٣٧ - ٱلصَّافَّات
37 - As-Saffat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
71
Tafseer
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن الأمم الماضية: أن أكثرهم كانوا ضالين، يجعلون مع الله آلهة أخرى، وذكر تعالى أنه أرسل فيهم منذرين ينذرون بأس الله، ويحذرونهم سطوته ونقمته ممن كفر به وعبد غيره، وأنهم تمادوا على مخالفة رسلهم وتكذيبهم، فأهلك المكذبين ودمرهم، ونجى المؤمنين ونصرهم وظفرهم، ولهذا قال تعالى: { فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ }.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ } من الأمم الماضية.
ابن عطية
تفسير : مثل تعالى لقريش في هذه الآية بالأمم التي ضلت قديماً وجاءها الإنذار وأهلكها الله بعذابه، وقوله تعالى: {فانظر كيف كان عاقبة المنذرين}، يقتضي الإخبار بأنه عذبهم، ولذلك حسن الاستثناء في قوله {إلا عباد الله}، ونداء نوح عليه السلام قد تضمن أشياء منها الدعاء على قومه، ومنها سؤال النجاة ومنها طلب النصرة، وفي جميع ذلك وقعت الإجابة، وقوله تعالى: {فلنعم المجيبون} يقتضي الخبر بأن الإجابة كانت على أكمل ما أراد نوح عليه السلام، و {الكرب العظيم} قال السدي: هو الغرق. قال القاضي أبو محمد: ومن {الكرب} تكذيب الكفرة وركوب الماء وهوله قال الرماني: {الكرب}: الحر الثقيل على القلب، وقوله تعالى: {وجعلنا ذريته هم الباقين} قال ابن عباس وقتادة: أهل الأرض كلهم من ذرية نوح، قال الطبري: والعرب من أولاد سام، والسودان من أولاد حام، والترك والصقلب وغيرهم من أولاد يافث، وروي عن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ {وجعلنا ذريته هم الباقين} فقال: "حديث : سام وحام ويافث" تفسير : ، وقالت فرقة: إن الله تعالى أبقى ذرية نوح ومد نسله وبارك في ضئضئه وليس الأمر بأن أهل الأرض انحصروا إلى نسله بل في الأمم من لا يرجع إليه، والأول أشهر عند علماء الأمة وقالوا {نوح} هو آدم الأصغر، وقوله {وتركنا عليه في الآخرين} معناه ثناء حسناً جميلاً آخر الدهر، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي، وقوله {سلام} عل هذا التأويل رفع بالابتداء مستأنف سلم الله به عليه ليقتدي بذلك البشر، قال الطبري: هذه أمانة منه لنوح في العالمين أن يذكره أحد بسوء. قال القاضي أبو محمد: هذا جزاء ما صبر طويلاً على أقوال الكفرة الفجرة، وقال الفراء وغيره من الكوفيين: قوله {سلام على نوح في العالمين} جملة في موضع نصب بـ {تركنا} وهذا هو المتروك عليه، فكأنه قال وتركنا على نوح تسليماً يسلم به عليه إلى يوم القيامة، وفي قراءة عبد الله "سلاماً على نوح" على النصب بـ {تركنا} صلى الله على نوح وعلى أهله وسلم تسليماً وشرف وكرم على جميع أنبيائه و {في الآخرين} معناه في الباقين غابر الدهر، والقراءة بكسر الخاء وما كان من إهلاك فهو بفتحها.
البقاعي
تفسير : ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد المحبة لهداهم والحزن على ضلالهم، والأسف على غيهم ومحالهم، وكان الضلال مع العقل أولاً، ثم مع وجود الرسل الذين هم من الصدق والمعجزات والأمور الملجئة إلى الهدى ثانياً كالمحال، سلاه سبحانه بقوله على سبيل التأكيد لزيادة التحقيق: {ولقد ضل قبلهم} أي قبل من يدعوهم في جميع الزمان الذي تقدمهم {أكثر الأولين *} بحيث إنه لم يمض قرن بعد آدم عليه السلام إلا وكله أو جله ضلال. ولما كان ربما ظن أنه لعدم الرسل، نفى ذلك بقوله مؤكداً لنحو ذلك: {ولقد أرسلنا} أي على ما لنا من العظمة التي توجب الإتيان بما لا ريب فيه من البيان {فيهم منذرين *} أي فأنذروهم بأس الله وبينوا لهم أحسن البيان، ومع ذلك فغلب عليهم الضلال، وعناد أهل الحق بالمحال، حتى أهلكهم الله بما له من شديد المجال، وهو معنى قوله: {فانظر} أي فتسبب عن الإرسال أنا فعلنا في إهلاكهم من العجائب ما يستحق التعجيب به والتحذير من مثله بأن يقال لمن تخلف عنهم: انظر {كيف} ولما كان ذلك عادة مستمرة لم تختلف أصلاً قال: {كان عاقبة} أي آخر امر {المنذرين} أي في إنا أهلكناهم لتكذيبهم، فاصبر على الشدائد كما صبروا، واستمر على الدعاء بالبشارة والنذارة حتى يأتيك أمر الله. ولما أفهم الحكم على الأكثر بالضلال أن الأقل على غير حالهم، نبه على حال الطائعين بقوله مستثنياً من ضمير المنذرين: {إلا عباد الله} أي الذين استخلصهم سبحانه بما له من صفات الكمال، فاستحقوا الإضافة إلى اسمه الأعظم {المخلصين *} أي الذين أخلصهم له فأخلصوا هم أعمالهم فلم يجعلوا فيها شوباً لغيره. ولما كان مقصود السورة التنزيه الذي هو الإبعاد عن النقائص، ولذلك كان أنسب الأشياء الإقسام أولها بالملائكة هم أنزه الخلق، وكان أعلى الخلق من جرد نفسه عن الحظوظ بما يؤتيه الله من المجاهدات والمنازلات والمعالجات حتى يلحق بهم فيجوز مع فضلهم معالي الجهاد، فكان أحق الأنبياء بالذكر من كان أكثر تجريداً لنفسه من الشواغل سيراً إلى مولاه وتعريجاً عن كل ما سواه، وكان الأب الثاني من أحقهم بذلك لأنه تجرد في الجهاد بالدعاء إلى الله ألف عام ثم تجرد عن كل شيء على ظهر الماء بين الأرض والسماء، فقال تعالى مؤكداً لما تقدم من أنه دعا إلى التأكيد من أن مكثه في قومه المدة الطويلة مبعد لأن يكونوا وافقوه ومالوا معه وتابعوه، ولأن فعل العرب في التكذيب مع ترادف المعجزات وتواتر العظات عمل من هو مكذب بوقوع النصرة للمرسلين، والعذاب للمكذبين، عطفاً على تقديره: فقاسى الرسل من الشدائد ما لا تسعه الأوراق، وجاهدوهم بأنفسهم والتضرع إلى الله تعالى في أمرهم: {ولقد نادانا} لما لنا من العظمة {نوح} بقوله {أية : رب إني مغلوب فانتصر}تفسير : [القمر: 10] ونحوه مما أخبر الله عنه به بعد أمور عظيمة لقيها منهم من الكروب، والشدائد والخطوب، لنكشف عنه ما أعياه من أمرهم. ولما أغنت هذه الجملة عن شرح القصة وتطويلها، وكان قد تسبب عن دعائه إجابته، قال بالتأكيد بالاسمية والإشارة إلى القسم والأداة الجامعة لكل مدح وصيغة العظمة إلى أن هول عذابهم وعظم مصابهم بلغ إلى أنه مع شهرته لا يكاد يصدق، فهو يحتاج إلى اجتهاد كبير وشدة اعتناء، فكانت الإجابة إجابة من يفعل ذلك وإن كانت الإفعال بالنسبة إليه سبحانه على حد سواء، لا تحتاج إلى غير مطلق الإرادة: {فلنعم المجيبون *} أي كنا بما لنا من العظمة له ولغيره ممن كان نعم المجيب لنا، هذه صفتنا لا تغير لها.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد} جواب قسم اى وبالله لقد {ضل} [كمراه شد] {قبلهم} اى قبل قومك قريش {اكثر الاولين} من الامم السابقة اضلهم ابليس ولم يذكر لان فى الكلام دليلا فاكتفى بالاشارة
الطوسي
تفسير : اقسم الله تعالى انه {لقد ضل قبلهم} قبل هؤلاء الكفار الذين هم في عصر النبي صلى الله عليه وآله عن طريق الحق واتباع الهدى {أكثر الأولين} من كان قبلهم لان اللام في {لقد} هي لام القسم وتدخل على الجواب لقولك: والله لقد كان كذا، وقد تدخل للتأكيد. والضلال الذهاب عن الحق إلى طريق الباطل، تقول: ضل عن الحق يضل ضلالا. والاضلال قد يكون بمعنى الذم بالضلال والحكم عليه به، وقد يكون بمعنى الأمر به والاغراء كقوله {أية : وأضلهم السامري}. تفسير : والأكثر هو الأعظم في العدد، والأول الكائن قبل غيره. وأول كل شيء هو الله تعالى، لأن كل ما سواه فهو موجود بعده. ثم أقسم انه أرسل فيهم منذرين من الأنبياء والرسل يخوفونهم بالله ويحذرونهم معاصيه. ثم قال {فانظر} يا محمد {كيف كان عاقبة المنذرين} والتقدير ان الأنبياء المرسلين لما خوفوا قومهم فعصوهم ولم يقبلوا منهم أهلكهم وأنزل عليهم العذاب، فانظر كيف كان عاقبتهم. ثم استثنى من المنذرين في الاهلاك عباده المخلصين الذين قبلوا من الأنبياء، وأخلصوا عبادتهم لله تعالى، فان الله تعالى خلصهم من ذلك العذاب ووعدهم بالثواب. ثم أخبر ان نوحاً نادى الله ودعاه واستنصره على قومه، وأنه تعالى أجابه، وانه - جل وعز - نعم المجيب لمن دعاه وتقديره فلنعم المجيبون نحن له ولما أجابه نجاه وخلصه وأهله من الكرب العظيم، فالنجاة هي الرفع من الهلاك واصله الرفع، فمنه النجوة المرتفع من المكان ومنه النجا النجا كقولهم الوحا الوحا. والاستنجاء رفع الحدث. والكرب الحزن الثقيل على القلب، قال الشاعر: شعر : عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب تفسير : والكرب تحرير الأرض باصلاحها للزراعة. والكرب هو الذي يحمي قلب النخلة باحاطته بها وصيانته لها. والعظيم الذي يصغر مقدار غيره عنه. وقد يكون التعظيم في الخير والعظم في الشر والعظم في النفس. وقال السدي: معناه نجيناه وأهله من الغرق. وقال غيره: بل نجاهم من الأذى والمكروه الذي كان ينزل بهم من قومه، لانه بذلك دعا ربه فأجابه. وقيل: الذين نجوا مع نوح شيعته. وقوله {وجعلنا ذريته هم الباقين} قال ابن عباس وقتادة: الناس كلهم من ذرية نوح بعد نوح. وقال قوم: العجم والعرب أولاد سام بن نوح والترك والصقالبة والخزر أولاد يافث بن نوح، والسودان أولاد حام ابن نوح. وقوله {وتركنا عليه في الآخرين} قيل في معناه قولان: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: {وتركنا عليه في الآخرين} يعني ذكراً جميلا، وأثنينا عليه في أمة محمد. ومعنى {تركنا} أبقينا، فحذف، فيكون {سلام على نوح في العالمين} من قول الله على غير جهة الحكاية. الثاني - قال الفراء: تركنا عليه قولا هو أن يقال في آخر الامم: سلام على نوح في العالمين. ثم قال {إنا كذلك نجزي المحسنين} كما فعلنا بنوح من الثناء الجميل، مثل ذلك نجزى من احسن أفعاله وتجنب المعاصي.
الجنابذي
تفسير : المكذّبين وهذا بايّاك اعنى واسمعى يا جارة يعنى انّ قومك ينبغى ان ينظروا الى مكذّبى الانبياء السّلف حتّى يعتبروا بحالهم ويخافوا من عاقبة تكذيبك.
اطفيش
تفسير : الأمم الماضية والضمير لقريش الذين في زمانه صلى الله عليه وسلم وقيل للعرب الذين في زمانه صلى الله عليه وسلم.
اطفيش
تفسير : {ولَقَد} والله لقد {ضلَّ قبلهُم} قبل هؤلاء الكفرة من قريش المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم {أكْثر الأوَّلين} من قريش وغيرهم، ولا نقول شجرة الزقوم مختصة بهؤلاء المعاصرين كما قيل، بل هى عامة لأهل النار.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ } أي قبل هؤلاء الظالمين الذين جعلت شجرة الزقوم فتنة لهم وهم قريش {أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ } من الأمم السابقة، وهو جواب قسم محذوف، وكذا قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ...}.
ابن عاشور
تفسير : عُقّب وصفُ حال المشركين في الآخرة وما علّل به من أنهم ألْفَوْا آباءهم ضالّين فاتبعوا آباءهم بتنظيرهم بمن سلفوا من الضالّين وتذكيراً للرسول صلى الله عليه وسلم بذلك مسلاة له على ما يلاقيه من تكذيبهم، واستقصاء لهم في العبرة والموعظة بما حلّ بالأمم قبلهم، فهَذه الجملة معطوفة على مضمون الجملة التي قبلها إكمالاً للتعليل، أي اتبعوا آثار آبائهم واقتدوا بالأمم أشياعهم. ووصف الذين ضلّوا قبلهم بأنهم {أكْثَرُ الأوَّلِينَ} لئلا يَغترّ ضعفاء العقول بكثرة المشركين ولا يعْتزّوا بها، ليعلموا أن كثرة العدد لا تبرّر ضلال الضالّين ولا خطأ المخطئين، وأن الهدى والضلال ليسا من آثار العدد كثرة وقلة ولكنهما حقيقتان ثابتتان مستقلتان فإذا عرضت لإِحداهما كثرة أو قلة فلا تكونان فتنة لقصار الأنظار وضعفاء التفكير. قال تعالى: {أية : قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث}تفسير : [المائدة:100]. وأكملت العلة والتسلية والعبرة بقوله: {ولقد أرسلنا فيهم مُنذرين} أي رسلاً ينذرونهم، أي يحذرونهم ما سَيحل بهم مثل ما أرسلناك إلى هؤلاء. وخصّ المرسلين بوصف المنذرين لمناسبة حال المتحدث عنهم وأمثالهم. وضمير {فِيهِم} راجع إلى {الأوَّلِينَ}، أي أرسلنا في الأول منذِرين فاهتدى قليل وضلّ أكثرهم. وفرّع على هذا التوجيه الخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ترشيحاً لما في الكلام السابق من جانب التسلية والتثبيت مع التعريض بالكلام لتهديد المشركين بذلك، ويجوز أن يكون الخطاب لكل من يسمع القرآن فشمل النبي صلى الله عليه وسلم. والأمرُ بالنظر مستعمل في التعجيب والتهويل فإن أريد بالعاقبة عاقبتهم في الدنيا فالنظر بصريّ، وإن أريد عاقبتهم في الآخرة كما يقتضيه السياق فالنظر قلبي، ولا مانع من إرادة الأمرين واستعمال المشترك في المعنيين. والتعريف في قوله: {المُنذَرِينَ} تعريف العهد، وهم المنذَرون الذين أرسل إليهم المنذِرون، أي فهم الضالّون المعبر عنهم بأنهم {أكْثَرُ الأوَّلين}. فالمعنى: فانظر كيف كان عاقبة الضالّين الذين أنذرناهم فلم ينتذروا كما فعل هؤلاء الذين ألْفَوْا آباءهم ضالّين فاتبعوهم، فقد تحقق اشتراك هؤلاء وأولئك في الضلال، فلا جرم أن تكون عاقبة هؤلاء كعاقبة أولئك. وفعل النظر معلق عن معموله بالاستفهام، والاستفهام تعجيبي للتفظيع. واستثني {عِبَادَ الله المُخلصين} من {الأوَّلِينَ} استثناءً متّصلاً فإن عباد الله المخلصين كانوا من جملة المنذَرين فصدّقوا المنذِرين ولم يشاركوا المنذَرين في عاقبتهم المنظور فيها وهي عاقبة السوء. وتقدم اختلاف القراء في فتح اللام وكسرها من قوله: {المخلصين} عند قوله تعالى: {أية : وما تجزون إلا ما كنتم تعملون إلا عباد الله المخلصين}تفسير : [الصافات: 39 - 40]
الشنقيطي
تفسير : وقد قدمنا الآيات التي بمعناه في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: {أية : لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} تفسير : [يس: 7]. وفي سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 116] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : (71) - وَلَقَدْ ضَلَّ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، قَبْلَ قُرَيشٍ، أَكْثَرُ الأُمَمِ السَّابِقَة، فَعَبَدُوا مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ} [الصافات: 71] يعني: ليس هؤلاء بدعاً في الضلال، فقد ضَلَّ قبلهم كثيرون ممَّنْ سبقوهم، وهذا يعني أن قِلَّة آمنتْ، والكثرة ضَلَّتْ {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ} [الصافات: 72] يعني: لم نتركهم على غفلتهم، بل أرسلنا إليهم الرسل تنذرهم وتحذرهم. وقلنا: إن في ذات النفس البشرية مناعات ذاتية، تعصم صاحبها من المعصية ومن الزَّلل، حتى لو كان منفرداً عن الناس، فإنْ ضعُفَتْ عنده هذه المناعة فخالف منهج الله تلومه النفس اللوَّامة الأوَّابة، فتؤنبه حتى يتوب ويرجع، فإنْ ألفَ المعصية وضعُفَتْ عنده النفس اللوَّامة، ولم يَعُد له رادع من ذات نفسه رَدَعَه المجتمعُ الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، المجتمع الناصح الذي يقيم بين أفراده قوله تعالى: {أية : وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} تفسير : [العصر: 3]. وفَرْق بين: وصُّوا وتواصَوْا، تواصَوْا يعني: يُوصِي بعضكم بعضاً، ففيها تفاعل بين أفراد المجتمع؛ لأن المجتمعَ حتى المؤمن المتدين يتفاوتُ الناسُ فيه من حيث الاستقامة وتطبيق المنهج، ولا بُدَّ أنْ يُوجَد في المجتمع مَنْ يضعُف فيشذّ، أو تصيبه غفلة، فيجد مَنْ يُردعه، ويجد مَنْ يُذكِّره حتى يعودَ إلى الجادة. فإذا فُقِد الرادع من المجتمع، وعَمَّ الفساد المجتمع قلنا: تدخلتْ السماء برسول جديد ومنهج جديد. نحن نعرف أن الرسول يأتي بشيراً ونذيراً. لكن الحق سبحانه هنا خَصَّ الإنذار {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ} [الصافات: 72] لماذا؟ قالوا: لأن دَرْءَ المفسدة مُقدَّم على جَلْب المنفعة، وقلنا لتوضيح هذه المسألة: لو أن شخصاً يرمي لك تفاحة مثلاً، وآخر يرميك بحجر لا شكَّ أنك ستدفع الحجرَ عن نفسك أولاً. وقوله: {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ} [الصافات: 73] يعني: تأمل نتيجة الإنذار، فرسل الله أنذروا الجميع، لكن هل انتفع الجميعُ بالإنذار؟ لا بل منهم مَن انتفع به، ومنهم مَنْ أعرض عنه، لذلك جاء الحق سبحانه بعدها بهذا الاستثناء: {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} [الصافات: 74] أي: الذين أخلصهم واصطفاهم لعبادته وطاعته، وهم الذين انتفعوا بالإنذار. وبعد أنْ تكلَّم الحق سبحانه عن موكب الرسل إجمالاً، فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ} [الصافات: 72] أراد سبحانه أنْ يتكلَّم عنهم ببعض التفصيل، فقال سبحانه: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):