٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
93
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الآيات المتقدمة إلى هذه الآية كانت في تقرير الدلائل الدالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي توجيه الإلزامات الواردة على أهل الكتاب في هذا الباب. وأما هذه الآية فهي في بيان الجواب عن شبهات القوم فإن ظاهر الآية يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعي أن كل الطعام كان حلاً ثم صار البعض حراماً بعد أن كان حلاً والقوم نازعوه في ذلك وزعموا أن الذي هو الآن حرام كان حراماً أبداً. وإذا عرفت هذا فنقول: الآية تحتمل وجوهاً الأول: أن اليهود كانوا يعولون في إنكار شرع محمد صلى الله عليه وسلم على إنكار النسخ، فأبطل الله عليهم ذلك بأن {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرٰءيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } فذاك الذي حرمه على نفسه، كان حلالاً ثم صار حراماً عليه وعلى أولاده فقد حصل النسخ، فبطل قولكم: النسخ غير جائز، ثم إن اليهود لما توجه عليهم هذا السؤال أنكروا أن يكون حرمة ذلك الطعام الذي حرم الله بسبب أن إسرائيل حرمه على نفسه، بل زعموا أن ذلك كان حراماً من لدن زمان آدم عليه السلام إلى هذا الزمان، فعند هذا طلب الرسول عليه السلام منهم أن يحضروا التوراة فإن التوراة ناطقة بأن بعض أنواع الطعام إنما حرم بسبب أن إسرائيل حرمه على نفسه، فخافوا من الفضيحة وامتنعوا من إحضار التوراة، فحصل عند ذلك أمور كثيرة تقوي دلائل نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم أحدها: أن هذا السؤال قد توجه عليهم في إنكار النسخ، وهو لازم لا محيص عنه وثانيها: أنه ظهر للناس كذبهم وأنهم ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها تارة، ويمتنعون عن الإقرار بما هو فيها أخرى وثالثها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان رجلاً أُمياً لا يقرأ ولا يكتب فامتنع أن يعرف هذه المسألة الغامضة من علوم التوراة إلا بخبر السماء فهذا وجه حسن علمي في تفسير الآية وبيان النظم. الوجه الثاني: أن اليهود قالوا له: إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم، فلو كان الأمر كذلك فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها مع أن ذلك كان حراماً في دين إبراهيم فجعلوا هذا الكلام شبهة طاعنة في صحة دعواه، فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الشبهة بأن قال: ذلك كان حلاً لإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم السلام، إلا أن يعقوب حرمه على نفسه بسبب من الأسباب وبقيت تلك الحرمة في أولاده فأنكر اليهود ذلك، فأمرهم الرسول عليه السلام بإحضار التوراة وطالبهم بأن يستخرجوا منها آية تدل على أن لحوم الإبل وألبانها كانت محرمة على إبراهيم عليه السلام فعجزوا عن ذلك وافتضحوا فظهر عند هذا أنهم كانوا كاذبين في ادعاء حرمة هذه الأشياء على إبراهيم عليه السلام. الوجه الثالث: أنه تعالى لما أنزل قوله {أية : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون } تفسير : [الأنعام: 146] وقال أيضاً: {أية : فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } تفسير : [النساء: 160] فدلت هذه الآية على أنه تعالى إنما حرم على اليهود هذه الأشياء جزاءً لهم على بغيهم وظلمهم وقبيح فعلهم وإنه لم يكن شيء من الطعام حراماً غير الطعام الواحد الذي حرمه إسرائيل على نفسه، فشق ذلك على اليهود من وجهين أحدهما: أن ذلك يدل على أن تلك الأشياء حرمت بعد أن كانت مباحة، وذلك يقتضي وقوع النسخ وهم ينكرونه والثاني: أن ذلك يدل على أنهم كانوا موصوفين بقبائح الأفعال، فلما حق عليهم ذلك من هذين الوجهين أنكروا كون حرمة هذه الأشياء متجددة، بل زعموا أنها كانت محرمة أبداً، فطالبهم النبي صلى الله عليه وسلم بآية من التوراة تدل على صحة قولهم فعجزوا عنه فافتضحوا، فهذا وجه الكلام في تفسير هذه الآية وكله حسن مستقيم، ولنرجع إلى تفسير الألفاظ. أما قوله {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرٰءيلَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» {كُلُّ ٱلطَّعَامِ } أي كل المطعومات أو كل أنواع الطعام وأقول: اختلف الناس في أن اللفظ المفرد المحلى بالألف واللام هل يفيد العموم أم لا؟. ذهب قوم من الفقهاء والأدباء إلى أنه يفيده، واحتجوا عليه بوجوه أحدها: أنه تعالى أدخل لفظ {كُلٌّ } على لفظ الطعام في هذه الآية، ولولا أن لفظ الطعام قائم مقام لفظ المطعومات وإلا لما جاز ذلك وثانيها: أنه استثنى عنه ما حرم إسرائيل على نفسه والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل، فلولا دخول كل الأقسام تحت لفظ الطعام وإلا لم يصح هذا الاستثناء وأكدوا هذا بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [العصر: 2، 3] وثالثها: أنه تعالى وصف هذا اللفظ المفرد بما يوصف به لفظ الجمع، فقال: {أية : وَٱلنَّخْلَ بَـٰسِقَـٰتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رّزْقاً لّلْعِبَادِ } تفسير : [ق: 10، 11] فعلى هذا من ذهب إلى هذا المذهب لا يحتاج إلى الإضمار الذي ذكره صاحب «الكشاف»، أما من قال إن الاسم المفرد المحلى بالألف واللام لا يفيد العموم، وهو الذي نظرناه في أصول الفقه احتاج إلى الإضمار الذي ذكره صاحب «الكشاف». المسألة الثانية: الطعام اسم لكل ما يطعم ويؤكل، وزعم بعض أصحاب أبي حنيفة رحمة الله عليه إنه اسم للبر خاصة، وهذه الآية دالة على ضعف هذا الوجه، لأنه استثنى من لفظ الطعام ما حرم إسرائيل على نفسه، والمفسرون اتفقوا على أن ذلك الذي حرمه إسرائيل على نفسه كان شيئاً سوى الحنطة، وسوى ما يتخذ منها ومما يؤكد ذلك قوله تعالى في صفة الماء {أية : وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى } تفسير : [البقرة: 249] وقال تعالى: {أية : وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ } تفسير : [المائدة: 5] وأراد الذبائح، وقالت عائشة رضي الله عنها: ما لنا طعام إلا الأسودان، والمراد التمر والماء. إذا عرفت هذا فنقول: ظاهر هذه الآية يدل على أن جميع المطعومات كان حلاً لبني إسرائيل ثم قال القفال: لم يبلغنا أنه كانت الميتة مباحة لهم مع أنها طعام، وكذا القول في الخنزير، ثم قال فيحتمل أن يكون ذلك على الأطعمة التي كان يدعي اليهود في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم أنها كان محرمة على إبراهيم، وعلى هذا التقدير لا تكون الألف واللام في لفظ الطعام للاستغراق، بل للعهد السابق، وعلى هذا التقدير يزول الإشكال ومثله قوله تعالى: {أية : قُل لا أَجِدُ فِى مَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزير } تفسير : [الأنعام: 145] فإنه إنما خرج هذا الكلام على أشياء سألوا عنها فعرفوا أن المحرم منها كذا وكذا دون غيره فكذا في هذه الآية. المسألة الثالثة: الحل مصدر يقال: حل الشيء حلاً كقولك: ذلت الدابة ذلاً وعز الرجل عزاً، ولذلك استوى في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع قال تعالى: {أية : لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ } تفسير : [الممتحنة: 10] والوصف بالمصدر يفيد المبالغة فههنا الحل والمحلل واحد، قال ابن عباس رضي الله عنهما في زمزم هي حل وبل رواه سفيان بن عيينة فسئل سفيان: ما حل؟ فقال محلل. أما قوله تعالى: {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في الشيء الذي حرمه إسرائيل على نفسه على وجوه الأول: روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن يعقوب مرض مرضاً شديداً فنذر لئن عافاه الله ليحرمن أحب الطعام والشراب عليه، وكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها» تفسير : وهذا قول أبي العالية وعطاء ومقاتل والثاني: قيل إنه كان به عرق النسا، فنذر إن شفاه الله أن لا يأكل شيئاً من العروق الثالث: جاء في بعض الروايات أن الذي حرمه على نفسه زوائد الكبد والشحم إلا ما على الظهر، ونقل القفال رحمه الله عن ترجمة التوراة، أن يعقوب لما خرج من حران إلى كنعان بعث برداً إلى عيصو أخيه إلى أرض ساعير، فانصرف الرسول إليه، وقال: إن عيصو هو ذا يتلقاك ومعه أربعمائة رجل، فذعر يعقوب وحزن جداً وصلّى ودعا وقدم هدايا لأخيه وذكر القصة إلى أن ذكر الملك الذي لقيه في صورة رجل، فدنا ذلك الرجل ووضع أصبعه على موضع عرق النسا، فخدرت تلك العصبة وجفت فمن أجل هذا لا يأكل بنو إسرائيل العروق. المسألة الثانية: ظاهر الآية يدل على أن إسرائيل حرم ذلك على نفسه، وفيه سؤال: وهو أن التحريم والتحليل إنما يثبت بخطاب الله تعالى، فكيف صار تحريم يعقوب عليه السلام سبباً لحصوله الحرمة. أجاب المفسرون عنه من وجوه الأول: أنه لا يبعد أن الإنسان إذا حرم شيئاً على نفسه فإن الله يحرمه عليه ألا ترى أن الإنسان يحرم امرأته على نفسه بالطلاق، ويحرم جاريته بالعتق، فكذلك جائز أن يقول تعالى إن حرمت شيئاً على نفسك فأنا أيضاً أحرمه عليك الثاني: أنه عليه الصلاة والسلام ربما اجتهد فأدى اجتهاده إلى التحريم، فقال بحرمته وإنما قلنا: إن الاجتهاد جائز من الأنبياء لوجوه الأول: قوله تعالى: {أية : فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ } تفسير : [الحشر: 2] ولا شك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام رؤساء أولي الأبصار والثاني: قال: {أية : لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } تفسير : [النساء: 83] مدح المستنبطين والأنبياء أولى بهذا المدح والثالث: قال تعالى لمحمد عليه الصلاة والسلام {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } تفسير : [التوبة: 43] فلو كان ذلك الإذن بالنص، لم يقل: لم أذنت، فدل على أنه كان بالاجتهاد الرابع: أنه لا طاعة إلا وللأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيها أعظم نصيب ولا شك أن استنباط أحكام الله تعالى بطريق الاجتهاد طاعة عظيمة شاقة، فوجب أن يكون للأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيها نصيب لا سيما ومعارفهم أكثر وعقولهم أنور وأذهانهم أصفى وتوفيق الله وتسديده معهم أكثر، ثم إذا حكموا بحكم بسبب الاجتهاد يحرم على الأمة مخالفتهم في ذلك الحكم كما أن الإجماع إذا انعقد على الاجتهاد فإنه يحرم مخالفته والأظهر الأقوى أن إسرائيل صلوات الله عليه إنما حرم ذلك على نفسه بسبب الاجتهاد إذ لو كان ذلك بالنص لقال إلا ما حرّم الله على إسرائيل فلما أضاف التحريم إلى إسرائيل دل هذا على أن ذلك كان بالاجتهاد وهو كما يقال: الشافعي يحل لهم الخيل وأبو حنيفة يحرمه بمعنى أن اجتهاده أدى إليه فكذا ههنا. الثالث: يحتمل أن التحريم في شرعه كالنذر في شرعنا، فكما يجب علينا الوفاء بالنذر كان يجب في شرعه الوفاء بالتحريم. واعلم أن هذا لو كان فإنه كان مختصاً بشرعه أما في شرعنا فهو غير ثابت قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ } تفسير : [التحريم: 1] الرابع: قال الأصم: لعل نفسه كانت مائلة إلى أكل تلك الأنواع فامتنع من أكلها قهراً للنفس وطلباً لمرضاة الله تعالى، كما يفعله كثير من الزهاد فعبر من ذلك الامتناع بالتحريم الخامس: قال قوم من المتكلمين أنه يجوز من الله تعالى أن يقول لعبده: احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب فلعل هذه الواقعة كانت من هذا الباب، وللمتكلمين في هذه المسألة منازعات كثيرة ذكرناها في أصول الفقه. المسألة الثالثة: ظاهر هذه الآية يدل على أن الذي حرمه إسرائيل على نفسه فقد حرمه الله على بني إسرائيل، وذلك لأنه تعالى قال: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرٰءيلَ } فحكم بحل كل أنواع المطعومات لبني إسرائيل، ثم استثنى عنه ما حرمه إسرائيل على نفسه، فوجب بحكم الاستثناء أن يكون ذلك حراماً على بني إسرائيل والله أعلم. أما قوله تعالى: {مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ } فالمعنى أن قبل نزول التوراة كان حلاً لبني إسرائيل كل أنواع المطعومات سوى ما حرّمه إسرائيل على نفسه، أما بعد التوراة فلم يبق كذلك بل حرم الله تعالى عليهم أنواعاً كثيرة، روي أن بني إسرائيل كانوا إذا أتوا بذنب عظيم حرم الله عليهم نوعاً من أنواع الطعام، أو سلّط عليهم شيئاً لهلاك أو مضرة، دليله قوله تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } تفسير : [النساء: 160]. ثم قال تعالى: {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } وهذا يدل على أن القوم نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إما لأنهم ادعوا أن تحريم هذه الأشياء كان موجوداً من لدن آدم عليه السلام إلى هذا الزمان، فكذبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، وإما لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ادعى كون هذه المطعومات مباحة في الزمان القديم، وأنها إنما حرمت بسبب أن إسرائيل حرمها على نفسه، فنازعوه في ذلك، فطلب الرسول عليه السلام إحضار التوراة ليستخرج منها المسلمون من علماء أهل الكتاب آية موافقة لقول الرسول، وعلى كلا الوجهين، فالتفسير ظاهر، ولمنكري القياس أن يحتجوا بهذه الآية، وذلك لأن الرسول عليه السلام طالبهم فيما ادعوه بكتاب الله، ولو كان القياس حجة لكان لهم أن يقولوا: لا يلزم من عدم هذا الحكم في التوراة عدمه، لأنا نثبته بالقياس، ويمكن أن يجاب عنه بأن النزاع ما وقع في حكم شرعي، وإنما وقع في أن هذا الحكم، هل كان موجوداً في زمان إبراهيم وسائر الأنبياء عليهم السلام أم لا؟ ومثل هذا لا يمكن إثباته إلا بالنص، فلهذا المعنى طالبهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه، بنص التوراة. ثم قال تعالى: {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } الافتراء اختلاق الكذب، والفرية الكذب والقذف، وأصله من فرى الأديم، وهو قطعه، فقيل للكذب افتراء، لأن الكاذب يقطع به في القول من غير تحقيق في الوجود. ثم قال: {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } أي من بعد ظهور الحجة بأن التحريم إنما كان من جهة يعقوب، ولم يكن محرماً قبله {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } المستحقون لعذاب الله لأن كفرهم ظلم منهم لأنفسهم ولمن أضلوه عن الدين. ثم قال تعالى: {قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ } ويحتمل وجوهاً أحدها: {قُلْ صَدَقَ } في أن ذلك النوع من الطعام صار حراماً على إسرائيل وأولاده بعد أن كان حلالاً لهم، فصح القول بالنسخ، وبطلت شبهة اليهود وثانيها: {صَدَقَ ٱللَّهُ } في قوله إن لحوم الإبل وألبانها كانت محللة لإبراهيم عليه السلام وإنما حرمت على بني إسرائيل لأن إسرائيل حرمها على نفسه، فثبت أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما أفتى بحل لحوم الإبل وألبانها، فقد أفتى بملة إبراهيم وثالثها: {صَدَقَ ٱللَّهُ } في أن سائر الأطعمة كانت محللة لبني إسرائيل وأنها إنما حرمت على اليهود جزاءً على قبائح أفعالهم. ثم قال تعالى: {فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفاً } أي اتبعوا ما يدعوكم إليه محمد صلوات الله عليه من ملة إبراهيم، وسواء قال: ملة إبراهيم حنيفاً، أو قال: ملة إبراهيم الحنيف لأن الحال والصفة سواء في المعنى. ثم قال: {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } أي لم يدع مع الله إلٰهاً آخر، ولا عبد سواه، كما فعله بعضهم من عبادة الشمس والقمر، أو كما فعله العرب من عبادة الأوثان، أو كما فعله اليهود من ادعاء أن عزير ابن الله، وكما فعله النصارى من ادعاء أن المسيح ابن الله، والغرض منه بيان أن محمداً صلوات الله عليه على دين إبراهيم عليه السلام، في الفروع والأصول. أما في الفروع، فلما ثبت أن الحكم بحله كان إبراهيم قد حكم بحله أيضاً، وأما في الأصول فلأن محمداً صلوات الله وسلامه عليه لا يدعو إلا إلى التوحيد، والبراءة عن كل معبود سوى الله تعالى وما كان إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه إلا على هذا الدين.
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {حِـلاًّ} أي حلالاً، ثم ٱستثنى فقال: {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} وهو يعقوب عليه السلام. في الترمذيّ عن ٱبن عباس حديث : أن اليهود قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أخبرنا، ما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: «كان يسكن البدو فاشتكى عِرق النَّسَا فلم يجد شيئاً يلائمه إلا لحوم الإبل وألبانها فلذلك حرّمها»تفسير : . قالوا: صدقت. وذكر الحديث. ويقال: (إنه) نذر إن برأ منه ليتركن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام والشراب إليه لحوم الإبل وألبانها. وقال ٱبن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: أقبل يعقوب عليه السلام من حرّان يريد بيت المقدس حين هرب من أخيه عِيصو، وكان رجلاً بطشاً قوِيّاً، فلقِيه ملك فظنّ يعقوب أنه لص فعالجه أن يصرعه، فغمز الملك فخذ يعقوب عليه السلام، ثم صعد الملك إلى السماء ويعقوب ينظر إليه فهاج عليه عِرْق النَّسَا، ولقِي من ذلك بلاء شديداً، فكان لا ينام الليل من الوجع ويبيت وله زقَاء أي صياح، فحلف يعقوب عليه السلام إن شفاه الله جل وعز ألاّ يأكل عِرْقاً، ولا يأكل طعاماً فيه عِرق فحرّمها على نفسه؛ فجعل بنوه يتبعون بعد ذلك العروق فيخرجونها من اللحم. وكان سبب غمز المَلك ليعقوب أنه كان نذر إن وهب الله له ٱثنى عشر ولداً وأتى بيت المقدس صحيحاً أن يذبح آخرهم. فكان ذلك للمخرج من نذره؛ عن الضحاك. الثانية: وٱختلف هل كان التحريم من يعقوب باجتهاد منه أو بإذن من الله تعالى؟ والصحيح الأوّل؛ لأن الله تعالى أضاف التحريم إليه بقوله تعالى: {إلاَّ مَا حَرَّم} وأن النبي إذا أدّاه ٱجتهاده إلى شيء كان دِيناً يلزمنا ٱتباعُه لتقرير الله سبحانه إياه على ذلك. وكما يوحى إليه ويلزم ٱتباعه، كذلك يؤذن له ويجتهد، ويتعين موجب ٱجتهاده إذا قدر عليه، ولولا تقدّم الإذن له في تحريم ذلك ما تسوّر على التحليل والتحريم. وقد حرم نبينا صلى الله عليه وسلم العسل على الرواية الصحيحة، أو خادمه مارية فلم يقرّ الله تحريمه ونزل {لِم تُحَرّمُ مَا أَحَلّ الله لَكَ} على ما يأتي بيانه في «التحريم». قال الكيا الطبري: فيمكن أن يقال: مطلق قوله تعالى: {أية : لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} تفسير : [التحريم: 1] يقتضي ألا يختص بمارية؛ وقد رأى الشافعيّ أن وجوب الكفارة في ذلك غير معقول المعنى، فجعلها مخصوصاً بموضع النص، وأبو حنيفة رأى ذلك أصلاً في تحريم كل مباح وأجراه مجرى اليمين. الثالثة: قوله تعالى: {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} قال ٱبن عباس: لما أصاب يعقوب عليه السلام عِرق النَّسا وصف الأطباء له أن يجتنب لحوم الإبل فحرّمها على نفسه. فقالت اليهود: إنما نحرّم على أنفسنا لحوم الإبل؛ لأن يعقوب حرّمها وأنزل الله تحريمها في التوراة؛ فأنزل الله هذه الآية. قال الضحاك: فكذبهم الله وردّ عليهم فقال: يا محمد {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فلم يأتوا. فقال عز وجل: {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} قال الزجاج: في هذه الآية أعظم دلالة لنبوّة محمد نبينا صلى الله عليه وسلم، أخبرهم أنه ليس في كتابهم، وأمرهم أن يأتوا بالتوراة فأبوا؛ يعني عرفوا أنه قال ذلك بالوحي. وقال عطية العوفى: إنما كان ذلك حراماً عليهم بتحريم يعقوب ذلك عليهم. وذلك أن إسرائيل قال حين أصابه عِرق النسا: والله لئن عافاني الله منه لا يأكله لي ولد؛ ولم يكن ذلك محرّماً عليهم. وقال الكلبي: لم يحرمه الله عز وجل في التوراة عليهم وإنما حرمه بعد التوراة بظلمهم وكفرهم، وكانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنباً عظيماً حرم الله تعالى عليهم طعاماً طيباً، أو صب عليهم رجزاً وهو الموت؛ فذلك قوله تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} تفسير : [النساء: 160] الآية. وقوله: {وَعَلَى الّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} الآية ـ إلى قوله: {أية : ذٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ} تفسير : [الأنعام: 146]. الرابعة: ترجم ٱبن ماجه في سننه «دواء عِرق النسا» حدثنا هشام بن عمار وراشد بن سعيد الرملي قالا حدّثنا الوليد بن مسلم حدّثنا هشام بن حسّان حدّثنا أنس بن سيرين أنه سمع أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : شفاء عِرق النسا ألية شاة (أعرابية) تذاب ثم تُجَزّأ ثلاثة أجزاء ثم يشرب على الريق في كل يوم جزء»تفسير : . وأخرجه الثعلبيّ في تفسيره أيضاً من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرق النسا: «حديث : تؤخذ ألية كبش عربيّ لا صغير ولا كبير فتقطع صغاراً فتخرج إهالته فتقسم ثلاثة أقسام في كل يوم على ريق النفس ثلثاً»تفسير : قال أنس: فوصفته لأكثر من مائة فبرأ بإذن الله تعالى. شعبة: حدّثني شيخ في زمن الحجاج بن يوسف في عِرق النَّسا: أقسم لك بالله الأعلى لئن لم تنته لأكوينّك بنار أو لأحلقنّك بموسى. قال شعبة: قد جربته، تقوله، وتمسح على ذلك الموضع.
ابن كثير
تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا هشام بن القاسم، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، قال: قال ابن عباس: حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: حدثنا عن خلال نسألك عنهن، لا يعلمهن إلا نبي، قال: «حديث : سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب على بنيه، لئن أنا حدثتكم شيئاً فعرفتموه، لتتابعني على الإسلام»تفسير : قالوا: فذلك لك، قالوا: أخبرنا عن أربع خلال: أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه؟ وكيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا كيف هذا النبي الأمي في النوم؟ ومن وليه من الملائكة؟ فأخذ عليهم العهد لئن أخبرهم ليتابعنه، فقال: «حديث : أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً، وطال سقمه، فنذر لله نذراً لئن شفاه الله من سقمه، ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها» تفسير : ؟ فقالوا: اللهم نعم: قال: «حديث : اللهم اشهد عليهم»تفسير : . وقال: «حديث : أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله، إن علا ماء الرجل ماء المرأة، كان ذكراً بإذن الله، وإن علا ماء المرأة ماء الرجل، كان أنثى بإذن الله» تفسير : ؟ قالوا: نعم. قال: «حديث : اللهم اشهد عليهم»تفسير : . وقال: «حديث : أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه، ولا ينام قلبه» تفسير : ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: «حديث : اللهم اشهد» تفسير : قالوا: وأنت الآن فحدثنا من وليك من الملائكة؟ فعندها نجامعك ونفارقك، قال: «حديث : وإن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبياً قط إلا وهو وليه» تفسير : . قالوا: فعند ذلك نفارقك، ولو كان وليك غيره لتابعناك، فعند ذلك، قال الله تعالى: {أية : قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ} تفسير : [البقرة: 97] الآية، ورواه أحمد أيضاً عن حسين بن محمد، عن عبد الحميد به. (طريق أخرى) قال أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي، عن بكير بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن، عرفنا أنك نبي، واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال: {أية : وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} تفسير : [القصص: 28] قال: «حديث : هاتوا» تفسير : قالوا: أخبرنا عن علامة النبي، قال: «حديث : تنام عيناه ولا ينام قلبه»تفسير : . قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة، وكيف تذكر؟ قال: «حديث : يلتقي الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة، أذكرت، وإذا علا ماء المرأة، أنثت» تفسير : قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: «حديث : كان يشتكي عرق النسا، فلم يجد شيئاً يلائمه إلا ألبان كذا وكذا ـ قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل ـ فحرم لحومها» تفسير : قالوا: صدقت، قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: «حديث : ملك من ملائكة الله عز وجل موكل بالسحاب بيده ـ أو في يديه ـ مخراق من نار يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله عز وجل»تفسير : قالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: «حديث : صوته»تفسير : . قالوا: صدقت، إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها، إنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟ قال: «حديث : جبريل عليه السلام»تفسير : ، قالوا: جبريل ذاك ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر، لكان، فأنزل الله تعالى: {أية : قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [البقرة: 97] والآية بعدها. وقد رواه الترمذي والنسائي، من حديث عبد الله بن الوليد العجلي به نحوه، وقال الترمذي: حس غريب، وقال ابن جريج والعوفي عن ابن عباس: كان إسرائيل عليه السلام ـ وهو يعقوب ـ يعتريه عرق النسا بالليل، وكان يقلقه ويزعجه عن النوم، ويقلع الوجع عنه بالنهار، فنذر لله لئن عافاه الله لا يأكل عرقاً، ولا يأكل ولد ما له عرق، وهكذا قال الضحاك والسدي، كذا رواه. وحكاه ابن جرير في تفسيره، قال: فاتبعه بنوه في تحريم ذلك استناناً به، واقتداء بطريقه، قال: وقوله: {مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ} أي: حرم ذلك على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، قلت: ولهذا السياق بعدما تقدم مناسبتان (إحداهما): أن إسرائيل عليه السلام حرم أحب الأشياء إليه، وتركها لله، وكان هذا سائغاً في شريعتهم، فله مناسبة بعد قوله: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}تفسير : [آل عمران: 92] فهذا هو المشروع عندنا، وهو الإنفاق في طاعة الله مما يحبه العبد ويشتهيه، كما قال تعالى: {أية : وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} تفسير : [البقرة: 177] وقال تعالى: {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ} تفسير : [الإنسان: 8] الآية. (المناسبة الثانية) لما تقدم السياق في الرد على النصارى، واعتقادهم الباطل في المسيح، وتبيين زيف ما ذهبوا إليه، وظهور الحق واليقين في أمر عيسى وأمه، كيف خلقه الله بقدرته ومشيئته وبعثه إلى بني إسرائيل يدعو إلى عبادة ربه تبارك وتعالى، شرع في الرد على اليهود، قبحهم الله تعالى، وبيان أن النسخ الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع، فإن الله تعالى قد نص في كتابهم التوراة أن نوحاً عليه السلام لما خرج من السفينة، أباح الله له جميع دواب الأرض يأكل منها، ثم بعد هذا حرم إسرائيل على نفسه لحمان الإبل وألبانها، فاتبعه بنوه في ذلك، وجاءت التوراة بتحريم ذلك، وأشياء أخرى زيادة على ذلك، وكان الله عز وجل قد أذن لآدم في تزويج بناته من بنيه، وقد حرم ذلك بعد ذلك، وكان التسري على الزوجة مباحاً في شريعة إبراهيم عليه السلام، وقد فعله إبراهيم في هاجر لما تسرى بها على سارة، وقد حرم مثل هذا في التوراة عليهم، وكذلك كان الجمع بين الأختين سائغاً، وقد فعله يعقوب عليه السلام، جمع بين الأختين، ثم حرم عليهم ذلك في التوراة، وهذا كله منصوص عليه في التوراة عندهم، وهذا هو النسخ بعينه، فكذلك فليكن ما شرعه الله للمسيح عليه السلام، في إحلاله بعض ما حرم في التوراة، فما بالهم لم يتبعوه؟ بل كذبوه وخالفوه؟ وكذلك ما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم من الدين القويم، والصراط المستقيم، وملة أبيه إبراهيم، فما بالهم لا يؤمنون؟ ولهذا قال تعالى: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَٰءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ} أي: كان حلاً لهم جميع الأطعمة قبل نزول التوراة، إلا ما حرمه إسرائيل، ثم قال تعالى: {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فإنها ناطقة بما قلناه {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} أي: فمن كذب على الله، وادعى أنه شرع لهم السبت والتمسك بالتوراة دائماً، وأنه لم يبعث نبياً آخر يدعو إلى الله تعالى بالبراهين والحجج، بعد هذا الذي بيناه من وقوع النسخ وظهور ما ذكرناه {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} ثم قال تعالى: {قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ} أي: قل يا محمد: صدق الله فيما أخبر به، وفيما شرعه في القرآن، {فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي: اتبعوا ملة إبراهيم التي شرعها الله في القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فإنه الحق الذي لا شك فيه ولا مرية، وهي الطريقة التي لم يأت نبي بأكمل منها، ولا أبين ولا أوضح ولا أتم، كما قال تعالى: {أية : قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبِّىۤ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 161] وقال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : نزل لما قال اليهود إنك تزعم أنك على ملة إبراهيم وكان لا يأكل لحوم الإبل وألبانها {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ } حلالاً {لّبَنِى إِسْرٰءِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ } يعقوب {عَلَىٰ نَفْسِهِ } وهو الإبل لما حصل له عرق النَّسا بالفتح والقصر فنذر إن شفي لا يأكلها فحُرِّمَ عليه {مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ } وذلك بعد إبراهيم ولم تكن على عهده حراما كما زعموا {قُلْ } لهم {فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَآ } ليتبين صدق قولكم {إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ } فيه فبهتوا ولم يأتوا بها قال تعالى:
الشوكاني
تفسير : قوله: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ} أي المطعوم، ولحل مصدر يستوي فيه المفرد والجمع المذكر والمؤنث وهو الحلال، و{إسرائيل} هو يعقوب كما تقدم تحقيقه. ومعنى الآية: أن كل المطعومات كانت حلالاً لبني يعقوب لم يحرم عليهم شيء منها إلا ما حرم إسرائيل على نفسه وسيأتي بيان ما هو الذي حرمه على نفسه، وهذا الاستثناء متصل من اسم كان. وقوله {مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ } متعلق بقوله: {كَانَ حِـلاًّ } أي: أن كل المطعومات كانت حلالاً {مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ } أي: كان ما عدا المستثنى حلالاً لهم: {مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ } مشتملة على تحريم ما حرمه عليهم لظلمهم، وفيه ردّ على اليهود لما أنكروا ما قصه الله سبحانه على رسوله صلى الله عليه وسلم من أن سبب ما حرمه الله عليهم هو ظلمهم، وبغيهم، كما في قوله: {أية : فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } تفسير : الآية [النساء: 160]. وقوله: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا}تفسير : [الأنعام: 146] إلى قوله: {أية : ذٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِبَغْيِهِمْ }تفسير : [الأنعام: 146] وقالوا إنها محرّمة على من قبلهم من الأنبياء، يريدون بذلك تكذيب ما قصّه الله على نبينا صلى الله عليه وسلم في كتابه العزيز، ثم أمره الله سبحانه بأن يحاجهم بكتابهم، ويجعل بينه وبينهم حكماً ما أنزله الله عليهم لا ما أنزله عليه فقال: {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } حتى تعلموا صدق ما قصّه الله في القرآن من أنه لم يحرّم على بني إسرائيل شيء من قبل نزول التوراة إلا ما حرّمه يعقوب على نفسه. وفي هذا من الإنصاف للخصوم ما لا يقادر قدره، ولا يبلغ مداه، ثم قال: {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ } أي: من بعد إحضار التوراة، وتلاوتها {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } أي: المفرطون في الظلم المتبالغون فيه، فإنه لا أظلم ممن حوكم إلى كتابه، وما يعتقده شرعاً صحيحاً، ثم جادل من بعد ذلك مفترياً على الله الكذب، ثم لما كان ما يفترونه من الكذب بعد قيام الحجة عليهم بكتابهم باطلاً مدفوعاً، وكان ما قصّه الله سبحانه في القرآن، وصدقته التوراة صحيحاً صادقاً، وكان ثبوت هذا الصدق بالبرهان الذي لا يستطيع الخصم دفعه، أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بأن ينادي بصدق الله بعد أن سجل عليهم الكذب، فقال: {قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ } أي: ملة الإسلام التي أنا عليها، وقد تقدم بيان معنى الحنيف، وكأنه قال لهم إذا تبين لكم صدقي، وصدق ما جئت به، فادخلوا في ديني، فإن من جملة ما أنزله الله عليّ {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ }تفسير : [آل عمران: 85]. وقد أخرج الترمذي، وحسنه، عن ابن عباس: «أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: فأخبرنا ما حرّم إسرائيل على نفسه؟ قال: حديث : كان يسكن البدو، فاشتكى عرق النساء، فلم يجد شيئاً يلائمه إلا تحريم الإبل، وألبانها، فلذلك حرمها،»تفسير : قالوا صدقت وذكر الحديث. وأخرجه أيضاً أحمد، والنسائي. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن ابن عباس في الآية؛ قال: العرق أجده عرق النساء، فكان يبيت له زق يعني صياح، فجعل لله عليه إن شفاه أن لا يأكل لحماً فيه عرق، فحرمته اليهود. وأخرج البخاري في تاريخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس من قوله ما أخرجه الترمذي سابقاً عنه مرفوعاً. وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقول: الذي حرّم إسرائيل على نفسه، زائدتا الكبد، والكليتان، والشحم إلا ما كان على الظهر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال: قالت اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم نزلت التوراة بتحريم الذي حرّم إسرائيل، فقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } وكذبوا ليس في التوراة.
الماوردي
تفسير : {كلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَآئِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَآئِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} سبب نزول هذه الآية أن اليهود أنكروا تحليل النبي صلى الله عليه وسلم لحوم الإبل، فأخبر الله تعالى بتحليلها لهم حين حرَّمها إسرائيل على نفسه، لأنه لما أصابه وجع العرق الذي يقال له عرق النسا، نذر تحريم العروق على نفسه، وأحب الطعام إليه، وكانت لحوم الإبل من أحب الطعام إليه. واختلفوا في تحريم إسرائيل على نفسه هل كان بإذن الله تعالى أم لا _ على اختلافهم في اجتهاد الأنبياء … على قولين: أحدهما: لم يكن إلا بإذنه وهو قول من زعم أن ليس لنبي أن يجتهد. والثاني: باجتهاده من غير إذن، وهو قول من زعم أن للنبي أن يجتهد. واختلفوا في تحريم اليهود ذلك على أنفسهم على قولين: أحدهما: أنهم حرموه على أنفسهم اتباعاً لإسرائيل. والثاني: أن التوراة نزلت بتحريمها فحرموها بعد نزولها، والأول أصح.
ابن عبد السلام
تفسير : {كُلًّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ} لما أنكرت اليهود تحليل النبي صلى الله عليه وسلم لحوم الإبل أخبر الله ـ تعالى ـ أنه أحلها إلى أن حرمها إسرائيل على نفسه، لما أصابه وجع النسا نذر تحريم العروق على نفسه وأحب الطعام إليه، وكانت لحوم الإبل من أحب الطعام إليه، ونذر ذلك بإذن الله ـ تعالى ـ، أو باجتهاده، فحرمت اليهود ذلك اتباعاً لإسرائيل على الأصح، أو نزلت التوراة بتحريمها.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {كل الطعام كان حلاًّ لبني إسرائيل إلاّ ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة} سبب نزول هذه الآيةحديث : أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك تزعم أنك على ملة إبراهيم وكان إبراهيم لا يأكل لحوم الإبل وألبانها وأنت تأكل ذلك كله فلست على ملته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كان ذلك حلالاً لإبراهيم" تفسير : قالوا كل ما نحرمه اليوم كان ذلك حراماً على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا فأنزل الله عز وجل كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلاّ ما حرم إسرائيل على نفسه وهو يعقوب من قبل أن ينزل التوراة يعني ليس الأمر على ما تدعيه اليهود من تحريم لحوم الإبل على إبراهيم بل كان ذلك حلالاً على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وإنما حرمه يعقوب بسبب من الأسباب وبقيت تلك الحرمة في أولاده فأنكر اليهود ذلك فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحضار التوراة وطلب منهم أن يستخرجوا منها أن ذلك كان حراماً على إبراهيم، فعجزوا عن ذلك وافتضحوا وبأن كذبهم فيما ادعوا من حرمة هذه الأشياء على إبراهيم وقيل: إن اليهود أنكروا شرع محمد صلى الله عليه وسلم وادعوا أن النسخ غير جائز، فأبطل الله ذلك عليهم وأخبر أن كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه فذلك الذي حرمه على نفسه كان حلالاً ثم صار حراماً عليه وعلى أولاده فقد حصل النسح وبطل قول اليهود بأن النسخ غير جائز، فأنكرت اليهود ذلك وقالوا: بل كان ذلك حراماً من زمن آدم إلى هذا الوقت فألزمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحضار التوراة وقال: إن التوراة ناطقة بأن بعض أنواع الطعام إنما حرم بسبب أن إسرائيل حرمه على نفسه فخاف اليهود من الفضيحة وامتنعوا من إحضار التوراة فحصل بذلك كذبهم وأنهم ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها وبطل قولهم بأن النسخ غير جائز، وفي هذا دليل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان رجلاً أمياً لم يقرأ الكتب ولم يعرف ما في التوراة، فلما أخبر أن ذلك ليس في التوراة علم أن الذي أخبر به صلى الله عليه وسلم وحي من الله تعالى وقوله تعالى: كل الطعام يعني كل أنواع الطعام أو سائر المطعومات كان حلاً أي حلالاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، واختلفوا في الذي حرم يعقوب على نفسه قيل حرم لحوم الإبل وألبانها وروى الطبري بسنده عن ابن عباس: أن عصابة من اليهود حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل ان تنزل التوراة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضاً شديداً فطال سقمه منه فنذر لله نذراً لئن عافاه الله من سقمه ليحرمنَّ أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها"تفسير : ؟ فقالوا: اللّهم نعم. وقال ابن عباس: هي العروق وكان سبب ذلك أنه اشتكى عرق النسا وكان أصل وجعه فيما روي عن الضحاك أن يعقوب كان نذر لئن وهب الله له اثني عشر ولداً وأتى بيت المقدس صحيحاً أن يذبح أحدهم. وفي رواية آخرهم فتلقاه ملك من الملائكة وقال: يا يعقوب إنك رجل قوي فهل لك في الصراع؟ فعالجه فلم يصرع أحدهما صاحبه فغمزه الملك غمزة فعرض له عرق النسا من ذلك ثم قال أما إني لو شئت أن أصرعك لفعلت ولكن غمزتك هذه الغمزة لأنك قد نذرت إن أتيت بيت المقدس صحيحاً ذبحت آخر ولدك، فجعل الله لك بهذه الغمزة من ذلك مخرجاً، فلما قد يعقوب بيت المقدس أراد ذبح ولده ونسي ما قال له الملك فأتاه الملك وقال له: إنما غمزتك للمخرج وقد وفي نذرك فلا سبيل لك إلى ذبح ولدك. وقال ابن عباس في آخرين أقبل يعقوب من حران يريد بيت المقدس حين هرب من أخيه العيص، وكان يعقوب رجلاً بطشاً قوياً فلقيه ملك في صورة رجل فظن يعقوب أنه لص فعالجه أن يصرعه فغمز الملك فخذ يعقوب وصعد إلى السماء ويعقوب ينظر فهاج به عرق النسا ولقي منه شدة فكان لا ينام الليل من الوجع ويبيت وله رغاء أي صياح، فحلف يعقوب لئن شفاه الله أن لا يأكل عرقاً ولا طعاماً فيه عرق فحرمه على نفسه فكان بنوه بعد ذلك يتبعون العروق ويخرجونها من اللحم ولا يأكلونها، وقيل لما أصاب يعقوب ذلك وصف له الأطباء أن يجتنب لحوم الإبل فحرمها يعقوب على نفسه، وقيل إنما حرم يعقوب لحوم الجزور تعبداً لله تعالى وسأل ربه أن تنجز فحرمه الله على ولده وهو ظاهر الآية لأن الله تعالى قال: كل الطعام كان حلاًّ لبني إسرائيل، ثم استثنى ما حرم إسرائيل على نفسه فوجب بحكم الاستثناء أن يكون ذلك حراماً على بني إسرائيل أما قوله من قبل أن تنزل التوراة فمعناه أن قبل إنزال التوراة كان كل أنواع الطعام حلالاً لبني إسرائيل سوى ما حرمه إسرائيل على نفسه أما بعد نزول التوراة فقد حرم الله تعالى عليهم أشياء كثيرة من أنواع الطعام ثم اختلفوا في حال هذا الطعام المحرم على بني إسرائيل بعد نزول التوراة فقال السدي: حرم الله عليهم في التوراة ما كانوا حرموه على أنفسهم قبل نزولها وقال عطية: إنما كان حراماً عليهم بتحريم إسرائيل فإنه قال: إن عافاني الله تعالى لا يأكله ولد لي ولم يكن ذلك محرماً عليهم في التوراة وقال الكلبي: لم يحرمه الله في التوراة وإنما حرم عليهم بعد نزول التوراة لظلمهم كما قال تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أُحلّت لهم} وقال تعالى: وعلى الذين هادوا حرمنا إلى أن قال ذلك جزيناهم ببغيهم {وإنا لصادقون} فكانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنباً عظيماً حرم الله عليهم طعاماً طيباً أو صب عليهم رجزاً وهو الموت. وقال الضحاك: لم يكن شيء من ذلك حراماً عليهم ولا حرمه الله في التوراة، وإنما حرموه على أنفسهم اتباعاً لأبيهم ثم أضافوا تحريمه لله عز وجل فكذبهم الله تعالى فقال الله تعالى: {قل فأتوا بالتوراة} يعني قل لهم يا محمد فأتوا بالتوراة {فاتلوها} أي فاقرؤوها وما فيها حتى يتبين أن الأمر كما قلتم {إن كنتم صادقين} يعني فيما ادعيتم فلم يأتوا بها وخافوا الفضيحة.
ابن عادل
تفسير : الحِلّ بمعنى: الحَلالَ، وهو - في الأصل - مصدر لِـ "حَلَّ يَحِلُّ"، كقولك: عز يعز عزًّا، ثم يطلق على الأشخاص، مبالغة، ولذلك يَسْتَوي فيه الواحدُ والمثنَّى والمجموعُ، والمذكَّرُ والمؤنثُ، كقوله تعالى: {أية : لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} تفسير : [الممتحنة: 10]، وفي الحديث عن عائشة: "كُنْتُ أطيِّبُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لِحِلِّه ولِحَرَمِهِ" أي لإحلاله ولإحرامه، وهو كالحرم واللبس - بمعنى: الحرام واللباس - وقال ابن عباس - في زمزم -: هي حِلٌّ وبِلٌّ. رواه سفيان بن عُيَيْنَة، فسئل سفيان، ما حِلّ؟ فقال: محَلَّل. و "لِبَني": متعلق بـ "حِلاًّ". قوله: {إِلاَّ مَا حَرَّمَ} مستثنى من اسم "كَانَ". وجوَّز أبو البقاء أن يكون مستثنًى من ضمير مستتر في "حِلاًّ" فقال لأنه استثناء من اسم "كَانَ" والعامل فيه: "كان"، ويجوز أن يعمل فيه "حِلاًّ"، ويكون فيه ضمير يكون الاستثناء منه؛ لأن حِلاًّ وحلالاً في موضع اسم الفاعل بمعنى الجائز والمباح. وفي هذا الاستثناء قولان: أحدهما: أنه متَّصل، والتقدير: إلا ما حرَّم إسرائيل على نفسه، فحرم عليهم في التوراة، فليس فيها ما زادوه من محرمات، وادَّعَوْا صحةَ ذلك. والثاني: أنه مُنْقَطِع، والتقدير: لكن حرم إسرائيلُ على نفسه خاصَّةً، ولم يحرمه عليهم، والأول هو الصحيح. قوله: {مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ} فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق بـ "حَرَّم" أي: إلا ما حرَّم من قبل، قاله أبو البقاء. قال أبو حيان: "ويبعد ذلك؛ إذ هو من الإخبار بالواضح؛ لأنه معلوم أن الذي حَرَّم إسرائيل على نفسه، هو من قبل إنزال التوراة ضرورةً؛ لتباعد ما بين وجود إسرائيل وإنزال التوراة". والثاني: أنه يتعلق بقوله: {كَانَ حِـلاًّ}. قال أبو حيان: "ويظهر أنه متعلّق بقوله: {كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}، أي: من قبل أن تُنَزًّل التوراة، وفصل بالاستثناء؛ إذْ هو فَصْل جائز، وذلك على مذهب الكسائي وأبي الحسن، في جواز أن يعمل ما قبل "إلا" فيما بعدها إذا كان ظرفاً أو مجروراً أو حالاً - نحو ما جلس إلا زيد عندك، ما أوَى إلا عمرو إليك، وما جاء إلا زيد ضاحكاً. وأجاز الكسائي ذلك في المنصوب مطلقاً، نحو ما ضرب إلا زيدٌ عمراً؛ وأجاز ذلك هو وابن الأنباري في المرفوع، نحو ما ضرب إلا زيداً عمرو، وأما تخريجه على غير مذهب الكسائي وأبي الحسن، فَيُقدَّر له عامل من جنس ما قبله، تقديره - هنا - حِل من قبل أن ينزل أي تنزل التوراة". وقرئ: {تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ} بتخفيف الزاي وتشديدها، وكلاهما بمعنى واحد، وهذا يرد قولَ من قال بأن "تنَزَّل" - بالتشديد - يدل على أنه نزل مُنَجَّماً؛ لأن التوراة إنَّما نزلت دُفْعَةً واحدة بإجماع المفسرين. فصل لما تقدمت الآيات الدالة ُعلى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والإلزامات الواردة على أهل الكتاب، بين في هذه الآية الجوابَ عن شُبُهاتهم، وهي تحتمل وجوهاً: روي أن اليهود كانوا يُعَوِّلُونَ في إنكار شرع محمد صلى الله عليه وسلم على إنكار النسخ، فأبطل الله - تعالى - عليهم ذلك بأن كل الطعام كان حِلاًّ لبني إسرائيل، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه، فذلك الذي حرمه على نفسه كان حلالاً، ثم صار حراماً عليه وعلى أولاده، فحصل النسخُ، وبطل قولكم: النسخ غير جائز، فلما توجَّه على اليهود هذا السؤالُ أنكروا أن تكون حرمةُ ذلك الطعام الذي حُرِّم بسبب أن إسرائيلَ حرَّمه على نفسه، بل زعموا أن ذلك كان حراماً من زمان آدم إلى زمانهم، فعند هذا طلب الرسول صلى الله عليه وسلم منهم أن يُحْضِروا التوراةَ؛ فإن التوراةَ ناطقة بأن بعض أنواع الطعام إنما حُرِّم بسبب أن إسرائيلَ حرَّمه على نفسه، فخافوا من الفضيحة، وامتنعوا من إحضار التوراة، فحصل عند ذلك أمور كثيرة تُقَوِّي القولَ بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. منها: أن النسخ قد ثبت لا محيصَ عنه، وهم يُنْكِرُونه. ومنها: ظهور كذبهم للناس، فيما نسبوه إلى التوراة. ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم كان أمِّيًّا، لا يقرأ ولا يكتب، فدل على أنه لم يعرفُ هذه المسألةَ الغامضةَ إلا بوحي من الله تعالى. الوجه الثاني: أن اليهود قالوا له: إنك تدَّعي أنك على ملة إبراهيم، فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانَها مع أن ذلك كان حراماً في دين إبراهيم، فلست أنت على ملة إبراهيم، فجعلوا ذلك شبهةً طاعِنةً في صحة دعواه، فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الشبهة, وقال: إن ذلك كان حلالاً لإبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاق ويعقوبَ، إلا أن يعقوبَ حرَّمه على نفسه، لسبب من الأسباب، وبقيت تلك الحُرْمَةُ في أولاده، فأنكر اليهودُ ذلك، وقالوا: ما نحرمه اليوم كان حراماً على نوح وإبراهيمَ حتى انتهى إلينا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإحضار التوراةِ، وطالَبَهُمْ بأن يستخرجوا منها آيةً تدل على أن لحومَ الإبل وألبانَها كانت محرمةً على إبراهيم، فعجزوا عن ذلك، وافتضحوا، فظهر كذبُهم. الوجه الثالث: أنه - تعالى - لما أنزل قوله: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ}تفسير : [الأنعام: 146]، قال تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ}تفسير : [النساء: 160] فدل ذلك على أنه إنما حرم على اليهود هذه الأشياء - جزاءً لهم على بَغيهم - وأنه لم يكن شيء من الطعام حراماً، غير الذي حرم إسرائيل على نفسه، فشقَّ ذلك على اليهود من وجهين: أحدهما: أن ذلك يدل على تحريم هذه الأشياءِ بعد الإباحة، وذلك يقتضي النسخ، وهم ينكرونه. والثاني: أن ذلك يدل على أنهم كانوا موصوفين بقبائح الأفعال، فلما شَقَّ ذلك عليهم من هذين الوجهين، أنكروا كَوْنَ حُرْمَةِ هذه الأشياء متجدِّدَةً، وزعموا أنها كانت مُحَرَّمَةً أبداً، فطالبهم النبيُّ بآية من التوراة تدل على صِحَّةِ قولِهم فعجزوا وافتضحوا فهذا وجه النظم وسبب النزول. فصل قال الزمخشري: "كُلُّ الطَّعَامِ" كل المطعومات، أو كل أنواع الطعام. واختلف الناس في اللفظ المفرد المحلَّى بالألف واللام، هل يفيد العموم أم لا؟ فذهب قوم إلى أنه يفيده لوجوه: الأول: أنه - تعالى - أدْخل لفظ "كُلّ" على لفظ "الطَّعَامِ" فلولا أن لفظ "الطَّعَامِ" قائم مقام المطعومات، وإلا لما جاز ذلك. والثاني: أنه استثنى ما حرم إسرائيلُ على نفسه، والاستثناء يُخْرِج من الكلام ما لولاه لدخل فلولا دخول كل الأقسام تحت لفظ: "الطَّعَام"، وإلا لم يَصِحْ الاستثناء ويؤيده قوله تعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [العصر: 1-3]. الثالث: أنه - تعالى - وصف هذا اللفظ المفرد بما يُوصف به لفظ الجمع، فقال {أية : وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ} تفسير : [ق: 10]، فعلى هذا لا يحتاج إلى الإضمار الذي ذكره الزمخشريُّ. ومن قال: إنه لا يفيد العمومَ، يحتاج إلى الإضمار. فصل الطعام: اسم لكل ما يُؤكَل ويُطْعَم. وزعم بعض الحنفيَّة: أنه اسم للبُرِّ خاصَّةً، وهذه الآية حُجَّة عليهم؛ لأنه استثنى من لفظ "الطَّعَامِ": ما حرم إسرائيل على نفسه، وأجمع المفسرون على أن ذلك الذي حرَّمه على نفسه كان غير الحنطة وما يُتَّخَذ منها، ويؤكد ذلك قوله - في صفة الماء -: {أية : وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ} تفسير : [البقرة: 249]، وقوله: {أية : وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} تفسير : [المائدة: 5]، وأراد الذبائح، وقالت عائشة: "مَا لَنَا طَعَامٌ إلاَّ الأسودان" والمراد: التمر والماء. فصل في المراد بالذي حرم إسرائيل على نفسه اختلفوا في الذي حرَّمه إسرائيل على نفسه وفي سببه: قال أبو العالية وعطاء ومقاتل والكلبيُّ: روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّ يعقوبَ مَرِضَ مَرَضاً شديداً، فَنَذَرَ لَئِنْ عَافَاهُ اللهُ ليُحَرِّمَنَّ أحَبَّ الطعامِ والشَّرَابِ إلَيْهِ، وَكَانَ ذَلِكَ لُحْمَانَ الإبلِ وألبانها ". تفسير : قال ابن عباس ومجاهد وقتادةُ والسُّدِّيُّ والضَّحَّاكُ: هي العروق، وكان السبب فيه، أنه اشتكى عرق النسا، وكان أصل وجعه - فيما روى جويبر ومقاتلٌ عن الضحاك - أن يعقوب كان قد نذر إن وهبه الله اثْنَي عشر وَلداً، وأتَى بيتَ المقدس صحيحاً، أن يذبح آخرَهم، فتلقاه ملَكٌ من الملائكة، فقال: يا يعقوبُ، إنك رجل قويٌّ، فهل لك في الصِّراع؟ فصارعه فلم يصرع واحدٌ منهما صاحبه، فغمزه الملك غمزةً، فعرض له عرق النسا من ذلك، ثم قال له الملك: أما إني لو شئتُ أن أصرعك لفعلت، ولكن غمزتك هذه الغمزة؛ [لأنك كنتَ نذرتَ إن أتيتَ بيتَ المقدس صحيحاً أن تذبح آخر ولدِك، فجعل الله له بهذه الغمزة] مخرجاً، فلما قدم يعقوب بيت المقدسِ أراد ذَبْحَ ولده، ونَسِي قولَ المَلَك، فأتاه الملك، وقال: إنما غمزتم للمخرج، وقد وفى نذرك، فلا سبيل لك إلى ولدِك. وقال عباسٍ ومُجَاهِدٌ وقَتَادَةُ والسُّدِّيُّ: أقبل يعقوب من: "حَرَّان" يريد بيت المقدس، حين هرب من أخيه عيصو، وكان رجلاً بطيشاً، قويًّا، فلقيه ملك، فظنَّ يعقوب أنه لِصّ، فعالجه ليصرعه فلم يصرع واحد منهما صاحبه، فغمز الملك فَخْذَ يعقوب، ثم صعد إلى السماء، ويعقوب ينظر إليه، فهاج به عرق النسا، ولقي من ذلك بلاءً وشِدَّةً، وكان لا ينام الليل من الوجع ويبيت وله زقاء: أي صياح، فحلف لئن شفاه الله أن لا يأكل عِرْقاً ولا طعاماً فيه عِرْق، فحرَّمه على نفسه، فكان بنوه - بعد ذلك - يَتَّبعون العروق، ويخرجونها من اللحم. وروى جبير عن الضحاك عن ابن عباس: لما أصاب يعقوبَ عرقُ النسا، وصف له الأطباء أن يجتنب لُحْمانَ الإبل، فحرَّمها يعقوب على نفسه. وقال الحسن: حرَّم يعقوب على نفسه لحم الجزور، تعبُّداً لله تعالى، فسأل ربه أن يُجِيز له ذلك، ومنعها الله على وَلَدِهِ. فإن قيل: التحريم والتحليل إنما يثبت بخطاب الله - تعالى - وظاهر الآية يدل على أن إسرائيلَ حرم ذلك على نفسه، فكيف صار ذلك سَبَباً لحصول الحُرْمَة؟ فالجواب من وجوه: الأول: أنه لا يبعد أن الإنسانَ إذا حرَّم شيئاً على نفسه، فإن الله يُحَرِّمُه عليه كما أن الإنسانَ يحرم امرأته بالطلاق، ويحرم جاريته بالعِتْق، فكذلك يجوز أن يقول الله تعالى: إن حرَّمْتَ شيئاً على نفسك فأنا - أيضاً - أحَرِّمُه عليك. الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم ربما اجتهد، فأدَّى اجتهاده إلى التحريم، فقال بتحريمه، والاجتهاد جائز من الأنبياء؛ لعموم قوله: {أية : فَٱعْتَبِرُواْ يَٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} تفسير : [الحشر: 2]، ولقوله: {أية : لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ}تفسير : [النساء: 83]، ولقوله - لمحمد صلى الله عليه وسلم -: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} تفسير : [التوبة: 43]، فدل على أنه كان بالاجتهاد. وقوله تعالى: {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} يدل على أنه إنما حرَّمه على نفسه بالاجتهاد؛ إذْ لو كان بالنصِّ لقال: إلاَّ ما حرَّمه الله على إسرائيل. الثالث: يُحْتَمَل أن التحريم في شرعه كالنذر في شرعنا، فكما يجب علينا الوفاءُ بالنذر - وهو بإيجاب العبد على نفسه - كان يجب في شرعه الوفاءُ بالتحريم. الرابع: قال الأصم: لعل نفسه كانت مائلةً إلى تلك الانواع كُلِّها، فامتنع من أكلها؛ قَهْراً للنَّفْس، وطَلَباً لمرضاة الله، كما يفعله كثير من الزُّهَّادِ. فصل ترجم ابنُ ماجه في سننه "دواء عرقِ النساء" وروى بسنده عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : شِفاءُ عِرْقِ النِّسَا ألْيَةُ شَاةٍ، [أعرابية] تُذابُ، ثُمَّ تُجَزَّأ ثَلاثَةَ أجْزَاءٍ، ثُمَّ تُشْرَبُ عَلَى الرِّيق في كُلِّ يَوْمٍ جُزْءًا ". تفسير : وفي رواية عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - في عرق النسا -: "حديث : تُؤخَذُ ألْيَةُ كَبْشٍ عَرَبِيٍّ - لا صَغِيرٍ وَلاَ كَبِيرٍ - فَتُقَطَّع صِغَاراً، فتُخْرَجُ إهَالتُه، فتقسَّم ثلاثة أقسام، قِسْمٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ عَلَى الرِّيقِ" تفسير : قال أنس: فوصفته لأكثر من مائة، فبرئوا - بإذن الله عز وجل -، وروى شعبة قال: حدثني شيخ - في زمن الحجَّاج بن يوسف - في عرق النسا، يمسح على ذلك الموضع، ويقول أقسم لك بالله الأعلى، لئن لم تَنْتَهِ لأكوَينَّك بنارٍ، أو لأحْلِقَنَّكَ بمُوسى. قال شعبة: قد جرَّبته، لقوله: وتمسح على ذلك الموضع. فصل دلّت هذه الآية على جواز الاجتهاد للأنبياء؛ ولأنه إذا شُرع الاجتهاد لغيرهم، فهم أولى؛ لأنهم أكمل من غيرهم، ومنع بعضُهم ذلك؛ لأنهم متمكنون من الوحي، وقال تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} تفسير : [التحريم: 1]. فصل ظاهر الآية يدل على أنَّ الذي حرمه إسرائيل على نفسه، قد حرَّمه الله على بني إسرائيلَ؛ لقوله تعالى: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}، فحكم بحلِّ كل أنواع المطعومات لبني إسرائيلَ، ثم استثنى منها ما حرمه إسرائيلُ على نفسه، فوجب - بحكم الاستثناء - أن يكون ذلك حراماً عليهم. فصل ومعنى قوله: {مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ} أي: قبل نزول التوراة كان حلاًّ لبني إسرائيل كلُّ المطعومات سوى ما حرمه إسرائيلُ على نفسه، أما بعد نزول التوراة، فلم يَبْقَ كذلك بل حرم الله - تعالى - عليهم أنواعاً كثيرة. وقال السدي: حرم الله عليهم في التوراة ما كانوا يُحَرِّمونه قبل نزولها. قال ابن عطية: إنما كان مُحَرَّماً عليهم بتحريم إسرائيل؛ فإنه كان قد قال: إن عافاني الله لا يأكله لي ولد، ولم يكن محرَّماً عليهم في التوراة. وقال الكلبي: لم يُحَرِّمه الله عليهم في التوراة، وإنما حُرِّم عليهم بعد التوراة بظُلْمهم، كما قال تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ}تفسير : [النساء: 160]، وقال: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} تفسير : [الأنعام: 146] روي أن بني إسرائيل كانوا إذا أتوا بذنب عظيم، حرَّم الله عليهم نوعاً من أنواع الطعام، أو سلط عليهم سبباً لهلاك أو مَضَرَّةٍ. وقال الضحاكُ: لم يكن شيئاً من ذلك مُحَرَّماً عليهم، ولا حَرَّمه الله في التوراة، وإنما حرموه على أنفسهم؛ اتباعاً لأبيهم، ثم أضافوا تحريمه إلى الله - عز وجل - فكذبهم الله، فقال: "قُلْ": يا محمد {فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا} حتى يتبين أنه كما قلتم {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، فلم يأتوا بها، فقال - الله عز وجل -: {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ}، "مَنْ" يجوز أن تكون شرطيَّةً، أو موصولة، وحمل على لفظها في قوله: "افْتَرَى" فوحَّد الضمير، وعلى معناها فجمع في قوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}، والافتراء مأخوذ من الفَرْي، وهو القطع، والظالم هو الذي يضع الشيء في غير مَوْضِعِه. وقوله: {مِن بَعْدِ ذَلِكَ} أي: من بعد ظهور الحجة، {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} المستحقون لعذاب الله. قوله: {مِنْ بَعْدِ} فيه وجهان: أحدهما: - وهو الظاهر -: أن يتعلق بـ "افْتَرَى". الثاني: قال أبو البقاء: يجوز أن يتعلق بالكذب، يعني: الكذب الواقع من بعد ذلك. وفي المشار إليه ثلاثة أوجه: أحدها: استقرار التحريم المذكور في التوراةِ عليهم؛ إذ المعنى: إلا ما حرم إسرائيلُ على نفسه، ثم حرم في التوراة؛ عقوبةً لهم. الثاني: التلاوة، وجاز تذكير اسم الإشارة؛ لأن المراد بها بيان مذهبهم. الثالث: الحال بعد تحريم إسرائيل على نفسه، وهذه الجملة - أعني: قوله: {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} - يجوز أن تكون استئنافيةً، فلا محل لها من الإعراب، ويجوز أن تكون منصوبة المحل؛ نسقاً على قوله: {فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ}، فتندرج في المقول.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد والفريابي والبيهقي في سننه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه} قال: العرق. أخذه عرق النسا، فكان يبيت له زقاء يعني صياح، فجعل لله عليه إن شفاه أن لا يأكل لحماً فيه عروق، فحرمته اليهود. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير من طريق يوسف بن ماهك عن ابن عباس قال: هل تدري ما حرم إسرائيل على نفسه؟ ان إسرائيل أخذته الأنساء فاضنته، فجعل لله عليه إن عافاه الله أن لا يأكل عرقاً أبداً. فلذلك تسل اليهود العروق فلا يأكلونها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال: حرم على نفسه العروق. وذلك أنه كان يشتكي عرق النسا، فكان لا ينام الليل فقال: والله لئن عافاني الله منه لا يأكله لي ولد، وليس مكتوباً في التوراة "وسأل محمد صلى الله عليه وسلم نفراً من أهل الكتاب فقال: ما شأن هذا حراماً؟ فقالوا: هو حرام علينا من قبل الكتاب فقال الله {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل} إلى {إن كنتم صادقين}". وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال "حديث : جاء اليهود فقالوا: يا أبا القاسم أخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: كان يسكن البدو، فاشتكى عرق النسا، فلم يجد شيئاً يداويه إلا لحوم الإبل وألبانها، فلذلك حرمها قالوا صدقت "تفسير : . وأخرج ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله {إلا ما حرَّم إسرائيل على نفسه} قال: حرم العروق، ولحوم الإبل، كان به عرق النسا فأكل من لحومها، فبات بليلة يزقو، فحلف أن لا يأكله أبداً. وأخرج عبد بن حميد عن أبي محلز في قوله {إلا ما حرم إسرائيل على نفسه} قال: إن إسرائيل هو يعقوب، وكان رجلاً بطيشاً، فلقي ملكاً فعالجه، فصرعه الملك، ثم ضرب على فخذه، فلما رأى يعقوب ما صنع به بطش به فقال: ما أنا بتاركك حتى تسميني اسماً. فسماه إسرائيل، فلم يزل يوجعه ذلك العرق حتى حرمه من كل دابة. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: حرم على نفسه لحوم الأنعام. وأخرج ابن إسحق وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس، أنه كان يقول: الذي حرم إسرائيل على نفسه زائدتا الكبد، والكليتين، والشحم، إلا ما كان على الظهر. فإن ذلك كان يقرب للقربان فتأكله النار. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء {إلا ما حرم إسرائيل} قال: لحوم الإبل وألبانها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن ابن عباس قال "حديث : "قالت اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم: نزلت التوراة، بتحريم الذي حرم إسرائيل، فقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} وكذبوا ليس في التوراة، وإنما لم يحرم ذلك إلا تغليظاً لمعصية بني إسرائيل بعد نزول التوراة {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} وقالت اليهود لمحمد صلى الله عليه وسلم: كان موسى يهودياً على ديننا، وجاءنا في التوراة تحريم الشحوم، وذي الظفر، والسبت. فقال محمد صلى الله عليه وسلم: كذبتم لم يكن موسى يهودياً، وليس في التوراة إلا الإسلام. يقول الله {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} أفيه ذلك وما جاءهم بها أنبياؤهم بعد موسى، فنزلت في الألواح جملة" "تفسير : . وأخرج عبد بن حميد عن عامر، أن علياً رضي الله عنه قال في رجل جعل امرأته عليه حراماً قال: حرمت عليه كما حرم إسرائيل على نفسه لحم الجمل فحرم عليه. قال مسروق: إن إسرائيل كان حرم على نفسه شيئاً كان في علم الله أن سيحرمه، إذا نزل الكتاب فوافق تحريم إسرائيل ما قد علم الله أنه سيرحمه، إذا نزل الكتاب وأنتم تعمدون إلى الشيء قد أحله الله فتحرمونه على أنفسكم ما أبالي إياها حرمت أو قصعة من ثريد.
ابو السعود
تفسير : {كُلُّ ٱلطَّعَامِ} أي كلُّ أفرادِ المطعوم أو كلُّ أنواعِه {كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرٰءيلَ} أي حلالاً لهم، فإن الحلَّ مصدرٌ نُعت به، ولذلك استوى فيه الواحدُ والجمعُ والمذكرُ والمؤنث كما في قوله تعالى: {أية : لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ} تفسير : [الممتحنة، الآية 10] {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} استثناءٌ متصلٌ من اسم كان، أي كان كلُّ المطعوماتِ حلالاً لبني إسرائيلَ إلا ما حرم إسرائيلُ أي يعقوبُ عليه السلام على نفسه وهو لحومُ الإبلِ وألبانُها، قيل: كان به وجعُ النَّسا فنذَرَ لئن شُفِيَ لا يأكلُ أحبَّ الطعامِ إليه وكان ذلك أحبَّه إليه، وقيل: فعل ذلك للتداوي بإشارة الأطباءِ، واحتج به من جوّز للنبـي الاجتهادَ. وللمانع أن يقولَ: كان ذلك بإذنٍ من الله تعالى فيه فهو كتحريمه ابتداءً {مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ} متعلقٌ بقوله تعالى: {كَانَ حِـلاًّ} ولا ضيرَ في توسيط الاستثناءِ بـينهما، وقيل: متعلق بحرَّمَ وفيه أن تقيـيدَ تحريمِه عليه السلام بقَبْلية تنزيلِ التوراة ليس فيه مزيدُ فائدة أي كان ما عدا المستثنى حلالاً لهم قبلَ أن تنزّلَ التوراةُ مشتمِلةً على تحريم ما حُرِّم عليهم لظلمهم وبغيهم عقوبةً لهم وتشديداً وهو ردٌّ على اليهود في دعواهم البراءةَ عما نعىٰ عليهم قولُه تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } تفسير : [النساء، الآية 160] وقوله تعالى: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ } تفسير : [الأنعام، الآية 146] الآيتين، بأن قالوا: لسنا أولَ من حُرِّمتْ عليه وإنما كانت محرمةً على نوحٍ وإبراهيمَ ومَنْ بعدَهما حتى انتهى الأمرُ إلينا فحرمت علينا، وتبكيتٌ لهم في منع النسخِ والطعنِ في دعوى الرسولِ صلى الله عليه وسلم موافقتَه لإبراهيمَ عليه السلام بتحليله لحومِ الإبلِ وألبانِها. {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا} أُمر عليه الصلاة والسلام بأن يُحاجَّهم بكتابهم الناطقِ بأن تحريمَ ما حُرِّم عليهم تحريمٌ حادثٌ مترتِّبٌ على ظلمهم وبغي كلما ارتكبوا معصيةً من المعاصي التي اقترفوها حُرِّم عليهم من الطيبات عقوبةً لهم، ويكلّفهم إخراجَه وتلاوتَه ليُبَكِّتَهم ويُلقِمَهم الحجَرَ ويُظهرِ كذِبَهم، وإظهارُ اسم التوراةِ لكون الجملةِ كلاماً مع اليهود منقطعاً عما قبله، وقوله تعالى: {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي في دعواكم أنه تحريمٌ قديمٌ، وجوابُ الشرط محذوفٌ لدلالة المذكورِ عليه أي إن كنتم صادقين فأتوا بالتوراة فاتلوها فإن صدْقَكم مما يدعوكم إلى ذلك اْلبتةَ. روي أنهم لم يجسَروا على إخراج التوراةِ فبُهتوا وانقلبوا صاغرين وفي ذلك من الحجة النيرة على صدق النبـيِّ صلى الله عليه وسلم وجوازِ النسخ الذي يجحَدونه ما لا يخفى، والجملةُ مستأنفةٌ مقرِّرة لما قبلها.
القشيري
تفسير : الأصل في الأشياء ألا يشرع فيها بالتحليل والتحريم، فما لا يوجد فيه حدٌّ فذلك من الحق - سبحانه - توسعة ورفقة إلى أن يحصل فيه أمر وشرع؛ فإنَّ الله - سبحانه - وسَّعَ أحكام التكليف على أهل النهاية، فسبيلهم الأخذ بما هو الأسهل لتمام ما هم به من أحكام القلوب، فإن الذي على قلوبهم من المشاق أشد. وأما أهل البداية فالأمر مضيَّقٌ عليهم في الوظائف والأوراد؛ فسبيلهم الأخذ بما هو الأشق والأصعب لفراغهم بقلوبهم من المعاني، فمن ظنّ بخلاف هذا فقد غلط. والإشارة من هذه الآية أيضاً في قوله: {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} إلى أحوال أهل الدعاوى والمغاليط؛ فإنهم يخلون بنفوسهم فينسبون إلى الله - سبحانه - هواجسها، والله بريء عنها. وعزيزٌ عبدٌ يفرِّق بين الخواطر والهواجس.
اسماعيل حقي
تفسير : {كل الطعام} لما نزل قوله تعالى {أية : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} تفسير : [النساء: 160]. الآية وقوله {أية : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر} تفسير : [الأنعام: 146]. الى قوله {أية : ذلك جزيناهم ببغيهم} تفسير : [الأنعام: 146]. انكر اليهود وغاظهم ذلك وبرأوا ساحتهم من الظلم وجحدوا ما نطق به القرآن وقالوا لسنا باول من حرمت عليه تلك المطعومات وما هو الا تحريم قديم كانت محرمة على نوح وابراهيم ومن بعده وهلمَّ جرا حتى انتهى التحريم الينا وغرضهم تكذيب شهادة الله عليهم بالبغى والظلم والصد عن سبيل الله واكل الربا وما عدد من مساويهم التى كلما ارتكبوا منها كبيرة حرم عليهم نوع من الطيبات عقوبة لهم فقيل كل المطعومات او كل انواع الطعام والطعام المطلق البر والعرف يشهد لكل ما يطعم حتى الماء {كان حلا لبنى اسرائيل} اى حلالا لهم والمراد اكله اذ لا يوصف بنحو الحل والحرمة الا افعال المكلف لا الاعيان فشرب الخمر حرام بالذات ونفسها حرام بالعرض {الا ما حرم اسرائيل على نفسه} استثناء متصل من اسم كان اى كان كل المطعومات حلالا لبنى اسرائيل الا ما حرم اسرائيل اى يعقوب عليه السلام على نفسه وهو الابل وألبانها ـ روى ـ ان يعقوب عليه السلام كان نذر ان وهب الله له اثنى عشر ولدا واتى بيت المقدس صحيحا ان يذبح آخرهم فتلقاه ملك من الملائكة فقال له يا يعقوب انك رجل قوى فهل لك فى الصراع فعالجه فلم يصرع واحد منهما صاحبه فغمزه الملك غمزة فعرض له عرق النسا من ذلك ثم قال أما انى لو شئت ان اصرعك لفعلت ولكن غمزتك هذه الغمزة لانك كنت نذرت ان اتيت بيت المقدس صحيحا ذبحت آخر ولد لك وجعل الله لك بهذه الغمزة مخرجا من ذلك الذبح ثم ان يعقوب عليه السلام لما قدم بيت المقدس اراد ذبح ولده ونسى قول الملك فاتاه الملك فقال انما غمزتك للمخرج وقد وفى نذرك فلا سبيل لك الى ولدك ثم انه حين ابتلى بذلك المرض لقى من ذلك بلاء وشدة وكان لا ينام الليل من الوجع فحلف لئن شفاه الله لا يأكل احب الطعام اليه فحرم لحوم الابل وألبانها اما حمية الدين او حمية النفس وتحريم الحلال على نفسه جائز للكل وفيه كفارة اليمين {من قبل ان تنزل التوراة} متعلق بقوله كان حلا ولا ضير فى توسيط الاستثناء بينهما المعنى ان المطعومات كانت حلالهم قبل نزول التوراة ثم حرمت بسبب بغيهم وظلمهم فكيف يكون ذلك حراما على نوح وابراهيم وغيرهما. وظاهر الآية يدل على ان الذى حرمه اسرائيل على نفسه قد حرمه الله على بنى اسرائيل وهو رد على اليهود فى دعواهم البراءة من الظلم وتبكيت لهم فى منع النسخ والطعن فى دعوى الرسول صلى الله عليه وسلم موافقته لابراهيم عليه السلام بتحليله لحوم الابل وألبانها {قل فائتوا بالتوراة فاتلوها} امره عليه السلام بان يحاجهم بكتابهم الناطق بان تحريم ما حرم تحريم حادث مرتب على ظلمهم وبغيهم ويكلفهم اخراجه وتلاوته ليبكتهم ويلقمهم الحجر ويظهر كذبهم {ان كنتم صادقين} فائتوا بالتوراة فاتلوها فان صدقكم مما يدعوكم الى ذلك البتة ـ روى ـ انهم لم يجترئوا على اخراج التوراة فبهتوا وانقلبوا صاغرين وفى ذلك من الحجة النيرة على صدق النبى صلى الله عليه وسلم وجواز النسخ الذى يجحدونه ما لا يخفى.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {إسرائيل}: هو يعقوب عليه السلام. قول الحقّ جلّ جلاله: {كل الطعام كان} حلالاً على بني إسرائيل، كما كان حلالاً على الأنبياء كلهم، {إلا ما حرم إسرائيل} أي: يعقوب، {على نفسه}، كلحوم الإبل وألبانها، قيل: كان به عرق النسا، فنذر: إن شفاه الله لم يأكل أحب الطعام إليه، وكان ذلك أحب الطعام إليه. وقيل: فعل ذلك للتداوي بإشارة الأطباء، فترك ذلك بنوه ولم يحرم عليهم في التوراة، وإنما هو شيء حرموه على أنفسهم. فالطعام كله كان حلالاً على بني إسرائيل وعلى الأنبياء كلهم قبل نزول التوراة، فلما نزلت التوراة حرم الله عليهم أشياء من الطيبات لظلمهم وبغيهم، فإن ادعوا أن لحوم الإبل كانت حراماً على إبراهيم، وأن كل ما حرم عليهم كان حراماً على إبراهيم وعلى الأنبياء قبله، فقل لهم: كذبتم؛ {فأتوا بالتوراة فاتلوها} هل تجدون ذلك فيها؟ {إن كنتم صادقين} في قولكم: إنَّ كل شيء حرم عليكم كان حراماً على إبراهيم، رُوِيَ: أنه – عليه الصلاة والسلام – لما قال لهم ذلك بهتوا، ولم يجسروا أن يأتوا بالتوراة، فتبين افتراؤهم على الله؛ {فمن افترى على الله الكذب} بزعمه أن الله حرَّم لحوم الإبل وألبانها قبل نزول التوراة، {من بعد ذلك} البيان وإلزامهم الحجة، {من بعد ذلك} المكابرون بالباطل بعدما وضَح الحق. {قل} لهم يا محمد: {صدق الله} فيما أنزل، وكذبتم فيما قلتم، فتبين أن ملة إبراهيم هي الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فأسلموا، واتبعوا {ملة إبراهيم حنيفاً}، فإن ملة الإسلام موافقة لملة إبراهيم، أو عينُها، فادخلوا فيه وتخلصوا من اليهودية التي اضطرتكم إلى التحريف والمكابرة، وألزمَتْكُم تحريمَ طيباتٍ أحلها الله لإبراهيم ومن تبعه، وقد خالفتم التوراة التي زعمتم أنكم متمسكون بها، وأشركتم مع الله عزيراً وغيره، وقد كان إبراهيم حنيفاً مسلماً {وما كان من المشركين}. قال البيضاوي: فيه إشارة إلى أن اتَّبَاعَهُ – أي: إبراهيم – واجبٌ في التوحيد الصرف والاستقامةِ في الدين، والتجنب عن الإفراط والتفريط، وتعريض بشرك اليهود. هـ. الإشارة: إذا تحقق للفقير الإخلاص، وحصل على التوحيد الخاص، كان الطعام كله حلالاً له، لأنه يأخذه بالله، ويتناوله من يد الله ويدفعه لله، مع موافقة الشريعة، ولم يغض من أنوار الطريقة؛ بحيث لا يصحبه شرهٌ ولا طمعٌ. وكان عبد الله بن عمر يقول: كُلْ ما شئت، والبَسْ ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف أو مخيلة. هـ. وإنما امتنعت العباد والزهَّادُ من تناول الشهوات المباحات خوفاً على أنفسهم أن تجمح بهم إلى تناول أسبابهما، فتعطلهم عن العبادة، وكذلك المريدون السائرون، ينبغي لهم التقلل من تناولها؛ لئلا يتعلق قلبهم بشيء منها، فتعطلهم عن السير، وأما الواصلون العارفون، فقد تحقق فناؤهم وبقاؤهم، فهم يأخذون بالله من يد الله، كما تقدم. والحاصل: أن النفس ما دامت لم تُسلم ولم تنقد إلى مشاهدة ربها، وجب جهادها ومخالفتها، فإذا أسلمت وانقادت إلى ربها، وجب الصلح معها وموافقتها فيما يتجلى فيها، والله تعالى أعلم. ولمّا كانت اليهود لا تحجُّ بيت الله الحرام، الذي بناه خليل الله إبراهيم عليه السلام، مع زعمهم أنهم على ملته، ردَّ الله تعالى عليهم بقوله: {إن أول بيت...} الخ، وقيل: تفاخر المسلمون واليهود، فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل؛ لأنه مهاجر الأنبياء، وقال المسلمون: الكعبة أفضل؛ لأنه أول بيت وضع في الأرض.
الطوسي
تفسير : النظم: وجه اتصال هذه الآية بما تقدم أنه تعالى، لما ذكر الانفاق مما يحب، ومن جملة ما يحب الطعام، فذكر حكمه، وأنه كان مباحاً حلالا {لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه}. النزول، والقصة، والمعنى: وكان سبب نزول هذه الآية أن اليهود أنكروا تحليل النبي (صلى الله عليه وسلم) لحوم الابل، فبين الله تعالى أنها كانت محللة، لابراهيم، وولده إلى أن حرمها إسرائيل على نفسه، وحاجهم بالتوراة، فلم يجسروا على إحضار التوراة لعلمهم بصدق النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما أخبر أنه فيها. وكان إسرائيل وهو يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم نذر إن برأ من النساء أن يحرم أحب الطعام والشراب إليه وهو لحوم الابل وألبانها، فلما برأ وفى لله بنذره. وقال ابن عباس والحسن: إن اسرائيل أخذه وجع العرق الذي يقال له النساء، فنذر إن شفاه الله أن يحرم العروق ولحم الابل [على نفسه]، وهو أحب الطعام إليه. فان قيل: كيف يجوز للانسان أن يحرم على نفسه شيئاً، وهو لا يعلم ما له فيه من المصلحة مما له فيه المفسدة؟ قلنا: يجوز ذلك إذا أذن الله له في ذلك وأعلمه، وكان الله أذن لاسرائيل في هذا النذر، فلذلك نذر. وفي الناس من استدل بهذه الآية على أنه يجوز للنبي (صلى الله عليه وسلم) أن يجتهد في الأحكام، لأنه إذا كان أعلم ورأيه أفضل كان اجتهاده أحق وهذا الذي ذكروه إن جعل دليلا على أنه كان يجوز أن يتعبد النبي بالاجتهاد، كان صحيحاً، وإن جعل دليلاً على أنه كان متعبداً به، فليس فيه دليل عليه، لأنا قد بينا أن اسرائيل ما حرم ذلك إلا باذن الله، فمن أين إن ذلك كان محرماً له من طريق الاجتهاد، فأما من امتنع من جواز تعبد النبي (صلى الله عليه وسلم) بالاجتهاد، بأن ذلك يؤدي إلى جواز مخالفة أمته له إذا اداهم الاجتهاد إلى خلاف اجتهاده فقد أبعد، لأنه لا يمتنع أن يجتهد النبي (صلى الله عليه وسلم) الاجتهاد إلى خلاف ما أدى اجتهاد الأمة إليه، فوجب اتباعه ولا يلتفت إلى اجتهاد من يخالفه، كما أن الأمة يجوز أن تجمع على حد عن اجتهاد، وإن لم يجز مخالفتها فبطل قول الفريقين.
الجنابذي
تفسير : {كُلُّ ٱلطَّعَامِ} الطّعام المطعوم بالفعل او بالقوّة كالبرّ والشّعير والمراد تعميم الطّعام بالاضافة الى ما قالت اليهود انّه كان حراماً على الانبياء السّابقة لا بالنّسبة الى كلّما يمكن ان يطعم، وهذا ردّ على اليهود وجواب لانكارهم تحريم الطّيّبات عليهم ببغيهم فانّ اليهود بعد ما نزل وسمعوا قوله تعالى {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} تفسير : [النساء: 106] وقوله تعالى: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ}تفسير : [الأنعام: 146]، قالوا: لسنا باوّل من حرّمت عليه وقد كانت محرّمة على نوحٍ (ع) وابراهيم (ع) ومن بعده من بنى اسرائيل الى ان انتهى التّحريم الينا فكذّبهم الله واجابهم بقوله: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} وليس كما قالت اليهود انّ الطيّبات كانت محرّمة من زمن نوح {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ} بسبب مرضه {عَلَىٰ نَفْسِهِ} من لحوم الابل فانّه كما روى كان به وجع الخاصرة او عرق النّساء وكان اذا اكل لحم الجمل هيّج الوجع به فحرّم على نفسه لحم الابل {مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ} متعلّق بقوله حلاًّ او بحرّم او بكليهما على سبيل التّنازع يعنى كلّ المطاعم كان حّلاً لبنى اسرائيل سوى لحم الابل الّذى حرّمه اسرائيل على نفسه قبل نزول التّوراة وبعد نزول التّوراة حرّم الطيّبات عليهم ببغيهم {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} حاجّهم بكتابهم حتّى يتبيّن كذبهم فى ادّعائهم وصدقه (ص) فيما نزل عليه من كتابهم، وقيل: لم يجسروا على اتيان التّوراة وبهتوا، وهذا دليل صدقه فى نبوّته حيث تمسّك بكتاب خصمه فى صدقه.
الهواري
تفسير : قوله: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. ذكر سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان يعقوب اشتكى عرق النسا فكان له بالليل زقاء كزقاء الديك، فحرّم ذلك العرق على نفسه من كل دابة. وقال الحسن: حرّم لحوم الإِبل. وقال بعضهم: وألبانها، وقال بعضهم: كل الطعام كان حِلاًّ لهم إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه. فلما أنزل الله التوراة حرّم عليهم أشياء وأحلّ لهم أشياء. وكان الذي حرّم إسرائيل على نفسه أن الأنساء أخذته ذات ليلة فأسهرته، فقال: لئن شفاه الله لا يطعم نسا أبداً، فتتبَّعَت بنوه العروق يخرجونها من اللحم. قوله: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أنَّ فيها ما تذكرون أنه حرَّمه عليكم، إنما حرَّم عليكم ما حرّمتم ببغيكم وظلمكم. قال: {فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ثم قال: {قُلْ صَدَقَ اللهُ} أي أن إبراهيم كان مسلماً {فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} والحنيف في تفسير الحسن: المخلص، وفي تفسير الكلبي: المسلم، وهو واحد. {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}. قوله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} قال الحسن: وضع للناس قبلة لهم. {لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}. قال سعيد بن جبير: بكّت الرجال بالنساء، والنساء بالرجال في الطواف. وقال بعضهم: إن الله بكَّ به الناس جميعاً، فتصلّي النساء أمام الرجال، ولا يصلح ذلك ببلد غيره. ذكر بعضهم قال: البيت وما حوله بكّة، وإنما سمّيت بذلك لأن الناس يتباكّون فيها ويتزاحمون، وأسفل من ذلك مكة.
اطفيش
تفسير : {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِى إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ}: ردا عليهم، بأن الطعام كله كان حلالا لبنى إسرائيل، كما حل لمن قبلهم، كإبراهيم ونوح، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه، فتبعه أولاده: وإسرائيل هو يعقوب، والذى حرم على نفسه هو لحم الإبل ولبنها، وعن ابن عباس: حديث : أن عصابة من اليهود، حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبا القاسم، أخبرنا أى الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنشدكم بالذى أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضاً شديداً فطال سقمه منه، فنذر له نذراً لئن عافاه الله من سقمه يحرم من أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحماً الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها، فقالوا: اللهم نعم قلنا ذلك منه عليه السلامتفسير : ، يقرب إلى الله بترك اللذة، وهو جائز فى شرعنا، إلا أنه لا يجوز لنا أن نقول هذا الشىء حرام على قيل: حرمها تعبداً، وسأل الله أن ينجز تحريمها، فحرمها على ولده، وهو ظاهر قوله تعالى: {كلُّ الطَّعَام كَانَ حِلاًّ..} إلخ. مر أبو حازم بسوق الفاكهة، فرأى محاسنها، فقال: موعدك الجنة إن شاء الله، وقيل: وصف له الأطباء أن يجتنب ذلك فحرمه على نفسه. وروى أن اليهود أنكروا شرع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وادعوا أن النسخ غير جائز، فأبطل الله دعواهم بأن إسرائيل حرم بعض الطعام على نفسه، وقد حل له ولمن قبله، فأقره الله على تحريمه، فذلك نسخ. قيل: كان به عرق نساء فنذر إن شفاه الله منه، لم يأكل أحب الطعام إليه، وكان أحبه إليه لحم الإبل ولبنها، قال الضحاك: نذر يعقوب إن وهبه الله اثنى عشر ولداً، وأتى بيت المقدس صحيحاً، أن يذبح آخرهم فتلقاه ملك الملائكة، فقال له: يا يعقوب إنك رجل قوى فتلقاه هل لك فى الصراع، فعالجه فلم يصرع أحدهما الآخر، فغمزه الملك غمزة فعرض له عرق النساء من ذلك، ثم قال: إنى لو شئت لصرعتك، ولكن غمزتك هذه الغمزة، فخرج من ذلك الذبيح، ثم إنه لما أتى بيت المقدس، وتم لهُ اثنى عشر ولداً، أراد ذبح الأخير ونسى قوله الملك، فأتاه الملك وقال له: إنما غمزتك للمخرج، وقد وفا ندرك فلا سبيل لك إلى ولدك، ثم إنه لما ابتلى بذلك المرض نسى ذلك من شدته، وكان لا ينام الليل من الوجع، فحلف إن شفاه الله لا يأكل أحب الطعام إليه، وقيل: حلف إن شفاه الله لا يأكل عرقاً ولا طعاماً فيه عرق، فكان بنوه بعد يتتبعون العروق يخرجونها من اللحم، واحتج من أجاز الاجتهاد للنبى عليه السلام بقوله تعالى: {إلا ما حرم إسرائيل على نفسه} وهو ظاهر لا يبطله احتمال أن الله تعالى قال له افعل ما بدا لك من تحليل وتحريم، فذاك على هذا الاحتمال بإذْنٍ من الله وهو كتحريمه ابتداء، قال مالك عن قوم من المتكلمين: يجوز أن يقول الله لعبده: احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب، وروى أنه خرج يعقوب إلى بيت المقدس هرباً من أخيه العيص، وكان يعقوب بطشاً قوياً، فلقيه ملك فى صورة رجل، فظن يعقوب أنه لص، فعالج أن يصرعه، فغمز الملك فخذ يعقوب وصعد إلى السماء، ويعقوب ينظر، فهاج به عرق النساء، فكان يبيت يصيح به، فنذر لئن شفاه الله لا يأكل عرقاً ولا طعاماً فيه عرق على حد ما مر، ويقال بعض الطعام حرم على بنى إسرائيل بتحريم إسرائيل كما فى هذه الآية، وبعضه حرم عليهم ببغيهم فى التوراة، وبعدها، وقال السدى: حرم الله عليهم فى التوراة، ما حرموا على أنفسهم قبل نزولها وقيل: إنما حرم فيها ما حرم إسرائيل على نفسه، وإنما حرمه على نفسه لا على قومه، وولده، ولما بغى بنو إسرائيل حرم عليهم الله فى التوراة ما كان إسرائيل حرمه على نفسه، كما قال {أية : فيظلم من الذين هادوا..}تفسير : الآية وقال كذلك {أية : جزيناهم ببغيهم}،تفسير : وعلى هذا فالذى حرم إسرائيل كل ذى ظفر وشحوم البقر والغنم على حد ما ذكره الله تعالى فى الأنعام، وقال الكلبى: لم يحرم ذللك فى التوراة، بل بعدها، كلما أصابوا ذنباً عظيماً حرم الله عليهم طعاماً طيباً، أو صب عليهم رجزاً، وهو الموت، قال الله جل وعلا: {أية : فَبِظُلْمٍ مِنَ الّذِيِنَ..}تفسير : الآية. وقال عطية: حرم إسرائيل على ولده ما حرم، وقل إن عافانى الله تعالى لا يأكله ولدى. والقرآن يدل أنه لم يحرمه عليهم، بل على نفسه خاصة، لكن استثناء ما حرم على نفسه، مما حل لهم بدل أنهُ حرم عليهم، إلا أن يقال: منقطع. وقد قال الضحاك: حرموه تبعاً له، وأضافوا تحريمه لله عز وجل، أو زعموا أنها محرمة على إبراهيم، ومن بعده، ومن قبله، فكذبهم بقوله: {قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا}: إقرءوها ليتبين أن الأمر كما قلتم. {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ}: فى قولكم إن الله حرم كذا وكذا مما لم يحرمه أو فى قولكم: إن التحريم من لدن إبراهيم، ومن قبله فيما صح تحريمه، ولما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم {فَأتُوا بالتِّورَاةِ فَاتْلُوهَا إنْ كُنْتُم صَادِقِينَ}، بهتوا ولم يجسروا أن يخرجوها مخافة الفضيحة، فذلك من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، ومن قبل متعلق بحرم للتأكيد إذ معلوم أن إسرائيل قبل نزول التوراة بزمان طويل، كأنه قيل: لم يحرم طعاماً قبل التوراة إلا ما حرم اسرائيل على نفسه، وإنما حرم من الطعام إنما حرم عليهم بالتوراة وبعدها أو متعلق بكان، أو بخلا، على قول الكسائى وأبى الحسن الأخفش، أن يعمل ما قبل إلا فيما بعدها، مما ليس يليها، إذا كان ظرفاً أو مجروراً، وداعى اليهود إلى ذلك إنكار النسخ، فزعموا أنها محرمة من أول ولم تحل قط، وكراهتهم الاتصاف بالقبائح، المودى إلى تحريم الطيبات، فزعموا أنها إلم تحرم لأجلهم، بل قبلهم، والحل فى الأصل مصدر، ولذا يطلق على الواحد المذكر وغيره. قال الله تعالى: (لا من هو حل لهم) وقرئ تنزيل بضم التاء وإسكان النون وفتح الزاى، وأنه لا يتعين أن الإنزال دفعة والتنزيل تنجيم.
الالوسي
تفسير : {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرٰءيلَ } روى الواحدي عن الكلبـي أنه حين قال النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا على ملة إبراهيم قالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها؟ فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: كان ذلك حلالاً لإبراهيم عليه السلام فنحن نحله فقالت اليهود: كل شيء أصبحنا اليوم نحرمه فإنه كان محرماً على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا فأنزل الله تعالى هذه الآية تكذيباً لهم»تفسير : والطعام بمعنى المطعوم، ويراد به هنا المطعومات مطلقاً أو المأكولات وهو لكونه مصدراً منعوتاً به معنى يستوي فيه الواحد المذكور وغيره وهو الأصل المطرد فلا ينافيه قول الرضيّ: إنه يقال: رجل عدل ورجلان عدلان لأنه رعاية لجانب المعنى، وذكر بعضهم أن هذا التأويل يجعل كلاً للتأكيد لأن الاستغراق شأن الجمع المعرف باللام، والحل مصدر أيضاً أريد منه حلالاً، والمراد الإخبار عن أكل الطعام بكونه حلالاً لا نفس الطعام لأن الحل كالحرمة مما لا يتعلق بالذوات ولا يقدر نحو الانفاق وإن صح أن يكون متعلق الحل وربما توهم بقرينة ما قبله لأنه خلاف الغرض المسوق له الكلام. و {إِسْرٰءيلَ } هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام، وعن أبـي مجلز أن ملكاً سماه بذلك بعد أن صرعه وضرب على فخذه. {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } قال مجاهد: حرم لحوم الأنعام، وروى عكرمة عن ابن عباس أنه حرم زائدتي الكبد والكليتين والشحم إلا ما كان على الظهر، وعن عطاء أنه حرم لحوم الإبل وألبانها. وسبب تحريم ذلك كما في الحديث الذي أخرجه الحاكم وغيره بسند صحيح عن ابن عباس حديث : أنه عليه الصلاة والسلام كان به عرق النسا فنذر إن شفي لم يأكل أحب الطعام إليه وكان ذلك أحب إليهتفسير : ، وفي رواية سعيد بن جبير عنه أنه كان به ذلك الداء فأكل من لحوم الإبل فبات بليلة يزقو فحلف أن لا يأكله أبداً، وقيل: حرمه على نفسه تعبداً وسأل الله تعالى أن يجيز له فحرم سبحانه على ولده ذلك، ونسب هذا إلى الحسن، وقيل: إنه حرمه وكف نفسه عنه كما يحرم المستظهر في دينه من الزهاد اللذائذ على نفسه. وذهب كثير إلى أن التحريم كان بنص ورد عليه، وقال بعض: كان ذلك عن اجتهاد ويؤيده ظاهر النظم، وبه استدل على جوازه للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والاستثناء متصل لأن المراد على كل تقدير أنه حرمه على نفسه وعلى أولاده، وقيل: منقطع، والتقدير ولكن حرم إسرائيل على نفسه خاصة ولم يحرمه عليهم وصحح الأول. {مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ } الظاهر أنه متعلق بقوله تعالى: { كَانَ حِـلاًّ } ولا يضر الفصل بالاستثناء إذ هو فصل جائز، وذلك على مذهب الكسائي وأبـي الحسن في جواز أن يعمل ما قبل إلا فيما بعدها إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً أو حالاً، وقيل: متعلق بحرم، وتعقبه أبو حيان بأنه بعيد إذ هو من الإخبار بالواضح المعلوم ضرورة ولا فائدة فيه، واعتذر عنه بأن فائدة ذلك بيان أن التحريم مقدم عليها وأن التوراة مشتملة على محرمات أخر حدثت عليهم حرجاً وتضييقاً، واختار بعضهم أنه متعلق بمحذوف، والتقدير: كان حلا/ من قبل أن تنزل التوراة في جواب سؤال نشأ من سابق المستثنى كأنه قيل: متى كان حلاً؟ فأجيب به والذي دعاه إلى ذلك عدم ظهور فائدة تقييد التحريم ولزوم قصر الصفة قبل تمامها على تقدير جعله قيداً للحل. ولا يخفى ما فيه، والمعنى على الظاهر أن كل الطعام ما عدا المستثنى كان حلالاً لبني إسرائيل قبل نزول التوراة مشتملة على تحريم ما حرم عليهم لظلمهم، وفي ذلك رد لليهود في دعواهم البراءة فيما نعى عليهم قوله تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ } تفسير : [النساء: 160] وقوله سبحانه: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا } تفسير : [الأنعام: 146] الآيتين، وتبكيت لهم في منع النسخ ضرورة أن تحريم ما كان حلالاً لا يكون إلا به ودفع الطعن في دعوى الرسول صلى الله عليه وسلم موافقته لأبيه إبراهيم عليه السلام على ما دل عليه سبب النزول. وذهب السدي إلى أنه لم يحرم عليهم عند نزول التوراة إلا ما كان يحرمونه قبل نزولها اقتداءاً بأبيهم يعقوب عليه السلام، وقال الكلبـي: لم يحرم سبحانه عليهم ما حرم في التوراة، وإنما حرمه بعدها بظلمهم وكفرهم، فقد كانت بنو إسرائيل إذا أصابت ذنباً عظيماً حرم الله تعالى عليهم طعاماً طيباً وصب عليهم رجزاً، وعن الضحاك أنه لم يحرم الله تعالى عليهم شيئاً من ذلك في التوراة ولا بعدها، وإنما هو شيء حرموه على أنفسهم اتباعاً لأبيهم وإضافة تحريمه إلى الله تعالى مجاز وهذا في غاية البعد. {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا } أمر له صلى الله عليه وسلم بأن يحاجهم بكتابهم الناطق بصحة ما يقول في أمر التحليل والتحريم وإظهار اسم التوراة لكون الجملة كلاماً مع اليهود منقطعاً عما قبله، وقوله تعالى: {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أي في دعواكم شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه أي إن كنتم صادقين فأتوا بالتوراة فاتلوها، روي أنهم لم يجسروا على الإتيان بها فبهتوا وألقموا حجراً. وفي ذلك دليل ظاهر على صحة نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم إذ علم بأن ما في التوراة يدل على كذبهم وهو لم يقرأها ولا غيرها من زبر الأولين ومثله لا يكون إلا عن وحي.
سيد قطب
تفسير : في هذا الدرس تبلغ المعركة ذروتها. معركة الجدل والمناظرة مع أهل الكتاب. وهذه الآيات غير داخلة في نطاق مناظرة وفد نجران - كما ذكرت الروايات - ولكنها متساوقة، معها ومكملة لها، والموضوع واحد. وإن كانت آيات هذا الدرس تتمحض للحديث عن اليهود خاصة، وتواجه كيدهم ودسهم للجماعة المسلمة في المدينة. وتنتهي إلى الحسم القاطع، والمفاصلة الكاملة. حيث يتجه السياق بعد جولة قصيرة في هذا الدرس إلى الجماعة المسلمة يخاطبها وحدها؛ فيبين لها حقيقتها، ومنهجها، وتكاليفها. على نحو ما سار السياق في سورة البقرة بعد استيفاء الحديث عن بني إسرائيل.. وفي هذه الظاهرة تشابه السورتان. ويبدأ الدرس بتقرير أن كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل - إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة - ويبدو أن هذا التقرير كان رداً على اعتراض بني إسرائيل على إباحة القرآن لبعض المحرمات اليهودية من الطعام. مع أن هذه المحرمات إنما حرمت عليهم وحدهم، في صورة عقوبة على بعض مخالفاتهم. ثم يرد كذلك على اعتراضهم على تحويل القبلة - ذلك الموضوع الذي استغرق مساحة واسعة في سورة البقرة من قبل - فيبين لهم أن الكعبة هي بيت إبراهيم؛ وهي أول بيت وضع للناس في الأرض للعبادة، فالاعتراض عليه مستنكر ممن يدعون وراثة إبراهيم! وعقب هذا البيان يندد بأهل الكتاب لكفرهم بآيات الله، وصدهم عن سبيل الله؛ ورفضهم الاستقامة، وميلهم إلى الخطة العوجاء، ورغبتهم في سيطرتها على الحياة، وهم يعرفون الحق ولا يجهلونه. ومن ثم يدعو أهل الكتاب جملة؛ ويتجه إلى الجماعة المسلمة، يحذرها طاعة أهل الكتاب.. فإنها الكفر.. ولا يليق بالمسلمين الكفر وكتاب الله يتلى عليهم، وفيهم رسوله يعلمهم. ويدعوهم إلى تقوى الله، والحرص على الإسلام حتى الوفاة ولقاء الله. ويذكرهم نعمة الله عليهم بتأليف قلوبهم، وتوحيد صفوفهم تحت لواء الإسلام، بعد ما كانوا فيه من فرقة وخصام، وهم يومئذ على شفا حفرة من النار أنقذهم منها الله بالإسلام. ويأمرهم بأن يكونوا الأمة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، محافظة على تحقيق منهج الله، مع تحذيرهم الاستماع لدسائس أهل الكتاب فيهم، فيهلكوا بالفرقة كما تفرق هؤلاء فهلكوا في الدنيا والآخرة.. وتذكر الروايات أن هذا التحذير نزل بمناسبة فتنة معينة بين الأوس والخزرج قام بها اليهود. ثم يعرّف الله المسلمين حقيقة مكانهم في هذه الأرض، وحقيقة دورهم في حياة البشر: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}.. فيدلهم بهذا على أصالة دورهم، وعلى سمة مجتمعهم.. يلي ذلك التهوين من شأن عدوهم فهم لن يضروهم في دينهم، ولن يظهروا عليهم ظهوراً تاماً مستقراً. إنما هو الأذى في جهادهم وكفاحهم، ثم النصر ما استقاموا على منهجهم. وهؤلاء الأعداء قد ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله، بسبب ما اقترفوه من الآثام والمعصية وقتل الأنبياء بغير حق.. ويستثني من أهل الكتاب طائفة جنحت للحق، فآمنت، واتخذت منهج المسلمين منهجاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي في الخيرات.. {وأولئك من الصالحين}.. ويقرر مصير الذين كفروا فلم يجنحوا للإسلام؛ فهم مأخوذون بكفرهم، لا تنفعهم أموال ينفقونها، ولا تغني عنهم أولاد، وعاقبتهم البوار. وينتهي الدرس بتحذير الذين آمنوا من اتخاذ بطانة من دونهم، يودون لهم العنت. وتنفث أفواههم البغضاء، وما تخفي صدورهم أكبر، ويعضون عليهم الأنامل من الغيظ. ويفرحون لما ينزل بساحتهم من السوء؛ ويسوؤهم الخير ينال المؤمنين.. ويعدهم الله بالكلاءة والحفظ من كيد هؤلاء الأعداء ما صبروا واتقوا {إن الله بما يعملون محيط}.. ويدل هذا التوجيه الطويل، المنوّع الإيحاءات، على ما كانت تعانيه الجماعة المسلمة حينذاك من كيد أهل الكتاب ودسهم في الصف المسلم؛ وما كان يحدثه هذا الدس من بلبلة. كما أنه يشي بحاجة الجماعة إلى التوجيه القوي، كي يتم لها التميز الكامل، والمفاصلة الحاسمة، من كافة العلاقات التي كانت تربطها بالجاهلية وبأصدقاء الجاهلية! ثم يبقى هذا التوجيه يعمل في أجيال هذه الأمة، ويبقى كل جيل مطالباً بالحذر من أعداء الإسلام التقليديين. وهم هم تختلف وسائلهم، ولكنهم لا يختلفون! {كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل - إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة - قل: فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين. فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون}. لقد كان اليهود يتصيدون كل حجة، وكل شبهة، وكل حيلة، لينفذوا منها إلى الطعن في صحة الرسالة المحمدية، وإلى بلبلة الأفكار وإشاعة الاضطراب في العقول والقلوب.. فلما قال القرآن: إنه مصدق لما في التوراة برزوا يقولون: فما بال القرآن يحلل من الأطعمة ما حرم على بني إسرائيل؟ وتذكر الروايات أنهم ذكروا بالذات لحوم الإبل وألبانها.. وهي محرمة على بني إسرائيل. وهناك محرمات أخرى كذلك أحلها الله للمسلمين. وهنا يردهم القرآن إلى الحقيقة التاريخية التي يتجاهلونها للتشكيك في صحة ما جاء في القرآن من أنه مصدق للتوراة، وأنه مع هذا أحل للمسلمين بعض ما كان محرماً على بني إسرائيل.. هذه الحقيقة هي أن كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل - إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة - وإسرائيل هو يعقوب - عليه السلام - وتقول الروايات إنه مرض مرضاً شديداً، فنذر لله لئن عافاه ليمتنعن - تطوعاً - عن لحوم الإبل وألبانها وكانت أحب شيء إلى نفسه. فقبل الله منه نذره. وجرت سنة بني إسرائيل على اتباع أبيهم في تحريم ما حرم.. كذلك حرم الله على بني إسرائيل مطاعم أخرى عقوبة لهم على معصيات ارتكبوها. وأشير إلى هذه المحرمات في آية "الأنعام": {أية : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون}.. تفسير : وكانت قبل هذا التحريم حلالاً لبني إسرائيل. يردهم الله سبحانه إلى هذه الحقيقة، ليبين أن الأصل في هذه المطاعم هو الحل، وأنها إنما حرمت عليهم لملابسات خاصة بهم. فإذا أحلها للمسلمين فهذا هو الأصل الذي لا يثير الاعتراض، ولا الشك في صحة هذا القرآن، وهذه الشريعة الإلهية الأخيرة. ويتحداهم أن يرجعوا إلى التوراة، وأن يأتوا بها ليقرأوها، وسيجدون فيها أن أسباب التحريم خاصة بهم، وليست عامة. {قل: فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين}.. ثم يهدد من يفتري الكذب منهم على الله بأنه إذن ظالم، لا ينصف الحقيقة، ولا ينصف نفسه، ولا ينصف الناس. وعقاب الظالم معروف، فيكفي أن يوصموا بهذه الوصمة، ليتقرر نوع العذاب الذي ينتظرهم. وهم يفترون الكذب على الله. وهم إليه راجعون.. كذلك كان اليهود يبدئون ويعيدون في مسألة تحويل القبلة إلى الكعبة، بعد أن صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدس حتى الشهر السادس عشر أو السابع عشر من الهجرة.. ومع أن هذا الموضوع قد نوقش مناقشة كاملة وافية في سورة البقرة من قبل، وتبين أن اتخاذ الكعبة قبلة للمسلمين هو الأصل وهو الأوْلى، وأن اتخاذ بيت المقدس هذه الفترة كان لحكمة معينة بينها الله في حينها.. مع هذا فقد ظل اليهود يبدئون في هذا الموضوع ويعيدون، ابتغاء البلبلة والتشكيك واللبس للحق الواضح الصريح - على مثال ما يصنع اليوم أعداء هذا الدين بكل موضوع من موضوعات هذا الدين! وهنا يرد الله عليهم كيدهم ببيان جديد. {قل: صدق الله، فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً، وما كان من المشركين. إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين. فيه آيات بينات: مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمناً ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا. ومن كفر فإن الله غني عن العالمين}.. ولعل الإشارة هنا في قوله: {قل صدق الله..} تعني ما سبق تقريره في هذا الأمر، من أن هذا البيت بناه إبراهيم وإسماعيل ليكون مثابة للناس وأمناً، وليكون للمؤمنين بدينه قبلة ومصلى: ومن ثم يجيء الأمر باتباع إبراهيم في ملته. وهي التوحيد الخالص المبرأ من الشرك في كل صورة: {فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً، وما كان من المشركين}. واليهود كانوا يزعمون أنهم هم ورثة إبراهيم. فها هو ذا القرآن يدلهم على حقيقة دين إبراهيم؛ وأنه الميل عن كل شرك. ويؤكد هذه الحقيقة مرتين: مرة بأنه كان حنيفاً. ومرة بأنه ما كان من المشركين. فما بالهم هم مشركين!! ثم يقرر أن الاتجاه للكعبة هو الأصل. فهي أول بيت وضع في الأرض للعبادة وخصص لها، مذ أمر الله إبراهيم أن يرفع قواعده.. وأن يخصصه للطائفين والعاكفين والركع السجود. وجعله مباركاً وجعله هدى للعالمين، يجدون عنده الهدى بدين الله ملة إبراهيم. وفيه علامات بينة على أنه مقام إبراهيم.. (ويقال: إن المقصود هو الحجر الأثري الذي كان إبراهيم - عليه السلام - يقف عليه في أثناء البناء. وكان ملصقاً بالكعبة فأخره عنها الخليفة الراشد عمر - رضي الله عنه - حتى لا يشوش الذين يطوفون به على المصلين عنده. وقد أمر المسلمون أن يتخذوه مصلى بقوله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}..) ويذكر من فضائل هذا البيت أن من دخله كان آمناً. فهو مثابة الأمن لكل خائف. وليس هذا لمكان آخر في الأرض. وقد بقي هكذا مذ بناه إبراهيم وإسماعيل. وحتى في جاهلية العرب، وفي الفترة التي انحرفوا فيها عن دين إبراهيم، وعن التوحيد الخالص الذي يمثله هذا الدين.. حتى في هذه الفترة بقيت حرمة هذا البيت سارية، كما قال الحسن البصري وغيره: "كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة، ويدخل الحرم، فيلقاه ابن المقتول، فلا يهيجه حتى يخرج".. وكان هذا من تكريم الله سبحانه لبيته هذا، حتى والناس من حوله في جاهلية! وقال - سبحانه - يمتن على العرب به: {أية : أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم؟} تفسير : وحتى إنه من جملة تحريم الكعبة حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره، وحرمة قطع شجرها.. وفي الصحيحين - واللفظ لمسلم - عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة: "حديث : إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار. فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاه... إلخ " تفسير : فهذا هو البيت الذي اختاره الله للمسلمين قبلة.. هو بيت الله الذي جعل له هذه الكرامة. وهو أول بيت أقيم في الأرض للعبادة. وهو بيت أبيهم إبراهيم، وفيه شواهد على بناء إبراهيم له. والإسلام هو ملة إبراهيم. فبيته هو أولى بيت بأن يتجه إليه المسلمون. وهو مثابة الأمان في الأرض. وفيه هدى للناس، بما أنه مثابة هذا الدين. ثم يقرر أن الله فرض على الناس أن يحجوا إلى هذا البيت ما تيسر لهم ذلك. وإلا فهو الكفر الذي لا يضر الله شيئاً: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا. ومن كفر فإن الله غني عن العالمين}. ويلفت النظر - في التعبير - هذا التعميم الشامل في فرضية الحج: {على الناس}.. ففيه أولاً إيحاء بأن هذا الحج مكتوب على هؤلاء اليهود الذين يجادلون في توجه المسلمين إليه في الصلاة. على حين أنهم هم أنفسهم مطالبون من الله بالحج إلى هذا البيت والتوجه إليه، بوصفه بيت أبيهم إبراهيم، وبوصفه أول بيت وضع للناس للعبادة. فهم - اليهود - المنحرفون المقصرون العاصون! وفيه ثانياً إيحاء بأن الناس جميعاً مطالبون بالإقرار بهذا الدين، وتأدية فرائضه وشعائره، والاتجاه والحج إلى بيت الله الذي يتوجه إليه المؤمنون به.. هذا وإلا فهو الكفر. مهما ادعى المدعون أنهم على دين! والله غني عن العالمين. فما به من حاجة - سبحانه - إلى إيمانهم وحجهم. إنما هي مصلحتهم وفلاحهم بالإيمان والعبادة.. والحج فريضة في العمر مرة، عند أول ما تتوافر الاستطاعة. من الصحة وإمكان السفر وأمن الطريق.. ووقت فرضها مختلف فيه. فالذين يعتمدون رواية أن هذه الآيات نزلت في عام الوفود - في السنة التاسعة - يرون أن الحج فرض في هذه السنة. ويستدلون على هذا بأن حجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت فقط بعد هذا التاريخ.. وقد قلنا عند الكلام على مسألة تحويل القبلة في الجزء الثاني من الظلال: إن حجة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا دليل فيها على تأخر فرضية الحج. فقد تكون لملابسات معينة. منها أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عرايا، ما يزالون يفعلون هذا بعد فتح مكة. فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخالطهم، حتى نزلت سورة براءة في العام التاسع، وحرم على المشركين الطواف بالبيت.. ثم حج - صلى الله عليه وسلم - حجته في العام الذي يليه.. ومن ثم فقد تكون فرضية الحج سابقة على ذلك التاريخ، ويكون نزول هذه الآية في الفترة الأولى من الهجرة بعد غزوة أحد أو حواليها. وقد تقررت هذه الفريضة على كل حال بهذا النص القاطع، الذي يجعل لله - سبحانه - حق حج البيت على {الناس} من استطاع إليه سبيلا. والحج مؤتمر المسلمين السنوي العام. يتلاقون فيه عند البيت الذي صدرت لهم الدعوة منه. والذي بدأت منه الملة الحنيفية على يد أبيهم إبراهيم. والذي جعله الله أول بيت في الأرض لعبادته خالصاً. فهو تجمع له مغزاه، وله ذكرياته هذه، التي تطوف كلها حول المعنى الكريم، الذي يصل الناس بخالقهم العظيم.. معنى العقيدة. استجابة الروح لله الذي من نفخة روحه صار الإنسان إنساناً. وهو المعنى الذي يليق بالأناسي أن يتجمعوا عليه، وأن يتوافدوا كل عام إلى المكان المقدس الذي انبعث منه النداء للتجمع على هذا المعنى الكريم.. بعد هذا البيان يلقن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يتجه إلى أهل الكتاب بالتنديد والتهديد، على موقفهم من الحق الذي يعلمونه، ثم يصدون عنه، ويكفرون بآيات الله. وهم شهداء على صحتها، وهم من صدقها على يقين: {قل: يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله، والله شهيد على ما تعملون؟ قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجاً وأنتم شهداء؟ وما الله بغافل عما تعملون}.. وقد تكرر مثل هذا التنديد في هذه السورة، وفي سور غيرها كثيرة. وأول ما يتركه هذا التنديد من أثر هو مجابهته أهل الكتاب بحقيقة موقفهم، ووصفهم بصفتهم، التي يدارونها بمظهر الإيمان والتدين، بينما هم في حقيقتهم كفار. فهم يكفرون بآيات الله القرآنية. ومن يكفر بشيء من كتاب الله فقد كفر بالكتاب كله. ولو أنهم آمنوا بالنصيب الذي معهم لآمنوا بكل رسول جاء من عند الله بعد رسولهم. فحقيقة الدين واحدة. من عرفها عرف أن كل ما يجيء به الرسل من بعد حق، وأوجب على نفسه الإسلام لله على أيديهم.. وهي حقيقة من شأنها أن تهزهم وأن تخوفهم عاقبة ما هم فيه. ثم إن المخدوعين من الجماعة المسلمة بكون هؤلاء الناس أهل كتاب، يسقط هذا الخداع عنهم، وهم يرون الله - سبحانه - يعلن حقيقة أهل الكتاب هؤلاء، ويدمغهم بالكفر الكامل الصريح. فلا تبقى بعد هذا ريبة لمستريب. وهو - سبحانه - يهددهم بما يخلع القلوب: {والله شهيد على ما تعملون}.. {وما الله بغافل عما تعملون}.. وهو تهديد رعيب، حين يحس إنسان أن الله يشهد عمله. وأنه ليس بغافل عنه. بينما عمله هو الكفر والخداع والإفساد والتضليل! ويسجل الله تعالى عليهم معرفتهم بالحق الذي يكفرون به، ويصدون الناس عنه: {وأنتم شهداء}.. مما يجزم بأنهم كانوا على يقين من صدق ما يكذبون به، ومن صلاح ما يصدون الناس عنه. وهو أمر بشع مستنكر، لا يستحق فاعله ثقة ولا صحبة، ولا يستأهل إلا الاحتقار والتنديد! ولا بد من وقفة أمام وصفة تعالى لهؤلاء القوم بقوله: {لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجاً...؟} إنها لفتة ذات مغزى كبير.. إن سبيل الله هو الطريق المستقيم. وما عداه عوج غير مستقيم. وحين يصد الناس عن سبيل الله؛ وحين يصد المؤمنون عن منهج الله، فإن الأمور كلها تفقد استقامتها، والموازين كلها تفقد سلامتها، ولا يكون في الأرض إلا العوج الذي لا يستقيم. إنه الفساد. فساد الفطرة بانحرافها. وفساد الحياة باعوجاجها.. وهذا الفساد هو حصيلة صد الناس عن سبيل الله، وصد المؤمنين عن منهج الله.. وهو فساد في التصور. وفساد في الضمير. وفساد في الخلق. وفساد في السلوك. وفساد في الروابط. وفساد في المعاملات. وفساد في كل ما بين الناس بعضهم وبعض من ارتباطات. وما بينهم وبين الكون الذي يعيشون فيه من أواصر.. وإما أن يستقيم الناس على منهج الله فهي الاستقامة والصلاح والخير، وإما أن ينحرفوا عنه إلى أية وجهة فهو العوج والفساد والشر. وليس هنالك إلا هاتان الحالتان، تتعاوران حياة بني الإنسان: استقامة على منهج الله فهو الخير والصلاح، وانحراف عن هذا المنهج فهو الشر والفساد! وحين يصل السياق إلى هذا الحد ينهي الجدل مع أهل الكتاب، ويغفل شأنهم كله. ويتجه إلى الجماعة المسلمة بالخطاب، والتحذير؛ والتنبيه والتوجيه. وبيان خصائص الجماعة المسلمة وقواعد منهجها وتصورها وحياتها؛ وطبيعة وسائلها لتحقيق المنهج الذي ناطه الله بها: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين. وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله؟ ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم}.. لقد جاءت هذه الأمة المسلمة لتنشىء في الأرض طريقها على منهج الله وحده، متميزة متفردة ظاهرة. لقد انبثق وجودها ابتداء من منهج الله؛ لتؤدي في حياة البشر دوراً خاصاً لا ينهض به سواها. لقد وجدت لإقرار منهج الله في الأرض، وتحقيقه في صورة عملية، ذات معالم منظورة، تترجم فيها النصوص إلى حركات وأعمال، ومشاعر وأخلاق، وأوضاع وارتباطات. وهي لا تحقق غاية وجودها، ولا تستقيم على طريقها، ولا تنشىء في الأرض هذه الصورة الوضيئة الفريدة من الحياة الواقعية الخاصة المتميزة، إلا إذا تلقت من الله وحده، وإلا إذا تولت قيادة البشرية بما تتلقاه من الله وحده. قيادة البشرية.. لا التلقي من أحد من البشر، ولا اتباع أحد من البشر، ولا طاعة أحد من البشر.. إما هذا وإما الكفر والضلال والانحراف.. هذا ما يؤكده القرآن ويكرره في شتى المناسبات. وهذا ما يقيم عليه مشاعر الجماعة المسلمة وأفكارها وأخلاقها كلما سنحت الفرصة.. وهنا موضع من هذه المواضع، مناسبته هي المناظرة مع أهل الكتاب، ومواجهة كيدهم وتآمرهم على الجماعة المسلمة في المدينة.. ولكنه ليس محدوداً بحدود هذه المناسبة، فهو التوجيه الدائم لهذه الأمة، في كل جيل من أجيالها، لأنه هو قاعدة حياتها، بل قاعدة وجودها. لقد وجدت هذه الأمة لقيادة البشرية. فكيف تتلقى إذن من الجاهلية التي جاءت لتبدلها ولتصلها بالله، ولتقودها بمنهج الله؟ وحين تتخلى عن مهمة القيادة فما وجودها إذن، وليس لوجودها - في هذه الحال - من غاية؟! لقد وجدت للقيادة: قيادة التصور الصحيح. والاعتقاد الصحيح. والشعور الصحيح. والخلق الصحيح. والنظام الصحيح. والتنظيم الصحيح.. وفي ظل هذه الأوضاع الصحيحة يمكن أن تنمو العقول، وأن تتفتح، وأن تتعرف إلى هذا الكون، وأن تعرف أسراره، وأن تسخر قواه وطاقاته ومدخراته.. ولكن القيادة الأساسية التي تسمح بهذا كله، وتسيطر على هذا كله وتوجهه لخير البشر لا لتهديدهم بالخراب والدمار، ولا لتسخيره في المآرب والشهوات.. ينبغي أن تكون للإيمان، وأن تقوم عليها الجماعة المسلمة، مهتدية فيها بتوجيه الله. لا بتوجيه أحد من عبيد الله. وهنا في هذا الدرس يحذر الأمة المسلمة من اتباع غيرها، ويبين لها كذلك طريقها لإنشاء الأوضاع الصحيحة وصيانتها. ويبدأ بتحذيرها من اتباع أهل الكتاب، وإلا فسيقودونها إلى الكفر لا مناص. {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين. وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله؟ ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم}.. إن طاعة أهل الكتاب والتلقي عنهم، واقتباس مناهجهم وأوضاعهم، تحمل ابتداء معنى الهزيمة الداخلية، والتخلي عن دور القيادة الذي من أجله أنشئت الأمة المسلمة. كما تحمل معنى الشك في كفاية منهج الله لقيادة الحياة وتنظيمها والسير بها صعداً في طريق النماء والارتقاء. وهذا بذاته دبيب الكفر في النفس، وهي لا تشعر به ولا ترى خطره القريب. هذا من جانب المسلمين. فأما من الجانب الآخر، فأهل الكتاب لا يحرصون على شيء حرصهم على إضلال هذه الأمة عن عقيدتها. فهذه العقيدة هي صخرة النجاة؛ وخط الدفاع، ومصدر القوة الدافعة للأمة المسلمة. وأعداؤه يعرفون هذا جيداً. يعرفونه قديماً ويعرفونه حديثاً، ويبذلون في سبيل تحويل هذه الأمة عن عقيدتها كل ما في وسعهم من مكر وحيلة، ومن قوة كذلك وعُدة. وحين يعجزهم أن يحاربوا هذه العقيدة ظاهرين يدسون لها ماكرين. وحين يعييهم أن يحاربوها بأنفسهم وحده، يجندون من المنافقين المتظاهرين بالإسلام، أو ممن ينتسبون - زوراً - للإسلام، جنوداً مجندة، لتنخر لهم في جسم هذه العقيدة من داخل الدار، ولتصد الناس عنها، ولتزين لهم مناهج غير منهجها، وأوضاعاً غير أوضاعها، وقيادة غير قيادتها.. فحين يجد أهل الكتاب من بعض المسلمين طواعية واستماعاً واتباعاً، فهم ولا شك سيستخدمون هذا كله في سبيل الغاية التي تؤرقهم، وسيقودونهم ويقودون الجماعة كلها من ورائهم إلى الكفر والضلال. ومن ثم هذا التحذير الحاسم المخيف: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين}.. وما كان يفزع المسلم - حينذاك - ما يفزعه أن يرى نفسه منتكساً إلى الكفر بعد الإيمان. وراجعاً إلى النار بعد نجاته منها إلى الجنة. وهذا شأن المسلم الحق في كل زمان ومن ثم يكون هذا التحذير بهذه الصورة سوطاً يلهب الضمير، ويوقظه بشدة لصوت النذير.. ومع هذا فإن السياق يتابع التحذير والتذكير.. فيا له من منكر أن يكفر الذين آمنوا بعد إيمانهم، وآيات الله تتلى عليهم، ورسوله فيهم. ودواعي الإيمان حاضرة، والدعوة إلى الإيمان قائمة، ومفرق الطريق بين الكفر والإيمان مسلط عليه هذا النور: {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله؟} أجل. إنها لكبيرة أن يكفر المؤمن في ظل هذه الظروف المعينة على الإيمان.. وإذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد استوفى أجله، واختار الرفيق الأعلى، فإن آيات الله باقية، وهدى رسوله - صلى الله عليه وسلم - باق.. ونحن اليوم مخاطبون بهذا القرآن كما خوطب به الأولون، وطريق العصمة بين، ولواء العصمة مرفوع: {ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم}.. أجل. إنه الاعتصام بالله يعصم. والله سبحانه باق. وهو - سبحانه - الحي القيوم. ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتشدد مع أصحابه - رضوان الله عليهم - في أمر التلقي في شأن العقيدة والمنهج، بقدر ما كان يفسح لهم في الرأي والتجربة في شؤون الحياة العملية المتروكة للتجربة والمعرفة، كشؤون الزرع، وخطط القتال، وأمثالها من المسائل العملية البحتة التي لا علاقة لها بالتصور الاعتقادي، ولا بالنظام الاجتماعي، ولا بالارتباطات الخاصة بتنظيم حياة الإنسان.. وفرق بين هذا وذلك بين. فمنهج الحياة شيء، والعلوم البحتة والتجريبية والتطبيقية شيء آخر. والإسلام الذي جاء ليقود الحياة بمنهج الله، هو الإسلام الذي وجه العقل للمعرفة والانتفاع بكل إبداع مادي في نطاق منهجه للحياة.. قال الإمام أحمد: "حدثنا عبد الرازق، أنبأنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن عبد الله بن ثابت. قال: "حديث : جاء عمر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله. إني أمرت بأخ يهودي من بني قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة. ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال عبد الله بن ثابت: قلت له: ألا ترى ما وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال عمر: رضيت بالله رباً، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولاً. قال: فسري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى - عليه السلام - ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم. إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين ". تفسير : وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا حماد عن الشعبي عن جابر. قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء. فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا. وإنكم إما أن تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بحق. وإنه والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني.." تفسير : وفي بعض الأحاديث: "حديث : لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي ".. تفسير : هؤلاء هم أهل الكتاب. وهذا هو هدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التلقي عنهم في أي أمر يختص بالعقيدة والتصور، أو بالشريعة والمنهج.. ولا ضير - وفق روح الإسلام وتوجيهه - من الانتفاع بجهود البشر كلهم في غير هذا من العلوم البحتة، علماً وتطبيقاً.. مع ربطها بالمنهج الإيماني: من ناحية الشعور بها، وكونها من تسخير الله للإنسان. ومن ناحية توجيهها والانتفاع بها في خير البشرية، وتوفير الأمن لها والرخاء. وشكر الله على نعمة المعرفة ونعمة تسخير القوى والطاقات الكونية. شكره بالعبادة. وشكره بتوجيه هذه المعرفة وهذا التسخير لخير البشرية.. فأما التلقي عنهم في التصور الإيماني، وفي تفسير الوجود، وغاية الوجود الإنساني. وفي منهج الحياة وأنظمتها وشرائعها، وفي منهج الأخلاق والسلوك أيضاً.. أما التلقي في شيء من هذا كله، فهو الذي تغير وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأيسر شيء منه. وهو الذي حذر الله الأمة المسلمة عاقبته. وهي الكفر الصراح.. هذا هو توجيه الله - سبحانه - وهذا هو هدى رسوله - صلى الله عليه وسلم - فأما نحن الذين نزعم أننا مسلمون، فأرانا نتلقى في صميم فهمنا لقرآننا وحديث نبينا - صلى الله عليه وسلم - عن المستشرقين وتلامذة المستشرقين! وأرانا نتلقى فلسفتنا وتصوراتنا للوجود والحياة من هؤلاء وهؤلاء، ومن الفلاسفة والمفكرين: الإغريق والرومان والأوروبيين والأمريكان! وأرانا نتلقى نظام حياتنا وشرائعنا وقوانيننا من تلك المصادر المدخولة! وأرانا نتلقى قواعد سلوكنا وآدابنا وأخلاقنا من ذلك المستنقع الآسن، الذي انتهت إليه الحضارة المادية المجردة من روح الدين.. أي دين.. ثم نزعم - والله - أننا مسلمون! وهو زعم إثمه أثقل من إثم الكفر الصريح. فنحن بهذا نشهد على الإسلام بالفشل والمسخ. حيث لا يشهد عليه هذه الشهادة الآثمة من لا يزعمون - مثلنا - أنهم مسلمون! إن الإسلام منهج. وهو منهج ذو خصائص متميزة: من ناحية التصور الاعتقادي، ومن ناحية الشريعة المنظمة لارتباطات الحياة كلها. ومن ناحية القواعد الأخلاقية، التي تقوم عليها هذه الارتباطات، ولا تفارقها، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. وهو منهج جاء لقيادة البشرية كلها. فلا بد أن تكون هناك جماعة من الناس تحمل هذا المنهج لتقود به البشرية. ومما يتناقض مع طبيعة القيادة - كما أسلفنا - أن تتلقى هذه الجماعة التوجيهات من غير منهجها الذاتي.. ولخير البشرية جاء هذا المنهج يوم جاء. ولخير البشرية يدعو الدعاة لتحكيم هذا المنهج اليوم وغداً. بل الأمر اليوم ألزم، والبشرية بمجموعها تعاني من النظم والمناهج التي انتهت إليها ما تعاني. وليس هناك منقذ إلا هذا المنهج الإلهي، الذي يجب أن يحتفظ بكل خصائصه كي يؤدي دوره للبشرية وينقذها مرة أخرى. لقد أحرزت البشرية انتصارات شتى في جهادها لتسخير القوى الكونية. وحققت في عالم الصناعة والطب ما يشبه الخوارق - بالنسبة للماضي - وما تزال في طريقها إلى انتصارات جديدة.. ولكن ما أثر هذا كله في حياتها؟ ما أثره في حياتها النفسية؟ هل وجدت السعادة؟ هل وجدت الطمأنينة؟ هل وجدت السلام؟ كلا! لقد وجدت الشقاء والقلق والخوف.. والأمراض العصبية والنفسية، والشذوذ والجريمة على أوسع نطاق!.. إنها لم تتقدم كذلك في تصور غاية الوجود الإنساني وأهداف الحياة الإنسانية.. وحين تقاس غاية الوجود الإنساني وأهداف الحياة الإنسانية في ذهن الرجل المتحضر المعاصر، إلى التصور الإسلامي في هذا الجانب، تبدو هذه الحضارة في غاية القزامة! بل تبدو لعنة تحط من تصور الإنسان لنفسه ومقامه في هذا الوجود, وتسفل به، وتصغر من اهتماماته ومن أشواقه!.. والخواء يأكل قلب البشرية المكدود، والحيرة تهد روحها المتعبة.. إنها لا تجد الله.. لقد أبعدتها عنه ملابسات نكدة. والعلم الذي كان من شأنه، لو سار تحت منهج الله، أن يجعل من كل انتصار للبشرية في ميدانه خطوة تقربها من الله، هو ذاته الذي تبعد به البشرية أشواطا بسبب انطماس روحها ونكستها.. إنها لا تجد النور الذي يكشف لها غاية وجودها الحقيقية فتنطلق إليها مستعينة بهذا العلم الذي منحه الله لها ووهبها الاستعداد له. ولا تجد المنهج الذي ينسق بين حركتها وحركة الكون، وفطرتها وفطرة الكون، وقانونها وناموس الكون. ولا تجد النظام الذي ينسق بين طاقاتها وقواها، وآخرتها ودنياها، وأفرادها وجماعاتها، وواجباتها وحقوقها.. تنسيقاً طبيعياً شاملاً مريحاً.. وهذه البشرية هي التي يعمل ناس منها على حرمانها من منهج الله الهادي. وهم الذين يسمون التطلع إلى هذا المنهج "رجعية!" ويحسبونه مجرد حنين إلى فترة ذاهبة من فترات التاريخ.. وهم بجهالتهم هذه أو بسوء نيتهم يحرمون البشرية التطلع إلى المنهج الوحيد الذي يمكن أن يقود خطاها إلى السلام والطمأنينة، كما يقود خطاها إلى النمو والرقي.. ونحن الذين نؤمن بهذا المنهج نعرف إلى ماذا ندعو. إننا نرى واقع البشرية النكد، ونشم رائحة المستنقع الآسن الذي تتمرغ فيه. ونرى. نرى هنالك على الأفق الصاعد راية النجاة تلوح للمكدودين في هجير الصحراء المحرق والمرتقى الوضيء النظيف يلوح للغارقين في المستنقع؛ ونرى أن قيادة البشرية إن لم ترد إلى هذا المنهج فهي في طريقها إلى الارتكاس الشائن لكل تاريخ الإنسان، ولكل معنى من معاني الإنسان! وأولى الخطوات في الطريق أن يتميز هذا المنهج ويتفرد، ولا يتلقى أصحابه التوجيه من الجاهلية الطامة من حولهم.. كيما يظل المنهج نظيفاً سليماً. إلى أن يأذن الله بقيادته للبشرية مرة أخرى. والله أرحم بعباده أن يدعهم لأعداء البشر، الداعين إلى الجاهلية من هنا ومن هناك!.. وهذا ما أراد الله سبحانه أن يلقنه للجماعة المسلمة الأولى في كتابه الكريم؛ وما حرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعلمها إياه في تعليمه القويم.. وبعد هذا التحذير من التلقي عن أهل الكتاب وطاعتهم واتباعهم ينادي الله الجماعة المسلمة ويوجهها إلى القاعدتين الأساسيتين اللتين تقوم عليهما حياتها ومنهجها. واللتين لا بد منهما لكي تستطيع أن تضطلع بالأمانة الضخمة التي ناطها الله بها، وأخرجها للوجود من أجلها.. هاتان القاعدتان المتلازمتان هما: الإيمان. والأخوة.. الإيمان بالله وتقواه ومراقبته في كل لحظة من لحظات الحياة. والأخوة في الله، تلك التي تجعل من الجماعة المسلمة بنية حية قوية صامدة، قادرة على أداء دورها العظيم في الحياة البشرية، وفي التاريخ الإنساني: دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإقامة الحياة على أساس المعروف وتطهيرها من لوثة المنكر: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم: إذ كنتم أعداء، فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخواناً. وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها. كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون. ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون، ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وأولئك لهم عذاب عظيم. يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. فأما الذين اسودت وجوههم: أكفرتم بعد إيمانكم؟ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون. وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون}.. إنهما ركيزتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة، وتؤدي بهما دورها الشاق العظيم. فإذا انهارت واحدة منهما لم تكن هناك جماعة مسلمة، ولم يكن هنالك دور لها تؤديه: ركيزة الإيمان والتقوى أولاً.. التقوى التي تبلغ أن توفي بحق الله الجليل.. التقوى الدائمة اليقظة التي لا تغفل ولا تفتر لحظة من لحظات العمر حتى يبلغ الكتاب أجله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته}.. اتقوا الله - كما يحق له أن يتقى - وهي هكذا بدون تحديد تدع القلب مجتهداً في بلوغها كما يتصورها وكما يطيقها. وكلما أوغل القلب في هذا الطريق تكشفت له آفاق، وجدّت له أشواق. وكلما اقترب بتقواه من الله، تيقظ شوقه إلى مقام أرفع مما بلغ، وإلى مرتبة وراء ما ارتقى. وتطلع إلى المقام الذي يستيقظ فيه قلبه فلا ينام! {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}.. والموت غيب لا يدري إنسان متى يدركه. فمن أراد ألا يموت إلا مسلماً فسبيله أن يكون منذ اللحظة مسلماً، وأن يكون في كل لحظة مسلماً. وذكر الإسلام بعد التقوى يشي بمعناه الواسع: الاستسلام. الاستسلام لله، طاعة له، واتباعاً لمنهجه، واحتكاماً إلى كتابه. وهو المعنى الذي تقرره السورة كلها في كل موضع منها، على نحو ما أسلفنا. هذه هي الركيزة الأولى التي تقوم عليها الجماعة المسلمة لتحقق وجودها وتؤدي دورها. إذ أنه بدون هذه الركيزة يكون كل تجمع تجمعاً جاهلياً. ولا يكون هناك منهج لله تتجمع عليه أمة، إنما تكون هناك مناهج جاهلية. ولا تكون هناك قيادة راشدة في الأرض للبشرية، إنما تكون القيادة للجاهلية. فأما الركيزة الثانية فهي ركيزة الأخوة.. الأخوة في الله، على منهج الله، لتحقيق منهج الله: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم، إذ كنتم أعداء، فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخواناً. وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها. كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون}.. فهي أخوة إذن تنبثق من التقوى والإسلام.. من الركيزة الأولى.. أساسها الاعتصام بحبل الله - أي عهده ونهجه ودينه - وليست مجرد تجمع على أي تصور آخر، ولا على أي هدف آخر، ولا بواسطة حبل آخر من حبال الجاهلية الكثيرة! {واعتمصوا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}.. هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله بها على الجماعة المسلمة الأولى. وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائماً. وهو هنا يذكرهم هذه النعمة. يذكرهم كيف كانوا في الجاهلية "أعداء".. وما كان أعدى من الأوس والخزرج في المدينة أحد. وهما الحيان العربيان في يثرب. يجاورهما اليهود الذين كانوا يوقدون حول هذه العداوة وينفخون في نارها حتى تأكل روابط الحيين جميعاً. ومن ثم تجد يهود مجالها الصالح الذي لا تعمل إلا فيه، ولا تعيش إلا معه. فألف الله بين قلوب الحيين من العرب بالإسلام.. وما كان إلا الإسلام وحده يجمع هذه القلوب المتنافرة. وما كان إلا حبل الله الذي يعتصم به الجميع فيصبحون بنعمة الله إخواناً. وما يمكن أن يجمع القلوب إلا أخوة في الله، تصغر إلى جانبها الأحقاد التاريخية، والثارات القبلية، والأطماع الشخصية والرايات العنصرية. ويتجمع الصف تحت لواء الله الكبير المتعال.. {واذكروا نعمة الله عليكم، إذ كنتم أعداء، فألف بين قلوبكم، فأصبحتم ينعمته إخواناً}.. ويذكرهم كذلك نعمته عليهم في إنقاذهم من النار التي كانوا على وشك أن يقعوا فيها، إنقاذهم من النار بهدايتهم إلى الاعتصام بحبل الله - الركيزة الأولى - وبالتأليف بين قلوبهم، فأصبحوا بنعمة الله إخواناً - الركيزة الثانية -: {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها}. والنص القرآني يعمد إلى مكمن المشاعر والروابط: "القلب".. فلا يقول: فألف بينكم. إنما ينفذ إلى المكمن العميق: {فألف بين قلوبكم} فيصور القلوب حزمة مؤلفة متآلفة بيد الله وعلى عهده وميثاقه. كذلك يرسم النص صورة لما كانوا فيه. بل مشهداً حياً متحركاً تتحرك معه القلوب: {وكنتم على شفا حفرة من النار}.. وبينما حركة السقوط في حفرة النار متوقعة، إذا بالقلوب ترى يد الله، وهي تدرك وتنقذ! وحبل الله وهو يمتد ويعصم. وصورة النجاة والخلاص بعد الخطر والترقب! وهو مشهد متحرك حي تتبعه القلوب واجفة خافقة! وتكاد العيون تتملاه من وراء الأجيال! وقد ذكر محمد بن إسحاق في السيرة وغيره أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج. وذلك "حديث : أن رجلا من اليهود مر بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة، فبعث رجلاً معه، وأمره أن يجلس بينهم، ويذكر لهم ما كان من حروبهم يوم "بُعاث"! وتلك الحروب. ففعل. فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا، ونادوا بشعارهم. وطلبوا أسلحتهم. وتوعدوا إلى "الحرّة" فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاهم، فجعل يسكنهم، ويقول: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم" وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح رضي الله عنهم ". تفسير : وكذلك بين الله لهم فاهتدوا، وحق فيهم قول الله سبحانه في التعقيب في الآية: {كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون}. فهذه صورة من جهد يهود لتقطيع حبل الله بين المتحابين فيه، القائمين على منهجه، لقيادة البشرية في طريقه.. هذه صورة من ذلك الكيد الذي تكيده يهود دائما للجماعة المسلمة، كلما تجمعت على منهج الله واعتصمت بحبله. وهذه ثمرة من ثمار طاعة أهل الكتاب. كادت ترد المسلمين الأولين كفاراً يضرب بعضهم رقاب بعض. وتقطع بينهم حبل الله المتين، الذي يتآخون فيه مجتمعين. وهذه صلة هذه الآية بالآيات قبلها في هذا السياق. على أن مدلول الآية أوسع مدى من هذه الحادثة. فهي تشي - مع ما قبلها في السياق وما بعدها - بأنه كانت هناك حركة دائبة من اليهود لتمزيق شمل الصف المسلم في المدينة، وإثارة الفتنة والفرقة بكل الوسائل. والتحذيرات القرآنية المتوالية من إطاعة أهل الكتاب، ومن الاستماع إلى كيدهم ودسهم، ومن التفرق كما تفرقوا.. هذه التحذيرات تشي بشدة ما كانت تلقاه الجماعة المسلمة من كيد اليهود في المدينة، ومن بذرهم لبذور الشقاق والشك والبلبلة باستمرار.. وهو دأب يهود في كل زمان. وهو عملها اليوم وغداً في الصف المسلم، في كل مكان! فأما وظيفة الجماعة المسلمة التي تقوم على هاتين الركيزتين لكي تنهض بها.. هذه الوظيفة الضرورية لإقامة منهج الله في الأرض، ولتغليب الحق على الباطل، والمعروف على المنكر، والخير على الشر.. هذه الوظيفة التي من أجلها أنشئت الجماعة المسلمة بيد الله وعلى عينه، ووفق منهجه.. فهي التي تقررها الآية التالية: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون}.. فلا بد من جماعة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. لا بد من سلطة في الأرض تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. والذي يقرر أنه لا بد من سلطة هو مدلول النص القرآني ذاته. فهناك "دعوة" إلى الخير. ولكن هناك كذلك "أمر" بالمعروف. وهناك "نهي" عن المنكر. وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي سلطان، فإن "الأمر والنهي" لا يقوم بهما إلا ذو سلطان.. هذا هو تصور الإسلام للمسألة.. إنه لا بد من سلطة تأمر وتنهى.. سلطة تقوم على الدعوة إلى الخير والنهي عن الشر.. سلطة تتجمع وحداتها وترتبط بحبل الله وحبل الأخوة في الله.. سلطة تقوم على هاتين الركيزتين مجتمعتين لتحقيق منهج الله في حياة البشر.. وتحقيق هذا المنهج يقتضي "دعوة" إلى الخير يعرف منها الناس حقيقة هذا المنهج. ويقتضي سلطة "تأمر" بالمعروف "وتنهى" عن المنكر.. فتطاع.. والله يقول: {أية : وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله}.. تفسير : فمنهج الله في الأرض ليس مجرد وعظ وإرشاد وبيان. فهذا شطر. أما الشطر الآخر فهو القيام بسلطة الأمر والنهي، على تحقيق المعروف ونفي المنكر من الحياة البشرية، وصيانة تقاليد الجماعة الخيرة من أن يعبث بها كل ذي هوى وكل ذي شهوة وكل ذي مصلحة، وضمانة هذه التقاليد الصالحة من أن يقول فيها كل امرىء برأيه وبتصوره، زاعماً أن هذا هو الخير والمعروف والصواب! والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - من ثم - تكليف ليس بالهين ولا باليسير، إذا نظرنا إلى طبيعته، وإلى اصطدامه بشهوات الناس ونزواتهم، ومصالح بعضهم ومنافعهم، وغرور بعضهم وكبريائهم. وفيهم الجبار الغاشم. وفيهم الحاكم المتسلط. وفيهم الهابط الذي يكره الصعود. وفيهم المسترخي الذي يكره الاشتداد. وفيهم المنحل الذي يكره الجد. وفيهم الظالم الذي يكره العدل. وفيهم المنحرف الذي يكره الاستقامة.. وفيهم وفيهم ممن ينكرون المعروف، ويعرفون المنكر. ولا تفلح الأمة، ولا تفلح البشرية، إلا أن يسود الخير، وإلا أن يكون المعروف معروفاً، والمنكر منكراً.. وهذا ما يقتضي سلطة للخير وللمعروف تأمر وتنهى.. وتطاع.. ومن ثم فلا بد من جماعة تتلاقى على هاتين الركيزتين: الإيمان بالله والأخوة في الله، لتقوم على هذا الأمر العسير الشاق بقوة الإيمان والتقوى ثم بقوة الحب والألفة، وكلتاهما ضرورة من ضرورات هذا الدور الذي ناطه الله بالجماعة المسلمة، وكلفها به هذا التكليف. وجعل القيام به شريطة الفلاح. فقال عن الذين ينهضون به: {وأولئك هم المفلحون}.. إن قيام هذه الجماعة ضرورة من ضرورات المنهج الإلهي ذاته. فهذه الجماعة هي الوسط الذي يتنفس فيه هذا المنهج ويتحقق في صورته الواقعية. هو الوسط الخير المتكافل المتعاون على دعوة الخير. المعروف فيه هو الخير والفضيلة والحق والعدل. والمنكر فيه هو الشر والرذيلة والباطل والظلم.. عمل الخير فيه أيسر من عمل الشر. والفضيلة فيه أقل تكاليف من الرذيلة. والحق فيه أقوى من الباطل. والعدل فيه أنفع من الظلم.. فاعل الخير فيه يجد على الخير اعواناً. وصانع الشر فيه يجد مقاومة وخذلاناً.. ومن هنا قيمة هذا التجمع.. إنه البيئة التي ينمو فيها الخير والحق بلا كبير جهد، لأن كل ما حوله وكل من حوله يعاونه. والتي لا ينمو فيها الشر والباطل إلا بعسر ومشقة، لأن كل ما حوله يعارضه ويقاومه. والتصور الإسلامي عن الوجود والحياة والقيم والأعمال والأحداث والأشياء والأشخاص.. يختلف في هذا كله عن التصورات الجاهلية اختلافاً جوهرياً أصيلاً. فلا بد إذن من وسط خاص يعيش فيه هذا التصور بكل قيمه الخاصة. لا بد له من وسط غير الوسط الجاهلي، ومن بيئة غير البيئة الجاهلية. هذا الوسط الخاص يعيش بالتصور الإسلامي ويعيش له؛ فيحيا فيه هذا التصور، ويتنفس أنفاسه الطبيعية في طلاقة وحرية، وينمو نموه الذاتي بلا عوائق من داخله تؤخر هذا النمو أو تقاومه. وحين توجد هذه العوائق تقابلها الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وحين توجد القوة الغاشمة التي تصد عن سبيل الله تجد من يدافعها دون منهج الله في الحياة. هذا الوسط يتمثل في الجماعة المسلمة القائمة على ركيزتي الإيمان والأخوة. الإيمان بالله كي يتوحد تصورها للوجود والحياة والقيم والأعمال والأحداث والأشياء والأشخاص، وترجع إلى ميزان واحد تقوم به كل ما يعرض لها في الحياة، وتتحاكم إلى شريعة واحدة من عند الله، وتتجه بولائها كله إلى القيادة القائمة على تحقيق منهج الله في الأرض.. والأخوة في الله. كي يقوم كيانها على الحب والتكافل اللذين تختفي في ظلالهما مشاعر الأثرة، وتتضاعف بهما مشاعر الإيثار. الإيثار المنطلق في يسر، المندفع في حرارة، المطمئن الواثق المرتاح. وهكذا قامت الجماعة المسلمة الأولى - في المدينة - على هاتين الركيزتين.. على الإيمان بالله: ذلك الإيمان المنبثق من معرفة الله - سبحانه - وتَمَثُّلِ صفاته في الضمائر؛ وتقواه ومراقبته، واليقظة والحساسية إلى حد غير معهود إلا في الندرة من الأحوال. وعلى الحب. الحب الفياض الرائق, والود. الود العذب الجميل، والتكافل. التكافل الجاد العميق.. وبلغت تلك الجماعة في ذلك كله مبلغاً، لولا أنه وقع, لعد من أحلام الحالمين! وقصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار قصة من عالم الحقيقة، ولكنها في طبيعتها أقرب إلى الرؤى الحالمة! وهي قصة وقعت في هذه الأرض. ولكنها في طبيعتها من عالم الخلد والجنان! وعلى مثل ذلك الإيمان ومثل هذه الأخوة يقوم منهج الله في الأرض في كل زمان.. ومن ثم يعود السياق فيحذر الجماعة المسلمة من التفرق والاختلاف؛ وينذرها عاقبة الذين حملوا أمانة منهج الله قبلها - من أهل الكتاب - ثم تفرقوا واختلفوا، فنزع الله الراية منهم، وسلمها للجماعة المسلمة المتآخية.. فوق ما ينتظرهم من العذاب، يوم تبيض وجوه وتسود وجوه: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم. يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. فأما الذين اسودت وجوههم: أكفرتم بعد إيمانكم؟ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون. وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون}.. وهنا يرسم السياق مشهداً من المشاهد القرآنية الفائضة بالحركة والحيوية.. فنحن في مشهد هول. هول لا يتمثل في الفاظ ولا في أوصاف. ولكن يتمثل في آدميين أحياء في وجوه وسمات.. هذه وجوه قد أشرقت بالنور، وفاضت بالبشر، فابيضت من البشر والبشاشة، وهذه وجوه كمدت من الحزن، وغبرت من الغم، واسودت من الكآبة.. وليست مع هذا متروكة إلى ما هي فيه. ولكنه اللذع بالتبكيت والتأنيب: {أكفرتم بعد إيمانكم؟ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون!}.. {وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون}. وهكذا ينبض المشهد بالحياة والحركة والحوار.. على طريقة القرآن. وهكذا يستقر في ضمير الجماعة المسلمة معنى التحذير من الفرقة والاختلاف. ومعنى النعمة الإلهية الكريمة.. بالإيمان والائتلاف. وهكذا ترى الجماعة المسلمة مصير هؤلاء القوم من أهل الكتاب، الذين تحذر أن تطيعهم. كي لا تشاركهم هذا المصير الأليم في العذاب العظيم. يوم تبيض وجوه، وتسود وجوه.. ويعقب على هذا البيان لمصائر الفريقين تعقيباً قرآنياً يتمشى مع خطوط السورة العريضة، يتضمن إثبات صدق الوحي والرسالة. وجدية الجزاء والحساب يوم القيامة. والعدل المطلق في حكم الله في الدنيا والآخرة. وملكية الله المفردة لما في السماوات وما في الأرض. ورجعة الأمر إليه في كل حال: {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق، وما الله يريد ظلماً للعالمين. ولله ما في السماوات وما في الأرض. وإلى الله ترجع الأمور}.. تلك الصور. تلك الحقائق. تلك المصائر.. تلك آيات الله وبيناته لعباده: نتلوها عليك بالحق. فهي حق فيما تقرره من مبادىء وقيم؛ وهي حق فيما تعرضه من مصائر وجزاءات. وهي تتنزل بالحق ممن يملك تنزيلها؛ وممن له الحق في تقرير القيم، وتقرير المصائر، وتوقيع الجزاءات. وما يريد بها الله أن يوقع بالعباد ظلماً. فهو الحكم العدل. وهو المالك لأمر السماوات والأرض. ولكل ما في السماوات وما في الأرض. وإليه مصير الأمور. إنما يريد الله بترتيب الجزاء على العمل أن يحق الحق، وأن يجري العدل، وأن تمضي الأمور بالجد اللائق بجلال الله.. لا كما يدعي أهل الكتاب أنهم لن تمسهم النار إلا أياماً معدودات! بعدئذ يصف الأمة المسلمة لنفسها! ليعرفها مكانها وقيمتها وحقيقتها؛ ثم يصف لها أهل الكتاب - ولا يبخسهم قدرهم، إنما يبين حقيقتهم ويطمعهم في ثواب الإيمان وخيره - ويطمئن المسلمين من جانب عدوهم. فهم لن يضروهم في كيدهم لهم وقتالهم, ولن ينصروا عليهم. وللذين كفروا منهم عذاب النار في الآخرة، لا ينفعهم فيه ما أنفقوا في الحياة الدنيا بلا إيمان ولا تقوى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس. تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله. ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم. منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون. لن يضروكم إلا أذى، وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون. ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا - إلا بحبل من الله وحبل من الناس - وباءوا بغضب من الله، وضربت عليهم المسكنة. ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون الأنبياء بغير حق. ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. ليسوا سواء. من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون. يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات، وأولئك من الصالحين. وما يفعلوا من خير فلن يكفروه، والله عليم بالمتقين. إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر، أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته. وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون}.. إن شطر الآية الأولى في هذه المجموعة يضع على كاهل الجماعة المسلمة في الأرض واجباً ثقيلاً، بقدر ما يكرم هذه الجماعة ويرفع مقامها، ويفردها بمكان خاص لا تبلغ إليه جماعة أخرى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله..}. إن التعبير بكلمة {أخرجت} المبني لغير الفاعل، تعبير يلفت النظر. وهو يكاد يشي باليد المدبرة اللطيفة، تخرج هذه الأمة إخراجاً؛ وتدفعها إلى الظهور دفعاً من ظلمات الغيب، ومن وراء الستار السرمدي الذي لا يعلم ما وراءه إلا الله.. إنها كلمة تصور حركة خفية المسرى، لطيفة الدبيب. حركة تخرج على مسرح الوجود أمة. أمة ذات دور خاص. لها مقام خاص، ولها حساب خاص: {كنتم خير أمة أخرجت للناس}.. وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة؛ لتعرف حقيقتها وقيمتها، وتعرف أنها أخرجت لتكون طليعة، ولتكون لها القيادة، بما أنها هي خير أمة. والله يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض. ومن ثم لا ينبغي لها أن تتلقى من غيرها من أمم الجاهلية. إنما ينبغي دائماً أن تعطي هذه الأمم مما لديها. وأن يكون لديها دائماً ما تعطيه. ما تعطيه من الاعتقاد الصحيح، والتصور الصحيح، والنظام الصحيح، والخلق الصحيح، والمعرفة الصحيحة، والعلم الصحيح.. هذا واجبها الذي يحتمه عليها مكانها، وتحتمه عليها غاية وجودها. واجبها أن تكون في الطليعة دائماً، وفي مركز القيادة دائماً. ولهذا المركز تبعاته، فهو لا يؤخذ ادعاء، ولا يسلم لها به إلا أن تكون هي أهلاً له.. وهي بتصورها الاعتقادي، وبنظامها الاجتماعي أهل له. فيبقى عليها أن تكون بتقدمها العلمي، وبعمارتها للأرض - قياماً بحق الخلافة - أهلاً له كذلك.. ومن هذا يتبين أن المنهج الذي تقوم عليه هذه الأمة يطالبها بالشيء الكثير؛ ويدفعها إلى السبق في كل مجال.. لو أنها تتبعه وتلتزم به، وتدرك مقتضياته وتكاليفه. وفي أول مقتضيات هذا المكان. أن تقوم على صيانة الحياة من الشر والفساد.. وأن تكون لها القوة التي تمكنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فهي خير أمة أخرجت للناس. لا عن مجاملة أو محاباة، ولا عن مصادفة أو جزاف - تعالى الله عن ذلك كله علواً كبيراً - وليس توزيع الاختصاصات والكرامات كما كان أهل الكتاب يقولون: "نحن أبناء الله وأحباؤه".. كلا! إنما هو العمل الإيجابي لحفظ الحياة البشرية من المنكر، وإقامتها على المعروف، مع الإيمان الذي يحدد المعروف والمنكر: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}.. فهو النهوض بتكاليف الأمة الخيرة، بكل ما وراء هذه التكاليف من متاعب، وبكل ما في طريقها من أشواك.. إنه التعرض للشر والتحريض على الخير وصيانة المجتمع من عوامل الفساد.. وكل هذا متعب شاق، ولكنه كذلك ضروري لإقامة المجتمع الصالح وصيانته؛ ولتحقيق الصورة التي يحب الله أن تكون عليها الحياة.. ولا بد من الإيمان بالله ليوضع الميزان الصحيح للقيم، والتعريف الصحيح للمعروف والمنكر. فإن اصطلاح الجماعة وحده لا يكفي. فقد يعم الفساد حتى تضطرب الموازين وتختل. ولا بد من الرجوع إلى تصور ثابت للخير وللشر، وللفضيلة والرذيلة، وللمعروف والمنكر. يستند إلى قاعدة أخرى غير اصطلاح الناس في جيل من الأجيال. وهذا ما يحققه الإيمان، بإقامة تصور صحيح للوجود وعلاقته بخالقه. وللإنسان وغاية وجوده ومركزه الحقيقي في هذا الكون.. ومن هذا التصور العام تنبثق القواعد الأخلاقية. ومن الباعث على إرضاء الله وتوقي غضبه يندفع الناس لتحقيق هذه القواعد. ومن سلطان الله في الضمائر، وسلطان شريعته في المجتمع تقوم الحراسة على هذه القواعد كذلك. ثم لا بد من الإيمان أيضا ليملك الدعاة إلى الخير، الآمرون بالمعروف، الناهون عن المنكر، أن يمضوا في هذا الطريق الشاق، ويحتملوا تكاليفه. وهم يواجهون طاغوت الشر في عنفوانه وجبروته، ويواجهون طاغوت الشهوة في عرامتها وشدتها، ويواجهون هبوط الأرواح، وكلل العزائم، وثقلة المطامع.. وزادهم هو الإيمان، وعدتهم هي الإيمان. وسندهم هو الله.. وكل زاد سوى زاد الإيمان ينفد. وكل عدة سوى عدة الإيمان تُفلّ، وكل سند غير سند الله ينهار! وقد سبق في السياق الأمر التكليفي للجماعة المسلمة أن ينتدب من بينها من يقومون بالدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما هنا فقد وصفها الله سبحانه بأن هذه صفتها. ليدلها على أنها لا توجد وجوداً حقيقياً إلا أن تتوافر فيها هذه السمة الأساسية، التي تعرف بها في المجتمع الإنساني. فإما أن تقوم بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - مع الإيمان بالله - فهي موجودة وهي مسلمة. وإما أن لا تقوم بشيء من هذا فهي غير موجودة. وغير متحققة فيها صفة الإسلام. وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة تقرر هذه الحقيقة. ندعها لمواضعها. وفي السنة كذلك طائفة صالحة من أوامر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتوجيهاته نقتطف بعضها: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "حديث : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " تفسير : وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم، فلم ينتهوا، فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله تعالى قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وسليمان وعيسى بن مريم.. ثم جلس - وكان متكئاً - فقال: لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطراً" تفسير : أي تعطفوهم وتردوهم. وعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً، منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم ". تفسير : وعن عرس ابن عميرة الكندي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كمن شهدها ". تفسير : وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر ".. تفسير : وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : سيد الشهداء حمزة. ورجل قام إلى سلطان جائر، فأمره ونهاه، فقتله ".. تفسير : وغيرها كثير.. وكلها تقرر أصالة هذه السمة في المجتمع المسلم، وضروراتها لهذا المجتمع أيضاً. وهي تحتوي مادة توجيه وتربية منهجية ضخمة. وهي إلى جانب النصوص القرآنية زاد نحن غافلون عن قيمته وعن حقيقته. ثم نعود إلى الشطر الآخر من الآية الأولى في هذه المجموعة.. {ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم. منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون}.. وهو ترغيب لأهل الكتاب في الإيمان. فهو خير لهم. خير لهم في هذه الدنيا، يستعصمون به من الفرقة والهلهلة التي كانوا عليها في تصوراتهم الاعتقادية، والتي ما تزال تحرمهم تجمع الشخصية. إذ تعجز هذه التصورات عن أن تكون قاعدة للنظام الاجتماعي لحياتهم، فتقوم أنظمتهم الاجتماعية - من ثم - على غير أساس، عرجاء أو معلقة في الهواء ككل نظام اجتماعي لا يقوم على أساس اعتقادي شامل، وعلى تفسير كامل للوجود، ولغاية الوجود الإنساني، ومقام الإنسان في هذا الكون.. وخير لهم في الآخرة يقيهم ما ينتظر غير المؤمنين من مصير. ثم هو بيان كذلك لحالهم، لا يبخس الصالحين منهم حقهم: {منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون}.. وقد آمن من أهل الكتاب جماعة وحسن إسلامهم. منهم عبد الله بن سلام، وأسد بن عبيد، وثعلبة بن شعبة، وكعب بن مالك.. وإلى هؤلاء تشير الآية هنا بالإجمال - وفي آية تالية بالتفصيل - أما الأكثرون فقد فسقوا عن دين الله، حين لم يفوا بميثاق الله مع النبيين: أن يؤمن كل منهم بأخيه الذي يجيء بعده، وأن ينصره. وفسقوا عن دين الله وهم يأبون الاستسلام لإرادته في إرسال آخر الرسل من غير بني إسرائيل، واتباع هذا الرسول وطاعته ولاحتكام إلى آخر شريعة من عند الله، أرادها للناس أجمعين. ولما كان بعض المسلمين ما يزالون على صلات منوعة باليهود في المدينة، ولما كانت لليهود حتى ذلك الحين قوة ظاهرة: عسكرية واقتصادية يحسب حسابها بعض المسلمين، فقد تكفل القرآن بتهوين شأن هؤلاء الفاسقين في نفوس المسلمين، وإبراز حقيقتهم الضعيفة بسبب كفرهم وجرائمهم وعصيانهم، وتفرقهم شيعاً وفرقاً، وما كتب الله عليهم من الذلة والمسكنة. {لن يضروكم إلا أذى. وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار. ثم لا ينصرون، ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا - إلا بحبل من الله وحبل من الناس - وباءوا بغضب من الله, وضربت عليهم المسكنة. ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون الأنبياء بغير حق, ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون}. بهذا يضمن الله للمؤمنين النصر وسلامة العاقبة، ضمانة صريحة حيثما التقوا بأعدائهم هؤلاء، وهم معتصمون بدينهم وربهم في يقين: {لن يضروكم إلا أذى. وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون}.. فلن يكون ضرراً عميقاً ولا أصيلاً يتناول أصل الدعوة، ولن يؤثر في كينونة الجماعة المسلمة، ولن يجليها من الأرض.. إنما هو الأذى العارض في الصدام، والألم الذاهب مع الأيام.. فأما حين يشتبكون مع المسلمين في قتال، فالهزيمة مكتوبة عليهم - في النهاية - والنصر ليس لهم على المؤمنين، ولا ناصر لهم كذلك ولا عاصم من المؤمنين.. ذلك أنه قد {ضربت عليهم الذلة} وكتبت لهم مصيراً. فهم في كل أرض يذلون، لا تعصمهم إلا ذمة الله وذمة المسلمين - حين يدخلون في ذمتهم فتعصم دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وتنيلهم الأمن والطمأنينة - ولم تعرف يهود منذ ذلك الحين الأمن إلا في ذمة المسلمين. ولكن يهود لم تعاد أحداً في الأرض عداءها للمسلمين!..{ وباءوا بغضب من الله}.. كأنما رجعوا من رحلتهم يحملون هذا الغضب. {وضربت عليهم المسكنة} تعيش في ضمائرهم وتكمن في مشاعرهم.. ولقد وقع ذلك كله بعد نزول هذه الآية. فما كانت معركة بين المسلمين وأهل الكتاب إلا كتب الله فيها للمسلمين النصر - ما حافظوا على دينهم واستمسكوا بعقيدتهم، وأقاموا منهج الله في حياتهم - وكتب لأعدائهم المذلة والهوان إلا أن يعتصموا بذمة المسلمين أو أن يتخلى المسلمون عن دينهم. ويكشف القرآن عن سبب هذا القدر المكتوب على يهود. فإذا هو سبب عام يمكن أن تنطبق آثاره على كل قوم، مهما تكن دعواهم في الدين: إنه المعصية والاعتداء: {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون الأنبياء بغير حق. ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون}. فالكفر بآيات الله - سواء بإنكارها أصلاً، أو عدم الاحتكام إليها وتنفيذها في واقع الحياة - وقتل الأنبياء بغير حق. وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس كما جاء في آية أخرى في السورة - والعصيان والاعتداء.. هذه هي المؤهلات لغضب الله، وللهزيمة والذلة والمسكنة.. وهذه هي المؤهلات التي تتوافر اليوم في البقايا الشاردة في الأرض من ذراري المسلمين. الذين يسمون أنفسهم - بغير حق - مسلمين! هذه هي المؤهلات التي يتقدمون بها إلى ربهم اليوم، فينالون عليها كل ما كتبه الله على اليهود من الهزيمة والذلة والمسكنة. فإذا قال أحد منهم: لماذا نغلب في الأرض ونحن مسلمون؟ فلينظر قبل أن يقولها: ما هو الإسلام، ومن هم المسلمون؟! ثم يقول! وإنصافاً للقلة الخيرة من أهل الكتاب، يعود السياق عليهم بالاستثناء، فيقرر أن أهل الكتاب ليسوا كلهم سواء. فهناك المؤمنون. يصور حالهم مع ربهم، فإذا هي حال المؤمنين الصادقين. ويقرر جزاءهم عنده فإذا هو جزاء الصالحين. {ليسوا سواء. من أهل الكتاب أمة قائمة، يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون. يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويسارعون في الخيرات. وأولئك من الصالحين. وما يفعلوا من خير فلن يكفروه، والله عليم بالمتقين}.. وهي صورة وضيئة للمؤمنين من أهل الكتاب. فقد آمنوا إيماناً صادقاً عميقاً، وكاملاً شاملاً، وانضموا للصف المسلم، وقاموا على حراسة هذا الدين.. آمنوا بالله واليوم الآخر.. وقد نهضوا بتكاليف الإيمان، وحققوا سمة الأمة المسلمة التي انضموا إليها - خير أمة أخرجت للناس - فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر.. وقد رغبت نفوسهم في الخير جملة، فجعلوه الهدف الذي يسابقون فيه، فسارعوا في الخيرات، ومن ثم هذه الشهادة العلوية لهم أنهم من الصالحين. وهذا الوعد الصادق لهم أنهم لن يُبخسوا حقاً، ولن يُكفروا أجراً. مع الإشارة إلى أن الله - سبحانه - علم أنهم من المتقين.. وهي صورة تُرفع أمام الراغبين في هذه الشهادة، وفي هذا الوعد، ليحققها في ذات نفسه كل من يشتاق إلى نورها الوضيء في أفقها المنير. هذا في جانب.. وفي الجانب الآخر، الكافرون. الكافرون الذين لن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم؛ ولن تنفعهم نفقة ينفقونها في الدنيا, ولن ينالهم شيء منها في الآخرة لأنها لم تتصل بخط الخير الثابت المستقيم. الخير المنبثق من الإيمان بالله، على تصور واضح، وهدف ثابت، وطريق موصول. وإلا فالخير نزوة عارضة لا ثبات لها، وجنوح يصرفه الهوى، ولا يرجع إلى أصل واضح مدرك مفهوم، ولا إلى منهج كامل شامل مستقيم.. {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً. وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر، أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته. وما ظلمهم الله، ولكن أنفسهم يظلمون}.. وهكذا ترتسم هذه الحقيقة في مشهد ينبض بالحركة ويفيض بالحياة على طريقة التعبير القرآني الجميل.. إن أموالهم وأولادهم ليست بمانعتهم من الله، ولا تصلح فدية لهم من العذاب، ولا تنجيهم من النار.. وهم أصحاب النار وكل ما ينفقونه من أموالهم فهو ذاهب هالك، حتى ولو أنفقوه فيما يظنونه خيراً. فلا خير إلا أن يكون موصولاً بالإيمان، ونابعاً من الإيمان. ولكن القرآن لا يعبر هكذا كما نعبر. إنما يرسم مشهداً حياً نابضاً بالحياة... إننا ننظر فإذا نحن أمام حقل قد تهيأ للإخصاب. فهو حرث. ثم إذا العاصفة تهب. إنها عاصفة باردة ثلجية محرقة! تحرق هذا الحرث بما فيها من صِرّ. واللفظة ذاتها كأنها مقذوف يلقى بعنف، فيصور معناه بجرسه النفاذ. وإذا الحرث كله مدمر خراب! إنها لحظة يتم فيها كل شيء. يتم فيها الدمار والهلاك. وإذا الحرث كله يباب! ذلك مثل ما ينفق الذين كفروا في هذه الدنيا - ولو كان ينفق فيما ظاهره الخير والبر - ومثل ما بأيديهم من نعم الأولاد والأموال.. كلها إلى هلاك وفناء.. دون ما متاع حقيقي ودون ما جزاء.. {وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون}. فهم الذين تنكبوا المنهج الذي يجمع مفردات الخير والبر، فيجعلها خطاً مستقيماً ثابتاً وأصلاً. له هدف مرسوم، وله دافع مفهوم، وله طريق معلوم.. فلا يترك للنزوة العارضة، والرغبة الغامضة، والفلتة التي لا ترجع إلى منهج ثابت مستقيم.. هم الذين اختاروا لأنفسهم الشرود والضلال والانفلات من عصمة الحبل الممدود. فإذا ذهب عملهم كله هباء - حتى ما ينفقونه فيما ظاهره الخير - وإذا أصاب حرثهم كله الدمار، فلم يغن عنهم مال ولا ولد.. فما في هذا ظلم من الله - تعالى - لهم. إنما هو ظلمهم لأنفسهم, بما اختاروه لأنفسهم من تنكب وشرود. وهكذا يتقرر أن لا جزاء على بذل وأن لا قيمة لعمل إلا أن يرتبط بمنهج الإيمان وإلا أن يكون باعثه الإيمان.. يقول الله هذا ويقرره فلا تبقى بعده كلمة لإنسان؛ ولا يجادل في هذا القرار إلا الذين يجادلون في آيات الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.. وفي نهاية الدرس الذي ابتدأ بياناً لما في سلوك أهل الكتاب من انحراف، وكشفاً لما في جدالهم من مغالطة، وفضحاً لما يريدونه بالمسلمين من سوء، وتوجيها للجماعة المسلمة لتنهض بتكاليفها، دون أن تلقي بالاً إلى المجادلين المنحرفين الفاسقين.. في نهاية هذا الدرس، ونهاية هذا المقطع الطويل من السورة كلها يجيء التحذير للجماعة المسلمة من أن تتخذ من أعدائها الطبيعيين بطانة، وأن تجعل منهم أمناء على أسرارها ومصالحها، وهم للذين آمنوا عدو.. يجيء هذا التحذير في صورة شاملة خالدة، ما نزال نرى مصداقها في كل وقت، وفي كل أرض. صورة رسمها هذا القرآن الحي، فغفل عنها أهل هذا القرآن. فأصابهم من غفلتهم وما يزال يصيبهم الشر والأذى والمهانة: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا. ودوا ما عنتم. قد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر. قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون. ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم، وتؤمنون بالكتاب كله، وإذا لقوكم قالوا: آمنا، وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ. قل: موتوا بغيظكم، إن الله عليم بذات الصدور. إن تمسسكم حسنة تسؤهم، وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها. وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً. إن الله بما يعملون محيط}.. إنها صورة كاملة السمات، ناطقة بدخائل النفوس، وشواهد الملامح، تسجل المشاعر الباطنة، والانفعالات الظاهرة، والحركة الذاهبة الآيبة. وتسجل بذلك كله نموذجاً بشرياً مكروراً في كل زمان وفي كل مكان. ونستعرضها اليوم وغدا فيمن حول الجماعة المسلمة من أعداء. يتظاهرون للمسلمين - في ساعة قوة المسلمين وغلبتهم - بالمودة. فتكذبهم كل خالجة وكل جارحة. وينخدع المسلمون بهم فيمنحونهم الود والثقة, وهم لا يريدون للمسلمين إلا الاضطراب والخبال، ولا يقصرون في إعنات المسلمين ونثر الشوك في طريقهم، والكيد لهم والدس، ما واتتهم الفرصة في ليل أو نهار. وما من شك أن هذه الصورة التي رسمها القرآن الكريم هذا الرسم العجيب، كانت تنطبق ابتداء على أهل الكتاب المجاورين للمسلمين في المدينة؛ وترسم صورة قوية للغيظ الكظيم الذي كانوا يضمرونه للإسلام والمسلمين، وللشر المبيت، وللنوايا السيئة التي تجيش في صدورهم؛ في الوقت الذي كان بعض المسلمين ما يزال مخدوعاً في أعداء الله هؤلاء، وما يزال يفضي إليهم بالمودة، وما يزال يأمنهم على أسرار الجماعة المسلمة؛ ويتخذ منهم بطانة وأصحاباً وأصدقاء، لا يخشى مغبة الإفضاء إليهم بدخائل الأسرار.. فجاء هذا التنوير، وهذا التحذير، يبصر الجماعة المسلمة بحقيقة الأمر، ويوعيها لكيد أعدائها الطبيعيين، الذين لا يخلصون لها أبداً، ولا تغسل أحقادهم مودة من المسلمين وصحبة. ولم يجيء هذا التنوير وهذا التحذير ليكون مقصوراً على فترة تاريخية معينة، فهو حقيقة دائمة، تواجه واقعاً دائماً.. كما نرى مصداق هذا فيما بين أيدينا من حاضر مكشوف مشهود.. والمسلمون في غفلة عن أمر ربهم: ألا يتخذوا بطانة من دونهم. بطانة من ناس هم دونهم في الحقيقة والمنهج والوسيلة. وألا يجعلوهم موضع الثقة والسر والاستشارة.. المسلمون في غفلة عن أمر ربهم هذا يتخذون من أمثال هؤلاء مرجعاً في كل أمر، وكل شأن، وكل وضع، وكل نظام، وكل تصور، وكل منهج، وكل طريق! والمسلمون في غفلة من تحذير الله لهم، يوادون من حاد الله ورسوله؛ ويفتحون لهم صدورهم وقلوبهم. والله سبحانه يقول للجماعة المسلمة الأولى كما يقول للجماعة المسلمة في أي جيل: {ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر}.. والله سبحانه يقول: {ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم، وتؤمنون بالكتاب كله، وإذا لقوكم قالوا: آمنا، وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ}.. والله سبحانه يقول: {أن تمسسكم حسنة تسؤهم، وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها}.. ومرة بعد مرة تصفعنا التجارب المرة، ولكننا لا نفيق.. ومرة بعد مرة نكشف عن المكيدة والمؤامرة تلبس أزياء مختلفة ولكننا لا نعتبر. ومرة بعد مرة تنفلت ألسنتهم فتنم عن أحقادهم التي لا يذهب بها ود يبذله المسلمون، ولا تغلسها سماحة يعلمها لهم الدين.. ومع ذلك نعود، فنفتح لهم قلوبنا ونتخذ منهم رفقاء في الحياة والطريق!.. وتبلغ بنا المجاملة، أو تبلغ بنا الهزيمة الروحية أن نجاملهم في عقيدتنا فنتحاشى ذكرها، وفي منهج حياتنا فلا نقيمه على أساس الإسلام، وفي تزوير تاريخنا وطمس معالمه كي نتقي فيه ذكر أي صدام كان بين أسلافنا وهؤلاء الأعداء المتربصين! ومن ثم يحل علينا جزاء المخالفين عن أمر الله. ومن هنا نذل ونضعف ونستخذي. ومن هنا نلقى العنت الذي يوده أعداؤنا لنا، ونلقى الخبال الذي يدسونه في صفوفنا.. وها هو ذا كتاب الله يعلمنا - كما علم الجماعة المسلمة الأولى - كيف نتقي كيدهم، وندفع أذاهم، وننجو من الشر الذي تكنه صدورهم، ويفلت على السنتهم منه شواظ: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً. إن الله بما يعملون محيط}.. فهو الصبر والعزم والصمود أمام قوتهم إن كانوا أقوياء؛ وأمام مكرهم وكيدهم إن سلكوا طريق الوقيعة والخداع. الصبر والتماسك لا الانهيار والتخاذل؛ ولا التنازل عن العقيدة كلها أو بعضها اتقاء لشرهم المتوقع أو كسبا لودهم المدخول.. ثم هو التقوى: الخوف من الله وحده. ومراقبته وحده.. هو تقوى الله التي تربط القلوب بالله، فلا تلتقي مع أحد إلا في منهجه، ولا تعتصم بحبل إلا حبله.. وحين يتصل القلب بالله فإنه سيحقر كل قوة غير قوته؛ وستشد هذه الرابطة من عزيمته، فلا يستسلم من قريب، ولا يواد من حاد الله ورسوله، طلباً للنجاة أو كسباً للعزة! هذا هو الطريق: الصبر والتقوى.. التماسك والاعتصام بحبل الله. وما استمسك المسلمون في تاريخهم كله بعروة الله وحدها، وحققوا منهج الله في حياتهم كلها.. إلا عزوا وانتصروا، ووقاهم الله كيد أعدائهم، وكانت كلمتهم هي العليا. وما استمسك المسلمون في تاريخهم كله بعروة أعدائهم الطبيعيين، الذين يحاربون عقيدتهم ومنهجهم سراً وجهراً، واستمعوا إلى مشورتهم، واتخذوا منهم بطانة وأصدقاء وأعواناً وخبراء ومستشارين.. إلا كتب الله عليهم الهزيمة، ومكن لأعدائهم فيهم، وأذل رقابهم، وأذاقهم وبال أمرهم.. والتاريخ كله شاهد على أن كلمة الله خالدة؛ وأن سنة الله نافذة. فمن عمي عن سنة الله المشهودة في الأرض، فلن ترى عيناه إلا آيات الذلة والإنكسار والهوان.. بهذا ينتهي هذا الدرس، وينتهي كذلك المقطع الأول في السورة. وقد وصل السياق إلى ذروة المعركة؛ وقمة المفاصلة الكاملة الشاملة. ويحسن قبل أن ننهي هذا الدرس أن نقرر حقيقة أخرى، عن سماحة الإسلام في وجه كل هذا العداء. فهو يأمر المسلمين ألا يتخذوا بطانة من هؤلاء. ولكنه لا يحرضهم على مقابلة الغل والحقد والكراهية والدس والمكر بمثلها. إنما هي مجرد الوقاية للجماعة المسلمة وللصف المسلم، وللكينونة المسلمة.. مجرد الوقاية ومجرد التنبيه إلى الخطر الذي يحيطها به الآخرون.. أما المسلم فبسماحة الإسلام يتعامل مع الناس جميعا؛ وبنظافة الإسلام يعامل الناس جميعاً؛ وبمحبة الخير الشامل يلقى الناس جميعاً؛ يتقي الكيد ولكنه لا يكيد، ويحذر الحقد ولكنه لا يحقد. إلا أن يحارب في دينه، وأن يفتن في عقيدته، وأن يصد عن سبيل الله ومنهجه. فحينئذ هو مطالب أن يحارب، وأن يمنع الفتنة، وأن يزيل العقبات التي تصد الناس عن سبيل الله، وعن تحقيق منهجه في الحياة. يحارب جهاداً في سبيل الله لا انتقاماً لذاته. وحباً لخير البشر لا حقداً على الذين آذوه. وتحطيماً للحواجز الحائلة دون إيصال هذا الخير للناس. لا حباً للغلب والاستعلاء والاستغلال.. وإقامة للنظام القويم الذي يستمتع الجميع في ظله بالعدل والسلام. لا لتركيز راية قومية ولا لبناء امبراطورية! هذه حقيقة تقررها النصوص الكثيرة من القرآن والسنة؛ ويترجمها تاريخ الجماعة المسلمة الأولى، وهي تعمل في الأرض وفق هذه النصوص. إن هذا المنهج خير. وما يصد البشرية عنه إلا أعدى أعداء البشرية. الذين ينبغي لها أن تطاردهم، حتى تقصيهم عن قيادتها.. وهذا هو الواجب الذي انتدبت له الجماعة المسلمة، فأدته مرة خير ما يكون الأداء. وهي مدعوة دائماً إلى أدائه، والجهاد ماض إلى يوم القيامة.. تحت هذا اللواء..
ابن عاشور
تفسير : هذا يرتبط بالآي السَّابقة في قوله تعالى: {أية : ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً}تفسير : [آل عمران: 67] وما بينهما اعتراضات وانتقالات في فنون الخطاب. وهذه حجّة جزئية بعد الحجج الأصليّة على أنّ دين اليهودية ليس من الحنيفية في شيء، فإنّ الحنيفية لم يكن ما حرّم من الطّعام بنصّ التَّوراة محرّماً فيها، ولذلك كان بنو إسرائيل قبل التَّوراة على شريعة إبراهيم، فلم يكن محرّماً عليهم ما حُرّم من الطعام إلاّ طعاماً حرّمه يعقوب على نفسه. والحجَّة ظاهرة ويدلّ لهذا الارتباط قوله في آخرها: {أية : قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً}تفسير : [آل عمران: 95]. ويحتمل أنّ اليهود ـــ مع ذلك ـــ طعنوا في الإسلام، وأنَّه لم يكن على شريعة إبراهيم، إذْ أباح للمسلمين أكل المحرّمات على اليهود، جهلاً منهم بتاريخ تشريعهم، أو تضليلاً من أحبارهم لعامّتهم، تنفيراً عن الإسلام، لأن الأمم في سذاجتهم إنَّما يتعلّقون بالمألوفات، فيعدّونها كالحقائق، ويقيمونها ميزاناً للقبول والنّقد، فبيّن لهم أنّ هذا ممّا لا يُلتفت إليه عند النّظر في بقيّة الأديان، وحسبكم أنّ ديناً عظيماً وهو دين إبراهيم، وزُمرة من الأنبياء من بنيه وحفدته، لم يكونوا يحرّمون ذلك. وتعريف (الطّعام) تعريف الجنس، و(كُلّ) للتنصيص على العموم. وقد استدلّ القرآن عليهم بهذا الحكم لأنَّه أصرح ما في التَّوراة دلالة على وقوع النسخ فإنّ التوراة ذكرت في سفر التكوين ما يدلّ على أنّ يعقوب حرّم على نفسه أكل عِرق النَّسَا الَّذِي على الفخذ، وقد قيل: إنَّه حرّم على نفسه لحوم الإبل وألبانها، فقيل: إنّ ذلك على وجه النذر، وقيل: إنّ الأطبَّاء نهوه عن أكل ما فيه عرق النّسا لأنَّه كان مبتلى بوجع نَساه، وفي الحديث أنّ يعقوب كان في البدو فلم تستقم عافيته بأكل اللّحم الّذي فيه النّسا. وما حرّمه يعقوب على نفسه من الطعام: ظاهر الآية أنَّه لم يكن ذلك بوحي من الله إليه، بل من تلقاء نفسه، فبعضه أراد به تقرّباً إلى الله بحرمان نفسه من بعض الطيِّبات المشتهاة، وهذا من جهاد النَّفس، وهو من مقامات الزّاهدين، وكان تحريم ذلك على نفسه بالنذر أو بالعزم. وليس في ذلك دليل على جواز الاجتهاد للأنبياء في التشّريع لأنّ هذا من تصرّفه في نفسه فيما أبيح له، ولم يدع إليه غيرَه، ولعلّ أبناء يعقوب تأسَّوا بأبيهم فيما حرَّمه على نفسه فاستمرّ ذلك فيهم. وقوله: {من قبل أن تنزل التوراة} تصريح بمحلّ الحجَّة من الردّ إذ المقصود تنبيههم على ما تناسوه فنُزلوا منزلة الجاهل بكون يعقوب كان قبل موسى، وقال العصام: يتعلّق قوله: {من قبل أن تنزل التوراة} بقوله: {حِلاًّ} لئلاّ يلزم خلوّه عن الفائدة، وهو غير مُجد لأنّه لمّا تأخّر عن الاستثناء من قوله {حلاّ} وتبيّن من الاستثناء أنّ الكلام على زمن يعقوب، صار ذكر القيد لغواً لولا تنزيلهم منزلة الجاهل، وقصد إعلان التّسجيل بخطئهم والتعريض بغباوتهم. وقوله: {قل فأتوا بالتوراة فأتلوها إن كنتم صادقين} أي في زعمكم أنّ الأمر ليس كما قلناه أو إن كنتم صادقين في جميع ما تقدّم: من قولكم إنّ إبراهيم كان على دين اليهودية، وهو أمر للتعجيز، إذ قد علم أنَّهم لا يأتون بها إذا استدلّوا على الصّدق. والفاء في قوله: {فأتوا} فاء التفريع. وقوله: {إن كنتم صادقين} شرط حذف جوابه لدلالة التفريع الَّذي قبله عليه. والتَّقدير: إن كنتم صادقين فأتوا بالتَّوراة. وقوله: {فمن أفترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون} نهاية لتسجيل كذبهم أي من استمرّ على الكذب على الله، أي فمن افترى منكم بعد أن جعلنا التَّوراة فيصلاً بيننا، إذ لم يبق لهم ما يستطيعون أن يدّعُوه شُبهة لهم في الاختلاق، وجُعل الافتراء على الله لتعلّقه بدين الله. والفاء للتفريع على الأمْر. والافتراء: الكذب، وهو مرادف الاختلاق. والافتراء مأخوذ من الفَرْي، وهو قطع الجلد قِطعاً ليُصلح به مثل أن يحْذى النعل ويصنع النطع أو القِربة. وافترى افتعال من فرى لعلّهُ لإفادة المبالغة في الفَرْي، يقال: افترى الجلد كأنَّه اشتدّ في تقطيعه أو قطعَه تقطيع إفساد، وهو أكثر إطلاق افترى. فأطلقوا على الإخبار عن شيء بأنّه وقَعَ ولَم يقع اسم الافتراء بمعنى الكذب، كأنّ أصله كناية عن الكذب وتلميح، وشاع ذلك حتَّى صار مرادفاً للكذب، ونظيره إطلاق اسم الاختلاق على الكذب، فالافتراء مرادف للكذب، وإردَافه بقوله هنا: «الكذب» تأكيد للافتراء، وتكرّرت نظائر هذا الإرداف في آيات كثيرة. فانتصب «الكذب» على المفعول المطلق الموكِّد لفعله. واللام في الكذب لتعريف الجنس فهو كقوله: {أية : أفْتَرَى على اللَّه كَذِباً أمْ به جِنّة}تفسير : [سبأ: 8] والكذب: الخبر المخالف لما هو حاصل في نفس الأمر من غير نظر إلى كون الخَبر موافقاً لاعتقاد المُخبر أو هو على خلاف ما يعتقده، ولكنّه إذا اجتمع في الخبر المخالفة للواقع والمخالفة لاعتقاد المخبِر كان ذلك مذموماً ومسبَّة؛ وإن كان معتقداً وقوعه لشبهة أو سوء تأمّل فهو مذموم ولكنّه لا يُحقَّر المخبر به، والأكثر في كلام العرب أن يعنى بالكذب ما هو مذموم. ثُمّ أعلنَ أن المتعيّن في جانبه الصّدق هو خبَر الله تعالى للجزم بأنهم لا يأتون بالتوراة، وهذا كقوله: {أية : ولن يتمنّوه أبداً}تفسير : [البقرة: 95] وبعد أن فرغ من إعلان كذبهم بالحجَّة القاطعة قال: {قل صدق الله} وهو تعريض بكذبهم لأنّ صدق أحد الخبرين المتنافيين يستلزم كذب الآخر، فهو مستعمل في معناه الأصلي والكنائي. والتَّفريع في قوله: {فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً} تفريع على {صدق الله} لأنّ اتّباع الصادق فيما أمر به مَنجاة من الخطر.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 93- اعترض اليهود على استباحة المسلمين بعض الأطعمة كلحوم الإبل وألبانها، وادعوا أن ذلك حرمته شريعة إبراهيم. فرد الله سبحانه دعواهم ببيان أن تناول كل المطعومات كان مباحاً لبنى يعقوب من قبل نزول التوراة، إلا ما حرمه يعقوب على نفسه لسبب يختص به فحرموه على أنفسهم. وأمر الله نبيه أن يطلب منهم أن يأتوا من التوراة بدليل يثبت أن شريعة إبراهيم تحرم ذلك إن كانوا صادقين، فعجزوا وأفحموا. 94- وإذ ثبت عجزهم، فمن اختلق منهم الكذب على الله من بعد لزوم الحُجة فهم المستمرون على الظلم المتصفون به حقاً. 95- وبعد تعجيزهم، أمر الله النبى أن يبيّن لهم أنه بعد إفحامهم ثبت صدق الله فيما أخبر، فاتَّبعوا شريعة إبراهيم التى يدعوكم إليها وتكذبون عليها، فإنها الحق الذى لا شك فيه، وما كان إبراهيم من أهل الشرك بالله. 96- وإن من اتباع ملة إبراهيم الاتجاه فى الصلاة إلى البيت الذى بناه والحج إليه، وقد بين الله تعالى ذلك فذكر: إن أول بيت فى القدم والشرف جعله الله متعبداً للناس لهو الذى فى مكة، وهو كثير الخيرات والثمرات، وأودع الله - سبحانه وتعالى - البركة فيه، وهو مكان هداية الناس بالحج والاتجاه فى الصلاة إليه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الطعام: اسم لكل ما يطعم من أنواع المأكولات. حِلٌّ: الحِل: الحلال، وسمي حلالاً لانحلال عقدة الحظر عنه. بني إسرائيل: أولاد يعقوب الملقب بإسرائيل المنحدرون من أبنائه الأثني عشر إلى يومنا هذا. حرّم: حظر ومنع. التوراة: كتاب أنزل على موسى عليه السلام وهو من ذريّة إسرائيل. فاتلوها: اقرأوها على رؤوس الملأ لنتبين صحة دعواكم من بطلانها. افترى الكذب: اختلقه وزوره وقاله. ملة إبراهيم: دينه وهي عبادة الله تعالى بما شرع، ونبذ الشرك والبدع. حنيفاً: مائلا عن الشرك إلى التوحيد. ببكة: مكة. للعالمين: للناس أجمعين. مقام إبراهيم: آية من الآيات وهو الحجر الذي قام عليه أثناء بناء البيت فارتسمت قدماه وهو صخر فكان هذا آية. من دخله: الحرم الذي حول البيت بحدوده المعروفة. آمناً: لا يخاف على نفس ولا مال ولا عرض. الحج: قصد البيت للطواف به وأداء بقية المناسك. سبيلاً: طريقاً والمراد القدرة على السير إلى البيت والقيام بالمناسك. معنى الآيات: ما زال السياق في الحجاج مع أهل الكتاب فقد قال يهود للنبي صلى الله عليه وسلم كيف تدعي أنك على دين إبراهيم، وتأكل ما هو محرم في دينه من لحوم الإِبل وألبانها فرد الله تعالى على هذا الزعم الكاذب بقوله: كل الطعام كان حلاً أي حلالاً لبني إسرائيل وهم ذرية يعقوب الملقب بإسرائيل، ولم يكن هناك شيء محرم عليهم في دين إبراهيم اللهم إلا ما حرم إسرائيل "يعقوب" على نفسه خاصة وهو لحوم الإِبل وألبانها لنذر نذره وهو أنه مرض مرضاً آلمه فنذر لله تعالى إن شفاه تَرَكَ أحب الطعام والشراب إليه، وكانت لحوم الإِبل وألبانها من أحب الأطعمة والأشربة إليه فتركها لله تعالى، هذا معنى قوله تعالى: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} من قبل أن تنزل التوراة، إذ التوراة نزلت على موسى بعد إبراهيم ويعقوب بقرون عدة، فكيف تدعون أن إبراهيم كان لا يأكل لحوم الإِبل ولا يشرب ألبانها فأتوا بالتوراة فاقرؤوها فسوف تجدون أن ما حرم الله تعالى على اليهود إنما كان لظلمهم واعتدائهم فحرم عليهم أنواعاً من الأطعمة، وذلك بعد إبراهيم ويعقوب بقرون طويلة. قال تعالى في سورة النساء: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} تفسير : [الآية: 160] (اليهود) {أية : حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} تفسير : [الآية: 160] وقال في سورة الأنعام: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ} تفسير : [الآية: 146]. ولما طُولبوا بالإِتيان بالتوراة وقراءتها بهتوا ولم يفعلوا فقامت الحجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم. وقوله تعالى: فمن افترى على الله الكذب بعد قيام الحجة بأن الله تعالى لم يحرم على إبراهيم ولا على بني إسرائيل شيئاً من الطعام والشراب إلا بعد نزول التوراة باستثناء ما حرم إسرائيل على نفسه من لحمان الإِبل وألبانها، فأولئك هم الظالمون بكذبهم على الله تعالى وعلى الناس. ومن هنا أمر الله تعالى رسوله أن يقول: صدق الله فيما أخبر به رسوله ويخبره به وهو الحق من الله، إذا فاتبعوا يا معشر اليهود ملة إبراهيم الحنيف الذي لم يكن أبداً من المشركين. هذ ما تضمنته الآيات الثلاث: 93- 94- 95 وأما قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} فإنه متضمن الرّد على اليهود الذين قالوا إن بيت المقدس هي أول قبلة شرع للناس استقبالها فَلِمَ يعدل محمد وأصحابه عنها إلى استقبال الكعبة؟ وهي متأخرة الوجود فأخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس هو الكعبة لا بيت المقدس وأنه جعله مباركاً يدوم بدوام الدنيا والبركة لا تفارقه فكل من يلتمسها بزيارته وحجه والطواف به يجدها ويحظى بها، كما جعله هدى للعالمين فالمؤمنون يأتون حجاجاً وعماراً فتحصل لهم بذلك أنواع من الهداية، والمصلون في مشارق الأرض ومغاربها يستقبلونه في صلاتهم، وفي ذلك من الهداية للحصول على الثواب وذكر الله والتقرب إليه أكبر هداية وقوله تعالى فيه آيات بينات يريد: في المسجد الحرام دلائل واضحات منها مقام إبراهيم وهو الحجر الذي كان يقوم عليه أثناء بناء البيت حيث بقي أثر قدميه عليه مع أنه صخرة من الصخور ومنها زمزم والحِجْر والصفا والمروة وسائر المشاعر كلها آيات ومنها الأمن التام لمن دخله فلا يخاف غير الله تعالى. قال تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} ثم هذا الأمن له والعرب يعيشون في جاهلية جهلاء وفوضى لا حد لها، ولكن الله جعل في قلوبهم حرمة الحرم وقدسيته ووجوب أمن كل من يدخله ليحجه أو يعتمره، وقوله تعالى {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}، لمَّا ذكر تعالى البيت الحرام وما فيه من بركات وهدايات وآيات ألزم عباده المؤمنين به وبرسوله بحجه ليحصل لهم الخير والبركة والهداية، ففرضه بصيغة ولله على الناس وهي أبلغ صيغ الإِيجاب، واستثنى العاجزين عن حجه واعتماره بسبب مرض أو خوف أو قلة نفقة للركوب والإِنفاق على النفس والأهل أيام السفر. وقوله تعالى في آخر الآية: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ} فإنه خبر منه تعالى بأن من كفر بالله ورسوله وحج بيته بعد ما ذكر من الآيات والدلائل الواضحات فإنه لا يضر إلا نفسه أما الله تعالى فلا يضره شيء وكيف وهو القاهر فوق عباده والغني عنهم أجمعين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- ثبوت النسخ في الشرائع الإِلهية، إذ حرم الله تعالى على اليهود بعض ما كان حِلاً لهم. 2- إبطال دعوى اليهود أن إبراهيم كان محرماً عليه لحوم الإِبل وألبانها. 3- تقرير النبوة المحمدية بتحدي اليهود وعجزهم عن دفع الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. 4- البيت الحرام كان قبل بيت المقدس وأن البيت الحرام أول بيت وضع للتعبد بالطواف به. 5- مشروعية طلب البركة بزيارة البيت وحجه والطواف به والتعبد حوله. 6- وجوب الحج على الفور لمن لم يكن له مانع يمنعه من ذلك. 7- الإِشارة إلى كفر من يترك الحج وهو قادر عليه، ولا مانع يمنعه منه غير عدم المبالاة.
القطان
تفسير : الطعام: كل ما يؤكل، ويطلق أحيانا على الخبز والقمح. الحل: الحلال. اسرائيل: لقب يعقوب. افترى: اختلق الكذب. كان اليهود يتصيّدون كل شبهة لينفَذوا منها الى الطعن في صحة الرسالة المحمدية، واشاعة الاضطراب والفتنة في عقول المؤمنين. ومن الشبهات التي أوردوها أنهم قالوا للنبي: انت تدّعي انك على ملة ابراهيم، فكيف تأكل لحوم الإبل وتشرب ألبانها مع ان ذلك حرام في دين ابراهيم؟ فردّ عليهم بأن كل الطعام كان حلالاً لبني اسرائيل، ولإبراهيم من قبله، الا ما حرّم اسرائيل (وهو يعقوب) على نفسه من قبل ان تنزل التوراة. وذلك أنه مرض مرضاً شديداً وأصابه عِرق النَّسا فنذر لله لئن عافاه من هذا المرض ليمتنعنّ عن أكل لحوم الإبل وألبانها، وكانت أحبَّ شيء الى نفسه. فقبل الله منه نذره. ثم جرت سنّة بني اسرائيل على اتباع أبيهم في تحريم ما حرم. كذلك حرم على بني اسرائيل مطاعم اخرى عقوبة لهم على معصيات ارتكبوها سيأتي ذكرها في سورة الأنعام. وهنا في هذه الآية الكريمة يرد الله عليهم ويبين ان الأصل في هذه المطاعم هو الحل، وانها حُرمت عليهم لأسباب خاصة بهم. فإذا أحلّها للمسلمين فهو رجوع الى الأصل، وهو أمر لا يثير الاعتراض ولا الشكّ في صحة هذا القرآن. وقد أمر الله رسوله ان يطلب منهم ان يأتوا من التوراة بدليل يثبت ان شريعة ابراهيم تحرم ذلك، فعجزوا، لأن قولهم كان مجرد فرية منهم وكذبة لفّقوها. كانوا يكذبون على الله وعلى الأنبياء السابقين. فأولئك هم الظالمون لأنفسهم المستحقون لعذاب الله.
د. أسعد حومد
تفسير : {ۤ إِسْرَائِيلَ} {إِسْرَائِيلُ} {ٱلتَّوْرَاةُ} {ٱلتَّوْرَاةِ} {صَادِقِينَ} (93) - جَاءَ وَفْدٌ مِنَ اليَهُودِ إلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَهُ عَمَّا حَرَّمَ يَعْقُوبُُ عَلَى نَفْسِهِ (إسْرَائِيلُ) فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً، فَنَذَرَ إنْ عَافَاهُ اللهُ أنْ يُقْلِعَ عَنْ أَكْلِ أحَبِّ الطَّعَامِ إليهِ، وَهُوَ لَحْمُ الإِبْلِ، وَألذِّ الشَرَّابِ إليهِ وَهُوَ ألْبَانُها، فَحَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ بَعْدَ شِفَائِهِ، وَتَابَعَهُ بَنُوهُ اقْتِدَاءً بِهِ. (وَيُرْوَى أَيْضاً: أنَّ اليَهُودَ جَاؤُوا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: إِنَّكَ تَدَّعِي أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إِبْْرَاهِيمَ، فَكَيْفَ تَأْكُلُ لُحُومَ الإِبِلِ، وَتَشْرَبُ أَلْبَانَهَا مَعَ أنَّ ذَلِكَ كَانَ مُحَرَّماً فِي مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَأَنْتَ قَدْ اسْتَحْلَلْتَ مَا كَانَ مُحَرَّماً. فَرَدَّ الله تَعَالَى عَلَيْهِم بِهَذِهِ الآيَة). ثُمَّ ارْتَكَبَ اليَهُودُ جَرَائِمَ وَمُخَالَفَاتٍ دِينِيَّة فَعَاقَبَهُمُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ كَانَتْ حَلاَلاً عَلَيْهِمْ، وَبَيَّنَتِ التَّورَاةُ هَذِهِ المُحَرَّمَاتِ عَلَى اليَهُودِ. وَقَدْ أكَّدَ اللهُ هَذا الوَاقِعَ بِقَولِهِ في القُرْآن: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ}. تفسير : وَهَذِهِ هِيَ التَّوْرَاةُ تَشْهَدُ بِصِدْقِ مَا نَقُولُ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ يَرُدُّ بِهَا عَلَى هَؤُلاَءِ المُفْتَرِينَ الكَذِبَ عَلَى اللهِ، وَقَالَ لَهُمْ إِنَّ التَّوْرَاةَ أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى، وَمُوسَى مِنْ أَنْسَالِ إِبْرَاهِيمَ وَبَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى مِئَاتُ السِّنِينَ وَلِذَلِكَ فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَا جَاءَ فِي التَّوْرَاةِ المُنْزَّلَةِ عَلَى مُوسَى دَلِيلاً عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ شَرْعُ إِبْرَاهِيمَ. ثُمَّ أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ الكَرِيمَ بِأَنْ يَطْلُبَ مِنَ اليَهُودِ بِأَنْ يَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ لِيَقْرَؤُوهَا، وَيَرَوْا صِدْقَ مَا أَوْحَى اللهُ بِهِ إِلَيْهِ.
الثعلبي
تفسير : {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} الآية. قال أبو روق والكلبي: كان هذا حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : "أنا على ملة إبراهيم ". فقالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "كان ذلك حلالاً لإبراهيم فنحن نحّله" فقالت اليهود: كل شيء أصبحنا اليوم نحرّمه فإنّه كان محرّماً على نوح وإبراهيم هاجراً حتى انتهى إلينا، فأنزل الله تعالى تكذيباً لهم: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ} المحلل لكم اليوم {كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}. تفسير : {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ} وهو يعقوب {عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ}. واختلف المفسّرون في ذلك الطعام، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي وأبو مجلز: هي العروق وكان [سبب] ذلك أنّ يعقوب (عليه السلام) اشتكى عرق النساء، وكان أصل وجعه ذلك، ما روى جويبر ومقاتل عن الضحاك أنّ يعقوب بن إسحاق كان قد نذر إن وهب الله له اثني عشر ولداً وأتى بيت المقدس صحيحاً أن يذبح آخرهم، فتلقّاه ملك من الملائكة فقال له: يا يعقوب إنّك رجلٌ قوي، هل لك في الصراع؟ فعالجه فلم يصرع واحد منهما صاحبه، ثم غمزه الملك غمزة فعرض له عرق النساء من ذلك، ثم قال: أما أنّي لو شئت أن أصرعك لفعلت، ولكن غمزتك هذه الغمزة لأنّك قد كنت نذرت إن أتيت بيت المقدس صحيحاً ذبحت آخر ولدك، وجعل الله لك بهذه الغمزة مخرجاً، فلمّا قدمها يعقوب أراد ذبح ابنه ونسي قول الملك، فأتاه الملك فقال: أنا غمزتك هذه الغمزة للمَخرج وقد وفي نذرك فلا سبيل لك إلى ولدك. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: أقبل يعقوب (عليه السلام) من حران يريد بيت المقدس حين هرب من أخيه عيص وكان رجلا بطّيشاً قوياً، فلقيه ملك فظنّ [يعقوب] أنّه لصّ فعالجه أن يصرعه فغمز الملك فخذ يعقوب ثم صعد إلى السماء ويعقوب ينظر إليه، فهاج به عرق النساء ولقي من ذلك بلاء شديداً وكان لا ينام بالليل من الوجع [ويبيت] وله زقاء أي صياح، فحلف يعقوب (عليه السلام) لئن شفاه الله أن لا يأكل عرقاً ولا طعاماً فيه عرق، فحرّمها على نفسه فجعل بنوه يبتغون العروق يخرجونها من اللحم، وقال أبو العالية وعطاء ومقاتل والكلبي: كان ذلك لحمان الإبل وألبانها. وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس حديث : أن عصابة حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم أخبرنا أي الطعام حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أشهدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أنّ يعقوب مرض مرضاً شديداً فطال سقمه عليه، فنذر لله لئن عافاه الله من سقمه ليحرّمن أحبّ الطعام والشراب إلى نفسه، وكان أحبّ الطعام إليه لحمان الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها" تفسير : فقالوا: اللهم نعم. وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: لما أصاب يعقوب عرق النساء ووصف له الأطباء أن يجتنب لحوم الإبل، فحرّم يعقوب على نفسه لحوم الإبل، فقالت اليهود: إنّا حرّمنا على أنفسنا لحوم الإبل ؛ لأنّ يعقوب حرّمها وأنزل الله تحريمها في التوراة فأنزل الله هذه الآية. وقال الحسن: حرّم إسرائيل على نفسه لحوم الجزور تعبداً لله عز وجل فسأل ربّه عز وجل أن يجيز له ذلك، فحرّمه الله على ولده، وقال عكرمة: حرّم إسرائيل على نفسه زائدة الكبد والكليتين والشحم إلاّ ما على الظهور، وروى ليث عن مجاهد قال: حرّم إسرائيل على نفسه لحوم الأنعام ثم اختلفوا في هذا الطعام المحرّم على إسرائيل بعد نزول التوراة، وقال السدي: إنّ الله لما أنزل التوراة حرّم عليهم ما كانوا يحرّمونها قبل نزولها اقتداءً بأبيهم يعقوب (عليه السلام)، وقال عطية: إنّما كان ذلك حراماً عليهم لتحريم إسرائيل ذلك عليهم وذلك أنّ إسرائيل قال حين أصابه عرق النساء: والله لئن عافاني الله منه لا يأكله لي ولد، ولم يكن ذلك محرّماً عليهم في التوراة. وقال الكلبي: لم يحرّمه الله عليهم في التوراة وإنّما حرّم عليهم بعد التوراة لظلمهم وكفرهم، وكان بنو إسرائيل كلما أصابوا ذنباً عظيماً حرّم الله عليهم طعاماً طيباً، أو صبّ عليهم رجزاً وهو الموت، وذلك قوله تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} تفسير : [النساء: 160]، وقوله: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ} تفسير : إلى قوله {أية : وِإِنَّا لَصَادِقُونَ} تفسير : [الأنعام: 146]. وقال الضحاك: لم يكن شيء من ذلك علينا حراماً، ولا حرّم الله عليهم في التوراة وإنّما هو شيء حرّموه على أنفسهم اتّباعاً لأبيهم، وأضافوا تحريمه إلى الله فكذّبهم الله تعالى فقال: قل لهم يا محمد {فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا} حتى يتبين أنّه كما يقول لا كما قلتم، فلم يأتوا، فقال الله {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [آل عمران: 94]. وروى أنس بن سيرين عن أنس بن مالك قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرق النساء يأخذ إليّة كبش عربي لا صغير ولا كبير فيقطع صغاراً فيخرج أهالته فيخرج على ثلاث قِسَم، ويأكل كل يوم على ريق النفس، قال أنس: فوصفته لأكثر من مائة فشفاهم الله . تفسير : وروى شعبة أنّه رأى شيخاً في زمن الحجاج بن يوسف يقول لعرق النساء: أقسم عليك بالله الأعلى لئن لم تنته لأكوينّك بنار أو لألحقنك بموسى، قال شعبة: فإنّه يقول ذلك ويمسح على ذلك الموضع فيبرأ بإذن الله. {قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِِ} الآية. قال مجاهد: تفاخر المسلمون واليهود، فقال اليهود: بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة؛ لأنّها مهاجر الأنبياء في الأرض المقدسة، وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} وقرأ ابن السميقع: وضع بفتح الواو والضاد يعني وضعه الله {لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} وليس ذلك في بيت المقدس {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} وليس ذلك في بيت المقدس {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} وليس ذلك في بيت المقدس. واختلف العلماء في تأويل قوله {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ} فقال بعضهم: هو أول بيت ظهر على وجه الماء عندما خلق الله السماء والأرض فخلقه الله قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على الأرض فدحيت الأرض من تحتها، هذا قول عبد الله بن عمرو ومجاهد وقتادة والسدي. وقال بعضهم: هو أوّل بيت وضع: بُني في الأرض، يروى أنّ علي بن الحسين سُئل عن بدء الطوفان، فقال: إنّ الله تعالى وضع تحت العرش بيتاً وهو البيت المعمور الذي ذكره الله، وقال للملائكة: طوفوا به ودعوا العرش، فطافت الملائكة به وتركوا العرش، وكان أهون عليهم، ثم أمر الله الملائكة الذين يسكنون في الأرض أن يبنوا له في الأرض بيتاً على مثاله وقدره، فبنوا، واسمه الضراح، وأمر من في الأرض من خلقه أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور. وقيل: هو أول بيت بناه آدم في الأرض، قاله ابن عباس. وقال الضحاك: إنّ أول بيت وضع فيه البركة وأحسن من الفردوس الأعلى. وروى سماك عن خالد بن عرعرة قال: قام رجل إلى علي (رضي الله عنه) فقال: ألا تخبرني عن البيت؟ أهو أول بيت كان في الأرض؟ قال: لا، فأين كان قوم نوح وعاد وثمود، ولكنه أول بيت مبارك وهدىً وضع للناس. وقيل: إنّ أول بيت وضع للناس يُحج إليه لله، وروي ذلك عن ابن عباس أيضاً، وقيل: هو أول بيت جُعل قبلة للناس. وقال الحسن والكلبي والفراء: معناه: إن أول مسجد ومتعبد وضع للناس يعبد الله فيه، يدل عليه قوله: {أية : أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً} تفسير : [يونس: 87] يعني مساجدهم واجعلوا بيوتكم قبلة، وقوله: {أية : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} تفسير : [النور: 36] يعني المساجد. إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه سُئل عن أول مسجد وضع للناس، قال: "المسجد الحرام ثم بيت المقدس"، وسُئل: كم بينهما قال: أربعون عاماً حيث ما أدركتك الصلاة فصلّ فثم سُجد للذي ببكة ". تفسير : قال الضحاك والمدرج: هي مكة، والعرب تعاقب بين الباء والميم، فتقول: سبد رأسه وسمد، واغبطت عليه الحمى واغمطت، وضربة لازم ولازب. وقال ابن شهاب وضمرة بن ربيعة: بكة: المسجد والبيت، ومكة: الحرم كله. وقال الآخرون: مكة اسم البلد كله، وبكة موضع البيت والمطاف، وسمّيت بكة لأن الناس يتباكون فيها: أي يزدحمون، يُبكي بعضهم بعضاً، ويصلي بعضهم بين يدي بعض، ويمر بعضهم بين يدي بعض، لا يصلح ذلك إلاّ بمكة. قال الراجز: شعر : إذا الشريب أخذته أكه فخلّه حتى يبك بكه تفسير : قال عطاء: مرّت امرأة بين يدي رجل وهو يصلي وهي تطوف بالبيت فدفعها، فقال أبو جعفر الباقر: إنّها بكة يبكي بعضهم بعضاً. وقال عبد الرحمن بن الزبير: سميت بكة لأنّها تُبك أعناق الجبابرة أي تدقها، فلم يقصدها جبار يطلبها إلاّ وقصمه الله، وأما مكة فسميت بذلك لقلة مائها من قول العرب: مكتَ الفصيل ضرع أُمّه وامتكّه إذا امتص كل ما فيه من اللبن، قال الشاعر: شعر : مكّتْ فلم تُبقِ في أجوافها دررا تفسير : عن الحسين عن ابن عباس قال: ما أعلم اليوم على وجه الأرض بلدة تُرفع فيها الحسنات بكل واحدة مائة ألف ما يرفع بمكة، وما أعلم بلدة على وجه الأرض يُكتب لمن صلى فيها ركعة واحدة بمائة ألف ركعة ما يُكتب بمكة، وما أعلم بلدة على وجه الأرض [يُكتب لمن تصدّق فيها بدرهم] واحد يكتب له مائة ألف درهم ما يُكتب بمكة، وما أعلم بلدة على وجه الأرض [يُكتب] لمن فيها شراب الأحبار ومصلى الأخيار إلاّ بمكة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة ما مس شيئاً أحد فيها إلاّ كانت تكفير الخطايا إلاّ بمكة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة إذا دعا فيها آمن له الملائكة فيقولون: آمين آمين ليس إلاّ بمكة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة [........] إلاّ بمكة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة يكتب لمن نظر إلى الكعبة من غير طواف ولا صلاة عبادة الدهر وصيام الدهر إلاّ بمكة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة ورد إليها جميع النبيين [ما قد] صدر إلى مكة، وما أعلم بلدة يحشر فيها من الأنبياء والأبرار والفقهاء والعباد من الرجال والنساء ما يحشرون من مكة أي يُحشرون وهم آمنون يوم القيامة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة ينزل فيها كل يوم من روح الجنّة ورائحتها ما ينزل بمكة حرسها الله. {مُبَارَكاً}: نصب على الحال {وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}: لأنه قبلة المؤمنين {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ}: قرأ ابن عباس: آية بينة. {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [........] {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً}. [حدثنا إبن حميد قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال حدثنا بن أبي حبيب عن مرثد بن عبدالله المزني عن أبي عبد الرحمن بن عسيلة الضابحى حديث : عن عبادة بن الصامت قال: كنت فيمن حضر العقبة الأُولى وكنا اثنى عشر رجلا فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة وإن غشّيتم شيئاً من ذلك]. فأخذتم [بحدّه] في الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمْركم إلى الله إن شاء عذّبكم وإن شاء غفر لكم، قال: وذلك قبل أن يفرض عليهم الحرب، فلمّا انصرف القوم بعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلّمهم الإسلام ويفقّههم، وكان مصعب يسمى بالمدينة المقرئ، وكان أول مقرئ بالمدينة، وكان منزله على أسعد بن زرارة، فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: انطلق إلى هذين الرجلين الذين قد أتيا دارنا ليسفّها ضعفاءنا فازجرهما، فإنّ أسعد ابن خالتي، ولولا ذاك لكفيتك، وكان سعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيدي قومهما من بني الأشهل، وكلاهما مشركان، فأخذ أسيد بن حضير حرسه ثم أقبل إلى مصعب وأسعد وهما جالسان في حائط، فلمّا رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيّد قومه قد جاءك والله، فاصدق الله فيه. قال مصعب: إن يجلس نكلّمه، قال: فوقف عليهما مشتّماً، فقال: ما جاء بكما إلينا؟ تسفّهان ضعفاءنا، اعتزلانا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة، فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته كفّ عنك ما تكرهه، قال: أنصفت ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلّمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن. قال: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في أشراقه وتسهّله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل، وتطهّر ثوبك ثم تشهد بشهادة الحق، ثم تصلي ركعتين، فقام واغتسل وطهّر ثوبه، وشهد بشهادة الحق، ثم قام وصلّى ركعتين، ثم قال لهما: إنّ ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ. ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلمّا نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب من عندكم، فلمّا وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلّمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأساً وقد نهيتهما، فقالا: لا نفعل إلاّ ما أحببت. وفي الحديث أنّ بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه ؛ وذلك أنّهم عرفوا أنّه ابن خالتك ليحقروك، فقام سعد مغضباً مبادراً للذي ذكره له، فأخذ الحربة منه، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئاً، فلمّا رآهما مطمئنين عرف أنّ أسيداً إنّما أراد أن يسمع منهما، فوقف عليهما مشتّماً ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، تغشانا في دارنا بما نكره، وقد قال لمصعب: جاءك والله سيد قومه إن تبعك لم يُخالفك منهم أحد، فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمراً ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته قد كفاك ما تكره، قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة فجلس، فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن، قالا: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلّم في إشراقه وتسهّله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل وتطهّر ثوبك وتشهد بشهادة الحق، ثم تصلّي ركعتين، فقام فاغتسل فطهّر ثوبه وشهد شهادة الحق وركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامداً إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير، فلمّا رآه قومه مقبلا قالوا: نحلف بالله لقد رجع سعد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلمّا وقف عليه قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأياً وأيمننا نقيبةً، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال: فما أمسى في دار عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلاّ مسلماً ومسلمة ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسيد بن زرارة فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلاّ وفيها رجال ونساء من المسلمين إلاّ ما كان من بني أمية بن زيد وحطمة ووائل وواقف [وتلك أوس الله وهم من أوس بن حارثة وذلك أنه] كان فيهم أبو قيس الشاعر وكانوا يسمعون منه ويطيعونه، فوقف بهم عن الإسلام حتى هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق قالوا: إنّ مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج معه من الأنصار من المسلمين سبعون رجلا مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة، فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق وهي بيعة العقبة الثانية. قال كعب بن مالك وكان شهد ذلك: فلمّا فرغا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر أخبرناه، فكنّا نكتم عمّن معنا من المشركين من قومنا أمرنا، وكلّمناه وقلنا له: يا جابر إنّك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، وإنّك ترغب بك عمّا أنت فيه أن نكون حطباً للنار غداً، ودعوناه إلى الإسلام فأسلم فأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد معنا العقبة وكان تقياً، فبتنا تلك الليلة في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنتسلّل مستخفين تسلل القطا، حتى إذا اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب أم عمارة احدى نساء بني النجّار، وأسماء بنت عمرو بن عدي إحدى نساء بني سلمة وهي أمّ منيع، واجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء ومعه عمّه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلاّ أنّه أحبّ أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثّق له فلمّا جلسنا كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج وكانت العرب إنما يسمّون هذا الحي من الأنصار: الخزرج؛ خزرجها وأوسها إنّ محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا، وهو في عزّ من قومه ومنعة في بلده وإنه قد أبى إلاّ الانقطاع لكم واللحوق بكم. فإن كنتم ترون أنكم وافون له ما دعوتموه إليه و[مانعوه] ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنّكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الآن دعوه فإنّه في عز ومنعة. قال: فقلنا: سمعاً ما قلت، فتكلم يا رسول الله، وخذ لنفسك ولربك ما شئت. قال: فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغّب في الإسلام وقال: "أبايعكم على أن تمنعوني عمّا تمنعون منه نساءكم". قال: فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: والذي بعثك بالحق، لنمنعك مما نمنع منه أزرنا، فَبَايِعْنَا يا رسول الله، فنحن أهل الحرب وأهل الحلقة [وإنّا] ورثناها كابراً عن كابر. قال: فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الناس حبالا يعني اليهود وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك [الل] أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "بل الدم الدم، والهدم الهدم وأنتم مني وأنا منكم أُحارب من حاربتم وأُسالم من سالمتم". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً كفلاء على قومهم بما فيهم، ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم عليه السلام"، فأخرجوا اثني عشر نقيباً: تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس". قال عاصم بن عمر بن قتادة: إن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري: يا معشر الخزرج هل تدرون على ما تبايعون هذا الرجل؟ إنّكم تبايعونه على حرب الأسود والأحمر، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة؟ وأشرافكم قتل أسلمتموه، فمن الآن فهو والله خزي في الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون بالعهد له فيما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: "الجنة". قالوا: ابسط يدك. فبسط يده فبايعوه، فأول من ضرب على يده البراء بن معرور، ثم تتابع القوم. قال: فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأبعد صوت سمعته قط: يا أهل الجباجب هل لكم في مذمم والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هذا والله زنا العقبة اسمع أي عدو الله، أما والله لأفرغن لك". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ارجعوا إلى رحالكم". فقال له العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلن غداً على أهل منى بأسيافنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم". قال: فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا [ف ] غدت علينا جلة قريش حتى جاؤونا في منازلنا وقالوا: يا معشر الخزرج بلغنا أنكم جئتم صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، فإنه والله ما حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم. قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه وصدقوا لم يعلموا وبعضنا ينظر إلى بعض، فقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي وعليه نعلان جديدان قال: فقلت له كلمة كأني أُريد أن أُشرك القوم بها فيما قالوا: يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟ قال: فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه، ثم رمى بهما إليّ وقال: والله لتنتعلنّهما، فقال أبو جابر: والله أخفظت الفتى فاردد إليه نعليه. قال: قلت: لا أردهما، قال: والله صلح، والله لئن صدق لأسلبنه. قال: ثم انصرف أبو جابر إلى المدينة، وقد شدّدوا العقد، فلما قدموها أظهروا الإسلام بها وبلغ ذلك قريشاً فآذوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "إنّ الله قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون فيها". فأمرهم بالهجرة إلى المدينة واللحوق بإخوانهم الأنصار، فكان ممن هاجر أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، ثم عامر بن ربيعة ومعه امرأته ليلى بنت أبي خيثمة، ثم عبد الله بن جحش. ثم تتابع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إرسالا إلى المدينة، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أن يؤذن له في الهجرة إلى أن أُذن، فقدم المدينة فجمع الله أهل المدينة أوسها وخزرجها بالإسلام، وأصلح ذات بينهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ورفع عنهم العداوة القديمة، وألّف بينهم، وذلك قوله {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} تفسير : يا معشر الأنصار إذ كنتم أعداء قبل الإسلام {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} بالإسلام {فَأَصْبَحْتُمْ}: فصرتم، نظيره قوله في المائدة: {أية : فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [الآية: 30] وقوله: {أية : فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ} تفسير : [الآية: 31] وفي {حم} السجدة {أية : فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ} تفسير : [فصلت: 23] وفي الكهف: {أية : أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً} تفسير : [الآية: 41]. {بِنِعْمَتِهِ}: بدينة الإسلام {إِخْوَاناً} في الدين والولاية، نظيره قوله: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} تفسير : [الحجرات: 41]. وعن أبي سعيد مولى عبد الله بن عامر بن كريز عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا تناجشوا، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره التقوى ههنا وأشار بيده إلى صدره حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ". تفسير : أبو بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"، وشبك بين أصابعه. تفسير : الشعبي عن النعمان بن بشير أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم المؤمنون كرجل واحد. قال: "حديث : المؤمنون كرجل واحد لجسد إذا اشتكى رأسه تداعى له سائره بالحمى والسهر ". تفسير : {وَكُنْتُمْ} يا معشر الأوس والخزرج على شفا حفرة من النار. قال الراجز: شعر : نحن حفرنا للحجيج سجلهْ نابتة فوق شفاهاً بقلهْ تفسير : ومعنى الآية: كنتم على طرف حفرة من النار ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلاّ أن تموتوا على كفركم، {فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا} بالإيمان. قال: وبلغنا أنّ أعرابياً سمع ابن عباس وهو يقرأ هذه الآية فقال: والله ما أنقذهم منها وهو يريد أن يوقعهم فيها. فقال ابن عباس: خذوه من غير فقيه. {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.
الأندلسي
تفسير : {كُلُّ ٱلطَّعَامِ} الآية مناسبتها لما قبلها انه تعالى أخبر أنه لا ينال البر إلا بالانفاق من المحبوب فروي أن إسرائيل مرض مرضاَ شديداً فنذر لله تعالى أنه إن شفاه أن يحرم أحب الطعام والشراب إليه فحرم لحوم الابل وألبانها وكان ذلك أحب المأكول والمشروب إليه تقرباً إلى الله تعالى. وروي أن هذه الآية نزلت حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: أنا على ملة إبراهيم فقالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الابل وألبانها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كان ذلك حلالاً لأبي إبراهيم ونحن نحله. فقالت اليهود: بل كان ذلك حراماً على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا فأنزل الله ذلك تكذيباً لهم وإن إسرائيل حرم ذلك على نفسه قبل نزول التوراة. {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. وقيل فأتوا محذوف تقديره هذا الحق لا زعمكم معشر اليهود فأتوا وهذه محاجّة أن يؤمروا بإِحضار كتابهم الذي فيه شريعتهم فإِنه ليس فيه ما ادعوه بل هو مصدق لما أخبر به صلى الله عليه وسلم من أن تلك المطاعم كانت حلالاً لهم في قديم وان التحريم هو حادث {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} خرج مخرج الممكن وهم معلوم كذبهم وذلك على سبيل الهزء بهم. {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ} الإِشارة بذلك إلى التلاوة إذ مضمنها بيان مذهبهم وقيام الحجة القاطعة عليهم ويكون افتراء الكذب ان ينسب إلى كتب الله ما ليس فيها. {قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ} فيما أخبر به تعالى في كتبه المنزلة حتى في قصة إسرائيل وإنّ ما قالوه كذب وانتصب حنيفاً على الحال وتقدم تبيين ذلك في البقرة في قوله: {أية : بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} تفسير : [البقرة: 135]. {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ} الآية مناسبتها لما قبلها انه لما أمر باتباع ملة إبراهيم وهو الذي كان ملته حج هذا البيت أخذ في ابتداء أمره من بنائه الى منتهاه وظاهر قوله: أول بيت، وضع للناس هو في بنائه لعبادة الله تعالى فذكر الشريف أبو البركات الجواني النسّابة إن شيث بن آدم عليهما السلام هو الذي بنى الكعبة بالطين والحجارة على موضع الخيمة التي كان الله وضعها لآدم من الجنة وأول نكرة، فخصّصت بالاضافة وبالصفة فحسن الاخبار عنها بالموصول وهو معرفة وتقديره للبيت الذي ببكة وأكدت النسبة بأن وباللام. وبكة قيل مكة والباء والميم قد يتعاقبان. وقيل: اسم لبطن مكة والباء ظرفية. و{مُبَارَكاً} حال في الضمير الذي هو في الحقيقة صلة للموصول تقديره الذي استقر في بكة مباركاً.
الجيلاني
تفسير : ثم لما ادعى اليهود أن ما حرم في ديننا كان حراماً في دين إبراهيم أيضاً، وأنتم أيها المدعون موافقة دينكم وملتكم دين إبراهيم وملته، لم تحلون ما حرم في دينه؟ رد الله عليهم وكذبهم بقوله: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ} الذي به يقتات الإنسان ويتغذى {كَانَ حِـلاًّ} حلالاً {لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} إذ الأصل في الأشياء الحل ما لم يرد الشرع بتحريمه {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ} وهو يعقوب عليه السلام {عَلَىٰ نَفْسِهِ} على سبيل النذر بلا ورود الوحي؛ إذ كان له عرق النسا، فنذر إن شفي لم يأكل ما هو أحب الطعام عنده واللذة، وهو لين الإبل ولحمه فشفي، ولم يأكل بعده منها ذلك {مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ} ثم لما ظهر أنواع الخبائث والقبائح من اليهود، وحرم الله عليهم في التوراة طيبات أحلت لهم قبلها بسبب خباثتهم وكثافتهم، فإن أنكروا عليها وقالوا: لسنا أول ما حرم عليه هذه الآشياء المحرمة فيها، بل حرم لمن قبلنا ونحن نقتدي بهم {قُلْ} لهم إلزاماً: {فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا} على رءوس الأشهاد {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93] في دعواكم، وإلا فقد افتريتم على كتاب الله ما ليس فيه. {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِن بَعْدِ} ظهور {ذَلِكَ} الديليل والبرهان {فَأُوْلَـٰئِكَ} المفترون المنهمكون في العتو والعناد {هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [آل عمران: 94] الخارجون عن مسالك التوحيد، المتمردون عن ربقة الإيمان. {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل إمحاضاً للنصح: {صَدَقَ ٱللَّهُ} المطلع لجميع ما كان ويكون ألاَّ حرمة لهذا الأشياء في دين إبراهيم عليه السلام، بل أول من حرم عليهم أنتم أيها اليهود؛ وإن أردتم استحلالها {فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} التي هي الإسلام المنزل على خير الأنام؛ لأنه كان {حَنِيفاً} طاهراً عن الخبائث والرذائل المؤدية إلى تحريم الطيبات؛ إذ هو على صراط التوحيد وجادة الاعتدال، بعيد عن طرفي الإفراط والتفريط المؤديان إلى الشرك {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 95] أصلاً لصفاء فطرته ونجابة طينته.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عما كان حلالاً من بني إسرائيل وميزه من الحرام بقوله تعالى: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93]، إشارة في الآية: إن الله تعالى خلق الخلق على ثلاثة أصناف: صنف منها: الملك الروحاني العلوي اللطيف النوراني، وجعل غذاؤهم من جنسهم الذكر وخلقهم للعبادة. وصنف منها: الحيواني الجسماني السفلى الكثيف الظلماني، وجعل غذاؤهم من جنسهم الطعام وخلقهم للعبرة والخدمة. وصنف منها: الإنسان المركب من الملك الروحاني والحيواني الجسماني، وجعل غذاءهم من جنسهم لروحانيتهم الذكر، ولجسمانيتهم الطعام، وخلقهم للعبادة والمعرفة والخلافة، وهم على ثلاثة أصناف: فمنهم ظالم لنفسه: وهو الذي غلبت حيوانيته على روحانيته، فبالغ في غذاء جسمانيته وقصر في غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت نفسه، {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}تفسير : [الأعراف: 179]، ومنهم مقتصد: وهو الذي تساوت روحانيته وحيوانيته، ومنهم سابق بالخيرات: وهو الذي غلبت روحانيته على حيوانيته فبالغ في غذاء روحانيته؛ وهو الذكر، وقصر في غذاء حيوانيته وهو الطعام حتى ماتت نفسه وأسر في قوة روحه، {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ}تفسير : [البينة: 7]، فكان كل الطعام حلاً كما كان حلالاً للحيوان، إلا ما حرم الإنسان السابق على نفسه؛ لموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح من قبل أن ينزل عليه الوحي والإلهام، كما قيل: المجاهدات تورث المشاهدات، وقال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ}تفسير : [العنكبوت: 69]. {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ} [آل عمران: 94]، بأن يهتدي إلى الحق من غير جهاد النفس {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [آل عمران: 94]، الذين يضعون الشيء في غير موضعه، وقد قال تعالى: {أية : وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}تفسير : [الحج: 78]، {قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ } [آل عمران: 95]، فيما قال: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، {فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} [آل عمران: 95]، وكان ملته إنفاق المال على الضيفان، وبذل الروح عند الامتحان وتسليم القربان، وهذه ملة الخلة، {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 95]، من الذين يتخذون مع الله إلهاً أخراً ويجعلون الشركة في الخلة. ثم أخبر عن أول بيت وضع للناس مأمناً لأهل الإفلاس بقوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96]، لا لله؛ فإنه لغني عن البيوت وعن العالمين، وإن كل ما خلق الله في العالم خلق نموذجاً منه في الإنسان، وإن نموذج بيت الله فيه القلب الذي هو أول بيت وضع بمكة صدر الإنسان مباركاً عليه وهدى يهدي به جميع أجزاء وجوده إلى الله بجوده، فإن النور الإلهي إذا وقع في القلب انفسح له واتسع حتى به يسمع وبه يبصر، وبه يعقل وبه ينطق، وبه يبطش وبه يمشي، وبه يتحرك وبه يسكن، {فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ} [آل عمران: 97]، دلالات واضحات يستدل بها الطالب إلى مطلوبه، والقاصد إلى مقصوده، منها: {مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ} [آل عمران: 97]؛ وهي: الخلقة، وهي التي توصل الخليل إلى خليله {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 97]؛ يعني: من دخل مقام إبراهيم؛ وهي: الخلة، الهاء في قوله دخله: كناية عن المقام، ودخولها ببذل النفس والمال والولد في رحمتي خليله كان أمناً من نار القطيعة، كما كان حال إبراهيم عليه السلام مع النار، وكان عليه {أية : بَرْداً وَسَلَٰماً}تفسير : [الأنبياء: 69]. ومنها: شهود الحق، وخلوه بالخروج عن نفسه كان أمناً من عذاب الحجاب. ثم أخبر عن وجوب زيارة البيت الخليل إن استطاع إليه سبيلاً بقوله {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} [آل عمران: 97]، إشارة في الآية: إن الله تعالى جعل البيت والحج إليه، وأركان الحج والمناسك كلها إشارات إلى السلوك وشرائط السير إلى الله وآدابه، فمن أركانه: الإحرام: وهو إشارة إلى الخروج من الرسوم، وترك المألوف والتجرد عن الدنيا وما فيها التطهير عن الأخلاق، وعقد إحرام العبودية بصحة التوجه. ومنها: الوقوف بعرفة: وهو إشارة إلى الوقوف بعرفان المعرفة، والعكوف على عتبة جبل الرحمة بصدق الالتجاء وحسن العهد والوفاء. ومنها الطواف: وهو إشارة إلى الخروج عن الأطوار البشرية السبعية بالطواف السبعة حول كعبة الربوبية. ومنها السعي: وهو إشارة إلى السير بين صفات ومروة الذات. ومنها الخلق: وهو إشارة إلى محو آثار العبودية بمرسى الأنوار الإلوهية وعلى هذا فقس المناسك كلها، هذا البيت هادها إلى الله وفضله وطلبه بخلاف سائر أركان الإسلام، فإن قيل كل ركن منه يشير إلى طرف استعداد الطلب والقصد إلى الله، فالله خاطب العباد بقوله تعالى: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97]، وما قال في شيء أخر من الأركان والواجبات {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ} [آل عمران: 97]، وفائدته إن المقصود المشار إليه من الحج هو الله تعالى، وفي سائر العبادات المقصود هو النجاة والدرجات والقربات والمقامات والكرامات والاستطاعة في قوله تعالى: {مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97] هي جذبة الحق التي توازي عمل الثقلين ولا يمكن السير إلى الله والوصول إليه إلا بها، {وَمَن كَفَرَ} [آل عمران: 97]؛ أي: لا يؤمن بوجدان الحق، ولا يتعرض لنفحات ألطافه، ولا يترقب لجذبات الإلوهية كما يشير إليها أركان الحج، {فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ} [آل عمران: 97]، بأن يستكمل بهم، وإنما الاستكمال للعالمين به والأغنى بهم عنه، ثم إليه عن كفر أهل الكتاب بعد هذا الخطاب بقوله تعالى: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} [آل عمران: 98]، إشارة في الآيات أن ظاهر الخطاب مع أهل الكتاب، وباطنه من علماء السوء الذين يتبعون الدين بالدنيا وما يعملون. {لِمَ تَكْفُرُونَ} [آل عمران: 98]؛ يعني: من طريق المعاملة {بِآيَاتِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 98]؛ أي: بما جاء به القرآن من الزهد في الدنيا والورع والتقوى، ونهي النفس عن الهوى، وإيثار ما يبقى على ما يفنى، والإعراض عن الخلق والتوجه إلى الحق وبذل الوجود لنيل المقصود، {وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 98]، حاضر معكم ناظر إلى نياتكم في أعمال الخير ويجازيكم بها، {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} [آل عمران: 99]؛ أي: علماء السوء {لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ} [آل عمران: 99]؛ أي: لم تصرفون بحرصكم عن الدنيا وإتباعكم الهوى المؤمنين الذين يتبعونكم بحسن الظن، ويحسبون أن أعمالكم وأحوالكم على قاعدة الشريعة ومنهاج الطريقة عن سبيل الله وطريق الدين، أمر الأنبياء بدعوة الخلق إليه كما قال تعالى: {أية : ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ} تفسير : [النحل: 125]؛ والحكمة هي: الدعوة بطريق المعاملة وسلوك سبيل الله ليتخلق التابع بإتباع المتبوع، {تَبْغُونَهَا عِوَجاً} [آل عمران: 99]؛ أي: وتطلبون اعوجاج طريق الحق بالسير في طريق الباطل {وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ} [آل عمران: 99]، تعلمون فساد أحوالكم ما لكم فيما تعملون {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 99] بعلمه كما تعلمون وهو الذي قضى عليكم به في البداية ويجازيكم عليه في النهاية.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا رد على اليهود بزعمهم الباطل أن النسخ غير جائز، فكفروا بعيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، لأنهما قد أتيا بما يخالف بعض أحكام التوراة بالتحليل والتحريم فمن تمام الإنصاف في المجادلة إلزامهم بما في كتابهم التوراة من أن جميع أنواع الأطعمة محللة لبني إسرائيل { إلا ما حرم إسرائيل } وهو يعقوب عليه السلام { على نفسه } أي: من غير تحريم من الله تعالى، بل حرمه على نفسه لما أصابه عرق النسا نذر لئن شفاه الله تعالى ليحرمن أحب الأطعمة عليه، فحرم فيما يذكرون لحوم الإبل وألبانها وتبعه بنوه على ذلك وكان ذلك قبل نزول التوراة، ثم نزل في التوراة أشياء من المحرمات غير ما حرم إسرائيل مما كان حلالا لهم طيبا، كما قال تعالى {أية : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } تفسير : وأمر الله رسوله إن أنكروا ذلك أن يأمرهم بإحضار التوراة، فاستمروا بعد هذا على الظلم والعناد، فلهذا قال تعالى { فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون } وأي ظلم أعظم من ظلم من يدعى إلى تحكيم كتابه فيمتنع من ذلك عنادا وتكبرا وتجبرا، وهذا من أعظم الأدلة على صحة نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقيام الآيات البينات المتنوعات على صدقه وصدق من نبأه وأخبره بما أخبره به من الأمور التي لا يعلمها إلا بإخبار ربه له بها، فلهذا قال تعالى { قل صدق الله } أي: فيما أخبر به وحكم، وهذا أمر من الله لرسوله ولمن يتبعه أن يقولوا بألسنتهم: صدق الله، معتقدين بذلك في قلوبهم عن أدلة يقينية، مقيمين هذه الشهادة على من أنكرها، ومن هنا تعلم أن أعظم الناس تصديقا لله أعظمهم علما ويقينا بالأدلة التفصيلية السمعية والعقلية، ثم أمرهم باتباع ملة أبيهم إبراهيم عليه السلام بالتوحيد وترك الشرك الذي هو مدار السعادة، وبتركه حصول الشقاوة، وفي هذا دليل على أن اليهود وغيرهم ممن ليس على ملة إبراهيم مشركون غير موحدين، ولما أمرهم باتباع ملة إبراهيم في التوحيد وترك الشرك أمرهم باتباعه بتعظيم بيته الحرام بالحج وغيره، فقال: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا ...}.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [93] 88- أنا يحيى بن حبيب بن عربيّ من كتابه، نا يزيد- يعني ابن زُرَيع - نا شعبة، نا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه حدثه حديث : لما رُفِعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما تجدون في كتابكم" قالوا: لا نجد الرَّجم، فقال عبد الله بن سلام: كذبوا، الرًّجم في كتابهم، فقيل: {فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فجاءوا بالتوارة وجاء قارئهم فوضع كفَّه على موضع الرَِّجم، فجعل يقرأ ما خلا ذلك. قال عبد الله بن سلام: ادخل كفك فإذا هو / بالرَّجم يلُوح، فأمر نبي الله صلى الله عليه وسلم بهما فرُجِما .
همام الصنعاني
تفسير : 429- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ}: [الآية: 93]، قال: اشتكى إسرائيل عرق النَّساء فقال: إنِ الله شفاني لأُحَرِّمَنَّ العروق! فحرّمها. 430- عبد الرزاق، قال معمر: قال الكلبي: قال إسرائيل: إنِ الله شفاني، لأُحَرِّمَنَّ أطيب الطعام والشَّراب، أو قال: أحبَّ الطعام والشراب إليَّ، فحرَّم لحوم الإبل وألبانها. 431- عبد الرزاق قال: أخبرني الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبسا قال: كان إسرائيل أخذه عرق النَّسا، فكان يبيت له زُقاءٌ، فجعل الله عليه إنْ شفاه، أن لا يأكل العروق، فأنزل الله تعالى: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ}: [الآية: 93]. قال: سفيان: له زُقَاءُ، قال: صِياحٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):