٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
94
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} ابتدعه على الله بزعمه أنه حرم ذلك قبل نزول التوراة على بني إسرائيل ومن قبلهم. {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} من بعد ما لزمتهم الحجة. {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} الذين لا ينصفون من أنفسهم ويَكابرون الحق بعدما وضح لهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ } أي ظهور الحجة بأن التحريم إنما كان من جهة يعقوب لا على عهد إبراهيم {فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ } المتجاوزون الحق إلى الباطل.
ابن عطية
تفسير : قوله: {فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك} تحتمل الإشارة -بذلك- أن تكون إلى ثلاثة أشياء: أحدها: أن تكون إلى التلاوة إذ مضمنها بيان المذهب وقيام الحجة، أي فمن كذب منا على الله تعالى أو نسب إلى كتب الله ما ليس فيها فهو ظالم واضع الشيء غير موضعه، والآخر: أن تكون الإشارة إلىاستقرار التحريم في التوراة، لأن معنى الآية: {أية : كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه} تفسير : [آل عمران: 93]، ثم حرمته التوراة عليهم عقوبة لهم، {فمن افترى على الله الكذب}، وزاد في المحرمات فهو الظالم، والثالث: أن تكون الإشارة إلى الحال بعد تحريم إسرائيل على نفسه، وقبل نزول التوراة، أي من تسنن بيعقوب وشرع ذلك دون إذن من الله، ومن حرم شيئاً ونسبه إلى ملة إبراهيم فهو الظالم، ويؤيد هذا الاحتمال الأخير، قوله تعالى {أية : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} تفسير : [النساء: 160] فنص على أنه كان لهم ظلم في معنى التحليل والتحريم، وكانوا يشددون فشدد الله عليهم، كما فعلوا في أمر البقرة، وبخلاف هذه السيرة جاء الإسلام في قوله صلى الله عليه وسلم: يسروا ولا تعسروا، وقوله: دين الله يسر وقوله: بعثت بالحنيفية، ثم أمر الله تعالى نبيه أن يصدع بالخلاف والجدال مع الأحبار بقوله {قل صدق الله} أي الأمر كما وصف لا كما تكذبون أنتم، فإن كنتم تعتزون بإبراهيم فاتبعوا ملته على ما ذكر الله، وقرأ أبان بن تغلب: "قل صدق"، بإدغام اللام في الصاد، وكذلك: قل سيروا، قرأها بإدغام اللام في السين، قال أبو الفتح: علة جواز ذلك فشو هذين الحرفين في الفم وانتشار الصدى المنبث عنهما فقاربا بذلك مخرج اللام، فجاز إدغامهما فيهما، وقرأ جمهور الناس: "وُضع" على بناء الفعل للمفعول على معنى وضعه الله، فالآية على هذا ابتداء معنى منقطع من الكلام الأول، وقرأ عكرمة، "وَضع" بفتح الواو والضاد، فيحتمل أن يريد: وضع الله، فيكون المعنى منقطعاً كما هو في قراءة الجمهور، ويحتمل أن يريد وضع إبراهيم عليه السلام، فيكون المعنى متصلاً بالذي قبله، وتكون هذه الآية استدعاء لهم إلى ملته، في الحج وغيره على ما روى عكرمة: أنه لما نزلت {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً} الآية: قال اليهود: نحن على الإسلام فقرئت، {أية : ولله على الناس حج البيت} تفسير : [آل عمران: 97] قيل له: أحجهم يا محمد، إن كانوا على ملة إبراهيم التي هي الإسلام. قال القاضي أبو محمد: ويؤيد هذا التأويل ما قال أبو ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام، قلت ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال أربعون سنة، فيظهر من هذا أنهما من وضع إبراهيم جميعاً، ويضعف ما قال الزجّاج: من أن بيت المقدس من بناء سليمان بن داود، اللهم إلا أن يكون جدده، وأين مدة سليمان، من مدة إبراهيم؟ ولا مرية في أن إبراهيم وضع بيت مكة، وإنما الخلاف هل وضع بدأة أو وضع تجديد؟ واختلف المفسرون في معنى هذه الأولية التي في قوله: {إن أول} فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: معنى الآية أن أول بيت وضع مباركاً وهدى هذا البيت الذي ببكة وقد كانت قبله بيوت لم توضع وضعه من البركة والهدى، وقال قوم: بل هو أول بيت خلق الله تعالى ومن تحته دحيت الأرض. قال الفقيه القاضي أبو محمد: ورويت في هذا أقاصيص من نزول آدم به من الجنة ومن تحديد ما بين خلقه ودحو الأرض، ونحو ما قال الزجّاج: من أنه البيت المعمور أسانيدها ضعاف فلذلك تركتها، وعلى هذا القول يجيء رفع إبراهيم القواعد تجديداً، قال قتادة: ذكر لنا أن البيت أهبط مع آدم ورفع وقت الطوفان، واختلف الناس في {بكة}، فقال الضحاك وجماعة من العلماء: "بكة" هي مكة، فكأن هذا من إبدال الباء بالميم، على لغة مازن وغيرهم، وقال ابن جبير وابن شهاب وجماعة كثيرة من العلماء مكة الحرم كله، و"بكة" مزدحم الناس حيث يتباكون، وهو المسجد وما حول البيت، وقال مالك في سماع ابن القاسم من العتبية: "بكة" موضع البيت، ومكة غيره من المواضع، قال ابن القاسم: يريد القرية، قال الطبري: ما خرج عن موضع الطواف فهو مكة لا بكة، وقال قوم: "بكة"، ما بين الجبلين ومكة، الحرم كله، و {مباركاً} نصب على الحال، والعامل فيه على قول علي بن أبي طالب إنه أول بيت وضع بهذه الحال، قوله: {وضع} والعامل فيه على القول الآخر الفعل الذي تتعلق به باء الجر في قوله {ببكة} تقديره: استقر ببكة مباركاً، وفي وصف البيت بــ {هدى} مجازية بليغة، لأنه مقوم مصلح، فهو مرشد، وفيه إرشاد، فجاء قوله، {وهدى} بمعنى وذا هدى، ويحتمل أن يكون {هدى} في هذه الآية، بمعنى الدعاء، أي من حيث دعي العالمون إليه.
الخازن
تفسير : فقال تعالى: {فمن افترى على الله الكذب} الافتراء اختلاق الكذب والافتراء الكذب والقذف والإفساد وأصله من فري الأديم إذا قطعه لأن الكاذب يقطع القول من غير حقيقة له في الوجود {من بعد ذلك} أي من بعد ظهور الحجة بأن التحريم إنما كان من جهة يعقوب ولم يكن محرماً قبله {فأولئك هم الظالمون} أي هم المستحقون للعذاب لأن كفرهم ظلم منهم لأنفسهم ولمن أضلوه عن الدين من بعدهم وهذا رد على اليهود وتكذيب لهم حيث أرادوا براءة ساحتهم فيما بقي عليهم مما نطق به القرآن من تعديد مساويهم التي كانوا يرتكبونها {قل صدق الله} يعني قل صدق الله يا محمد فيما أخبر أن ذلك النوع من الطعام صار حراماً على إسرائيل وأولاده بعد أن كان حلالاً لهم فصح القول بالنسخ، وبطل قول اليهود معناه صدق الله في قوله أن لحوم الإبل وألبانها كانت محللة لإبراهيم عليه السلام، وإنما حرمت على بني إسرائيل بسبب تحريمها إسرائيل على نفسه وقيل صدق الله في أن سائر الأطعمة كانت محللة على بني إسرائيل وإنما حرمت على اليهود جزاء على قبائح أفعالهم ففيه تعريض بكذب اليهود والمعنى ثبت أن الله تعالى صادق فيما أنزل وأخبر وأنتم كاذبون يا معشر اليهود {فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً} أي اتبعوا ما يدعوكم إليه محمد صلى الله عليه وسلم من ملة إبراهيم وهي الإسلام وهو الدين الصحيح وهو الذي عليه محمد ومن آمن معه وإنما دعاهم إلى ملة إبراهيم ملة محمد صلى الله عليه وسلم {وما كان من المشركين} أي لم يدع مع الله إلهاً آخر ولا عبداً سواه. قوله عز وجل: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة} سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالوا للمسلمين بيت المقدس قبلتنا وهو أفضل من الكعبة وأقدم وهو مهاجر الأنبياء وقبلتهم وأرض المحشر. وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل فأنزل الله هذه الآية، وقيل لما ادعت اليهود والنصارى أنهم على ملة إبراهيم أكذبهم الله تعالى وأخبر أن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين وأمرهم باتباعه فقال تعالى في الآية المتقدمة: {فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً} وكان من أعظم شعائر ملة إبراهيم الحج إلى الكعبة ذكر في هذه الآية فضيلة البيت ليفرع عليها إيجاب الحج وقوله: إن أول بيت وضع للناس الأول هو الفرد السابق المتقدم على ما سواه وقيل هو اسم للشيء الذي يوجد ابتداء سواء حصل عقبه شيء آخر، أو لم يحصل والمعنى أن أول بيت وضع للناس أي وضعه الله موضعاً للطاعات والعبادات وقبلة للصلاة وموضعاً للحج وللطواف تزداد فيه الخيرات وثواب الطاعات وكونه وضع للناس يعني يشترك فيه جميع الناس كما قال تعالى: {أية : سواء العاكف فيه والباد}تفسير : [الحج: 25]. فإن قلت: كيف أضافه إلى نفسه مرة في قوله وطهر بيتي وأضافه للناس أخرى بقوله وضع للناس. قلت: أما إضافته إلى نفسه فعلى سبيل التشريف والتعظيم له كقوله ناقة الله، وأما إضافته إلى الناس فلأنه يشترك فيه جميع الناس لأنه موضع حجهم وقبلة صلاتهم للذي ببكة. قيل هي مكة نفسها والعرب تعاقب بين الباء والميم فيقولون ضربة لازب لازم وقيل بكة اسم لموضع البيت ومكة اسم للبلد وفي اشتقاق بكة وجهان: أحدهما: أنه من البك الذي هو عبارة عن الدفع يقال بكة يبكه إذا دفعه وزاحمه ولهذا قال سعيد بن جبير: سميت بكة لأن الناس يتباكون فيها أي يزدحمون في الطواف وهو قول محمد بن على الباقر ومجاهد وقتادة. الوجه الثاني سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها ولم يقصدها جبار بسوء إلا قصمه الله تعالى وهذا قول عبدالله بن الزبير، وأما مكة فسميت بذلك لقلة مائها من قول العرب مك الفصيل ضرع أمه وامتكه إذا مص كل ما فيه من اللبن، وقيل لأنها تمك الذنوب أي تزيلها وسميت مكة أم رحم لأن الرحمة تنزل بها، والحاطمة لأنها تحطم من استخف بحرمتها، أو لأن الناس يحطم بعضهم بعضاً من الزحمة، وسميت أم القرى لأنها أصل كل بلدة ومن تحتها دحيت الأرض، واختلف العلماء في كون البيت أول بيت وضع للناس على قولين: أحدهما أنه أول في الوضع والبناء قال مجاهد: خلق الله هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرضين وفي رواية عنه إن الله خلق موضع البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرض بألفي عام، وقيل هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السموات والأرض خلقه قبل الأرض بألفي عام وكان زبدة بيضاء على وجه الماء فدحيت الأرض من تحته. وهذا قول ابن عمر ومجاهد وقتادة والسدي. وقيل هو أول بيت بني على الأرض. وروي عن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم أن الله تعالى وضع تحت العرش بيتاً وهو البيت المعمور وأمر الملائكة أن يطوفوا به ثم أمر الملائكة الذين في الأرض أن يبنوا بيتاً في الأرض على مثاله وقدره فبنوا هذا البيت واسمه الضراح، وأمر من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور وروي أن الملائكة بنوه قبل خلق آدم بألفي عام وكانوا يحجونه فلما حجه آدم قالت له الملائكة بر حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام وقال ابن عباس: هو أول بيت بناه آدم في الأرض قيل إن آدم لما أهبط إلى الأرض استوحش وشكا الوحشة فأمره الله تعالى ببناء الكعبة فبناها وطاف بها وبقي ذلك البناء إلى زمان نوح عليه السلام فلما كان الطوفان رفع الله البيت وبقي موضع البيت أكمة بيضاء إلى أن بعث الله إبراهيم عليه السلام فأمره ببنائه. القول الثاني، أن المراد من الأولية كون هذا أول بيت وضع للناس مباركاً ويدل عليه سياق الآية وهو قوله تعالى: {للذي ببكة مباركاً} وروي أن رجلاً قام إلى علي بن أبي طالب فقال: ألا تخبرني عن البيت أهو أول بيت وضع في الأرض؟ قال: لا قد كان قبله بيوت ولكنه أول بيت وضع للناس مباركاً وهدى وفيه مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً وقال الحسن: هو أول مسجد عبد الله فيه، وقال مطرف: هو أول بيت وضع للعبادة. وقال الضحاك: هو أول بيت وضع فيه البركة، وأول بيت وضع للناس يجح إليه، وأول بيت جعل قبلة للناس. (ق) عن أبي ذر قال: "حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع في الأرض قال: المسجد الحرام قلت: ثم أي؟ قال المسجد الأقصى قلت: كم بينهما؟ قال أربعون عاماً ثم الأرض لك مسجداً فحيثما أدركت الصلاة فصلّ" تفسير : زاد البخاري فإن الفضل فيه وقوله {مباركاً} يعني ذا بركة وأصل البركة النمو والزيادة، وقيل هو ثبوت الخير الإلهي فيه وقيل هو أول بيت خص بالبركة وزيادة الخير وقيل لأن الطاعات وسائر العبادات تتضاعف ويزداد ثوابها عنده (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام" تفسير : {وهدى للعالمين} يعني أنه قبلة للمؤمنين يهتدون به إلى جهة صلاتهم. وقيل لأن فيه دلائل على وجود الصانع المختار لما فيه من الآيات التي لا يقدر عليها غيره. وقيل هو هدى للعالمين إلى الجنة لأن من قصده بأن صلّى إليه أو حجه فقد أوجب الله تعالى له الجنة برحمته.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ}، أي: مِنْ بعد ما تبيَّن له الحَقُّ، وقيامُ الحُجَّة، فهو الظَّالِمُ. وقوله: {قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ}، أي: الأمر كما وصَفَ سبحانه، لا كما تَكْذُبونَ، فإن كنتم تَعْتزونَ إلى إبراهيم، فٱتبعوا ملَّته؛ علَىٰ ما ذكر اللَّه. وقوله سبحانه: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ...} الآية: لا مِرْيَة أنَّ إبراهيم ـــ عليه السلام ـــ وضع بيْتَ مكة، وإنما الخلافُ، هَلْ هو وضع بَدْأَةً أوْ وُضِعَ تجديداً؟ وقال الفَخْر: يحتمل أولاً في الوضْعِ والبناءِ، ويحتملُ أنْ يريد أولاً في كونه مباركاً، وهذا تحصيلُ المفسِّرين في الآية. اهـــ. قال ابن العربيِّ في «أحكامِهِ» وكونُ البَيْتِ الحَرَامِ مُبَارَكاً، قيل: بركَتُهُ ثوابُ الأعمال هناك، وقيل: ثوابُ قاصِدِيهِ، وقيل: أمْنُ الوَحْش فيه، وقيل: عُزُوفُ النفْسِ عن الدنيا عِنْدَ رؤيته، قال ابنُ العربيِّ: والصحيحُ عِنْدَي أنَّهُ مُبَارَكٌ مِنْ كلِّ وجْهٍ مِنْ وجوه الدنْيَا والآخرة؛ وذلك بجميعه موجودٌ فيه. اهـــ. قال مالكٌ في سماعِ ٱبْنِ القاسِمِ من «العتبية»: بَكَّة موضعُ البَيْت، ومَكَّة غيره مِنَ المواضعِ، قال ابن القاسِمِ: يريد القَرْيَةَ، قلتُ: قال ابنُ رُشْدٍ في «البيان»: أُرَىٰ مالكاً أخَذَ ذلك مِنْ قول اللَّه عزَّ وَجَلَّ؛ لأنه قال تعالَىٰ في بَكَّة: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً}، وهو إنما وضع بموضعه الَّذي وُضِعَ فيه لا فيما سواه من القرية، وقال في «مَكَّة»؛ {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ} تفسير : [الفتح:24] وذلك إنما كان في القرية، لا في موضع البَيْتَ. اهـــ. وقوله سبحانه: {فِيهِ}، أي: في البيتِ {ءَايَٰتٌ بَيّنَٰتٍ}، قال * ع *: والمترجِّح عندي أنَّ المَقَامَ وأَمْنَ الدَّاخِلِ جُعِلاَ مثالاً ممَّا في حَرَمِ اللَّه منَ الآياتِ وخُصَّا بالذكْرِ؛ لعظمهما، و {مَّقَامُ إِبْرٰهِيمَ}: هو الحَجَرُ المعروفُ؛ قاله الجمهور، وقال قوم: البيتُ كلُّه مقامُ إبراهيم، وقال قومٌ: الحَرَمُ كلُّه مقامُ إبراهيم، والضميرُ في قوله: {وَمَن دَخَلَهُ} عائدٌ على البَيْت؛ في قول الجمهور، وعائدٌ على الحَرَمِ؛ في قول مَنْ قَالَ: مقامُ إبراهيم هو الحَرَمُ. وقوله: {كَانَ ءامِناً} قال الحَسَنُ وغيره: هذه وصْفُ حالٍ كانَتْ في الجاهلية، إذا دخَلَ أحدٌ الحَرَمَ، أَمِنَ، فلا يُعْرَضُ له، فأما في الإسلام، فإن الحرم لا يَمْنَعُ مِنْ حَدٍّ مِنْ حدودِ اللَّه، وقال يَحْيَـى بْنُ جَعْدَةَ: معنى الآية: ومَنْ دخل البيتَ، كان آمناً من النَّار، وحكى النقَّاش عن بَعْض العُبَّاد، قال: كُنْتُ أطوفُ حوْلَ الكعبةِ لَيْلاً، فقلْتُ: يا رَبِّ، إنَّكَ قُلْتَ: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً}، فمماذا هو آمنٌ؟ فسمعتُ مكلِّماً يكلِّمني، وهو يقولُ: مِنَ النَّارِ، فنظَرْتُ، وتأمَّلت، فما كان في المكان أحد، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه»: وقول بعضهم: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمناً من النار ـــ لا يصحُّ حمله علَىٰ عمومه، ولكنه ثَبَتَ؛ أنَّ مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، والحَجُّ المَبْرُور لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلاَّ الجَنَّة. قال ذلك كلَّه رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اهـــ. وقوله تعالى: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} الآية: هو فرضُ الحجِّ في كتابِ اللَّه؛ بإجماع، وقرأ حمزةُ، والكِسَائيُّ، وحَفْص عن عاصِمٍ: «حَجُّ الَبْيتِ»؛ بكَسْر الحاء، وقرأ الباقُونَ بفتحها، فَبِكَسْر الحاء: يريدُون عَمَلَ سَنَةٍ واحدةٍ، وقال الطبريُّ: هما لُغَتَانِ الكَسْر: لُغَةُ نَجْدٍ، والفتْحُ لغة أهل العَالِيَةِ. وقوله سبحانه: {مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} «مَنْ»: في موضعِ خَفْضٍ بدلٍ من «النَّاس»، وهو بدلُ البَعْض من الكلِّ، وقال الكسائيُّ وغيره: هي شَرْطٌ في موضع رفعٍ بالابتداءِ، والجوابُ محذوفٌ، تقديره: فَعَلَيْهِ الحِجُّ؛ ويدلُّ عليه عطْفُ الشرطِ الآخَرِ بعده في قوله: {وَمَنْ كَفَرَ}، وأسند الطبريُّ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: «حديث : مَنْ مَلَكَ زَاداً وَرَاحِلَةً، فَلَمْ يَحُجَّ، فَلاَ عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا»تفسير : ، وذهب جماعةٌ من العلماءِ إلى أنَّ قوله سبحانه: {مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} كلامٌ عامٌّ لا يتفسَّر بزادٍ ولا راحلةٍ، ولا غَيْرِ ذلك، بل إذا كان مستطيعاً غَيْرَ شاقٍّ علَىٰ نفسه، فقد وجَبَ علَيْه الحَجُّ، وإليه نحا مَالِكٌ في سماع أَشْهَبَ، وقال: لا صِفَةَ في هذا أبْيَنُ ممَّا قال الله تعالى. هذا أنْبَلُ الأقوال، وهذه مِنَ الأمور التي يتصرَّف فيها فِقْهُ الحال، والضميرُ في «إِلَيْهِ» عائدٌ على البيت، ويحتملُ عَلَى الحِجِّ. وقوله سبحانه: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، قال ابن عبَّاس وغيره: المعنَىٰ: مَنْ زعم أنَّ الحَجَّ ليس بفَرْضٍ عليه، ورُوِيَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قرأَ هذه الآيةَ، فقَالَ رَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ تَرَكَهُ، كَفَرَ، فَقَالَ لَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ تَرَكَهُ، لاَ يَخَافُ عُقُوبَتَهُ، ومَنْ حَجَّهُ لاَ يَرْجُو ثَوَابَهُ، فَهُوَ ذَلِكَ»تفسير : ، وقال بمعنَىٰ هذا الحديثِ ابْنُ عبَّاس وغيره، وقال السُّدِّيُّ وجماعة مِنْ أهْل العلْم. معْنَى الآيةِ: مَنْ كَفَر بأنْ وَجَد ما يَحُجُّ به، ثم لَمْ يَحُجَّ، قال السُّدِّيُّ: مَنْ كان بهذه الحالِ، فهو كافرٌ، يعني: كُفْرَ مَعْصية، ولا شكَّ أنَّ مَنْ أنعم اللَّه علَيْه بمالٍ وصحَّة، ولم يَحُجَّ، فقد كَفَر النِّعْمَةَ، وقال ابنُ عُمَر وجماعةٌ: معنى الآيةِ: ومن كَفَر باللَّه واليومِ الآخِرِ، قال الفَخْر: والأكثرون هم الذين حَمَلُوا الوعيدَ علَىٰ مَنْ ترك اعتقادَ وُجُوبَ الحجِّ، وقال الضَّحَّاك: لما نَزلَتْ آية الحَجِّ، فأعْلَمِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بذَلِكَ أَهْلَ المِلَلِ، وقَالَ: «حديث : إنَّ اللَّه تَعالَىٰ كَتَبَ عَلَيْكُمْ الحَجُّ، فحُجُّوا»تفسير : ، فَآمَنَ بِهِ المُسْلِمُونَ وَكَفَرَ غَيْرُهُم فَنَزَلَتِ الآيةُ، قَالَ الفَخْرُ وهذا هو الأقوَىٰ، واللَّه أعلم. اهـــ. ومعنى قوله تعالى: {غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ}: الوعيدُ لِمَنْ كفر، والقَصْدُ بالكلامِ: فَإنَّ اللَّه غنيٌّ عنهم، ولكن عمَّم اللفظ؛ ليَبْرَعَ المعنَىٰ، وتنتبه الفِكَرُ لقدرته سبحانه، وعظيم سلطانه، واستغنائه عن جميعِ خَلْقِهِ لا ربَّ سواه.
ابو السعود
تفسير : {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} أي اختلقه عليه سبحانه بزعمه أنه حرَّم ما ذُكر قبل نزولِ التوراةِ على بني إسرائيلَ و[على] مَنْ تقدَّمهم من الأمم {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} من بعد ما ذُكر من أمرهم بإحضار التوراةِ وتلاوتِها وما ترتب عليه من التبكيت والإلزامِ، والتقيـيدُ به للدَلالة على كمال القبحِ {فَأُوْلَـئِكَ} إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافِه بما في حيز الصلةِ، والجمعُ باعتبار معناه كما أن الإفراد في الصلة باعتبار لفظِه، وما فيه من معنى البُعد للإشعار ببُعدِ منزلتِهم في الضلال والطُغيان، أي فأولئك المُصِرُّون على الافتراء بعد ما ظهرت حقيقةُ الحال وضاقت عليهم حَلْبةُ المُحاجَّة والجدالِ {هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} المفْرِطون في الظلم والعُدوان المُبْعِدون فيهما، والجملةُ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب مَسوقةٌ من جهته تعالى لبـيان كمالِ عُتوِّهم، وقيل: هي في محل النصبِ داخلةٌ تحت القولِ عطفاً على قوله تعالى: {فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ} {قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ} أي ظهر وثبت صِدقُه تعالى فيما أنزل في شأن التحريمِ، وقيل: في قوله تعالى: {أية : مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ يَهُودِيّا } تفسير : [آل عمران: 67] الخ أو صَدَق في كل شأنٍ من الشؤون وهو داخلٌ في ذلك دخولاً أولياً، وفيه تعريضٌ بكذبهم الصريح {فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ} أي ملةَ الإسلامِ التي هي في الأصل ملةُ إبراهيمَ عليه السلام فإنكم ما كنتم متّبعين لمِلّته كما تزعُمون، أو فاتّبعوا مِلَّته حتى تتخلصوا من اليهودية التي اضطَرَّتْكم إلى التحريف والمكابدةِ وتلفيقِ الأكاذيبِ لتسوية الأغراضِ الدنيئةِ الدنيويةِ وألزمتكم تحريمَ طيباتٍ محلَّلةٍ لإبراهيمَ عليه السلام ومن تبِعَه للدَلالة على أن ظهورَ صدقِه تعالى موجبٌ للاتباع وتركِ ما كانوا عليه {حَنِيفاً} أي مائلاً عن الأديان الزائغةِ كلِّها {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي في أمر من أمور دينِه أصلاً وفرعاً، وفيه تعريضٌ بإشراك اليهودِ وتصريحٌ بأنه عليه السلام ليس بـينه وبـينهم علاقةٌ دينيةٌ قطعاً، والغرضُ بـيانُ أن النبـي صلى الله عليه وسلم على دين إبراهيمَ عليه السلام في الأصول لأنه لا يدعو إلا إلى التوحيد والبراءةِ عن كل معبودٍ سواه سبحانه وتعالى، والجملةُ تذيـيلٌ لما قبلها. {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} شروعٌ في بـيان كفرِهم ببعضٍ آخرَ من شعائر ملتِه عليه السلام إثرَ بـيانِ كفرِهم بكون كلِّ المطعومات حِلاًّ له عليه السلام، رُوي أنهم قالوا: بـيتُ المقدس أعظمُ من الكعبة لأنه مُهاجَرُ الأنبـياءِ و[لكونه] في الأرض المقدسة، وقال المسلمون: بل الكعبةُ أعظمُ فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فنزلتْ، أي إن أولَ بـيتٍ وُضع للعبادة وجُعِل مُتعبَّداً لهم، والواضعُ هو الله تعالى ويؤيِّده القراءةُ على البناء للفاعل، وقوله تعالى: {لَلَّذِى بِبَكَّةَ} خبرٌ لإن وإنما أُخبر بالمعرفة مع كونِ اسمِها نكرةً لتخصُّصها بسببـين: الإضافةِ والوصفِ بالجملة بعدها أي لَلْبـيتُ الذي ببكةَ أي فيها، وفي ترك الموصوفِ من التفخيم ما لا يخفى، وبكةُ لغةٌ في مكةَ، فإن العربَ تعاقِبُ بـين الباء والميم كما في قولهم: ضربةُ لازبٍ ولازم، والنميطُ والنبـيط في اسم موضعٍ بالدَّهناء، وقولِهم أمرٌ راتبٌ وراتمٌ وسبّد رأسَه وسمّدها وأغبطت الحِمىٰ وأغمطت: وهي عَلَم للبلد الحرام من بكّة إذا زحَمه لازدحام الناس فيه. وعن قتادة يُبكُّ الناسُ بعضُهم بعضاً أو لأنها تُبكُّ أعناقَ الجبابرة أي تدُقُّها، لم يقصِدْها جبارٌ إلا قصمَه الله عز وجل، وقيل: بكةُ اسمٌ لبطن مكةَ، وقيل: لموضع البـيتِ، وقيل: للمسجد نفسِه، ومكةُ اسمٌ للبلد كلِّه وأيَّد هذا بأن التَّباكَّ وهو الازدحامُ إنما يقع عند الطوافِ، وقيل: مكةُ اسمٌ للمسجد والمطاف، وبكةٌ اسمٌ للبلد لقوله تعالى: {لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً}. روي «حديث : أنه عليه السلام سُئل عن أول بـيتٍ وضع للناس فقال: "المسجدُ الحرام ثم بـيتُ المقدس" وسئل: كم بـينهما؟ فقال: "أربعون سنة"» تفسير : وقيل: أولُ من بناه إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام وقيل: آدمُ عليه السلام، وقد استوفينا ما فيه من الأقاويل في سورة البقرة، وقيل: أولُ بـيتٍ وضعَ بالشرف لا بالزمان {مُبَارَكاً} كثيرَ الخير والنفعِ لِمَا يحصُل لمن حجَّه واعتمره واعتكف فيه وطاف حوله من الثواب وتكفيرِ الذنوب، وهو حال من المستكنّ في الظرف، لأن التقديرَ للذي ببكةَ هو، والعاملُ فيه ما قُدّر في الظرف من فعل الاستقرار {وَهَدَىٰ لّلْعَـٰلَمِينَ} لأنه قبلتُهم ومُتعبَّدُهم ولأن فيه آياتٍ عجيبةً دالةً على عظيم قدرتِه تعالى وبالغِ حكمتِه.
اسماعيل حقي
تفسير : {فمن افترى على الله الكذب} اى اختلق عليه سبحانه بزعمه انه حرم ما ذكر قبل نزول التوراة على بنى اسرائيل ومن تقدمهم من الامم {من بعد ذلك} اى من بعد ما ذكر من امرهم باحضار التوراة وتلاوتها وما ترتب عليه من التبكيت والالزام {فاولئك} المصرون على الافتراء بعد ان ظهرت حقيقة الحال وضاقت عليهم حيلة المحاجة والجدال {هم الظالمون} المفرطون فى الظلم والعدوان المبعدون فيهما {قل صدق الله} اى ظهر وثبت صدقه تعالى فيما انزل فى شان التحريم {فاتبعوا ملة ابراهيم} اى ملة الاسلام التى هى فى الاصل ملة ابراهيم عليه السلام فانكم ما كنتم متبعين لملته كما تزعمون {حنيفا} حال من ابراهيم اى مائلا عن الاديان الزائغة كلها {وما كان من المشركين} اى فى امر من امور دينهم اصلا وفرعا وفيه تعريض باشراك اليهود وتصريح بانه عليه السلام ليس بينه وبينهم علاقة دينية قطعا والغرض بيان ان النبى عليه السلام على دين ابراهيم فى الاصول لانه لا يدعو الا الى التوحيد والبراءة من كل معبود سواه سبحانه وتعالى. قال نجم الدين فى التأويلات الاشارة فى تحقيق الآيات ان الله تعالى خلق الخلق على ثلاثة اصناف. صنف منها الملك الروحانى العلوى اللطيف النورانى وجعل غذاءهم من جنسهم الذكر وخلقهم للعبادة. وصنف منها الحيوان الجسمانى السفلى الكثيف الظلمانى وجعل غداءهم من جنسهم الطعام وخلقهم للعبرة والخدمة. وصنف منها الانسان المركب من الملكى الروحانى والحيوانى الجسمانى وجعل غذاءهم من جنسهم لروحانيهم الذكر ولجسمانيهم الطعام وخلقهم للعبادة والمعرفة. فمنهم ظالم لنفسه وهو الذى غلبت حيوانيته على روحانيته فبالغ فى غذاء جسمانيته وقصر فى غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت حيوانيته اولئك كالانعام بل هم اضل شعر : مرودربى هرجه دل خواهدت كه تمكين تن نورجان كاهدت زدوران بسى نامرادى برى اكرهر جه باشد مرادت خورى كند مردرا نفس اماره خوار اكرهو شمندى عزيزش مدار دريغ آدمى زاده بر محل كه باشد جوانعام بل هم اضل تفسير : ومنهم مقتصد وهو الذى تساوت روحانيته وحيوانيته فغذى كل واحدة منهما غذاءها خلطوا عملا صالحا وآخر شيئاً عسى الله ان يتوب عليهم. ومنهم سابق بالخيرات وهو الذى غلبت روحانيته على حيوانيته فبالغ فى غذاء روحانيته وهو الذكر وقصر فى غذاء حيوانيته وهو الطعام حتى ماتت نفسه واستوت قوى روحه اولئك هم خير البرية فكان كل الطعام حلالا لهم كما كان حلالا للحيوان الا ما حرم الانسان السابق بالخيرات على نفسه بموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح {أية : من قبل} تفسير : [آل عمران: 93]. ان ينزل عليه الوحى والالهام كما قيل المجاهدات تورث المشاهدات{فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك} بان يهتدى الى الحق من غير جهاد النفس {فاولئك هم الظالمون} الذين يضعون الشىء فى غير موضعه وقد قال تعالى {أية : وجاهدوا فى الله حق جهاده} تفسير : [الحج: 78]. {قل صدق الله} فيما قال لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون {فاتبعوا ملة ابراهيم حنيفا} وكان ملته انفاق المال على الضيفان وبذل الروح عند الامتحان وتسليم القربان وهذه ملة الخلة {وما كان من المشركين} الذين يتخذون مع الله خليلا آخر ويجعلون الشركة فى الخلة شعر : اكر جز بحق ميرود جاده ات در آتش فشانند سجاده اث تفسير : فالاولياء هم الذين يحبون الله ومن يحبه الله فان محبة اهل الحق محبة الله وليس فيها شرك قال الفضيل ابن عياض قدس سره يقول الله تعالى يوم القيامة يا ابن آدم اما زهدك فى الدنيا فانما طلبت الراحة لنفسك فى الآخرة واما انقطاعك الىّ فانما طلبت العز لنفسك ولكن هل عاديت لى عدوا او واليت لى وليا فى الله فعلامة اتباع ملة ابراهيم هو الاطاعة للحق والتبرى من كل دين سوى الاسلام ومحبة الاولياء وعداوة الاعداء ولو كان المرء آتيا بجميع الطاعات وليس فى قلبه خلوص المحبة فانما يضرب حديدا باردا والله تعالى لا يحب القلب المشترك بمحبة غيره من شهوة او غيرها. قال محمد ابن حسان رحمه الله بينما انا ادور فى جبل لبنان اذ خرج على شاب قد احرقته السموم والرياح فلما رآنى ولى هاربا فتبعته وقلت عظنى بكلمة انتفع بها قال احذره تعالى فانه غيور لا يحب ان يرى فى قلب عبد سواه. فعلى العاقل ان يجتهد فى سلوك هذا الطريق الى ان يصل الى منزل التحقيق ومن الله التوفيق فى كل امر خفى وجلى ودقيق.
الطوسي
تفسير : اللغة: الافتراء: اقتراف الكذب وأصله قطع ما يقدر من الأدم، يقال فرى الاديم يفريه فرياً: إذا قطعه، فقيل للكذب الفرية، لأنه يقطع به على التقدير من غير تحقيق. المعنى: فان قيل: كيف قال: {افترى على الله الكذب} وعلى للاستعلاء، فما معناها ها هنا؟ قلنا: معناها إضافته الكذب إليه من جهة أنه أمر بما لم يأمر به الله فأوجب ما لم يوجبه، وكذب عليه بخلاف كذب له، لأن كذب عليه يفيد أنه كذب فيما يكرهه، وكذب له قد يجوز فيما يريده. فان قيل كيف قيد وعيد المفتري على الله الكذب بـ {من بعد ذلك} وهو يستحق الوعيد بالكذب عليه على كل حال؟ قلنا: المراد به البيان أنه يلزم من بعد إقامة الحجة على العبد فيه، لأنه لو كذب على الله (عز وجل) فيما ليس بمحجوج فيه لجرى مجرى كذب الصبي الذي لا يستحق الوعيد به. وإنما وصف المفتري على الله كذباً بأنه ظالم، من حيث كان ظالماً لنفسه، ولمن استدعى إلى مذهبه فيما يكذب به، لأن ذلك الكذب يستحق به العقاب. والظلم والجور واحد وإن كان أصلهما مختلفاً، لأن أصل الظلم النقصان للحق. والجور العدول عن الحق، ولذلك قيل في ضد الظلم الانصاف. وفي ضد الجور العدل. والانصاف هو إعطاء الحق على التمام.
الجنابذي
تفسير : {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} بادّعاء انّ المحرّمات كانت محرّمة من زمن نوح {مِن بَعْدِ ذَلِكَ} المذكور من المحاجّة والزام الحجّة {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} تأكيد وحصر ادّعاء مبالغة، وظلمهم عبارة عن وضع الانكار موضع التّصديق والاقرار.
اطفيش
تفسير : {فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}: من ابتدع الكذب على الله بأن قال فى شىء لم يحرمه الله، إن الله حرمه، أو قال فيما حرم على بنى إسرائيل لبغيهم، أنه حرم على من قبلهم، فكانوا فيه تبعاً من بعد ذلك المذكور من كون الطعام كله كان حلالهم، إلا ما حرم إسرائيل. {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}: الواضعون للشىء فى غير موضعه، بأن جعلوا الباطل حقا، والحق باطلا، أو المنقوصون حظ أنفسهم، وأنفس من أخلوه بأن عرضوها للهلاك بإنكار الحق.
اطفيش
تفسير : {فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ} فى شأن تحريم ذلك على عهد إبراهيم ومن قبله كغير ذلك الشأن، وذلك غير داخل فى القول، أى إذا تحقق ذلك، فمن افترى، أو داخل فيه، ومحل النصب لمجموع أتوا إلى الظالمون، لا لأتوا وحده فضلا عن أن يكون لهذه الجملة محل نصب عطفاً عليها، ولا محل له، ولو عطفناه على أتوا، بل المحل للمجموع {مِن بَعْدِ ذَلِكَ} أى قيام الحجة بأن التحريم من يعقوب {فأُوْلَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ} لأنفسهم ولمن غروه، ومن العجيب أنهم يجيزون كون من موصولة فى كل موضع تصليح فيه معنى، مع أن الأصل فى العموم من الشرطية لا الموصولة، ون الأصل فى الفاء الربط فى جواب الشرط لا الزيادة فى خبر الموصول، وإنما يصار إلى الموصولة إذا قام دليل، وقيد البعدية لكمال القبح والوعيد، لا لإباحة ما قبلها، لأنهم مكلفون قبلها فيما يدرك بالعلم، فلو سألوا لأجيبوا، فليسوا قبلها كالصبى.
الالوسي
تفسير : {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } أي اخترع ذلك بزعمه أن التحريم كان على الأنبياء وأممهم قبل نزول التوراة فمن عبارة عن أولئك اليهود، ويحتمل أن تكون عامة ويدخلون حينئذٍ دخولاً أولياً، وأصل الافتراء قطع الأديم يقال: فرى الأديم يفريه فرياً إذا قطعه، واستعمل في الابتداع والاختلاق، والجملة يحتمل أن تكون مستأنفة وأن تكون منصوبة المحل معطوفة على جملة {أية : فَأتُواْ} تفسير : [آل عمران: 93] فتدخل تحت القول، ومن يجوز أن تكون شرطية وأن تكون موصولة وقد روعي لفظها ومعناها. {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } أي أمرهم بما ذكر وما يترتب عليه من قيام الحجة وظهور البينة. {فَأُوْلَـٰئِكَ } أي المفترون المبعدون عن عز القرب {هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } لأنفسهم بفعل ما أوجب العقاب عليهم، وقيل: هم الظالمون لأنفسهم بذلك ولأشياعهم بإضلالهم لهم بسبب إصرارهم على الباطل وعدم تصديقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما قيد بالبعدية ـ مع أنه يستحق الوعيد بالكذب على الله تعالى في كل وقت وفي كل حال ـ للدلالة على كمال القبح، وقيل: لبيان أنه إنما يؤاخذ به بعد إقامة الحجة عليه ومن كذب فيما ليس بمحجوج فيه فهو بمنزلة الصبـي الذي لا يستحق الوعيد بكذبه وفيه تأمل، ثم مناسبة هذه الآية لما قبلها أن الأكل إنفاق مما يحب لكن على نفسه وإلى ذلك أشار علي بن عيسى، وقيل: إنه لما تقدم محاجتهم في ملة إبراهيم عليه السلام وكان مما أنكروا على نبينا صلى الله عليه وسلم أكل لحوم الإبل وادعوا أنه خلاف ملة إبراهيم ناسب أن يذكر رد دعواهم ذلك عقيب تلك المحاجة.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَأُوْلَـٰئِكَ} {ٱلظَّالِمُونَ} (94) - فَمَنِ افْتَرَى الكَذِبَ عَلَى اللهِ، وَاخْتَرَعَهُ، وَزَعَمَ أنَّ التَّحْرِيمَ كَانَ نَزَلَ عَلَى الأَنْبِياءِ السَّابِقِينَ، قَبْلَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ، فَهَؤُلاَءِ هُمُ الظَّالِمُونَ المُسْتَحِقُّونَ عَذَابَ اللهِ، لأنَّهُمْ ضَلُّوا وَأضَلُّوا أشْيَاعَهُمْ بِإصْرَارِهِمْ عَلَى اتِّبَاعِ البَاطِلِ، وَعَدَمِ تَصْدِيقِهِمْ رَسُولَ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إن في هذا القول التحذير الواضح ألا يختلق أحد على الله شيئاً لم ينزل به رسول أو كتاب فمن يفتري الكذب على الله لا يظلم إلا نفسه. ويقول الحق بعد ذلك: {قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} معناهُ اخْتَلَقَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):