٣٧ - ٱلصَّافَّات
37 - As-Saffat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
40
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } أي المؤمنين استثناء منقطع.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} استثناءٌ مُنْقَطِعٌ وهؤلاءِ المؤمنون. وقوله: {مَّعْلُومٌ} معناه: عندهُمْ. وقوله: {بَيْضَآءَ} يَحْتَملُ أَنْ يعودَ على الكأسِ، ويحتملُ أنْ يعودَ على الخَمْرِ، وهو أظهرُ قال الحسنُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أَشَدُّ بياضاً مِنَ اللَّبَنِ، وفي قراءة ابن مسعود: «صفراء» فهذا وصفُ الخمرِ وحدَها، والغَوْلُ: اسمٌ عامٌّ في الأذى، وقال ابن عباس وغيره: الغَوْلُ: وَجَعٌ في البطْنِ، وقال قتادةُ هو صُدَاعٌ في الرَّأْسِ و{يُنزَفُونَ} من قولك: نُزِفَ الرَّجُلُ إذا سَكِرَ، وبإذْهابِ العَقْلِ فَسَّره ابن عباس، وقرأ حمزة والكسائي «يُنْزِفُونَ» بكسرِ الزاي من «أتْرَفَ» وله معنيان. [أحدهما: سَكِر. والثاني: نَفِدَ شَرَابُه. وهذا كله مَنْفِيٌّ عَنْ أهلِ الجنَّةِ. و{قَـٰصِرٰتُ ٱلطَّرْفِ} قال ابن عباس وغيره معناه على أزواجهن، أي: لا ينظُرْنَ إلى غيرهم، و{عِينٌ}: جَمْعُ «عَيْنَاءَ»، وهي الكَبِيرةُ العَيْنينِ في جَمَالٍ.
السلمي
تفسير : سمعت أبا الحسين الفارسى يقول: سمعت أبا عبد الله الواسطى - رحمه الله - بالبصرة يقول: مدار العبودية على ستة أشياء؛ التعظيم والحياء والخوف والرضا والمحبة والهيبة فمن ذكر التعظيم يهيج الإخلاص ومن ذكر الحياء يكون العبد على خطرات قلبه حافظًا ومن ذكر الخوف يتوب العبد من الذنوب ومن ذكر الرجاء يتسارع إلى الطاعات ومن ذكر المحبة تصفو له الأعمال ومن ذكر الهيبة يدع التملك والاختيار. سمعت أبا الحسين الفارسى يقول: سمعت على بن سهل يقول: مدار العبودية على خلال ثلاث؛ العلم المحكم والنظر اللطيف والعمل بما علم؛ لأن قسمة القصد بالعلم وقسمة الرؤية بالبطر وسمة الهزر بالعمل. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت أبا بكر بن طاهر يقول: صحة البقاء مع الله إخلاص العبودية لله وفناء رؤية العبد مع الله ببقاء حظه من الله. سمعت أبا بكر بن عبد الله يقول: سمعت إبراهيم بن شيبان يقول: علم البقاء والفناء يدور على إخلاص الوحدانية وصحة العبودية وما كان غير هذا فهى المغاليط والزندقة. قال بعضهم: طلب الإخلاص مع مقاربة الذنوب تَمنٍ. سمعت أبا عثمان المغربى يقول: وقد سئل عن الإخلاص فقال: ما لا يكون للنفس فيه حظ بحال وذلك إخلاص العوام وإخلاص الخواص ما يجرى عليهم لا يهم فتبدوا منهم الأفعال وهم عنها بمعزل وتظهر منهم الطاعات ولا تقع منهم إليها رؤية ولا بها اعتداد فذلك إخلاص الخواص.
اسماعيل حقي
تفسير : {الا عباد الله المخلصين} استثناء منقطع من ضمير ذائقون وما بينهما اعتراض جيئ به مسارعة الى تحقيق الحق بيان ان ذوقهم العذاب ليس الا من جهتهم لا من جهة غيرهم اصلا ولكون الاستثناء منقطعا والا بمعنى لكن. قال فى كشف الاسرار تم الكلام ههنا اى عند قوله تعالى {أية : الا ما كنتم تعملون} تفسير : والمعنى انكم لذائقون العذاب الاليم لكن عباد الله المخلصين لا يذوقونه. والمخلصون بالفتح من اخلصه الله لدينه وطاعته واختاره لجناب حضرته كقوله تعالى {أية : وسلام على عباده الذين اصطفى} تفسير : اى اصطفاهم الله تعالى فلهم سلامة من الازل الى الابد. والمخلص بالكسر من اخلص عبادته لله تعالى ولم يشرك بعبادته احدا كقوله تعالى {أية : واخلصوا دينهم لله } تفسير : وحقيقة الفرق بينهما على ما قال بعض العارفين ان الصادق والمخلص بالكسر من باب واحد وهو من تخلص من شوائب الصفات النفسانية مطلقا الصديق والمخلص بالفتح من باب واحد وهو من تخلص من شوائب الغيرية ايضا والثانى اوسع فلكا واكثر احاطة فكل صديق ومخلص بالفتح صادق ومخلص بالكسر من غير عكس فرحم الله حفصا حيث قرأ بالفتح حيثما وقع فى القرآن
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِلا عبادَ الله المخلصين} ـ بفتح اللام، وكسرها ـ أي: لكن عباد الله المخلصين في أعمالهم، أو: الذين أخلصهم الله ونجاهم من الشرك، فليسوا مع أولئك المعذّبين، بل {أولئك} المخلصون {لهم رزق معلومٌ} يأتيهم بكرة وعشياً، كحال المياسير في الدنيا، فهو معلوم الوقت؛ لأن النفس إليه أسكن. قال القشيري: قد كان في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم مَن له رزقٌ معلومٌ، فهو من جملة المياسير، وهذه صفة أهل الجنة، لهم في الآخرة رزقٌ معلوم لأبشارهم وأسرارهم، فالأغنياء ـ اليوم ـ لهم رزق معلوم لأبشارهم، والفقراء لهم رزق معلوم لقلوبهم وأسرارهم. هـ. ثم فسّره بقوله: {فواكِهُ}: جمع فاكهة، وهي كل ما يتلذّذ به، فليس قوتهم لحفظ الصحة، بل رزقهم كله فواكه؛ لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات؛ لأن أجسامهم نورانية مخلوقة للأبد، فما يأكلونه إنما هو للتلذُّذ. أو: معلوم، أي: منعوت بخصائص خلق عليها من طيب طعم، ورائحة، ولذّة، وحسن منظر، {وهم مكرَمُون}: معظَّمون. قال القشيري: من ذلك: ورود الرسُل عليهم من قِبَلِ الله ـ عزّ وجل ـ في كل وقت، وكذلك اليومَ الخطابُ وارد على قلوب الخواص في كل وقتٍ بكلِّ أمر. هـ. وقوله: {في جناتِ النعيم} إما ظرف لمكرمون، أو: حال، أو: خبر، أي: في جنةٍ ليس فيها إلا النعيم المقيم. وكذا {على سُرُرٍ متقابلينَ}: يُقابل بعضها بعضاً، إن استوت درجتهم، فالتقابل أتم للسرور. وآنس. {يُطاف عليهم بكأسٍ} إناء من زجاج فيه شراب، ولا يكون كأساً حتى يكون فيه شراب، وإلا فهو إناء. وقد تسمّى الخمر كأساً. قال الأخفش: كل كأس في القرآن فهو خمر. ومثل لابن عباس. {من مَّعِين} من خمر معين، أي: جارية في أنهار ظاهرة للعيون، وصف بما وصف به الماء؛ لأنه يجري في الجنة أنهاراً، كما يجري الماء، قال تعالى: {أية : وأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ}تفسير : [محمد: 15]. وقوله: {بيضاءَ} صفة للكأس، أي: صافية في نهاية اللطافة. {لذةٍ للشاربين} أي: لذيذة للشاربين، وصفت باللذة، كأنها نفس اللذَة وعينُها. أو: ذات لذة. {لا فيها غَوْلٌ} أي: لا تغتال عقولَهم فتذهب بها، كخمر الدنيا، وهو من: غاله يغوله: إذا أهلكه وأفسده. أو: لا فيها غول: إثم، أو وجع بطن أو صداع، وهو وجع الرأس، أي: لا ينشأ عنها شيء مما ذكر. {ولا هم عنها يُنْزَفُون} يسكرون، من: نُزِف الشارب: إذا ذهب عقله. ويقال للسكران: نزيف، ومنزوف. ومَن قرأ بكسر الزاي فمعناه: لا يَنْفَد شرابهم، يقال: أنزف الرجل فهو مُنزف: إذا فنيت خمرته. {وعندهم قَاصِرَاتُ الطرْفِ} أي: حور قصرت أبصارهنّ على أزواجهن، لا يمددن طرفاً إلى غيرهم {عِينٌ}: جمع عيناء، أي: نجلاء، واسعة العين. يقال: رجل أعين، وامرأة عيناء، ورجال ونساءٌ عينٌ. {كأنهنَّ بَيْضٌ مكنونٌ} مصون مستور. شبههنّ ببيض النعام المكنون من الريح والغبار، في الصفاء والبياض. {فأقبل بعضُهم على بعضٍ يتساءلون} في الجنة، تساؤل راحة وتنعُّم. والمعنى: أنهم يشربون ويتحادثون على الشرب، كعادة الشَّرْب. قال الشاعر: شعر : ومَا بَقيتُ من اللَّذَّاتِ إِلاَّ أحاديثُ الكِرَامِ عَلَى المُدَامِ تفسير : أو: أقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى عليهم في الدنيا. وجيء به ماضياً على ما عرف في أخباره المحققة الوقوع. الإشارة: المخلَصين ـ بالفتح ـ أبلغ من المخلِصين ـ بالكسر ـ المخلَصين: أخلصهم الله واصطفاهم، والمخلِصين: طالبين الإخلاص، مجتهدين فيه، الأولون مجذوبون، والآخرون سالكون، الأولون محبوبون، والآخرون مُحبون، الأولون واصلون، والآخرون سائرون. قال القشيري: والإخلاص: إفرادُ الحقِّ ـ سبحانه ـ بالعبودية، فالذي يشوبُ عمله برياء ليس بمخلص. ويقال: الإخلاص: تصفية العمل، لا توفيقه، وفي الخبر: "حديث : يا معاذ، أخلص العملَ، يكفك القليل منه"تفسير : . ويقال: الإخلاص: فقد رؤية الأشخاص. هـ. {أولئك لهم رزق معلوم} للمخلَصين ـ بالفتح ـ رزق أرواحهم وأسرارهم، من النظر إلى وجه الحبيب في كل ساعة. وللمخلصين، رزق أشباحهم مما يشتهون. وقد يجتمع لهما، ويغلب لكل واحد ما كان الغالب على همته في الدنيا. وهم مكرمون بالتقريب والمشاهدة، على قدر سعيهم هنا، ويشربون كأس المحبة والاصطفاء على قدر شربهم هنا خمرة المعاني، وشرب المعاني على قدر الغيبة عن حس الأواني والزهد في بهجتها. وقوله تعالى: {فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} كان من تمام نعيمهم في الشرب: التحادث عليها بما يُناسب حالها، ومدحها، كما قال الشاعر: شعر : وإذا جلست إلى المُدام وشُربه فاجعل حديثك كله في الكاس تفسير : كذلك العارف إذا جلس مجلس الفكرة، وغاب في الشهود والنظرة، لا يجول إلا في عظمة الذات، وأسرارها، وبهائها، وجمالها، لا يخطر على باله غيرها، فحديث روحه وسره كله في الخمرة الأزلية. هذه هي الفكرة الصافية، والنظرة الشافية، متعنا الله بها على الدوام. آمين. ثم ذكر حال من يعوق عن شرب هذه الخمرة، فقال: {قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ...}
الجنابذي
تفسير : استثناء منقطع ان كان الخطاب خاصّاً بالمشركين او متّصل ان كان لجملة العباد.
الهواري
تفسير : {إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ} استثنى المؤمنين، وهم من كل ألف واحد. {أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ} أي: الجنة؛ {فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ} أي: يكرمون فيها. {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} الناعمة. {عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} والسرر مرمولة بالذهب وبقضبان اللؤلؤ الرطب. {مُّتَقَابِلِينَ} أي: لا ينظر بعضهم إلى بعض. قال بعضهم: ذلك في الزيادة إذا تزاوروا. قال: {يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ} وهي الخمر {مِّن مَّعِينٍ} والمعين الجاري الظاهر. {بَيْضَآءَ} يعني الخمر {لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ لاَ فِيهَا غَوْلٌ} أي: ليس فيها وجع بطن {وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} أي: إذا شربوها لا تذهب عقولهم، أي: لا يسكرون. قال: {وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} قصرن طرفهن على أزواجهن لا يردن غيرهم {عِينٌ} أي: عظام العيون. الواحدة منها عيناء، والعِين: جماعتهن، نسبن إلى عظم العيون. قال: {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} أي: لم يمرث ولم تمسّه الأيدي. وبعضهم يقول: هي القشرة الداخلة، وبعضهم يقول: يعني بالبَيض اللؤلؤ، كقوله: (أية : وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) تفسير : [الواقعة: 22-23] أي: في أصدافه. قوله: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} يعني أهل الجنة. {قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} أي: صاحب في الدنيا {يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ} على الاستفهام {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ} أي: أإنا لمحاسبون قال بعضهم: هما اللذان في سورة الكهف في قوله: (أية : وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ...)تفسير : إلى آخر قصتهما [الكهف: 32-42]. قال المؤمن منهما في الجنة، الذي قال: {إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ}.
اطفيش
تفسير : استثناء منقطع اي لكن عباد الله او متصل اعتبار الجانب، الجزاء بمثل ما عملوا فان المخلصين يجزون باضعاف ومعنى المخلصين الذين اختارهم الله لطاعته او اخلص قلوبهم لنفسه او جعلهم خالصين وذلك بالتوحيد والطاعة.
اطفيش
تفسير : الاستثناء منقطع، والمعنى لكن الذين أخلصهم الله لعبادته ليسوا كذلك، أو هم منعمون، والمستثنى منه هو الضمير المستتر فى ذائقون، أو هو الواو من تجزون بمعنى أنكم تجزون بالسيئة السيئة، وعباد الله المخلصون يجزون بالحسنة عشراً فصاعداً، ويجزون ما لم يعملوا من الخير، وقد نووه بصدق، وفى رد الخطاب فى تجزون الى الناس كلهم، فيكون الاستثناء متصلا تفكيك الضمائر، وعدم صحة المعنى لأنه لم يقل إلا ما كنتم تعملون من السوء، بل اللفظ عام فما هذا الاستثناء المتصل.
الالوسي
تفسير : استثناء منقطع من ضمير{أية : ذائقو}تفسير : [الصافات: 38] وما بينهما اعتراض جيء به مسارعة إلى تحقيق الحق ببيان أن ذوقهم العذاب ليس إلا من جهتهم لا من جهة غيرهم أصلاً فإلا مؤولة بلكن وما بعد كخبرها فيصير التقدير لكن عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق وفواكه الخ. ويجوز إن يكون المعنى لكن عباد الله المخلصين ليسوا كذلك، وقيل: استثناء منقطع من ضمير {أية : تُجْزَوْنَ } تفسير : [الصافات: 39] على أن المعنى تجزون بمثل ما عملتم لكن عباد الله المخلصين يجزون أضعافاً مضاعفة بالنسبة إلى ما عملوا، ولا يخفى بعده، وأبعد منه جعل الاستثناء من ذلك متصلاً بتعميم الخطاب في {تُجْزَوْنَ } لجميع المكلفين لما فيه مع احتياجه إلى التكلف الذي في سابقه من تفكيك الضمائر. و {ٱلْمُخْلَصِينَ } صفة مدح حيث كانت الإضافة للتشريف.
ابن عاشور
تفسير : استثناء منقطع في معنى الاستدراك، والاستدراك تعقيب الكلام بما يضاده، وهذا الاستدراك تعقيب على قوله: {أية : فإنَّهم يومئذٍ في العذابِ مشتركونَ}تفسير : [الصافات: 33] فإن حال عبَاد الله المخلصين تام الضدية لحال الذين ظلموا، وليس يلزم في الاستدراك أن يكون رفعَ توهّم وإنما ذلك غالب، فقول بعض العلماء في تعريفه هو: تعقيب الكلام برفع ما يُتوهم ثبوتُه أو نفيُه، تعريف أغلبي، أو أريد أدنى التوهم لأن الاستثناء المنقطع أعمّ من ذلك، فقد يكون إخراجاً من حكم لا من محكوم عليه ضرورة أنهم صرحوا بأن حرف الاستثناء في المنقطع قائم مقام لكن، ولذلك يقتصرون على ذكر حرف الاستثناء والمستثنى بل يردفونه بجملة تُبين محلّ الاستدراك كقوله تعالى: {أية : فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين}تفسير : [الأعراف: 11] وقوله: {أية : إلا إبليس أبى}تفسير : [البقرة: 34]، وكذلك قوله هنا: {إلاَّ عِبَادَ الله المُخلصين أُولئِكَ لهم رزقٌ معلومُ}. ولو كان المعنى على الاستثناء لما أتبع المستثنى بأخبار عنه لأنه حينئذٍ يثبت له نقيض حكم المستثنى منه بمجرد الاستثناء، فإن ذلك مُفاد {إلا}، ونظيره مع لكن قولُه تعالى: {أية : أفأنت تنقذ من في النار لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف}تفسير : الآية في سورة [الزُّمَر: 19 - 20]. وذِكر المؤمنين بوصف العبودية المضافة لله تعالى تنويه بهم وتقريب، وذلك اصطلاح غالب في القرآن في إطلاق العبدِ والعبادِ مضافاً إلى ضميره تعالى كقوله: {أية : واذكر عبدنا داوود ذا الأيد}تفسير : [ص: 17] {أية : واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب}تفسير : [ص: 45] {أية : يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون}تفسير : [الزخرف: 68]، وربما أطلق العبد غير مضاف مراداً به التقريب أيضاً كقوله: {أية : ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد}تفسير : [ص: 30]، أي العبد لله، ألا ترى أنه لما أريد ذكر قوم من عباد الله من المشركين لم يؤت بلفظ العباد مضافاً كما في قوله تعالى: {أية : بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد}تفسير : [الإسراء: 5] إلاّ بقرينة مقام التوبيخ في قوله: {أية : أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء}تفسير : [الفرقان: 17] لأن صفة الإِضلال قرينة على أن الإِضافة ليست للتقريب، وقوله: {أية : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين}تفسير : [الحجر:42] فقرينة التغليب هي مناط استثناء الغاوين من قوله {عبادي} وينسب إلى الشافعي: شعر : ومما زادني شَرفاً وفخراً وكِدْتُ بأَخمَصي أَطأُ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن أرسلتَ أحمدَ لي نبيا تفسير : والمراد بهم هنا الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنهم الذين يخطرون بالبال عند ذكر أحوال المشركين الذين كفروا به وقالوا فيه ما هو منه بريء خطورَ الضد بذكر ضده. و {المُخلَصين} صفة عباد الله وهو بفتح اللام إذا أريد الذين أخلصهم الله لولايته، وبكسرها أي الذين أخلصوا دينهم لله. فقرأه نافع وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف بفتح اللام. وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب بكسر اللام. و {أولئك} إشارة إلى {عِبادَ الله} قصد منه التنبيه على أنهم استحقوا ما بعد اسم الإِشارة لأجل مما أُثبت لهم من صفة الإِخلاص كما ذلك من مقتضيات تعريف المسند إليه بالإِشارة كقوله تعالى: {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة:5] بعد قوله: {أية : هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب}تفسير : الآية في سورة [البقرة: 2 - 3]. والرزق: الطعام قال تعالى: {أية : وجد عندها رزقاً}تفسير : [آل عمران: 37]، وقال: {أية : لا يأتيكما طعام ترزقانه}تفسير : [يوسف:37]. والمعلوم: الذي لا يتخلف عن ميعاده ولا ينتظره أهله. و {فَواكِهُ} عطف بيان من {رِزْقٌ}. والمعنى: أن طعامهم كله من الأطعمة التي يتفكه بها لا مما يؤكل لأجل الشبع. والفواكه: الثمار والبقول اللذيذة. {وهُم مُكْرمُونَ} عطف على {لهم رزق معلوم}، أي يعاملون بالحفاوة والبهجة فإنه وسط في أثناء وصف ما أعد لهم من النعيم الجسماني أن لهم نعيم الكرامة وهو أهم لأن به انتعاش النفس مع ما في ذلك من خلوص النعمة ممن يكدرها وذلك لأن الإِحسان قد يكون غير مقترن بمدح وتعظيم ولا بأذى وهو الغالب، وقد يكون مقترناً بأذى وذلك يكدِّر من صَفوه، قال تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى}تفسير : [البقرة: 264] فإذا كان الإِحسان مع عبارات الكرامة وحسن التلقّي فذلك الثواب. و {سُرر}: جمع سرير وهو ككرسيّ واسع يمكن الاضطجاع عليه، وكان الجلوس على السرير من شعار الملوك وأضرابهم، وذلك جلوس أهل النعيم لأن الجالس على السرير لا يجد مَللاً لأنه يُغيّر جِلسته كيف تتيسّر له. و{مُتَقابِلِينَ} كل واحد قُبالة الآخر. وهذا أتم للأُنس لأن فيه أنس الاجتماع وأنس نظر بعضهم إلى بعض فإن رؤية الحبيب والصديق تؤنس النفس. والظاهر: أن معنى كونهم متقابلين تقابل أفراد كل جماعة مع أصحابهم، وأنهم جماعات على حسب تراتيبهم في طبقات الجنة، وأن أهل كل طبقة يُقسمون جماعات على حسب قرابتهم في الجنة كما قال تعالى: {أية : هم وأزواجهم في ظلال}تفسير : [يس:56] وكثرة كل جماعة لا تنافي تقابلهم على السرر والأرائك وتحادثهم لأن شؤون ذلك العالم غير جارية على المتعارف في الدنيا. ومعنى {يُطَافُ} يدار عليهم وهم في مجالسهم. والكأس (بهمزة بعد الكاف): إناء الخمر، مؤنث، وهي إناء بلا عُروة ولا أنبوب واسعة الفم، أي محل الصب منها، تكون من فضة ومن ذهب ومن خزف ومن زجاج، وتسمى قَدَحاً وهو مذكر. وجمع كأس: كاسات وكؤوس وأكؤس. وكانت خاصة بسقي الخمر حتى كانت الكأس من أسماء الخمر تسمية باسم المحلّ، وجعلوا منه قول الأعشى: شعر : وكأسٍ شربتُ على لَذة وأخرى تداوَيت منها بها تفسير : وقد قيل: لا يسمى ذلك الإِناء كأساً إلا إذا كانت فيه الخمر وإلا فهو قَدَح. والمعنيُّ بها في الآية الخمرُ لأنه أفرد الكأس مع أن المَطُوف عليهم كثيرون، ولأنها وُصفت بأنها {من مَعين}. وروى ابن أبي شيبة والطبري عن الضحّاك أنه قال: كل كأس في القرآن إنما عني بها الخمر. وروي مثله عن ابن عباس وقال به الأخفش. و {مَعِين} بفتح الميم، قيل أصله: مَعْيون. فقيل: ميمه أصلية، وهو مشتق من مَعَنَ يقال: ماء مَعْنٌ، فيكون {مَعِين} بوزن فَعيل مثال مبالغة من المَعْن وهو الإِبعاد في الفعل شبّه جريه بالإِبعاد في المشي، وهذا أظهر في الاشتقاق. وقيل: ميمه زائدة وهو مشتق من عانَهُ، إذا أبصره لأنه يظهر على وجه الأرض في سيلانه فوزنه مَفْعول، وأصله مَعْيُون فهو مشتق من اسم جامد وهو اسم العَين، وليس فعل عَانَ مستعملاً استغنوا عنه بفعل عَايَن. و {بَيْضَاءَ} صفة لــــ«كأس». وإذ قد أريد بالكأس الخمر الذي فيها كان وصف {بَيْضَاءَ} للخمر. وإنما جرى تأنيث الوصف تبعاً للتعبير عن الخمر بكلمة كأس، على أن اسم الخمر يذكر ويؤنث وتأنيثها أكثر. روى مالك عن زيد بن أسلم: لونها مشرق حسن فهي لا كخمر الدنيا في منظرها الرديء من حُمرة أو سواد. واللذة: اسم معناه إدراك ملائم نفس المدرك، يقال: لذّهُ ولذّ به، والمصدر: اللذة واللذاذة. وفعله من باب فرح، تقول: لذذت بالشيء ويقال: شيء لَذٌّ، أي لذيذ فهو وصف بالمصدر فإذا جاء بهاء التأنيث كما في هذه الآية فهو الاسم لا محالة لأن المصدر الوصف لا يؤنث بتأنيث موصوفه، يقال: امرأة عدل ولا يقال: امرأة عدلة. ووصف الكأس بها كالوصف بالمصدر يفيد المبالغة في تمكن الوصف، فقوله تعالى: {لَذَّةٍ} هو أقصى مما يؤدي شدة الالتذاذ بكلمة واحدة، لأنه عُدل به عن الوصف الأصلي لقصد المبالغة، وعُدل عن المصدر إلى الاسم لما في المصدر من معنى الاشتقاق. وجملة {لا فِيها غَوْلٌ} صفة رابعة لكأس باعتبار إطلاقه على الخمر. والغَول، بفتح الغيْن: ما يعتري شارب الخمر من الصداع والألم، اشتق من الغَول مصدرِ غاله، إذا أهلكه. وهذا في معنى قوله تعالى: {أية : لا يصدعون عنها}تفسير : [الواقعة:19]. وتقديم الظرف المسند على المسند إليه لإِفادة التخصيص، أي هو منتفٍ عن خمر الجنة فقط دونَ ما يعرف من خمر الدنيا، فهو قصر قلب. ووقوع {غَوْلٌ} وهو نكرة بعد {لا} النافية أفاد انتفاء هذا الجنس من أصله، ووجب رفعه لوقوع الفصل بينه وبين حرف النفي بالخبر. وجملة {ولا هم عنها يُنزفون}معطوفة على جملة {لا فيها غَوْلٌ}. وقدّم المسند عليه على المسند، والمسند فعل ليفيد التقديم تخصيص المسند إليه بالخبر الفعلي، أي بخلاف شاربي الخمر من أهل الدنيا. و {يُنزَفُونَ} مبني للمجهول في قراءة الجمهور يقال: نُزف الشارب، بالبناء للمجهول إذا كان مجرداً (ولا يُبنى للمعلوم) فهو منزوف ونزيف، شبهوا عقل الشارب بالدم يقال: نُزف دمُ الجريح، أي أُفرغ. وأصله من: نَزفَ الرجُلُ مَاءَ البئر متعدياً، إذا نَزحه ولم يُبق منه شيئاً. وقرأه حمزة والكسائي وخلف {يُنزِفُونَ} بضم اليَاء وكسر الزاي من أُنزف الشاربُ، إذا ذهب عقله، أي صار ذَا نَزَف، فالهمزة للصيرورة لا للتعدية. و {قاصِراتُ الطَّرْفِ} أي حابسات أنظارهن حياء وغَنجاً. والطرف: العين، وهو مفرد لا جمع له من لفظه لأن أصل الطرف مصدر: طَرَفَ بعينه من باب ضَرب، إذا حرّك جفنيه، فسُميّت العين طرفاً، فالطرف هنا الأعين، أي قاصرات الأعين، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : لا يرتد إليهم طرفهم}تفسير : في سورة [إبراهيم: 43]، وقوله: {أية : قبل أن يرتد إليك طرفك}تفسير : في سورة [النمل: 40]. وذكر «عند» لإِفادة أنهن ملابسات لهم في مجالسهم التي تُدار عليهم فيها كأس الجنة، وكان حضور الجواري مجالس الشراب من مكملات الأنس والطرب عند سادة العرب، قال طرفة: شعر : نَداماي بيض كالنجوم وقَينة تروحُ علينا بين برد ومِجْسَد تفسير : و {عِينٌ} جمع: عَيْنَاء، وهي المرأة الواسعة العين النجلاوتها. والبَيْض المكنون: هو بيض النعام، والنعام يُكنّ بيضَه في حُفر في الرمل ويفرش لها من دقيق ريشه، وتسمى تلك الحُفر: الأَداحِيَّ، واحدتها أُدّحية بوزن أُثفية. فيكون البَيض شديد لمعان اللون وهو أبيض مشوب بياضه بصفرة وذلك اللون أحسن ألوان النساء، وقديماً شبهوا الحسان بِبيض النعام، قال امرؤ القيس:شعر : وبيضةِ خدر لا يُرام خباؤها تمتعت من لَهْو بها غيرَ مُعْجَل
د. أسعد حومد
تفسير : (40) - أَمَّا عِبَادُ اللهِ المخُلصُونَ، فَإِنَّهُمْ لاَ يَذُوقُونَ العَذَابَ وَلاَ يَنُاقَشُونَ فِي الحِسَابِ، بَلْ يَتَجَاوَزُ الرَّبُّ الكَرِيمُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ، وَيُثِيبُهُمْ عَلَى حَسَنَاتِهِمْ أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً. المُخْلَصِينَ - الذِينَ أَخْلَصَهُمُ اللهُ لِطَاعَتِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : سبق الحديث عن جزاء الكافرين، وهنا استثناء {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} [الصافات: 40] فهم مُسْتَثْنون بعيدون من هذا المصير، وكلمة {ٱلْمُخْلَصِينَ} [الصافات: 40] جمع مخلَص بالفتح، فهي اسم مفعول. يعني: الذين أخلصهم الله واصطفاهم لطاعته وعبادته {أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ} [الصافات: 41] أي: في الآخرة لأن رزق الدنيا ليس معلوماً؛ لأنك تكدُّ وتتعب في الدنيا، وقد تُحرَم ثمرة هذا الكَدِّ، فالزراعة قد تبور، والتجارة قد تخسر. إذن: لنا رزق في الدنيا، لكنه غير معلوم، أما في الآخرة فرزْقُكَ معلوم مُخصَّص لك لا يتخلف أبداً، ولا تحول دونه الأسباب؛ لأنك تعيشُ في الآخرة - كما قلنا - مع المسبِّب سبحانه. وسبق أنْ عرّفنا الرزق وقلنا: إنه كلُّ ما يُنتفَعُ به، حتى ما يُؤخذ من الحرام يُعَدُّ رزقاً؛ لذلك قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} تفسير : [البقرة: 172]. ثم ينتقل السياق إلى تفصيل ما أجمل في كلمة (رزق). وأهم رزق ينتفع به المرء هو القُوت الضروري الذي به قِوَام حياته، ثم التفكّه بما يُرفِّه هذه الحياة، لكن الحق سبحانه هنا لم يذكر الضروريات، إنما ذكر الترف الزائد على الضروريات {فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ} [الصافات: 42] مع أنه في مواضع أخرى ذكر الضروريات، ثم أتبعها بالفاكهة والتَّرَفيات، مثل قوله سبحانه: {أية : لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} تفسير : [يس: 35]. إذن: لماذا اقتصر الكلام هنا على الفاكهة فحسب؟ قالوا: لأن الكلام هنا عن الآخرة، والأكل في الآخرة لا يكون عن حاجة إلى الطعام، إنما يكون متعةً وتفكُّهاً بالأكل. أو: يكون المراد أن الله تعالى ما دام قد ضمن لك التفكُّه، فمن باب أوْلَى ضمن لك القُوتَ الضروري. ومعنى {وَهُم مُّكْرَمُونَ} [الصافات: 42] أي: أنهم لا يُرْمَى لهم الأكل ليأكلوا، كما نرمي الحشيش للبهائم مثلاً، لا نقصد بذلك إكرامهم، إنما يُسَاق لهم هذا الرزق {وَهُم مُّكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} [الصافات: 42-43] لأنه رِزْقُ المحبِّ لأحبابه. وقوله تعالى: {عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} [الصافات: 44] يعني: لا يكلِّفهم مشقة التزاور، فالسُّررُ التي يجلسون عليها متقابلةٌ، بحيث إنْ أردتَ أنْ تزورَ أخاً لك تجده أمامك، دون أن تنتقل إليه، فهذه مسألة مضمونة. {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ} [الصافات: 45]، وفي آية أخرى بيَّن سبحانه الذين يطوفون بهذه الكأس {أية : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ} تفسير : [الواقعة: 17-18]. الكأس يُرَاد بها الخمر أو القدح الذي يُوضَع فيه الخمر {مِّن مَّعِينٍ} [الصافات: 45] يعني: من شيء تراه بعينيك، أو من عيون تجري كما تجري عيون الماء. ثم يصف هذه الخمر بأنها (بيضاء) والبيضاء هي أصْفى أنواع الخمر عند العرب. {لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} [الصافات: 46] ولم يقُلْ لذيذة. إنما (لَذَّةٍ) أي: هي في ذاتها لذّة، وكأن اللذة تجسدتْ في هذه الكأس، كما تقول: فلان عادل. فإنْ أردتَ المبالغة في هذا الوصف قُلْتَ: فلان عَدْلٌ. ووصف الخمر في الآخرة بأنها {لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} [الصافات: 46] لِيُفرِّق بينها وبين خَمْر الدنيا، لأن خمر الدنيا كما نراهم يشربونها في الأفلام لا تُشرَب للذة، لأنه يضع القليل منها في الكأس، ثم يصبُّها في فمه صَبّاً، ويتناولها على مَضَضٍ لكراهية طعمها. لكن طالما أن خمر الدنيا لا لَذَّةَ في تعاطيها، فَلِمَ يشربونها؟ يشربونها للأثر الذي ينشأ منها من اختلال العقل الذي يُعَدُّ حارساً على الحركة، وهم يريدون الانطلاق والحرية من هذا الحارس؛ لذلك فأجوَدُ أنواع الخمر عندهم والعياذ بالله، هذه التي تُغيِّبه عن وَعْيه، وتفعل به كذا وكذا. أما خمر الآخرة فلا يجمعها بهذه إلا اسمها فحسْب، خمر الآخرة لذَّة، تشعر بها حين تتناولها، وتأخذها رشفةً رشفةً على مهل لتتذوَّقَ حلاوتها، ثم هي لا تذهب بالعقل ولا تغتاله {لاَ فِيهَا غَوْلٌ} [الصافات: 47] أي: لا تغتال العقول، ولا تذهب بها. {وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} [الصافات: 47] نقول: انزف الحوض. يعني: أفرغه من الماء بالتدريج إلى نهايته، ونزفَ الدمُ يعني: سَالَ من الجسم واحدة واحدة، إلى أنْ يموتَ الإنسان. ومن أنواع الخمر ما يُسبِّب نَزْفاً لما في البطن، بحيث يفرغ شاربها كل ما في بطنه، ويُخرِج كلَّ ما في جَوْفه. أما خمر الآخرة فلا تُسبِّب هذا النزف. أو: يكون المعنى {وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} [الصافات: 47] أي: لا تُستنزف عقولهم، ولا يَسْكَرون بسببها، كما تُسكِر خَمْر الدنيا.
الجيلاني
تفسير : {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} [الصافات: 40] الموفقين على الإيمان والأعمال الصالحة، خالصاً لوجه الله الكريم. {أُوْلَئِكَ} السعداء المقبولون عند الله، المرضيون لديه سبحانه {لَهُمْ} من فضل الله إياهم {رِزْقٌ مَّعْلُومٌ} [الصافات: 41] معد، معين عنده سبحانه صورياً ومعنوياً، عينياً وعلمياً، كشفياً وشهودياً على ما علموا من صالحات الأعمال والأخلاق والحالات. بل لهم تفضلاً عليهم ومزيداً لتكريمهم {فَوَاكِهُ} كثيرة يتلذذون بها حسب ما يشتهون {وَ} بالجملة: {هُم مُّكْرَمُونَ} [الصافات: 42] عند ربهم، متنعمون {فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} [الصافات: 43] المشتملة على الرزق الصوري والمعنوي، متكئين {عَلَىٰ سُرُرٍ} رفيعة حسب رفعة درجاتهم في الإيقان والعرفان والكشف والعيان {مُّتَقَابِلِينَ} [الصافات: 44] متواجهين مع قرنائهم. {يُطَافُ عَلَيْهِمْ} تشريفاً لهم وتجديداً لذوقهم وحضورهم {بِكَأْسٍ} مملوء {مِّن} ماء {مَّعِينٍ} [الصافات: 45] هو خمر الجنة، سمي به؛ لأنه عان ونبع من بحر اللاهوت، وترشح من عين الحياة المنتشئة من حضرة الرحموت. {بَيْضَآءَ} لا لون له يدركها النظر ويخبر عن كيفيتها الخبر {لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} [الصافات: 46] أي: لذيذة للعارفين المتعطشين بزلان التوحيد وبرد اليقين، لا يدرك كيفيتها إلا من يذوقها، ومن يذوقها لا يظمأ منها أبداً، ولا تخرج نشوتها عنه أمداً، بل يطلب دائماً مزيداً. إذ {لاَ فِيهَا غَوْلٌ} أي: غائلة خمار وصداع يترتب عليها كما يترتب على خمور الدنيا {وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} [الصافات: 47] يسكرون إلى حيث يذهب عقولهمه ويفسد أمزجتهم ويختل خواطرهم، وينسون مطالبهم ويضلون عن مقصدهم كما في خمر الدنيا، بل يزيد منها شوقهم وذوقهم ويتكامل طلبهم. {وَعِندَهُمْ} من الأرواح المزدوجة معهم، المقبولة عندهم {قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ} عليهم، ولا يلتفتن إلى غيرهم {عِينٌ} [الصافات: 48] أي: حسان العين والحواجب والأجفان والآماق. {كَأَنَّهُنَّ} في صفاء البدن وبياضه {بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} [الصافات: 49] مصون محفوظ عن الغبار، مخلوط بأدنى صفرة كلون الفضة، وهو أحسن ألوان جسد الإنسان.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ } فإنهم غير ذائقي العذاب الأليم، لأنهم أخلصوا للّه الأعمال، فأخلصهم، واختصهم برحمته، وجاد عليهم بلطفه. { أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ } أي: غير مجهول، وإنما هو رزق عظيم جليل، لا يجهل أمره، ولا يبلغ كنهه. فسره بقوله: { فَوَاكِهُ } من جميع أنواع الفواكه التي تتفكه بها النفس، للذتها في لونها وطعمها. { وَهُمْ مُكْرَمُونَ } لا مهانون محتقرون، بل معظمون مجلون موقرون. قد أكرم بعضهم بعضا، وأكرمتهم الملائكة الكرام، وصاروا يدخلون عليهم من كل باب، ويهنئونهم ببلوغ أهنأ الثواب، وأكرمهم أكرم الأكرمين، وجاد عليهم بأنواع الكرامات، من نعيم القلوب والأرواح والأبدان. { فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ } أي: الجنات التي النعيم وصفها، والسرور نعتها، وذلك لما جمعته، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وسلمت من كل مخل بنعيمها، من جميع المكدرات والمنغصات. ومن كرامتهم عند ربهم، وإكرام بعضهم بعضا، أنهم على { سُرُرٍ } وهي المجالس المرتفعة، المزينة بأنواع الأكسية الفاخرة، المزخرفة المجملة، فهم متكئون عليها، على وجه الراحة والطمأنينة، والفرح. { مُتَقَابِلِينَ } فيما بينهم قد صفت قلوبهم، ومحبتهم فيما بينهم، ونعموا باجتماع بعضهم مع بعض، فإن مقابلة وجوههم، تدل على تقابل قلوبهم، وتأدب بعضهم مع بعض فلم يستدبره، أو يجعله إلى جانبه، بل من كمال السرور والأدب، ما دل عليه ذلك التقابل. { يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ } أي: يتردد الولدان المستعدون لخدمتهم بالأشربة اللذيذة، بالكاسات الجميلة المنظر، المترعة من الرحيق المختوم بالمسك، وهي كاسات الخمر. وتلك الخمر، تخالف خمر الدنيا من كل وجه، فإنها في لونها { بَيْضَاءَ } من أحسن الألوان، وفي طعمها { لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ } يتلذذ شاربها بها وقت شربها وبعده، وأنها سالمة من غول العقل وذهابه، ونزفه، ونزف مال صاحبها، وليس فيها صداع ولا كدر، فلما ذكر طعامهم وشرابهم ومجالسهم، وعموم النعيم وتفاصيله داخلة في قوله: { جَنَّاتِ النَّعِيمِ }. لكن فصل هذه الأشياء لتعلم فتشتاق النفوس إليها، ذكر أزواجهم فقال: { وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ } أي: وعند أهل دار النعيم، في محلاتهم القريبة، حور حسان، كاملات الأوصاف، قاصرات الطرف، إما أنها قصرت طرفها على زوجها، لعفتها وعدم مجاوزته لغيره، ولجمال زوجها وكماله، بحيث لا تطلب في الجنة سواه، ولا ترغب إلا به، وإما لأنها قصرت طرف زوجها عليها، وذلك يدل على كمالها وجمالها الفائق، الذي أوجب لزوجها، أن يقصر طرفه عليها، وقصر الطرف أيضا، يدل على قصر النفس والمحبة عليها، وكلا المعنيين محتمل، وكلاهما صحيح، و [كل] هذا يدل على جمال الرجال والنساء في الجنة، ومحبة بعضهم بعضا، محبة لا يطمح إلى غيره، وشدة عفتهم كلهم، وأنه لا حسد فيها ولا تباغض، ولا تشاحن، وذلك لانتفاء أسبابه. { عِينٌ } أي: حسان الأعين جميلاتها، ملاح الحدق. { كَأَنَّهُنَّ } أي: الحور { بَيْضٌ مَكْنُونٌ } أي: مستور، وذلك من حسنهن وصفائهن وكون ألوانهن أحسن الألوان وأبهاها، ليس فيه كدر ولا شين.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 807 : 3 : 13 - سفين عن الأعمش عن عبد الله بن الحرث قال، كان عبد الله يقرأ كل شيء في القرآن {ٱلْمُخْلَصِينَ}. [الآية 40-169].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):