٣٧ - ٱلصَّافَّات
37 - As-Saffat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
50
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ } أي يتفاوضون فيما بينهم أحاديثهم في الدنيا. وهو من تمام الأُنس في الجنة. وهو معطوف على معنى «يُطَاف عَلَيْهِم» المعنى يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشُّراب. قال بعضهم:شعر : وما بَقيتْ من اللّذاتِ إلا أحاديثُ الكِرامِ على المُدامِ تفسير : فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم وعليهم في الدنيا؛ إلا أنه جيء به ماضياً على عادة الله تعالى في إخباره. قوله تعالى: {قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ} أي من أهل الجنة {إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} أي صديق ملازم {يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ } أي بالمبعث والجزاء. وقال سعيد بن جبير: قرينه شريكه. وقد مضى في «الكهف» ذكرهما وقصتهما والاختلاف في ٱسميهما مستوفًى عند قوله تعالى: {أية : وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ}تفسير : [الكهف: 32] وفيهما أنزل الله جل وعز: {قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} إلى {مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ} وقيل: أراد بالقرين قرينه من الشيطان كان يوسوس إليه بإنكار البعث. وقرىء: «أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَّدِّقِينَ» بتشديد الصاد. رواه عليّ بن كيسة عن سليم عن حمزة. قال النحاس: ولا يجوز «أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَّدِّقِينَ» لأنه لا معنى للصدقة هاهنا. وقال القشيري: وفي قراءة عن حمزة «أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَّدِّقِينَ» بتشديد الصاد. وٱعترض عليه بأن هذا من التصديق لا من التصدّق. والاعتراض باطل؛ لأن القراءة إذا ثبتت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فلا مجال للطعن فيها. فالمعنى «أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَّدِّقِينَ» بالمال طلباً في ثواب الآخرة. {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ } أي مجزيون محاسبون بعد الموت فـ {قَالَ} الله تعالى لأهل الجنة: {هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ}. وقيل: هو من قول المؤمن لإخوانه في الجنة هل أنتم مطلعون إلى النار لننظر كيف حال ذلك القرين. وقيل: هو من قول الملائكة. وليس «هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ» بٱستفهام، إنما هو بمعنى الأمر، أي ٱطّلِعوا؛ قاله ٱبن الأعرابي وغيره. ومنه لما نزلت آية الخمر، قام عمر قائماً بين يدي النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم رفع رأسه إلى السماء، ثم قال: يا رب بياناً أشفى من هذا في الخمر. فنزلت: {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}تفسير : [المائدة: 91] قال: فنادي عمر ٱنتهينا يا ربَّنا. وقرأ ٱبن عباس: «هَلْ أَنْتُمْ مُطْلِعُونَ» بإسكان الطاء خفيفة «فَأُطْلِعَ» بقطع الألف مخفَّفة على معنى هل أنتم مقبلون فأقبل. قال النحاس: «فَأُطْلِعَ فَرَآهُ» فيه قولان: أحدهما أن يكون فعلاً مستقبلاً معناه فأطلع أنا، ويكون منصوباً على أنه جواب الاستفهام. والقول الثاني أن يكون فعلاً ماضياً ويكون ٱطَّلَع وأُطْلِعَ واحداً. قال الزجاج: يقال طَلَع وأَطْلعَ وَٱطَّلعَ بمعنًى واحد. وقد حكي «هَلْ أَنتُم مُّطْلِعُونِ» بكسر النون وأنكره أبو حاتم وغيره. النحاس: وهو لحن لا يجوز؛ لأنه جمع بين النون والإضافة، ولو كان مضافاً لكان هل أنتم مُطْلِعيّ، وإن كان سيبويه والفرّاء قد حكيا مثله، وأنشدا:شعر : هُمُ القائلونَ الخيرَ والآمِرونَهُ إذا ما خَشَوا مِن مُحْدَثِ الأمرِ مُعْظَما تفسير : وأنشد الفراء: والفاعلونه. وأنشد سيبويه وحده:شعر : ولم يَرْتفِق والناس محتضِرونه تفسير : وهذا شاذٌ خارج عن كلام العرب، وما كان مثل هذا لم يحتجّ به في كتاب الله عز وجل، ولا يدخل في الفصيح. وقد قيل في توجيهه: إنه أجرى ٱسم الفاعل مجرى المضارع لقربه منه، فجرى «مُطْلِعُون» مجرى يطلعون. ذكره أبو الفتح عثمان بن جني وأنشد:شعر : أرأيتَ إن جئتُ به أمْلُودَا مُرَجَّلاً ويَلْبَسُ الْبُرُودَا أقائِلُـنَّ أحضِـروا الشُّهُـودَا تفسير : فأجرى أقائلُنّ مجرى أتَقولُن. وقال ابن عباس في قوله تعالى: {هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ} إنّ في الجنة كُوًى ينظر أهلها منها إلى النار وأهلِها. وكذلك قال كعب فيما ذكر ٱبن المبارك، قال: إن بين الجنة والنار كُوًى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوّ كان له في الدنيا ٱطلع من بعض الكوى؛ قال الله تعالى: {فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ } أي في وسط النار والحسَكُ حواليه؛ قاله ٱبن مسعود. ويقال: تعبت حتى ٱنقطع سَوَائي: أي وسطي. وعن أبي عبيدة: قال لي عيسى بن عمر: كنت أكتب يا أبا عبيدة حتى ينقطع سَوَائي. وعن قتادة قال قال بعض العلماء: لولا أن الله جل وعز عرَّفه إياه لما عرفه، لقد تغيرّ حِبْرُهُ وسِبْرُهُ. فعند ذلك يقول: {تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ} «إِن» مخففة من الثقيلة دخلت على كاد كما تدخل على كان. ونحوه «إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا» واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. {وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ } في النار. وقال الكسائي: «لَتُرْدِينِ» أي لتهلكني، والردى الهلاك. وقال المبرد: لو قيل «لتردِينِ» لتوقعني في النار لكان جائزاً. «وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبيِّ» أي عصمته وتوفيقه بالاستمساك بعروة الإسلام والبراءة من القرين السوء. وما بعد لولا مرفوع بالابتداء عند سيبويه والخبر محذوف. «لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ» قال الفراء: أي لكنت معك في النار محضراً. وأحضر لا يستعمل مطلقاً إلا في الشر؛ قاله الماوردي. قوله تعالى: {أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ } وقرىء «بِمائِتِين» والهمزة في «أَفَمَا» للاستفهام دخلت على فاء العطف، والمعطوف محذوف معناه أنحن مخلَّدون منعَّمون فما نحن بميتين ولا معذبين. {إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ} يكون ٱستثناء ليس من الأول ويكون مصدراً؛ لأنه منعوت. وهو من قول أهل الجنة للملائكة حين يُذبَح الموت، ويقال: يأهل الجنة خلود ولا موت، ويأهل النار خلود ولا موت. وقيل: هو من قول المؤمن على جهة الحديث بنعمة الله في أنهم لا يموتون ولا يعذّبون؛ أي هذه حالنا وصفتنا. وقيل: هو من قول المؤمن توبيخاً للكافر لما كان ينكره من البعث، وأنه ليس إلا الموت في الدنيا. ثم قال المؤمن مشيراً إلى ما هو فيه، {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } يكون «هو» مبتدأ وما بعده خبر عنه والجملة خبر إنّ. ويجوز أن يكون «هو» فاصلاً. {لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ } يحتمل أن يكون من كلام المؤمن لما رأى ما أعدّ الله له في الجنة وما أعطاه قال: {لِمِثْلِ هَـٰذَا} العطاء والفضل «فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ». نظير ما قال له الكافر: {أية : أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً}تفسير : [الكهف: 34]. ويحتمل أن يكون من قول الملائكة. وقيل: هو من قول الله عز وجل لأهل الدنيا؛ أي قد سمعتم ما في الجنة من الخيرات والجزاء، و «لِمِثِلْ هَذَا» الجزاء {فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ}. النحاس: وتقدير الكلام ـ والله أعلم ـ فليعمل العاملون لمثل هذا. فإن قال قائل: الفاء في العربية تدل على أن الثاني بعد الأول، فكيف صار ما بعدها ينوى به التقديم؟ فالجواب أن التقديم كمثل التأخير؛ لأن حق حروف الخفض وما بعدها أن تكون متأخرة.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن أهل الجنة أنه أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، أي: عن أحوالهم، وكيف كانوا في الدنيا، وماذا كانوا يعانون فيها، وذلك من حديثهم على شرابهم، واجتماعهم في تنادمهم ومعاشرتهم في مجالسهم، وهم جلوس على السرر، والخدم بين أيديهم يسعون ويجيئون بكل خير عظيم؛ من مآكل ومشارب وملابس، وغير ذلك مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر { قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌ} قال مجاهد: يعني: شيطاناً. وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: هو الرجل المشرك، يكون له صاحب من أهل الإيمان في الدنيا، ولا تنافي بين كلام مجاهد وابن عباس رضي الله عنهما؛ فإن الشيطان يكون من الجن، فيوسوس في النفس، ويكون من الإنس، فيقول كلاماً تسمعه الأذنان، وكلاهما يتعاونان، قال الله تعالى: {أية : يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} تفسير : [الأنعام: 112] وكل منهما يوسوس كما قال الله عز وجل: {أية : مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ } تفسير : [الناس: 4 ــــ 6] ولهذا { قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌ يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ } أي: أأنت تصدق بالبعث والنشور، والحساب والجزاء؟ يعني: يقول ذلك على وجه التعجب والتكذيب والاستبعاد، والكفر والعناد، { أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ} قال مجاهد والسدي: لمحاسبون. وقال ابن عباس رضي الله عنهما، ومحمد بن كعب القرظي: لمجزيون بأعمالنا، وكلاهما صحيح، قال تعالى: { قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ} أي: مشرفون. يقول المؤمن لأصحابه وجلسائه من أهل الجنة، {فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ} قال ابن عباس رضي الله عنهما، وسعيد بن جبير وخليد العصري وقتادة والسدي وعطاء الخراساني: يعني: في وسط الجحيم، وقال الحسن البصري: في وسط الجحيم كأنه شهاب يتقد، وقال قتادة: ذكر لنا أنه اطلع، فرأى جماجم القوم تغلي، وذكر لنا أن كعب الأحبار قال: في الجنة كوى، إذا أراد أحد من أهلها أن ينظر إلى عدوه في النار، اطلع فيها، فازداد شكراً. { قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ} يقول المؤمن مخاطباً للكافر: والله إن كدت لتهلكني لو أطعتك، { وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ} أي: ولولا فضل الله عليَّ، لكنتُ مثلك في سواء الجحيم؛ حيث أنت، محضر معك في العذاب، ولكنه تفضل عليَّ ورحمني، فهداني للإيمان، وأرشدني إلى توحيده {أية : وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ} تفسير : الأعراف: 43). وقوله تعالى: { أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ }؟ هذا من كلام المؤمن مغبطاً نفسه؛ بما أعطاه الله تعالى من الخلد في الجنة، والإقامة في دار الكرامة بلا موت فيها ولا عذاب، ولهذا قال عز وجل: { إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تبارك وتعالى لأهل الجنة: {أية : كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الطور: 19] قال ابن عباس رضي الله عنهما: قوله عز وجل: {هَنِيئَاً} أي: لا يموتون فيها، فعندها قالوا: { أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ }؟ وقال الحسن البصري: علموا أن كل نعيم فإن الموت يقطعه، فقالوا: { أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } قيل: لا، قالوا { إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} وقوله جل جلاله: { لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ} قال قتادة: هذا من كلام أهل الجنة، وقال ابن جرير: هو من كلام الله تعالى، ومعناه: لمثل هذا النعيم، وهذا الفوز، فليعمل العاملون في الدنيا؛ ليصيروا إليه في الآخرة. وقد ذكروا قصة رجلين كانا شريكين في بني إسرائيل تدخل في ضمن عموم هذه الآية الكريمة، قال أبو جعفر بن جرير: حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب ابن الشهيد، حدثنا عتاب ابن بشير عن خصيف عن فرات بن ثعلبة النهراني في قوله: {إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌ} قال: إن رجلين كانا شريكين، فاجتمع لهما ثمانية آلاف دينار، وكان أحدهما له حرفة، والآخر ليس له حرفة، فقال الذي له حرفة للآخر: ليس عندك حرفة، ما أراني إلا مفارقك ومقاسمك، فقاسمه وفارقه، ثم إن الرجل اشترى داراً بألف دينار كانت لملك مات، فدعا صاحبه فأراه، فقال: كيف ترى هذه الدار، ابتعتها بألف دينار؟ قال: ما أحسنها فلما خرج قال: اللهم إن صاحبي هذا ابتاع هذه الدار بألف دينار، وإني أسألك داراً من دور الجنة، فتصدق بألف دينار، ثم مكث ما شاء الله تعالى أن يمكث، ثم إنه تزوج بامرأة بألف دينار، فدعاه وصنع له طعاماً، فلما أتاه، قال: إني تزوجت هذه المرأة بألف دينار، قال: ما أحسن هذا فلما انصرف قال: يا رب إن صاحبي تزوج امرأة بألف دينار، وإني أسألك امرأة من الحور العين، فتصدق بألف دينار، ثم إنه مكث ما شاء الله تعالى أن يمكث، ثم اشترى بستانين بألفي دينار، ثم دعاه فأراه فقال: إني ابتعت هذين البستانين بألفي دينار، قال: ما أحسن هذا فلما خرج قال: يا رب إن صاحبي قد اشترى بستانين بألفي دينار، وأنا أسألك بستانين في الجنة، فتصدق بألفي دينار، ثم إن الملك أتاهما فتوفاهما، ثم انطلق بهذا المتصدق فأدخله داراً تعجبه، وإذا بامرأةٍ تطلع يضيء ما تحتها من حسنها، ثم أدخله بستانين وشيئاً الله به عليم، فقال عند ذلك: ما أشبه هذا برجل كان من أمره كذا وكذا قال: فإنه ذاك، ولك هذا المنزل والبستانان والمرأة، قال: فإنه كان لي صاحب يقول: أئنك لمن المصدقين؟ قيل له: فإنه في الجحيم، قال: هل أنتم مطلعون؟ فاطلع فرآه في سواء الجحيم، فقال عند ذلك: { تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ } الآيات. قال ابن جرير: وهذا يقوي قراءة من قرأ: {أءِنَّك لَمِنَ المُصَدِّقِين} بالتشديد، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عمرو بن عبد الرحمن الأبار، أخبرنا أبو حفص قال: سألت إسماعيل السدي عن هذه الآية: { قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌ يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ } قال: فقال لي: ما ذكرك هذا؟ قلت: قرأته آنفاً، فأحببت أن أسألك عنه، فقال: أما فاحفظ، كان شريكان في بني إسرائيل، أحدهما مؤمن والآخر كافر، فافترقا على ستة آلاف دينار، لكل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار، ثم افترقا فمكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا، ثم التقيا، فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك؟ أضربت به شيئاً؟ أتجرت في شيء؟ فقال له المؤمن: لا، فما صنعت أنت؟ فقال: اشتريت به أرضاً ونخلاً وثماراً وأنهاراً بألف دينارــــ قال: ــــ فقال له المؤمن: أو فعلت؟ قال: نعم، ــــ قال: ــــ فرجع المؤمن، حتى إذا كان الليل، صلى ما شاء الله تعالى أن يصلي، فلما انصرف، أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه، ثم قال: اللهم إن فلاناً ــــ يعني: شريكه الكافر ــــ اشترى أرضاً ونخلاً وثماراً وأنهاراً بألف دينار، ثم يموت غداً ويتركها، اللهم إني اشتريت منك بهذه الألف دينار أرضاً ونخلاً وثماراً وأنهاراً في الجنة ــــ قال: ــــ ثم أصبح فقسمها في المساكين ــــ قال ــــ ثم مكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا، ثم التقيا، فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك، أضربت به في شيء؟ أتجرت به في شيء؟ قال: لا، قال: فما صنعت أنت؟ قال: كانت ضيعتي قد اشتد علي مؤنتها، فاشتريت رقيقاً بألف دينار يقومون لي فيها، ويعملون لي فيها، فقال له المؤمن: أو فعلت؟ قال: نعم ــــ قال: ــــ فرجع المؤمن، حتى إذا كان الليل، صلى ما شاء الله تعالى أن يصلي، فلما انصرف، أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه ثم قال: اللهم إن فلاناً ــــ يعني شريكه الكافرــــ اشترى رقيقاً من رقيق الدنيا بألف دينار، يموت غداً فيتركهم، أو يموتون فيتركونه، اللهم إني اشتريت منك بهذه الألف الدينار رقيقاً في الجنة ــــ قال: ــــ ثم أصبح فقسمها في المساكين ــــ قال: ــــ ثم مكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا، ثم التقيا، فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك؟ أضربت به في شيء؟ أتجرت به في شيء؟ قال: لا، فما صنعت أنت؟ قال: كان أمري كله قد تم إلا شيئاً واحداً، فلانة قد مات عنها زوجها، فأصدقتها ألف دينار، فجاءتني بها ومثلها معها، فقال له المؤمن: أو فعلت؟ قال: نعم، قال: فرجع المؤمن، حتى إذا كان الليل، صلى ما شاء الله تعالى أن يصلي، فلما انصرف، أخذ الألف الدينار الباقية، فوضعها بين يديه وقال: اللهم إن فلاناً ــــ يعني شريكه الكافر ــــ تزوج زوجة من أزواج الدنيا بألف دينار، فيموت غداً فيتركها، أو تموت غداً فتتركه، اللهم وإني أخطب إليك بهذه الألف الدينار حوراء عيناء في الجنة ــــ قال ــــ ثم أصبح فقسمها بين المساكين ــــ قال: ــــ فبقي المؤمن ليس عنده شيء. قال: فلبس قميصاً من قطن، وكساء من صوف، ثم أخذ مراً فجعله على رقبته، يعمل الشيء، ويحفر الشيء بقوته. قال: فجاءه رجل فقال له: يا عبد الله أتؤاجرني نفسك مشاهرة شهراً بشهر تقوم على دواب لي، تعلفها وتكنس سرقينها؟ قال: أفعل، قال: فواجره نفسه مشاهرة شهراً بشهر يقوم على دوابه، قال: وكان صاحب الدواب يغدو كل يوم ينظر إلى دوابه، فإذا رأى منها دابة ضامرة، أخذ برأسه فوجأ عنقه، ثم يقول له: سرقت شعير هذه البارحة ــــ قال ــــ فلما رأى المؤمن هذه الشدة قال: لآتين شريكي الكافر، فلأعملن في أرضه، فليطعمني هذه الكسرة يوماً بيوم، ويكسوني هذين الثوبين إذا بليا، قال: فانطلق يريده، فانتهى إلى بابه وهو ممس، فإذا قصر مشيد في السماء، وإذا حوله البوابون، فقال لهم: استأذنوا لي على صاحب هذا القصر؛ فإنكم إذا فعلتم سره ذلك، فقالوا له: انطلق إن كنت صادقاً فنم في ناحية، فإذا أصبحت فتعرض له. قال: فانطلق المؤمن فألقى نصف كسائه تحته ونصفه فوقه ثم نام، فلما أصبح أتى شريكه فتعرض له، فخرج شريكه الكافر وهو راكب، فلما رآه عرفه، فوقف وسلم عليه وصافحه، ثم قال له: ألم تأخذ المال مثل ما أخذت؟ قال: بلى، قال: وهذه حالي وهذه حالك؟ قال: بلى، قال: أخبرني ما صنعت في مالك؟ قال: لا تسألني عنه، قال: فما جاء بك؟ قال: جئت أعمل في أرضك هذه، فتطعمني هذه الكسرة يوماً بيوم، وتكسوني هذين الثوبين إذا بليا، قال: لا، ولكن أصنع بك ما هو خير من هذا، ولكن لا ترى مني خيراً حتى تخبرني ما صنعت في مالك، قال: أقرضته، قال: من؟ قال: المليء الوفي، قال: من؟ قال: الله ربي، قال: وهو مصافحه، فانتزع يده من يده، ثم قال: { أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ } قال السدي: محاسبون، قال: فانطلق الكافر وتركه، قال: فلما رآه المؤمن، وليس يلوي عليه، رجع وتركه، يعيش المؤمن في شدة من الزمان، ويعيش الكافر في رخاء من الزمان، قال: فإذا كان يوم القيامة، وأدخل الله تعالى المؤمن الجنة، يمر فإذا هو بأرض ونخل وثمار وأنهار فيقول: لمن هذا؟ فيقال: هذا لك، فيقول: يا سبحان الله أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟ قال: ثم يمر فإذا هو برقيق لا تحصى عدتهم، فيقول: لمن هذا؟ فيقال: هؤلاء لك، فيقول يا سبحان الله أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا، قال ثم يمر، فإذا هو بقبة من ياقوته حمراء مجوفة، فيها حوراء عيناء، فيقول: لمن هذه؟ فيقال: هذه لك، فيقول: يا سبحان الله أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟ قال: ثم يذكر المؤمن شريكه الكافر، فيقول: {إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌ يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ } قال: فالجنة عالية، والنار هاوية، قال: فيريه الله تعالى شريكه في وسط الجحيم من بين أهل النار، فإذا رآه المؤمن عرفه فيقول: {تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ } بمثل ما قد منّ عليه. قال: فيتذكر المؤمن ما مر عليه في الدنيا من الشدة، فلا يذكر مما مر عليه في الدنيا من الشدة أشد عليه من الموت.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ } بعض أهل الجنة {عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ } عما مرّ بهم في الدنيا.
الشوكاني
تفسير : قوله: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } معطوف على يطاف، أي: يسأل هذا ذاك، وذاك هذا حال شربهم عن أحوالهم التي كانت في الدنيا، وذلك من تمام نعيم الجنة، والتقدير: فيقبل بعضهم على بعض، وإنما عبر عنه بالماضي للدلالة على تحقق وقوعه {قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ } أي: قال قائل من أهل الجنة في حال إقبال بعضهم على بعض بالحديث، وسؤال بعضهم لبعض {إِنّى كَانَ لِى قَرِينٌ } أي: صاحب ملازم لي في الدنيا كافر بالبعث منكر له كما يدلّ عليه قوله: {أَءنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدّقِينَ } يعني: بالبعث، والجزاء، وهذا الاستفهام من القرين لتوبيخ: ذلك المؤمن، وتبكيته بإيمانه، وتصديقه بما وعد الله به من البعث، وكان هذا القول منه في الدنيا. ثم ذكر ما يدلّ على الاستبعاد للبعث عنده، وفي زعمه، فقال: {أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءنَّا لَمَدِينُونَ } أي: مجزيون بأعمالنا، ومحاسبون بها بعد أن صرنا تراباً، وعظاماً، وقيل: معنى مدينون: مسوسون، يقال دانه: إذا ساسه. قال سعيد بن جبير: قرينه شريكه، وقيل: أراد بالقرين الشيطان الذي يقارنه، وأنه كان يوسوس إليه بإنكار البعث، وقد مضى ذكر قصتهما في سورة الكهف، والاختلاف في اسميهما، قرأ الجمهور {لمن المصدقين} بتخفيف الصاد من التصديق، أي: لمن المصدّقين بالبعث، وقرىء بتشديدها، ولا أدري من قرأ بها، ومعناها بعيد؛ لأنها من التصدّق لا من التصديق، ويمكن تأويلها بأنه أنكر عليه التصدّق بماله لطلب الثواب، وعلل ذلك باستبعاد البعث. وقد اختلف القراء في هذه الاستفهامات الثلاثة، فقرأ نافع الأولى، والثانية بالاستفهام بهمزة، والثالثة بكسر الألف من غير استفهام. ووافقه الكسائي إلا أنه يستفهم الثالثة بهمزتين، وابن عامر الأولى، والثالثة بهمزتين، والثانية بكسر الألف من غير استفهام، والباقون بالاستفهام في جميعها. ثم اختلفوا، فابن كثير يستفهم بهمزة واحدة غير مطوّلة، وبعده ساكنة خفيفة، وأبو عمرو مطوّلة، وعاصم، وحمزة بهمزتين. {قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ } القائل: هو المؤمن الذي في الجنة بعد ما حكى لجلسائه فيها ما قاله له قرينه في الدنيا، أي: هل أنتم مطلعون إلى أهل النار؟ لأريكم ذلك القرين الذي قال لي تلك المقالة كيف منزلته في النار؟ قال ابن الأعرابي: والاستفهام هو: بمعنى الأمر أي: اطلعوا، وقيل القائل: هو الله سبحانه، وقيل: الملائكة، والأوّل أولى {فَٱطَّلَعَ فَرَءاهُ فِى سَوَاء ٱلْجَحِيمِ } أي: فاطلع على النار ذلك المؤمن الذي صار يحدث أصحابه في الجنة بما قال له قرينه في الدنيا، فرأى قرينه في وسط الجحيم. قال الزجاج: سواء كل شيء وسطه. قرأ الجمهور {مطلعون} بتشديد الطاء مفتوحة، وبفتح النون، فاطلع ماضياً مبنياً للفاعل من الطلوع. وقرأ ابن عباس، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو "مطلعون" بسكون الطاء، وفتح النون "فأطلع" بقطع الهمزة مضمومة، وكسر اللام ماضياً مبنياً للمفعول. قال النحاس: فأطلع فيه قولان على هذه القراءة: أحدهما: أن يكون فعلاً مستقبلاً، أي: فأطلع أنا، ويكون منصوباً على أنه جواب الاستفهام. والقول الثاني: أن يكون فعلاً ماضياً، وقرأ حماد بن أبي عمار "مطلعون" بتخفيف الطاء، وكسر النون، فاطلع مبنياً للمفعول، وأنكر هذه القراءة أبو حاتم، وغيره. قال النحاس: هي: لحن، لأنه لا يجوز الجمع بين النون، والإضافة، ولو كان مضافاً لقال: هل أنتم مطلعيّ، وإن كان سيبويه، والفراء قد حكيا مثله، وأنشدا:شعر : هم القائلون الخير والآمرونه إذا ما خشوا من محدث الدهر معظما تفسير : ولكنه شاذ خارج عن كلام العرب {قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ } أي: قال ذلك الذي من أهل الجنة لما اطلع على قرينه، ورآه في النار: {تالله إن كدت لتردين} أي: لتهلكني بالإغواء. قال الكسائي: لتردين: لتهلكني، والردي: الهلاك. قال المبرد: لو قيل: لتردين: لتوقعني في النار لكان جائزاً. قال مقاتل: المعنى: والله لقد كدت أن تغويني، فأنزل منزلتك، والمعنى متقارب، فمن أغوى إنساناً، فقد أهلكه {وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبّى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ } أي: لولا رحمة ربي، وإنعامه عليّ بالإسلام، وهدايتي إلى الحقّ، وعصمتي عن الضلال لكنت من المحضرين معك في النار. قال الفراء: أي: لكنت معك في النار محضراً. قال الماوردي: وأحضر لا يستعمل إلا في الشرّ. ولما تمم كلامه مع ذلك القرين، الذي هو في النار عاد إلى مخاطبة جلسائه من أهل الجنة، فقال: {أَفَمَا نَحْنُ بِمَيّتِينَ }، والهمزة للاستفهام التقريري، وفيها معنى: التعجيب، والفاء للعطف على محذوف كما في نظائره، أي: أنحن مخلدون منعمون، فما نحن بميتين {إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ } التي كانت في الدنيا، وقوله هذا كان على طريقة الابتهاج، والسرور بما أنعم الله عليهم من نعيم الجنة الذي لا ينقطع، وأنهم مخلدون لا يموتون أبداً، وقوله: {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } هو من تمام كلامه، أي: وما نحن بمعذبين كما يعذب الكفار. ثم قال مشيراً إلى ما هم فيه من النعيم: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } أي: إن هذا الأمر العظيم، والنعيم المقيم، والخلود الدائم الذي نحن فيه لهو الفوز العظيم الذي لا يقادر قدره، ولا يمكن الإحاطة بوصفه، وقوله: {لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ } من تمام كلامه، أي: لمثل هذا العطاء، والفضل العظيم، فليعمل العاملون، فإن هذه هي التجارة الرابحة، لا العمل للدنيا الزائلة، فإنها صفقة خاسرة نعيمها منقطع، وخيرها زائل، وصاحبها عن قريب منها راحل. وقيل: إن هذا من قول الله سبحانه، وقيل: من قول الملائكة، والأوّل أولى. قرأ الجمهور {بميتين}، وقرأ زيد بن عليّ "بمايتين"، وانتصاب {إلا موتتنا} على المصدرية، والاستثناء مفرّغ، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً. أي: لكن الموتة الأولى التي كانت في الدنيا {أَذٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ } الإشارة بقوله ذلك: إلى ما ذكره من نعيم الجنة، وهو: مبتدأ، وخبره {خير}، و{نزلاً} تمييز، والنزل في اللغة: الرزق الذي يصلح أن ينزلوا معه، ويقيموا فيه، والخيرية بالنسبة إلى ما اختاره الكفار على غيره. قال الزجاج: المعنى: أذلك خير في باب الإنزال التي يبقون بها نزلاً، أم نزل أهل النار، وهو قوله: {أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ }، وهو ما يكره تناوله. قال الواحدي: وهو شيء مرّ كريه يكره أهل النار على تناوله، فهم يتزقمونه، وهي على هذا مشتقة من التزقم، وهو البلع على جهد لكراهتها، ونتنها. واختلف فيها هل هي من شجر الدنيا التي يعرفها العرب أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنها معروفة من شجر الدنيا، فقال قطرب: إنها شجرة مرّة تكون بتهامة من أخبث الشجر. وقال غيره: بل هو كلّ نبات قاتل. القول الثاني: أنها غير معروفة في شجر الدنيا. قال قتادة: لما ذكر الله هذه الشجرة افتتن بها الظلمة، فقالوا: كيف تكون في النار شجرة. فأنزل الله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَـٰهَا فِتْنَةً لّلظَّـٰلِمِينَ } قال الزجاج: حين افتتنوا بها، وكذبوا بوجودها. وقيل: معنى جعلها فتنة لهم: أنها محنة لهم لكونهم يعذبون بها، والمراد بالظالمين هنا: الكفار، أو أهل المعاصي الموجبة للنار. ثم بين سبحانه أوصاف هذه الشجرة ردًّا على منكريها، فقال: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِى أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ } أي: في قعرها، قال الحسن: أصلها في قعر جهنم، وأغصانها ترفع إلى دركاتها، ثم قال: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءوسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ } أي: ثمرها، وما تحمله كأنه في تناهي قبحه، وشناعة منظره رؤوس الشياطين، فشبه المحسوس بالمتخيل، وإن كان غير مرئيّ، للدلالة على أنه غاية في القبح كما تقول في تشبيه من يستقبحونه: كأنه شيطان، وفي تشبيه من يستحسنونه: كأنه ملك، كما في قوله: {أية : مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } تفسير : [يوسف: 31]، ومنه قول امرىء القيس:شعر : أيقتلني والمشرفيّ مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال تفسير : وقال الزجاج، والفراء: الشياطين: حيات لها رءوس، وأعراف، وهي من أقبح الحيات، وأخبثها، وأخفها جسماً. وقيل: إن رؤوس الشياطين اسم لنبت قبيح معروف باليمن يقال له: الأستن، ويقال له: الشيطان. قال النحاس: وليس ذلك معروفاً عند العرب. وقيل: هو شجر خشن منتن مرّ منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس الشياطين. {فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا } أي: من الشجرة، أو من طلعها، والتأنيث لاكتساب الطلع التأنيث من إضافته إلى الشجرة {فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ } وذلك أنهم يكرهون على أكلها حتى تمتلىء بطونهم، فهذا طعامهم، وفاكهتهم بدل رزق أهل الجنة {ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا } بعد الأكل منها {لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ } الشوب: الخلط. قال الفراء: يقال: شاب طعامه، وشرابه: إذا خلطهما بشيء يشوبهما شوباً وشيابة، والحميم: الماء الحارّ. فأخبر سبحانه: أنه يشاب لهم طعامهم من تلك الشجرة بالماء الحارّ، ليكون أفظع لعذابهم، وأشنع لحالهم كما في قوله: {أية : وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ } تفسير : [محمد: 15] قرأ الجمهور {شوباً} بفتح الشين، وهو: مصدر، وقرأ شيبان النحوي بالضم. قال الزجاج: المفتوح مصدر، والمضموم اسم بمعنى: المشوب، كالنقص بمعنى: المنقوص. {ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ } أي: مرجعهم بعد شرب الحميم، وأكل الزقوم إلى الجحيم، وذلك أنهم يوردون الحميم لشربه، وهو خارج الجحيم كما تورد الإبل، ثم يردّون إلى الجحيم كما في قوله سبحانه: {أية : يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءانٍ } تفسير : [الرحمٰن: 44]. وقيل: إن الزقوم، والحميم نزل يقدّم إليهم قبل دخولها. قال أبو عبيدة: ثم بمعنى: الواو، وقرأ ابن مسعود "ثم إن منقلبهم لإلى الجحيم"، وجملة {إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ } أي: وجدوا {آباءهم ضالين} تعليل لاستحقاقهم ما تقدّم ذكره، أي: صادفوهم كذلك، فاقتدوا بهم تقليداً، وضلالة لا لحجة أصلاً {فَهُمْ عَلَىٰ ءاثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ } الإهراع: الإسراع. قال الفراء: الإهراع: الإسراع برعدة. وقال أبو عبيدة: {يهرعون}: يستحثون من خلفهم، يقال: جاء فلان يهرع إلى النار: إذا استحثه البرد إليها. وقال المفضل يزعجون من شدّة الإسراع. قال الزجاج: هرع، وأهرع: إذا استحثّ، وانزعج، والمعنى: يتبعون آباءهم في سرعة كأنهم يزعجون إلى اتباع آبائهم {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ } أي: ضلّ قبل هؤلاء المذكورين أكثر الأوّلين من الأمم الماضية {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ } أي: أرسلنا في هؤلاء الأوّلين رسلاً أنذروهم العذاب، وبينوا لهم الحقّ، فلم ينجع ذلك فيهم {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ } أي: الذين أنذرتهم الرسل، فإنهم صاروا إلى النار. قال مقاتل: يقول: كان عاقبتهم العذاب، يحذر كفار مكة، ثم استثنى عباده المؤمنين، فقال: {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } أي: إلا من أخلصهم الله بتوفيقهم إلى الإيمان، والتوحيد، وقرىء "المخلصين" بكسر اللام، أي: الذين أخلصوا لله طاعاتهم، ولم يشوبوها بشيء مما يغيرها. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وهناد، وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله: {فَٱطَّلَعَ فَرَءاهُ فِى سَوَاء ٱلْجَحِيمِ } قال: اطلع، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: لقد رأيت جماجم القوم تغلي. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: قول الله لأهل الجنة: {أية : كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تفسير : [الطور: 19] قال {هنيئاً} أي: لا تموتون فيها، فعند ذلك قالوا: {أَفَمَا نَحْنُ بِمَيّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } قال: هذا قول الله: {لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ }. وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال: «كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في يدي، فرأى جنازة فأسرع المشي حتى أتى القبر، ثم جثى على ركبتيه، فجعل يبكي حتى بلّ الثرى، ثم قال: {لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ }. وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: دخلت مع النبي صلى الله عليه وسلم على مريض يجود بنفسه، فقال: {لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ }. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: مرّ أبو جهل برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس، فلما بعد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ } تفسير : [القيامة: 34، 35]، فلما سمع أبو جهل قال: من توعد يا محمد؟ قال: «حديث : إياك»تفسير : قال: بما توعدني؟ قال: «حديث : أوعدك بالعزيز الكريم»تفسير : فقال أبو جهل: أليس أنا العزيز الكريم؟ فأنزل الله: {أية : شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ *طَعَامُ ٱلأَثِيمِ } تفسير : إلى قوله: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } تفسير : [الدخان: 43-49] فلما بلغ أبا جهل ما نزل فيه جمع أصحابه، فأخرج إليهم زبداً، وتمراً، فقال: تزقموا من هذا، فوالله ما يتوعدكم محمد إلا بهذا، فأنزل الله {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِى أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ } إلى قوله: {ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ }. وأخرج ابن أبي شيبة عنه قال: لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت إلى الأرض لأفسدت على الناس معايشهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً {ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً } قال: لمزجاً. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً قال: في قوله: {لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ } يخالط طعامهم، ويشاب بالحميم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء، ويقيل هؤلاء أهل الجنة، وأهل النار، وقرأ: "ثم إن منقلبهم لإلى الجحيم". وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ ءابَاءهُمْ ضَالّينَ } قال: وجدوا آباءهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} يعني أهل الجنة كما يسأل أهل النار. {قال قائلٌ منهم} يعني من أهل الجنة. {إني كان لي قرين} يعني في الدنيا، وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الشيطان كان يغويه فلا يطيعه، قاله مجاهد. الثاني: شريك له كان يدعوه إلى الكفر فلا يجيبه، قاله ابن عباس. الثالث: أنهما اللذان في سورة الكهف {واضرب لهم مثلاً رجلين} إلى آخر قصتهما، فقال المؤمن منهما في الجنة للكافر في النار. {يقول أئنك لمن المصدقين} يعني بالبعث. {أئذا مِتْنَا وكُنَّا تراباً وعظاماً أئنا لمدينون} فيه تأويلان: أحدهما: لمحاسبون، قاله مجاهد وقتادة والسدي. الثاني: لمجازون، قاله ابن عباس ومحمد بن كعب من قوله: كما تدين تدان. قوله عز وجل: {قال هل أنتم مطلعون} وهذا قول صاحب القرين للملائكة وقيل لأهل الجنة، هل أنتم مطلعون يعني في النار. يحتمل ذلك وجهين: أحدهما: لاستخباره عن جواز الاطلاع. الثاني: لمعاينة القرين. {فاطّلَعَ} يعني في النار. {فرآه} يعني قرينه {في سواءِ الجحيم} قال ابن عباس في وسط الجحيم، وإنما سمي الوسط سواءً لاستواء المسافة فيه إلى الجوانب قال قتادة: فوالله لولا أن الله عَرّفه إياه ما كان ليعرفه، لقد تغير حبْرُهُ وسبرُه يعني حسنه وتخطيطه. قوله عز وجل: {قال تالله إن كِدْتَ لتُرْدين} هذا قول المؤمن في الجنة لقرينه في النار، وفيه وجهان: أحدهما: لتهلكني لو أطعتك، قاله السدي. الثاني: لتباعدني من الله تعالى، قاله يحيى. {ولولا نعمة ربي} يعني بالإيمان {لكنت من المحْضَرين} يعني في النار، لأن أحضر لا يستعمل مطلقاً إلا في الشر.
ابن عطية
تفسير : هذا التساؤل الذي بين أهل الجنة هو تساؤل راحة وتنعم يتذكرون أمورهم في الجنة وأمر الدنيا وحال الطاعة والإيمان فيها، ثم أخبر الله تعالى عن قول {قائل منهم} في قصته فهو مثال لكل من له {قرين} سوء يعطي هذا المثال التحفظ من قرناء السوء، واستشعار معصيتهم وعبر عن قول هذا الرجل بالمضي من حيث كان أمراً متيقناً حاصلاً لا محالة، وقال ابن عباس وغيره كان هذان من البشر مؤمن وكافر، وقالت فرقة: هما اللذان ذكر الله تعالى في قوله {أية : يا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً} تفسير : [الفرقان: 28] وقال مجاهد كان إنسياً وجنياً من الشياطين الكفرة. قال القاضي أبو محمد: والأول أصوب، وقرأ جمهور الناس "من المصدقين" بتخفيف الصاد من التصديق، وقرأت فرقة "من المصّدقين" بشد الصاد من التصدق، وقال فرات بن ثعلبة البهراني في قصص هذين إنهما كانا شريكين بثمانية آلاف دينار فكان أحدهما يعبد الله ويقصد من التجارة والنظر وكان الآخر كافراً مقبلاً على ماله فحل الشركة مع المؤمن وبقي وحده لتقصير المؤمن ثم إنه جعل كلما اشترى شيئاً من دار وجارية وبستان ونحوه عرضه على ذلك المؤمن وفخر عليه به فيمضي المؤمن عند ذلك ويتصدق بنحو ذلك الثمن ليشتري به من الله في الجنة فكان من أمرهما في الآخرة ما تضمنته هذه الآية، قال الطبري: وهذا الحديث يؤيد قراءة من قرأ "من المصّدّقين" بتشديد الصاد، و {مدينون} معناه مجازون محاسبون قاله ابن عباس وقتادة والسدي، والدين الجزاء وقد تقدم.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَتَسَآءَلُونَ} يسأل أهل الجنة كما يسأل أهل النار.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {فأقبل بعضهم على بعض} يعني أهل الجنة في الجنة {يتساءلون} أي يسأل بعضهم بعضاً عن حاله في الدنيا {قال قائل منهم} أي من أهل الجنة {إني كان لي قرين} أي في الدنيا ينكر البعث قيل كان قرينه شيطاناً وقيل كان من الإنس قيل كانا أخوين وقيل كانا شريكين أحدهما كافر اسمه قطروس والآخر مؤمن اسمه يهوذا وهما اللذان قص الله عز وجل خبرهما في سورة الكهف في قوله: {أية : واضرب لهم مثلاً رجلين} تفسير : [الكهف: 32] يقول أئنك لمن المصدقين} أي بالبعث {أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمدينون} أي مجزيون ومحاسبون وهذا استفهام إنكاري {قال} الله تعالى لأهل الجنة {هل أنتم مطلعون} أي إلى النار وقيل يقول المؤمن لإخوانه من أهل الجنة هل أنتم مطلعون أي لننظر كيف منزلة أخي في النار فيقول أهل الجنة أنت أعرف به منا {فاطلع} أي المؤمن قال ابن عباس إن في الجنة كوى ينظر منها أهلها إلى النار {فرآه في سواء الجحيم} أي فرأى قرينه في وسط النار سمي وسط الشيء سواء لاستواء الجوانب منه {قال تالله إن كدت لتردين} أي والله لقد كدت أن تهلكني وقيل تغويني ومن أغوى إنساناً فقد أرداه وأهلكه {ولولا نعمة ربي} أي رحمة ربي وإنعامه علي بالإسلام {لكنت من المحضرين} أي معك في النار {أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى} أي في الدنيا {وما نحن بمعذبين} قيل يقول هذا أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت فتقول الملائكة لهم لا فيقولون {إن هذا لهو الفوز العظيم} وإنما يقولونه على جهة التحدث بنعمة الله عليهم في أنهم لا يموتون ولا يعذبون ليفرحوا بدوام النعيم لا على طريق الاستفهام لأنهم قد علموا أنهم ليسوا بميتين ولا معذبين ولكن أعادوا الكلام ليزدادوا سروراً بتكراره وقيل يقوله المؤمن لقرينه على جهة التوبيخ بما كان ينكره قال الله تعالى: {لمثل هذا} أي المنزل والنعيم الذي ذكره في قوله: {أولئك لهم رزق معلوم} {فليعمل العاملون} هذا ترغيب في ثواب الله تعالى وما عنده بطاعته. قوله تعالى: {أذلك} أي الذي ذكره لأهل الجنة من النعيم {خير نزلاً أي رزقاً {أم شجرة الزقوم} التي هي نزل أهل النار والزقوم شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم يكره أهل النار على تناولها فهم يتزقمونه على أشد كراهة وقيل هي شجرة تكون بأرض تهامة من أخبث الشجر.
ابن عادل
تفسير : قوله: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} وهذا على عطف قوله: {أية : يُطَافُ عَلَيْهِمْ} تفسير : [الصافات:45] والمعنى يشربون فيتحادثون على الشراب قال: شعر : 4206- وَمَا بَقِيَتْ مِنَ اللَّذَّات إلاَّ مُحَادَثَةُ الكِرَامِ علَى المُدَامِ تفسير : وأتى بقوله "فَأَقْبَلَ" ماضياً لتحقق وقوعه، كقوله {أية : وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ} تفسير : [الأعراف:50] وقوله: {يَتَسَاءَلُونَ} حال من فاعل "أقْبَلَ" والمعنى: أهل الجنة يسأل بعضهم بعضاً عن حاله في الدنيا. قوله: {قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ } أي في الدنيا ينكر البعث. و {يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ} أي كان يوبِّخني على التصديق بالبعث والقيامة ويقول تعجباً: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} أي لمحاسبون ومُجَازوْنَ، والمعنى أن ذلك القرين كان يقول هذه الكلمات على سبيل الاستنكار. واعلم أنه تعالى لما ذكر أن أهل الجنة يتساءلون عند اجتماعهم على الشرب ويتحدثون كانت من جملة كَلِمَاتهم أنهم يتذكرون ما كان قد حصل لهم في الدنيا مما يوج الوقوع في عذاب الله ثم إنهم تخلصوا عنه وفازوا بالسعادة الأبدية. قال مجاهد: كان ذلك القرين شيطاناً، وقيل: كان من الإنس، وقال مقاتل: كانا أخَوَيْنِ. وقيل: كانا شريكين حصل لهما ثمانية آلاف دينار فَتَقَاسَمَاها واشترى أحدهما داراً بألف دينار فأراها صاحبه وقال كيف ترى حسنها؟ (فقال: مَا أَحْسَنَهَا)، ثم خرج فتصدق بألف دينار وقال: اللهم إنَّ صاحبي قد اتباع هذه الدار بألف دينار وإنّي أسألك داراً من دور الجنة ثم إن صاحبه تزوج امرأة حسناءَ بألفِ دينار، فتصدق صاحبه بألف دينار لأجل أن يزوجه الله تعالى من الحُورِ العِينِ ثم إن صاحبه اشترى بساتين بألفي دينار فتصدق هذا بألفي دينار، ثم إن الله تعالى أعطاه ما طلب في الجنة. وقيل: كان أحدهما كافراً اسمه نُطْرُوس والآخر مؤمن اسمه يَهُودَا وهما اللذان قص الله خبرهما في سورة الكهف: {أية : وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ} تفسير : [الكهف:32]. قوله: {لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ} العامة على التخفيف الصاد من التصديق أي لمن المصدِّقِين بلقاء الله. وقرىء بتشديدها من الصَّدَقَة، واختلف القراء في هذه الاستفهامات الثلاثة وهي قوله: {أَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ} {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً} {أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} فقرأ نافع الأولى والثانية بالاستفهام بهمزة غير مهموسة والثالثة بكسر الألف من غير استفهام. (ووافقه الكسائي إلا أنه يستفهم الثالثة بهمزتين وابن عامر الأولى والثالثة بالاستفهام بهمزتين والثانية بكسر الألف من غير استفهام). والباقون بالاستفهام في جميعها. ثم اختلفوا فابن كثير يستفهم بهمزة واحدة غير مطولة وبعدها ياء ساكنة خفيفة وأبو عمرو مطولة وحمزة وعاصم بهمزتين. فصل ثم إن الرجل يقول لجلسائه يدعوهم إلى كَمَال السُّرُور بالاطِّلاع إلى النار لمشاهدة ذلك القرين ومخاطبته {هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ} إلى النار فيقول أهل الجنة أنت أعرف به منا "فاطّلع أنت". قال ابن عباس: إنَّ في الجنة كُوًى ينظر أهلها منها إلى النار. قوله: "مُطَّلِعُونَ" قرأ العامة بتشديد الطاء مفتوحة وبفتح النون فاطَّلَعَ ماضياً مبنياً للفاعل افتعل من الطلوع. وقرأ ابن عباس في آخرين - ويروى عن أبي عمرو - بسكون الطاء وفتح النون "فأُطْلِعَ" بقطع (الـ)ـهمزة مضمومة وكسر اللام ماضياً مبنياً للمفعول، ومطلعون على هذه القراءة يحتمل أن يكون قاصراً أي مقبلون من قولك: اطلع علينا فلان أي أقبل، وأن يكون متعدياً ومفعوله محذوف أي أصْحَابَكُم، وقرأ أبو البَرَهسم وحماد بن أبي عمار: مُطْلِعُونِ خفيفة الطاء مكسورة النون فأُطْلِعَ مبنياً للمفعول، ورد أبو حاتم وغيرُهُ هذه القراءة من حيث الجمع بين النون وضمير المتكلم إذْ كَانَ قياسها مُطْلِعِيَّ، والأصل مُطْلِعُوي فأبدل فأدغم نحو: جاء مُسْلِمِيَّ القَاطِنُونَ وقوله عليه - (الصلاة و) السلام - "حديث : أَوَ مُخْرِجيَّ هُمْ" تفسير : ، وقد وجهها ابن جني على أنها أجري فيها اسم الفاعل مُجْرى المضارع يعني في إثبات النون مع الضمير وأنشد الطبري على ذلك: شعر : 4207- وَمَا أَدْرِي وَظَنِّي كُلَّ ظَنِّي أَمْسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَرَاحِ تفسير : وإليه نحا الزمخشري قال: أوشبه اسم الفاعل في ذلك بالمضارع لتآخِ بينهما (كأنه) قال يُطْلِعُونَ وهو ضعيف لا يقع إلا في شعر. وذكر فيه فيه تَوْجيهاً آخَر فقال: أراد مُطْلِعُونِ إياي فوضع المتصل موضع المنفصل كقوله: شعر : 4208- هُمُ الْفَاعِلُونَ الْخَيْرَ وَالآمِرُونَهُ ........................ تفسير : ورده أبو حيان بأن هذا ليس من مواضع المنفصل حتى يدعي أن المتصل وقع موقعه لا يجوز: "هِنْدٌ زَيْدٌ ضَارِبٌ إيَّاهَا" ولا "زَيْدٌ ضَارِبٌ إيَّايَ". قال شهاب الدين: وإنما لم يجز ما ذكر لأنه إذا قدر على المتصل لم يُعْدَل إلى المنفصل. ولِقَائلٍ أن يقول: لا أسلم أنه يقدر على المتصل حالة ثبوت النون أو التنوين قبل الضمير بل يصير الموضع موضع الضمير المنفصل فيَصحّ ما قالـ(ـه) الزمخشري، وللنحاة في اسم الفاعل المنوّن قبل ياء المتكلم نحو البيت المتقدم وقول الآخر: شعر : 4209- فَهَلْ فَتًى مِنْ سَرَاةِ الْقَوْمِ يَحْمِلُنِي وَلَيْسَ حَامِلُنِي إلاَّ ابْنُ حَمَّالِ تفسير : وقول الآخر: شعر : 4210- وَلَيْسَ بمُعْيِيني وَفِي النَّاسِ مُمْنِعٌ صَدِيقٌ وَقَدْ أَعْيَى عَلَيَّ صَدِيقُ تفسير : قولان: أحدهما: أنه تنوين وأنه شذ ثبوته مع الضمير. وإن قلنا: إن الضمير بعده في محل نصب. والثاني: أنه ليس تنويناً وإنما هو نون وقاية. واستدل ابن مالك على هذا بقوله: وليس بمعييني، وبقوله أيضاً: شعر : 4211- وَلَيْسَ الْمُوَافِينِي (وَفِي النَّاسِ مُمْنِعٌ صَدِيقٌ إذَا أعْيَا عَلَيَّ صديق) تفسير : ووجه الدلالة من الأول أنه لو كان تنويناً لكان ينبغي أن يحذف الياء قبله لأنه منقوص منون، والمنقوص المنون تحذف ياءؤه رفعاً وجراً لالتقاء الساكنين، ووجهها من الثاني أن الألف واللام لا تجامع التنوين. والذي يرجح القول الأول ثبوت النون في قوله: "وَالآمِرُونَهُ"، وفي قول الآخر: شعر : 4212- وَلَمْ يَرْتَفِقْ وَالنَّاسُ مُحْتَضِرُونَهُ جَمِيعاً وَأيْدِي المُعْتَفِينَ رَوَاهِقُه تفسير : فإن النون قائمة مقام التنوين تثنية وجمعاً على حدها، وقال أبو البقاء "وتقرأ بكسر النون". وهو بعيد جداً؛ لأن النون إنْ كانت للوقاية فلا تلحق الأسماء وإن كانت نون الجمع لا تثبت في الإضافة وهذا الترديد صحيح لولا ما تقدم من الجواب عنه مع تكلف فيه وخروج عن القواعد. (وقُرِىءَ مُطّلعون بالتشديد كالعامة فأَطْلُعَ مضارعاً) منصوباً (بإضمار "أَنْ" على جواب الاستفهام). وقرىء مُطْلِعُونَ بالتخفيف فأطْلِعَ مخففاً ماضياً ومخففاً مضارعاً على ما تقدم يُقالُ: طَلَع عَلَيْنَا فلانٌ وأَطْلَعَ كأَكْرَمَ واطَّلَعَ بالتشديد بمعنى واحد. وأما قراءة من بني الفعل للمفعول ففي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه مصدر الفعل أي اطَّلَعَ الاطِّلاَع. الثَّانِي: الجار المقدر. الثَّالِثُ: - وهو الصحيح - أنه ضمير القائل لأصحابه ما قاله لأنه يقال: طَلَعَ زَيْدٌ وأَطْلَعَهُ غَيْرُهُ فالهمزة فيه للتعدية، وأما الوجهان الأولان فذهب إليهما أبو الفضل الرازي في لَوَامِحِهِ فقال: طلع واطّلع إذا بدا وظهر واطّلع اطّلاعاً إذا جاء وأقبل. ومعنى ذلك: هل أنت مقبلون فأُقْبِل، وإنما أقيم المصدر فيه مُقَامَ الفاعل بتقدير فاطلع الاطلاع، أو بتقدير حرف الجر المحذوف أي أُطْلِعَ بِهِ لأن أَطْلَعَ لازم كما أن أقبل كذلك. ورد عليه أبو حيان هذين الوجهين فقال قد ذكرنا أن "أطْلَعَ" بالهمزة معدًّى بها من طلع اللازم. وأما قوله أو حرف الجر المحذوف أي اطلع به فهذا لا يجوز لأن مفعول ما لم يسم فاعله لا يجوز حذفه لأنه نائب عنه فكما أن الفاعل لا يجوز حذفه دون عامله، فكذلك هذا لو قلت: "زَيْدٌ مَمْرُورٌ أو مَغْضُوبٌ" تريد "بِهِ" أو "عَلَيْهِ" لم يجز. قال شهاب الدين: أبو الفضل لا يَدَّعي أن النائب عن الفاعل محذوف وإنما قال: بتقدير حرف الجر المحذوف. (ومعنى ذلك) أنه لما حذف حرف الجر اتِّسَاعاً انقلب الضمير مرفوعاً فاستتر في الفعل كما يدعى ذلك في حذف عائد الموصول المجرور عند عدم شروط الحذف ويُسَمَّى الحذف على التدريج. قوله: "فَرَآهُ" عطف على "فَاطَّلَعَ". و"سَوَاءُ الجَحِيم" وسطها، وأحسن ما قيل فيه ما قاله ابن عباس سمي بذلك لاستواء المسافة منه إلى الجوانب، وعن عيسى بن عُمَر أنه قال لأبي عُبَيْدَةَ: كنت أكتب حتى ينقطع سوائي. قوله: "تَٱللَّهِ" قسم فيه تعجب، و"إنْ" مخففة أو نافية. واللام في "لَتُرْدِينِ" فارقة أو بمعنى إلا. وعلى التقديرين فهي جواب القسم أعني إن وما في خبرها. فصل قال المفسرون: إنه ذهب إلى أطراف الجنة فاطلع عندها إلى النار فَرَآهُ فِي سَوَاء الجَحِيم أي وسط الجحيم فقال له توبيخاً: {تالله إنْ كدت لتردين} أي والله لقد كِدتَ أن تهلكني. وقال مقاتل: والله لقد كدتَ أن تُغْويَنِي ومن أغوى إنساناً فقد أهلكه، والرَّدَى الهلاك أي لتهلكني بدعائك إيَّاي إلى إنكار البعث والقيامة. {وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي} أي رحمة ربي وإنعامه عليّ بالإسلام {لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} معك في النار. ولما تمم الكلام مع قرينه الذي هو في النار عاد إلى مخاطبة جلسائه من أهل الجنة وقال: {أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ} قال بعضهم: إن أهل الجنة لا يعلمون في أول دخولهم الجنة أنهم لا يموتون فإذا جيء بالموت على صورة كَبْشٍ أمْلَحَ وذُبِحَ يقول أهل الجنة للملائكة: "أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ"؟ فتقول الملائكة: لا. فعند ذلك يعلمون أنهم لا يموتون. وعلى هذا فالكلام حصل قبل ذبح الموت. وقيل: إن الذي تكاملت سعادته إذا عظم تعجُّبُهُ بها يقول ذلك. والمعنى أهذا لي على جهة الحديث بنعمة الله عليه، وقيل: يقوله المؤمن لقرينِهِ توبيخاً له بما كان ينكره. قوله: "بِمَيِّتِينَ" قرأ زيدٌ بنُ علي بمَائِتين، وهما مثل ضَيِّق، وضَائِق كما تقدم، وقوله "أَفَمَا" فيه الخلاف المشهور، فقدَّره الزمخشري أَنَحْنُ مُخَلَّدُونَ مُنَعَّمُونَ فما نحن بميتين، وغيره يجعل الهمزة متقدمة على الفاء. قوله: "إِلاَّ مَوْتَتَنَا" منصوب على المصدر، والعامل فيه الوصف قبله، ويكون استثناء مُفرّغاً، وقيل: هوا ستثناء منقطع أي لكن الموتة الأولى كانت لنا في الدنيا. وهذا قريب في المعنى من قوله تعالى: {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [الدخان:56] وفيها هناك بحث حسن. قوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} وهذا قول أهل الجنة عند فراغهم من (هذه) المحادثات. وقوله: {لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ} قيل: إنه من بقية كلامهم، وقيل: إنه ابتداء كلام من الله تعالى أي لمثل هذا النعيم الذي ذكرناه.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} قال: أهل الجنة. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {إني كان لي قرين} قال: شيطان. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن عطاء الخراساني رضي الله عنه قال: كان رجلان شريكين، وكان لهما ثمانية آلاف دينار فاقتسماها، فعمد أحدهما فاشترى بألف دينار أرضاً، فقال صاحبه: اللهم إن فلاناً اشترى بألف دينار أرضاً، وإني أشتري منك بألف دينار أرضاً في الجنة. فتصدق بألف دينار، ثم ابتنى صاحبه داراً بألف دينار، فقال هذا: اللهم إن فلاناً ابتنى داراً بألف دينار، وإني أشتري منك داراً في الجنة بألف دينار. فتصدق بألف دينار، ثم تزوج صاحبه امرأة، فانفق عليها ألف دينار فقال: اللهم إن فلاناً تزوج امرأة، فانفق عليها ألف دينار، وإن أخطب إليك من نساء الجنة بألف دينار. فتصدق بألف دينار، ثم اشترى خدماً ومتاعاً بألف دينار، وإني أشتري منك خدماً ومتاعاً بألف دينار. فتصدق بألف دينار. ثم أصابته حاجة شديدة فقال: لو أتيت صاحبي هذا لعله ينالني معروف، فجلس على طريقه، فمر به في حشمه وأهله، فقام إليه الآخر، فنظر فعرفه فقال فلان...؟! فقال: نعم. فقال: ما شأنك؟ فقال: أصابتني بعدك حاجة، فأتيتك لتصيبني بخير قال: فما فعل فقد اقتسمناه مالاً واحداً، فأخذت شطره. فقال: اشتريت داراً بألف دينار، ففعلت أنا كذلك، وفعلت أنا كذلك. فقص عليه القصة فقال: إنك لمن المصدقين بهذا، اذهب فوالله لا أعطيك شيئاً، فرده فقضى لهما أن توفيا، فنزلت فيهما {فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} حتى بلغ {أئنا لمدينون} قال: لمحاسبون. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن فرات بن ثعلبة البهراني رضي الله عنه في قوله {إني كان لي قرين} قال: ذكر لي أن رجلين كان شريكين، فاجتمع لهما ثمانية آلاف دينار، فكان أحدهما ليس له حرفة، والآخر له حرفة فقال: إنه ليس لك حرفة، فما أراني إلا مفارقك ومقاسمك، فقاسمه ثم فارقه. ثم إن أحد الرجلين اشترى داراً كانت لملك بألف دينار، فدعا صاحبه ثم قال: كيف ترى هذه الدار ابتعتها بألف دينار؟ فقال: ما أحسنها! فلما خرج قال: اللهم إن صاحبي قد ابتاع هذه الدار، وإني أسألك داراً من الجنة. فتصدق بألف دينار. ثم مكث ما شاء الله أن يمكث، ثم تزوّج امرأة بألف دينار، فدعاه وصنع له طعاماً، فلما أتاه قال: إني تزوّجت هذه المرأة بألف دينار قال: ما أحسن هذا؟ فلما خرج قال: اللهم إن صاحبي تزوّج امرأة بألف دينار وإني أسألك امرأة من الحور العين. فتصدق بألف دينار، ثم أنه مكث ما شاء الله أن يمكث، ثم اشترى بستانين بألفي دينار، ثم دعاه فأراه وقال: إني قد ابتعت هذه البستانين بألفي دينار فقال: ما أحسن هذا؟ فلما خرج قال: يا رب إن صاحبي قد ابتاع بستانين بألفي دينار، وإني أسألك بستانين في الجنة. فتصدق بألفي دينار. ثم إن الملك أتاهما فتوفاهما، فانطلق بهذا المتصدق، فأدخله داراً تعجبه، فإذا امرأة يضيء ما تحتها من حسنها، ثم أدخله البستانين وشيئاً الله به عليم فقال عند ذلك: ما أشبه هذا برجل كان من أمره كذا. وكذا.. قال: فإنه ذلك، ولك هذا المنزل، والبستانان، والمرأة فقال {إني كان لي قرين يقول أئنك لمن المصدقين} قيل له: فإنه في الجحيم قال {فهل أنتم مطلعون، فاطلع فرآه في سواء الجحيم} فقال عند ذلك {تالله إن كدت لتردين} . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في الآية قال: كانا شريكين في بني إسرائيل. أحدهما مؤمن. والآخر كافر، فافترقا على ستة آلاف دينار، كل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار. ثم افترقا فمكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن ما صنعت في مالك، أضربت به شيئاً اتجرت به في شيء؟ قال له المؤمن: لا. فما صنعت أنت؟ قال: اشتريت به نخلاً، وأرضاً، وثماراً، وأنهاراً، بألف دينار فقال له المؤمن: أو فعلت؟ قال: نعم. فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل، فصلى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه، ثم قال: اللهم إن فلاناً - يعني شريكه الكافر - اشترى أرضاً، ونخلاً، وثماراً، وأنهاراً، بألف دينار، ثم يموت ويتركها غداً. اللهم وإني اشتري منك بهذه الألف دينار أرضاً، ونخلاً، وثماراً، وأنهاراً، في الجنة. ثم أصبح فقسمها للمساكين. ثم مكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت، أضربت به في شيء، اتجرت به؟ قال: لا. قال: فما صنعت أنت؟ قال: كانت ضيعتي قد اشتد على مؤنتها، فاشتريت رقيقاً بألف دينار، يقومون لي، ويعملون لي فيها. فقال المؤمن: أو فعلت؟ قال: نعم. فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل، صلى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار، فوضعها بين يديه ثم قال: اللهم إن فلاناً اشترى رقيقاً من رقيق الدنيا بألف دينار، يموت غداً فيتركهم، أو يموتون فيتركونه، اللهم وإني أشتري منك بهذه الألف دينار رقيقاً في الجنة. ثم أصبح فقسمها بين المساكين. ثو مكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك، أضربت به في شيء، اتجرت به في شيء؟ قال: لا. فما صنعت أنت؟ قال: كان أمري كله قد تم إلا شيئاً واحداً، فلانة مات عنها زوجها فأصدقتها ألف دينار، فجاءتني بها وبمثلها معها فقال له المؤمن: أو فعلت؟ قال له نعم. فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ الألف دينار الباقية، فوضعها بين يديه، وقال: اللهم إن فلاناً تزوّج زوجة من أزواج الدنيا بألف دينار، ويموت عنها فيتركها أو تموت فتتركه، اللهم وإني أخطب إليك بهذه الألف دينار حوراء عيناء في الجنة. ثم أصبح فقسمها بين المساكين، فبقي المؤمن ليس عنده شيء. فلبس قميصاً من قطن، وكساء من صوف، ثم جعل يعمل ويحفر بقوته فقال رجل: يا عبد الله أتؤجر نفسك مشاهرة؛ شهراً بشهر، تقوم على دواب لي؟ قال: نعم. فكان صاحب الدواب يغدو كل يوم ينظر إلى دوابه، فإذا رأى منها دابة ضامرة أخذ برأسه فوجأ عنقه، ثم يقول له: سرقت شعير هذه البارحة. فلما رأى المؤمن الشدة قال: لآتين شريكي الكافر، فلأعملن في أرضه، يطعمني هذه الكسرة يوماً بيوم، ويكسيني هذين الثوبين إذا بليا. فانطلق يريده، فانتهى إلى بابه، وهم مُمْسٍ، فإذا قصر في السماء، وإذا حوله البوابون فقال لهم: استأذنوا لي صاحب هذا القصر، فإنكم إن فعلتم ذلك سره فقالوا له: انطلق فإن كنت صادقاً فنم في ناحية فإذا أصبحت فتعرض له. فانطلق المؤمن فألقى نصف كسائه تحته ونصفه فوقه ثم نام، فلما أصبح أتى شريكه، فتعرض له، فخرج شريكه وهو راكب، فلما رآه عرفه، فوقف فسلم عليه وصافحه، ثم قال له: ألم تأخذ من المال مثل ما أخذت فأين مالك؟ قال: لا تسألني عنه قال: فما جاء بك؟ قال: جئت أعمل في أرضك هذه، تطعمني هذه الكسرة يوماً بيوم، وتكسوني هذين الثوبين إذا بليا قال: لا ترى مني خيراً حتى تخبرني ما صنعت في مالك قال: أقرضته من الملأ الوفي قال: من؟ قال: الله ربي، وهو مصافحه، فانتزع يده ثم قال {أئنك لمن المصدقين، أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمدينون} وتركه، فلما رآه المؤمن لا يلوي عليه رجع، وتركه يعيش المؤمن في شدة من الزمان، ويعيش الكافر في رخاء من الزمان. فإذا كان يوم القيامة، وأدخل الله المؤمن الجنة يمر فإذا هو بأرض، ونخل، وأنهار، وثمار، فيقول: لمن هذا؟ فيقال: هذا لك فيقول: أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟ ثم يمر فإذا هو برقيق لا يحصى عددهم فيقول: لمن هذا؟ فيقال: هؤلاء لك فيقول: أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟ ثم يمر فإذا هو بقبة من ياقوتة حمراء مجوفة فيها حوراء عيناء فيقول: لمن هذه؟ فيقال: هذه لك فيقول: أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟ ثم يذكر شريكه الكافر فيقول {إني كان لي قرين، يقول أئنك لمن المصدقين} فالجنة عالية، والنار هاوية، فيريه الله شريكه في وسط الجحيم، من بين أهل النار، فإذا رآه عرفه المؤمن فيقول {تالله إن كدت لتردين، ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين، أفما نحن بميتين، إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين، إن هذا لهو الفوز العظيم، لمثل هذا فليعمل العاملون} بمثل ما قدمت عليه قال: فيتذكر المؤمن ما مر عليه في الدنيا من الشدة فلا يذكر أشد عليه من الموت. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {أئنا لمدينون} قال: لمحاسبون. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه، مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {هل أنتم مطلعون} يقول: مطلعون إليه حتى أنظر إليه في النار. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {سواء الجحيم} قال: وسط الجحيم. وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {في سواء الجحيم} قال: وسط الجحيم قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول الشاعر: شعر : رماهم بسهم فاستوى في سوائها وكان قبولاً للهوى والطوارق تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله {فاطلع فرآه في سواء الجحيم} قال: اطلع، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: لقد رأيت جماجم القوم تغلي. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن كعب الأحبار رضي الله عنه قال: في الجنة كوى، فإذا أراد أحد من أهلها أن ينظر إلى عدوه في النار، اطلع فازداد شكراً. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {هل أنتم مطلعون} قال: سأل ربه أن يطلعه، {فاطلع فرآه في سواء الجحيم} يقول: في وسطها، فرأى جماجمهم تغلي فقال: فلان..! فلولا أن الله عرفه إياه لما عرفه. لقد تغير خبره وسبره. فعند ذلك قال {تالله إن كدت لتردين} يقول: لتهلكني لو أطعتك {ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين} قال: في النار {أفما نحن بميتين} إلى قوله {الفوز العظيم} قال: هذا قول أهل الجنة يقول الله {لمثل هذا فليعمل العاملون} . وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: علموا أن كل نعيم بعد الموت يقطعه فقالوا {أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين} قيل: لا. قالوا {إن هذا لهو الفوز العظيم} . وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يقول الله تعالى لأهل الجنة: {أية : كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون} تفسير : [المرسلات: 43] قال: قول الله {هنيئاً} أي لا تموتون فيها. فعندها قالوا {أفما نحن بميتين، إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين، إن هذا لهو الفوز العظيم، لمثل هذا فليعمل العاملون} . وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في يدي، فرأى جنازة، فأسرع المشي حتى أتى القبر، ثم جثا على ركبتيه، فجعل يبكي حتى بل الثرى، ثم قال {لمثل هذا فليعمل العاملون} .
القشيري
تفسير : يتذاكرون فيما بينهم، ويذكرون مِنْ معارفهم مَنْ لا يُؤْمن باللهِ، وما آمن به المؤمنون فيخلق اللهُ لهم إطلاعاً عليه وهم في النار يحترقون.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاقبل بعضهم على بعض يتساءلون} معطوف على يطاف اى ليشرب عباد الله المخلصون فى الجنة فيتحادثون على الشراب كما هو عادة الشرب فى الدنيا فيقبل بعضهم على بعض حال كونهم يتساءلون عن الفضائل والمعارف وعما جرى عليهم ولهم فى الدنيا: وبالفارسية [مى برسند از احوال دنيا وما جراى ايشان بادوست ودشمن] فالتعبير عنهم بصيغة الماضى للتأكيد والدلالة على تحقق الوقوع حتما. وفى الآية اشارة الى ان اهل الجنة هم الذين كانوا ممن لم يقبلوا على الله بالكلية وان كانوا مؤمنين موحدين والا كانوا فى مقعد صدق مع المقربين
الجنابذي
تفسير : {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} ادّاه بالماضى اشارةً الى تحقّق وقوعه او لانّه كان واقعاً بالنّسبة الى محمّدٍ (ص) {يَتَسَآءَلُونَ} يتحادث كلّ لكلّ او يسأل بعضهم ويجيب بعضهم.
اطفيش
تفسير : {فأقبل بعضهم} أي بعض أهل الجنة. {على بعض} وجملة {يتسآءلون} حال مقدرة والمعنى يسأل بعضهم بعضا عما جرى لهم وعليهم في الدنيا والمعارف والفضائل وحال الطاعة والايمان سؤال تلذذ والعطف على يطاف عليهم بكأس فكأنه قيل يشربون ويتحادثون على الشراب وهو عادة الشراب وما كان من الشراب كذلك فهو الذالي العقل وانما عبر بالماضي تأكيدا في وقوع ذلك واحضارا فانه لا بد حاضر جعلنا الله من أهله.
اطفيش
تفسير : كما هو عادة المجتمعين على شراب، وما يتلذذ به أكلا أو شربا فى ترف وفرح، والعطف على يطاف، والمضى للتحقق وللمعالجة الى ما هو من أعظم اللذات، هو الإقبال على الحديث فى أنس وفراغ عن مكدر.
الالوسي
تفسير : {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } معطوف على {أية : يُطَافُ }تفسير : [الصافات: 45] وما بينهما معترض أو من متعلقات الأول أي يشربون فيتحادثون على الشرب كما هو عادة المجتمعين عليه قال محمد بن فياض: شعر : وما بقيت من اللذات إلا محادثة الكرام على الشراب ولثمك وجنتي قمر منير يجول بوجهه ماء الشباب تفسير : وعبر بالماضي مع أن المعطوف عليه مضارع للإشعار بالاعتناء بهذا المعطوف بالنسبة إلى المعطوف عليه فكيف لا يقبلون على الحديث وهو أعظم لذاتهم التي يتعاطونها مع ما في ذلك من الإشارة إلى تحقق الوقوع حتماً وتساؤلهم عن المعارف والفضائل وما جرى لهم وعليهم في الدنيا، وما أحلى تذكر ما فات عند رفاهية/ الحال وفراغ البال.
ابن عاشور
تفسير : الفاء للتفريع لأن شأن المتجالسين في مسرّة أن يشرعوا في الحديث فإن في الحديث مع الأصحاب والمنتدمين لذة كما قال محمد بن فياض:شعر : وما بقيتْ من اللذات إلا أحاديثُ الكرام على الشراب تفسير : فإذا استشعروا أن ما صاروا إليه من النعيم كان جزاء على ما سبق من إيمانهم وإخلاصهم تذكر بعضُهم مَن كان يجادله في ثبوت البعث والجزاء فحمِد الله على أن هدَاه لعدم الإِصغاء إلى ذلك الصّادِّ فحدث بذلك جلساءه وأراهم إياه في النار، فلذلك حكي إقبال بعضهم على بعض بالمساءلة بفاء التعقيب. وهذا يدلّ على أن الناس في الآخرة تعود إليهم تذكراتهم التي كانت لهم في الدنيا مصفاة من الخواطر السيّئة والأكدار النفسانية مدركة الحقائق على ما هي عليه. وجيء في حكاية هذه الحالة بصيغ الفعل الماضي مع أنها مستقبلة لإِفادة تحقيق وقوع ذلك حتى كأنه قد وقع على نحو قوله تعالى: {أية : أتى أمر اللَّه}تفسير : [النحل:1]، والقرينة هي التفريع على الأخبار المتعلقة بأحوال الآخرة. والتساؤل: أن يسأل بعضهم بعضاً، وحُذف المتساءل عنه لدلالة ما بعده عليه، وقد بَين نحواً منه قولهُ تعالى: {أية : في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر}تفسير : [المدثر: 40 - 42]. وجملة {قَالَ قائِلٌ مِنهم} بدل اشتمال من جملة {يَتَسَاءَلُونَ}، أي قال أحدهم في جواب سؤال بعضهم، فإن معنى التساؤل يشتمل على معنى الجواب فلذلك جعلناه بدل اشتمال لا بدل بعض ولا عطف بيان، والقرين مراد به الجنس، فإن هذا القول من شأنه أن يقوله كثير من خلطاء المشركين قبل أن يُسْلموا. والقرين: المصاحب الملازم شبهت الملازمة الغالبة بالقرْن بين شيئين بحيث لا ينفصلان، أي يقول له صاحبه لما أَسلم وبقي صاحبه على الكفر يجادله في الإِسلام ويحاول تشكيكه في صحته رجاء أن يرجع به إلى الكفر كما قال سعيد بن زيد: «لقد رأيتُني وأنَّ عُمر لمُوثقي على الإِسلام» أي جاعلني في وثاق لأجل أني أسلمت، وكان سعيد صهر عُمر زوْجَ أخته. والاستفهام في {أإِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِقينَ} مستعمل في الإِنكار، أي ما كان يحق لك أن تصدّق بهذا، وسلط الاستفهام على حرف التوكيد لإِفادة أنه بلغه تأكُّد إسلام قرينه فجاء ينكر عليه ما تحقق عنده، أي أن إنكاره إسلامه بعدَ تحقق خبره، ولولا أنه تحققه لما ظنّ به ذلك. والمصدّق هو: الموقن بالخبر. وجملة {أإِذَا مِتْنَا} بيان لجملة {أإِنَّكَ لمن المُصَدقين} بينت الإِنكار المجمل بإنكار مفصل وهو إنكار أن يبعث الناس بعد تفرق أجزائهم وتحوُّلها تراباً بعد الموت ثم يجازَوا. وجملة {إنَّا لمَدِينُون} جواب {إذا}. وقرنت بحرف التوكيد للوجه الذي علمته في قوله: {أإِنَّكَ لمِنَ المُصَدقين}. والمدين: المجازَى يقال: دانه يدينه، إذا جازاه، والأكثر استعماله في الجزاء على السوء، والدين: الجزاء كما في سورة الفاتحة. وقيل هنا {إِنا لمَدِينون} وفي أول السورة {أية : أَإنَّا لمَبْعُوثون}تفسير : [ الصافات: 16] لاختلاف القائلين. وقرأ الجميع {أإنك} بهمزتين. وقرأ من عدا ابن عامر {أإذَا مِتْنَا} بهمزتين وابن عامر بهمزة واحدة وهي همزة {إذا} اكتفاء بهمزة {أإنا لمدينون} في قراءته. وقرأ نافع {إِنَّا لَمَدِينُونَ} بهمزة واحدة اكتفاء بالاستفهام الداخل على شرطها. وقرأه الباقون بهمزتين. وجملة {قالَ هل أنتُم مُطَّلِعون} بدل اشتمال من جملة {قالَ قَائِلٌ منهم} لأن قوله: {هل أنتم مطلعون} المحكي بها هو مما اشتمل عليه قوله الأول إذ هو تكملة للقول الأول. والاستفهام بقوله {هل أنتم مُطَّلعون} مستعمل في العرض، عرض على رفقائه أن يتطلعوا إلى رؤية قرينه وما صار إليه، وذلك: إمّا لأنه علم أن قرينه مات على الكفر بأن يكون قد سبقه بالموت، وإمّا لأنه ألقي في رُوعه أن قرينه صار إلى النار، وهو موقن بأن خازن النار يطلعهم على هذا القرين لعلمهم بأن لأهل الجنة ما يتساءلون قال تعالى: {أية : ولهم ما يدَّعون}تفسير : [يس:57]. وحذف متعلق {مُطَّلعون} لدلالة آخر الكلام عليه بقوله: {في سَوَاءِ الجَحِيم.} فالتقدير: هل أنتم مطلعون على أهل النار لننظُره فيهم. وفي قوله: {فاطَّلعَ}اكتفاء، أي فاطّلع واطّلعوا فرآه ورأوه في سواء الجحيم إذ هو إنما عرض عليهم الاطّلاع ليعلموا تحقيق ما حدّثهم عن قرينه. واقتصر على ذكر اطلاعه هو دون ذكر اطلاع رفقائه لأنه ابتدأ بالاطّلاع ليميز قرينه فيريه لرفقائه. و {سَواءِ الجَحيمِ} وسطها قال بلعاء بن قيس: شعر : عضباً أصاب سواء الرأس فانفلقاتفسير : وجملة {قالَ تالله إن كِدتَ لتُرْدِينِ} مستأنفة استئنافاً بيانيّاً لأن وصف هذه الحالة يثير في نفس السامع أن يسأل: فماذا حصل حين اطلع؟ فيجاب بأنه حين رأى قرينه أخذ يوبخه على ما كان يحاوله منه حتى كاد أن يلقيه في النار مثله. وهذا التوبيخ يتضمن تنديمه على محاولة إرجاعه عن الإِسلام. والقَسَم بالتاء من شأنه أن يقع فيما جواب قسَمِه غريب، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : قالوا تاللَّه لقد علمتم}تفسير : في سورة [يوسف: 73]، وقوله: {أية : وتاللَّهِ لأكيدن أصنامكم}تفسير : في سورة [الأنبياء: 57]. ومحل الغرابة هو خلاصهُ من شبكة قرينه واختلاف حال عاقبتيهما مع ما كانا عليه من شدة الملازمة والصحبة وما حفّه من نعمة الهداية وما تورط قرينه في أوحال الغواية. و {إنْ} مخففة من الثقيلة واتصل بها الفعل الناسخ على ما هو الغالب في أحوالها إذا أُهملت. واللام الداخلة على خبر كاد هي الفارقة بين {إن} المخففة والنافية. و «ترديني» تُوقِعُنِي في الرَّدَى وهو الهلاك، وأصل الردى: الموت ثم شاعت استعارته لسوء الحال تشبيهاً بالموت لما شاع من اعتبار الموت أعظم ما يصاب به المرء. والمعنى: أنك قاربت أن تفضي بي إلى حال الردى بإلحاحك في صرفي عن الإِيمان بالبعث لفرط الصحبة. ولولا نعمة هداية الله وتثبيته لكنت من المحضَرين معك في العذاب. وقرأ الجمهور {لَتُرْدِينِ} بنون مكسورة في آخره دون ياء المتكلم على التخفيف، وهو حذف شائع في الاستعمال الفصيح وهو لغة أهل نجد. وكتب في المصاحف بدون ياء. وقرأه ورش عن نافع بإثبات الياء ولا يُنافي رسم المصحف لأن كثيراً من الياءات لم تكتب في المصحف، وقرأ القراء بإثباتها فإن كتّاب المصحف قد حذفوا مدوداً كثيرة من ألفات وياءات. والمحضرون: أريد بهم المحضرون في النار، أي لكنت من المحضرين معك للعذاب. وقد كثر إطلاق المُحْضَر ونحوه على الذي يُحضر لأجل العقاب. وقد فسر بعض المفسرين القرين هنا بالشيطان الذي يلازم الإِنسان لإِضلاله وإغوائه. وطريقُ حكاية تصدّي القائل من أهل الجنة لإِخبار أهل مجلسه بحاله يبطل هذا التفسير لأنه لو كان المراد الشيطان لكان إخباره به غير مفيد فما من أحد منهم إلا كان له قرين من الشياطين، وما منهم إلا عالم بأن مصير الشياطين إلى النار. وقيل: نزلت في شريكين هما المشار إليهما في قوله تعالى: {أية : واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب}تفسير : في سورة [الكهف: 32]. وروي عن عطاء الخراساني: أنها نزلت في أخوين مؤمن وكافر، كانا غنيين، وكان المؤمن ينفق ماله في الصدقات وكان الكافر ينفق ماله في اللذات. وفي هذه الآية عبرة من الحذر من قرناء السوء ووجوب الاحتراس مما يدعون إليه ويزيّنونه من المهالك.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فأقبل بعضهم على بعض: أي أقبل أهل الجنة. يتساءلون: أي عما مرّ بهم في الدنيا وما جرى لهم فيها. إني كان لي قرين: أي كان لي صاحب ينكر البعث الآخر. يقول لي أئنك لمن المصدقين: أي يقول تبكيتاً لي وتوبيخاً أي بالبعث والجزاء. أءنا لمدينون: أي محاسبون ومجزيون بأعمالنا في الدنيا إنكاراً وتكذيباً. هل أنتم مطلعون: أي معي إلى النار لننظر حاله وما هو فيه من العذاب. فاطلع فرآه في سواء الجحيم: أي في وسط النار. تالله إن كدت لتردين: أي قال هذا تشميتاً به، ومعنى تردين تهلكني. لكنت من المحضرين: أي المسوقين إلى جهنم المحضرين فيها. أفما نحن بميتين: أمخلدون فما نحن بميتين، والاستفهام للتقرير أي نعم. إلا موتتنا الأولى: التي ماتوها في الدنيا. لمثل هذا فليعمل العاملون: أي لمثل هذا النعيم من الخلود في الجنة والنعم فيها فليعمل العاملون وذلك بكثرة الصالحات واجتناب السيئآت. معنى الآيات: ما زال السياق في بيان نعيم أهل الجنة فقد قال بعضهم لبعض بعد أن جلسوا على السرر متقابلين يتجاذبون أطراف الحديث متذكرين ما مرّ بهم من أحداث في الحياة الدنيا فقال أحدهم إنّي كان لي في الدنيا قرين أي صاحب يقول لي استهزاء وإنكارا للبعث الآخر {أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ} أي بالبعث والجزاء على الأعمال في الدنيا. ويقول أيضا مستبعدا منكراً {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ} أي محاسبون ومجزيون. ثم قال ذلك القائل لبعض أهل مجلسه {هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ} أي معي على أهل النار لنرى صاحبي فيها ونسأله عن حاله فكأنهم أبوا عليه ذلك وأبوا أن يطلعوا أما هو فقد اطّلع فرآه في سواء الجحيم أي في وسطها، وقال له ما أخبر تعالى به عنه في قوله {قَالَ تَٱللَّهِ} أي والله {إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ} أي تهلكني لما كنت تنكر عليّ الإِيمان بالبعث وتسخر مني وتشمت بي لإِيماني وعملي الصالح الذي كنت أرجو ثوابه وهو حاصل الآن وقال أيضا {وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي} عليّ بالعصمة والحفظ لكنت من المحضرين الآن في جهنم معك. ثم قال له {أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ} والاستفهام تقريري فهو يقرره ليقول نعم مخلدون نحن في الجنة وأنتم في النار. ثم قال إن هذا أي الخلود في دار النعيم {لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} إذ كان نجاة من النار وهي أعظم مرهوب مخوف، ودخولا للجنة دار السلام والنعيم المقيم. قال تعالى {لِمِثْلِ هَـٰذَا} أي هذا الفوز العظيم بالنجاة من النار والخلود في دار الأبرار {فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ} أي فليواصلوا عملهم وليخلصوا فيه لله ربّ العالمين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان عظمة الله تعالى في إقدار المؤمن على أن يتكلم مع من هو في وسط الجحيم ويرى صورته ويتخاطب معه ويفهم بعضهم بعضا، والعرض التلفازي اليوم قد سهل إدراك هذه الحقيقة. 2- التحذير من قرناء السوء كالشباب الملحد وغيره. 3- بيان كيف كان المكذبون يسخرون من المؤمنين ويعدونهم متخلفين عقليّاً. 4- لا موت في الآخرة وإنما حياة أبدية في النعيم أو في الجحيم. 5- الحث على كثرة الأعمال الصالحة، والبعد عن الأعمال الفاسدة.
القطان
تفسير : قرين: صاحب. لمدينون: لمحاسَبون، لمجزيّون. مطلعون: مشرفون. سواء الجحيم: وسط النار. لتُردِين: لتهلكني. لمحضَرين: لمسوقين للعذاب. نزلا: كل ما يهيأ للضيف. شجرة الزقوم: شجرة كريهة في جهنم. فتنة: محنة. أصل الجحيم: قعر جهنم. طلعُها: ثمرها. رؤوس الشياطين: في قبح الشياطين، والعربُ تشبه كل قبيح بالشيطان. الشوْب: الخلط. الحميم: الحار. مرجعهم: مصيرهم. لا يزال الحديث عن أهل الجنة، فإنهم وهم في متعتهم وسرورهم، يتساءلون عن أحوالهم وكيف كانوا في الدنيا. قال قائلم منهم: كان لي صاحب من المشركين يجادلني في الدين ويقول: أإنك لمن الذين يصدّقون بالبعث بعد الموت وبالحساب والجزاء!! وهل بعد ان نموت ونصير تراباً وعظاماً بالية نحيا مرةً لنحاسَب على ما قدّمنا من عمل!!. فيتطلّع ذلك المؤمن ويدعو اخوانه ان يتطلعوا معه. {فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ} حينما رآه قال: تاللهِ لقد كدتَ تهلكني لو أطعتك على الكفر معك، ولولا نعمةُ ربي بأن هداني للايمان بالله والبعث لكنتُ مثلك من المحضَرين في العذاب. ثم يقول لجلسائه تحدثاً بنعمة ربه عليه وعلى مسمعٍ من قرينه: {أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} لقد اجتزنا الامتحان بنجاح والحمد لله، فلا موتَ بعد الموتة الأولى ولا تعبَ بعد اليوم. {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ} وفي معنى هذه الآية يتوضح اكثر قوله تعالى: {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}تفسير : [الدخان:56]. اما كيفية رؤية أهل الجنة لأهل النار وبينهم مسافاتٌ شاسعة فإنها من الغيبيات التي تخالف وضعنا وحياتنا، ونحن لا نعرف كيف تجري احوال الدار الآخرة جميعها، ولا نستطيع فهمها. ثم بيّن أحوالَ أهل جهنم وما يلاقون فيها من العذاب الدائم ليظهر الفرقُ بين أهل النعيم واهل الجحيم، فقال: {أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ؟....} اهذا الرزقُ الذي ناله أهل الجنة خيرٌ أم حالُ أهلِ النار الذين يأكلون من شجرة الزقوم التي جعلناها فتنةً وبلاء للكافرين!؟ والزقّوم شجرةٌ تنبت في وسط الجحيم، ثمرها قبيح المنظر كريه الصورة كأنه رؤوس الشياطين. ومن ثمرها يأكل الكفار. وهم يملأون بطونهم منه، فاذا عطشوا وأرادوا شرب الماء، يغاثون بماء حار مشوب باخلاط من جهنم يشوي وجوههم، وتتقطع منه أمعاؤهم، كما قال في سورة الكهف 29 {أية : وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً}.
د. أسعد حومد
تفسير : (50) - وَيَأْخُذُ أَهْلُ الجَنَّةِ، وَهُمْ فِي جلْسَتِهِمْ تِلْكَ، فِي تَجَاذُبِ أَطْرَافِ الحَدِيثِ، وَيَتَنَاوَلُونَ فِي أَحَادِيِثِهِمْ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : سبق أن استمعنا إلى حوار دار بين الكافرين المجرمين في النار. وهنا يحكي لنا الحق سبحانه هذا الحوارَ بين أهل الجنة يتساءلون عن أهل الظلم، وأهل الضلال والغواية وأهل التكذيب، أين هم الآن؟ وما مصيرهم؟ {قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ} [الصافات: 51] من أهل الجنة {إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} [الصافات: 51] أي: صاحبٌ في الدنيا {يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ} [الصافات: 52] أي: بالبعث {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ} [الصافات: 53] يعني: محاسبون. وهذا السؤال منه على سبيل التكذيب والإنكار لقضية البعث والحساب.
الجيلاني
تفسير : وبعدما يشربون من المعين وشملهم كيفيتها، أخذوا يتحدثون {فَأَقْبَلَ} والتفت {بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} [الصافات: 50] ويتقاولون مما جرى عليهم في النشأة الدنيا، وما ادخروا فيها للنشأة الأخرى من المعارف والحقائق والأعمال والأحوال والمواجيد، والأخلاق والعبر والأمثال. {قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ} على سبيل التذكر والتحاكي عن إنكار المنكرين يوم البعث والنشور {إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} [الصافات: 51] في دار الدنيا، منكر لهذه النشأة، وأنا معتقد لها، منتظر لقيامها. {يَقُولُ} يوماً على سبيل النصح والإكار والاستبعاد: {أَءِنَّكَ} أيها المجبول على الدراية والشعور {لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ} [الصافات: 52] والمعتقدين الموقنين. {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَ} تعتقد أنت وتصدق {ءِنَّا لَمَدِينُونَ} [الصافات: 53] أي: مجزيون بأعمالنا التي كنا نعمل، مسئولون عنها، محاسبون عليها؟!. كلا وحاشا، ما هي إلى حياتنا في الدنيا وما نحن مبعوثين، ثم {قَالَ} لقرنائه في الجنة، مستفهماً عن حال قرينه المنكر للبعث: {هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ} [الصافات: 54] يعني: هل أنتم تريدون وتطلبون أيها المسرورون في الجنة أن تطلعوا عن ذلك القرين في النار، قالوا له: أنت أحق بإطلاع حاله؛ إذ هو مصاحبك وقرينك. {فَٱطَّلَعَ} بعد نظر من الكوى المفتوحة في الجنة نحو النار {فَرَآهُ} أي: قرينه المنكر {فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ} [الصافات: 55] أي: وسطه معذباً بأنواع العذاب. {قَالَ} له بعد ما رآه في النار مقسم على سبيل التأكيد والمبالغة: {تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ} [الصافات: 56] يعني: والله إنك أيها الجاهل المفرد، قد قاربت من إهلاكي بإغرائك وإغوائك ونصحك إليّ، وتذكيرك على ما يدل على إنكار البعث واستدلالك على استحالته. {وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي} وتوفيقه إياي بالعصمة والثبات على عزيمة الإيمان والتوحيد {لَكُنتُ} مثلك {مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ} [الصافات: 57] معك في وسط الجحيم؛ يعني أنا أيضاً من جملة أهل النار مثلك. ثم أخذ يباهي على قرينه بالنعيم المقيم واللذة المستمرة، بلا تريان موت وعذاب، فقال مستفهماً: {أَ} تعلم أنَّا في الجنة مخلدون منعمون {فَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ} [الصافات: 58] أي: مائتين متحولين عنها، بل لا موت لنا {إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ} التي متنا عن الدنيا {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [الصافات: 59] أيضاً أمثالكم. {إِنَّ هَـٰذَا} الخلود والتنعم والسرور بلا طريان ضد عليه {لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [الصافات: 60] والكرم الجسيم من الله العليم الحكيم إيانا. ثم قيل من قبل الحق؛ ترغيباً للمؤمنين على الطاعات وحثاً لهم إلى الإيتان بالأعمال الصالحات، وتطييباً لقلوبهم بترتب أمثال هذه الحسنات على أعمالهم وأخلاقهم ومواجيدهم وحالاتهم، وبالجملة: {لِمِثْلِ هَـٰذَا} الفوز العظيم والنول الكريم {فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ} [الصافات: 61] في النشأة الأولى، لا للحظوظ الفانية واللذات الزائلة الدنيوية، المقتضية لأنواع الآلام والحسرات.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر تعالى نعيمهم، وتمام سرورهم، بالمآكل والمشارب، والأزواج الحسان، والمجالس الحسنة، ذكر تذاكرهم فيما بينهم، ومطارحتهم للأحاديث، عن الأمور الماضية، وأنهم ما زالوا في المحادثة والتساؤل، حتى أفضى ذلك بهم، إلى أن قال قائل منهم: { إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ } في الدنيا، ينكر البعث، ويلومني على تصديقي به. و { يَقُولُ } لي { أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ } أي: مجازون بأعمالنا؟ أي: كيف تصدق بهذا الأمر البعيد، الذي في غاية الاستغراب، وهو أننا إذا تمزقنا، فصرنا ترابا وعظاما، أننا نبعث ونعاد، ثم نحاسب ونجازى بأعمالنا؟!! أي: يقول صاحب الجنة لإخوانه: هذه قصتي، وهذا خبري، أنا وقريني، ما زلت أنا مؤمنا مصدقا، وهو ما زال مكذبا منكرا للبعث، حتى متنا، ثم بعثنا، فوصلت أنا إلى ما ترون، من النعيم، الذي أخبرتنا به الرسل، وهو لا شك، أنه قد وصل إلى العذاب. فـ { هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ } لننظر إليه، فنزداد غبطة وسرورا بما نحن فيه، ويكون ذلك رَأْيَ عين؟ والظاهر من حال أهل الجنة، وسرور بعضهم ببعض، وموافقة بعضهم بعضا، أنهم أجابوه لما قال، وذهبوا تبعا له، للاطلاع على قرينه. { فَاطَّلَعَ } فرأى قرينه { فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ } أي: في وسط العذاب وغمراته، والعذاب قد أحاط به. فـ { قَالَ } له لائما على حاله، وشاكرا للّه على نعمته أن نجاه من كيده: { تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ } أي: تهلكني بسبب ما أدخلت عليَّ من الشُّبَه بزعمك. { وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي } على أن ثبتني على الإسلام { لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ } في العذاب معك. { أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلا مَوْتَتَنَا الأولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } [أي: يقوله المؤمن، مبتهجا بنعمة اللّه على أهل الجنة بالخلود الدائم فيها والسلامة من العذاب; استفهام بمعنى الإثبات والتقرير] أي: يقول لقرينه المعذب: أفتزعم أننا لسنا نموت سوى الموتة الأولى، ولا بعث بعدها ولا عذاب. وقوله: { فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ } وحذف المعمول، والمقام مقام لذة وسرور، فدل ذلك على أنهم يتساءلون بكل ما يلتذون بالتحدث به، والمسائل التي وقع فيها النزاع والإشكال. ومن المعلوم أن لذة أهل العلم بالتساؤل عن العلم، والبحث عنه، فوق اللذات الجارية في أحاديث الدنيا، فلهم من هذا النوع النصيب الوافر، ويحصل لهم من انكشاف الحقائق العلمية في الجنة ما لا يمكن التعبير عنه. فلما ذكر تعالى نعيم الجنة، ووصفه بهذه الأوصاف الجميلة، مدحه، وشوَّق العاملين، وحثَّهم على العمل فقال: { إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } الذي حصل لهم به كل خير، وكل ما تهوى النفوس وتشتهي، واندفع عنهم به كل محذور ومكروه، فهل فوز يطلب فوقه؟ أم هو غاية الغايات، ونهاية النهايات، حيث حل عليهم رضا رب الأرض والسماوات، وفرحوا بقربه، وتنعموا بمعرفته واستروا برؤيته، وطربوا لكلامه؟ { لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ } فهو أحق ما أنفقت فيه نفائس الأنفاس وأولى ما شمر إليه العارفون الأكياس، والحسرة كل الحسرة، أن يمضي على الحازم، وقت من أوقاته، وهو غير مشتغل بالعمل، الذي يقرب لهذه الدار، فكيف إذا كان يسير بخطاياه إلى دار البوار؟!!
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):