Verse. 3826 (AR)

٣٧ - ٱلصَّافَّات

37 - As-Saffat (AR)

اِنَّكُمْ لَذَاۗىِٕقُوا الْعَذَابِ الْاَلِــيْمِ۝۳۸ۚ
Innakum lathaiqoo alAAathabi alaleemi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنكم» فيه التفات «لذائقوا العذاب الأليم».

38

Tafseer

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخاطباً للناس: { إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمِ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } ثم استثنى من ذلك عباده المخلصين؛ كما قال تعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} تفسير : [العصر: 1 ــــ 3] وقال عز وجل: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِىۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} تفسير : [التين: 4 ــــ 6] وقال تعالى: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ثُمَّ نُنَجِّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} تفسير : [مريم: 71 ــــ 72] وقال تعالى: {أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْيَمِينِ} تفسير : [المدثر: 38 ــــ 39] ولهذا قال جل وعلا ههنا: { إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} أي: ليسوا يذوقون العذاب الأليم، ولا يناقشون في الحساب، بل يتجاوز عن سيئاتهم إن كان لهم سيئات، ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف إلى أضعاف كثيرة إلى ما شاء الله تعالى من التضعيف. وقوله جل وعلا: { أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ} قال قتادة والسدي: يعني الجنة، ثم فسره بقوله تعالى: {فَوَٰكِهُ} أي: متنوعة {وَهُم مُّكْرَمُونَ} أي: يخدمون ويرفهون وينعمون { فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ } قال مجاهد: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدثنا حسان بن حسان، حدثنا إبراهيم بن بشر، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا إبراهيم القرشي عن سعيد بن شرحبيل عن زيد بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية: {عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ}: ينظر بعضهم إلى بعض، حديث غريب. وقوله تعالى: { يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّـٰرِبِينَ لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ } كما قال عز وجل في الآية الأخرى: {أية : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَٰنٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ } تفسير : [الواقعة: 17 ــــ 19] نزه الله سبحانه وتعالى خمر الجنة عن الآفات التي في خمر الدنيا؛ من صداع الرأس، ووجع البطن، وهو الغول، وذهابها بالعقل جملة، فقال تعالى ههنا: { يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ} أي: بخمر من أنهار جارية، لا يخافون انقطاعها ولا فراغها. قال مالك عن زيد بن أسلم: خمر جارية بيضاء، أي: لونها مشرق حسن بهي، لا كخمر الدنيا في منظرها البشع الرديء؛ من حمرة أو سواد أو اصفرار أو كدورة، إلى غير ذلك مما ينفر الطبع السليم. وقوله عز وجل: {لَّذَّةٍ لِّلشَّـٰرِبِينَ} أي: طعمها طيب كلونها، وطيب الطعم دليل على طيب الريح، بخلاف خمر الدنيا في جميع ذلك. وقوله تعالى: {لاَ فِيهَا غَوْلٌ} يعني: لا تؤثر فيها غولاً، وهو وجع البطن، قاله ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة وابن زيد؛ كما تفعله خمر الدنيا من القولنج ونحوه لكثرة مائيتها، وقيل: المراد بالغول ههنا: صداع الرأس، وروي هكذا عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال قتادة: هو صداع الرأس، ووجع البطن. وعنه وعن السدي: لا تغتال عقولهم كما قال الشاعر:شعر : فما زالتِ الكأسُ تغتالُنا وتَذْهَبُ بالأولِ الأولِ تفسير : وقال سعيد بن جبير: لا مكروه فيها، ولا أذى، والصحيح قول مجاهد أنه وجع البطن، وقوله تعالى: {وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} قال مجاهد: لا تذهب عقولهم. وكذا قال ابن عباس ومحمد بن كعب والحسن وعطاء بن أبي مسلم الخراساني والسدي وغيرهم. وقال الضحاك عن ابن عباس: في الخمر أربع خصال: السكر والصداع والقيء والبول، فذكر الله خمر الجنة، فنزهها عن هذه الخصال؛ كما ذكر في سورة الصافات. وقوله تعالى: {وَعِندَهُمْ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ} أي: عفيفات، لا ينظرن إلى غير أزواجهن. كذا قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وزيد بن أسلم وقتادة والسدي وغيرهم. وقوله تبارك وتعالى: {عِينٌ} أي: حسان الأعين. وقيل: ضخام الأعين. وهو يرجع إلى الأول، وهي النجلاء العيناء، فوصف عيونهن بالحسن والعفة؛ كقول زليخا في يوسف عليه الصلاة والسلام حين جملته وأخرجته على تلك النسوة، فأعظمنه وأكبرنه، وظنن أنه ملك من الملائكة؛ لحسنه وبهاء منظره، قالت: {أية : فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ} تفسير : [يوسف: 32] أي: هو مع هذا الجمال عفيف تقي نقي، وهكذا الحور العين {أية : خَيْرَٰتٌ حِسَانٌ} تفسير : [الرحمن: 70]، ولهذا قال عز وجل: { وَعِندَهُمْ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌ}. وقوله جل جلاله: { كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} وصفهن بترافة الأبدان بأحسن الألوان. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: { كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} يقول: اللؤلؤ المكنون، وينشد ههنا بيت أبي دهبل الشاعر، وهو قوله في قصيدة له:شعر : وَهْيَ زَهْراءُ مِثْل لُؤْلُؤَةِ الغَوَّ اصِ مِيْزَتْ مِنْ جَوْهَرِ مَكْنُونِ تفسير : وقال الحسن: { كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} يعني: محصون لم تمسه الأيدي، وقال السدي: البيض في عشه مكنون. وقال سعيد بن جبير: { كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} يعني: بطن البيض. وقال عطاء الخراساني: هو السحاء الذي يكون بين قشرته العليا ولباب البيضة، وقال السدي: { كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} يقول: بياض البيض حين نزع قشرته. واختاره ابن جرير؛ لقوله: مكنون، قال: والقشرة العليا يمسها جناح الطير والعش، وتنالها الأيدي، بخلاف داخلها والله أعلم. وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثنا محمد بن الفرج الصدفي الدمياطي عن عمرو بن هاشم عن ابن أبي كريمة عن هشام عن الحسن عن أمه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عز وجل: {أية : وَحُورٌ عِينٌ} تفسير : [الواقعة: 22] قال: «حديث : العين: الضخام العيون، شفر الحوراء بمنزلة جناح النسر» تفسير : قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عز وجل: { كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} قال: «حديث : رقتهن كرقة الجلدة التي رأسها في داخل البيضة التي تلي القشر، وهي الغرقىء»تفسير : . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان النهدي، حدثنا عبد السلام بن حرب عن ليث عن الربيع بن أنس عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا حزنوا، وأنا شفيعهم إذا حبسوا، لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على الله عز وجل ولا فخر، يطوف عليَّ ألف خادم كأنهن البيض المكنون ــــ أو اللؤلؤ المكنون ــــ»تفسير : ، والله تعالى أعلم بالصواب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّكُمْ } فيه التفات {لَذَآئِقُوا ٱلْعَذَابِ ٱلأَلِيمِ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {يُطاف عليهم بكأسٍ من مَعينٍ} أي من خمر معين وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الجاري؛ قاله الضحاك. الثاني: الذي لا ينقطع، حكاه جويبر. الثالث: أنه الذي لم يعصر، قاله سعيد بن أبي عروبة. ويحتمل رابعاً: أنه الخمر بعينه الذي لم يمزج بغيره. وفي المعين من الماء خمسة أوجه: أحدها: أنه الظاهر للعين، قاله الكلبي. الثاني: ما مدّته العيون فاتصل ولم ينقطع، قاله الحسن. الثالث: أنه الشديد الجري من قولهم أمعن في كذا إذا اشتد دخوله فيه. الرابع: أنه الكثير مأخوذ من المعين وهو الشيء الكثير. الخامس: أنه المنتفع به مأخوذ من الماعون، قاله الفراء. {بيضاء لذَّةٍ للشاربين} يعني أن خمر الجنة بيضاء اللون، وهي في قراءة ابن مسعود صفراء. ويحتمل أن تكون بيضاء الكأس صفراء اللون فيكون اختلاف لونهما في منظرهما قال الشاعر: شعر : فكأن بهجتها وبهجة كأسها نار ونور قيّدا بوعاء. تفسير : قوله عز وجل: {لا فيها غَوْلٌ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أي ليس فيها صداع، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. الثاني: ليس فيها وجع البطن، قاله مجاهد. الثالث: ليس فيها أذى، قاله الفراء وعكرمة وهذه الثلاثة متقاربة لاشتقاق الغول من الغائلة. الرابع: ليس فيها إثم، قاله الكلبي. الخامس: أنها لا تغتال عقولهم، قاله السدي وأبو عبيدة، ومنه قول الشاعر: شعر : وهذا من الغيلة أن يصرع واحد واحدا تفسير : {ولا هم عنها ينزفون} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: لا تنزف العقل ولا تذهب الحلم بالسكر، قاله عطاء، ومنه قول الشاعر: شعر : لعمري لئن أنزفتم أو صحوتُم لبئس الندامى كنتم آل أبجرا تفسير : الثاني: لا يبولون، قاله ابن عباس، وحكى الضحاك عنه أنه قال: في الخمر أربع خصال: السكر والصداع والقيء والبول، فذكر الله تعالى خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال. الثالث: أي لا تفنى مأخوذ من نزف الركية، قاله أبو عمرو بن العلاء، ومنه قول الشاعر: شعر : دعيني لا أبا لك أن تطيقي لحاك الله قد أنزفت ريقي تفسير : وقد يختلف هذا التأويل باختلاف القراءة، فقرأ حمزة والكسائي، ينزفون بكسر الزاي، وقرأ الباقون يُنزَفون بفتح الزاي، والفرق بينهما أن الفتح من نزف فهو منزوف إذا ذهب عقله بالسكر، والكسر من أنزف فهو منزوف إذا فنيت خمره، وإنما صرف الله تعالى السكر عن أهل الجنة لئلا ينقطع عنهم التذاذ نعيمهم. قوله عز وجل: {وعندهم قاصِراتُ الطّرفِ عينٌ} يعني بقاصرات الطرف النساء اللاتي قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم مأخوذ من قولهم: قد اقتصر على كذا إذا اقتنع به وعدل عن غيره، قال امرؤ القيس: شعر : من القاصرات الطرف لو دب مُحولٌ من الذّرّ فوق الخد منها لأثّرا تفسير : وفي العين وجهان: أحدهما: الحسان العيون، قاله مجاهد ومقاتل. الثاني: العظام الأعين، قاله الأخفش وقطرب. {كأنهن بيضٌ مكنون} فيه وجهان: أحدهما: يعني اللؤلؤ في صدفه، قاله ابن عباس، ومنه قول الشاعر: شعر : وهي بيضاء مثل لؤلؤة الغوا ص ميزت من جوهر مكنون تفسير : الثاني: يعني البيض المعروف في قشره، والمكنون المصون. وفي تشبيههم بالبيض المكنون أربعة أوجه: أحدها: تشبيهاً ببيض النعام يُكنّ بالريش من الغبار والريح فهو أبيض إلى الصفرة، قاله الحسن. الثاني: تشبيهاً ببطن البيض إذا لم تمسه يد، قاله سعيد بن جبير. الثالث: تشبيهاً ببياض البيض حين ينزع قشرة، قاله السدي. الرابع: تشبيهاً بالسحاء الذي يكون بين القشرة العليا ولباب البيض، قاله عطاء.

الخازن

تفسير : {إنكم لذائقوا العذاب الأليم وما تجزون إلا ما كنتم تعملون} أي في الدنيا من الشرك والتكذيب {إلا} أي لكن وهو استثناء منقطع {عباد الله المخلصين} أي الموحدين {أولئك لهم رزق معلوم} يعني بكرة وعشياً وقيل حين يشتهونه يؤتون به وقيل إنه معلوم الصفة من طيب طعم ولذة ورائحة وحسن منظر ثم وصف ذلك الرزق فقال تعالى: {فواكه} جمع فاكهة وهي الثمار كلها رطبها ويابسها وكل طعام يؤكل للتلذذ لا للقوت. وقيل إن أرزاق أهل الجنة كلها فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات لأن أجسادهم خلقت للأبد فكل ما يأكلونه على سبيل التلذذ ثم إن ذلك حاصل مع الإكرام والتعظيم كما قال تعالى: {وهم مكرمون} أي بثواب الله تعالى ثم وصف مساكنهم فقال تعالى: {في جنات النعيم على سرر متقابلين} يعني لا يرى بعضهم قفا بعض ثم وصف شرابهم فقال تعالى: {يطاف عليهم بكأس من معين} كل إناء فيه شراب يسمى كأساً وإذا لم يكن فيه شراب فهو إناء وقد تسمى الخمر نفسها كأساً قال الشاعر: شعر : وكأساً شربت على لذة تفسير : ومعنى معين أي من خمر جارية في الأنهار ظاهرة تراها العيون {بيضاء} يعني أن خمر الجنة أشد بياضاً من اللبن {لذة} أي لذيذة {للشاربين لا فيها غول} أي لا تغتال عقولهم فتذهب بها وقيل لا إثم فيها ولا وجع البطن ولا صداع وقيل الغول فساد يلحق في خفاء وخمر الدنيا يحصل منها أنواع من الفساد ومنها السكر وذهاب العقل ووجع البطن وصداع الرأس والبول والقيء والخمار والعربدة وغير ذلك ولا يوجد شيء من ذلك في خمر الجنة {ولا هم عنها ينزفون} أي لا تغلبهم على عقولهم ولا يسكرون وقيل معناه لا ينفد شرابهم ثم وصف أزواجهم فقال تعالى: {وعندهم قاصرات الطرف} أي حابسات الأعين غاضات العيون قصرن أعينهن على أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهم {عين} أي حسان الأعين عظامها {كأنهن بيض مكنون} أي مصون مستور شبههن ببيض النعام لأنها تكنها بالريش من الريح والغبار فيكون لونها أبيض في صفرة ويقال هذا من أحسن ألوان النساء وهو أن تكون المرأة بيضاء مشوبة بصفرة والعرب تشبه المرأة ببيض النعامة وتسميهن ببيضات الخدور.

ابن عادل

تفسير : قوله:{لَذَآئِقُو ٱلْعَذَابَ} العامة على حذف النون والجر. وقرأ بعضهم بإثباتها والنصب هو الأصل. وقرأ أبان بن تَغْلِب - عن عاصم وأبو السَّمَّال في رواية - بحذف النون والنصب أَجْرَى النون مُجْرَى التنوين في حذفها لالتقاء الساكنين كقوله: {أية : أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ} تفسير : [الإخلاص:1-2] (و). شعر : 4192- وَلاَ ذَاكِر اللَّه إلاَّ قَلِيلاً تفسير : وقال أبو البقاء: قرىء شاذا بالنصب. وهو سهو من قارئه لأن اسم الفاعل يحذف منه النون وينصب إذا كان فيه الألف واللام، قال شهاب الدين: وليس بسهوٍ لما تقدم، وقرأ أبو السمال أيضاً لذائق بالإفراد والتنوين الْعَذَابَ نصباً. وتخريجه. على حذف اسم جمع هذه صفته أي إنكم لفريقٌ أو لجمعٌ ذائقٌ ليتطابق الاسم والخبر في الجَمْعِيَّة. ثم كأنه قيل: فكيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي عن النفع والضر أن يعذب عباده؟ فأجاب بقوله: {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي "إلا جزاء ما كنتم تعملون". قوله: {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ} استثناء منقطع أي لكن عباد الله المخلصين الموحدين، وقوله: "أُوْلَئِكَ لَهُمْ" بيان لحالهم، وقد تقدم في فتح اللام وكسرها من المُخْلَصِينَ قراءتان فمن قرأ بالفتح فالمعنى أن الله تعالى أخلصهم واصطفاهم بفضله. والكسر هو أنهم أخلصوا الطاعة لله تعالى. والرزق المعلوم قيل: بُكْرَةً وعَشِيًّا لقوله: {أية : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} تفسير : [مريم:62] فيكون المراد منه معلوم الوقت وهو مقدار غَدْوَةٍ أو عَشْوَة وإن لم يكن ثم بكرة ولا عشية. وقيل: ذلك الرزق معلوم الصفة أي مخصوصاً بصفات من طيب طعم ولذة وحسن منظر. وقيل معناه أنهم يتيقنون دوامة لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ومتى ينقطع وقيل: معلوم القدر الذي يستحقونه بأعمالهم من ثواب الله وقد (بين أنه) تعالى يعطيهم غير ذلك تَفَضُّلاً. قوله: "فَوَاكِهُ" يجوز أن يكون بدلاً من "رزقٍ" وأن يكون خبر ابتداء مضمر أي ذلك الرزق فَوَاكِهُ، وفي الْفَوَاكِهِ قَوْلاَنِ: أحدهما: أنها عبارة عما يؤكل للتلذذ لا للحاجة وأرزاق أهل الجنة كلها فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحّة بالأقوات فإن أجسامهم محكومة ومخلوقة للأبد فكل ما يأكلونه فهو على سبيل التلذذ. والثاني: أن المقصود بذكر الفاكهة التنبيه بالأدنى على الأعلى، لما كانت الفاكهة حاضرة أبداً كان المأكول للغذاء أولى بالحضور. قوله: "وَهُم مُّكْرَمُونَ" قرأ العامة مُكْرَمُونَ خفيفة الراء. و (ابن) مِقْسِم بتشديدها. والمعنى وهم مُكَرَّمُونَ بثواب الله في جنات النعيم لما ذكر مأكولهم ذكر مسكنهم. وقوله "فِي جَنَّاتِ" يجوز أن يتعلق "بمُكْرَمُونَ" وأن يكون خيراً ثانياً وأن يكون حالاً. قوله: "عَلَىٰ سُرُرٍ" العامة على ضم الراء. وأبو السَّمَّال بفتحها. وهي لغة بعض كَلْبٍ، وتميم يفتحون عين "فُعُلٍ" جمعاً إذا كان اسماً مضاعفاً. وأما الصفة نحو: ذُلُل ففيها خلاف. والصحيح أنه لا يجوز لأنَّ السماع ورد في الجوامد دون الصفات. و{عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابلين} حال، ويجوز أن يتعلق "عَلَى سُرُر" بمتقابلين و "يُطَافُ" صفة "لمكرمون" أو حال من الضمير في: "متقابلين" أو من الضمير في أحد الجَارَّيْن إذا جعلناه حالاً. ومعنى متقابلين لا يرى بعضُهم قَقَا بعض، ولما ذكر المأكل والمسكن ذكر بعده صفة المشرب فقال: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ} والكأس من الزجاج ما دام فيها شراب وإلا فهو قَدَح. وقد يطلق الكأس على الخمر نفسها وهو مجاز سائغٌ وأنشد: شعر : 4193- وَكَأسٍ شَرِبْتُ عَلَى لذَّةٍ وَأُخْرَى تَدَاوَيْتُ مِنْهَا بِهَا تفسير : و "مِنْ مَعِينٍ" صفة "لكأسٍ". والمعين معناه الخَمر الجارية في الأنهار، أي ظاهرة تراها العيون وتقدم الكلام في مَعِين. وعن الأخفش: كل كأس في القرآن فهي الخَمْر، وقوله: "مِنْ مَعِينٍ" أي من شراب مَعِينٍ أو من نَهْرٍ مَعِينٍ. المَعِينُ مأخوذ من عين الماء أي يخرج من العيون كما يخرج الماء، وسمي (مـ)ـعِيناً لظهوره، يقال: عَانَ الماءُ إذا ظهر جارياً، (قاله ثعلب) فهو مَفْعُول من العَيْن نحو: مَبِيع ومَكِيلٍ، وقيل: سمي معيناً لأنه يجري ظاهر العين كما تقدم. ويجوز أن يكون فعيلاً من المعين وهو الماء الشديد الجري، ومنه أمْعَنَ في الجَرْيِ إذا اشتد فيه. قوله: "بَيْضَاءَ" صفة لكأس. وقال أبو حيان: صفة "لكاس" أو "للخمر"، قال شهاب الدين: لم يذكر الخمر اللهم إلا أن يعني بالمعين الخمر. وهو بعيد جداً. ويمكن أن يجاب بأن الكأس إنما، سميت كأساً إذا كان فيها الخمر. وقرأ عبد الله: صَفْرَاءَ وهي مخالفة للسواد، إلا أنه جاء وصفها بهذا اللون وأنشد لبعض المولدين: شعر : 4194- صَفْرَاء لاَتَنْزِلُ الأَحْزَانُ سَاحَتَهَا لَوْ مَسَّهَا حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرَّاءُ تفسير : و"لذة" صفة أيضاً وصفت بالمصدر مبالغة كأنها نفس اللذة وعينها كما يقال: فُلاَنٌ جُودٌ وكَرَمٌ إذا أرادوا المبالغة. وقال الزجاج: أو على حذف المضاف أي ذات لذَّة، أو على تأنيث "لَذٍّ" بمعنى لذيذ فيكون وصفاً على "فَعْلِ" كصَعْب يقال: لَذَّ الشَّيءُ يَلَذُّ لَذًّا فهو لَذَيدُ وَلَذٌّ وأنشد: شعر : 4195- بِحَدِيثَها اللَّذِّ الَّذِي لَوْ كَلَّمَتْ أُسْدَ الْفَلاَةِ بِهِ أَتَيْنَ سِرَاعَا تفسير : وقال آخر: شعر : 4196- لَذٌّ كَطَعْم الصَّرخَدِيِّ تَرَكْتُهُ بأَرْضِ العِدَا مِنْ خَشْيَةِ الحَدَثَانِ تفسير : واللذيد كل شيء مستطابٌ. وأنشد: شعر : 4197- يَلذُّ لِطَعْمِهِ وَتَخَالُ فِيهِ إذَا نَبَّهْتَهَا بَعْدَ الْمَنَامِ تفسير : و"للشَّارِبينَ" صفة "لِلَذّةٍ". وقال اللَّيْث: اللَّذَّة واللَّذِيذَة يجريان مَجْرًى واحداً في النعت يقال: شَرَابٌ لَذِّ ولذيدٌ قال تعالى: {بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} وقال تعالى: {أية : مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} تفسير : [محمد:15] وعلى هذا "لَذَّة" بمعنى لذيذ. قوله: {لاَ فِيهَا غَوْلٌ} صفة أيضاً، وبطل عمل لا وتكررت لتقدم خبرها، وتقدم أول البقرة فائدة تقديم مثل هذا الخبر، والبحثُ مع أبي حيان فيه. قال الفراء: العرب تقول ليس فيها غِيلَةٌ وغائلةٌ وغُول (وغَوْل) سواء، وقال عبيدة: الغَوْلُ أن تغتال عقولهم وأنشد قول مطيع بن إياس: شعر : 4198 - وَمَا زَالَتِ الْكَأسُ تَغْتَالُهُمْ وَتَذْهَبُ بالأَوَّل فَالأَوَّلِ تفسير : وقال الليث: الغول الصداع والمعنى لي فيها صداع كما في خمر الدنيا، وقال الواحدي: الغَوْل حقيقته الإهلاك، يقال: غَالَهُ غَوْلاً واغْتَالَهُ أهْلَكَهُ، والغَوْل والغَائلُ المهلك وسُمِّي (وَطْءُ) المرضع غَوْلاً لأنه يؤدي إلى الهلاك، والغول كلُّ ما اغتالك أي أهلَكك، ومنه الغُولُ بالضم شيء تَوَهَّمَتْهُ العرب ولها فيه أشعار كالعَنْقَاء يقال: غَالَنِي كذا ومنه الغِيلَة في العقل والرضاع قال: شعر : 4199- مَضَى أَوَّلُونَا نَاعِمِينَ بِعَيْشِهِمْ جَمِعياً وَغَالتْنِي بِمَكَّةَ غُولُ تفسير : فالغول اسم لجميع الأذى. وقال الكلبي: لا فيها إثمٌ، وقال قتادة: وَجَعُ البطن. وقال أهل المعاني: الغول فساد يلحق أمره في خفية، وخمر الدنيا يحصل فيها أنواع من الفساد منها السُّكْرُ وذَهَابُ العقل ووجع البطن والصُّدَاع والقيءُ والبَوْل ولا يوجد شيء من ذلك من خمر الجنّة. قوله: {وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزِفُونَ} قرأ الأخوان "ينزقون" هنا، وفي الواقعة، بضم الياء وكسر الزاي. وافقهما عاصمٌ على ما في الواقعة فقط. والباقون بضم الياء وفتح الزاي. وابن أبي إسحاق بالفتح والكسر. وطلحة بالفتح والضم فالقراءة الأولى من أَنْزَفَ الرَّجُلُ إذَا ذَهَبَ عَقْلُهُ من السكر فهو نَزِيفٌ وَمنزُوفٌ، وكان قياسه مُنِزْفٌ كمُكْرِمٍ، ونَزَفَ الرجلُ الخَمْرةَ فَأنْزَفَ هو ثُلاَثيُّهُ متعددٌ ورباعية بالهمزة قاصر وهو نحو: كَبَبْتُهُ فأَكَبَّ وقَشَعَت الريحُ السَّحابَ فَأَقْشَعَ أي دخلا في الكَبِّ والقَشْعِ وقال الأسود: شعر : 4200- لَعَمْرِي لَئِنْ أَنْزَفْتُم أَوْ صَحَوْتُمُ لَبْئِسَ النَّدَامَى أَنْتُمْ آلَ أَبْجَرَا تفسير : ويقال: أنزف أيضاً أي نَفِذَ شَرَابُهُ. وأما الثانية فمن نزف أيضاً بالمعنى المتقدم وقيل هو من قولهم: نَزَفتِ الرَّكِيَّةُ أي نَزَحَتْ ماءها. والمعنى أنهم لا تذهب خمورهم بل هي باقية أبداً، وضمن يَنْزِفُونَ معنى يصدون عنها بسبب النَّزِيفِ. وأما القراءتان الأخيرتان فيقال: نَزِف الرجلُ ونَزُفَ بالكسر والضم بمعنى ذهب عقله بالسّكر، ولما ذكر تعالى صفة مشروبهم ذكر عقيبه صفة منكوحهم فقال: {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ}. "قاصرات الطرف" يجوز أن يكون من باب الصّفة المشبهة أي قاصراتٌ أطرافُهن كمُنْطَلِقُ اللّسانِ، وأن يكون من باب إطلاق اسم الفاعل على أصله. فعلى الأول المضاف إليه مرفوع المحل وعلى الثاني منصوبه أي قَصَرْنَ أطْرَافَهُنَّ على أزواجهن. وهو مدح عظيم قال امرؤ القيس: شعر : 4201- مِنَ الْقَاصِرَاتِ الطَّرْفِ لَو دَبّ مُحْوِلٌ مِنَ الذِّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنْهَا لأَثَّرَا تفسير : ومعنى القصر في اللغة الحبس ومنه قوله تعالى: {أية : مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ} تفسير : [الرحمن: 72]. والمعنى أنهن يَحْبسْنَ نظرهُنَّ ولا ينظرن إلى غير أزواجهن، والعِينُ جمع عَيْنَاءَ وهي الواسعة العينين والذَّكَرُ أعْيَنُ، قال الزجاج كِبَارُ الأعْين حِسَانُها، يقال رَجُلٌ أَعَيْنُ، وامرأة عَيْنَاهُ، ورجالٌ ونِسَاءٌ عِينٌ. قوله: {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} والبيضُ جمع بَيْضَة وهو معروف والمراد به هنا بيض النَّعَامِ، والمكنون المصون المستور من كَنَنْتُهُ أي جعلته في كِنّ والعرب تشبه المرأة بها في لونها وهو بياض مشوبٌ ببعض صُفرة والعرب تحبه. قال امرؤ القيس: شعر : 4202- وَبَيْضَةِ خِذْ(رٍ) لاَ يُرَامُ خِبَاؤُهَا تَمَتَّعْتُ مِنْ لَهْوٍ بِهَا غَيْرَ معجلِ كَبِكْرِ مُقَانَاةِ البَيَاضِ بصُفْرَةٍ غَذَاهَا نَمِيرُ الْمَاءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ تفسير : وقال ذو الرمة: شعر : 4203- بَيْضَاءُ فِي بَرَجٍ صَفْرَاءُ فِي غَنَجٍ كَأَنَّهَا فِضَّةٌ قَدْ مَسَّهَا ذَهَبُ تفسير : وقال بعضهم: إنما شبهت المرأة بها في أجزائها فإن البيضة من أي جهة أتيتها كانت في رأي العين مشبهة للأخرى. وهو في غاية المدح وقد لحظ هذا بعض الشعراء حيث قال: شعر : 4204- تَنَاسَبَت الأَعْضَاءُ فِيهَا فَلاَ تَرَى بِهِنّ اخْتِلاَفاً بَلْ أَتَيْنَ عَلَى قَدْرِ تفسير : ويجمع البيض على بُيُوض قال: شعر : 4205- بِتَيْهَاءِ قَفْرٍ وَالْمَطِيُّ كَأّنَّهَا قَطَا الْحَزْنِ قَدْ كَانَتْ فِرَاخاً بُيُوضُهَا تفسير : قال الحسن: شبـ(ـهـ)ـهن ببيض النّعام تكنُّها بالرِّيش عن الريح والغبار فلونها أبيض في صفرة. يقال: هذا أحسن ألوان النساء تكون المرأة بيضاء مُشْرَبةً صفرةً، (وإنما ذكر المكنون والبيض جمع مؤنث لأنه رده إلى اللفظ).

البقاعي

تفسير : ولما وصلوا إلى هذا الحد من الطغيان، والزور الظاهر والبهتان، تشوف السامع إلى جزائهم فاستأنف الإخبار بذلك مظهراً له في أسلوب الخطاب إيذاناً بتناهي الغضب، فقال في قالب التأكيد نفياً لما يترجمونه من العفو بشفاعة من ادعوا أنهم يقربونهم زلفى، ووعظاً لهم ولأمثالهم في الدنيا فيما ينكرونه حقيقة أو مجازاً: {إنكم} أي أيها المخاطبون على وجه التحقير المجرمين {لذائقوا} أي بما كنتم تضيقون أولياء الله {العذاب الأليم *}. ولما كان سبحانه الحكم العدل فلا يظلم أحداً مثقال ذرة فلا يزيد في جزائه شيئاً على ما يستحق مع أن له أن يفعل ما يشاء ولا يكون فعله - كيفما كان - إلا عدلاً قال: {وما} أي والحال أنكم ما {تجزون} أي جزءاً من الجزاء {إلا ما} أي مثل ما. ولما كانوا مطبوعين على تلك الخلال السيئة، بين أنها كانت خلقاً لهم لا يقدرون على الانفكاك عنها بالتعبير بأداة الكون فقال: {كنتم تعملون *} نفياً لوهم من قد يظن أنهم فعلوا شيئاً بغير تقديره سبحانه. ولما كان في المخاطبين بهذا من علم الله أنه سيؤمن، و استثنى من واو "ذائقوا" قوله مرغباً لهم في الإيمان مشيراً إلى أنهم لا يحملهم على الثبات على ما هم عليه من الضلال إلا غش الضمائر بالرياء وغيره، فهو استثناء متصل بهذا الاعتبار الدقيق: {إلا عباد الله} فرغبهم بوصف العبودية الذي لا أعز منه، وأضافهم زيادة في الاستعطاف إلى الاسم الأعظم الدال على جميع صفات الكمال، وزاد رغباً بالوصف الذي لا وصف أجلّ منه فقال: {المخلصين *}. ولما خلصهم منهم، ذكر ما لهم فقال معظماً لهم بأداة البعد: {أولئك} أي العالو القدر بما صفوا أنفسهم عن أكدار الأهوية {لهم رزق معلوم} أي يعلمون غائبه وكائنه وآتيه وطعمه ونفعه وقدره وغبّه وجميع ما يمكن علمه من أموره، وليسوا مثل ما هم عليه في هذه الدار من كدر الأخطار {لا تدري نفس ماذا تكسب غداً} لأن النفس إلى المعلوم أسكن، وبالأنس إليه أمكن. ولما كان أهل الجنة لا يأكلون تقوتأً واحتياجاً، بل تنعماً والتذاذاً وابتهاجاً، لأن أجسامهم محكمة مخلوقة للأبد، فهي غير محتاجة إلى حفظ الصحة قال: {فواكه} أي يتنعمون بها بما كدروا من عيشهم في الدنيا. ولما كان الذي هو نعيم الجسم لا يحمد غاية الحمد إلا مع العز الذي هو غذاء الروح قال: {وهم مكرمون *} بناه للمفعول إشارة إلى أن وجود إكرامهم من كل شيء أمر حتم لا يكون غيره أصلاً. ولما كان الإكرام لا يتم إلا مع طيب المقام قال: {في جنات النعيم *} أي التي لا يتصور فيها غيره. ولما كان التلذذ لا يكمل إلا مع الأحباب، وكانت عادة الملوك الاختصاص بالمحل الأعلى، بين أنهم كلهم ملوك فقال: {على سرر متقابلين *} أي ليس فيهم أحد وجهه إلى غير وجه الآخر على كثرة العدد. ولما كان ذلك لا يكمل إلا بالشراب، وكان المقصود الطواف فيه، لا كونه من معين، قال: {يطاف} بالبناء للمفعول وكأنها يدلى إليهم من جهة العلو ليكون أشرف لها وأصون، فنبه على ذلك بأداة الاستعلاء فقال: {عليهم} أي وهم فوق أسرتهم كالملوك {بكأس} أي إناء فيه خمر، قالوا: وإن لم يكن في الزجاجة خمر فهي قدح، ولا تسمى كأساً إلا والخمر فيها {من معين *} أي من خمر جارية في أنهارها، ظاهرة للعيون تنبع كما تنبع الماء لا يعالجونها بعصير، ولا يحملهم على الرفق بها والتقصير فيها نوع تقصير، قال الرازي: إنما سميت به إما من ظهروها للعين أو لشدة جريها من الإمعان في السير أو لكثرتها من المعن، وهو الكثير، وسمي الماعون لكثرة الانتفاع به، ويقال: مشرب ممعون: لا يكاد ينقطع.

اسماعيل حقي

تفسير : {انكم} بما فعلتم من الاشراك وتكذيب الرسول والاستكبار {لذائقون العذاب الاليم} والالتفات الى الخطاب لاظهار كمال الغضب عليهم

الجنابذي

تفسير : {إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمِ وَمَا تُجْزَوْنَ} فى ذلك الذّوق {إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} بنفسه على تجسّم الاعمال او بجزائه.

اطفيش

تفسير : {إنكم} التفات من الغيبة الى الخطاب. {لذآئقوا العذاب الأليم} لتكذيبكم بحذف النون للاضافة وقرىء لذائقون العذاب الأليم باثبات النون ونصب العذاب الأليم وبحذفها للتخفيف ونصبهما.

اطفيش

تفسير : {إنَّكم} الخطاب بعد الغيبة تشديد عليهم بمواجهتهم بالشر لمزيد عنادهم وكبرهم {لذائقُوا العَذاب الأليم} للإشراك والتكذيب والاستكبار.

الالوسي

تفسير : {إِنَّكُمْ } بما فعلتم من الإشراك وتكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام والاستكبار {لَذَآئِقُواْ ٱلْعَذَابِ ٱلأَلِيمِ} والالتفات لإظهار كمال الغضب عليهم بمشافهتهم بهذا الوعيد وعدم الاكتراث بهم وهو اللائق بالمستكبرين. وقرأ أبو السمال وأبان رواية عن عاصم {لذائقوا العذاب} بالنصب على أن حذف النون للتخفيف كما حذف التنوين لذلك في قول أبـي الأسود: شعر : فألفيته غير مستعتب ولا ذاكرِ اللهَ إلا قليلا تفسير : بجر ذاكر بلا تنوين ونصب الاسم الجليل. وهذا الحذف قليل في غير ما كان صلة لأل. أما فيما كان صلة لها فكثير الورود لاستطالة الصلة الداعية للتخفيف نحو قوله: شعر : الحافظو عورة العشيرة لا يأتيهم من ورائهم نطف تفسير : ونقل ابن عطية عن أبـي السمال أنه قرأ {لذائق} بالإفراد والتنوين {العذاب} بالنصب، وخرج الإفراد على أن التقدير لجمع ذائق، وقيل: على تقدير إن جمعكم لذائق. وقرىء {لذائقون} بالنون {العذاب} بالنصب على الأصل.

ابن عاشور

تفسير : هذا من كلام الله يومَ القيامة الموجّه إلى المشركين عقب تساؤلهم وتحاورهم فيكون ما بين هذا وبين محاورتهم المنتهية بقولهم: {أية : إنَّا كُنَّا غاوِينَ}تفسير : [الصافات:32] اعتراضاً، أي فلما انتهوا من تحاورهم خوطبوا بما يقطع طمعهم في قبول تنصل كِلا الفريقين من تبعات الفريق الآخَر ليزدادوا تحققاً من العذاب الذي عَلموه من قولهم: {أية : فحق علينا قول ربنا إنَّا لذائقون}تفسير : [الصافات:31]، وهذا ما تقتضيه دلالة اسم الفاعل في قوله: {لذائِقُوا العَذَابِ} لأن اسم الفاعل حقيقة في الحال، أي حال التلبس، فإنه لما قيل لهم هذا كانوا مشرفين على الوقوع في العذاب وذلك زمن حَالٍ في العرف العربي. ولما وصف عذابهم بأنه أليم عُطف عليه إخبارهم بأن ذلك المقدار لا حيف عليهم فيه لأنه على وفاق أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا من آثار الشرك، والحَظُّ الأكبر من ذلك الجزاءِ هو حظ الشرك ولكن كني عن الشرك بأعماله وأما هو فهو أمر اعتقادي. وفي هذا دليل على أن الكفار مجازَوْن على أعمالهم السيئة من الأقوال والأعمال كتمجيد آلهتهم والدعاءِ لها، وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وأذاه وأذى المؤمنين، وقولِهم في أصنامهم إنهم شفعاء عند الله، وفي الملائكة إنهم بنات الله، ومن قتل الأنفس والغارة على الأموال ووأد البنات والزنا فإن ذلك كله مما يزيدهم عذاباً، وهو يؤيد قول الذين ذهبوا إلى أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وأن ذلك واقع.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وما تجزون إلا ما كنتم تعملون: أي إلاّ جزاء ما كنتم تعملونه من الشرك والمعاصي. إلا عباد الله المخلصين: أي لكن عباد الله المخلصين أي العبادة لله وحده فإِنهم يجزون بأكثر أعمالهم إذ الحسنة بعشر أمثالها وأكثر. لهم رزق معلوم: أي في الجنة بكرة وعشيا. فواكه: أي طعامهم وشرابهم فيها للتلذذ به كما يتلذذ بالفواكه فليس هو لحفظ أجسامهم حية كما في الدنيا. وهم فيها مكرمون: أي لا تلحقهم فيها إهانة بل يقال لهم هنيئا بخلاف أهل النار يقال لهم ذوقوا عذاب النار بما كنتم تعملون. من معين: أي يجري على وجه الأرض كعيون الماء الجارية على الأرض. لذةٍ للشاربين: أي الخمرة موصوفة بأنها لذة للشاربين. لا فيها غول: أي ما يغتال عقولهم وأجسامهم فيهلكهم. ولا هم عنها ينزفون: أي لا يسكرون عنها أي بسببها كما هي خمر الدنيا. قاصرات الطرف: أي لا ينظرن إلى غير أزواجهن لحسنهم وجمالهم عندهن. عين: أي واسعات الأعين الواحدة عيناء. بيض مكنون: أي كأنهن بيض مكنون أي مستور لا يصله غُبار ولا غيره. معنى الآيات: قوله تعالى {إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو ٱلْعَذَابِ ٱلأَلِيمِ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} هذا يقال لأهل النار وهم موقوفون يتساءلون ومن جملة ما يقال لهم عندئذ هذا القول فيخبرون بأنهم ذائقوا العذاب الأليم الموجع، وأنهم ما يجزون إلا بما كانوا يعملون فلا يظلمون بالجزاء بل هو جزاء عادل السيئة بمثلها. وهنا استثنى تعالى جزاء عباده المؤمنين الذي استخلصهم لعبادته فعبدوه ووحدوه فإنهم يجزون بأكثر من أعمالهم فضلا منه عليهم وإحسانا إليهم فالحسنة بعشر أمثالها وبأكثر إلى سبعمائة وأكثر، فقال {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} وبيّن تعالى بعض جزائهم فقال {أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ} أي يأكلونه بكرة وعشياً، وقوله فواكه فيه إشارة إلى أنهم لا يأكلون ولا يشربون لحفظ أجسادهم من الموت والفناء، وإنما يأكلون ما يأكلون ويشربون ما يشربون تلذذا بذلك لا لدفع غائلة الجوع كما في الدنيا. {وَهُم مُّكْرَمُونَ} أي في الجنة حيث لا تلحقهم إهانة أبدا، وقوله في جنات النعيم أضاف الجنة إلى النعيم مبالغة في وصفها بالنعيم حتى جعل الجنة جنّة النعيم فجعل للنعيم وهو النعيم جنة، وأخبر أنهم متكئون فيها على سرر متقابلين ينظر بعضهم إلى بعض وهم في جلسات تنعم، وأخبر عنهم أنهم في حال جلوسهم متقابلين يسقون بواسطة خدم من الملائكة خاص فقال {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ} أي من خمر تجري بها الأنهار كأنها عيون الماء، ووصف الخمر بأنها بيضاء وأنها لذة عظيمة للشاربين لها، وأنها لا فيها غول وهو ما يغتال أبدانهم كالصداع ووجع البطن فقال {لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} أي لا يسكرون بها فتذهب بعقولهم. وقوله {وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ} يعني أن لهم نساء هنّ أزواج لهم ومعنى قاصرات الطرف أي على أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهم وذلك لحسنهم وجمالهم فلا تنظر الواحدة منهن إلا إلى زوجها. وقوله {عِينٌ} أي واسعات الأعين {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} هذا وصف لنساء الجنة وأنهن بيض الأجسام بياضاً كبياض بيض النعام إذ هو أبيض مشرب بصفرة وهو من أحسن أنواع الجمال في النساء ومعنى {مَّكْنُونٌ} مستور لا ينالهُ غبار ولا أي أذىً. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان عدالة الحق تبارك وتعالى في أنه يجزي السيئة بمثلها ولا يؤاخذ أحداً بغير كسبه في الحياة الدنيا. 2- بيان فضل الله تعالى إذ يجزي المؤمنين الحسنة بعشر أمثالها إلى أكثر من سبعمائة. 3- تقرير البعث وبيان بعض ما يجري فيه من قول وعمل. 4- وصف نعيم أهل الجنة طعاما وشرابا وجلوسا واستمتاعا.

القطان

تفسير : بكأس: فيه شرابٌ صاف: من مَعين: من ماءٍ غزير. لذة: فيها لذة. غَوْل: ما ينشأ عن الخمر من صداع، وهو الكحول. يُنزفون: لا تذهب عقولهم بالسُّكر. قاصرات الطرف: عفيفات. عِين: عيناء، واسعات العيون جميلات. مكنون: مصون لا تمسّه الأيدي، والمراد: اللؤلؤ. يبين الله تعالى هنا أنه لا فائدةَ من هذا الخصام والجدال فالعذابُ واقع بكم جميعا. {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} وهذا هو العدل... كل إنسان يلاقي عمله ويجزى به. بعد ذلك بيّن الله حال عباده المؤمنين العاملين، وهم في جنات يتمتعون فيها بكل ما لذَّ وطاب من انوع الفواكه، وفوق ذلك اكرامُ الله لهم في ضيافته. ويأتيهم ذلك الرزق الكريم وهم جالسون على سُرر متقابلين، يتمتعون بطيّب الحديث، يطوف عليهم الولدان بكأس من أجودِ الشراب في الجنة بألوان مشرقة، لا تورث صُداعاً ولا تُذهب وعيَ شاربيها، ويظلّون في هذا النعيم المقيم. ثم بيّن محاسنَ زوجاتهم، لبيان تمام السرور فقال: {وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌ} ولديهم زوجاتٌ عفيفات لا ينظرن الى غير أزواجهن، وهن في غاية الجمال، بيضٌ كأنهن البيض النقيّ المصون. والعرب يشبّهون النساء البيض الخُود باللؤلؤ. قال الشاعر: شعر : وبيضةِ خودٍ لا يرام خباؤها...... تفسير : وقال الشاعر: شعر : وهي بيضاءُ مثل لؤلؤة الغوّا ص ميزت من جوهرٍ مكنون تفسير : ويقول تعالى: {أية : وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ}تفسير : [الواقعة:22 - 23]. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وخلف: ينزِفون بكسر الزاي، والباقون: يُنْزَفون بفتح الزاي على البناء للمجهول.

د. أسعد حومد

تفسير : {لَذَآئِقُو} (38) - إِنَّكُمْ أَيُّهَا الكُفَّارُ المُجْرِمُونَ سَتَذُوقُونَ العَذَابَ الأَلِيمَ، وَسَتَخْلُدُونَ فِيهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : في الآيات السابقة قال سبحانه حكايةً عن الظالمين قوْلَ المتبوعين لأتباعهم: {أية : فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ} تفسير : [الصافات: 31] وهنا يؤكد هذا المعنى، إلا أنه يُصرِّح هنا بنوع الإذاقة {لَذَآئِقُو ٱلْعَذَابِ ٱلأَلِيمِ} [الصافات: 38] وهذا العذاب الأليم ليس ظلماً ولا تعدياً، إنما جزاء ما قدَّمتم: {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الصافات: 39]. وبعد الحديث عن أهل الكفر واللَّدَد وأهل الإجرام والعناد، وبيان مصيرهم، وما ينتظرهم من الجزاء يُتبع الحق سبحانه هذا بالحديث عن أهل الإيمان الذين أخلصوا العبادة لله، والجمع بين المتقابلين أسلوب من أساليب القرآن، كما في قوله سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} تفسير : [الانفطار: 13-14] وبضدِّها تتميز الأشياء، والشيء بعد ذكر مقابله يتبين حُسْنه، كما قال الشاعر واصفاً محبوبته: شعر : فَالوَجْهُ مِثْل الصُّبْح مُبْيضٌ والشَّعْر مثْلُ الليْل مُسود ضِدَّانِ لَمَّا اسْتجْمعَا حَسُنَا والضدُّ يُظهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُّ تفسير : لذلك يذكر الحق سبحانه ما أعدَّه للمؤمنين المخلصين، بعدما ذكره من جزاء الظالمين المكذِّبين، لينشئ الحسرة في نفوسهم، فتكون عذاباً جديداً يضاف إلى عذابهم في النار. يقول تعالى: {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ ...}.