت أن أتصدق بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : قَدْ قُبِلَتْ صَدَقَتُك ".

ابن عطية

تفسير : ذهب بعض الناس إلى أن يصل معاني هذه الآيات بعضها ببعض، من حيث أخبر تعالى: أنه لا يقبل من الموافي على الكفر {أية : ملء الأرض ذهباً} تفسير : [آل عمران: 91] وقد بان أنه يقبل من المؤمن القليل والكثير، فحض على الإنفاق من المحبوب المرغوب فيه، ثم ذكر تقرب إسرائيل عليه السلام، بتحريم ما كان يحب على نفسه، ليدل تعالى على أن جميع التقربات تدخل بالمعنى في جملة الإنفاق من المحبوب، وفسر جمهور المفسرين هذه الآيات، على أنها معان منحازة، نظمتها الفصاحة المعجزة أجمل نظم، وقوله تعالى {لن تناولوا} الآية، خطاب لجميع المؤمنين، وقال السدي وعمر بن ميمون: {البر} الجنة. قال الفقيه الإمام: وهذا تفسير بالمعنى، وإنما الخاص باللفظة أنه ما يفعله البر من أفاعيل الخير، فتحتمل الآية أن يريد: لن تنالوا بر الله تعالى بكم، أي رحمته ولطفه، ويحتمل أن يريد: لن تنالوا درجة الكمال من فعل البر حتى تكونوا أبراراً، إلا بالإنفاق المنضاف إلى سائر أعمالكم، وبسبب نزول هذه الآية، تصدق أبو طلحة بحائطه، المسمى بيرحاء، وتصدق زيد بن حارثة بفرس كان يحبها، فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة ابنه، فكأن زيداً شق عليه فقال له النبي: أما إن الله قد قبل صدقتك، وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن يشتري له جارية من سبي جلولاء وقت فتح مدائن كسرى علي يدي سعيد بن أبي وقاص فسيقت إليه وأحبها فدعا بها يوماً وقال: إن الله يقول {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}، فأعتقها. قال الفقيه الإمام أبو محمد: فهذا كله حمل للآية على أن قوله تعالى: {مما تحبون} أي من رغائب الأموال التي يضن بها، ويتفسر بقول النبي صلى الله عليه وسلم: خير الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى - الحديث - وذهب قوم من العلماء إلى أن ما يحب من المطعومات على جهة الاشتهاء يدخل في الآية، فكان عبد الله بن عمر، يشتهي أكل السكر بالوز فكان يشتري ذلك ويتصدق به ويتلو الآية. قال الفقيه الإمام أبو محمد: وإذا تأملت جميع الطاعات، وجدتها إنفاقاً مما يحب الإنسان، إما من ماله، وإما من صحته، وإما من دعته وترفهه، وهذه كلها محبوبات، وسأل رجل أبا ذر الغفاري رضي الله عنه، أي الأعمال أفضل؟ فقال: الصلاة عماد الإسلام، والجهاد سنام العمل، والصدقة شيء عجيب، فقال له الرجل: أراك تركت شيئاً وهو أوثقها في نفسي الصيام، فقال أبو ذر: قربة وليس هناك، ثم تلا {لن تنالوا البر} الآية، وقوله تعالى {وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم} شرط وجواب فيه وعد، أي عليم مجاز به وإن قل. قوله تعالى: {كل الطعام} الآية، إخبار بمغيب عن محمد صلى الله عليه وسلم وجميع الأميين لا يعلمه إلا الله وعلماء أهل الكتاب، وذهب كثير من المفسرين إلى أن معنى الآية: الرد على اليهود في قولهم في كل ما حرموه على أنفسهم من الأشياء: إنها محرمة عليهم بأمر الله في التوراة، فأكذبهم الله بهذه الآية، وأخبر أن جميع الطعام كان حلاً لهم، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه خاصة، ولم يرد به ولده، فلما استنوا هم به جاءت التوراة بتحريم ذلك عليهم، وليس من التوراة شيء من الزوائد التي يدعون أن الله حرمها، وإلى هذا تنحو ألفاظ السدي، وقال: إن الله تعالى حرم ذلك عليهم في التوراة عقوبة لاستنانهم في تحريم شيء إنما فعله يعقوب خاصة لنفسه، قال: فذلك قوله تعالى: {أية : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} تفسير : [النساء: 160]. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والظاهر في لفظة ظلم أنها مختصة بتحريم ونحوه، يدل على ذلك أن العقوبة وقعت بذلك النوع، وذهب قوم من العلماء إلى أن معنى الآية: الرد على قوم من اليهود قالوا: إن ما نحرمه الآن على أنفسنا من الأشياء التي لم تذكر في التوراة كان علينا حراماً في ملة أبينا إبراهيم، فأكذبهم الله وأخبر أن الطعام كله كان حلالاً لهم قبل التوراة {إلا ما حرم إسرائيل} في خاصته، ثم جاءت التوراة بتحريم ما نصت عليه، وبقيت هذه الزوائد في حيز افترائهم وكذبهم، وإلى هذا تنحو ألفاظ ابن عباس رضي الله عنهما وترجم الطبري في تفسير هذه الآية بتراجم، وأدخل تحتها أقوالاً توافق تراجمه، وحمل ألفاظ الضحاك أن الاستثناء منقطع وكأن المعنى: كل الطعام كان حلاً لهم قبل نزول التوراة وبعد نزولها. قال الفقيه الإمام أبو محمد: فيرجع المعنى إلى القول الأول الذي حكيناه، وحمل الطبري قول الضحاك إن معناه: لكن إسرائيل حرم على نفسه خاصة ولم يحرم الله على بني إسرائيل في توراة ولا غيرها. قال الفقيه الإمام: وهذا تحميل يرد عليه قوله تعالى: {أية : حرمنا عليهم} تفسير : [الأنعام: 146] وقوله صلى الله عليه وسلم: حرمت عليهم الشحوم إلى غير ذلك من الشواهد، وقوله تعالى: {حِلاًّ} معناه: حلالاً، و {إسرائيل} هو يعقوب، وانتزع من هذه الآية أن للأنبياء أن يحرموا باجتهادهم على أنفسهم ما اقتضاه النظر لمصلحة أو قربة أو زهد، ومن هذا على جهة المصلحة تحريم النبي صلى الله عليه وسلم جاريته، فعاتبه الله تعالى في ذلك ولم يعاتب يعقوب، فقيل: إن ذلك لحق آدمي ترتب في نازلة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: إن هذه تحريم تقرب وزهد، وتحريم الجارية تحريم غضب ومصلحة نفوس، واخلتف الناس في الشيء الذي حرمه يعقوب على نفسه فقال يوسف بن ماهك: جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال له: إنه جعل امرأته عليه حراماً، فقاله ابن عباس: إنها ليست عليك بحرام، فقال الأعرابي: ولم؟ والله تعالى يقول في كتابه {إلا ما حرم إسرائيل على نفسه} فضحك ابن عباس وقال: وما يدريك ما حرم إسرائيل؟ ثم أقبل على القوم يحدثهم، فقال: إن إسرائيل عرضت له الأنساء فأضنته فجعل لله ان شفاه من ذلك أن لا يطعم عرقاً، قال: فلذلك اليهود تنزع العروق من اللحم، وقال بمثل هذا القول قتادة وأبو مجلز وغيرهم، وقال ابن عباس والحسن بن أبي الحسن وعبد الله بن كثير ومجاهد أيضاً: إن الذي حرم إسرائيل هو لحوم الإبل وألبانها، ولم يختلف فيما علمت أن سبب التحريم هو بمرض أصابه، فجعل تحريم ذلك شكراً لله تعالى إن شفي، وقيل: هو وجع عرق النسا، وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن عصابة من بني إسرائيل قالوا له: يا محمد ما الذي حرم إسرائيل على نفسه؟ فقال لهم: أنشدكم بالله هل تعلمون أن يعقوب مرض مرضاً شديداً فطال سقمه منه فنذر لله نذراً إن عافاه الله من سقمه ليحرمنَّ أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل وألبانها؟ قالوا: اللهم نعم، وظاهر الأحاديث والتفاسير في هذه الأمر أن يعقوب عليه السلام حرم الإبل وألبانها، وهو يحبها، تقرباً إلى الله بذلك، إذ ترك الترفه والتنعم من القرب، وهذا هو الزهد في الدنيا، وإليه نحا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله: إياكم وهذه المجازر فإن لها ضراوة كضراوة الخمر ومن ذلك قول أبي حازم الزاهد، وقد مر بسوق الفاكهة فرأى محاسنها فقال: موعدك الجنة إن شاء الله، وحرم يعقوب عليه السلام أيضاً العروق، لكن بغضه لها لما كان امتحن بها، وهذا شيء يعتري نفوس البشر في غير ما شيء وليس في تحريم العروق قربة فيما يظهر، والله أعلم، وقد روي عن ابن عباس: أن يعقوب حرم العروق ولحوم الإبل، وأمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم بالإتيان بالتوراة، حتى يبين منها كيف الأمر، المعنى: فإنه أيها اليهود، كما أنزل الله عليَّ لا كما تدعون أنتم، قال الزجّاج: وفي هذا تعجيز لهم وإقامة الحجة عليهم، وهي كقصة المباهلة مع نصارى نجران.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْبِرَّ} ثواب الله ـ تعالى ـ، أو فعل الخير الذي يستحق به الثواب، أو الجنة. {تُنفِقُواْ} الصدقة المفروضة، أو الفرض والتطوع، أو الصدقة وغيرها من وجوه البر.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {أن تنزل} خفيفاً:ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. الباقون بالتشديد. {حج البيت} بكسر الحاء: يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد الباقون بفتحها. الوقوف: {تحبون} ط {عليم} ه {تنزل التوراة} ط {صادقين} ه {الظالمون} ه {حنيفاً} ط {المشركين} ه {للعالمين} ه ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً {مقام إبراهيم} ج للابتداء بالشرط مع الواو لأن الأمن من الآيات {آمنا} ط {سبيلا} ط {العالمين} ه {بآيات الله} ط قد قيل: والوده الوصل لأن الواو للحال {تعملون} ه {شهداء} ط {تعملون} ه {كافرين} ه {رسوله} ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط {مستقيم} ه. التفسير: إنه سبحانه لما ذكر أن الإنفاق لا ينفع الكافر ألبتة، علّم المؤمنين كيفية الإنفاق الذين ينتفعون به في الآخرة وهو الإنفاق من أحب الأشياء إليهم. وههنا لطيفة وهي / أنه سبحانه وتعالى سمى جوامع خصال الخير براً في قوله تعالى: {أية : ولكن البر من آمن بالله} تفسير : [البقرة:177] الآية.وذكر في هذه الآية {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} فالمعنى أنكم وإن أتيتم بكل الخيرات لم تفوزوا بإحراز خصلة البر ولم تبلغوا حقيقتها حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها وتؤثرونها. وكان السلف رحمهم الله إذ أحبوا شيئاً جعلوه لله. يروى أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال: حديث : يا رسول الله، حائط لي بالمدينة - يعني بيرحاء - وهو أحب أموالي إليّ صدقة. فقال صلى الله عليه وسلم "بخ بخ. ذاك مال رابح وإني أرى أن تجعلها في الأقربين" فقال أبو طلحة: افعل يا رسول الله. فقسمها صلى الله عليه وسلم في أقاربهتفسير : . وروي حديث : أنه صلى الله عليه وسلم جعلها بين حسان بن ثابت وأبيّ بن كعبتفسير : . وروي أن حديث : زيد بن حارثة جاء عند نزول الآية بفرس له كان يحبه وجعله في سبيل الله، فجعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد. فوجد زيد في نفسه وقال: إنما أردت أن تصدق به. فقال صلى الله عليه وسلم: "أما إن الله قد قبلها منك ". تفسير : وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبى جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى، فلما رآها أعجبته فقال: إن الله تعالى يقول: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} فأعتقها ولم يصب منها. ونزل بأبي ذرّ ضيف فقال للراعي: ائتني بخير إبلي. فجاء بناقة مهزولة فقال: خنتني. فقال: وجدت خير الإبل فحلها فذكرت يوم حاجتك إليه. فقال: إن يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي. وفي تفسير البر قولان: أحدهما ما به يصيرون أبراراً ليدخلوا في قوله: {أية : إن الأبرار لفي نعيم} تفسير : [الانفطار:13] فيكون المراد بالبر ما يصدر منهم من الأعمال المقبولة المذكورة في قوله: {أية : ولكن البر من آمن} تفسير : [البقرة:177] وجملتها التقوى لقوله: {أية : أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} تفسير : [البقرة:177] والثاني الجنة أي لن تنالوا ثواب البر. وقيل: المراد بر الله أولياءه وإكرامه إياهم من قول الناس "برني فلان بكذا وبر فلان لا ينقطع عني". وقال تعالى: {أية : أن تبروا وتتقوا} تفسير : [البقرة:224] و "من" في قوله: {مما تحبون} للتبعيض نحو: أخذت من المال. ويؤيده قراءة عبد الله بن مسعود {بعض ما تحبون} وفيه أن إنفاق كل المال غير مندوب بل غير جائز لمن يحتاج إليه. والمراد بما تحبون قال بعضهم: هو نفس المال لقوله تعالى: {أية : وإنه لحب الخير لشديد} تفسير : [العاديات:8] وقيل: هو ما يكون محتاجاً إليه كقوله: {أية : ويطعمون الطعام على حبه} تفسير : [الدهر:8] {أية : ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} تفسير : [الحشر:9] وقيل: هو أطيب المال وأرفعه كما مر. وعن ابن عباس أراد به الزكاة أي حتى تخرجوا زكاة أموالكم. ويريد عليه أنه لا يجب على المزكي أن يخرج أشرف أمواله وأكرمها، وقال الحسن: هو كل ما أنفقه المسلم من ماله يطلب به وجه الله. ونقل الواحدي عن مجاهد والكلبي انها منسوخة / بآية الزكاة. وضعف بأن إيجاب الزكاة لا ينافي الترغيب في بذل المحبوب لوجه الله. و "من" في {من شيء} للتبيين يعني من أي شيء كان، طيب أو خبيث {فإن الله به عليم} فيجازيكم بحسبه أو يعلم الوجه الذي لأجله تنفقون من الإخلاص أو الرياء. ثم إنه سبحانه بعد تقرير الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وبعد توجيه الإلزامات الواردة على أهل الكتاب في هذا الباب، أجاب عن شبهة للقوم وتقرير ذلك من وجوه: أحدها أنهم كانوا يعوّلون في إنكار شرع محمد صلى الله عليه وسلم على إنكار النسخ، فأورد عليهم أن الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه كان حلالاً ثم صار حراماً عليه وعلى أولاده وهو النسخ. ثم إن اليهود لما توجه عليهم هذا السؤال زعموا أن ذلك كان حراماً من لدن آدم ولم يحدث نسخ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يطالبهم بإحضار التوراة إلزاماً لهم وتفضيحاً ودلالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه كان أمياً فامتنع أن يعرف هذه المسألة الغامضة من علوم التوراة إلا بخبر من السماء. وثانيها أن اليهود قالوا له: إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم، فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها وتفتي بحلها مع أن ذلك كان حراماً في دين إبراهيم؟ فأجيبوا بأن ذلك كان حلالاً لإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب. إلا أن يعقوب حرمه على نفسه بسبب من الأسباب، وبقيت تلك الحرمة في أولاده، فأنكروا ذلك فأمروا بالرجوع الى التوراة. وثالثا لما نزل قوله تعالى: {أية : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} تفسير : [النساء:160] وقوله: {أية : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} تفسير : [الأنعام:146] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه إنما حرم عليهم كثير من الأشياء جزاء لهم على بغيهم وظلمهم. غاظهم ذلك واشمأزوا وامتعضوا من قبل أن ذلك يقتضي وقوع النسخ. ومن قبل أنه تسجيل عليهم بالبغي والظلم وغير ذلك من مساويهم. فقالوا: لسنا بأول من حرمت هي عليه وما هو إلا تحريم قديم فنزلت {كل الطعام} أي المطعومات كلها لدلالة كل على العموم وإن كان لفظه مفرداً سواء قلنا الاسم المفرد المحلى بالألف واللام يفيد العموم أولا. والطعام اسم لكل ما يطعم ويؤكل. وعن بعض أصحاب أبي حنيفة: إنه اسم البر خاصة. ويرد عليه أن المستثنى في الآية من الطعام كان شيئاً سوى الحنطة وما يتخذ منها. قال القفال: لم يبلغنا أنه كانت الميتة مباحة لهم مع أنها طعام، وكذا القول في الخنزير، فيحتمل أن يكون المراد الأطعمة التي كان يدعي اليهود في وقت نبينا صلى الله عليه وسلم أنها كانت محرمة على إبراهيم صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا يكون اللام في الطعام للعهد لا للاستغراق. والحل مصدر كالعز والذل ولذا استوى فيه الواحد والجمع. قال تعالى: {أية : لا هن حل لهم} تفسير : [الممتحنة:10] والوصف بالمصدر يفيد المبالغة، وأما الذي حرم إسرائيل على نفسه فروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يعقوب مرض / مرضاً شديداً فنذر لئن عافاه الله ليحرّمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام والشراب إليه لحمان الإبل وألبانها، وهذا قول أبي العالية وعطاء ومقاتل. وقيل: كان به عرق النسا فنذر إن شفاه الله أن لا يأكل شيئاً من العروق. وجاء في بعض الروايات أن الذي حرمه على نفسه زوائد الكبد والشحم إلا ما على الظهر. وههنا سؤال وهو أن التحريم والتحليل خطاب الله تعالى، فكيف صار تحريم يعقوب سبباً للحرمة؟ فأجاب المفسرون بأن الأطباء أشاروا إليه باجتنابه ففعل وذلك بإذن من الله فهو كتحريم الله ابتداء. وأيضاً لا يبعد أن يكون تحريم الإنسان سبباً لتحريم الله كالطلاق والعتاق في تحريم المرأة والجارية. وأيضاً الاجتهاد جائز على الأنبياء لعموم {أية : فاعتبروا} تفسير : [الحشر: 2] ولقوله في معرض المدح {أية : لعلمه الذين يستنبطونه منهم} تفسير : [النساء:83] ولأن الاجتهاد طاعة شاقة فيلزم أن يكون للأنبياء منها نصيب أوفر لا سيما ومعارفهم أكثر، وعقولهم أنور، وأذهانهم أصفة، وتوفيق الله وتسديده معهم أوفى. ثم إذا حكموا بحكم بسبب الاجتهاد يحرم على الأمة مخالفتهم في ذلك الحكم كما أن الإجماع إذا انعقد عن الاجتهاد فإنه يحرم مخالفته. والأظهر أن ذلك التحريم ما كان بالنص وإلا لقيل: إلا ما حرمه الله تعالى على إسرائيل. فلما نسب إلى إسرائيل دل على أنه باجتهاده كما يقال: الشافعي يحلل لحم الخيل، وأبو حنيفة يحرّمه. وقال الأصم: لعلّ نفسه كانت تتوق إلى هذه الأنواع فامتنع من أكلها قهراً للنفس كما يفعله الزهاد، فعبر عن ذلك الامتناع بالتحريم. وزعم قوم من المتكلمين أنه يجوز من الله تعالى أن يقول لعبده: احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب، فلعل هذه الواقعة كانت من هذا الباب. ومعنى قوله: {من قبل أن تنزل التوراة} إن هذا الاستثناء إنما كان قبل نزول التوراة، أما بعده فلم يبق كذلك بل حرم الله عليهم أنواعاً كثيرة بدليل قوله تعالى: {أية : فبظلم من الذين هادوا حرمنا} تفسير : [النساء:160] إلى آخر الآية. ثم إن القوم نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إخباره عن الله تعالى فأمروا بالرجوع إلى كتابهم كما سبق تقريره، فروي أنهم لم يجسروا على إخراج التوراة فبهتوا فلزمت الحجة عليهم وظهر إعجاز النبي صلى الله عليه وسلم وصدقه، فلهذا قال: {فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك} الذي ظهر من الحجة الباهرة {فأولئك هم الظالمون} الواضعون الباطل في موضع الحق، والكذب في مقام الصدق والعناد في محل الإنصاف. وأيضاً إن تكذيبهم وافتراءهم ظلم منهم لأنفسهم ولمن يقتدي بهم من أشياعهم {قل صدق الله} في جواب الشبه الثلاث وفيه تعريض بكذبهم {فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً} وهي التي عليه محمد صلى الله عليه وسلم ومن تبعه حتى تتخلصوا من اليهودية التي فيها فساد دينكم ودنياكم حيث ألجأتكم الى تحريف كتاب الله لأغراضكم الفاسدة / وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلت لإبراهيم ولمن يقتدي به {وما كان من المشركين} وفيه تنبيه على أن محمداً صلى الله عليه وسلم على دين إبراهيم في الفروع لما ثبت أن الذي حكم صلى الله عليه وسلم بحله حكم إبراهيم بحله. وفي الأصول لأن محمداً وإبراهيم كليهما صلى الله عليهما وسلم لا يدعوان إلا إلى التوحيد والبراءة عن كل معبود سوى الله تعالى، خلاف اليهود والنصارى، وخلاف عبدة الأوثان والكواكب. قوله سبحانه: {إن أول بيت وضع للناس} قال مجاهد: هو جواب عن شبهة أخرى لليهود وذلك أنهم قالوا: بيت المقدس أفضل من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء وأرض المحشر وقبلة الأنبياء. فكان تحويل القبلة منه إلى الكعبة كالطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن الآية المتقدمة سيقت لجواز النسخ، وإن أعظم الأمور التي أظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم نسخها هو القبلة، فذكر عقيب ذلك ما لأجله حولت القبلة إلى الكعبة. وقيل: لما انجر الكلام في الآية المتقدمة إلى قوله: {فاتبعوا ملة إبراهيم} وكان الحج من أعظم شعائر ملته، أردفها بفضيلة البيت ليفرع عليها إيجاب الحج. وقيل: زعم كل من اليهود والنصارى أنه على ملة إبراهيم، فبين الله تعالى ما يدل على كذبهم من حيث إن حج البيت كان من ملة إبراهيم وأهل الكتاب لا يحجون. قالت العلماء: الأول هو الفرد السابق، فلو قال: أول عبد أشتريه فهو حر. فلو اشترى عبدين في المرة الأولى لم يعتق واحد منهما لفقد قيد الفرد. ولو اشترى في المرة الثانية عبداً واحداً لم يعتق أيضاً لفقدان قيد السابق. ومعنى كونه موضوعاً للناس أنه جعل متعبدهم وموضع طاعتهم يتوجهون نحوه من جميع الأقطار، وليس كل أول يقتضي أن يكون له ثانٍ فضلاً أن يشاركه في جميع خواصه، فلا يلزم من كونه أول أن يكون بيت المقدس مثلاً ثانياً له ولا مشاركاً في وجوب الحج والاستقبال وغيرهما من الخواص. ثم إن كونه أول بيت وضع للناس يحتمل أن يكون المراد أنه أول في البناء والوضع، ويحتمل أن يراد أنه أول في الوضع وإن كان متأخراً في البناء، فلا جرم حصل فيه للمفسرين قولان: الأول أنه أول في بنائه ووضعه جميعاً. روى الواحدي رحمه الله في البسيط بإسناده عن مجاهد أنه قال: خلق الله هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرضين. وفي رواية أخرى: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرض بألفي سنة، وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى، وروى أيضاً عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن آبائه قال: إن الله تعالى بعث ملائكة فقال: ابنوا لي في الأرض بيتاً على مثال البيت المعمور. وأمر الله تعالى من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور. وهذا كان قبل خلق آدم وقد ورد في سائر كتب التفسير عن عبد الله بن عمر / ومجاهد والسدي أنه أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق الأرض والسماء، وقد خلقه الله قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على الماء ثم دحيت الأرض من تحته. وعن الزهري قال: بلغني أنهم وجدوا في مقام إبراهيم ثلاثة صفوح في كل صفح منها كتاب. في الصفح الأول: "أنا الله ذو بكة وضعتها يوم وضعت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء وباركت لأهلها في اللحم واللبن". وفي الثاني: "أنا الله ذو بكة، خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي. من وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته". وفي الثالث: "أنا الله ذو بكة خلقت الجن والإنس فطوبى لمن كان الخير على يديه ووبل لمن كان الشر على يديه". وقد يستدل على صحة هذا القول بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: حديث : ألا إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرضتفسير : . وتحريم مكة لا يمكن إلا بعد وجودها ولأنه تعالى سماها أم القرى، وهذا يقتضي سبقها على سائر البقاع، ولأن تكليف الصلاة كان ثابتاً في أديان جميع الأنبياء. وأيضاً قال تعالى في سورة مريم {أية : أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم}تفسير : [مريم:58] إلى قوله: {أية : خروا سجداً} تفسير : [مريم:58] والسجدة لا بد لها من قبلة فلو كانت قبلتهم غير الكعبة لم تكن هي أول بيت وضع للناس هذا محال خلف. القول الثاني: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أول مسجد وضع للناس؟ فقال: "حديث : المسجد الحرام ثم بيت المقدس فسئل كم بينهما؟ قال: أربعون سنة" تفسير : وعن علي أن رجلاً قال له: هو أول بيت؟ قال: لا. قد كان قبله بيوت، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركاً، فيه الهدى والرحمة والبركة. واعلم أن الغرض الأصلي من ذكر هذه الأوّلية بيان الفضيلة وترجيحه على بيت المقدس. ولا تأثير لأولية البناء في هذا المقصود، وإن كان الأرجح ثبوت تلك الأولية أيضاً كما روينا آنفاً، وفي سورة البقرة أيضاً من الأخبار والآثار. فمن فضائل البيت أن الآمر ببنائه الرب الجليل، والمهندس جبرائيل، وبانية إبراهيم الخليل وتلميذة ابنه إسماعيل. ومنها أنه محل إجابة الدعوات ومهبط الخيرات والبركات، ومصعد الصلوات والطاعات، ومنها مقام إبراهيم كما يجيء، ومنه قلة ما يجتمع من حصى الجمار فيه فإنه منذ ألف سنة يرمي في كل سنة خمسمائة ألف إنسان كل واحد منهم سبعين حصاة ثم لا يرى هناك إلا ما لو اجتمع في سنة واحدة لكان غير كثير. وليس الموضع الذي يرمي إليه الجمرات مسيل ماء أو مهب رياح شديدة، وقد جاء في الآثار أن كل من كانت حجته مقبولة رفعت جمراته إلى السماء. ومنها أن الطيور تترك المرور فوق الكعبة وتنحرف عنها البتة إذا / وصلت إلى محاذاتها. ومنها أن الحيوانات المتضادة في الطبائع لا يؤذي بعضها بعضاً عنده كالكلاب والظباء، ومنها أمن سكانها فلم ينقل ألبتة أن ظالماً هدم الكعبة أو خرب مكة بالكلية، وأما بيت المقدس فقد هدمه بختنصر بالكلية، وقصة أصحاب الفيل سوف تجيء في موضعها إن شاء العزيز، ومنها أنه تعالى وضعها بواد غير ذي زرع لفوائد منها: أنه قطع بذلك رجاء أهل حرمة وسدنة بيته عمن سواءه حتى لا يتوكلوا إلا على الله. ومنها أنه مع كونه كذلك يجبى إليه ثمرات كل شيء وذلك بدعوة خليلة إبراهيم صلى الله عليه وسلم وإنه من أعظم الآيات ومنها أن لا يسكنها أحد من الجبابرة لأنهم يميلون إلى طيبات الدنيا، فيبقى ذلك الموضع المنيف والمقام الشريف مطهراً عن لوث وجود أرباب الهمم الدنية.ومنها أن لا يقصدها الناس للتجارة بل يأتون لمحض العبادة والزيارة، ومنها أنه تعالى أظهر بذلك شرف الفقر حيث وضع أشرف البيت في أقل المواضع نصيباً من الدنيا فكأنه تعالى يقول: جعلت الفقراء في الدنيا أهل البلد الأمين لأجعلهم في الآخرة أهل المقام الأمين. ومنها كأنه قيل: كما لم أجعل الكعبة إلا في موضع خال عن جميع نعم الدنيا فكذا لا أجعل كعبة المعرفة إلا في قلب خال عن محبة الدنيا {للذي ببكة} للبيت الذي ببكة قال في الكشاف: وهي علم للبلد الحرام. ومكة وبكة لغتان كراتب وراتم. وضربة لازم ولازب مما يعتقب فيه الميم والباء لتقارب مخرجهما. وقيل: مكة البلد وبكة موضع المسجد. وفي الصحاح بكة اسم لبطن مكة, وأما اشتقاق بكة فمن قولهم بكة إذا زحمه ودفعه، وعن سعيد بن جبير: سميت بكة لأنهم يتباكون فيها أي يزدحمون في الطواف وهو قول محمد بن علي الباقر ومجاهد وقتادة. قال بعضهم: رأيت محمد بن علي الباقر يصلي. فمرت امرأة بين يديه فذهبت أدفعها فقال: دعها فإنها سميت بكة لأنه يبك بعضهم بعضاً، تمر المرأة بين يدي الرجل وهو يصلي والرجل بين يدي المرأة وهي تصلي ولا بأس بذلك في هذا المكان. ويؤكد هذا القول من قال: إن بكة موضع المسجد لأن المطاف هناك وفيه الازدحام. ولا شك أن بكة غير البيت لأن الآية تدل على أن البيت حاصل في بكة، والشيء لا يكون ظرفاً لنفسه، وقيل: سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها، لم يقصدها جبار بسوء إلا اندقت عنقه. وأما مكة فاشتقاقها من قولك أمتك الفصيل ضرع أمه إذا امتص ما فيه واستقصى، فسميت بذلك لأنها تجذب الناس من كل جانب وقطر أو لقلة مائها كأن أرضها امتصت ماءها. وقيل: إن مكة وسط الأرض، والعيون والمياه تنبع من تحتها، فكأن الأرض كلها تمك من ماء مكة، ثم إنه تعالى وصف البيت بكونه مباركاً وهدى للعالمين، أما انتصابه فعلى الحال عن الضمير المستكن في الظرف، لأن التقدير للذي ببكة هو والعامل فيه معنى الاستقرار. / وأما معناه فالبركة إما النمو والتزايد وكثرة الخير، وإما البقاء والدوام, وكل شي ثبت ودام فقد برك، ومنه برك البعير إذا وضع صدره على الأرض والبركة شبه الحوض لثبوت الماء فيها، وتبارك الله لثبوته لم يزل ولا يزال، والبيت مبارك لما يحصل لمن حجة واعتمره واعكف عنده وطاف حوله من الثواب وتكفير الذنوب. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: " حديث : الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" تفسير : ولو استحضر العاقل في نفسه أن الكعبة كالنقطة وصفوف المتوجهين إليها في الصلوات في أقطار الأرض وأكنافها ولعمري إنها غير محصورة كالدوائر المحيطة بالمركز، ولا شك أنه يحصل فيما بين هؤلاء المصلين أشخاص أرواحهم علوية، وقلوبهم قدسية، وأسرارهم نورانية، وضمائرهم ربانية، علم أنه إذا توجهت تلك الأرواح الصافية إلى كعبة المعرفة واستقبلت أجسادهم هذه الكعبة الحسية، اتصلت أنوار أولئك الأرواح بنوره وعظم لمعان الأضواء الروحانية في سره. قال القفاز: يجوز أن تكون بركته ما ذكر في قوله: {أية : يجبى إليه ثمرات كل شيء} تفسير : [القصص:57] فيكون كقوله:{أية : إلى الأرض} تفسير : [الأنبياء:71] المقدسة {أية : التي باركنا فيها} تفسير : [الأنبياء:71] وإن فسرنا البركة بالدوام فلا شك أنه لا تنفك الكعبة من الطائفين والعاكفين والركع السجود. وإذا كانت الأرض كرة وكل آن يفرض فإنه صبح لقوم ظهر لآخرين وعصر لغيرهم أو مغرب أو عشاء، فلا تخلو الكعبة عن توجه قوم إليها البتة. وأيضاً بقاء الكعبة على هذه الحالة ألوفاً من السنين دوام. وأما كونه هدى للعالمين فلأنه قبلتهم ومتعبدهم أو لأنه يدل على وجود الصانع وصدق محمد صلى الله عليه وسلم بما فيه من الآيات والأعاجيب، أو لأنه يهدي إلى الجنة. ومعنى هدى هادياً أو ذا هدى قاله الزجاج، وجوز أن يكون محله رفعاً أي وهو هدى {فيه آيات بينات} يحتمل أن يراد بها ما عددنا من بعض فضائله، ويكون قوله: {مقام إبراهيم} غير متعلق بما قبله، فكأنه قيل فيه آيات بينات ومع ذلك فهو مقام إبراهيم وموضعه الذي اختاره وعبد الله فيه. وقال الأكثرون إن الآيات بيانه وتفسيره قوله: {مقام إبراهيم} إما بأن يجعل وحده بمنزلة آيات كثيرة لأنه معجز رسول وكل معجز ففيه دليل أيضاً على علم الصانع وقدرته وإرادته وحياته وتعاليه عن مشابهة المحدثات، فلقوه هذا الدليل عبر عنه بلفظ الجمع كقوله: {أية : إن إبراهيم كان أمة} تفسير : [النحل:120] وإما بأن يجعل المقام مشتملاً على آيات لأن أثر القدم في الصخرة الصماء / آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية وآبقاء هذا الأثر دون آثار سائر الأبنياء آية لإبراهيم خاصة، وحفظة مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوفاً من السنين آية. قال الزجاج: قوله: {ومن دخله كان آمناً} من تتمة تفسير الآيات. وهذه الجملة وإن كانت من مبتدأ وخبر أو من شرط وجزاء إلا أنها في تقدير مفرد من حيث المعنى. فكأنه قيل: فيه آيات بينات وأمن من دخله كما لو قلت: فيه آية بينة من دخله كان آمناً كان معناه فيه آية بينة أمن من دخله. وهذا التفسير بعد تصحيحه مبني على أن الاثنين جمع كما قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : الاثنان فما فوقهما جماعة "تفسير : وفي القرآن {أية : هذان خصمان اختصموا} تفسير : [الحج:19] وقيل: ذكر آيتان وطوى ذكر غيرهما. دلالة على تكاثر الآيات كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله وكثير سواهما. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حبب إليّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة "تفسير : ومنهم من تمم الثلاثة فقال: مقام إبراهيم وأمن من دخله وإن لله على الناس حجه. وقال المبرد: مقام مصدر فلم يجمع والمراد مقامات إبراهيم هي ما أقامه من المناسك، فالمراد بالآيات شعائر الحج. وقرأ ابن عباس وأبي ومجاهد وأبو جعفر المدني في رواية قتيبة {آية بينة} على التوحيد قاله في الكشاف. وفيه توكيد لكون مقام إبراهيم وحده بياناً. وأما حديث "حديث : أمن من دخله" تفسير : فقد مر اختلاف العلماء فيه في سورة البقرة في قوله: {أية : وإذا جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً} تفسير : [البقرة:125] وقيل: كان آمناً من النار لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمناً " تفسير : وعنه صلى الله عيله وسلم: " حديث : الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة " تفسير : وهما مقبرتا مكة والمدينة. وعن ابن مسعود: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثنية الحجون وليس بها يومئذٍ مقبرة فقال:" حديث : يبعث الله من هذه البقعة ومن هذا الحرم كله سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر" تفسير : وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي عام " تفسير : {ولله على الناس حج البيت} لما ذكر فضائل البيت أردفه بإيجاب الحج وفيه لغتان: الفتح لغة الحجاز، والكسر لغة نجد، وكلاهما مصدر كالمدح والذم والذكر والعلم. وقيل: المكسور اسم للعمل، والمفتوح مصدر. ومحل {من استطاع} خفض على البدل {من الناس} والمعنى: ولله على من استطاع من الناس حج البيت، وقال الفراء: يجوز أن ينوي الاستئناف بمن والخبر، أو الجزاء محذوف لدلالة ما قبله عليه والتقدير: من استطاع إليه سبيلاً فللَّه عليه حج البيت. وقال ابن الأنباري: يحتمل أن يكون محله رفعاً على البيان / كأنه قيل: من الناس الذين عليهم لله حج البيت؟ فقيل:هم من استطاع. والضمير في {إليه} للبيت أو الحج. واستطاعة السبيل إلى الشيء هي إمكان الوصول إليه واحتج أصحاب الشافعي بالآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لأن الناس يعم المؤمن والكفار وعدم الإيمان لا يصلح أن يكون معارضاً ومخصصاً لهذا العموم لأن الدهري مكلف بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم مع أن شرط صحة الإيمان بمحمد غير حاصل، والمحدث مكلف بالصلاة مع أن الوضوء الذي هو شرط صحة الصلاة ليس بحاصل، واحتج جمهور المعتزلة بالآية على أن الاستطاعة قبل الفعل لأنها لو كانت مع الفعل لكان من لم يحج لم يكن مستطيعاً للحج فلا يتناوله التكليف المذكور وذلك باطل بالاتفاق. أجاب الأشاعرة بأن هذا أيضاً لازم عليكم لأن القادر إما أن يكون مأموراً بالفعل قبل حصول الداعي إلى الفعل وهو محال لأنه تكليف بما لا يطاق، أو بعد حصوله وحينئذٍ يكون الفعل واجب الحصول فلا يكون في التكليف به فائدة, وإذا كانت الاستطاعة منتفية في الحالين وجب أن لا يتوجه التكليف. والحق أن وجوب الفعل بالقدرة والإرادة لا ينافي توجيه التكليف إليه. / واعلم أن الحج لا يجب بأصل الشرع في العمر إلا مرة واحدة لما روي عن ابن عباس قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج. فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: لو قلتها لوجبت ولو وجبت لم تعملوا بها، الحج مرة فمن زاد فتطوع " تفسير : وقد يجب أكثر من مرة واحدة لعارض كالنذور والقضاء. ولصحة الحج على الإطلاق شرط واحد وهو الإسلام، فلا يصح حج الكافر كصومه وصلاته. ولا يشترط فيه التكليف بل يجوز للولي أن يحرم عن المجنون وعن الصبي الذي لا يميز وحينئذٍ يصح حجمها لما روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بأمرأة وهي في محفتها، فأخذت بعضد صبي كان معها فقالت: ألهذا حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : نعم ولك أجرتفسير : . وعن جابر قال: حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم. ولصحة المباشرة شرط زائد على الإسلام وهو التمييز. فلا تصح مباشرة الحج من المجنون والصبي الذي لا يميز كسائر العبادات، ويصح من الصبي المميز أن يحرم ويحج بإذن الولي، ولا يشترط فيها الحرية كسائر العبادات، ولوقوعه عن حجة الإسلام شرطان زائدان: البلوغ والحرية لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيما صبي حج / ثم بلغ فعليه حجة الإسلام، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة الإسلام" تفسير : والمعنى فيه أن الحج عبادة عمر لا تتكرر فاعتبر وقوعها في حالة الكمال، ولأن التكليف تابع للتمييز فشرط هذا الحكم إذن يعود إلى ثلاثة: الإسلام والتكليف والحرية. ولو تكلف الفقير الحج وقع حجه عن الفرض كما لو تحمل الغني خطر الطريق وحج، وكما لو تحمل المريض المشقة وحضر الجمعة. ولوجوب حجة الإسلام شرط زائد على الثلاثة المذكورة آنفاً وهو الاستطاعة بالآية. والاستطاعة نوعان: استطاعة مباشرته بنفسه واستطاعة تحصيله بغيره. النوع الأول يتعلق به أمور أربعة: أحدها الراحلة، والناس قسمان: أحدهما من بينه وبين مكة مسافة القصر فلا يلزمه الحج إلا إذا وجد راحلة سواء كان قادراً على المشي أو لم يكن لما روي أنه صلى الله عليه وسلم فسر استطاعة السبيل إلى الحج بوجود الزاد والراحلة. نعم لو كان قادراً على المشي يستحب له أن لا يترك الحج. وعند مالك القوي على المشي يلزمه الحج. ويعتبر مع وجدان الراحلة وجدان المحمل أيضاً إن كان لا يستمسك على الراحلة ويلحقه مشقة شديدة. ثم العادة جارية بركوب اثنين في المحمل. فإن وجد مؤنة محمل أو شق محمل ووجد شريكاً يجلس في الجانب الآخر لزمه الحج، وإن لم يجد الشريك فلا. القسم الثاني من ليس بينه وبين مكة مسافة القصر. فإن كان قوياً على المشي لزمه الحج وإلا فلا يجب إلا مع الراحلة أو معها ومع المحمل كما في حق البعيد. والمراد بوجود الراحلة أن يقدر على تحصيلها ملكاً أو استئجاراً بثمن المثل أو بأجرة المثل وكذا في المحمل. المتعلق الثاني: الزاد وأوعيته وما يحتاج إليه في السفر مدة ذهابه وإيابه سواء كان له أهل أو عشيرة يرجع إليهم أو لا فحب الوطن من الإيمان. وكذا الراحلة للإياب وأجره البذرقة. كل ذلك بعد قضاء جميع الديون ورد الودائع ونفقة من يلزمه نفقتهم حينئذٍ إلى العود، وبعد مؤن النكاح إن خاف العنت، وبعد مسكنه ودست ثوب يليق به وخادم يحتاج إليه لزمانته أو لمنصبه. ولو كان له رأس مال يتجر فيه وينفق من ربحه ولو نقص لبطلت تجارته، أو كان له متسغلات يرتفق منها نفقته، فالأصح عند الأئمة أنه يكلف بيعها لأن واحد للزاد والراحلة في الحال ولا عبرة لخوف الفقر في الاستقبال. المتعلق الثالث: الطريق ويشترط فيه غلبة ظن الأمن على النفس من نحو سبع وعدو، والأمن على المال من عدو أو رصديّ وإن رضي بشيء يسير، والأمن على البضع للمرأة بخروج زوج أو محرم أو نسوة ثقات. وفي البحر يعتبر غلبة السلامة وفي البر وجود علف الدابة. المتعلق الرابع: البدن ويشترط فيه أن يقوى على الاستمساك على الراحلة، فإن ضعف عن ذلك لمرض أو غيره فهو غير مستطيع للمباشرة. ولا بد للأعمى من قائد، وعند أبي حنيفة لا حج عليه. ويروى أنه يستنيب قال الأئمة: لا بد مع الشرائط من إمكان المسير وهو / أن يبقى من الزمان بعد الاستطاعة ما يمكنه المسير فيه إلى الحج به السير المعهود، فإن احتاج إلى أن يقطع في يوم مرحلتين أو أكثر لم يلزمه الحج. ولو خرجت الرفقة قبل الوقت الذي جرت عادة أهل بلده بالخروج فيه لم يلزمه الخروج معهم. ووجوب الحج في العمر كالصلاة في وقتها، فيجوز التراخي لكنه أن دامت الاستطاعة وتحقق الإمكان ولم يحج حتى مات عصى على الأظهر وإن كان شاباً. وقال أحمد ومالك وأبو حنيفة في رواية: إنه على الفور. حجة الشافعي أن فريضة الحج نزلت سنة خمس من الهجرة وأخره النبي صلى الله عليه وسلم من غير مانع فإنه خرج إلى مكة سنة سبع لقضاء العمرة ولم يحج وفتح مكة سنة ثمان، وبعث أبا بكر أميراً على الحاج سنة تسع وحج هو سنة عشر وعاش بعدها ثمانين يوماً. وأما النوع الثاني فهو استطاعة الاستنابة فإنها جائزة في الحج وإن كانت العبادات بعيدة عن الاستنابة، لأن المحجوج عنه قد يكون عاجزاً عن المباشرة بسبب الموت أو الكبر أو زمانة أو مرض لا يرجى زواله. وعن ابن عباس أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : يا رسول الله، إن أختي نذرت أن تحج وماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ فقال: لو كان على أختك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم قال:فاقضوا حق الله تعالى فهو أحق بالقضاء " تفسير : وعنه حديث : أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن فريضة الله تعالى على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم تفسير : .وقد تكون الاستنابة بطريق الاستئجار لأنه عمل يدخله النيابة فيجري فيه الاستئجار كتفريق الزكاة. وعند أبي حنيفة وأحمد لا يجوز ولكن يرزق عليه. ولو استأجر كان ثواب النفقة للآمر وسقط عنه الخطاب بالحج ويقع الحج عن الحاج. والحج بالرزق أن يقول: حج عني وأعطيك نفقتك. وهذا أيضاً جائز عند الشافعي كالإجارة. ولكن لا يجوز أن يقول استأجرتك بالنفقة لأنها مجهولة. والأجرة لا بد أن تكون معلومة. فهذا جملة الكلام في الاستطاعة عند الجمهور. وعن الضحاك: إذا قدر أن يؤجر نفسه فهو مستطيع، وقيل له في ذلك فقال: إن كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه بل كان ينطلق إليه ولو حبواً، فكذلك يجب عليه الحج. وفي الآية أنواع من التوكيد والتغليظ منها قوله: {ولله على الناس حج البيت} أي حق واجب له عليهم لكونه إلهاً فيجب عليهم الانقياد سواء عرفوا وجه الحكمة فيها أم لم يعرفوا فإن كثيراً من أعمال الحج تعبد محض. ومنها بناء الكلام على الأبدال ليكون تثنية للمراد / وتفصيلاً بعد الإجمال وإيراد للغرض في صورتين تقريراً له في الأذهان. ومنه ذكر من كفر مكان من لم يحج وفيه من التغليظ ما فيه ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً" تفسير : ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر" تفسير : ومنها إظهار الغني وتهويل الخطب بذكر اسم الله دون أن يقول: "فإنه" أو "فإني" فإنه يدل على غاية السخط والخذلان. ومنه وضع المظهر مقام المضمر حيث قال: {عن العالمين}. ولم يقل "عنه" لأنه تعالى إذا كان غنياً عن كل العالمين فلأن يكون غنياً عن طاعة ذلك الواحد أولى. ومن العلماء من زعم أن هذا الوعيد عام في حق كل من كفر ولا تعلق له بما قبله، ومنهم من حمله على اعتقاد عدم وجوب الحج ويؤكده ما روي عن سعيد بن المسيب إنها نزلت في اليهود قالوا: إن الحج إلى مكة غير واجب. وعن الضحاك: لما نزلت آية الحج جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الأديان الستة. المسلمين واليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين - فخطبهم وقال: إن الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا. فآمن به المسلمون وكفرت به الملل الخمس وقالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه. فنزلت {ومن كفر}. ومن الأحاديث الواردة في تأكيد أمر الحج قوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالثة " تفسير : وروي " حديث : حجوا قبل أن لا تحجوا حجوا قبل أن يمنع البر جانبه "تفسير : أي يتعذر عليكم الذهاب إلى مكة من جانب البر لعدم الأمن أو غيره. وعن ابن مسعود: حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا نفقت أي هلكت. وعن عمر: لو ترك الناس الحج عاماً واحداً ما نوظروا أي عجل عقوبتهم ويستأصلون. ثم إنه سبحانه لاين أهل الكتاب في الخطاب فقال: {قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله} التي دلتكم على صدق محمد صلى الله عليه وسلم بعد ظهور البينات ودحوض الشبهات، أو بعد معرفة فضيلة الكعبة ووجوب الحج؟ {والله شهيد على ما تعملون} فيجازيكم عليه. وهذه الحال توجب أن لا تجسروا على الكفر بآياته ودلالتها على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ثم إنه تعالى لما أنكر عليهم في ضلالهم وبخهم على إضلالهم فقال: {لم تصدون عن سبيل الله من آمن} قال المفسرون: وكان صدّهم عن سبيل الله إلقاء الشكوك والشبهات في قلوب ضعفة المسلمين، وإنكار أن نعت محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم، ومنع من أراد الدخول في الإسلام بجهدهم وكدهم، أو بتذكير ما كان بينهم في الجاهلية من العداوات والحروب ليعودوا لمثله. ومحل {تبغونها عوجاً} أو اعوجاجاً نصب على الحال أو بدل وهو بكسر العين / الميل عن الاستواء في كل ما لا يرى كالدين والقول. وأما الشيء الذي يرى فيقال فيه "عوج" بالفتح كالحائط والقناة، ولهذا قال الزجاج: العوج بالكسر في المعاني وبالفتح في الأعيان. وتبغون بمعنى تطلبون ويقتصر على مفعول واحد إذا لم يكن معها اللام مثل "بغيت المال والأجر" فإن أريد تعديته إلى مفعولين زيدت اللام. وفالتقدير تبغون لها عوجاً كما تقول: صدتك ظبياً أي صدت لك ظبياً. والضمير عائد إلى السبيل فإنها تذكر وتؤنث. والمعنى إنكم تلبسون على الناس حتى توهموهم أن فيها زيفاً كقولكم: إن النسخ يدل على البداء وإن شريعة موسى باقية إلى الأبد وإن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس بذلك المنعوت في كتابنا أو المراد أنكم تتبعون أنفسكم في إخفاء الحق وابتغاء ما لا يتأتى لكم من وجود العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم. ويحتمل أن يكون {عوجاً} حالاً بمعنى ذا عوج. وذلك أنهم كانوا يدعون أنهم على دين الله وسبيله فقيل لهم: إنكم تبغون سبيل الله ضالين {وأنتم شهداء} أنها سبيل الله التي لا يصد عنها إلا ضال مضل قاله ابن عباس. أو أنتم تشهدون ظهور المعجزات على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، أو أنتم شهداء بين أهل دينكم عدول يصغون لأقوالكم ويستشهدونكم في عظائم الأمور يعني الأحبار. وفيه أن من كان كذلك لا يليق بحاله الإصرار على الباطل والكذب والضلال والإضلال. ثم أوعدهم بقوله: {وما الله بغافل عاما تعملون} كقول السيد لعبده وقد أنكر طريقته. لا يخفى عليّ سيرتك ولست بغافل عنك. وإنما ختم الآية الأولى بقوله: {والله شهيد} وهذه بقوله: {وما الله بغافل} لأن ذلك فيما أظهروه من الكفر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا فيما أضمروه وهو الصد بالاحتيال وإلقاء الشبهة. وفي تكرير الخطاب في الآيتين بقوله: {يا أهل الكتاب} توبيخ لهم على توبيخ بألطف الوجوه وألين المقال لعلهم يتفكرون فينصرفون عن سلوك سبيل الضلال والإضلال. عن عكرمة ويروى عن زيد بن أسلم وجابر أيضاً حديث : أن شاس بن قيس اليهودي - وكان عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين - مر على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون فغاظه ذلك حيث تألفوا واجتمعوا بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة وقال: ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار. فأمر شاباً من اليهود أن جلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث، وهو يوم اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج. ففعل وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار. فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين، أوس بن قيظى أحد بني حارثة من الأوس، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج- فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئت والله رددتها الآن جذعة. وغضب الفريقان جميعاً وقالا: قد فعلنا السلاح السلاح موعدكم الظاهرة وهي الحرة. فخرجوا إليها وانضمت الأوس والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية واصطفوا للقتال فنزلت {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين} الآيات فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى قام بين الصفين فقرأها ورفع صوته، فلما سمعوا صوته صلى الله عليه وسلم وأنصتوا له صلى الله عليه وسلم وجعلوا يستمعون، فما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً وجثوا يبكونتفسير : . وفي رواية زيد بن أسلم: حديث : خرج إليهم رسول الله فيمن معه من المهاجرين فقال: يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً؟ الله الله. فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين فأنزل الله عز وجل الآياتتفسير : . قال جابر بن عبد الله. حديث : ما كان من طالع أكره إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأومى إلينا بيده وكففنا وأصلح الله ما بيننا، فما كان شخص أحب إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فما رأيت يوماً قط أقبح ولا أوحش أوّلاً وأحسن آخراً من ذلك اليومتفسير : . {وكيف تكفرون} استفهام بطريق الإنكار والعجب. والمعنى من أين يتطرق إليكم الكفر والحال أن آيات الله تتلى عليكم على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم في كل واقعة وبين أظهركم رسول الله يبين لكم كل شبهة ويزيح عنكم لكم علة؟ ومع هذين النورين لا يبقى لظلمة الضلال عين ولا أثر، فعليكم أن لا تلتفتوا إلى قوم المخالف وترجعوا فيما يعنّ لكم إلى الكتاب والنبي صلى الله عليه وسلم. قلت: أما الكتاب فإنه باق على وجه الدهر، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فإن كان قد مضى إلى رحمة الله في الظاهر، ولكن نور سره باق بين المؤمنين، فكأنه باقٍ على أن عترته صلى الله عليه وسلم وورثته يقومون مقامه بحسب الظاهر أيضاً. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني تارك فيكم الثقلين ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي " تفسير : وقال: "حديث : إن العلماء ورثة الأنبياء " تفسير : اللَّهم اجعلنا من زمرتهم بعصمتك وهدايتك. وفي هذا بشارة لهذه الأمة أنهم لا يضلون أبداً إلى يوم القيامة. ثم بين أن الكل بعصمة الله وتوفيقه فقال: {ومن يعتصم بالله} يتمسك بدينه أو يلتجىء إليه في دفع شرور الكفار {فقد هدي إلى صراط مستقيم} والاعتصام الاستمساك بالشيء في منع نفسه من الوقوع في افة. أما المعتزلة فحيث لم يجعلوا الاعتصام بخلق الله وهدايته بل قالوا: إنه بفعل / العبد، تأوّلوا الآية بأن المراد بالهداية الزيادة في الألطاف المرتبة على أداء الطاعات، أو المراد بالهداية إلى الجنة. قال في الكشاف: {فقد هدي} أي فقد حصل له الهداية لا محالة كما تقول: إذا جئت فلاناً فقد أفلحت كأن الهدى قد حصل له، فهو يخبر عنه حاصلاً. ومعنى التوقع في "قد" ظاهر لأن المعتصم بالله. متوقع للهدى، كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده. التأويل: {لن تنالوا البر} وهو صفة الله {حتى تنفقوا} أحب الأشياء إليكم وهو أنفسكم. إن الفراش لم ينل من بر الشمع وهو شعلته حتى أنفق مما أحبه وهو نفسه {كل الطعام كان حلاً} الخلق ثلاثة أصناف: الملك النوراني العلوي وغذاؤه الذكر وخلق للعبادة، والحيوان الظلماني السفلي وغذاؤه الطعام وخلق للخدمة، والإنسان المركب من القبيلين وغذاؤه لروحانيته الذكر ولجسمانيته الطعام وخلق للمعرفة والخلافة. وهذا الصنف على ثلاثة أقسام: منهم ظالم لنفسه وهو الذي بالغ في غذاء جسمانيته وقصر في غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت نفسه {أية : أولئك كالأنعام بل هم أضل} تفسير : [الأعراف:179] ومنهم مقتصد وهو الذي تساوى طرفاه {أية : خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً} تفسير : [التوبة:102] {أية : ومنهم سابق بالخيرات}تفسير : [فاطر: 32] وهو الذي بالغ في غذاء روحانيته وهو المذكور، وفرط في غذاء جسمانيته حتى ماتت نفسه وقوي روحه {أية : أولئك هم خير البرية} تفسير : [البينة:7] فكان كل الطعام حلالاً للإنسان كما للحيوان إلا ما حرم الإنسان السابق بالخيرات على نفسه بموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح من قبل أن ينزل الوحي والإلهام كما قيل: المجاهدات تورث المشاهدات {أية : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} تفسير : [العنكبوت:69] فمن افترى على الله الكذب بأن يريد أن يهتدي إلى الحق من غير جهاد النفس {قل صدق الله} في قوله: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا} {فاتبعوا ملة إبراهيم} وكان من ملته إنفاق المال على الضيفان، وبذل الروح عند الامتحان، وتسليم الولد للقربان {وما كان من المشركين} الذين يتخذون مع الله إلهاً آخر {إن أول بيت وضع للناس} لا لله لأنه غني عن العالمين. وإن أنموذج بيت الله في الإنسان وهو العالم الصغير القلب الذي وضع ببكة صدر الإسلام مباركاً عليه وهدى يهتدي به جميع أجزاء وجوده إلى الله بجوده. فإن النور الإلهي إذا وقع في القلب انفسح له واتسع، فبه يسمع وبه يبصر وبه يعقل وبه ينطق وبه يبطش وبه يمشي وبه يتحرك وبه يسكن {فيه آيات بينات} يصل بها الطالب إلى مطلوبه والقاصد إلى مقصوده، ومنها مقام إبراهيم وهو الخلة التي توصل الخليل إلى خليله {ومن دخله} يعني مقام إبراهيم ببذل المال والنفس والولد وإرضاء خليله {كان آمناً} من نار القطيعة ومن / عذاب الحجاب، ثم أخبر عن وجوب زيارة بيت الخليل على الخليل إن استطاع إليه السبيل وذلك بأن وجد شرائط السلوك وإمكانه وآداب السير وأركانه. ومنها الإحرام بالخروج عن الرسوم والعادات، والتجرد عن الطيبات والمألوفات، والتطهر عن الأخلاق المذمومات، والتوجه إلى حضرة فاطر الأرض والسموات بخلوص النيات وصفاء الطويات، ومنها الوقوف بعرفات المعرفة، والعكوف على عتبة جبل الرحمة بصدق الالتجاء، وحسن العهد والوفاء. ومنها الطواف بالخروج عن الأطوار البشرية السبعية بالأطواف السبعة حول الكعبة الربوبية. ومنها السعي بين صفا الصفات ومروة الذات. ومنها الحلق بمحو آثار العبودية بموسى الأنوار الإلهية. وقس سائر المناسك على هذا. {ومن كفر} بوجدان الحق ولا يتعرض لنفحات الألطاف، ولا يترقب لحذبات الأعطاف التي توازي عمل الثقلين وهي الاستطاعة في الحقيقة {فإن الله غني عن العالمين} لا يستكمل هو منهم وإنما يستكملون هم منه. {قل يا أهل الكتاب} ظاهر الخطاب معهم وباطنه مع علماء السوء الذين يبيعون دينهم بدنياهم ولا يعملون بما يعلمون فيضلون ويضلون، وما العصمة عن اتباع الهوى إلا منه تعالى.

ابن عادل

تفسير : النيل: إدراك الشيء ولحوقه. وقيل: هو العطية. وقيل: هو تناول الشيء باليد، يقال: نِلْتُه، أناله، نَيْلاً، قال تعالى: {أية : وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً} تفسير : [التوبة: 120]. وأما النول - بالواو - فمعناه التناول، يقال: نِلتُه، أنوله، أي تناولته، وأنلْته زيداً، وأنوله إياه، أي ناولته إياه، كقولك: عطوته، أعطوه، بمعنى: تناولته، وأعطيته إياه - إذا ناولته إياه. قوله: "حتى تنفقوا" بمعنى إلى أن، و "مِن" في "مما تحبون" تبعيضية يدل عليه قراءة عبد الله: بعض ما تحبون. قال شهاب الدين: "وهذه - عندي - ليست قراءة، بل تفسير معنى". وقال آخرون: "إنها للتبيين". [وجوز أبو البقاء ذلك فقال: "أو نكرة موصوفة ولا تكون مصدرية؛ لأن المحبة لا تنفق، فإن جعلت المحبة بمعنى: المفعول، جاز على رأي أبي علي" يعني يَبْقى التقدير: من الشيء المحبوب، وهذان الوجهان ضعيفان والأول أضعف]. فصل لما بيَّن أن نفقتهم لا تنفع ذكَر - هنا - ما ينفع، فإن من أنفق مما يُحِبُّ كان من جملة الأبرار المذكورين في قوله: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} تفسير : [الانفطار: 13]، وغيرها. قال ابن الخطيب: "وفي هذا لطيفة، وهي أنه - تعالى - قال في سورة البقرة -: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِر} تفسير : [البقرة: 177] وقال - هنا - {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} والمعنى: لو فعلتم ذلك المتقدم كله، لا تفوزون بالبر حتى تُنْفقوا مما تُحِبُّون، وذلك يدل على أن النفقة من أفضل الطاعات. فإن قيل: "حتى" لانتهاء الغاية، فتقتضي الآية أن من أنفق مما يحب، صار من جملة الأبرار، ونال البر وإن لم يأت بسائر الطاعات. فالجواب: أن المحبوب إنما يُنفق إذا طمع المنفِق فيما هو أشرف منه، فلا ينفق المرءُ في الدنيا إلا إذا أيقن سعادة الآخرة، وذلك يستلزم الإقرار بالصانع، وأنه يجب عليه الانقيادُ لأوامره وتكاليفه، وذلك يعتمد تحصيل جميع الخصال المحمودة في الدين". فصل قال ابنُ عَبَّاسٍ وابنُ مَسْعُودٍ ومُجَاهِدٌ: البرّ: الجنة. وقال مقاتل بن حيان: البرّ التقوى. كقوله: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِر}تفسير : [البقرة: 177] إلى قوله: {أية : وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} تفسير : [البقرة: 177]. وقيل: البر" الطاعة. فالذين قالوا: إن البر هو الجنة قال بعضهم: معناه لن تنالوا ثواب البر. ومنهم من قال: المراد بر الله أولياءه، وإكرامه إياهم، وتفضله عليهم، من قولهم: بَرَّني فلان بكذا أو بِرُّ فلان لا ينقطع عني. وقوله: "مما تحبون" قال بعضهم: إنه نفس المال. وقال آخرون: أن تكون الهبة رفيعة جيدة لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُون} تفسير : [البقرة: 267]. وقال آخرون: ما يكون محتاجاً إليه القوم؛ قال تعالى: {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّه} تفسير : [الإنسان: 8] - في أحد تفاسير الحُبِّ - وقوله: {أية : وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة}تفسير : [الحشر: 9]. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَصَدَّقْتَ بِهِ وَأنْتَ صَحِيحٌ، شَحِيحٌ، تَأمُلُ الغِنَى وتَخْشَى الْفَقْرَ ". تفسير : روى الضحاك عن ابن عباس: أن المراد به: الزكاة. قال ابْنُ الخَطِيبِ: لو خصصنا الآية بغير الزكاة لكان أوْلَى؛ لأن الآية مخصوصة بإيتاء الأحَبّ، والزكاة الواجبة لا يجب على المزكِّي أن يُخرج أشرف أموال، أو أكرمها، بل الصحيح أن هذه الآية مخصوصة بإيتاء المال على سبيل النَّدْب. ونقل الواحدي عن مجاهد والكلبي، أن هذه الآية منسوخة بإيتاء الزكاة، وهذا في غاية البُعْد؛ لأن إيجاب الزكاة كيف ينافي الترغيب في بَذْل المحبوب لوجه الله. قوله: {وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ} تقدم نظيره في البقرة. فإن قيل: لِمَ قيل: {فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} على جهة جواب الشرط، مع أن الله يعلمه على كل حال؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن فيه معنى الجزاء، تقديره: وما تُنْفِقُوا من شيء فإن الله مجازيكم به - قَلَّ أم كَثر-، لأنه عليم به، لا يَخْفَى عليه شيء منه، فجعل كونه عالماً بذلك الإنفاق كناية عن إعطاء الثواب، والتعريض - في مثل هذا الموضع - يكون أبلغ من التصريح. الثاني: أنه - تعالى - يعلم الوجه الذي لأجله تفعلونه، ويعلم أن الداعي إليه هو الإخلاص أم الرياء، ويعلم أنكم تنفقون الأحب الأجود أم الأخسّ الأرذل، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّه} تفسير : [البقرة: 197]، وقوله: {أية : وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُه} تفسير : [البقرة: 270] أي: يبينه ويجازيكم على قدره.

البقاعي

تفسير : ولما كان آخر هذه القصص في الحقيقة إبطال كل ما خالف الإسلام الذي هو معنى {أية : إن الدين عند الله الإسلام} تفسير : [آل عمران: 19] - وما بعد ذلك إنما جرّه - ختم الآية بدعوى أن المخالفين من الخاسرين، وختم ذلك بأن من مات على الكفر لا يقبل إنفاقه للإنقاذ مما يلحقه من الشدائد، لا بدفع لقاهر ولا بتقوية لناصر، فتشوفت النفس إلى الوقت الذي يفيد فيه الإنفاق وأي وجوهه أنفع، فأرشد إلى ذلك وإلى أن الأحب منه أجدر بالقبول، رجوعاً إلى ما قرره سبحانه وتعالى قبل آية الشهادة بالوحدانية من صفة عباده المنفقين والمستغفرين بالأسحار على وجه أبلغ بقوله: {لن تنالوا البر} وهو كمال الخير {حتى تنفقوا} أي في وجوه الخير {مما تحبون} أي من كل ما تقتضون، كما ترك إسرائيل عليه الصلاة والسلام أحب الطعام إليه لله سبحانه وتعالى. ولما كان التقدير: فإن أنفقتم منه علمه الله سبحانه وتعالى فأنالكم به البر، وإن تيممتم الخبيث الذي تكرهونه فأنفقتموه لم تبروا، وكان كل من المحبة والكراهة أمراً خفياً، قال سبحانه وتعالى مرغماً مرهباً: {وما تنفقوا من شيء} أي من المحبوب وغيره {فإن الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة. وقدم الجار اهتماماً به إظهاراً لأنه يعلمه من جميع وجوهه ما تقول لمن سألك - هل تعلم كذا: لا أعلم إلا هو، فقال: {به عليم *} فهذا كما ترى احتباك. ولما أخبر بذلك بين أنه كان ديدن أهل الكمال على وجه يقرر به ما مضى من الإخبار بعظيم اجتراء أهل الكتاب على الكذب بأمر حسّي فقال تعالى: {كل الطعام} أي من الشحوم مطلقاً وغيرها {كان حلاًّ لبني إسرائيل} أي أكله - كما كان حلاًّ لمن قبلهم على أصل الإباحة {إلا ما حرم إسرائيل} تبرراً وتطوعاً {على نفسه} وخصه بالذكر استجلاباً لبنيه إلى ما يرفعهم بعد اجتذابهم للمؤمنين إلى ما يضرهم ولا ينفعهم. ولما كانوا بما أغرقوا فيه من الكذب ربما قالوا: إنما حرم ذلك اتباعاً لحكم التوراة قال: {من قبل} وأثبت الجار لأن تحريمه كان في بعض ذلك الزمان، لا مستغرقاً له. وعبر بالمضارع لأنه أدل على التجدد فقال: {أن تنزل التوراة} وكان قد ترك لحوم الإبل وألبانها وكانت أحب الأطعمة إليه لله وإيثاراً لعباده - كما تقدم ذلك في البقرة عند {أية : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} تفسير : [البقرة: 89]. ولما كانت هذه الآية إلزاماً لليهود باعتقاد النسخ الذي طعنوا به في هذا الدين في أمر القبلة، وكانوا ينكرونه ليصير عذراً لهم في التخلف عن اتباع النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم، فكانوا يقولون: لم تزل الشحوم وما ذكر معها حراماً على من قبلنا كما كانت حراماً علينا، فأمر بجوابهم بأن قال: {قل} أي لليهود {فأتوا بالتوارة فاتلوها} أي لتدل لكم {إن كنتم صادقين *} فيما ادعيتموه، فلم يأتلوا بها فبان كذبهم فافتضحوا فضيحة لا مثل لها في الدنيا {فمن} أي فتسبب عن ذلك أنه من {افترى} أي تعمد {على الله} أي الملك الأعظم {الكذب} أي في أمر المطاعم أو غيرها. ولما كان المراد النهي عن إيقاع الكذب في أي زمن كان، لا عن إيقاعه في جميع الزمان الذي بعد نزول الآية أثبت الجار فقال: {من بعد ذلك} أي البيان العظيم الظاهر جداً {فأولئك} أي الأباعد الأباغض {هم} خاصة لتعمدهم الكذب على من هو محيط بهم ولا تخفى عليه خافية {الظالمون *} أي المتناهو الظلم بالمشي على خلاف الدليل فعل من يمشي في الظلام، فهو لا يضع شيئاً في موضعه، وذلك بتعرضهم إلى أن يهتكهم التام العلم ويعذبهم الشامل القدرة. ولما اتضح كذبهم وافتضح تدليسهم - لأنه لما استدل عليهم بكتابهم فلم يأتوا به صار ظاهراً كالشمس، لا شك فيه ولا لبس، ولم يزدهم ذلك إلا تمادياً في الكذب - أمر سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {قل} أي لأهل الكتاب الذي أنكروا النسخ فأقمت عليهم الحجة من كتابهم {صدق الله} أي الملك الأعظم الذي له الكمال كله في جميع ما أخبر، وتخبر به عن ملة إبراهيم وغيره من بنيه أسلافكم، وتبين أنه ليس على دينكم هو ولا أحد ممن قبل موسى عليه الصلاة والسلام، لأنكم لو كنتم صادقين لأتيتم بالتوراة، نافياً بذلك أن يكون تأخرهم عن الإتيان بها لعلة يعتلون بها غير ذلك، وإذ قد تبين صدقه تعالى في جميع ما قال وجب اتباعه في كل ما يأمر به، وأعظمه ملة إبراهيم فإنها الجامعة للمحاسن. ولما ثبت ذلك بهذا الدليل المحكم لزم قطعاً أنه ما كان يهودياً ولا نصرانياً ولا مشركاً، وقد أقروا بأن ملته هي الحق وأنهم أتباعه، فتسبب عن ذلك وجوب اتباعه فيما أخبر الله سبحانه وتعالى به فبان كالشمس صدقه، لا فيما افتروه هم من الكذب، فقال سبحانه وتعالى: {فاتبعوا ملة إبراهيم} وهي الإسلام أي الانقياد للدليل، وهو معنى قوله: {حنيفاً} أي تابعاً للحجة إذا تحررت، غير متقيد بمألوف. ولما كان صلى الله عليه وسلم مفطوراً. على الإسلام فلم يكن في جبلته شيء من العوج فلم يكن له دين غير الإسلام نفى الكون فقال: {وما كان من المشركين} أي بعزير ولا غيره من الأكابر كالأحبار الذين تقلدونهم مع علمكم بأنهم يدعون إلى ضد ما دعا إليه سبحانه وتعالى. ولما ألزمهم سبحانه وتعالى بالدليل الذي دل على النسخ أنهم على غير ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأوجب عليهم اتباعها بعد بيان أنها هي ما عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه، أخبر عن البيت الذي يخول إليه التوجه في الصلاة، فعابوه على أهل الإسلام أنه أعظم شعائر إبراهيم عليه الصلاة والسلام التي كفروا بتركها، ولذلك أبلغ في تأكيده فقال سبحانه وتعالى: {إن أول بيت} أي من البيوت الجامعة للعبادة {وضع للناس} أي على العموم متعبداً واجباً عليهم قصده وحجه بما أمرهم به على لسان موسى عليه الصلاة والسلام، واستقباله في الصلاة بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك، ولعل بناء وضع، للمفعول إشارة إلى أن وضعه كان قبل إبراهيم عليه الصلاة والسلام {للذي ببكة} أي البلدة التي تدق أعناق الجبابرة، ويزدحم الناس فيها إزدحاماً لا يكون في غيرها مثله ولا قريب منه، فلا بد أن يدق هذا النبي الذي أظهرته منها الأعناق من كل من ناواه, ويزدحم الناس على الدخول في دينه ازدحاماً لم يعهد مثله, فإن فاتكم ذلك ختم في الدارين غاية الخيبة ودام ذلكم وصغاركم؛ حال كونه {مباركاً} أي عظيم الثبات كثير الخيرات في الدين والدنيا {وهدى للعالمين *} أي من بني إسرائيل ومن قبلهم ومن بعدهم، فعاب عليهم سبحانه وتعالى في هذه الآية فعلهم من النسخ ما أنكروه على مولاهم. وذلك نسخهم لما شرعه من حجة من عند أنفسهم تحريفاً منهم مثالاً لما قدم من الإخبار به عن كذبهم، وهذا أمر شهير يسجل عليهم بالمخالفة ويثبت للمؤمنين المؤالفة، فإن حج البيت الحرام وتعظيمه من أعظم ما شرعه إبراهيم عليه الصلاة والسلام - كما هو مبين في السير وغيرها وهم عالمون بذلك، وقد حجه أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام وأسلافهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وغيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم - كما روي من غير طريق عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى أن في بعض الطرق أنه كان مع موسى عليه الصلاة في حجة إليه سبعون ألفاً من بني إسرائيل، ومن المحال عادة أن يخفى ذلك عليهم، ومن الأمر الواضح أنهم قد تركوا هذه الشريعة العظيمة أصلاً ورأساً، فكيف يصح لهم دعوى أنهم على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع انسلاخهم من معظم شرائعه! ثم فسر الهدى بقوله: {فيه آيات بينات} وقوله: {مقام إبراهيم *} أي أثر قدمه عليه الصلاة والسلام في الحجر حيث قام لتغسل كنته رأسه الشريف - أعربه أبو حيان بدلاً أو عطف بيان من الموصول الذي هو خبر {إن} في قوله: {للذي ببكة} فكأنه قيل: إن أول بيت وضع للناس لمقام إبراهيم، وأعربه غيره بدل بعض من قوله {آيات} وهو وحده آيات لعظمه ولتعدد ما فيه من تأثير القدم، وحفظه إلى هذا الزمان مع كونه منقولاً، وتذكيره بجميع قضايا إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام. ولما كان أمن أهله في بلاد النهب والغارات التي ليس بها حاكم يفزع إليه ولا رئيس يعول في ذلك عليه من أدل الآيات قال سبحانه وتعالى: {ومن دخله} أي فضلاً عن أهله {كان آمناً} أي عريقاً في الأمن، أو فأمنوه بأمان الله، وتحويل العبارة عن "وأمن داخله" لأن هذا أدل على المراد من تمكن الأمن، وفيه بشارة بدخول الجنة. ولما أوضح سبحانه وتعالى براءتهم من إبراهيم عليه الصلاة والسلام لمخالفتهم إياه بعد دعواهم بهتاناً أنه على دينهم، وكانت المخالفة في الواجب أدل قال سبحانه وتعالى: {ولله} أي الملك الذي له الأمر كله {على الناس} أي عامة، فأظهر في موضع الإضمار دلالة على الإحاطة والشمول - كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى عن الأستاذ أبي الحسن الحرالي في {أية : استطعما أهلها}تفسير : [الكهف:77] في الكهف، وذلك لئلا يدعي خصوصة بالعرب أو غيرهم {حج البيت} أي زيارته زيارة عظيمة، وأظهر أيضاً تنصيصاً عليه وتنويهاً بذكره تفخيماً لقدره، وعبر هنا بالبيت لأنه في الزيارة، وعادة العرب زيارة معاهد الأحباب وأطلالهم وأماكنهم وحلالهم، وأعظم ما يعبر به عن الزيارة عندهم الحج، ثم مَن بالتخفيف بقوله مبدلاً من الناس، تأكيداً بالإيضاح بعد الإبهام وحملاً على الشكر بالتخفيف بعد التشديد وغير ذلك من البلاغة: {من استطاع} أي منهم {إليه سبيلاً} فمن حجه كان مؤمناً. ولما كان من الواضح أن التقدير: ومن لم يحجه مع الاستطاعة كفر بالنعمة إن كان معترفاً بالوجوب، وبالمروق من الدين إن جحد، عطف عليه قوله: {ومن كفر} أي بالنعمة أو بالدين {فإن الله} اي الملك الأعلى {غني} ولما كان غناه مطلقاً دل عليه بقوله موضع عنه: {عن العالمين *} أي طائعهم وعاصيهم، صامتهم وناطقهم، رطبهم ويابسهم، فوضح بهذه الآية وما شاكلها أنهم ليسوا على دينه كما وضح بما تقدم أنه ليس على دينهم، فثبتت بذلك براءته منهم، والآية من الاحتباك لأن إثبات فرضه أولاً يدل على كفر من أباه، وإثبات {ومن كفر} ثانياً يدل على إيمان من حجه. ولما أتم سبحانه وعز شأنه البراهين وأحكم الدلائل عقلاً وسمعاً، ولم يبق لمتعنت شبهة، ولم يبادروا الإذعان، بل زادوا في الطغيان، وكادوا أن يوقعوا الضراب والطعان بين أهل الإيمان، أعرض سبحانه وتعالى عن خطابهم إيذاناً بشديد الغضب ورابع الانتقام فقال سبحانه وتعالى مخاطباً لرسوله الذي يكون قتلهم على يده: {قل} وأثبت أداة دالة على بعدهم عن الحضرة القدسية فقال: {يا أهل الكتاب} أي من الفريقين {لم تكفرون} أي توقعون الكفر {بآيات الله} أي وهي - لكونه الحائز بجميع الكمال - البينات نقلاً وعقلاً الدالة على أنكم على الباطل لما وضح من أنكم على غير ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ولما كان كفرهم ظاهراً ذكر شهادته تعالى فقال مهدداً {والله} أي والحال أن الله الذي هو محيط بكل شيء قدرة وعلماً فلا إله غيره وقد أشركتم به {شهيد على} كل {ما تعملون *} أي لكونه يعلم سبحانه السر وأخفى وإن حرفتم وأسررتم. ثم استأنف إيذاناً بالاستقلال تقريعاً آخر لزيادتهم على الكفر التكفير فقال: {قل يا آهل الكتاب} أي المدعين للعلم واتباع الوحي، كرر هذا الوصف لأنه مع أنه أبعد في التقريع أقرب إلى التطلف في صرفهم عن ضلالهم {لم تصدون} أي بعد كفركم {عن سبيل الله} أي الملك الذي له القهر والعز والعظمة والاختصاص بجميع صفات الكمال، وسبيله دينه الذي جاء به نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وقدمه اهتماماً به. ثم ذكر المفعول فقال: {من أمن} حال كونكم {تبغونها} أي السبيل {عوجاً} أي بليكم ألسنتكم وافترائكم على الله، ولم يفعل سبحانه وتعالى إذ أعرض عنهم في هذه الآية ما فعل من قبل إذ أقبل عليهم بلذيذ خطابه تعالى جده وتعاظم مجده إذ قال: {أية : يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم}تفسير : [آل عمران: 65] {أية : يا أهل الكتاب لم تكفرون}تفسير : [آل عمران: 70] والآية التي بعدها بغير واسطة. وقال أبو البقاء في إعرابه: إن تبغون يجوز أن يكون مستأنفاً وأن يكون حالاً من الضمير في تصدون أو من السبيل، لأن فيها ضميرين راجعين إليها، فلذلك يصح أن يجعل حالاً من كل واحد منهما، وعوجاً حال - انتهى. وقال صاحب القاموس في بنات الواو: بغا الشيء بغواً: نظر إليه كيف هو، وقال في بنات الياء: بغيته أبغيه: طلبته، فالظاهر أن جعل عوجاً حالاً - كما قال أبو البقاء - أصوب من جعله مفعولاً - كما قال في الكشاف. ويكون تبغون إما يائياً فيكون معناه: تريدونها معوجة أو ذات عوج، فإن طلب بمعنى: أراد؛ وإما أن يكون واوياً بمعنى: ترونها ذات عوج، أي تجعلونها في نظركم يعني: تتكلفون وصفها بالعوج مع علمكم باستقامتها، لكن قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح "حديث : ابغني أحجاراً أستنفض بهن "تفسير : يؤيد قول صاحب الكشاف. ولما ذكر صدهم وإرادتهم العوج الذي لا يرضاه ذو عقل قال موبخاً: {وأنتم شهداء} أي باستقامتها بشهادتكم باستقامة دين إبراهيم مع قيام أدلة السمع والعقل أنها دينه وأن النبي والمؤمنين أولى الناس به لانقيادهم للأدلة. ولما كان الشهيد قد يغفل، وكانوا يخفون مكرهم في صدهم، هددهم بإحاطة علمه فقال: {وما الله} أي الذي تقدم أنه شهيد عليكم وله صفات الكمال كلها {بغافل} أي أصلاً {عما تعملون *} ولما تم إيذانه بالسخط على أعدائه وأبلغ في إنذارهم عظيم انتقامه إن داموا على إضلالهم، أقبل بالبشر على أحبائه، مواجهاً لهم بلذيذ خطابه وصفي غنائه، محذراً لهم الاغترار بالمضلين، ومنبهاً ومرشداً ومذكراً ودالاً على ما ختم به ما قبلها من إحاطة علمه بدقيق مكر اليهود، فقال سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا} أي بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم {إن تطيعوا فريقاً} أتى بهذا اللفظ لما كان المحذر منه الافتراق والمقاطعة الذي يأتي عيب أهل الكتاب به {من الذين أوتوا الكتاب} أي القاطعين بين الأحباب مثل شأس بن قيس الذي مكر بكم إلى أن أوقع الحرب بينكم، فلولا النبي الذي رحمكم به ربكم لعدتم إلى شر ما كنتم فيه {يردوكم} وزاد في تقبيح هذا الحال بقوله مشيراً بإسقاط الجار إلى الاستغراق زمان البعد: {بعد إيمانكم كافرين *} أي غريقين في صفة الكفر، فيا لها من صفقة ما أخسرها وطريقة ما أجورها!. ولما حذرهم منهم عظم عليهم طاعتهم بالإنكار والتعجيب من ذلك مع ما هم عليه بعد اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم من الأحوال الشريفة فقال - عاطفاً على ما تقديره: فكيف تطيعونهم وأنتم تعلمون عداوتهم: {وكيف تكفرون} أي يقع منكم ذلك في وقت من الأوقات على حال من الأحوال {وأنتم تتلى} أي تواصل بالقراءة {عليكم آيات الله} أي علامات الملك الأعظم البينات {وفيكم رسوله} الهادي من الضلالة المنقذ من الجهالة، فتكونون قد جمعتم إلى موافقة العدو مخالفة الولي وأنتم بعينه وفيكم أمينه {ومن} أي والحال أنه من {يعتصم} أي يجهد نفسه في ربط أموره {بالله} المحيط بكل شيء علماً وقدرةً في جميع أحواله كائناً من كان. ولما كان من قصر نفسه على من له الكمال كله متوقعاً للفلاح عبر بأداة التوقع مقرونة بفاء السبب فقال: {فقد هدى} وعبر بالمجهول على طريقة كلام القادرين {إلى صراط مستقيم *}. ولما انقضى هذا التحذير من أهل الكتاب والتعجيب والترغيب، أمر بما يثمر ذلك من رضاه فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا ذلك بألسنتهم {اتقوا الله} أي صدقوا دعواكم بتقوى ذي الجلال والإكرام {حق تقاته} فأديموا الانقياد له بدوام مراقبته ولا تقطعوا أمراً دونه {ولا تموتن} على حالة من الحالات {إلا وأنتم مسلمون *} أي منقادون أتم الانقياد، ونقل عن العارف أبي الحسن الشاذلي أن هذه الآية في أصل الدين وهو التوحيد، وقوله سبحانه وتعالى: {أية : فاتقوا الله ما استطعتم}تفسير : [التغابن: 16] في فروعه. ولما كان عزم الإنسان فاتراً وعقله قاصراً، دلهم - بعد أن أوقفتهم التقوى - على الأصل لجميع الخيرات المتكفل بالحفظ من جميع الزلات فقال: {واعتصموا} أي كلفوا أنفسكم الارتباط الشديد والانضباط العظيم {بحبل الله} أي طريق دين الملك الذي لا كفوء له التي نهجها لكم ومهدها، وأصل الحبل السبب الذي يوصف به إلى البغية والحاجة، وكل من يمشي على طريق دقيق يخاف أن تزلق رجله عنه إذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن الخوف، ولا يخفى دقة الصراط بما ورد به النقل الصحيح, وهذا الدين مثاله, فصعوبته وشدته على النفوس بما لها من النوازع والحظوظ مثال دقته، فمن قهر نفسه وحفظها على التمسك به حفظ عن السقوط عما هو مثاله. ولما أفهم كل من الضمير والحبل والاسم الجامع إحاطة الأمر بالكل أكده بقوله: {جميعاً} لا تدعوا أحداً منكم يشذ عنها، بل كلما عثرتم على أحد فارقها ولو قيد شبر فردوه إليها ولا تناظروه ولا تهملوا أمره، ولا تغفلوا عنه فيختل النظام، وتتعبوا على الدوام، بل تزالوا كالرابط ربطاً شديداً حزمة نبل بحبل، لا يدع واحدة منها تنفرد عن الأخرى، ثم أكد ذلك بقوله: {ولا تفرقوا} ثم ذكرهم نعمة الاجتماع، لأن ذلك باعث على شكرها، وهو باعث على إدامة الاعتصام والتقوى، وبدأ منها بالدنيوية لأنها أس الأخروية فقال: {واذكروا نعمة الله} الذي له الكمال كله {عليكم} يا من اعتصم بعصام الدين! {إذ كنتم أعداء} متنافرين أشد تنافر {فألف بين قلوبكم} بالجمع على هذا الصراط القويم والمنهج العظيم {فأصبحتم بنعمته إخواناً} قد نزع ما في قلوبكم من الإحن، وأزال تلك الفتن والمحن. ولما ذكر النعمةت التي أنقذتهم من هلاك الدنيا ثنى بما تبع ذلك من نعمة الدين التي عصمت من الهلاك الأبدي فقال: {وكنتم على شفا} أي حرف وطرف {حفرة من النار} بما كنتم فيه من الجاهلية {فأنقذكم منها} . ولما تم هذا البيان على هذا الأسلوب الغريب نبه على ذلك بقوله - جواباً لمن يقول: لله در هذا البيان! ما أغربه من بيان! - {كذلك} أي مثل هذا البيان البعيد المنال البديع المثال {يبين الله} المحيط علمه الشاملة قدرته بعظمته {لكم آياته} وعظم الأمر بتخصيصهم به وإضافة الآي إليه. ولما كان السياق لبيان دقائق الكفار في إرادة إضلالهم ختم الآية بقوله: {لعلكم تهتدون *} أي ليكون حالكم عند من ينظركم حال من ترجى وتتوقع هدايته، هذا الترجي حالكم فيما بينكم، وأما هو سبحانه وتعالى فقد أحاط علمه بالسعيد والشقي، ثم الأمر إليه، فمن شاء هداه، ومن أراد أرداه.

السيوطي

تفسير : أخرج مالك وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أنس قال "حديث : كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة نخلاً، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} قال أبو طلحة: يا رسول الله ان الله يقول {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} وان أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بخ ذاك مال رابح. ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين. فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله؟ فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير عن أنس قال "حديث : لما نزلت هذه الآية {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} قال أبو طلحة: يا رسول الله إن الله يسألنا من أموالنا، أشهد أني قد جعلت بأريحا لله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلها في قرابتك. فجعلها في حسان بن ثابت، وأبي بن كعب ". تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أنس قال "حديث : لما نزلت هذه الآية {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} أو هذه الآية {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} قال أبو طلحة: يا رسول الله حائطي الذي بكذا وكذا صدقة، ولو استطعت أن أسره لم أعلنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعله في فقراء أهلك ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد والبزار عن ابن عمر قال: حضرتني هذه الآية {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} فذكرت ما أعطاني الله، فلم أجد شيئاً أحب إليَّ من مرجانة جارية لي رومية، فقلت هي حرة لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها. فأنكحها نافعاً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عمر بن الخطاب، إنه كتب إلى أبي موسى الأشعري، أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء. فدعا بها عمر فقال: إن الله يقول {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} فأعتقها عمر. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن المنكدر قال "حديث : لما نزلت هذه الآية {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} جاء زيد بن حارثة بفرس له يقال لها شبلة لم يكن له مال أحب إليه منها فقال: هي صدقة. فقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحمل عليها ابنه أسامة، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في وجه زيد فقال: إن الله قد قبلها منك ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن عمرو بن دينار. مثله. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير من طريق معمر عن أيوب وغيره "حديث : أنها حين نزلت {لن تنالوا البر...} الآية. جاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها فقال: يا رسول الله هذا في سبيل الله، فحمل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم اسامة بن زيد، فكأن زيداً وجد في نفسه. فلما رأى ذلك منه النبي صلى الله عليه وسلم قال أما إن الله قد قبلها ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن ثابت بن الحجاج قال "بلغني أنه لما نزلت هذه الآية {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} قال زيد: اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إلي من فرسي هذه فتصدق بها على المساكين، فأقاموها تباع وكانت تعجبه. فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه أن يشتريها". وأخرج ابن جرير عن ميمون بن مهران، أن رجلاً سأل أبا ذر أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة عماد الإسلام، والجهاد سنام العمل، والصدقة شيء عجيب. فقال: يا أبا ذر لقد تركت شيئاً هو أوثق عملي في نفسي لا أراك ذكرته! قال: ما هو؟ قال: الصيام! فقال: قربة وليس هنا. وتلا هذه الآية {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} . وأخرج عبد بن حميد عن رجل من بني سليم قال: جاورت أبا ذر بالربذة، وله فيها قطيع إبل. له فيها راع ضعيف فقلت: يا أبا ذر الا أكون لك صاحباً أكنف راعيك، واقتبس منك بعض ما عندك، لعل الله أن ينفعني به؟ فقال أبو ذر: إن صاحبي من أطاعني، فأما أنت مطيعي فأنت لي صاحب وإلا فلا. قلت: ما الذي تسألني فيه الطاعة؟ قال: لا أدعوك بشيء من مالي إلا توخيت أفضل. قال: فلبثت معه ما شاء الله، ثم ذكر له في الماء حاجة فقال: ائتني ببعير من الإبل، فتصفحت الإبل فإذا أفضلها فحلها ذلول، فهممت بأخذه ثم ذكرت حاجتهم إليه فتركته، وأخذت ناقة ليس في الإبل بعد الفحل أفضل منها، فجئت بها فحانت منه نظرة فقال: يا أخا بني سليم خنتني. فلما فهمتها منه خليت سبيل الناقة ورجعت إلى الإبل، فاخذت الفحل فجئت به فقال لجلسائه: من رجلان يحتسبان عملهما؟ قال رجلان: نحن... قال: اما لا فأنيخاه، ثم اعقلاه، ثم انحراه، ثم عدوا بيوت الماء فجزئوا لحمه على عددهم، واجعلوا بيت أبي ذر بيتاً منها ففعلوا. فلما فرق اللحم دعاني فقال: ما أدري أحفظت وصيتي فظهرت بها، أما نسيت فاعذرك؟ قلت: ما نسيت وصيتك ولكن لما تصفحت الإبل وجدت فحلها أفضلها، فهممت بأخذه فذكرت حاجتكم إليه فتركته فقال: ما تركته إلا لحاجتي إليه؟ قلت: ما تركت إلا لذلك قال: أفلا أخبرك بيوم حاجتي؟ إن يوم حاجتي يوم أوضع في حفرتي، فذلك يوم حاجتي. إن في المال ثلاثة شركاء: القدر لا ينتظر أن يذهب بخيرها أو شرها، والوارث ينتظر متى تضع رأسك ثم يستفيئها وأنت ذميم، وأنت الثالث فإن استطعت أن لا تكونن أعجز الثلاثة فلا تكونن مع أن الله يقول {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} وأن هذا المال مما أحب من مالي فأحببت أن أقدمه لنفسي. وأخرج أحمد عن عائشة قالت "حديث : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بضب فلم يأكله ولم ينهَ عنه قلت: يا رسول الله أفلا نطعمه المساكين؟ قال: لا تطعموهم مما لا تأكلون ". تفسير : وأخرج أبو نعيم في الحلية عن طريق مجاهد عن ابن عمر، أنه لما نزلت {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} دعا بجارية له فاعتقها. وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قرأ ابن عمر وهو يصلي فأتى على هذه الآية {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} فاعتق جارية له وهو يصلي أشار إليها بيده. وأخرج ابن المنذر عن نافع قال: كان ابن عمر يشتري السكر فيتصدق به فنقول له: لو اشتريت لهم بثمنه طعاماً كان أنفع لهم من هذا، فيقول: إني أعرف الذي تقولون ولكن سمعت الله يقول {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} وابن عمر يحب السكر. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله {لن تنالوا البر} قال: الجنة. وأخرج ابن جرير عن عمرو بن ميمون والسدي. مثله. وأخرج ابن المنذر عن مسروق. مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: لن تنالوا بركم حتى تنفقوا مما يعجبكم، ومما تهوون من أموالكم {وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم} يقول محفوظ: ذلك لكم والله به عليم شاكر له.

التستري

تفسير : وسئل عن قوله: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}[92] أي لن تبلغوا التقوى كلها حتى تحاربوا أنفسكم، فتنفقوا بعض ما تحبون، ولا إنفاق كإنفاق النفس في مخالفتها وطلب مرضاة الله عزَّ وجلَّ. وحكي عن عيسى عليه السلام مر بثلاثة نفر نحلت أبدانهم وتغيرت ألوانهم، فقال: ما الذي بلغ بكم ما أرى؟ فقالوا: الخوف من خالقنا، والحذر من عقوبة عصياننا فقال: حق على الله أن يؤمن الخائف. قال: فجاوزهم إلى ثلاثة هم أشد نحولاً، فقال: ما الذي بلغ بكم ما أرى؟ فقالوا: الشوق إلى ربنا. فقال: حق على الله أن يعطيكم ما رجوتم. فجاوزهم إلى ثلاثة نفر هم أشد نحولاً، كأن وجوههم البدور، قال: ما الذي بلغ بكم ما أرى؟ فقالوا: الحب قال: أنتم المقربون ثلاثاً، فمن أحب الله تعالى فهو المقرب، لأن من أحب شيئاً تسارع إليه، فالمرتبة الأولى مرتبة التوابين، والمرتبة الثانية مرتبة المشتاقين، ثم يبلغ العبد المرتبة الثالثة، وهي المحبة، ألا ترون أنهم كيف اتفقوا كلهم فيمن الكل له، وأعرضوا عن الكل إلى من له الكل؟.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [الآية: 92]. قال ابن عطاء: لن تصلوا إلى القربة وأنتم متعلقون بحظوظ أنفسكم. وقال جعفر: بإنفاق المهج يصل العبد إلى حبيبه وقرب مولاه. قال الله تعالى: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}. وقال أبو عثمان فى قوله: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} قال: لن يصل إلى مقامات الخواصّ من بقى عليه شىء من آداب النفوس ورياضاتها. قال الواسطى رحمه الله: عليه الوصول إلى البر بإنفاق بعض المحاب والوصول إلى البار بالتخلي من الكونين وما فيهما. وقال النصرآباذى: أفردك له باستنفاقه المحاب منك، لتكون خالصًا فى محبته، لا تلتفت إلى شىء سواه. والوصول إلى البار بالتخلى من الكونين وما فيهما. قال بعضهم: البر محاورة الحق وقربه، ولا تنال ذلك المقام وأنت تجد شيئًا سواه أو تؤثر عليه غيره. وقال ابن عطاء: لن تنالوا وصلتى وفى أسراركم موافقة ومحبة لسواى. وقال النصرآباذى: قال بعض المفسرين فى قوله: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ} إنه الجنة. وعندى البر صفة البارى فكأنه قال: لن تنالوا قربى إلا بقطع العلائق. وقال جعفر: لن تنالوا معرفتى وقربى حتى تخرجوا من أنفسكم وهممكم بالكلية. وقال العلوى: فى قوله: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ...} الآية. قال: أحب الأشياء روحك فاجعل حياتك نفقةً عليك لك تنل برى بك. وقال أبو بكر الوراق فى قوله: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ} الآية: قال: ولهم بهذه الآية على الفتوة. وقال: لن تنالوا برّى بكم إلا ببركم إخوانكم والإنفاق عليهم من أموالكم وجاهكم بكم وما تحبونه من أملاككم، فإذا فعلتم ذلك نالكم برّى وعطفى، وأنا أعلم بنياتكم فى إنفاقكم وبركم، فما كان لى خالصًا قابلته ببرى وهو أعلى، وما كان ذلك من الرياء والسمعة، فإنى أغنى الشركاء للشريك كما روى عن المصطفى صلى الله عليه وسلم. قال جعفر الصادق عليه السلام: لن تنالوا وصلتى وفى سركم موافقة مع سواى. وقال أيضًا: لن تنالوا الحق حتى تنفصلوا عمَّا دونه. وقال الجنيد رحمة الله عليه فى قوله: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ...} الآية. قال: لن تنالوا محبة الله حتى تسخوا بأنفسكم فى الله.

القشيري

تفسير : لمَّا كان وجود البرِّ مطلوباً ذكر فيه "مِنْ" التي للتبعيض فقال: {مِمَّا تُحِبُّونَ}؛ فَمنْ أراد البر فلينفق مما يحبه أي البعض، وَمَنْ أراد البَارَّ فلينفقْ جميع ما يحبه. ومن أنفق محبوبه من الدنيا وَجَدَ مطلوبه من الحق تعالى، ومن كان مربوطاً بحظوظ نفسه لم يحظ بقرب ربِّه. ويقال إذا كنت لا تصل إلى البر إلا بإنفاق محبوبك فمتى تصل إلى البارّ وأنت تؤثر عليه حظوظك. {وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} منهم من ينفق على ملاحظة الجزاء والعِوض، ومنهم من ينفق على مراقبة دفع البلاء والحَزَن، ومنهم من ينفق اكتفاء بعلمه، قال قائلهم: شعر : ويهتز للمعروف في طلب العلى لتُذكَرَ يوماً - عند سلمى - شمائلُه

اسماعيل حقي

تفسير : {لن تنالوا البر} من ناله نيلا اذا اصابه اى لن تبلغوا ايها المؤمنون حقيقة البر الذى يتنافس فيه المتنافسون ولن تدركوا شأوه ولن تلحقوا بزمرة الابرار او لن تنالوا بر الله تعالى وهو ثوابه ورحمته ورضاه وجنته {حتى تنفقوا} اى فى سبيل الله رغبة فيما عنده {مما تحبون} اى بعض ما تهوونه ويعجبكم من كرائم اموالكم واحبها اليكم او ما يعمها وغيرها من الاعمال والمهجة على ان المراد بالانفاق مطلق البذل. وفيه من الايذان بعزة منال البر ما لا يخفى {وما تنفقوا من شىء} اى اى شىء تنفقوا طيب تحبونه او خبيث تكرهونه فمحل الجار والمجرور النصب على التمييز {فان الله به عليم} تعليل لجواب الشرط واقع موقعه اى فمجازيكم بحسبه جيدا كان او رديئا فانه تعالى عليم بكل شىء تنفقونه علما كاملا بحيث لا يخفى عليه شىء من ذاته وصفاته. وفيه من الترغيب فى انفاق الجيد والتحذير من انفاق الرديىء ما لا يخفى فالوصول الى المطلوب لا يحصل الا بالانفاق المحبوب ولذلك كان السلف اذا احبوا شيئاً جعلوه لله ذخيرة ليوم يحتاجون اليه والانسان لا ينفق محبوبه الا اذا ايقن انه يتوصل بذلك الى وجدان محبوب اشرف من الاول فالانسان لا ينفق محبوبه فى الدنيا الا اذا تيقن بوجود الصانع العالم القادر وتيقن بالبعث والحساب والجزاء وان من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ولزم منه ان الانسان لا يمكنه انفاق محبوبه فى الدنيا الا اذا كان مستجمعا لجميع الخصال المحمودة فى الدين فلا تقتضى الآية ان من انفق ما احب وصل الى الثواب العظيم وان لم يأت بسائر الطاعات ـ روى ـ "حديث : انها لما نزلت جاء ابو طلحة فقال يا رسول الله ان احب اموالى الىّ بئر حاء وهو ضيعة له فى المدينة مستقبل مسجد النبى صلى الله عليه وسلم فضعها يا رسول الله حيث اراك الله فقال صلى الله عليه وسلم "بخ بخ ذاك مال رابح او رائج فانى ارى ان تجعلها فى الاقربين فقسمها فى اقاربه"" تفسير : وفيه دلالة على ان انفاق احب الاموال على اقرب الاقارب افضل ـ وروى ـ عن عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه انه كانت لزوجته جارية بارعة فى الجمال وكان عمر راغبا فيها وكان قد طلبها منها مرارا فلم تعطه اياها. ثم لما ولى الخلافة زينتها وارسلتهااليه فقالت وهبتكها يا امير المؤمنين فلتخدمك قال من اين ملكتها قالت جئت بها من بيت ابى عبد الملك ففتش عن تملكه اياها فقيل انه كان على فلان العامل ديون فلما توفى اخذت من تركته ففتش عن حال العامل واحضر ورثته وارضاهم جميعا باعطاء المال ثم توجه الى الجارية وكان يهواها هوى شديدا فقال انت حرة لوجه الله فقيل لم يا امير المؤمنين وقد ازحت عن امرها كل شبهة قال لست اذا ممن نهى النفس عن الهوى ـ يحكى ـ ان الربيع ضربه الفالج فكان السائل يقوم على بابه فيسأل فيقول الربيع اطعميه السكر فان الربيع يحب السكر يتأول قوله "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون" وطال به وجعه فاشتهى لحم دجاج فكف نفسه اربعين يوما فابت فقال لزوجته قد اشتهيت لحم دجاج منذ اربعين يوما فكففت نفسى رجاء ان تكف فابت فقالت امرأته سبحان الله وأى شىء هذا تكف نفسك عنه وقد احله الله تعالى لك فارسلت امرأته الى السوق فاشترت له دجاجة بدرهم ودانقين فذبحتها وشوتها وخبزت له خبزا وجعلت له اصباغا ثم جاءت بالخوان فوضعته بين يديه فقام سائل على الباب فقال تصدقوا على بارك الله فيكم فكف عن الاكل وقال لامرأته خذى هذا وادفعيه اليه فقالت له امرأته سبحان الله قال افعلى ما آمرك به قالت فاصنع ما هو خير له قال وما هو قالت نعطيه ثمن هذا وتأكل انت شهوتك قال قد احسنت ائتنى بثمنه فجاءت بثمنه فقال ضعيه على هذا وخذيه وادفعيه جميعا ففعلت شعر : باحسانى آسوده كردن دلى به ازالف ركعت بهر منزلى تفسير : وقيل فى هذا المعنى شعر : دل بدست آوركه حج اكبرست از هزاران كعبه يك دل بهترست كعبه بنياد خليل آزرست دل نظركاه جليل اكبرست تفسير : ويقال اذا كنت لا تصل الى البر الا بانفاق محبوبك فمتى تصل الى البار وانت تؤثر عليه حظوظك. قال القشيرى من اراد البر فلينفق بعض ما يحبه ومن اراد البار تعالى فلينفق جميع ما يحبه. قال نجم الدين الكبرى فى قوله تعالى {فان الله به عليم} فبقدر ما تكونون له يكون لكم كما قال (من كان لله كان الله له فان الفراش ما نال من بر الشمع وهو شعلته حتى انفق مما احبه وهو نفسه). قال القاشانى كل فعل يقرب صاحبه من الله فهو بر ولا يمكن التقرب اليه الا بالتبرى مما سواه فمن احب من دون الله شيئاً فقد حجب به عن الله واشرك شركا خفيا لتعلق محبته بغير الله شعر : تراهرجه مشغول دارد زدوست اكر راست خواهى دلارامت اوست تفسير : فلا يزول البعد ولا يحصل القرب الا ببذل المال والمهجة وقطع محبة غير الله وافناء النفس بالكلية عن صفاتها الرذيلة شعر : اكر يارى از خويشتن دم مزن كه شركست بايار وباخويشتن

ابن عجيبة

تفسير : قلت: البرّ: كمال الطاعة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {لن تنالوا} كمال الطاعة والتقرب {حتى تنفقوا مما تحبون}، أو: لن تنالوا برَّ الله الذي هو الرضى والرضوان، {حتى تنفقوا} بعض ما {تحبون} من المال وغيره، كبذل الجاه في معاونة الناس، إن صحبه الإخلاص، وكبذل البدن في طاعة الله، وبذلك المهج في سبيل الله. ولمّا نزلت الآية جاء أبو طلحة فقال: يا رسول الله، إن أحب أموالي إِليَّ بَيْرُحاء – وهو بستان كان خلف المسجد النبوي – وهو صدقة لله، أرجوا برّها وذخرها، فقال له – عليه الصلاة والسلام –"حديث : بَخٍ بَخٍ؛ ذَلَكَ مَالٌ رَابحٌ – أو رائح – وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا في الأَقْرَبينَ"تفسير : . فقسمها أبو طلحة في أقاربة. وجاء زيدٌ بنُ حَارِثَةَ بفرسٍ كان يُحبها، فقال: هذه في سبيل الله، فحمل عليها رسولُ الله أسامة ولده، فقال زيد: إنما أردت أن أتصدق بها، فقال – عليه الصلاة والسلام -:"حديث : إنَّ اللَّهَ تعالى قَدْ قَبِلَهَا"تفسير : . فدلّ ذلك على أن الصدقة على الأقارب أفضل. وأعتقت امرأةٌ جارية لا تملك غيرها، كانت تحبها، واشترطت عليها أن تقيم معها، فلما عُتِقَتْ، ذهبت، فقال لها عليه الصلاة والسلام:"حديث : دعيها فقد حجَبْتِك عن النار ". تفسير : وأمر عمر بن الخطاب بشراء جارية من سبي العراق، فلما جيء بها، ورآها عمرُ أعجبْته غايةً، فقال: إن الله تعالى يقول: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} ، فأعتقها. وذكر ابن عمر هذه الآية، فلم يجد عنده أحبَّ من جارية كانت عنده، يطؤها فأعتقها، وقال: لولا أني لا أعود في شيء جعلته لله لنكحتها. وكان الربيع يعطي للسائل إذا وقف في بابه السكر، فإذا قيل له في ذلك، قال: إن الربيع يحب السكر. ثم إن الله – تعالى – يقبل الصدقة من المحبوب أو غيره، ولذلك قال: {وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم}؛ فيجازيكم بحسبه. الإشارة: ليس للفقير شيء أحبُّ من نفسه التي بين جنبيه، بل عند جميع الناس، فمن بذل روحه في مرضاة الله نال رضوان الله ومعرفته، وهو غاية البر، فمن أذل نفسه لله أعزه الله، ومن أفقر نفسه لله أغناه الله، من تواضع لله رفع، فبذل النفس لله هو تقديمها لشيخ التربية يفعل بها ما يشاء، فكل ما يشير به إليه بادر إليه بلا تردد، فمن فعل ذلك فقد نال غاية البر، وأنفق غاية ما يُحب، وكل من بذل نفسه بذل غيرها بالأحرى، إذ ليس أعز منها، وفي ذلك يقول ابن الفارض رضي الله عنه: شعر : مَا لِي سِوَى رُوحِي، وباذل نَفْسه في حُبّ من يَهْوَاهُ ليس بُمُسْرِفِ فَلَئِنْ رَضِيتَ بها فقد أسْعَفْتَني يا خَيْبَةَ الْمَسْعَى إذا لم تُسْعِفِ تفسير : وقال الشيخ أبو عبد الله القرشي: حقيقة المحبة أن تهب كُلَّكَ لمن أحببته، حتى لا يبقى لك منك شيء. هـ. وقال الجنيد رضي الله عنه: لن تناولا محبة الله حتى تسخُوا بأنفسكم لله. هـ. ولما قال عليه الصلاة والسلام لليهود:"حديث : أنا على ملة إبراهيم"تفسير : . – كما تقدم – قالوا: كيف تكون على ملة إبراهيم، وأنت تأكل لحوم الإبل وإلبانها؟، وكان ذلك حراماً على إبراهيم.

الطوسي

تفسير : المعنى: قيل في معنى البر قولان: أحدهما - البر من الله بالثواب في الجنة. الثاني - البر بفعل الخير الذي يستحقون به الأجر. وقال السدي وعمرو بن ميمون: البر الجنة. فان قيل: كيف قال {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} والفقير لا يجب عليه الصدقة وينال الجنة، وان لم ينفق؟ قلنا: الكلام خرج مخرج الحث على الصدقة إلا أنه على ما يصح ويجوز من إمكان النفقة، فهو مقيد بذلك في الجملة إلا أنه اطلق الكلام للمبالغة في الترغيب فيه. ويجوز {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} في سبل الخير من الصدقة من وجوه الطاعة. وقال الحسن: هو الزكاة الواجبة وما فرض تعالى في الأموال خاصة. والأولى أن تحمل الآية على الخصوص بأن يقول: هي متوجهة إلى من يجب عليه إخراج شيء أوجبه الله عليه دون من لم يجب عليه، ويكون ذلك أيضاً مشروطاً بأن لا يعفو الله عنه - على مذهبنا في جواز العفو - أو يقول {لن تنالوا البر} الكامل الواقع على أشرف الوجوه {حتى تنفقوا مما تحبون}. وقوله: {فإن الله به عليم} إنما جاء على جهة جواب الشرط وإن كان الله يعلمه على كل حال، لامرين: أحدهما - لأن فيه معنى الجزاء، فتقديره {وما تنفقوا من شيء فإن الله} يجازيكم به قل أو كثر، لأنه عليم به لا يخفى عليه شيء منه. الثاني - فانه يعلمه الله موجوداً على الحد الذي تفعلونه من حسن النية أو قبحها. اللغة: والفرق بين البر، والخير: أن البر هو النفع الواصل إلى الغير مع القصد إلى ذلك، والخير يكون خيراً، وان وقع عن سهو. وضد البر العقوق. وضد الخير الشر، فبذلك بين الفرق بينهما. النظم: ووجه إتصال هذه الآية بما قبلها أنه تعالى لما ذكر في الآية الاولى {فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به} وصل ذلك بقوله {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} لئلا يؤدي امتناع غناء الفدية إلى الفتور في الصدقة، وما جرى مجراها من وجوه الطاعة.

الجنابذي

تفسير : {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ} منقطع عن سابقه لفظاً ومعنى او جواب لسؤالٍ ناشئٍ عن سابقه كأنّه بعد ما ذكر الاصناف الاربعة من المنحرفين والمرتدّين والكافرين سأل سائل: بم ننال الايمان والثّبات فيه ومقام الاحسان؟ - فقال: لن تنالوا البرّ اى الجنّة او الخير او الاتّساع فى الاحسان او الصّدق او الطّاعة او خصلة الاحسان الى الغير فانّ الكلّ معانى البرّ والكلّ مناسب لمقام السّؤال {حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ} قد مضى معنى الانفاق فى اوّل سورة البقرة {مِمَّا تُحِبُّونَ} اى بعض ما تحبّون فانّ الاحسان والمحبوبيّة للانسان لا يحصل الاّ بالتّوسّط فى الاخلاق ولمّا كان محبوب الانسان فى كلّ مرتبة شيئاً غير ما فى المرتبة الاخرى ولعلّ محبوبه فى مرتبة يكون مبغوضاً له بحسب مرتبةٍ اخرى ومحبوب كلّ مرتبة لا يكون بالنّسبة الى جميع الافراد محبوباً بل قد يكون محبوباً لبعض ومبغوضاً لبعض آخر، وقد يكون محبوباً لشخص فى حالٍ مبغوضاً له فى حالٍ آخر فلا يكون الانفاق ولا المنفق مخصوصاً بشيءٍ ولا واقفاً على حدّ بل نقول: محبوب الانسان فى كلّ مرتبة نفسه ولوازم نفسه وموافقاتها فى تلك المرتبة والاصل فى كلّ انفاق ان يكون ناشئاً او مورثاً لانفاق شيءٍ من انانيّته حتّى يكون مقبولاً فانّ المنفق اذا انفق لابقاء انانيّته او لازدياد انانيّته مثل المرائى والمعجب بنفسه والمنفق لابقاء الباطل او ابطال الحقّ لم يكن انفاقه مقبولاً ولا مورثاً للبرّ والاحسان بل يكون مردوداً ومورثاً للبعد من البرّ {وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ} احقر ما يكون فلا يفوت عن الله {فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} فيجازيكم باضعافه فلا تخافوا من فوته وافنائه.

اطفيش

تفسير : {لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّ}: البر: إما العمل الصالح وإما ثواب الله ورضاه فإذا كان بمعنى العمل الصالح، ففيه وجهان: الأول أن يقدر مضاف، أى لن تنالوا ثواب البر، أى ثواب العمل الصالح، والثانى أن لا يقدر، ولكن المعنى لن تبلغوا كمال الخير وحقيقته، وفسر بعضهم البر بالتقوى، وهى داخلة فى اسم العمل، ولو كانت تركا، لأن الترك لله سعى فيما يقرب إليه وفسره بعض بالطاعة، ووجه اتصال الآية بما قبلها، إنما قبلها فى أن الكافر لا ينتفع بإنفاقه والمؤمن ينتفع به، فدين الله تبارك وتعالى بها كيفية الإنفاق النافع للمؤمنين وهم المخاطبون بها. {حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}: والآية فى النفقة المندوب إليها على الصحيح، لا فى الزكاة، وكل شىء كان لنفس مالكه، أدنى قليل من الحبِّ له وأنفقه، ولو كان أحقر شىء، فقد دخل فى قوله {مِمَّا تُحِبُّون} فعن الحسن: كل شىء أنفقه المسلم من ماله يبتغى به وجه الله، ويطلب ثوابه حتى التمرة، فإنه يدخل فى قوله: {لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّون} وفى رواية عنه أن النفقه فى الآية هى الزكاة وكذا روى عن ابن عباس والضحاك، فقيل: نسخت بآية الزكاة على أن هذه فى إخراج الزكاة، وعطاء أفضل المال فيها، ونسخ لزوم إعطاء الأفضل، ووجب الأعدل من المال، وقال القاضى: الآية فى نفقة التطوع والواجبة، والجمهور على أن الآية فى النفقة المندوب إليها، حديث : كان عبد الله بن عمر يشتهى أكل السكر بالموز، فكان يشترى ذلك، ويتصدق به، وكان مريضاً، فاشتهى سمكة طرية فحملت إليه على رغيف فقام سائل بالباب، فأمر بدفعها إليه، ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أى ما أمرؤ اشتهى شهوة فرد شهوته، وآثر على نفسه، غفر الله لهُ"تفسير : . قال حمزة ابن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر خطرت على قلبه هذه الآية: {لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} قال عبد الله: فذكرت ما أعطانى الله فما شىء أحب إلى من فلانة، فقلت: هى حرة لوجه الله تعالى. قال: ولولا أنى لا أعود فى شىء جعلته لله لنكحتها. وروى أن ابن عمر خرج فاشتهى عنباً، وذلك فى الشتاء فخرج بنوه، فاشتروا لهُ عنقوداً بدرهم، فلما أتى به أخذ منه حبة، فإذا سائل يسأل، فأعاد الحبة فى موضعها، ثم قال: يا سلام ناوله العنقود، ثم اشتراه منه بدرهم ثم جاء به إليه، وقال: كل شهوتك، فأعاد السائل، فأعادها إلى موضعها وفعل كالأول، فكان كذلك إلى ثلاث مرات ومات ابن عمر ولم يأكله. وعن عمرو بن دينار: حديث : لما نزلت هذه الآية {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون} جاء زيد بن حارثة بفرس يقال لها سيل، كان يحبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: تصدق بهذه يا رسول الله، فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأسامة بن زيد ابن حارثة، فقال: يا رسول الله إنما أردت أن أتصدق بها، وظن أن صدقته لم تقبل إذ تصدق بها على ولده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قبلت صدقتكتفسير : . وفى رواية: حديث : كان زيد وجد فى نفسه فلما رأى ذلك منه النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: "أما أن الله قد قبلها"تفسير : . وروى أن أبا ذر نزل به ضيف، فقال للراعى: إيتنى بخير إبلى، فجاء بناقة مهزولة، فقال للراعى: لم جئتنى بها؟ فقال الراعى: وجدت خير الإبل فحلها، فذكرت يوم حاجتكم إليه. فقال: إن اليوم حاجتى إليه ليوم أوضع فى حفرتى، وعن مجاهد: كتب عمر بن الخطاب إلى أبى موسى الأشعرى أن يبتاع لهُ جارية من سبى جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى، فلما جاءته أعجبته، فقال: إن الله عز وجل يقول {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون} فأعتقها. والإنفاق فى الآية شامل للتحرير، فإذا حررت عبداً فقد أنفقت نفسه عليه، وشامل للنفع بالجاه والطاعة والنفع بالبدن والقتال، فقد يقتل فى الله فيكون أنفق نفسه فى الله. وفى رواية أنهُ اشترى جارية، فلما رآها أعجبته فأعتقها، قيل له: لم أعتقها ولم تصب منها؟ فقال: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، وروى أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة الأنصارى أكثر رجل مالا بالمدينة من نخل، وكان أحب مَالهُ إليه برحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من مائها وهو طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون} حديث : قال أبو طلحة: إن أحب مالى بئر حاء، وأنها لصدقة لله، أرجو برها وأدخرها عند الله فضعها يا رسول الله صلى الله عليك وسلم حيث شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بخ بخ.. ذلك مال رابح، يروح بصاحبه إلى الجنة، وقد سمعت ما قلت وأنا أرى أن تجعلها فى الأقربين"، قال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة على أقاربه، وبنى عمه تفسير : ، وأنا هو - بتخفيف النون، وفتح الهمزة قبلها - وتجعلها هو بالمثناة الفوقية، وقوله فى الأقربين: أراد به أقارب أبى طلحة، وأفعل: هو مضارع للمتكلم مرفوع، ولعل قوله يروح بصاحبه إلى الجنة: تفسير من جابر أو من أبى عبيدة، ثم رأيت أنهُ غير مذكور فى صحيح مسلم وكذا لم يذكره القاضى، وقال القاضى: رابح أو رايح، وبرحاء: اسم واحد للبستان المذكور - بفتح بائه وكسرها وفتح الراء وضمها - والمد والقصر، فيعلا أو فيعلى من البراح: وهى الأرض المنكشفة، وليس بئراً مضافاً إلى حاء، كما قيل، والكلام على الحديث مبسوط فى شروح الكتب الحديث، وتكلم عليه الشيخ أبو عمر، ومحمد بن أبى ستة فى حاشية الصحيح، صحيح الربيع جازاهما الله بالجنة. وفسر بعضهم الآية بأن تنفق من مالك ما أنت محتاج إليه، وعن عبد الله ابن مسعود: إيتاء المال على حبه، أن تنفق وأنت صحيح شحيح تؤمل الحياة وتخشى الفقر. فتطيقه بالآية أن تقول ما للإنسان محبوب إليه، ما دام فى الحياة لم يخش الموت، فإذا أنفق منه فقد أنفق مما أحب، وعن أبى هريرة: حديث : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله أى الصدقة أفضل قال: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تهمل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا، إلا وقد كان لفلان" تفسير : ومن التبعيض، كما قرأ عبد الله بن مسعود: حتى تنفقوا بعض ما تحبون، ويجوز أن تكون للبيان، أى: حتى تنفقوا شيئاً هو أفضل ما تحبون. قال القشيرى: من أراد البر فلينفق بعض ما يحب، ومن أراد البر فلينفق جميع ما يحب. وقيل: إذا كنت لا تصل إلى البر إلا بإنفاق محبوبك، فمتى تصل إلى البار وأنت تؤثر عليه حظوظك. {وَمَا تُنْفِقُواْ}: لله. {مِنْ شَىْءٍ}: أى من أى شىء محبوب، أو غيره و{من} للبيان متعلقة بمحذوف نعت لـ {ما} الشرطية، أفاد النعمة تعميم المراد بما فى كل ما يطلق عليه لفظ شىء. {فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}: يجازيكم بحسبه جزاء وجزائه لا يقدر قدره ومن ورائه فضله، والله أعلم وأحكم، وما توفيقى إلا به. حديث : وقالت اليهود للنبى صلى الله عليه وسلم: إنك تزعم أنك على ملة إبراهيم وكان إبراهيم لا يأكل لحوم الإبل وألبانها، وأنت تأكل ذلك فلست على ملته فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "كان ذلك حلالا لإبراهيم" قالوا: كلما تحرمه اليوم؟ كان محرماً على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا؟ فأنزل الله عز وجل: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِى إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ، عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} .

اطفيش

تفسير : {لَن تَنَالُوا البِرَّ} الإحسان الكامل الذى هو عبادة منكم {حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} أو لن تنالوا بر الله، أى إحسانه إليكم الكامل حتى الخ، أو لن تنالوا ثواب البر، أى ثواب الطاعة حتى الخ، وبه قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد، ولن تكونوا أبراراً حتى.. الخ، والمراد الإنفاق الواجب وغير الواجب، والإنفاق من المال إطعاماً وإشراباً وإسكاناً، وإعارة، وإعتاقاً، ووقفاً من الجاه، ينفع به الأقارب والضعفاء، وغيرهم، ومن البدن فى العبادات، وخدمة العلماء، والأولياء، والناس فى كل ما يرجع إلى البدن، ومن تفويت البدن كالقتال في سبيل الله حتى يقتل، وذلك من عموم المجاز، وهو استعمال الكلمة في المعنى الموجود فى الحقيقة والمجاز كالصرف هنا، لما نزلت، حديث : قال أبو طلحة: يا رسول الله أحب أموالى إلىَّ بَيْرجاء فضعها حيث أراك الله، فقال صلى الله عليه وسلم: بخ بخ، ذلك مال رابح أو رائح، وإنى أرى أن تجعلها فى الأقربينتفسير : ، أى أقرباء طلحة، فقسمها أبو طلحة فى أقربائه وبنى عمه، وفى رواية لمسلم وأبى داود: فجعلها لحسان بن ثابت وأُبى ابن كعب، وذكر الربيع بن حبيب والبخارى ومسلم والترمذى والنسائى وغيرهم الحديث، ويرجى بفتح الباء وكسرها وفتح الراء وضمها وكسرها، والمد والقصر بستان فى المدينة، أو موضع فيها منه البستان، أو موضع قرب المسجد، أو أرض وهو فيعلى، أو فيعلاء من البراح، وهى المنكشفة، أو بير مضاف لقبيلة اسمها حاء ويخ بإسكان الخاء وكسرها، منون أو غير منون، وبالضم مخففاً ومشدداً مدح ورضاء بالشىء وتعجب، من أسماء الأصوات، ورايح بالموحدة ذو ريح، والمراد الثواب المضاعف، وبالهمزة والمراد رائح بصاحبه إلى الجنة كما فى رواية، وجاء زيد بن حارثة بفرس يحبها، فقال، هذه فى سبيل الله فحمل عليها صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد، فقال زيد، يا رسول الله، إنما أردت أن أتصدق بها، فقال صلى الله عليه وسلم إن الله قد قبلها منك، رواه ابن المنذر، وابن جرير مرسلا، ويستفاد من الحديثين والآية، أن إنفاق أحب الأموال على الأقارب أو أقرب الأقارب أفضل، وكان ابن عمر ينفق السكر، فقيل، لو اشتريت طعاماً وأنفقته، فقال، نعم، لكن قال الله: حتى تنفقوا مما تحبون، وأنا أحب السكر وحضرته الآية فلم يجد إلا جارية رومية، تسمى لؤلؤة، وكانت أحب ماله إليه فأعتقها، وعن الحسن، كل ما أنفق المسلم من ماله لوجه الله تعالى فداخل فى الآية، والمراد من مطلق ما تحبون، والمال كله محبوب، والمشهور ما تقدم بمعنى ما تحبون أكثر من غيره وقيل، المراد الزكاة مما لا يسترذل، ومن أنفق من غير ما يحب نال ثوابا غير كامل، ومن لم ينفق غير الواجب فاته ثواب الإنفاق، أو ناله من عمل آخر، والفقير الذى لم يجد ما ينفق ينال الثواب من غير أعماله، وقد يكون أفضل من الإنفاق، وقد يكون الثواب الكامل بنية من لم يجد، ومن اللعب جعل ما مصدرية والمصدر بمعنى مفعول، أى من حبكم، أى محبوبكم فإنه يغنى عن ذلك جعلها اسماً واقعاً على المحبوب، أى الذى تحبونه، أو شىء تحبونه {وَمَا تُنفِقُوا مِن شَىْءٍ} زيادة فى العموم، أى مطلق ما يسمى شيئاً، ولا دلالة لشىء على خبث أوطيب إلا من حيث العموم فليجعل مع مِن نعتاً لما، لا تمييزاً {فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} يجازى عليه، ولو رذلا، مما هو رذل، واجبا، أو رذلا من طيب نفلا، قليلا أو كثيراً، ولا يدل قوله عليم على الحث على إخفاء الصدقة، بل على الحث على مطلق الصدقة ظاهرة أو خفية قالت اليهود له صلى الله عليه وسلم: تزعم أنك على دين إبراهيم وتأكل لحم الإبل وألبانها، وهو لا يأكلها وأنها محرمة على آدم ومن بعده إلى وقتنا هذا أو بعده فنزل قوله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاَّ لِبَنِى إِسْرَاءِيلَ} يعقوب، أى كل المطعومات أى ما يؤكل أو يشرب، فشمل لبن الإبل، كقوله تعالى: {فمن لم يطعمه}، والأحكام لا تطلق على الذوات، فالمراد تناول الطعام، وزعم بعض أنه يوصف العين بالحل، ونسبة لائمة الأصول، ويجوز إبقاء الطعام على معنى المصدرية، أى كل أكل وشرب كان حلا لبنى إسرائيل {إلاَ مَا حَرَّمَ إسْرَاءِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} أى المأكول والمشروب، أو الأكل والشرب الذى حرمه إسرائيل على نفسه {مِنْ قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} وهو، قيل لحوم الأنعام أو زيادتا الكبد والكليتان وشحم غير الظهر، والمشهور، وهو الصحيح، أنه لحم الإبل وألبانها لحصول عرق النَّسا له بها، فوعد، إن شفى، لم يأكلها ولم يشربها، فلم يحرمها عليهم، بل ذلك نذر منه، وقيل: حرمها على نفسه خاصة، فحرمها الله عليهم فى التوراة اتباعا لبنيه له،، وكانت أحب طعام وشراب إليه، فتركها نذراً تقرباً إلى الله، وزادوا فى الحرمة أشياء لم تحرم عليهم جهالة وتشرعا، وزاد الله عليهم حرمة أشياء لبغيهم، قال الله تعالى: {فبظلم من الذين هادوا}، {وعلى الذين هادوا حرمنا}، الآيتين، وذلك رد عليهم إذ قالوا، إن المحرم فى التوراة محرم عَلَى من قبلهم، لا، بل حرم عليهم خاصة، حكمة لبغيهم، وقيل: حرمها على نفسه خاصة على أن الاستثناء منقطع، أى، ولكن ما حرم إسرائيل على نفسه خاصة، وهو حرام عليه خاصة، والصحيح ما مر من تحريمها عليهم أيضا، والاستثناء متصل وذكر الكلبى أنه لم يحرم سبحانه تعالى عليهم فى التوراة، وإنما حرم عليهم بعدها بظلمهم، وقال السدى: لم يحرم عليهم فى التوراة إلا ما حرموه قبلها، تبعا لأبيهم، وقيل: نذر ألا يأكلها هو ولا بنوه، وقيل: التحريم الامتناع للتدواى من عرف النَّسا بإشارة الأطباء له عليه السلام، والنساء بالفتح والقصر عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذ يمر بالعرقوب حتى يبلغ القدم كلما طال زمانه زاد حتى يبلغ الركبة والكعب، وربما امتد إلى الأصابع بحسب كثرة مادته وقلتها، ويهزل معه القدم والفخذ، ويحدث منه العرج، وذكرت مداواته فى تحفه الحب، ومنها، قطع إليه كبش عربى ولا كبير ولا صغير، يشرب كل يوم على الريق فطير ثلث قطعة مصلية، قال أنس: وصفته لأكثر من مائة شفاهم الله تبارك وتعالى، ومن متعلق بكان أو بحلا، لجواز الاستثناء قبل ذكر ظرف، أما قبله نحو ما قام إلا زيد اليوم، وما جاء أحد إلا زيد على فرس بتعليق على بحاء، ويجوز تعليقه بحرم بياناً لتقديم التحريم على نزوله التوراة مستملة على محرمات أخر {قُلْ فَأْتُوا بِالتّوْرَاةِ فَاتْلُوهَآ} حتى يتبين للسامعين ولكم صحة دعواهم، أن كذا وكذا محرم، فلا تجدون دعواكم فيها، أو اتلوا محل دعواكم منها لا يوجد {إن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فلم يأتوا بها ويقرأوها لعدم صدقهم فيما أخبروا عنها، فإنما حرم إسرائيل لحم الإبل ولبنها نذراً، وليس فى تحريمه ذلك دلالة على اجتهاد الأنبياء، لأنه حرمه نذرا، بمعنى أنه منع نفسه منها نذراً أو تطبباً بإشارة الطبيب، وأما دعوى أن إسرائيل حرم ما حرم لأن الله أمره بتحريمها فمحتمل أيضاً، فلا يدل على الاجتهاد ولو كان بعيداً، إذ لم يقل إلا ما حرم الله على إسرائيل، واحتج للاجتهاد بأنه طاعة، ولا طاعة إلا وللأنبياء فيها نصيب، بل أقوى في ذلك لمزيد فهمهم وصفاتهم، قلنا كم عبادة تكون لنبى دون آخر، ولأمة دون أخرى، بل خصت هذه الأمة بالاجتهاد، واحتجوا بقوله تعالى: {أية : فاعتبروا يا أولى الأبصار} تفسير : [الحشر: 2]، وقوله تعالى: {أية : لعلمه الذين يستنبطونه منهم} تفسير : [النساء: 83]، قلت: لا يلزم أن يكون الاستنباط والاعتبار اجتهادا ولا شاملين له، ولأن المستنبطين أنبياء، أو استنبطوا من الأنبياء وبقوله تعالى: {أية : عفا الله عنك لِمَ أذنت لهم} تفسير : [التوبة: 43]، وتأتى الآية، وزعم بعض، أن التوراة نزلت منجمة فى ثمانى عشرة سنة، كلما ارتكبوا كبيرة حرم عليهم نوع من الطيبات، وهو ضعيف،وكأنهم أجمعوا على نزولها مرة.

الالوسي

تفسير : {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} كلام مستأنف لبيان ما ينفع المؤمنين ويقبل منهم ـ إثر بيان ما لا ينفع الكفار ولا يقبل منهم، و ـ تنال ـ من نال نيلاً إذا أصاب ووجد، ويقال: نال العلم إذا وصل إليه واتصف به، والبر الاحسان وكمال الخير، وبعضهم يفرق بينه وبين الخير بأن البر هو النفع الواصل إلى الغير مع القصد إلى ذلك، والخير هو النفع مطلقاً وإن وقع سهواً، وضد البر العقوق، وضد الخير الشر، و ـ أل ـ فيه إما للجنس والحقيقة، والمراد لن تكونوا أبراراً حتى تنفقوا وهو المروي عن الحسن، وإما لتعريف العهد، والمراد لن تصيبوا بر الله تعالى يا أهل طاعته حتى تنفقوا، وإلى ذلك ذهب مقاتل وعطاء. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه تفسير البر بالجنة، وروي مثله عن مسروق والسدي وعمرو بن ميمون، وذهب بعضهم إلى أن الكلام على حذف مضاف أي ـ لن تنالوا ثواب البر، وحتى بمعنى إلى، و ـ من ـ تبعيضية، ويؤيده قراءة عبد الله (بعض ما تحبون)، وقيل: بيانية، وعليه أيضاً لا تخالف بين القراءتين معنى، و (ما) موصولة أو موصوفة، وجعلها مصدرية والمصدر بمعنى المفعول جائز على رأي أبـي علي. وفي المراد من قوله سبحانه: {مِمَّا تُحِبُّونَ } أقوال، فقيل المال وكنى بذلك عنه لأن جميع الناس يحبونه، وقيل: نفائس الأموال وكرائمها، وقيل: ما يعم ذلك وغيره من سائر الأشياء التي يحبها الإنسان ويهواها، والإنفاق على هذا مجاز، وعلى الأولين حقيقة. وكان السلف رضي الله تعالى عنهم إذا أحبوا شيئاً جعلوه لله تعالى، فقد أخرج الشيخان والترمذي والنسائي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: حديث : كان أبو طلحة أكثر الأنصار نخلاً بالمدينة وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان النبـي صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب فلما نزلت {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } قال أبو طلحة: يا رسول الله إن الله تعالى يقول: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } وإن أحب أموالي إليَّ بيرحاء وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند الله تعالى فضعها يا رسول الله حيث أراك الله تعالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بخ بخ ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة/ في أقاربه وبني عمه» تفسير : وفي رواية لمسلم وأبـي داود «فجعلها بين حسان بن ثابت وأُبي بن كعب». وأخرج ابن أبـي حاتم وغيره عن محمد بن المنكدر قال: «لما نزلت هذه الآية حديث : جاء زيد بن حارثة بفرس يقال لها سبل لم يكن له مال أحب إليه منها فقال: هي صدقة فقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمل عليها ابنه أسامة فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في وجه زيد فقال: إن الله تعالى قد قبلها منك»تفسير : . وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر قال: «حضرتني هذه الآية {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ } الخ فذكرت ما أعطاني الله تعالى فلم أجد أحب إلي من مرجانة جارية لي رومية فقلت هي حرة لوجه الله تعالى فلو أني أعود في شيء جعلته لله تعالى لنكحتها فأنكحتها نافعاً، وأخرج ابن المنذر عن نافع قال: كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يشتري السكر يتصدق به فنقول له: لو اشتريت لهم بثمنه طعاماً كان أنفع لهم من هذا فيقول: أنا أعرف الذي تقولون ولكن سمعت الله تعالى يقول: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } وأن ابن عمر يحب السكر. وظاهر هذه الأخبار يدل على أن الإنفاق في الآية يعم المستحب، وروي عن ابن عباس أن المراد به إخراج الزكاة الواجبة وما فرضه الله تعالى في الأموال فكأنه قيل: ـ لن تنالوا البر حتى تخرجوا زكاة أموالكم ـ وهو مبني على أن المراد من ما تحبون المال لا كرائمه، فقول النيسابوري: إنه يرد عليه أنه لا يجب على المزكي أن يخرج أشرف أمواله وأكرمها، ناشيء من قلة التأمل، ولو تأمل ما اعترض على ترجمان القرآن وحبر الأمة، ونقل الواحدي عن مجاهد والكلبـي أن الآية منسوخة بآية الزكاة، وضعف بأن إيجاب الزكاة لا ينافي الترغيب في بذل المحبوب في سبيل الله تعالى. واستشكلت هذه الآية بأن ظاهرها يستدعي أن الفقير الذي لم ينفق طول عمره مما يحبه لعدم إمكانه لا يكون باراً أو لا يناله برّ الله تعالى بأهل طاعته مع أنه ليس كذلك، وأجيب بأن الكلام خارج مخرج الحث على الإنفاق وهو مقيد بالإمكان وإنما أطلق على سبيل المبالغة في الترغيب، وقيل: الأولى أن يكون المراد: لن تنالوا البر الكامل الواقع على أشرف الوجوه حتى تنفقوا مما تحبون والفقير الذي لم ينفق طول عمره لا يبعد القول بأنه لا يكون باراً كاملاً ولا يناله برّ الله تعالى الكامل بأهل طاعته، وقيل: الأولى من هذا الأولى أن يقال: إن المراد: لن تنالوا البر على الإنفاق حتى تنفقوا مما تحبون وحاصله أن الإنفاق من المحبوب يترتب عليه نيل البر وأن الإنفاق مما عداه لا يترتب عليه نيل البر، وليس في الآية ما يدل على حصر ترتب البر على الإنفاق من المحبوب، ونفي ترتب البر على فعل آخر من الأفعال المأمور بها، وحينئذ لا يبعد أن يكون الفقير الغير المنفق باراً أو نائلاً برّ الله تعالى بأهل طاعته من جهة أخرى، وربما تستدعي أفعاله الخالية عن إنفاق المال من البرّ ما هو أكمل وأوفر مما يستدعيه الإنفاق المجرد منه؛ وينجر الكلام إلى مسألة تفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر، وهي مسألة طويلة الذيل قد ألفت فيها الرسائل. {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْء } أيْ أيَّ شيء تنفقونه من الأشياء، أو أيَّ شيء تنفقوا طيب تحبونه، أو خبيث تكرهونه ـ فمن ـ على الأول متعلقة بمحذوف وقع صفة لاسم الشرط، وعلى الثاني في محل نصب على التمييز {فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } تعليل لجواب الشرط واقع موقعه ـ أي فيجازيكم بحسبه ـ فإنه تعالى عليم بكل ما تنفقونه، وقيل: إنه جواب الشرط، والمراد أن الله تعالى يعلمه موجوداً على الحدّ الذي تفعلونه من حسن النية وقبحها، وتقديم الظرف لرعاية الفواصل، وفي الآية ترغيب وترهيب قيل: وفيها إشارة إلى الحث على إخفاء الصدقة.

ابن عاشور

تفسير : استئناف وقع معتَرَضاً بين جملة {أية : إن الذين كفروا وماتوا وهم كفّار}تفسير : [آل عمران: 91] الآية، وبين جملة {أية : كُلّ الطعام كانَ حِلاّ لبني إسرائيل}تفسير : [آل عمران: 93]. وافتتاح الكلام ببيان بعض وسائل البرّ إيذَان بأنّ شرائع الإسلام تدور على مِحْور البرّ، وأنّ البرّ معنى نفساني عظيم لا يخرِم حقيقته إلاّ ما يفضى إلى نقض أصل من أصول الاستقامة النَّفسانيّة. فالمقصود من هذه الآيَة أمران: أوّلهما التَّحريض على الإنفاق والتّنويه بأنّه من البرّ، وثانيهما التنويه بالبرّ الَّذِي الإنفاق خصلة من خصاله. ومناسبة موقع هذه الآية تِلْو سابقتها أنّ الآية السّابقة لمّا بينت أنّ الّذين كفروا لن يقبل من أحدهم أعظم ما ينفقه، بيّنت هذه الآية ما ينفع أهل الإيمان من بذل المال، وأنّه يبلغ بصاحبه إلى مرتبة البرّ، فبيْن الطرفيْن مراتب كثيرة قد علمها الفطناء من هذه المقابلة. والخطاب للمؤمنين لأنَّهم المقصود من كُلّ خطاب لم يتقدّم قبله ما يعيِّن المقصود منه. والبرّ كمال الخير وشموله في نوعه: إذ الخير قد يعظم بالكيفية، وبالكميّة، وبهما معاً، فبذل النَّفس في نصر الدّين يعظم بالكيفية في ملاقاة العدوّ الكثير بالعدد القليل، وكذلك إنقاذ الغريق في حالة هوْل البحر، ولا يتصوّر في مثل ذلك تعدّد، وإطعام الجائع يعظم بالتعدّد، والإنفاق يعظم بالأمرين جميعاً، والجزاء على فعل الخير إذا بلغ كمال الجزاء وشموله كان برّاً أيضاً. وروَى النَّوَّاسُ بن سِمْعان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «حديث : البرُّ حُسْن الخُلُق والإثمِ ما حاك في النفْس وكَرهتَ أن يَطَّلع عليه الناس»تفسير : رواه مسلم. ومُقابَلَة البرّ بالإثم تدلّ على أنّ البرّ ضدّ الإثم. وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : ليس البرّ أن تولّوا وجوهكم قِبل المَشرق والمغرب}تفسير : [البقرة: 177]. وقد جعل الإنفاق من نفس المال المُحَبّ غاية لانتفاء نوال البرّ، ومقتضى الغاية أنّ نوال البرّ لا يحصل بدونها، وهو مشعر بأنّ قبْل الإنفاق مسافاتٍ معنوية في الطريق الموصلة إلى البرّ، وتلك هي خصال البرّ كلّها بقيتْ غير مسلوكة، وأنّ البرّ لا يحصل إلاّ بنِهايتها وهو الإنفاق من المحبوب، فظهر لـ(حتّى) هنا موقع من البلاغة لا يخلفها فيه غيرها: لأنَّه لو قيل إلاّ أن تنفقوا مِمَّا تحبّون، لتوهمّ السامع أنّ الإنفاق من المحَبِّ وحده يوجب نَوال البِرّ، وفاتت الدلالة على المسافات والدرجات الَّتي أشعرت بها (حتَّى) الغائية. و(تنالوا) مشتقّ من النوال وهو التّحصيل على الشيء المعطي. والتّعريف في البِرّ تعريف الجنس: لأنّ هذا الجنس مركّب من أفعال كثيرة منها الإنفاق المخصوص، فبدونه لا تتحقَّق هذه الحقيقة. والإنفاق: إعطاء المال والقوتِ والكسوة. وما صدقُ (ما) في قوله: {مما تحبون} المال: أي المال النَّفيس العزيز على النَّفس، وسوّغ هذا الإبهام هنا وجود تنفقوا إذ الإنفاق لا يطلق على غير بذل المال فـ (من) للتبعيض لا غير، ومن جوّز أن تكون (من) للتبيين فقد سها لأنّ التبيينية لا بدّ أن تُسبق بلفظ مبهم. والمال المحبوب يختلف باختلاف أحوال المتصدّقين، ورغباتهم، وسعة ثرواتهم، والإنفاقُ منه أي التّصدق دليل على سخاءٍ لوجه الله تعالى، وفي ذلك تزكية للنّفس من بقية ما فيها من الشحّ، قال تعالى: {أية : ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون}تفسير : [الحشر: 9] وفي ذلك صلاح عظيم للأمّة إذ تجود أغنيَاؤها على فقرائها بما تطمح إليه نفوسهم من نفائس الأموال فتشتدّ بذلك أواصر الأخوّة، ويهنأ عيش الجميع. روى مالك في «الموطأ»، عن أنس بن مالك، قال: حديث : كان أبو طلحة أكثر أنصاريّ بالمدينة مالاً، وكان أحبُّ أمواله بئرَ حاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيّب، فلما نزل قوله تعالى {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} جاء أبو طلحة، فقال: «يا رسول الله إنّ الله قال: {لن تنالوا البرّ حتَّى تنفقوا ممَّا تحبّون}، وإنّ أحبّ أموالي بئر حاء وإنها صدقة لله أرجو بِرّها وذُخْرَها عندَ الله، فَضَعْهَا يا رسول الله حيثُ أراك الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "فَبَخْ ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ وإني أرَى أن تجعلها في الأقربين"، فقال: أفْعلُ يا رسول اللهتفسير : . فجعلها لحسّان ابن ثابت، وأبيّ بن كعب. وقد بيَّن الله خصال البِرّ في قوله: {أية : ولكن البر من آمن باللَّه واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنَّبيّين وآتى المال على حُبّه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقامَ الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس}تفسير : في سورة [البقرة: 177 ]. فالبرّ هو الوفاء بما جاء به الإسلام ممَّا يعرض للمرء في أفعاله، وقد جمع الله بينه وبين التَّقوى في قوله: {أية : وتعاونوا على البِر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}تفسير : [المائدة: 2] فقابل البرّ بالإثم كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النّواس بن سِمْعان المتقدّم آنفاً. وقوله: {وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم} تَذْييل قُصد به تعميم أنواع الإنفاق، وتبيين أنّ الله لا يخفى عليه شيء من مقاصد المنفقين، وقد يكون الشيء القليل نفيساً بحسب حال صاحبه كما قال تعالى: {أية : والذين لا يجدون إلاّ جهدهم}تفسير : [التوبة: 79]. وقوله: {فإن الله به عليم} مراد به صريحه أي يطّلع على مقدار وقعه ممَّا رغَّب فيه، ومرَاد به الكناية عن الجزاء عليه.

الواحدي

تفسير : {لن تنالوا البر} [التقوى. وقيل:] أَي: الجنَّة {حتى تنفقوا مما تحبون} أَيْ: تُخرجوا زكاة أموالكم. {كلُّ الطعام كان حلاً لبني إسرائيل} أَيْ: حلالاً {إلاَّ ما حرَّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة} حديث : وذلك أنَّ يعقوب عليه السَّلام مرض مرضاً شديداً، فنذر لئن عافاه الله تعالى لَيُحرِّمنَّ أحبَّ الطَّعام والشَّراب إليه، وكان أحبَّ الطَّعام والشَّراب إليه لحمانُ الإِبل وألبانها، فلمَّا ادَّّعى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّه علم دين إبراهيم عليه السَّلام قالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإِبل وألبانها؟ فقال النَّبيُّ عليه السَّلام: كان ذلك حلالاً لإِبراهيم عليه السَّلام، فادَّعت اليهود أنَّ ذلك كان حراماً عليهتفسير : ، فأنزل الله تعالى تكذيباً لهم، وبيَّن أنَّ ابتداء هذا التَّحريم لم يكن في التَّوراة، إنَّما كان قبل نزولها، وهو قوله: {من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتَّوراة....} الآية. {فمن افترى على الله الكذب} أَيْ: بإضافة هذا التَّحريم إلى الله عزَّ وجلَّ على إبراهيم في التَّوراة {من بعد ذلك} من بعد ظهور الحجَّة بأنَّ التَّحريم إنَّما كان من جهة يعقوب عليه السَّلام {فأولئك هم الظالمون} أنفسهم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لن تنالوا: لن تحصلوا عليه وتظفروا به. البرّ: كلمة جامعة لكل خير، والمراد به هنا ثوابه وهو الجنة. تنفقوا: تتصدقوا. مما تحبون: من المال الذي تحبونه لأنفسكم وهو أفضل أموالكم عندكم. من شيء: يريد قَلَّ أو كثر. فإن الله به عليم: لازمه أن يجزيكم به بحسب كثرته أو قلته. معنى الآية الكريمة: يخبر تعالى عباده المؤمنين الراغبين في بره تعالى وإفضاله بأن ينجيهم من النار ويدخلهم الجنة بأنهم لن يظفروا بمطلوبهم من برّ ربهم حتى ينفقوا من أطيب أموالهم وأنفسها عندهم وأحبّها إليهم. ثم أخبرهم مطمئناً لهم على أنفاقهم أفضل أموالهم بأن ما ينفقونه من قليل أو كثير نفيس أو خسيس هو به عليم وسيجزيهم به، وبهذا حبّب إليهم الإِنفاق ورغبهم فيه فجاء أبو طلحة رضي الله عنه يقول يا رسول الله إن الله تعالى يقول: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}، وإن من أحب أموالي إليّ بيرحا (حديقة) فاجعلها حيث أراك الله يا رسول الله، فقال له صلى الله عليه وسلم مال رابح أو رائج اجعلها في أقربائك فجعلها في أقربائه حسان بن ثابت وأبي بن كعب رضي الله عنهم أجمعين. هداية الآية من هداية الآية: 1- البر وهو فعل الخير يهدي إلى الجنّة. 2- لن يبلغ العبد برّ الله وما عنده من نعيم الآخرة حتى ينفق من أحب أمواله إليه. 3- لا يضيع المعروف عند الله تعالى قل أو كثر طالما أريد به وجهه تعالى.

القطان

تفسير : نال الشيء: أصابه ووصل اليه. البر: كمال الخير، وبِرُّ الله رحمته ورضاه. البر: الجنة، وكل فعل يقرّب صاحبه من الله فهو بر. لن تنالوا الخير الكامل الذي تطلبونه الا اذا أَعطيتم مما تحبون من كرائم أموالكم في سبيل الله. وهو يعلم ما تنفقونه، قليلاً كان أو كثيراً، طيباً أو رديئاً، لأنه هو العليم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. لما نزلت هذه الآية بادر الصحابة الى بذل أحسن ما عندهم من أموال، كلٌ بحسب طاقته. وكذلك اقتفى أثرهم السلَف الصالح. فقد تصدّق أبو طلحة الأنصاري بأحسن بستان عنده في المدينة، وعمر بن الخطاب بسهم له في خيبر، وكان أحسن ما عنده. كذلك تصدّق زيد بن حارثة بأحسن فرس لديه.. والأخبار في هذا الموضوع كثيرة جداً. وفي هذه الآية الكريمة حثٌّ على فعل الخير وترغيب فيه، جعلنا الله ممن يستمعون القول ويتّبعون أحسنه.

د. أسعد حومد

تفسير : (92) - لَنْ تَنَالُوا يَا أيُّها المُؤْمِنُونَ الخَيْرَ وَالجَنَّةَ حَتَّى تُنْفِقُوا فِي سَبيلِ اللهِ مِنْ أحَبِّ أمْوالِكُم إليَكُمْ، وَاللهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيءٍ يُنْفِقُهُ العَبْدُ فِي سَبيلِ مَرْضَاةِ رَبِّه. نَالَ الشَّيءَ - حَصَلَ عَلَيهِ. البِرَّ - مَا يَكُونُ بِهِ الإِنْسَانُ بَارّاً وَهُوَ الإِحْسَانُ وَالخَيْرُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92]. وتؤدي كل مادة الباء والراء المضعفة إلى معنى "السعة"، فـ "البَرّ" أي الواسع والبَرّ أي الأرض المتسعة ومقابله "البحر" وإن قال قائل: "إن البحر أوسع من البر، لأن حجم القارات ليس في حجم البحار والمحيطات التي تفصل بينها": نقول لمثل هذا القائل: لا، إن حركتك في البر - الأرض - موسعة، وحركتك في البحر مضيقة؛ لأنك لا تتحرك في البحر إلا على شكل خاص، إما أن تتحرك بسفينة أو حتى على لوح من الخشب، أما حركتك في البر - الأرض - فأنت تمشي أو تركب، تذهب أو تجيء، فمجالك في البر متسع عن مجالك في البحر. و"البِرّ" هو التقوى، والطاعة، أو هو "الجنة" وكلها معان ملتقية، لأنها تؤدي إلى السعة، فالطاعة تؤدي إلى السعة، وكذلك التقوى، وكذلك الجنة، كلها ملتقية؛ لأن كلها سعة، فأحدهم أخذ معنى الكلمة من مرحلتها الأولى أي بالسبب وهو الطاعة، وبعضهم أخذها من المرحلة الأخيرة أي بالمسبب وهو الجنة، وقد يسأل سائل، لماذا أراد الله أن يجيء بحديث عن النفقة بعد الحديث عن تعذيب الكفار؟ ونقول: إن الحق حين يتكلم عمن يصيبه العذاب الأليم لأنه كفر ومات كافراً، وماله من ناصرين فإن المقابل يأتي إلى الذهن، وهو من آمن وعمل صالحاً، ومات على إيمانه، فله عكس العذاب الأليم وهو النعيم، وسيجد من يأخذ بيده، بينما الكافر لن يجد ناصرين له. إن المؤمن سيجد جزاء الله على الطاعة وهي البر؛ لأن البر هو كل خير، وإن جاء إطلاقه فإنه ينصرف إلى الجزاء من الله وقمته هو الجنة. وهكذا نرى المقابل لمعاملة الحق للكفار وهو معاملة الحق للمؤمنين، لقد جاء هذا القول في القرآن وهو كلام الله المعجز، وحين يخاطب سبحانه المكلفين بالمنهج، فهو يخاطب بكلامه ملكات إنسانية خلقها هو، إذن فلابد أن يغذي هذا الكلام كل الملكات المخلوقة لله، فلو كان الخالق للملكات غير المتكلم لكان من الممكن ألا ينسجم الكلام مع الملكات، ولكن الكلام هنا لله الذي خلق، لذلك لابد أن تنسجم الملكات مع كلام الله. وفي النفس الإنسانية ملكات متعددة، وهذه الملكات المتعددة متشابكة تشابكاً دقيقاً فتستطيع حين تخاطب ملكة سمعية أن تحرك مواجيد وجدانية، فإن لم يكن العالم بالملكات عليما بها لما أمكن أن يجيء المنطق موافقاً لملكة سمعية، وموافقاً لملكات وجدانية قد تتأتى بها طبيعة تداعي المعاني. و"تداعي المعاني" هو الخاصية الموجودة في الإنسان، ومعنى "تداعى المعاني" أن الإنسان يستقبل معنى من المعاني فيشير ذلك المعنى إلى معان خبيئة يستدعيها لتحضر في الذهن، فمثلاً حين ترى إنساناً تعرفه. فإن تداعي المعاني يعطيك تاريخك معه وتاريخه معك، ويصور بخاطرك أيضاً صوراً عن أهله وأصدقائه، ومعارفه، ويأتي لك تداعي المعاني بالأحداث التي كانت بينك وبينه أو شاهدتها أنت وهذا هو ما نسميه "تداعي المعاني"أي أن المعنى يدعو المعنى. وحين يخاطب الله سبحانه وتعالى الإنسان، فإنه يخاطب كل ملكة فيه في آن واحد، حتى لا تأخذ ملكة غذاءها، دون ملكة أخرى لا تجد لها غذاء إن كلام الله جاء مستوفياً وكافياً لكل الملكات، ومثال ذلك حينما أراد الحق سبحانه وتعالى أن يمنع المشركين من أن يطوفوا بالبيت، وكان المشركون قبل تحريم الله لطوافهم، يطوفون بالبيت، ويأتون من أماكن سحيقة بعيدة ليطوفوا في موسم الحج، وكانوا يأتون بأموالهم لينفقوا على أهل مكة، ويشتروا كل شيء يلزمهم منها، فموسم الحج كان موسماً اقتصادياً. وحين يريد الله أن يمنع المشركين من الحج فهو يخاطب المسلمين المقيمين بمكة حتى يحولوا بين المشركين وبين الطواف، وهو سبحانه قد علم - وهو العليم - بما خلق من ملكات، يعلم سبحانه أن ملكة أخرى ستتدخل في هذا الوقت، فيقول: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ..}تفسير : [التوبة: 28]. وعندما ينزل هذا الحكم فلا بد أن تتحرك ملكات في النفس الإنسانية، والحق قد علم أزلاً أن ملكة النفعية الاقتصادية عند أهل مكة ستتحرك عند سماع هذا الحكم، بمعنى أن بعضاً من المسلمين المقيمين بمكة وقت نزول هذا الحكم قد يقولون: "وإذا كنا نمنع المشركين الذين يفدون علينا بالأموال ليشتروا بضائعنا وموسمهم الاقتصادي هو الذي يعولنا طيلة العام فماذا نصنع إذن؟ إن الله يعلم أنه عند نزول حكم بتحريم البيت على المشركين أن يقربوه فلا بد أن تتحرك في النفس الإنسانية تلك الملكية النفعية، فيقول - سبحانه - عقب ذلك مباشرة: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}تفسير : [التوبة: 28]. الخوف من العيلة، أي الخوف من الفقر، وتلك هي عظمة الكلام الإلهي لأن رَبّاً يتكلم إن الإنسان حينما يتكلم قد تفوته معان كثيرة، وبعد ذلك قد تحدث ضجة وبلبلة وثورة بين الناس، لكن الحق الأعلى عندما يقول: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} تفسير : [التوبة: 28] ويتبع ذلك فوراً بقوله المطمئن: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [التوبة: 28] وقد فعل وجبى الحق وجلب إلى البيت الحرام ثمرات كل شيء، وكأنه يقول لنا: لا تعتقدوا أن هذه الثمرات قادمة عن طريق التطوع ولكنها رزق من لدنا، كما جاء في قوله الحق: {أية : وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [القصص: 57]. أي أنه ليست هناك حرية لأحد أن يعطي أهل البيت الحرام أو لا يعطي، إنها جباية، لطمأنة الملكية النفعية في النفس، وهو سبحانه يعطي الأمان الاقتصادي الذي يترتب عليه قوام الحياة، وعندما نمعن النظر في آيات القرآن نجد أن هناك آية قد تتقدم وآية قد تتأخر، وآية قد تأتي في الوسط، ونجد أن الآية الوسطى، مرتبطة بتداعي المعاني بالآية التي قبلها، ومرتبطة بتداعي المعاني بالآية التي بعدها، وذلك لترتوي وتتغذى كل ملكات الإنسان فلا يأتي أمر يوحي بأن هناك ما ينقص النفس البشرية، لنتأمل مثالاً لذلك وهو قوله الحق: {أية : وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}تفسير : [المجادلة: 8]. إن المشركين لم يقولوا لأحد: "إنما قالوا لأنفسهم"، ويكشفهم الحق سبحانه العليم في أخفى خباياهم، ويُظهر ما في أنفسهم، وهو العليم بكل خفايا عباده والكاشف لكل الملكات النفسية في خلقه. وحين يقول الحق سبحانه: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92]. فإن الآية تحريض على الإنفاق، وجاءت بعد آية تفيد أن هناك إنفاقاً لا يقبله الله في قوله سبحانه: {أية : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 91]. إذن فهناك لون من النفقة يرفضه الله، وتداعى المعاني في النفس الإنسانية قد يجعل الإنسان يسأل "ما هي إذن النفقة المقبولة؟" لذلك كان لا بد وأن يأتي قوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] فإذا كانت هناك نفقة مردودة فهناك أيضاً نفقة مقبولة، وهكذا نرى الآية التي تحرض على الإنفاق منسجمة مع ما قبلها. {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، قد يسأل سائل، ولماذا لا ينال الإنسان البر إلا بعد ان ينفق مما يحب؟ وله أن يعرف أن طبيعة النفس الإنسانية هي "الشح" ولهذا جاء في القرآن الكريم: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}تفسير : [التغابن: 16]. وشح النفس يأتي لأن الإنسان لا يأمن أبداً أن يأتيه العجز من بعد القدرة، لذلك فإنه يحاول إن كان يملك شيئاً أن يؤمن العجز المتوهم، فيحافظ على ما عنده من حاجات، ومن هنا جاءت الحيازة والملكية ولم تنشأ هذه الأشياء من أول الخلق، وإنما نشأت من يوم أن ضاقت الأمكنة المُعْطية دون الحاجات، فحين تكون الأمكنة المعطية تسع الحاجات فلا داعي لهذا العجز المتوهم. لنفترض أن رجلاً اشترى صندوقاً من البرتقال، ودخل منزله وعندما يحتاج ابن هذا الرجل لبرتقالة أو اثنتين فإنه يأخذ ما يريد، لكن لو أحضر الرجل قليلاً من البرتقال فإن زوجة الرجل تكون حريصة على أن تقسم البرتقال بين الأولاد حتى لا تترك كل ابن على سجيته بما قد يحرم الآخرين. وهكذا كان الأمر في بدء استخلاف الله للإنسان في الأرض، فمن أراد الأرض أخذ، ومن أراد أكل الثمار فهي أمامه، وعندما قلت مُعطيات الحاجات وذلك بضيق الأمكنة المعطية بدأت في الظهور الرغبة في الملكية، وامتياز الأشياء، والحق سبحانه يلفتنا في هذه المسألة وكأنه يقول لنا: إن النفقة لو نظرت إليها نظرة واقعية حقيقية لوجدت أنك أيها العبد مضارب لله في خير الله. ومعنى "مضارب" أي أنك تعمل عند الله بالعقل الذي خلقه لك، وتخطط به، وتعمل عند الله بالطاقة التي خلقها الله، والمادة التي خلقها الله لك تنفعل معها فماذا لك أنت؟ إن كل شيء لله، وأنت مجرد مضارب لا تملك شيئاً وما دمت مضارباً أيها العبد، فأعط لله حقه، وحق الله لا يأخذه هو؛ فهو أغنى الأغنياء، إن حق الله يأخذه أخوك غير القادر الذي لا يستطيع أن يتفاعل مع المادة، ولا تظن أيها العبد أن الله حين طلب منك النفقة مما تحب أنه - جل شأنه - قد استكثر عليك ما طلب منك أن تنفقه، إنه ساعة يأخذ منك لأخيك وأنت قادر، إنما يطمئنك أنك إن عجزت فسيأخذ لك من القادرين ذلك هو التأمين في يد الله. إن الحق يريد أن يحببنا في أن ننفق، لكن الإنسان يحاول أن ينفق مما لا يحب، فيهدي الإنسان الثوب الذي لم يعد صالحاً للاستعمال يعطيه لفقير، أو يعطي الحذاء المستهلك لواحد محتاج. لكن الله يأمرنا بأن ننفق مما نحب لذلك انفعل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما سمعوا هذا النص: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] هذا أبو طلحة حينما يسمعها يقول: يا رسول الله، إن أحب مالي إليّ هو "بيرحاء" فأنا أخرجه في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعله في أقاربك، فجعله في أقاربه، وهذا زيد بن حارثة يسمع الآية الكريمة فينفعل بها كذلك، وكان عنده فرس اسمه "سَبَل" وكان يحبه، فيقول: يا رسول الله أنت تعلم حبي لفرسي، وأنا أجعله في سبيل الله، فأخذه منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء بأسامة بن زيد وأركبه الفرس قال زيد: "فوجدت في نفسي" أي أنه حزن، وقال زيد: يا رسول الله أنا أردت أن أجعل الفرس في سبيل الله وأنت تعطي الفرس لابني ليركبه. فقال رسول الله لزيد: "أمَا إنّ الله قبله منك". وبعد ذلك ينفعل سيدنا أبو ذر رضي الله عنه وكان عنده إبل، والإبل لها فحل يلقح إناث الإبل، وكان هذا الفحل أحب مال أبي ذر إليه وجاء ضيف إلى أبي ذر, فقال له: إني مشغول، فاخرج إلى إبلي فاختر خيرها لنذبحه لضيافتك. فخرج الضيف، ثم عاد وفي يده ناقة مهزولة، فلما رآها أبو ذر قال: خنتني، قلت لك هات خير الإبل، قال الضيف: يا أبا ذر لقد رأيت خيرها فحلاً لك وقدرت يوم حاجتكم إليه. فقال أبو ذر: إن يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي. إن الصحابي الجليل أبا ذر يعرف أن يوم أن يوضع في الحفرة هو اليوم الجليل الذي يستحق من المرء أن يستعد له. وسيدنا ابن عمر كان عنده جارية جميلة من فارس، وكان يحبها، فلما سمع الآية، قال: ليس عندي أحب إليّ من هذه الجارية، وأعتقها، وكان من الممكن أن يتزوجها بعد أن أعتقها لكنه قال: لولا أن ذلك يقدح في عتقها لتزوجتها. وسيدنا أبو ذر رضي الله عنه يعطينا في مسألة الإنفاق درساً من أروع الدروس المستوعبة للملكة النفسية، فيقول: في المال شركاء ثلاثة: القَدَر لا يستأمرك أن يذهب بخيره وشره من هلك أو موت. أي أن القَدَر لا يستأذن عبداً في أن يذهب بالمال حيث يريد، فتأتي أي مصيبة فتأخذ المال إلى هالك أو موت. هذا هو الشريك الأول في المال، إنه القَدَر. والشريك الثاني في المال يوضحه لنا أبو ذر فيقول: إنّه الوارث، ينتظرك إلى أن تضع رأسك، ثم يستاقها وأنت قد سلبت بالموت كل ما تملك في الدنيا وأصبحت من غير أهلها. إن الوارث يقول لنفسه: "فلأستمتع بما ترك لي"، وهذا هو الشريك الثاني في المال. ويوضح لنا أبو ذر رضي الله عنه الشريك الثالث في المال فيقول: والثالث أنت، فإن استطعت ألاّ تكون أعجز الثلاثة فلا تكن أعجزها، أي إياك أن يغلبك على المال القدر أو الوارث، ينبغي عليك أن تغلب بإنفاق المال في سبيل الله وإلا أخذه منك باقي الشركاء. إذن لقد انفعل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالآية حينما نزلت حتى عدا الخير المحبوب منهم إلى غيرهم، وكان جزاء ذلك الجنة. لقد عرفوا قول الحق: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] أي الجنة المترتبة على الطاعة أو التقوى، أو سعة البركة أو سعة القوة، وكلها معان ملتقية، ولذلك يقول الله في الحديث القدسي:"حديث : قد كان العباد يكافِئون في الدنيا بالمعروف وأنا اليوم أكافئ بالجنة ". تفسير : إن الحق سبحانه الذي يعطي البر ثمناً لنفقة مما تحب يعلم هل أنفقت مما تحب فعلاً أو تيممت الخبيث لتنفق منه، فإياك أيها المؤمن أن تخدع نفسك في هذا الأمر، لأن الذي يعطي البر ثمناً لنفقة مما تحب يعلم خبايا النفس، لذلك يقول سبحانه: {وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92]. وعلم الله شامل، إنه يعلم ما في نيتك، وكيف أنفقت. ولقد بين الحق سبحانه النفقة المرفوضة حتى ولو كانت ملء الأرض ذهباً، ثم أوضح لنا أن هناك نفقة مقبولة وجزاؤها الجنة، وبذلك نرى التقابل بين النفقتين ولماذا جاء هذا الحديث؟ لقد كذب بعض أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مستهل أمر الدعوة وكذبوا البشارة به، والنعت والبشارة جاءا في التوراة والإنجيل، وأنكروا الأوصاف التي ذُكِرت في كتبهم السماوية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتمادوا ومحوا هذه الأوصاف من كتبهم. حدث ذلك مع أنهم قد تورطوا من قبل في إعلان البشارة به {أية : وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} تفسير : [البقرة: 89]. لقد أراد الله أن يفضحهم في التوراة التي يعتقدون أنها كتابهم وقد حرفوا بعض أحكام الله، وظنوا أن هذه التحريفات ستظل مستورة، لذلك جاء لهم بأحداث ولم ينتبهوا إليها لتقوم الحجة على أنهم قاموا بتحريف التوراة مثلما قلنا من قبل عن الخيبرية التي ارتكبت فاحشة الزنَى، وأراد رؤساء اليهود أن يخففوا العقوبة عنها، لأن العقوبة الواردة في التوراة على جريمة الزنَى هي الرجم وقال هؤلاء الرؤساء: "نذهب إلى محمد، لعل لديه حكماً مخففاً" فلما ذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضح لهم أنه الرجم. قالوا: لا، إنك لم تنصف في حكمك. فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم إنه يرضى بحكم التوراة التي عندكم وجيء بالتوراة وأمرهم الرسول أن يقرأوا فلما جاءوا إلى آية الرجم أرادوا أن يغفلوها فقال ابن سلام: إنهم يا رسول الله قد وثبوا وأغفلوا الآية. وهكذا انتبه الجميع إلى أن رؤساء اليهود أرادوا ان يتخطوا حكماً لله موجوداً عندهم وأرادوا أن ينكروه، كما فعلوا وأحدثوا في وصف النبي عليه الصلاة والسلام ومحوا هذا الوصف، ولم يتركوا له أثراً، لكن الله أنساهم بعض الأشياء لتكون بينة وآية على رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعندما أحل الرسول صلى الله عليه وسلم الإبل وألبانها، قالوا: هذه محرمة من أيام إبراهيم ومن قبله من أيام نوح، ولا يمكن أن نقبل تحليلها، فوضح النبي صلى الله عليه وسلم لهم أنها ليست محرمة، الله أحلها. وكان يجب أن يفهموا أن الإبل وألبانها حتى وإن كانت محرمة من قبل إلا أن رسولاً قد جاء من عند الله بتشريع له أن ينسخ ما قبله مع أنّ الإبل وألبانها لم تكن محرمة، لذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحتكم إلى التوراة. وهذه هي العظمة النورانية المحمدية، فلا يمكن أن يقول صلى الله عليه وسلم: "نحتكم إلى التوراة" إلا وهو واثق أن التوراة إنما تأتي بالحكم الذي يؤيد ما يقول، مع أنه لا يقرأ ولا يكتب. ويحضرون التوراة، فيجدون الكلام مطابقاً لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك قال الله: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93]. وحين يحرم نبي الله يعقوب - إسرائيل - طعاماً ما، فهو حر؛ فقد يحرم على نفسه طعاماً كنذر، أو كوسيلة علاج أو زهادة، لكن الله لم يحرم عليه شيئاً، وما تحتجون به أيها اليهود إنما هو خصوصية لسيدنا يعقوب {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} [آل عمران: 93] فلماذا تقولون: إن الإبل وألبانها كانت محرمة؟ لقد فعلوا ذلك لأنهم أرادوا أن يستروا على أنفسهم نقيصة لا يحبون أن يُفْضحوا بها، وتلك هي النقيصة التي كشفها القرآن بالقول الكريم: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ}تفسير : [الأنعام: 146]. إذن فهناك أشياء قد حُرمت على اليهود لأنهم ظلموا، وهذه الآية الكريمة هي التي أوضحت أن الحق قد حرم عليهم هذه الأطعمة لظلمهم. ومعنى: "كل ذي ظفر" أي القدم التي تكون أصابعها مندمجة ومتصلة، فليست الأصابع منفصلة، ونجدها في الإبل والنعام والأوز، والبط، وهذه كلها تسمى ذوات الظفر "إلا ما حملت ظهورهما" يعني الشحم الذي على الظهر. أما "الحوايا" فهي الدهون التي في الأمعاء الغليظة "أو ما اختلط بعظم". أي الشحم الذي يختلط بالعظم إن التحريم هنا لم يكن لأن هذه الأشياء ضارة، ولكن التحريم إنما كان عقاباً لهم على ظلمهم لأنفسهم وبغيهم على غيرهم. وأقول ذلك حتى لا يقول كل راغب في الانفلات من حكم الله ما الضرر في تحريم الأمر الفلاني؟ إن محاولة البحث عن الضرر فيما حرمه الله هي رغبة في الانفلات عن حكم الله. فالتحريم قد يأتي أدباً وتأديباً، ونحن على المستوى البشري - ولله المثل الأعلى - يمنع الإنسان منا "المصروف" عن ابنه تأديباً، أو يمنع عنه الحلوى، لأن الابن خرج عن طاعة أمه، إذن كان التحريم جزاءً لهم وعقاباً قال تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً * وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}تفسير : [النساء: 160-161]. وذلك هو الجزاء الذي أراده الله عليهم. إن التشريع السماوي حينما يأتي لظالم يخرج عن منهج الله فكأنه يقول له ما هو القصد من خروجه عن منهج الله؟ لماذا يظلم؟ لماذا يأخذ الربا؟ لماذا يصد عن سبيل الله؟ لماذا يأكل أموال الناس بالباطل؟ إن الظالم يفعل ذلك حتى يمتع نفسه بشيء أكثر من حقه، لذلك يأتي التشريع السماوي ليفوت عليه حظ المتعة، وكان هذا الحظ من المتعة حقاً وحلاًّ له، لكن التشريع يحرمه. ومثال ذلك القاتل يحرم من ميراث من يقتله؟ لأن القاتل استعجل ما أخره الله, وأراد أن يجعل لنفسه المتعة بالميراث، فارتكب جريمة قتل، لذلك يأتي التشريع ليحرمة من الميراث. كأن التشريع يقول له: "ما دامت نيتك هكذا فأنت محروم من الميراث" والتشريع حين وضع ذلك إنما حمى كل مورث, وإلا لكان كل مورث عرضة لتعدي ورثته عليه بالقتل لينتقل إليهم ما يملك، فقال: لا. نحرمة من الميراث وكذلك هنا نجد الظلم بأنواعه المختلفة، الظلم بإنكار الحق, والصد عن سبيل الله، وأخذ الربا، وأكل أموال الناس بالباطل، وما دام اليهود قد أدخلوا على أنفسهم أشياء ليست لهم فالتشريع يسلب منهم أشياء كانت حقاً لهم. وكان اليهود في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغبون ألا يُشاع عنهم هذا الأمر فقالوا: إن هذا الطعام محرم على بني إسرائيل. وبعد ذلك وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا اللون من الطعام حلال في التوراة، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر الذي فضحهم. ولماذا تجيء هذه الآية بعد قوله الحق في الآية السابقة: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]؟ ونحن نعرف أن آية "لن تنالوا البر" قد جاءت بعد آية توضح النفقة غير المقبولة من الله. ولنذكر ما قلناه أولاً، عن تداعي المعاني في الملكات الإنسانية: إن في النفس الإنسانية ملكة تستقبل، فتتحرك ملكة أخرى، وحين يقول الحق: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} [آل عمران: 93] فالذين يسمعون هذا سينفعلون انفعالات مختلفة، فالشبعان من الناس لن يلتفت إلى هذه المسألة بانتباه بالغ، ومن عنده بعض الطعام فإن نفسه قد تتحرك إلى ألوان أخرى من الطعام، أما من ليس عنده طعام فلسوف يلتفت بانتباه شديد ليتعرف على الحلال من الطعام والحرام منه. إذن فقبل أن يأتي الله بالحكم الذي يحلل ويحرم، هذا الحكم الذي يثير عند الجائع شجن الافتقار وشجن ذكر الطعام الذي يسيل له لعابه، إن الحق قبل أن يحرك معدماً على غير موجود معه، فإنه يحرك معطياً على موجود معه، لذلك فقبل أن يأتي الحق سبحانه ويذكر الطعام، وقبل أن يُقلب الأمر على النفس الإنسانية التي لا تجد طعاماً، نجد الرسول قد نطق قبلها بما أنزله عليه الحق {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]. فبتداعي المعاني في النفس الإنسانية يكون - سبحانه - قد حرك ملكة واجدة ومالكة قبل أن يحرك ملكة معدمة. وهكذا يكون التوازن الذي أراده الله في الكون المخلوق له. إنه رب يحكم كونه، فلا ينسى شيئاً ويذكر شيئاً. {أية : لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} تفسير : [طه: 52] إن كل شيء في علمه كما قَدّره وهو الخلاق القدير العليم، وهو لا يذكر بعضاً من الخلق، وينسى بعضاً آخر، فهو قد كتب العدم لحكمة، وأعطى النعمة لحكمة. لقد جعل الفقير عبرة، ولكنه لم يتركه، وذلك حتى يرى كل إنسان أن القدرة على الكسب ليست إلا عرضاً زائلاً، فمن الممكن أن يصبح القادر الآن عاجزاً بعد دقائق أو ساعات، ومن الممكن أن يصبح القوي ضعيفاً، فإذا ما علم القوي أو القادر ذلك فإنه يتحرك إلى إعطاء الآخرين؛ حتى يضمن لنفسه التأمين الإلهي لو صار ضعيفاً، فيعطيه الأقوياء، فعندما يأمر الله الأقوياء بأن يعطوا وينفقوا فإن عليهم إن يستجيبوا؛ لأن الواحد منهم لو صار ضعيفاً فسوف يأخذ. إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] هذا القول قد خدم قضية سبقتها، وهي أنه لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به، ما دام كافراً، إنها نفقة مرفوضة لا اعتبار لها، إنها هدر. ويأتي من بعد ذلك بتحديد النفقة التي ليست هدراً، ثم يفضح اليهود بقضية توجد عندهم في التوراة ولكنهم كذبوها، وهي قضية تتعرض للطعام، وما دامت القضية تتعرض للطعام فهناك الكثير من الملكات التي يمكن أن تتحرك، فملكات الواجد حين تتحرك فحركتها تكون بأسلوب غير الأسلوب الذي تتحرك به ملكات المعدم. فقيل أن يُحَرِّك وجدان المعدم إلى أنه معدم، حتى لا يتلقى ذلك بحسرة، فإنه سبحانه يكون قد عمل رصيداً لهذا المعدم، فيرقق قلب الواجد أولاً {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92] وبعد ذلك يأتي قوله الحق سبحانه: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93]. ومعنى كلمة "حل" هو "حلال"، ويقابلها "حرام" وحل هي مصدر، وما دامت مصدراً فلا نقول "هذان حلالان" بل نقول: "هذان حل"، ونقول: "هؤلاء حل" وإن شئت فاقرأ قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ..}تفسير : [الممتحنة: 10]. "لا هن" هذه لجماعة النساء، والحل مفرد، وعندما يقول الحق سبحانه: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} [آل عمران: 93] فهذا يعني أنه قد حرم بعضاً من الطعام على نفسه فهو حر في أن يأخذ أو يترك، أو أنه قد حرمه على نفسه فوافقه الله؛ لأن الناذر حين ينذر شيئاً لم يفرضه الله عليه فهو قد ألزم نفسه بالنذر أمام الله. إن الزمن الذي حرم فيه إسرائيل على نفسه بعضاً من الأطعمة هو {مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ} [آل عمران: 93] أي أن هذا التحريم لم يحرمه الله، ويأتي الأمر لرسوله الكريم أن يخاطب بني إسرائيل: {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93] إنه قد كشف سترهم، وعلموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أن النص الذي يؤيد صدقه موجود في التوراة، ولهذا لم يأت اليهود بالتوراة، وذلك لعلمهم أن فيها نصا صريحاً يصدق ما جاء به رسول الله، ولا يحتمل اللجاجة، أو المجادلة، وما داموا لم يحضروا التوراة فهذا يعني أنهم غير صادقين. ويقول الحق: {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تَعالى حال الكفار ومآلهم في الآخرة، وبيّن أن الكافر لو أراد أن يفتدى نفسه بملء الأرض ذهباً ما نفعه ذلك، ذكر هنا - استطراداً - ما ينفع المؤمن لنيل رضى الله والفوز بالجنة، ثم عاد الكلام لرفع الشبهات التي أوردها أهل الكتاب حول النبوة والرسالة وصحة دين الإِسلام، ثم جاء بعده التحذير من مكائدهم ودسائسهم التي يدبرونها للإِسلام والمسلمين لتفرقة الصف وتشتيت الشمل. اللغَة: {ٱلْبِرَّ} كلمة جامعة لوجوه الخير والمراد بها هنا الجنة {حِـلاًّ} حلالاً وهو مصدر نعت به ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث {إِسْرَائِيلَ} هو يعقوب عليه السلام {بَكَّةَ} اسم لمكة فتسمى "بكة" و "مكة" سميت بذلك لأنها تبك أي تدق أعناق الجبابرة فلم يقصدها جبار بسوء إِلا قصمه الله {مُبَارَكاً} البركة: الزيادة وكثرة الخير {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} محل قيام ابراهيم وهو الحجر الذي قام عليه لما ارتفع بناء البيت {عِوَجاً} العِوَج: الميل قال أبو عبيدة: في الدين والكلام والعمل، وبالفتح عَوَج في الحائط والجذع {يَعْتَصِم} يتمسك ويلتجئ وأصله المنع قال القرطبي: وكل متمسك بشيء معتصمٌ وكل مانعٍ شيئاً فهو عاصم {أية : قَالَ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [هود: 43] {شَفَا} الشَّفا: حرف كل شيء وحده ومثله الشفير: وشفا الحفرة: حرفها قال تعالى {أية : عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} تفسير : [التوبة: 109]. سَبَبُ النّزول: يروى أنّ "شاس بن قيس" اليهودي مرَّ على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون، فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة فقال: ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار، ثم أمر شاباً من اليهود أن يجلس إليهم ويذكّرهم يوم "بُعاث" وينشدهم بعض ما قيل فيه من الأشعار - وكان يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس - ففعل فتنازع القوم عند ذلك وتفاخروا وتغاضبوا وقالوا: السلاحَ السلاحَ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار فقال: "حديث : أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم الله بالإِسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألّف بينكم؟" تفسير : فعرف القوم أنها كانت نزعة من الشيطان وكيداً من عدوهم، فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين فأنزل الله عز وجل {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} الآية. التفسِير: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} أي لن تكونوا من الأبرار ولن تدركوا الجنة حتى تنفقوا من أفضل أموالكم {وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} أى وما تبذلوا من شيء في سبيل الله فهو محفوظ لكم تجزون عنه خير الجزاء {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي كل الأطعمة كانت حلالاً لبني إسرائيل {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} أي إلا ما حرّمه يعقوب على نفسه وهو لحم الإِبل ولبنها ثم حرمت عليهم أنواع من الأطعمة كالشحوم وغيرها عقوبةً لهم على معاصيهم {مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ} أي كانت حلالاً لهم قبل نزول التوراة {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي قل لهم يا محمد ائتوني بالتوراة واقرءوها عليَّ إن كنتم صادقين في دعواكم أنها لم تحرم عليكم بسبب بغيكم وظلمكم قال الزمخشري: وغرضهم تكذيب شهادة الله عليهم بالبغي والظلم والصدّ عن سبيل الله فلما حاجّهم بكتابهم وبكّتهم بهتوا وانقلبوا صاغرين ولم يجسر أحد منهم على إخراج التوراة، وفي ذلك الحجة البينة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ} أي اختلق الكذب من بعد قيام الحجة وظهور البينة {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} أي المعتدون المكابرون بالباطل {قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ} أي صدق الله في كل ما أوحى إلى محمد وفي كل ما أخبر {فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} أي اتركوا اليهودية واتبعوا ملة الإِسلام التي هي ملة إبراهيم {حَنِيفاً} أي مائلاً عن الأديان الزائفة كلها {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} برأه مما نسبه اليهود والنصارى إليه من اليهودية والنصرانية، وفيه تعريض بإشراكهم {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} أي أول مسجد بني في الأرض لعبادة الله المسجد الحرام الذي هو بمكة {مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} أي وضع مباركاً كثير الخير والنفع لمن حجه واعتمره، ومصدر الهداية والنور لأهل الأرض لأنه قبلتهم، ثم عدد تعالى من مزاياه ما يستحق تفضيله على جميع المساجد فقال {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} أي فيه علامات واضحات كثيرة تدل على شرفه وفضله على سائر المساجد منها {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} وهو الذي قام عليه حين رفع القواعد من البيت، وفيه زمزم والحطيم، وفيه الصفا والمروة والحجر الأسود، أفلا يكفي برهاناً على شرف هذا البيت وأحقيته أن يكون قبلة للمسلمين؟ {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} وهذه آية أخرى وهي أمن من دخل الحرَم بدعوة الخليل ابراهيم {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً}تفسير : [إبراهيم: 35] {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} أي فرضٌ لازم على المستطيع حج بيت الله العتيق {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} أي من ترك الحج فإن الله مستغنٍ عن عبادته وعن الخلق أجمعين، وعبّر عنه بالكفر تغليظاً عليه قال ابن عباس: من جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه، ثم أخذ يبكّت أهل الكتاب على كفرهم فقال {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} أي لم تجحدون بالقرآن المنزل على محمد مع قيام الدلائل والبراهين على صدقه {وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} أي مطلع على جميع أعمالكم فيجازيكم عليها {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ} أي لم تصرفون الناس عن دين الله الحق، وتمنعون من أراد الإِيمان به؟ {تَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي تطلبون أن تكون الطريق المستقيمة معوجّة، وذلك بتغيير صفة الرسول، والتلبيس على الناس بإيهامهم أن في الإِسلام خللاً وعوجاً {وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ} أي عالمون بأن الإِسلام هو الحق والدين المستقيم {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} تهديد ووعيد، وقد جمع اليهود والنصارى الوصفين: الضلال والإِضلال كما أشارت الآيتان الكريمتان فقد كفروا بالإِسلام ثم صدّوا الناس عن الدخول فيه بإلقاء الشبه والشكوك في قلوب الضعفة من الناس {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} أي إن تطيعوا طائفة من أهل الكتاب {يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} أي يصيرّوكم كافرين بعد أن هداكم الله للإِيمان، والخطاب للأوس والخزرج إذ كان اليهود يريدون فتنتهم كما في سبب النزول واللفظ في الآية عام {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} إنكار واستبعاد أي كيف يتطرق إليكم الكفر والحال أن آيات الله لا تزال تتنزّل عليكم والوحي لم ينقطع ورسول الله حيٌ بين أظهركم؟ {وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي من يتمسك بدينه الحق الذي بيَّنه بآياته على لسان رسوله فقد اهتدى إلى أقوم طريق، وهي الطريق الموصلة إلى جنات النعيم {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} أي اتقوا الله تقوى حقة أو حق تقواه قال ابن مسعود: "هو أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر" والمراد بالآية {حَقَّ تُقَاتِهِ} أي كما يحق أن يتقى وذلك باجتناب جميع معاصيه {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} أي تمسكوا بالإِسلام وعضوا عليه بالنواجذ حتى يدرككم الموت وأنتم على تلك الحالة فتموتون على الإِسلام والمقصود الأمر بالإِقامة على الإِسلام {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} أي تمسكوا بدين الله وكتابه جميعاً ولا تتفرقوا عنه ولا تختلفوا في الدين كما اختلف من قبلكم من اليهود والنصارى {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} أي اذكروا إنعامه عليكم يا معشر العرب {إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} أي حين كنتم قبل الإِسلام أعداء ألداءً فألف بين قلوبكم بالإِسلام وجمعكم على الإِيمان {وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا} أي وكنتم مشرفين على الوقوع في نار جهنم فأنقذكم الله منها بالإِسلام {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} أي مثل ذلك البيان الواضح يبين الله لكم سائر الآيات {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي لكي تهتدوا بها إلى سعادة الدارين. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البلاغة نوجزها فيما يلي: 1- {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ} الأمر للتبكيت والتوبيخ للدلالة على كمال القبح. 2- {لَلَّذِي بِبَكَّةَ} أي للبيت الذي ببكة وفي ترك الموصوف من التفخيم ما لا يخفى. 3- {وَمَن كَفَرَ} وضع هذا اللفظ "موضع ومن لم يحج" تأكيداً لوجوبه وتشديداً على تاركه قال أبو السعود: "ولقد حازت الآية الكريمة من فنون الاعتبارات ما لا مزيد عليه وهي قوله {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} حيث أوثرت صيغة الخبر الدالة على التحقيق وأبرزت في صورة الجملة الإِسمية الدالة على الثبات والاستمرار، على وجه يفيد أنه حق واجب لله سبحانه في ذمم الناس، وسلك بهم مسلك التعميم ثم التخصيص، والإِبهام ثم التبيين، والإِجمال ثم التفصيل" 4- {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ} شبّه القرآن بالحبل واستعير اسم المشبه به وهو الحبل للمشبه وهو القرآن على سبيل الاستعارة التصريحية والجامع بينهما النجاةُ في كلٍ. 5- {شَفَا حُفْرَةٍ} شبه حالهم الذي كانوا عليه بالجاهلية بحال من كان مشرفاً على حفرة عميقة وهوّة سحيقة ففيه استعارة تمثيلية والله أعلم. تنبيه: وردت الآيات الكريمة لدفع شبهتين من شبه أهل الكتاب: الشبهة الأولى: أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إنك تدّعي أنك على دين إبراهيم وقد خالفت شريعته فأنت تبيح لحوم الإِبل وألبانها مع أن ذلك كان حراماً في دين إبراهيم؟ فرد الله عليهم بقوله {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} الآية. الشبهة الثانية: قالوا إن "بيت المقدس" قبلة جميع الأنبياء وهو أول المساجد وأحق بالاستقبال فكيف تترك يا محمد التوجه اليه ثم تزعم أنك مصدّق لما جاء به الأنبياء فرد الله تعالى بقوله {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} الآية.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ} معناهُ الجَنةُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا حث من الله لعباده على الإنفاق في طرق الخيرات، فقال { لن تنالوا } أي: تدركوا وتبلغوا البر الذي هو كل خير من أنواع الطاعات وأنواع المثوبات الموصل لصاحبه إلى الجنة، { حتى تنفقوا مما تحبون } أي: من أموالكم النفيسة التي تحبها نفوسكم، فإنكم إذا قدمتم محبة الله على محبة الأموال فبذلتموها في مرضاته، دل ذلك على إيمانكم الصادق وبر قلوبكم ويقين تقواكم، فيدخل في ذلك إنفاق نفائس الأموال، والإنفاق في حال حاجة المنفق إلى ما أنفقه، والإنفاق في حال الصحة، ودلت الآية أن العبد بحسب إنفاقه للمحبوبات يكون بره، وأنه ينقص من بره بحسب ما نقص من ذلك، ولما كان الإنفاق على أي: وجه كان مثابا عليه العبد، سواء كان قليلا أو كثيرا، محبوبا للنفس أم لا وكان قوله { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } مما يوهم أن إنفاق غير هذا المقيد غير نافع، احترز تعالى عن هذا الوهم بقوله { وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم } فلا يضيق عليكم، بل يثيبكم عليه على حسب نياتكم ونفعه.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [92] 86- أخبرني هارون بن عبد الله، نا معن، نا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، حديث : أن أبا طلحة كان أكثر/ أنصاري مالا بالمدينة بالنخل، وكان أحب أمواله إليه بيرُحَاءُ وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها فيأكل من ثمرها، ويشرب من ماء فيها طيِّب [قال أنس:] فلما نزلت هذه الآية {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن الله يقول: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} وإن أحبُّ أموالي إليَّ بيرُحَاء، وإنها صدقة لله أرجو برَّها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بخ ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعله في الأقربين" فقال ابو طلحة: أفعل يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة بين أقربائه، وبني عمه . تفسير : 87- أنا أبو بكر بن نافع، نا بهزٌ، نا حماد بن سلمة، نا ثابت، عن أنس قال: حديث : لما نزلت {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} قال أبو طلحة: أرى ربنا يسألنا أموالنا، فأشهِدُك يا رسول الله أني قد جعلت أرضي لله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أجعلها في قرابتك" فجعلها في حسان بن ثابت، وأُبيٍّ بن كعب .

همام الصنعاني

تفسير : 428- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن أيوب وغيره، أنه لمّا نزلت: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}: [الآية: 92]، جاء زيد بن حارثة بِفَرَسٍ له كان يحبها، قال: هذه في سبيل الله، فَحَمَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها حديث : أما الله فقد قبلها ".