٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
96
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لّلْعَـٰلَمِينَ، فِيهِ ءَايَـٰتٌ بَيّـنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرٰهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً } في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه الأول: أن المراد منه الجواب عن شبهة أخرى من شبه اليهود في إنكار نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام، وذلك لأنه عليه السلام لما حول القبلة إلى الكعبة طعن اليهود في نبوته، وقالوا إن بيت المقدس أفضل من الكعبة وأحق بالاستقبال، وذلك لأنه وضع قبل الكعبة، وهو أرض المحشر، وقبلة جملة الأنبياء، وإذا كان كذلك كان تحويل القبلة منه إلى الكعبة باطلاً، فأجاب الله تعالى عنه بقوله {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } فبيّن تعالى أن الكعبة أفضل من بيت المقدس وأشرف، فكان جعلها قبلة أولى والثاني: أن المقصود من الآية المتقدمة بيان أن النسخ هل يجوز أم لا؟ فإن النبي صلى الله عليه وسلم استدل على جوازه بأن الأطعمة كانت مباحة لبني إسرائيل، ثم إن الله تعالى حرم بعضها، والقوم نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وأعظم الأمور التي أظهر رسول الله نسخها هو القبلة، لا جرم ذكر تعالى في هذه الآية بيان ما لأجله حولت الكعبة، وهو كون الكعبة أفضل من غيرها الثالث: أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة {أية : فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [آل عمران: 95] وكان من أعظم شعار ملة إبراهيم الحج، ذكر في هذه الآية فضيلة البيت، ليفرع عليه إيجاب الحج الرابع: أن اليهود والنصارى زعم كل فرقة منهم أنه على ملة إبراهيم، وقد سبقت هذه المناظرة في الآيات المتقدمة، فإن الله تعالى بيّن كذبهم، من حيث أن حج الكعبة كان ملة إبراهيم واليهود والنصارى لا يحجون، فيدل هذا على كذبهم في ذلك، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال المحققون الأول: هو الفرد السابق، فإذا قال: أول عبد اشتريه فهو حر فلو اشترى عبدين في المرة الأولى لم يعتق أحد منها لأن الأول هو الفرد، ثم لو اشترى في المرة الثانية عبداً واحداً لم يعتق، لأن شرط الأول كونه سابقاً فثبت أن الأول هو الفرد السابق. إذا عرفت هذا فنقول: إن قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } لا يدل على أنه أول بيت خلقه الله تعالى، ولا أنه أول بيت ظهر في الأرض، بل ظاهر الآية يدل على أنه أول بيت وضع للناس، وكونه موضوعاً للناس يقتضي كونه مشتركاً فيه بين جميع الناس، فأما سائر البيوت فيكون كل واحد منها مختصاً بواحد من الناس فلا يكون شيء من البيوت موضوعاً للناس، وكون البيت مشتركاً فيه بين كل الناس، لا يحصل إلا إذا كان البيت موضوعاً للطاعات والعبادات وقبلة للخلق، فدل قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } على أن هذا البيت وضعه الله موضعاً للطاعات والخيرات والعبادات فيدخل فيه كون هذا البيت قبلة للصلوات، وموضعاً للحج، ومكانا يزداد ثواب العبادات والطاعات فيه. فإن قيل: كونه أولاً في هذا الوصف يقتضي أن يكون له ثان، وهذا يقتضي أن يكون بيت المقدس يشاركه في هذه الصفات التي منها وجوب حجه، ومعلوم أنه ليس كذلك. والجواب: من وجهين الأول: أن لفظ الأول: في اللغة اسم للشيء الذي يوجد ابتداء، سواء حصل عقيبه شيء آخر أو لم يحصل، يقال: هذا أول قدومي مكة، وهذا أول مال أصبته ولو قال: أول عبد ملكته فهو حر فملك عبداً عتق وإن لم يملك بعده عبداً آخر، فكذا هنا، والثاني: أن المراد من قوله {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } أي أول بيت وضع لطاعات الناس وعباداتهم وبيت المقدس يشاركه في كونه بيتاً موضوعاً للطاعات والعبادات، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» تفسير : فهذا القدر يكفي في صدق كون الكعبة أول بيت وضع للناس، وأما أن يكون بيت المقدس مشاركاً له في جميع الأمور حتى في وجوب الحج، فهذا غير لازم والله أعلم. المسألة الثانية: اعلم أن قوله {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً } يحتمل أن يكون المراد كونه أولاً في الوضع والبناء وأن يكون المراد كونه أولاً في كونه مباركاً وهدىً فحصل للمفسرين في تفسير هذه الآية قولان الأول: أنه أول في البناء والوضع، والذاهبون إلى هذا المذهب لهم أقوال أحدها: ما روى الواحدي رحمه الله تعالى في «البسيط» بإسناده عن مجاهد أنه قال: خلق الله تعالى هذا البيت قبل أن يخلق شياً من الأرضين، وفي رواية أخرى: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شياً من الأرض بألفي سنة، وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى وروي أيضاً عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله تعالى بعث ملائكته فقال ابنوا لي في الأرض بيتاً على مثال البيت المعمور وأمر الله تعالى من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور، وهذا كان قبل خلق آدم».تفسير : وأيضاً ورد في سائر كتب التفسير عن عبد الله بن عمر، ومجاهد والسدي: أنه أول بيت وضع على وجه الماء عند خلق الأرض والسماء، وقد خلقه الله تعالى قبل الأرض بألفي عام وكان زبدة بيضاء على الماء ثم دحيت الأرض تحته، قال القفال في «تفسيره»: روى حبيب بن ثابت عن ابن عباس أنه قال: وجد في كتاب في المقام أو تحت المقام« أنا الله ذو بكة وضعتها يوم وضعت الشمس والقمر، وحرمتها يوم وضعت هذين الحجرين، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء» وثانيها: أن آدم صلوات الله عليه وسلامه لما أهبط إلى الأرض شكا الوحشة، فأمره الله تعالى ببناء الكعبة وطاف بها، وبقي ذلك إلى زمان نوح عليه السلام، فلما أرسل الله تعالى الطوفان، رفع البيت إلى السماء السابعة حيال الكعبة، يتعبد عنده الملائكة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك سوى من دخل من قبل فيه، ثم بعد الطوفان اندرس موضع الكعبة، وبقي مختفياً إلى أن بعث الله تعالى جبريل صلوات الله عليه إلى إبراهيم عليه السلام ودله على مكان البيت، وأمره بعمارته، فكان المهندس جبريل والبناء إبراهيم والمعين إسماعيل عليهم السلام. واعلم أن هذين القولين يشتركان في أن الكعبة كانت موجودة في زمان آدم عليه السلام، وهذا هو الأصوب ويدل عليه وجوه الأول: أن تكليف الصلاة كان لازماً في دين جميع الأنبياء عليهم السلام، بدليل قوله تعالى في سورة مريم {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِن ذُرّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّن حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرّيَّةِ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْرٰءيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً } تفسير : [مريم: 58] فدلت الآية على أن جميع الأنبياء عليهم السلام كانوا يسجدون لله والسجدة لا بد لها من قبلة، فلو كانت قبلة شيث وإدريس ونوح عليهم السلام موضعاً آخر سوى القبلة لبطل قوله {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ } فوجب أن يقال: إن قبلة أولئك الأنبياء المتقدمين هي الكعبة، فدل هذا على أن هذه الجهة كانت أبداً مشرفة مكرمة الثاني: أن الله تعالى سمى مكة أم القرى، وظاهر هذا يقتضي أنها كانت سابقة على سائر البقاع في الفضل والشرف منذ كانت موجودة الثالث: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم فتح مكة «حديث : ألا إن الله قد حرم مكة يوم خلق السمٰوات والأرض والشمس والقمر» تفسير : وتحريم مكة لا يمكن إلا بعد وجود مكة الرابع: أن الآثار التي حكيناها عن الصحابة والتابعين دالة على أنها كانت موجودة قبل زمان إبراهيم عليه السلام. واعلم أن لمن أنكر ذلك أن يحتج بوجوه الأول: ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اللّهم إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة» تفسير : وظاهر هذا يقتضي أن مكة بناء إبراهيم عليه السلام ولقائل أن يقول: لا يبعد أن يقال البيت كان موجوداً قبل إبراهيم وما كان محرماً ثم حرمه إبراهيم عليه السلام الثاني: تمسكوا بقوله تعالى: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ } تفسير : [البقرة: 127] ولقائل أن يقول: لعل البيت كان موجوداً قبل ذلك ثم انهدم، ثم أمر الله إبراهيم برفع قواعده وهذا هو الوارد في أكثر الأخبار الثالث: قال القاضي: إن الذي يقال من أنه رفع زمان الطوفان إلى السماء بعيد، وذلك لأن الموضع الشريف هو تلك الجهة المعينة، والجهة لا يمكن رفعها إلى السماء ألا ترى أن الكعبة والعياذ بالله تعالى لو انهدمت ونقل الأحجار والخشب والتراب إلى موضع آخر لم يكن له شرف ألبتة، ويكون شرف تلك الجهة باقياً بعد الانهدام، ويجب على كل مسلم أن يصلي إلى تلك الجهة بعينها، وإذا كان كذلك فلا فائدة في نقل تلك الجدران إلى السماء ولقائل أن يقول: لما صارت تلك الأجسام في العزة إلى حيث أمر الله بنقلها إلى السماء، وإنما حصلت لها هذه العزة بسبب أنها كانت حاصلة في تلك الجهة، فصار نقلها إلى السماء من أعظم الدلائل على غاية تعظيم تلك الجهة وإعزازها، فهذا جملة ما في هذا القول: القول الثاني: أن المراد من هذه الأولية كون هذا البيت أولاً في كونه مباركاً وهدىً للخلق روي أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن أول مسجد وضع للناس، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : المسجد الحرام ثم بيت المقدس» تفسير : فقيل كم بينهما؟ قال: «حديث : أربعون سنة»تفسير : وعن علي رضي الله عنه أن رجلاً قال له: أهو أول بيت؟ قال: حديث : لا قد كان قبله بيوت ولكنه أول بيت وضع للناس مباركاً فيه الهدى والرحمة والبركة أول من بناه إبراهيم، ثم بناه قوم من العرب من جرهم، ثم هدم فبناه العمالقة، وهم ملوك من أولاد عمليق بن سام بن نوح، ثم هدم فبناه قريشتفسير : . واعلم أن دلالة الآية على الأولية في الفضل والشرف أمر لا بد منه، لأن المقصود الأصلي من ذكر هذه الأولية بيان الفضيلة، لأن المقصود ترجيحه على بيت المقدس، وهذا إنما يتم بالأولية في الفضيلة والشرف، ولا تأثير للأولية في البناء في هذا المقصود، إلا أن ثبوت الأولية بسبب الفضيلة لا ينافي ثبوت الأولية في البناء، وقد دللنا على ثبوت هذا المعنى أيضاً. المسألة الثالثة: إذا ثبت أن المراد من هذه الأولية زيادة الفضيلة والمنقبة فلنذكر ههنا وجوه فضيلة البيت: الفضيلة الأولى: اتفقت الأمم على أن باني هذا البيت هو الخليل عليه السلام، وباني بيت المقدس سليمان عليه السلام، ولا شك أن الخليل أعظم درجة وأكثر منقبة من سليمان عليه السلام فمن هذا الوجه يجب أن تكون الكعبة أشرف من بيت المقدس. واعلم أن الله تعالى أمر الخليل عليه السلام بعمارة هذا البيت، فقال: {أية : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْقَائِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ } تفسير : [الحج: 26] والمبلغ لهذا التكليف هو جبريل عليه السلام، فلهذا قيل: ليس في العالم بناء أشرف من الكعبة، فالآمر هو الملك الجليل والمهندس هو جبريل، والباني هو الخليل، والتلميذ إسماعيل عليهم السلام. الفضيلة الثانية: {مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ } وهو الحجر الذي وضع إبراهيم قدمه عليه فجعل الله ما تحت قدم إبراهيم عليه السلام من ذلك الحجر دون سائر أجزائه كالطين حتى غاص فيه قدم إبراهيم عليه السلام، وهذا مما لا يقدر عليه إلا الله ولا يظهره إلا على الأنبياء، ثم لما رفع إبراهيم قدمه عنه خلق فيه الصلابة الحجرية مرة أخرى، ثم إنه تعالى أبقى ذلك الحجر على سبيل الاستمرار والدوام فهذه أنواع من الآيات العجيبة والمعجزات الباهرة أظهرها الله سبحانه في ذلك الحجر. الفضيلة الثالثة: قلة ما يجتمع فيه من حصى الجمار، فإنه منذ آلاف سنة وقد يبلغ من يرمي في كل سنة ستمائة ألف إنسان كل واحد منهم سبعين حصاة، ثم لا يرى هناك إلا ما لو اجتمع في سنة واحدة لكان غير كثير وليس الموضع الذي ترمي إليه الجمرات مسيل ماء ولا مهب رياح شديدة وقد جاء في الآثار أن من كانت حجته مقبولة رفعت حجارة جمراته إلى السماء. الفضيلة الرابعة: إن الطيور تترك المرور فوق الكعبة عند طيرانها في الهواء بل تنحرف عنها إذا ما وصلت إلى فوقها. الفضيلة الخامسة: أن عنده يجتمع الوحش لا يؤذي بعضها بعضاً كالكلاب والظباء، ولا يصطاد فيه الكلاب والوحوش وتلك خاصية عجيبة وأيضاً كل من سكن مكة أمن من النهب والغارة وهو بركة دعاء إبراهيم عليه السلام حيث قال: {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا } تفسير : [البقرة: 126] وقال تعالى في صفة أمنه {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءَامِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ } تفسير : [العنكبوت: 67] وقال: {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ ٱلَّذِى أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ وَءامَنَهُم مّنْ خوْفٍ } تفسير : [قريش: 3، 4] ولم ينقل ألبتة أن ظالماً هدم الكعبة وخرب مكة بالكلية؛ وأما بيت المقدس فقد هدمه بختنصر بالكلية. الفضيلة السادسة: أن صاحب الفيل وهو أبرهة الأشرم لما قاد الجيوش والفيل إلى مكة لتخريب الكعبة وعجز قريش عن مقاومة أولئك الجيوش وفارقوا مكة وتركوا له الكعبة فأرسل الله عليهم طيراً أبابيل، والأبابيل هم الجماعة من الطير بعد الجماعة، وكانت صغاراً تحمل أحجاراً ترميهم بها فهلك الملك وهلك العسكر بتلك الأحجار مع أنها كانت في غاية الصغر، وهذه آية باهرة دالة على شرف الكعبة وإرهاص لنبوّة محمد عليه الصلاة والسلام. فإن قال قائل: لم لا يجوز أن يقال إن كل ذلك بسبب طلسم موضوع هناك بحيث لا يعرفه أحد فإن الأمر في تركيب الطلسمات مشهور. قلنا: لو كان هذا من باب الطلسمات لكان هذا طلسماً مخالفاً لسائر الطلسمات فإنه لم يحصل لشيء سوى الكعبة مثل هذا البقاء الطويل في هذه المدة العظيمة، ومثل هذا يكون من المعجزات، فلا يتمكن منها سوى الأنبياء. الفضيلة السابعة: إن الله تعالى وضعها بواد غير ذي زرع، والحكمة من وجوه أحدها: إنه تعالى قطع بذلك رجاء أهل حرمه وسدنة بيته عمن سواه حتى لا يتوكلوا إلا على الله وثانيها: أنه لا يسكنها أحد من الجبابرة والأكاسرة فإنهم يريدون طيبات الدنيا فإذا لم يجدوها هناك تركوا ذلك الموضع، فالمقصود تنزيه ذلك الموضع عن لوث وجود أهل الدنيا وثالثها: أنه فعل ذلك لئلا يقصدها أحد للتجارة بل يكون ذلك لمحض العبادة والزيارة فقط ورابعها: أظهر الله تعالى بذلك شرف الفقر حيث وضع أشرف البيوت في أقل المواضع نصيباً من الدنيا، فكأنه قال: جعلت الفقراء في الدنيا أهل البلد الأمين، فكذلك أجعلهم في الآخرة أهل المقام الأمين، لهم في الدنيا بيت الأمن وفي الآخرة دار الأمن وخامسها: كأنه قال: لما لم أجعل الكعبة إلا في موضع خال عن جميع نعم الدنيا فكذا لا أجعل كعبة المعرفة إلا في كل قلب خال عن محبة الدنيا، فهذا ما يتعلق بفضائل الكعبة، وعند هذا ظهر أن هذا البيت أول بيت وضع للناس في أنواع الفضائل والمناقب، وإذا ظهر هذا بطل قول اليهود: إن بيت المقدس أشرف من الكعبة والله أعلم. ثم قال تعالى: {لَلَّذِى بِبَكَّةَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: لا شك أن المراد من {بكة} هو مكة ثم اختلفوا فمنهم من قال: بكة ومكة اسمان لمسمى واحد، فإن الباء والميم حرفان متقاربان في المخرج فيقام كل واحد منهما مقام الآخر فيقال: هذه ضربة لازم، وضربة لازب، ويقال: هذا دائم ودائب، ويقال: راتب وراتم، ويقال: سمد رأسه، وسبده، وفي اشتقاق بكة وجهان الأول: أنه من البك الذي هو عبارة عن دفع البعض بعضاً، يقال: بكه يبكه بكاً إذا دفعه وزحمه، وتباك القوم إذا ازدحموا فلهذا قال سعيد بن جبير: سميت مكة بكة لأنهم يتباكون فيها أي يزدحمون في الطواف، وهو قول محمد بن علي الباقر ومجاهد وقتادة قال بعضهم: رأيت محمد بن علي الباقر يصلي فمرت امرأة بين يديه فذهبت أدفعها فقال: دعها فإنها سميت بكة لأنه يبك بعضهم بعضاً، تمر المرأة بين يدي الرجل وهو يصلي، والرجل بين يدي المرأة وهي تصلي لا بأس بذلك في هذا المكان. الوجه الثاني: سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة لا يريدها جبار بسوء إلا اندقت عنقه قال قطرب: تقول العرب بككت عنقه أبكه بكاً إذا وضعت منه ورددت نخوته. وأما مكة ففي اشتقاقها وجوه الأول: أن اشتقاقها من أنها تمك الذنوب أي تزيلها كلها، من قولك: أمتك الفصيل ضرع أمه، إذا امتص ما فيه الثاني: سميت بذلك لاجتلابها الناس من كل جانب من الأرض، يقال أمتك الفصيل، إذا استقصى ما في الضرع، ويقال تمككت العظم، إذا استقصيت ما فيه الثالث: سميت مكة، لقلة مائها، كأن أرضها امتكت ماءها الرابع: قيل: إن مكة وسط الأرض، والعيون والمياه تنبع من تحت مكة، فالأرض كلها تمك من ماء مكة، ومن الناس من فرق بين مكة وبكة، فقال بعضهم: إن بكة اسم للمسجد خاصة، وأما مكة، فهو اسم لكل البلد، قالوا: والدليل عليه أن اشتقاق بكة من الازدحام والمدافعة، وهذا إنما يحصل في المسجد عند الطواف، لا في سائر المواضع، وقال الأكثرون: مكة اسم للمسجد والمطاف. وبكة اسم البلد، والدليل عليه أن قوله تعالى: {لَلَّذِى بِبَكَّةَ } يدل على أن البيت حاصل في بكة ومظروف في بكة فلو كان بكة اسماً للبيت لبطل كون بكة ظرفاً للبيت، أما إذا جعلنا بكة اسماً للبلد، استقام هذا الكلام. المسألة الثانية: لمكة أسماء كثيرة، قال القفال رحمه الله في «تفسيره»: مكة وبكة وأم رحم وكويساء والبشاشة والحاطمة تحطم من استخف بها، وأم القرى قال تعالى: {أية : لّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا }تفسير : [الأنعام: 92] وسميت بهذا الاسم لأنها أصل كل بلدة ومنها دحيت الأرض، ولهذا المعنى يزار ذلك الموضع من جميع نواحي الأرض. المسألة الثالثة: للكعبة أسماء أحدها: الكعبة قال تعالى: {أية : جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ } تفسير : [المائدة: 97] والسبب فيه أن هذا الاسم يدل على الإشراف والارتفاع، وسمي الكعب كعباً لإشرافه وارتفاعه على الرسغ، وسميت المرأة الناهدة الثديين كاعباً، لارتفاع ثديها، فلما كان هذا البيت أشرف بيوت الأرض وأقدمها زماناً، وأكثرها فضيلة سمي بهذا الاسم وثانيها: البيت العتيق: قال تعالى: {أية : ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} تفسير : [الحج: 33] وقال: {أية : وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } تفسير : [الحج: 29] وفي اشتقاقه وجوه الأول: العتيق هو القديم، وقد بينا أنه أقدم بيوت الأرض بل عند بعضهم أن الله خلقه قبل الأرض والسماء والثاني: أن الله أعتقه من الغرق حيث رفعه إلى السماء الثالث: من عتق الطائر إذا قوي في وكره، فلما بلغ في القوة إلى حيث أن كل من قصد تخريبه أهلكه الله سمي عتيقاً الرابع: أن الله أعتقه من أن يكون ملكاً لأحد من المخلوقين الخامس: أنه عتيق بمعنى أن كل من زاره أعتقه الله تعالى من النار وسادسها: المسجد الحرام قال سبحانه: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى } تفسير : [الإسراء: 1] والمراد من كونه حراماً سيجيء إن شاء الله في تفسير هذه الآية. فإن قال قائل: كيف الجمع بين قوله {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } وبين قوله {أية : وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ }تفسير : [الحج: 26] فأضافه مرة إلى نفسه ومرة إلى الناس. والجواب: كأنه قيل: البيت لي ولكن وضعته لا لأجل منفعتي فإني منزّه عن الحاجة ولكن وضعته لك ليكون قبلة لدعائك والله أعلم. ثم قال تعالى: {مُبَارَكاً وَهُدًى لّلْعَـٰلَمِينَ }. واعلم أنه تعالى وصف هذا البيت بأنواع الفضائل فأولها: أنه أول بيت وضع للناس، وقد ذكرنا معنى كونه أولاً في الفضل ونزيد ههنا وجوهاً أُخر الأول: قال علي رضي الله عنه، هو أول بيت خص بالبركة، وبأن من دخله كان آمناً، وقال الحسن: هو أول مسجد عبد الله فيه في الأرض وقال مطرف. أول بيت جعل قبلة وثانيها: أنه تعالى وصفه بكونه مباركاً، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: انتصب {مُبَارَكاً } على الحال والتقدير الذي استقر هو ببكة مباركاً. المسألة الثانية: البركة لها معنيان أحدهما: النمو والتزايد والثاني: البقاء والدوام، يقال تبارك الله، لثبوته لم يزل، والبركة شبه الحوض لثبوت الماء فيها، وبرك البعير إذا وضع صدره على الأرض وثبت واستقر، فإن فسرنا البركة بالتزايد والنمو فهذا البيت مبارك من وجوه أحدها: أن الطاعات إذا أتى بها في هذا البيت ازداد ثوابها. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : فضل المسجد الحرام على مسجدي، كفضل مسجدي على سائر المساجد» تفسير : ثم قال صلى الله عليه وسلم: حديث : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه»تفسير : فهذا في الصلاة، وأما الحج، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» تفسير : وفي حديث آخر «حديث : الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» تفسير : ومعلوم أنه لا أكثر بركة مما يجلب المغفرة والرحمة وثانيها: قال القفال رحمه الله تعالى: ويجوز أن يكون بركته ما ذكر في قوله تعالى: {أية : يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَىْء }تفسير : [القصص: 57] فيكون كقوله {أية : إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ } تفسير : [الإسراء: 1] وثالثها: أن العاقل يجب أن يستحضر في ذهنه أن الكعبة كالنقطة وليتصور أن صفوف المتوجهين إليها في الصلوات كالدوائر المحيطة بالمركز، وليتأمل كم عدد الصفوف المحيطة بهذه الدائرة حال اشتغالهم بالصلاة، ولا شك أنه يحصل فيما بين هؤلاء المصلين أشخاص أرواحهم علوية، وقلوبهم قدسية وأسرارهم نورانية وضمائرهم ربانية ثم إن تلك الأرواح الصافية إذا توجهت إلى كعبة المعرفة وأجسادهم توجهت إلى هذه الكعبة الحسيّة فمن كان في الكعبة يتصل أنوار أرواح أولئك المتوجهين بنور روحه، فتزداد الأنوار الإلٰهية في قلبه، ويعظم لمعان الأضواء الروحانية في سره وهذا بحر عظيم ومقام شريف، وهو ينبهك على معنى كونه مباركاً. وأما إن فسرنا البركة بالدوام فهو أيضاً كذلك لأنه لا تنفك الكعبة من الطائفين والعاكفين والركع السجود، وأيضاً الأرض كرة، وإذا كان كذلك فكل وقت يمكن أن يفرض فهو صبح لقوم، وظهر لثان وعصر لثالث، ومغرب لرابع وعشاء لخامس، ومتى كان الأمر كذلك لم تكن الكعبة منفكة قط عن توجه قوم إليها من طرف من أطراف العالم لأداء فرض الصلاة، فكان الدوام حاصلاً من هذه الجهة، وأيضاً بقاء الكعبة على هذه الحالة ألوفاً من السنين دوام أيضاً فثبت كونه مباركاً من الوجهين. الصفة الثالثة: من صفات هذا البيت كونه {هُدًى لّلْعَـٰلَمِينَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قيل: المعنى أنه قبلة للعالمين يهتدون به إلى جهة صلاتهم، وقيل: هدىً للعالمين أي دلالة على وجود الصانع المختار، وصدق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوّة بما فيه من الآيات التي ذكرناها والعجائب التي حكيناها فإن كل ما يدل على النبوة فهو بعينه يدل أولاً على وجود الصانع، وجميع صفاته من العلم والقدرة والحكمة والاستغناء، وقيل: هدىً للعالمين إلى الجنة لأن من أدى الصلوات الواجبة إليها استوجب الجنة. المسألة الثانية: قال الزجاج: المعنى وذا هدىً للعالمين، قال: ويجوز أن يكون {وَهَدَىٰ } في موضع رفع على معنى وهو هدى. أما قوله تعالى: {فِيهِ ءَايَـٰتٌ بَيّـنَـٰتٌ } ففيه قولان الأول: أن المراد ما ذكرناه من الآيات التي فيه وهي: أمن الخائف، وإنمحاق الجمار على كثرة الرمي، وامتناع الطير من العلو عليه واستشفاء المريض به وتعجيل العقوبة لمن انتهك فيه حرمة، وإهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا تخريبه فعلى هذا تفسير الآيات وبيانها غير مذكور. وقوله {مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ } لا تعلق له بقوله {فِيهِ ءَايَـٰتٌ بَيّـنَـٰتٌ } فكأنه تعالى قال: {فِيهِ ءَايَـٰتٌ بَيّـنَـٰتٌ } ومع ذلك فهو مقام إبراهيم ومقره والموضع الذي اختاره وعبد الله فيه، لأن كل ذلك من الخلال التي بها يشرف ويعظم. القول الثاني: أن تفسير الآيات مذكور، وهو قوله {مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ } أي: هي مقام إبراهيم. فإن قيل: الآيات جماعة ولا يصح تفسيرها بشيء واحد، أجابوا عنه من وجوه الأول: أن مقام إبراهيم بمنزلة آيات كثيرة، لأن ما كان معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو دليل على وجود الصانع، وعلمه وقدرته وإرادته وحياته، وكونه غنياً منزّهاً مقدساً عن مشابهة المحدثات فمقام إبراهيم وإن كان شيئاً واحداً إلا أنه لما حصل فيه هذه الوجوه الكثيرة كان بمنزلة الدلائل كقوله {أية : إِنَّ إِبْرٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَـٰنِتًا } تفسير : [النحل: 120] الثاني: أن مقام إبراهيم اشتمل على الآيات، لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية، لأنه لان من الصخرة ما تحت قدميه فقط، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام آية خاصة لإبراهيم عليه السلام وحفظه مع كثرة أعدائه من اليهود والنصارى والمشركين والملحدين ألوف سنين فثبت أن مقام إبراهيم عليه السلام آيات كثيرة الثالث: قال الزجاج إن قوله {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً } من بقية تفسير الآيات، كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله، ولفظ الجمع قد يستعمل في الاثنين، قال تعالى: {أية : إِن تَتُوبَا إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا }تفسير : [التحريم: 4] وقال عليه السلام: «حديث : الاثنان فما فوقهما جماعة»تفسير : ومنهم من تمم الثلاثة فقال: مقام إبراهيم، وأن من دخله كان آمناً، وأن لله على الناس حجه، ثم حذف (أن) اختصاراً، كما في قوله{أية : قُلْ أَمَرَ رَبّي بِٱلْقِسْطِ } تفسير : [الأعراف: 29] أي أمر ربي بأن تقسطوا الرابع: يجوز أن يذكر هاتان الآيتان ويطوي ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات، كأنه قيل فيه آيات بينات مقام إبراهيم، وأمن من دخله، وكثير سواهما الخامس: قرأ ابن عباس ومجاهد وأبو جعفر المدني في رواية قتيبة {آيَة بَيّنَةً} على التوحيد السادس: قال المبرّد {مَّقَامِ } مصدر فلم يجمع كما قال: {وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ } والمراد مقامات إبراهيم، وهي ما أقامه إبراهيم عليه السلام من أمور الحج وأعمال المناسك ولا شك أنها كثيرة وعلى هذا فالمراد بالآيات شعائر الحج كما قال: {أية : وَمَن يُعَظّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ } تفسير : [الحج: 32]. ثم قال تعالى: {مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ } وفيه أقوال أحدها: أنه لما ارتفع بنيان الكعبة، وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه والثاني: أنه جاء زائراً من الشام إلى مكة، وكان قد حلف لامرأته أن لا ينزل بمكة حتى يرجع، فلما وصل إلى مكة قالت له أم إسماعيل: إنزل حتى نغسل رأسك، فلم ينزل، فجاءته بهذا الحجر فوضعته على الجانب الأيمن، فوضع قدمه عليه حتى غسلت أحد جانبي رأسه، ثم حولته إلى الجانب الأيسر، حتى غسلت الجانب الآخر، فبقي أثر قدميه عليه والثالث: أنه هو الحجر الذي قام إبراهيم عليه عند الأذان بالحج، قال القفال رحمه الله: ويجوز أن يكون إبراهيم قام على ذلك الحجر في هذه المواضع كلها. ثم قال تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً } ولهذه الآية نظائر: منها قوله تعالى: {أية : وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْناً } تفسير : [البقرة: 125] وقوله {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءَامِناً } تفسير : [العنكبوت: 67] وقال إبراهيم {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا } تفسير : [إبراهيم: 35] وقال تعالى: {أية : أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مّنْ خوف} تفسير : [قريش: 4] قال أبو بكر الرازي: لما كانت الآيات المذكورة عقيب قوله {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } موجودة في الحرم ثم قال: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً } وجب أن يكون مراده جميع الحرم، وأجمعوا على أنه لو قتل في الحرم فإنه يستوفي القصاص منه في الحرم وأجمعوا على أن الحرم لا يفيد الأمان فيما سوى النفس، إنما الخلاف فيما إذا وجب القصاص عليه خارج الحرم فالتجأ إلى الحرم فهل يستوفي منه القصاص في الحرم؟ قال الشافعي: يستوفي، وقال أبو حنيفة: لا يستوفي، بل يمنع منه الطعام والشراب والبيع والشراء والكلام حتى يخرج، ثم يستوفي منه القصاص، والكلام في هذه المسألة قد تقدم في تفسير قوله {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْناً } واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بهذه الآية، فقال: ظاهر الآية الاخبار عن كونه آمناً، ولكن لا يمكن حمله عليه إذ قد لا يصير آمناً فيقع الخلف في الخبر، فوجب حمله على الأمر ترك العمل به في الجنايات التي دون النفس، لأن الضرر فيها أخف من الضرر في القتل، وفيما إذا وجب عليه القصاص لجناية أتى بها في الحرم، لأنه هو الذي هتك حرمة الحرم، فيبقى في محل الخلاف على مقتضى ظاهر الآية. والجواب: أن قوله {كَانَ ءَامِناً } إثبات لمسمى الأمن، ويكفي في العمل به إثبات الأمن من بعض الوجوه، ونحن نقول به وبيانه من وجوه الأول: أن من دخله للنسك تقرباً إلى الله تعالى كان آمناً من النار يوم القيامة، قال النبي عليه السلام: «حديث : من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمناً» تفسير : وقال أيضاً: «حديث : من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائتي عام»تفسير : وقال: «حديث : من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» تفسير : والثاني: يحتمل أن يكون المراد ما أودع الله في قلوب الخلق من الشفقة على كل من التجأ إليه ودفع المكروه عنه، ولما كان الأمر واقعاً على هذا الوجه في الأكثر أخبر بوقوعه على هذا الوجه مطلقاً وهذا أولى مما قالوه لوجهين الأول: أنا على هذا التقدير لا نجعل الخبر قائماً مقام الأمر وهم جعلوه قائماً مقام الأمر والثاني: أنه تعالى إنما ذكر هذا لبيان فضيلة البيت وذلك إنما يحصل بشيء كان معلوماً للقوم حتى يصير ذلك حجة على فضيلة البيت، فأما الحكم الذي بيّنه الله في شرع محمد عليه السلام فإنه لا يصير ذلك حجة على اليهود والنصارى في إثبات فضيلة الكعبة. الوجه الثالث: في تأويل الآية: أن المعنى من دخله عام عمرة القضاء مع النبي صلى الله عليه وسلم كان آمناً لأنه تعالى قال: {أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَاء ٱللَّهُ ءَامِنِينَ } تفسير : [الفتح: 27] الرابع: قال الضحاك: من حج حجة كان آمناً من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك. واعلم أن طرق الكلام في جميع هذه الأجوبة شيء واحد، وهو أن قوله {كَانَ ءَامِناً } حكم بثبوت الأمن وذلك يكفي في العمل به إثبات الأمن من وجه واحد وفي صورة واحدة فإذا حملناه على بعض هذه الوجوه فقد عملنا بمقتضى هذا النص فلا يبقى للنص دلالة على ما قالوه، ثم يتأكد ذلك بأن حمل النص على هذا الوجه لا يفضي إلى تخصيص النصوص الدالة على وجوب القصاص وحمله على ما قالوه يفضي إلى ذلك فكان قولنا أولى والله أعلم. قوله تعالى: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً }. اعلم أنه تعالى لما ذكر فضائل البيت ومناقبه، أردفه بذكر إيجاب الحج وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم {حَجَّ ٱلْبَيْتَ } بكسر الحاء والباقون بفتحها، قيل الفتح لغة الحجاز، والكسر لغة نجد وهما واحد في المعنى، وقيل هما جائزان مطلقاً في اللغة، مثل رطل ورطل، وبزر وبزر، وقيل المكسورة اسم للعمل والمفتوحة مصدر، وقال سيبويه: يجوز أن تكون المكسورة أيضاً مصدراً، كالذكر والعلم. المسألة الثانية: في قوله {مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } وجوه الأول: قال الزجاج: موضع {مِنْ } خفض على البدل من {ٱلنَّاسِ } والمعنى: ولله على من استطاع من الناس حج البيت الثاني: قال الفرّاء إن نويت الاستئناف بمن كانت شرطاً وأسقط الجزاء لدلالة ما قبله عليه، والتقدير من استطاع إلى الحج سبيلاً فلله عليه حج البيت الثالث: قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون {مِنْ } في موضع رفع على معنى الترجمة للناس، كأنه قيل: من الناس الذين عليهم لله حج البيت؟ فقيل هم من استطاع إليه سبيلاً. المسألة الثالثة: اتفق الأكثرون على أن الزاد والراحلة شرطان لحصول الاستطاعة، روى جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسّر استطاعة السبيل إلى الحج بوجود الزاد والراحلة، وروى القفال عن جويبر عن الضحاك أنه قال: إذا كان شاباً صحيحاً ليس له مال فعليه أن يؤاجر نفسه حتى يقضي حجه فقال له قائل: أكلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت؟ فقال: لو كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه؟ قال: لا بل ينطلق إليه ولو حبواً، قال: فكذلك يجب عليه حج البيت، عن عكرمة أيضاً أنه قال: الاستطاعة هي صحة البدن، وإمكان المشي إذا لم يجد ما يركبه. واعلم أن كل من كان صحيح البدن قادراً على المشي إذا لم يجد ما يركب فإنه يصدق عليه أنه يستطيع لذلك الفعل، فتخصيص هذه الاستطاعة بالزاد والراحلة ترك لظاهر اللفظ فلا بد فيه من دليل منفصل، ولا يمكن التعويل في ذلك على الأخبار المروية في هذا الباب لأنها أخبار آحاد فلا يترك لأجلها ظاهر الكتاب لا سيما وقد طعن محمد بن جرير الطبري في رواة تلك الأخبار، وطعن فيها من وجه آخر، وهو أن حصول الزاد والراحلة لا يكفي في حصول الاستطاعة، فإنه يعتبر في حصول الاستطاعة صحة البدن وعدم الخوف في الطريق، وظاهر هذه الأخبار يقتضي أن لا يكون شيء من ذلك معتبراً، فصارت هذه الأخبار مطعوناً فيها من هذا الوجه بل يجب أن يعول في ذلك على ظاهر قوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ }تفسير : [الحج: 78] وقوله {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } تفسير : [البقرة: 185]. المسألة الرابعة: احتج بعضهم بهذه الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع قالوا لأن ظاهر قوله تعالى: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } يعم المؤمن والكافر وعدم الإيمان لا يصلح معارضاً ومخصصاً لهذا العموم، لأن الدهري مكلف بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم مع أن الإيمان بالله الذي هو شرط صحة الإيمان بمحمد عليه السلام غير حاصل والمحدث مكلف بالصلاة مع أن الوضوء الذي هو شرط صحة الصلاة غير حاصل، فلم يكن عدم الشرط مانعاً من كونه مكلفاً بالمشروط، فكذا ههنا والله أعلم. المسألة الخامسة: احتج جمهور المعتزلة بهذه الآية على أن الاستطاعة قبل الفعل، فقالوا: لو كانت الاستطاعة مع الفعل لكان من لم يحج مستطيعاً للحج، ومن لم يكن مستطيعاً للحج لا يتناوله التكليف المذكور في هذه الآية فيلزم أن كل من لم يحج أن لا يصير مأموراً بالحج بسبب هذه الآية وذلك باطل بالاتفاق. أجاب الأصحاب بأن هذا أيضاً لازم لهم، وذلك لأن القادر إما أن يصير مأموراً بالفعل قبل حصول الداعي إلى الفعل أو بعد حصوله أما قبل حصول الداعي فمحال، لأن قبل حصول الداعي يمتنع حصول الفعل، فيكون التكليف به تكليف ما لا يطاق، وأما بعد حصول الداعي فالفعل يصير واجب الحصول، فلا يكون في التكليف به فائدة، وإذا كانت الاستطاعة منتفية في الحالين وجب أن لا يتوجه التكليف المذكور في هذه الآية على أحد. المسألة السادسة: روي أنه لما نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله أكتب الحج علينا في كل عام، ذكروا ذلك ثلاثاً، فسكت الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم قال في الرابعة: «حديث : لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما قمتم بها ولو لم تقوموا بها لكفرتم ألا فوادعوني ما وادعتكم وإذا أمرتكم بأمر فافعلوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن أمر فانتهوا عنه فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة احتلافهم على أنبيائهم»، تفسير : ثم احتج العلماء بهذا الخبر على أن الأمر لا يفيد التكرار من وجهين الأول: أن الأمر ورد بالحج ولم يفد التكرار والثاني: أن الصحابة استفهموا أنه هل يوجب التكرار أم لا؟ ولو كانت هذه الصيغة تفيد التكرار لما احتاجوا إلى الاستفهام مع كونهم عالمين باللغة. المسألة السابعة: استطاعة السبيل إلى الشيء عبارة عن إمكان الوصول، قال تعالى: {أية : فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مّن سَبِيلٍ } تفسير : [غافر: 11] وقال: {أية : هَلْ إِلَىٰ مَرَدّ مّن سَبِيلٍ } تفسير : [الشورى: 44] وقال: {أية : مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ } تفسير : [التوبة: 91] فيعتبر في حصول هذا الإمكان صحة البدن، وزوال خوف التلف من السبع أو العدو، وفقدان الطعام والشراب والقدرة على المال الذي يشتري به الزاد والراحلة وأن يقضي جميع الديون ويرد جميع الودائع، وإن وجب عليه الإنفاق على أحد لم يجب عليه الحج إلا إذا ترك من المال ما يكفيهم في المجيء والذهاب وتفاصيل هذا الباب مذكور في كتب الفقهاء والله أعلم. ثم قال تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية قولان: القول الأول: أنها كلام مستقل بنفسه ووعيد عام في حق كل من كفر بالله ولا تعلق له بما قبله. القول الثاني: أنه متعلق بما قبله والقائلون بهذا القول منهم من حمله على تارك الحج ومنهم من حمله على من لم يعتقد وجوب الحج، أما الذين حملوه على تارك الحج فقد عولوا فيه على ظاهر الآية فإنه لما تقدم الأمر بالحج ثم أتبعه بقوله {وَمَن كَفَرَ } فهم منه أن هذا الكفر ليس إلا ترك ما تقدم الأمر به ثم إنهم أكدوا هذا الوجه بالأخبار، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً» تفسير : وعن أبي أمامة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من مات ولم يحج حجة الإسلام ولم تمنعه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائز فليمت على أي حال شاء يهودياً أو نصرانياً» تفسير : وعن سعيد بن جبير: لو مات جار لي وله ميسرة ولم يحج لم أصل عليه، فإن قيل: كيف يجوز الحكم عليه بالكفر بسبب ترك الحج؟ أجاب القفال رحمه الله تعالى عنه: يجوز أن يكون المراد منه التغليظ، أي قد قارب الكفر وعمل ما يعمله من كفر بالحج، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ } تفسير : [الأحزاب: 10] أي كادت تبلغ ونظيره قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من ترك صلاة متعمداً فقد كفر» تفسير : وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من أتى امرأة حائضاً أو في دبرها فقد كفر» تفسير : وأما الأكثرون: فهم الذين حملوا هذا الوعيد على من ترك اعتقاد وجوب الحج، قال الضحاك: لما نزلت آية الحج جمع الرسول صلى الله عليه وسلم أهل الأديان الستة المسلمين، والنصارى واليهود والصابئين والمجوس والمشركين فخطبهم وقال: «حديث : إن الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا» تفسير : فآمن به المسلمون وكفرت به الملل الخمس، وقالوا: لا نؤمن به، ولا نصلي إليه، ولا نحجه، فأنزل الله تعالى قوله {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وهذا القول هو الأقوى. المسألة الثانية: اعلم أن تكليف الشرع في العبادات قسمان، منها ما يكون أصله معقولاً إلا أن تفاصيله لا تكون معقولة مثل الصلاة فإن أصلها معقول وهو تعظيم الله أما كيفية الصلاة فغير معقولة، وكذا الزكاة أصلها دفع حاجة الفقير وكيفيتها غير معقولة، والصوم أصله معقول، وهو قهر النفس وكيفيته غير معقولة، أما الحج فهو سفر إلى موضع معين على كيفيات مخصوصة، فالحكمة في كيفيات هذه العبادات غير معقولة وأصلها غير معلومة. إذا عرفت هذا فنقول: قال المحققون إن الإتيان بهذا النوع من العبادة أدل على كمال العبودية والخضوع والانقياد من الإتيان بالنوع الأول، وذلك لأن الآتي بالنوع الأول يحتمل أنه إنما أتى به لما عرف بعقله من وجوه المنافع فيه، أما الآتي بالنوع الثاني فإنه لا يأتي به إلا لمجرد الانقياد والطاعة والعبودية، فلأجل هذا المعنى اشتمل الأمر بالحج في هذه الآية على أنواع كثيرة من التوكيد أحدها: قوله {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } والمعنى أنه سبحانه لكونه إلٰهاً ألزم عبيده هذه الطاعة فيجب الانقياد سواء عرفوا وجه الحكمة فيها أو لم يعرفوا وثانيها: أنه ذكر {ٱلنَّاسِ } ثم أبدل منه {مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } وفيه ضربان من التأكيد، أما أولاً فلأن الإبدال تثنية للمراد وتكرير، وذلك يدل على شدة العناية، وأما ثانياً فلأنه أجمل أولاً وفصل ثانياً وذلك يدل على شدة الاهتمام وثالثها: أنه سبحانه عبّر عن هذا الوجوب بعبارتين إحداهما: لام الملك في قوله {وَللَّهِ } وثانيتهما: كلمة {عَلَىٰ } وهي للوجوب في قوله {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ } ورابعها: أن ظاهر اللفظ يقتضي إيجابه على كل إنسان يستطيعه، وتعميم التكليف يدل على شدة الاهتمام وخامسها: أنه قال {وَمَن كَفَرَ } مكان، ومن لم يحج وهذا تغليظ شديد في حق تارك الحج وسادسها: ذكر الاستغناء وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان وسابعها: قوله {عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ } ولم يقل عنه لأن المستغني عن كل العالمين أولى أن يكون مستغنياً عن ذلك الإنسان الواحد وعن طاعته، فكان ذلك أدل على السخط وثامنها: أن في أول الآية قال: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ } فبيّن أن هذا الإيجاب كان لمجرد عزة الإلٰهية وكبرياء الربوبية، لا لجر نفع ولا لدفع ضر، ثم أكد هذا في آخر الآية بقوله {فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ } ومما يدل من الأخبار على تأكيد الأمر بالحج، قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالث»تفسير : وروي «حديث : حجوا قبل أن لا تحجوا حجوا قبل أن يمنع البر جانبه»تفسير : قيل: معناه أنه يتعذر عليكم السفر في البر في مكة لعدم الأمن أو غيره، وعن ابن مسعود «حديث : حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا هلكت».تفسير :
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: ثبت في صحيح مسلم حديث : عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أوّل مسجد وضع في الأرض قال: «المسجد الحرام». قلت: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى». قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون عاماً ثم الأرض لك مسجد فحيثما أدركتك الصلاة فصل»تفسير : . قال مجاهد وقتادة: لم يوضع قبله بيت. قال عليّ رضي الله عنه: كان قبل البيت بيوت كثيرة، والمعنى أنه أوّل بيت وضع للعبادة. وعن مجاهد قال: تفاخر المسلمون واليهود فقالت اليهود: بيت المقدِس أفضل وأعظم من الكعبة؛ لأنه مهاجر الأنبياء وفي الأرض المقدسة. وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل؛ فأنزل الله هذه الآية. وقد مضى في البقرة بنيان البيت وأوّل من بناه. قال مجاهد: خلق الله موضع هذا البيتِ قبل أن يخلق شيئاً من الأرض بألفي سنة، وأن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى. وأما المسجد الأقصى فبناه سليمان عليه السلام؛ كما خرجه النسائي بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أن سليمان بن داود عليه السلام لما بنى بيت المقدس سأل الله خِلالاً ثلاثة (سأل الله عز وجل) حُكْماً يصادف حكمه فأُوتِيَهُ، وسأل الله عز وجل مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد ألاّ يأتيه أحد لا يَنْهزه إلا الصلاةُ فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمّه فأوتيه»تفسير : . فجاء إشكالٌ بين الحديثين؛ لأن بين إبراهيم وسليمان آماداً طويلة. قال أهل التواريخ: أكثر من ألف سنة. فقيل: إن إبراهيم وسليمان عليهما السلام إنما جدّدا ما كان أسَّسَه غيرهما. وقد روي أن أوّل من بني البيت آدم عليه السلام كما تقدّم. فيجوز أن يكون غيره من ولده وضع بيت المقدس من بعده بأربعين عاماً، ويجوز أن تكون الملائكة أيضاً بنته بعد بنائها البيت بإذن الله؛ وكل محتمل. والله أعلم. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أمر الله تعالى الملائكة ببناء بيت في الأرض وأن يطوفوا به؛ وكان هذا قبل خلق آدم، ثم إن آدم بنى منه ما بنى وطاف به، ثم الأنبياء بعده، ثم ٱستتم بناءه إبراهيم عليه السلام. الثانية: قوله تعالى: {لَلَّذِي بِبَكَّةَ} خبر «إن» واللام توكيد. و «بكة» موضع البيت، ومكة سائر البلد؛ عن مالك بن أنس. وقال محمد بن شهاب: بَكّة المسجد، ومكة الحرم كله، تدخل فيه البيوت. قال مجاهد: بكة هي مكة. فالميم على هذا مُبْدَلَة من الباء؛ كما قالوا: طين لازِبٌ ولازم. وقاله الضحاك والمؤرّج. ثم قيل: بكة مشتقة من البَكّ وهو الازدحام. تباك القوم ٱزدحموا. وسميت بكة لازدحام الناس في موضع طوافهم. والبك دَقّ العنق. وقيل: سميت بذلك لأنها كانت تدق رقاب الجبابرة إذا ألْحَدوا فيها بظلم. قال عبد الله بن الزبير: لم يقصِدها جبار قَطُّ بسوء إلا وَقَصَه الله عز وجل. وأما مكة فقيل: إنها سميت بذلك [لقلة مائها وقيل: سميت بذلك] لأنها تمُكّ المخّ من العظم مما ينال قاصدها من المشقة؛ من قولهم: مَكَكْت العظم إذا أخرجت ما فيه. ومَكّ الفِصيلُ ضرع أمّه وٱمْتَكّه إذا ٱمْتَصّ كل ما فيه من اللبن وشربه؛ قال الشاعر:شعر : مَـكّتْ فلم تُبـقِ فـي أجْـوافهـا دِرَراً تفسير : وقيل: سميت بذلك لأنها تَمُكّ من ظَلَم فيها، أي تهلكه وتنقصه. وقيل: سميت بذلك لأن الناس كانوا يُمكّون ويضحكون فيها؛ من قوله: {أية : وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً} تفسير : [الأنفال: 35] أي تَصْفِيقاً وتَصْفِيراً. وهذا لا يوجبه التصريف؛ لأن «مكة» ثنائيّ مضاعف و «مُكَاءً» ثلاثيّ معتلّ. الثالثة: قوله تعالى: {مُبَارَكاً} جعله مباركاً لتضاعف العمل فيه؛ فالبركة كثرة الخير، ونصب على الحال من المضمر في «وُضِعَ» أو بالظرف من «بَكّةَ»، المعنى: الذي ٱستقر «ببَكّة مُبَارَكاً» ويجوز في غير القرآن «مبارك»؛ على أن يكون خبراً ثانياً، أو على البدل من الذي، أو على إضمار مبتدأ. {وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} عطف عليه، ويكون بمعنى وهو هدى للعالمين. ويجوز في غير القرآن «مباركٍ» بالخفض يكون نعتاً للبيت. الرابعة: قوله تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ} رفع بالابتداء أو بالصفة. وقرأ أهل مكة وٱبن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير «آية بينة» على التوحيد، يعني مقام إبراهيم وحده. قالوا: أثر قدميه في المقام آية بينة. وفسر مجاهد مقام إبراهيم بالحرم كله؛ فذهب إلى أن من آياته الصفا والمروة والركن والمقام. والباقون بالجمع. أرادوا مقام إبراهيم والحجر الأسود والحطيم وزمزم والمشاعر كلها. قال: أبو جعفر النحاس: من قرأ «آيات بينات» فقراءته أبين؛ لأن الصفا والمروة من الآيات، ومنها أن الطائر لا يعلو البيت صحيحاً، ومنها أن الجارح يطلب الصيد فإذا دخل الحرم تركه، ومنها أن الغيث إذا كان ناحية الركن اليمانيّ كان الخِصب باليمن، وإذا كان بناحية الشامي كان الخصب بالشام، وإذ عم البيت كان الخِصب في جميع البلدان، ومنها أن الجِمار على ما يُزاد عليها تُرى على قدر واحد. والمَقام من قولهم: قمت مَقاماً، وهو الموضع الذي يُقام فيه. والمَقام من قولك: أقمت مُقاماً. وقد مضى هذا في البقرة، ومضى الخلاف أيضاً في المقام والصحيح منه. وٱرتفع المقام على الابتداء والخبر محذوف؛ والتقدير منها مقام إبراهيم؛ قاله الأخفش. وحكى عن محمد بن يزيد أنه قال: «مقام» بدل من «آيات» وفيه قول ثالث بمعنى هي مقام إبراهيم. وقول الأخفش معروف في كلام العرب. كما قال زهير:شعر : لها متاعٌ وأعوانٌ غَدَوْنَ به قِتْبٌ وغَرْب إذا ما أُفْرِغ ٱنْسَحَقَا تفسير : أي مضى وبَعُدَ سيلانه. وقول أبي العباس: إن مقاماً بمعنى مقامات؛ لأنه مصدر. قال الله تعالى: {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ}. وقال الشاعر:شعر : إنّ العُيـون التـي فـي طَرْفِـها مَـرَضُ تفسير : أي في أطرافها. ويقوّي هذا الحديثُ المرويّ: «حديث : الحج كله مقام إبراهيم».تفسير : الخامسة: قوله تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} قال قتادة: ذلك أيضاً من آيات الحرم. قال النحاس: وهو قول حسن؛ لأن الناس كانوا يُتَخَطّفون من حواليه، ولا يصل إليه جبار، وقد وصل إلى بيت المقدس وخرب، ولم يوصل إلى الحرم. قال الله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} تفسير : [الفيل: 1]. وقال بعض أهل المعاني: صورة الآية خبر ومعناها أمر، تقديرها ومن دخله فأمّنوه؛ كقوله: {أية : فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ} تفسير : [البقرة: 197] أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا. ولهذا المعنى قال الإمام السابق النعمان بن ثابت: من ٱقترف ذنباً وٱستوجب به حداً ثم لجأ إلى الحرم عصمه، (لقوله تعالى): {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}؛ فأوجب الله سبحانه الأمْن لمن دخله. ورُوي ذلك عن جماعة من السلف منهم ٱبن عباس وغيره من الناس. قال ٱبن العربيّ: «وكل من قال هذا فقد وهم من جهتين: إحداهما أنه لم يفهم من الآية أنها خبر عما مضى، ولم يقصد بها إثبات حكم مستقبل، الثاني أنه لم يعلم أنّ ذلك الأمن قد ذهب وأن القتل والقتال قد وقع بعد ذلك فيها، وخبر الله لا يقع بخلاف مخبره؛ فدل ذلك على أنه كان في الماضي هذا. وقد ناقض أبو حنيفة فقال، إذا لجأ إلى الحَرَم لا يُطعَمَ ولا يُسْقى ولا يُعامَل ولا يُكلَّم حتى يخرج، فاضطراره إلى الخروج ليس يصح معه أمْنٌ. وروي عنه أنه قال: يقع القصاص في الأطراف في الحرم ولا أمن أيضاً مع هذا». والجمهور من العلماء على أن الحدود تُقام في الحرم، وقد أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بقتل ٱبن خَطَل وهو متعلِّق بأستار الكعبة. قلت: وروي الثوريّ عن منصور عن مجاهد عن ٱبن عباس: من أصاب حدّاً (في الحرم) أُقيم عليه فيه، وإن أصابه في الحِلّ ولجأ إلى الحرم لم يُكلّم ولم يبايع حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحدّ؛ وهو قول الشّعبيّ. فهذه حجة الكوفيين، وقد فهم ٱبن عباس ذلك من معنى الآية، وهو حَبْر الأمّة وعالِمُها. والصحيح أنه قصد بذلك تعديد النّعم على كل من كان بها جاهلاً ولها منكراً من العرب: كما قال تعالىٰ: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 67]؛ فكانوا في الجاهلية من دخله ولجأ إليه أمِن من الغارة والقتل؛ على ما يأتي بيانه في «المائدة» إن شاء الله تعالىٰ. قال قتادة: ومن دخله في الجاهلية كان آمناً. وهذا حسن. وروي أن بعض المُلْحدة قال لبعض العلماء: أليس في القرآن {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} فقد دخلناه وفعلنا كذا وكذا فلم يأمن من كان فيهٰ قال له: ألست من العربٰ ما الذي يريد القائل من دخل داري كان آمناً؟ أليس أن يقول لمن أطاعه: كفّ عنه فقد أمّنته وكففت عنه؟ قال بلى. قال: فكذلك قوله {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}. وقال يحيى ابن جعدة: معنى {ومن دخله كان آمناً} يعني من النار. قلت: وهذا ليس على عمومه؛ لأن في صحيح مسلم عن أبي سعيدٍ الخدرِيّ حديث الشفاعة الطويل. «حديث : فوالذِي نفسي بيده ما منكم من أحدٍ بأشَدّ مناشَدةً لله في ٱستقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لأخوانهم الذين في النار يقولون ربَّنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويُحجّون فيقال لهم أخرجوا من عرفتم»تفسير : الحديثَ. وإنما يكون آمنا من النار من دخله لقضاء النّسُك معظّماً له عارفاً بحقه متقرّباً إلى الله تعالىٰ. قال جعفر الصّادق: من دخله على الصفاء كما دخله الأنبياء والأولياء كان آمناً من عذابه. وهذا معنى قوله عليه السَّلام: «حديث : من حجّ فلم يرفُثْ ولم يفْسُق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه والحج المبرور ليس له جزاء إلاَّ الجنة»تفسير : . قال الحسن: الحج المبرور هو أن يرجع زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة. وأنشد:شعر : يا كعبةَ اللَّه دعوة اللاّجِي دعوة مستشعرٍ ومحتاج ودّع أحبابَه ومسكنه فجاء ما بين خائفٍ راجي إن يقبل اللَّه سعيَه كرماً نجا، وإلا فليس بالنّاجي وأنت ممّن تُرجى شفاعتُه فٱعطفْ على وافِد بنِ حَجّاج تفسير : وقيل: المعنى ومن دخله عام عمرة القضاء مع محمد صلى الله عليه وسلم كان آمناً. دليلهُ قوله تعالىٰ: {أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ} تفسير : [الفتح: 27]. وقد قيل: إن «مَنْ» هٰهنا لمن لا يعقل؛ والآية في أمان الصيد؛ وهو شاذّ؛ وفي التنزيل: {أية : فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ} تفسير : [النور: 45] الآية. قوله تعالىٰ: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ}. فيه تسع مسائل: الأولىٰ: قوله تعالىٰ: {وَللَّهِ} اللام في قوله «ولله» لام الإيجاب والإلزام، ثم أكده بقوله تعالىٰ: {عَلَى} التي هي من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب؛ فإذا قال العربي: لفلان عليّ كذا؛ فقد وكّده وأوجبه. فذكر الله تعالىٰ الحج (بأبلغ) ألفاظ الوجوب تأكيداً لحقِّه وتعظيماً لحُرْمته. ولا خلاف في فريضته، وهو أحد قواعد الإسلام، وليس يجب إلاَّ مرّة في العمر. وقال بعض الناس: يجب في كل خمسة أعوام (مرة)؛ ورووا في ذلك حديثاً أسندوه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، والحديث باطل لا يصح، والإجماع صادّ في وجوههم. قلت: وذكر عبد الرزاق قال: حدّثنا سفيان (الثوري) عن العلاء بن المسيّب عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يقول الرب جلّ وعزّ إن عبداً أوسعت عليه في الرزق فلم يعد إليّ في كل أربعة أعوام لمحروم»تفسير : مشهور من حديث العلاء بن المسيب بن رافع الكاهليّ الكوفيّ من أولاد المحدّثين، روى عنه غير واحد، منهم من قال: في كل خمسة أعوام، ومنهم من قال: عن العلاء عن يونس بن خَبّاب عن أبي سعيد، في غير ذلك من الاختلاف. وأنكرت الملحدة الحَجّ، فقالت: إن فيه تجريد الثياب وذلك يخالف الحياء، والسعي وهو يناقض الوَقَار، ورمي الجمار لغير مرمى وذلك يضادّ العقل؛ فصاروا إلى أن هذه الأفعال كلها باطلة؛ إذ لم يعرفوا لها حِكمة ولا عِلة، وجهلوا أنه ليس من شرط المولى مع العبد، أن يفهم المقصود بجميع ما يأمره به، ولا أن يطلع على فائدة تكليفه، وإنما يتعين عليه الامتثال، ويلزمه الانقياد من غير طلب فائدة ولا سؤال عن مقصود. ولهذا المعنى كان عليه السَّلام يقول في تلبيته: «حديث : لبيْك حقّاً حقّاً تعبُّداً ورِقاً لبيّك إلٰهَ الحق»تفسير : . وروى الأئمَّة عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : «أيها الناس قد فَرض الله عليكم الحجَّ فحجّوا». فقال رجل: كلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لو قلت نعم لوجبتْ ولما ٱستطعتم» ثم قال: «ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبَلكم بكثرة سؤالهم وٱختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ما ٱستطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه»تفسير : لفظ مسلم. فبيّن هذا الحديثُ أن الخطاب إذا توجه على المكلفين بفرضٍ أنه يكفي منه فعل مرّة ولا يقتضي التكرار؛ خلافاً للأستاذ أبي إسحاق الأسفرايِنِي وغيره. وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أصحابه: يا رسول الله، أحجُّنا لعامِنا هذا أم للأبد؟ فقال: «لا بل للأبد». وهذا نص في الردّ على من قال: يجب في كل خمس سنين مرة. وقد كان الحج معلوماً عند العرب مشهوراً لديهم، وكان مما يرغب فيه لأسواقها وتَبَرُّرِها وتحنُّفها؛ فلما جاء الإسلام خوطبوا بما علموا وألزموا بما عرفوا. وقد حجّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل حجَّ الفرض، وقد وقف بعرفة ولم يغيّر من شرع إبراهيم ما غيروا؛ حين كانت قريش تقف بالمَشْعَر الحرام ويقولون؛ نحن أهل الحرم فلا نخرج منه؛ ونحن الْحمْسُ. حسب ما تقدّم بيانه في «البقرة». قلت: من أغرب ما رأيته أن النبيّ صلى الله عليه وسلم حجّ قبل الهجرة مرتين وأن الفرض سقط عنه بذلك؛ لأنه قد أجاب نداء إبراهيم حين قيل له: {أية : وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ} تفسير : [الحج: 27]. قال الكيا الطبري: وهذا بعيد؛ فإنه ورد إذا في شرعه: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [آل عمران: 97] فلا بدّ من وجوبه عليه بحكم الخطاب في شرعه. ولئن قيل: إنما خاطب من لم يحج، كان تحَكُّماً وتخصيصاً لا دليل عليه، ويلزم عليه ألاَّ يجب بهذا الخطاب على من حج على دِين إبراهيم، وهذا في غاية البعد. الثانية: ودلّ الكتاب والسنة على أن الحج على التراخي لا على الفور؛ وهو تحصيل مذهب مالكٍ فيما ذكر ٱبن خُوَيزِ مَنْدَاد، وهو قول الشافعيّ ومحمد بن الحسن وأبي يوسف في رواية عنه. وذهب بعض البغداديين من المتأخرين من المالكيين إلى أنه على الفور، ولا يجوز تأخيره مع القدرة عليه؛ وهو قول داود. والصحيح الأوّل؛ لأن الله تعالىٰ قال في سور الحج: {أية : وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً} تفسير : [الحج: 27] وسورة الحج مكية. وقال تعالىٰ: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} الآية. وهذه السورة نزل عام أحُد بالمدينة سنة ثلاث من الهجرة ولم يحج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة عشر. أما السُّنّة: فحديثِ ضمام بن ثعلبة السعديّ من بني سعد بن بكر قِدم على النبيّ صلى الله عليه وسلم فسأله عن الإسلام فذكر الشهادة والصَّلاة والزكاة والصيام والحج. رواه ٱبن عباس وأبو هريرة وأنس، وفيها كلها ذكر الحج، وأنه كان مفروضاً، وحديث أنس أحسُنها سياقاً وأتَمُّها. وٱختلف في وقت قدومه؛ فقيل: سنة خمس. وقيل: سنة سبع. وقيل: سنة تسع؛ ذكره ٱبن هشام عن أبي عبيدة الواقدي عام الخَنْدَق بعد ٱنصراف الأحْزَاب. قال ٱبن عبد البر: ومن الدليل على أن الحج على التراخي إجماع العلماء على ترك تفسِيق القادر على الحج إذا أخره العام والعامين ونحوهما، وأنه إذا حج من بعد أعوامٍ من حين ٱستطاعته فقد أدّى الحج الواجب عليه في وقته، وليس هو عند الجميع كمن فاتته الصَّلاة حتى خرج وقتها فقضاها بعد خروج وقتها، ولا كمن فاته صيام رمضان لمرض أو سفر فقضاه، ولا كمن أفسد حجه فقضاه، فلما أجمعوا على أنه لا يُقال لمن حج بعد أعوام من وقت ٱستطاعته: أنت قاضٍ لِما وجب عليك؛ علِمنا أن وقت الحج مُوسَّع فيه وأنه على التراخي لا على الفور. قال أبو عمر: كل من قال بالتراخي لا يَحُدُّ في ذلك حداً؛ إلاَّ ما روي عن سحنون وقد سئل عن الرجل يجد ما يحج فيه فيؤخِّر ذلك إلى سنين كثيرةٍ مع قدرته على ذلك هل يُفَسَّق بتأخيره الحجّ وتُردّ شهادتُه؟ قال: لا وإن مضى من عمره ستون سنة، فإذا زاد على الستين فُسّق وردّت شهادته. وهذا توقيف وحَدّ، والحدود في الشرع لا تؤخذ إلاَّ عمن له أن يشَرِّع. قلت: وحكاه ٱبن خويزِمنداد عن ٱبن القاسم. قال ٱبنُ القاسم وغيره: إنْ أخره ستين سنة لم يُحَرَّج، وإن أخره بعد الستين حُرِّج؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وقل من يتجاوزها»تفسير : فكأنه في هذا العشر قد يتضايق عليه الخطاب. قال أبو عمر: وقد ٱحتج بعض الناس (كسحنون) بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : معترك أمّتي بين الستين إلى السبعين وقل من يجاوز ذلك»تفسير : . ولا حجة فيه؛ لأنه كلام خرج على الأغلب من أعمار أمّته لو صحّ الحديث. وفيه دليل على التوسعة إلى السبعين لأنه من الأغلب أيضاً، ولا ينبغي أن يقطع بتفسيق من صحت عدالته وأمانته بمثل هذا من التأويل الضعيف. وبالله التوفيق. الثالثة: أجمع العلماء على أن الخطاب بقوله تعالىٰ: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} عام في جميعهم مسترسل على جملتهم. قال ٱبن العربيّ: «وإن كان الناس قد ٱختلفوا في مطلق العمومات بَيْدَ أنهم ٱتفقوا على حمل هذه الآية على جميع الناس ذكرِهم وأنثاهم، خلا الصغيرِ فإنه خارج بالإجماع عن أصول التكليف، وكذلك العبد لم يدخل فيه؛ لأنه أخرجه عن مطلق العموم قوله تعالىٰ (في التمام): {مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} والعبد غيرُ مستطيع؛ لأن السيِّد يمنعه لحقوقه عن هذه العبادة. وقد قدّم الله سبحانه حقَّ السيّد على حقه رِفقاً بالعباد ومصلحةً لهم. ولا خلاف فيه بين الأمّة ولا بين الأئمة، فلا نَهْرِف بما لا نعرِف، ولا دليل عليه إلاَّ الإجماعُ». قال ٱبن المنذر: أجمع عامّة أهل العلم إلاَّ من شَذّ منهم ممن لا يعدّ خلافاً، على أن الصبيّ إذا حَجّ في حال صغره، والعبد إذا حج في حال رِقّه، ثم بلغ الصبي وعَتَق العبد إنّ عليهما حجة الإسلام إذا وجدا إليها سبيلاً. وقال أبو عمر: خالف داود جماعة فقهاء الأمصار وأئمّة الأثر في المملوك وأنه عنده مخاطب بالحج، وهو عند جمهور العلماء خارج من الخطاب العام في قوله تعالىٰ: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} بدليل عدم التصرف، وأنه ليس له أن يحج بغير إذن سيده؛ كما خرج من خطاب الجمعة وهو قوله تعالىٰ: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ} تفسير : [الجمعة: 9] الآية ـ عند عامّة العلماء إلاَّ من شذّ. وكما خرج من خطاب إيجاب الشهادة، قال الله تعالىٰ: {أية : وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ} تفسير : [البقرة: 282] فلم يدخل في ذلك العبدُ. وكما جاز خروج الصبيّ من قوله: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ}تفسير : [آل عمران: 97] وهو من الناس بدليل رفع القلم عنه. وخرجت المرأة من قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ} وهي ممّن شَمِله ٱسم الإيمان، وكذلك خروج العبد من الخطاب المذكور. وهو قول فقهاء الحجاز والعراق والشام والمغرب، ومثلهم لا يجوز عليهم تحريف تأويل الكتاب. فإن قيل: إذا كان حاضَر المسجد الحرام وأذِن له سيدُه فلِمَ لا يلزمه الحج؟ قيل له: هذا سؤال على الإجماع وربما لا يُعلّل ذلك، ولكن إذا ثبت هذا الحكم على الإجماع ٱستدللنا به على أنه لا يُعتدّ بحجّه في حال الرِّقّ عن حجة الإسلام؛ وقد روي عن ٱبن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أيّما صبيّ حجّ ثم أدرك فعليه أن يحج حجة أُخرى وأيّما أعرابيّ حجّ ثم هاجر فعليه أن يحج حجة أُخرىٰ وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أُخرىٰ»تفسير : . قال ٱبن العربيّ. «وقد تساهل بعض علمائنا فقال: إنما لم يثبت الحج على العبد وإن إذِن له السيد لأنه كان كافراً في الأصل ولم يكن حَجُّ الكافر معتدّاً به، فلما ضُرب عليه الرقّ ضرباً مؤبَّداً لم يخاطب بالحج؛ وهذا فاسد من ثلاثة أوجه فٱعلموه: أحدها ـ أن الكفار عندنا مُخاطبون بفروع الشريعة، ولا خلاف فيه في قول مالك. الثاني ـ أن سائر العبادات تلزمه من صلاة وصوم مع كونه رقيقاً، ولو فعلها في حال كفره لم يعتدّ بها، فوجب أن يكون الحج مثلها. الثالث ـ أن الكفر قد ٱرتفع بالإسلام فوجب ٱرتفاع حكمه. فتبين أن المعتمد ما ذكرناه من تقدّم حقوق السيد». والله الموفق. الرابعة ـ قوله تعالى: {مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} «مَنْ» في موضع خفض على بدل البعض من الكل؛ هذا قول أكثر النحويين. وأجاز الكسائي أن يكون «من» في موضع رفع بحج، التقدير أن يحج البيت من. وقيل هي شرط. و «ٱستطاع» في موضع جزم، والجواب محذوف، أي من ٱستطاع إليه سبيلاً فعليه الحج. روى الدارقطنِي عن ٱبن عباس قال: حديث : قيل يا رسول الله الحج كلّ عام؟ قال: «لا بل حجة»؟ قيل: فما السبيل، قال: «الزاد والراحلة»تفسير : . ورواه عن أنس وٱبن مسعود وٱبن عمر وجابر وعائشة وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وعن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلمحديث : «وَلِلَّهِ على الناسِ حج البيتِ من ٱستطاع إليهِ سبِيلاً» قال فسئل عن ذلك فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أن تجد ظهر بَعير»تفسير : . وأخرج حديثَ ٱبن عمر أيضاً ٱبنُ ماجه في سُننه، وأبو عيسى الترمذيّ في جامِعه وقال: «حديث حَسَن، والعمل عليه عند أهل العلم أنّ الرجل إذا ملك زاداً وراحلة وجب عليه الحج. وإبراهيم بن يزيد هو الخُوزيّ المكيّ، وقد تكلم فيه بعض أهل الحديث من قِبلَ حِفظِه». وأخرجاه عن وَكيع والدَّارَقُطْنِيّ عن سفيان بن سعيد قالوا: حدّثنا إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عبّاد عن ٱبن عمر قال: حديث : قام رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما يوجب الحج؟. قال: «الزاد والراحلة» قال: يا رسول الله، فما الحاج؟ قال: «الشَّعِث التَّفِل». وقام آخر فقال: يا رسول الله، وما الحج؟ قال: «العَجُّ والثَّجُّ»تفسير : . قال وكيع: يعني بالعج العجيج بالتّلبِية والثَّج نحر البُدْن؛ لفظ ٱبن ماجه. وممن قال إن الزاد والراحلة شرط في وجوب الحج: عمر بن الخطاب وٱبنه عبد الله وعبد الله بن عباس والحسن البصري وسعيد ابن جُبير وعطاء ومجاهد. وإليه ذهب الشافعيّ والثوريّ وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق وعبد العزيز بن أبي سلمة وٱبن حبيب، وذكر عبدوس مثله عن سُحْنون. قال الشافعيّ: الاستطاعة وجهان: أحدهما أن يكون مستطيعاً ببدنه واجداً من ماله ما يبلّغه الحج. والثاني أن يكون معضُوباً في بدنه لا يثبت على مَركَبه وهو قادر على من يطيعه إذا أمره أن يحج عنه بأجرة وبغير أجرة، على ما يأتي بيانه. أما المستطيع ببدنه فإنه يلزمه فرض الحج بالكتاب بقوله عزّ وجلّ: {مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}. وأما المستطيع بالمال فقد لزمه فرض الحج بالسُّنة بحديث الخثعمِية على ما يأتي. وأما المستطيع بنفسه وهو القوِيّ الذي لا تلحقه مشقَّة غير محتملة في الركوب على الراحلة؛ فإن هذا إذا ملك الزاد والراحلة لزمه فرض الحج بنفسه، وإن عدم الزاد والراحلة أو أحدهما سقط عنه فرضُ الحج؛ فإن كان قادراً على المشي مُطيقاً له ووجد الزاد أو قدر على كسب الزاد في طريقه بصنعةٍ مثل الخرز والحجامة أو نحوهما فالمستحب له أن يحجُ ماشياً رَجلاً كان أو ٱمرأةً. قال الشافعيّ: والرجل أقلّ عُذراً من المرأة لأنه أقوى. وهذا عندهم على طريق الاستحباب لا على طريق الإيجاب، فأما إن قدر على الزاد بمسألة الناس في الطريق كَرهت له أن يحجّ لأنه يصير كَلاًّ على الناس. وقال مالك بن أنس رحمه الله: إذا قَدَر على المشي ووجد الزاد فعليه فرض الحج، وإن لم يجد الراحلة وقَدَر على المشي نُظر؛ فإن كان مالكاً للزاد وجب عليه فرض الحج، وإن لم يكن مالكاً للزاد ولكنه يقدر على كسب حاجته منه في الطريق نُظر أيضاً؛ فإن كان من أهل المروءات ممن لا يكتسب بنفسه لا يجب عليه، وإن كان ممن يكتسب كفايته بتجارة أو صناعة لزمه فرض الحج، وهكذا إن كانت عادته مسألة الناس لزمه فرض الحج. وكذلك أوجب مالكٌ على المطيق المشي الحجّ، وإن لم يكن معه زاد وراحلة. وهو قول عبد الله ابن الزبير والشَّعْبيّ وعكرمة. وقال الضحاك: إن كان شابّاً قويّاً صحيحاً ليس له مال فعليه أن يؤجّر نفسه بأكله أو عقبه حتى يقضِي حجّه. فقال له مقاتل: كلّف الله الناس أن يمشوا إلى البيت؟ فقال: لو أن لأحدهم ميراثاً بمكة أكان تاركَه؟ٰ بل ينطلق إليه ولو حَبْواً، كذلك يجب عليه الحج. واحتج هؤلاء بقوله عزّ وجلّ: {أية : وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً} تفسير : [الحج: 27] أي مُشاةً. قالوا: ولأن الحج من عبادات الأبدان من فرائض الأعيان، فوجب ألا يكون الزاد من شروط وجوبها ولا الراحلة كالصَّلاة والصيام. قالوا: ولو صح حديث الخُوزِيّ الزاد والراحلة لحملناه على عموم الناس والغالبُ منهم في الأقطار البعيدة. وخروج مطلق الكلام على غالب الأحوال كثيرٌ في الشريعة وفي كلام العرب وأشعارها. وقد روى ٱبن وهب وٱبن القاسم وأشهب عن مالك أنه سئل عن هذه الآية فقال: الناس في ذلك على قدر طاقتهم ويُسرهم وجَلَدهم. قال أشهبُ لمالِكٍ: أهو الزاد والراحلة؟. قال: لا والله، ما ذاك إلاَّ على قدر طاقة الناس، وقد يجد الزادَ والراحلة ولا يقدر على السير، وآخر يقدر أن يمشي على رجليه. الخامسة: إذا وُجدت الاستطاعة وتوجّه فرضُ الحج فقد يعرض ما يمنع منه كالغرِيم يمنعه عن الخروج حتى يؤدّيَ الدِّين؛ ولا خلاف في ذلك. أو يكون له عِيَال يجب عليه نفقتهم فلا يلزمه الحج حتى يكوِّن لهم نفقتهم مدّةَ غيبته لذهابه ورجوعه، ولأن هذا الإنفاق فرض على الفَوْر، والحجّ فرضٌ على التّراخي، فكان تقديم العيال أوْلى. وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : كَفَىٰ بالمرء إثماً أن يُضيِّع من يقوت»تفسير : . وكذلك الأبَوان يخاف الضيعةَ عليهما وعَدَم العوِض في التلطّف بهما، فلا سبيل له إلى الحج؛ فإن مَعنَاه لأجل الشّوق والوَحْشة فلا يُلتفت إليه. والمرأة يمنعها زوجها، وقيل لا يمنعها. والصحيح المنع؛ لا سيما إذا قلنا إن الحج لا يلزم على الفَوْر. والبحر لا يمنع الوجوب إذا كان غالبه السلامة ـ كما تقدّم بيانه في البقرة ـ ويعَلم من نفسه أنه لا يَمِيد. فإن كان الغالب عليه العَطَب أو المَيْد حتى يعطل الصَّلاة فلاَ. وإن كان لا يجد موضعاً لسجوده لكثرة الراكب وضيق المكان فقد قال مالك: إذا لم يستطع الركوع والسجود إلاَّ على ظهر أخيه فلا يركبه. ثم قال: أيركب حيث لا يُصلِّيٰ ويلٌ لمن ترك الصَّلاةٰ. ويسقط الحج إذا كان في الطريق عدوّ يطلب الأنفس أو يطلب من الأموال ما لم يتحدّد بحدّ مخصوص أو يتحدّد بقدر مُجحِف. وفي سقوطه بغير المُجْحف خلاف. وقال الشافعيّ: لا يعطى حبة ويسقط فرض الحج. ويجب على المتسوّل إذا كانت تلك عادته وغلب على ظنه أنه يجد من يعطيه. وقيل لا يجب، على ما تقدّم من مراعاة الاستطاعة. السادسة: إذا زالت الموانع ولم يكن عنده من النّاض ما يحجّ به وعنده عُروض فيلزمه أن يبيع من عُروضه للحج ما يُباع عليه في الدَّيْن. وسئل ٱبن القاسم عن الرجل تكون له القِرْبة ليس له غيرُها، أيبيعها في حجة الإسلام ويترك ولده ولا شيء لهم يعيشون به؟. قال: نعم، ذلك عليه ويترك ولده في الصدقة. والصحيح القول الأوّل؛ لقوله عليه السَّلام: «حديث : كفى بالمرء إثماً أن يُضيّع من يقوت» تفسير : وهو قول الشافعي. والظاهر من مذهبه أنه لا يلزم الحج إلاَّ من له ما يكفيه من النفقة ذاهباً وراجعاً ـ قاله في الإمْلاء ـ وإن لم يكن له أهل وعيال. وقال بعضهم: لا يعتبر الرجوع لأنه ليس عليه كبير مشقة في تركه القيام ببلده؛ لأنه لا أهل له فيه ولا عيال وكلُّ البلاد له وطن. والأوّل أصوب؛ لأن الإنسان يستوحش لفراق وطنه كما يستوحش لفراق سكنه. ألا ترىٰ أن البِكر إذا زنا جُلد وغُرّب عن بلده سواء كان له أهل أو لم يكن. قال الشافعيّ في الأمّ: إذا كان له مسكن وخادم وله نفقة أهله بقدر غيبته يلزمه الحج. وظاهر هذا أنه ٱعتبر أن يكون مال الحج فاضلاً عن الخادم والمسكن؛ لأنه قدّمه على نفقة أهله، فكأنه قال: بعد هذا كله. وقال أصحابه: يلزمه أن يبيع المسكن والخادم ويَكْتَري مسكناً وخادماً لأهله، فإن كان له بضاعة يتَّجر بها وربحها قدر كفايته وكفاية عياله على الدوام، ومتى أنفق من أصل البضاعة ٱختلّ عليه ربحها ولم يكن فيه قدر كفايته، فهل يلزمه الحج من أصل البضاعة أم لا؟ قولان: الأوّل للجمهور وهو الصحيح المشهور؛ لأنه لا خلاف في أنه لو كان له عقَار تكفيه غلّته لزمه أن يبيع أصل العَقار في الحج، فكذلك البضاعة. وقال ٱبن شُريح: لا يلزمه ذلك ويُبقى البضاعة ولا يحج من أصلها؛ لأن الحج إنما يجب عليه في الفاضل من كفايته. فهذا الكلام في الاستطاعة بالبدن والمال. السابعة: المريض والمعْضُوب، والعَضْب القطع، ومنه سُمِّي السيف عَضْباً، وكأنّ من ٱنتهى إلى ألاَّ يقدر يستمسك على الراحلة ولا يثبت عليها بمنزلة من قُطعت أعضاؤه؛ إذ لا يقدر على شيء. وقد ٱختلف العلماء في حكمهما بعد إجماعهم أنه لا يلزمهما المسير إلى الحج؛ لأن الحج إنما فرضه الله على المستطيع إجماعاً، والمريض والمعضوب لا ٱستطاعة لهما. فقال مالك: إذا كان معضُوباً سقط عنه فرض الحج أصلاً، سواء كان قادراً على من يحجّ عنه بالمال أو بغير المال لا يلزمه فرض الحج. ولو وجب عليه الحج ثم عُضِب وزَمِن سقط عنه فرض الحج؛ ولا يجوز أن يُحَجّ عنه في حال حياته بحال، بل إن أوْصى أم يُحجّ عنه بعد موته حُجّ عنه من الثلث، وكان تطوّعاً؛ وٱحتج بقوله تعالىٰ: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ}تفسير : [النجم: 39] فأخبر أنه ليس له إلاَّ ما سعى. فمن قال: إنه له سَعىٰ غيره فقد خالف ظاهر الآية. وبقوله تعالىٰ: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} وهذا غير مستطيع؛ لأن الحج هو قصد المكلّف البيتَ بنفسه، ولأنها عبادة لا تدخلها النيابة مع العجز عنها كالصَّلاة. وروي محمد بن المُنْكَدر عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله عز وجل ليُدخل بالحِجّة الواحدة ثلاثةً الجنة الميَّتَ والحاجّ عنه والمنِفِذ ذلك»تفسير : . خرّجه الطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد قال حدثنا عمرو بن حصين السَّدوسي قال حدّثنا أبو معشر عن محمد بن المنكدر؛ فذكره. قلت: أبو معشر ٱسمه نَجيح وهو ضعيف عندهم. وقال الشافعي: في المريض الزَّمن والمعضوب والشيخ الكبير يكون قادرا على من يطيعه إذا أمره بالحج عنه فهو مستطيع ٱستطاعةً ما. وهو على وجهين: أحدهما أن يكون قادرا على مال يستأجر به من يَحج عنه فإنه يلزمه فرض الحج؛ وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، رُوى عنه أنه قال لشيخ كبير لم يَحّج: جهّزْ رجلاً يحج عنك. وإلى هذا ذهب الثَّوري وأبو حنيفة وأصحابه وٱبن المبارك وأحمد وإسحاق. والثاني أن يكون قادرا على من يبذل له الطاعة والنيابة فيحجّ عنه، فهذا أيضا يلزمه الحج (عنه) عند الشافعي وأحمد وٱبن راهوية، وقال أبو حنيفة: لا يلزم الحج ببذل الطاعة بحال. استدل الشافعي بما رواه ابن عباس. حديث : أن ٱمرأة من خَثْعم سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحجّ أدركت أبي شيخاً كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم». وذلك في حجّة الوَدَاع. في رواية: لا يستطيع أن يستوىَ على ظهر بعيره. فقال النبي صلى الله عليه وسلم «فحجِّى عنه أرأيت لو كان على أبيك دَيُنٌ أكنت قاضَيتَهُ»؟ قالت نعم. قال: «فدَيْن الله أحق أن يقضى»تفسير : . فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم الحج بطاعة ٱبنته إياه وبذلها من نفسها له بأن تحجّ عنه؛ فإذا وجب ذلك بطاعة البنت له كان بأن يجب عليه بقدرته على المال الذي يستأجر به أوْلى. فأما بذل له المال دون الطاعة فالصحيح أنه لا يلزمه قبوله والحج به عن نفسه ولا يصير ببذل المال له مستطيعا. وقال علماؤنا: حديث الخثعمية ليس مقصودهُ الإيجاب وإنما مقصوده الحثّ على برّ الوالدين والنظر في مصالحهما دُنْيَا ودِيناً وجلب المنفعة إليهما جِبِلّة وشرعا؛ فلما رأى من المرأة ٱنفعالا وطواعية ظاهرة ورغبةً صادقة في برها بأبيها وحرصاً على إيصال الخير والثواب إليه، وتأسفت أن تفوته بركة الحج أجابها إلى ذلك. حديث : كما قال للأخرى التي قالت: إن أُمِّي نذرت أن تحجّ فلم تحجّ حتى ماتت أفأحجّ عنها؟ قال: «حُجّي عنها أرأيتِ لو كان على أمِّك دَين أكنتِ قاضيتَه»تفسير : ؟ قالت نعم. ففي هذا ما يدل على أنه من باب التطوّعات وإيصال البّر والخيرات للأموات؛ ألاَ ترى أنه قد شبّه فعلَ الحج بالدَّين. وبالإجماع لو مات ميّت وعليه دَين لم يجب على وَلِيّه قضاؤه من ماله، فإن تطوّع بذلك تأدّى الدَّين عنه. ومن الدليل على أن الحج في هذا الحديث ليس بفرض على أبيها ما صرّحت به هذه المرأة بقولها «لا يستطيع» ومن لا يستطيع لا يجب عليه. وهذا تصريح بنفي الوجوب ومنع الفريضة؛ فلا يجوز ما ٱنتفى في أوّل الحديث قطعا أن يثبت في آخره ظّناً؛ يحقّقه قوله:«فدَين الله أحقّ أن يقضى» فإنه ليس على ظاهره إجماعاً؛ فإن دَين العبد أوْلى بالقضاء؛ وبه يبدأ إجماعا لفقر الآدمي وٱستغناه الله تعالى؛ قاله آبن العربي. وذكر أبو عمر بن عبدالبر أن حديث الخثعمية عند مالك وأصحابه مخصوص بها. وقال آخرون: فيه ٱضطراب. وقال آبن وهب وأبو مصعب: هو في حق الولد خاصّة. وقال آبن حبيب: جاءت الرخصة في الحج عن الكبير الذي لا مُنهض له ولم يحج وعمن مات ولم يحج، أن يحج عنه ولده وإن لم يُوِص به ويجزئه إن شاء الله تعالى: فهذا الكلام على المعضوب وشبهه. وحديثُ الخثعمية أخرجه الأئمة، وهو يرد على الحسن قولّه: إنه لا يجوز حجّ المرأة عن الرجل. الثامنة: وأجمع العلماء على أنه إذا لم يكن للمُكلَّف قوت يتزوده في الطريق لم يلزمه الحج. وإن وهب له أجنبي مالاً يحجّ له لم يلزمه قبوله إجماعا؛ لما يلحقه من المِنّة في ذلك. فلو كان رجل وهب لأبيه مالاً فقد قال االشافعي: يلزمه قبوله؛ لأن ٱبن الرجل من كسبه ولا مِنّة عليه في ذلك. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يلزمه قبوله؛ لأن فيه سقوط حرمة الأبوة؛ إذ يقال: قد جَزَاه وقد وفّاه. والله أعلم. التاسعة: قوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} قال آبن عباس وغيره: المعنى ومن كفر بفرض الحج ولم يره واجبا. وقال الحسن البصري وغيره: إن من ترك الحج وهو قادر عليه فهو كافر. وروى الترمذي عن الحارث عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من ملك زادا وراحلة تُبلَّغه إلى بيت الله ولم يحجّ فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً وذلك أنَّ الله يقول في كِتابه {ولِلَّه عَلَى النَّاسِ حجُّ الْبَيْتِ مِن ٱسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً}» تفسير : . قال أبو عيسى: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مَقال، وهلال بن عبد الله مجهول، والحارث يُضعَّف» وروي نحوه عن أبي أمامة وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما. وعن عبد خير بن يزيد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله قال في خطبته: «حديث : يأيها الناس إن الله فرض عليكم الحج على من ٱستطاع إليه سبيلا ومن لم يفعل فليمت على أي حال شاء إن شاء يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً إلا أن يكون به عذر من مرض أو سلطان جائر ألا نصيب له في شفاعتي ولا ورُودَ حَوْضي»تفسير : . وقال ٱبن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كان عنده مال يبلّغه الحج فلم يحج أو عنده مال تحلّ فيه الزكاة فلم يزّكه سأل عند الموت الرجعة»تفسير : . فقيل يابن عباس إنا كنا نرى هذا للكافرين. فقال: أنا أقرأ عليكم به قرآنا {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ } {أية : وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [المنافقون: 9 ـ 10]، قال الحسن بن صالح في تفسيره: فأَزّكَى وأحجّ. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا سأله عن الآية فقال: «حديث : من حج لا يرجو ثوابا أو جلس لا يخاف عقابا فقد كفر به»تفسير : . وروى قتادة عن الحسن قال قال عمر رضي الله عنه: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى الأمصار فينظرون إلى من كان له مال ولم يحجّ فيضربون عليه الجزية؛ فذلك قوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ}. قلت: هذا خرج مخرج التغليظ؛ ولهذا قال علماؤنا: تضمّنت الآية أن من مات ولم يحج وهو قادر فالوعيد يتوجّه عليه، ولا يجزىء أن يحجّ عنه غيره لأن حج الغير لو أسقط عنه الفرض لسقط عنه الوعيد. والله أعلم. وقال سعيد بن جُبير: لو مات جارٌ لي وله مَيْسرة ولم يحج لم أصلّ عليه.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس، أي: لعموم الناس؛ لعبادتهم ونسكهم، يطوفون به، ويصلون إليه، ويعتكفون عنده {لَلَّذِى بِبَكَّةَ} يعني: الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل عليه السلام، الذي يزعم كل من طائفتي النصارى واليهود أنهم على دينه ومنهجه، ولا يحجون إلى البيت الذي بناه عن أمر الله له في ذلك، ونادى الناس إلى حجه، ولهذا قال تعالى: {مُبَارَكاً} أي: وضع مباركاً {وَهُدًى لِّلْعَـٰلَمِينَ} وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: «حديث : المسجد الحرام»تفسير : . قلت: ثم أي؟ قال: «حديث : المسجد الأقصى»تفسير : . قلت: كم بينهما؟ قال: «حديث : أربعون سنة»تفسير : . قلت: ثم أي؟ قال: «حديث : ثم حيث أدركتَ الصلاة فصل، فكلها مسجد» تفسير : وأخرجه البخاري ومسلم من حديث الأعمش به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا سعيد بن سليمان، عن شريك، عن مجالد، عن الشعبي، عن علي رضي الله عنه في قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً} قال: كانت البيوت قبله، ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله. وحدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة، قال: قام رجل إلى علي رضي الله عنه، فقال: ألا تحدثني عن البيت، أهو أول بيت وضع في الأرض؟ قال: لا، ولكنه أول بيت وضع فيه البركة مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمناً، وذكر تمام الخبر في كيفية بناء إبراهيم البيت، وقد ذكرنا ذلك مستقصى في أول سورة البقرة، فأغنى عن إعادته هنا. وزعم السدي أنه أول بيت وضع على وجه الأرض مطلقاً، والصحيح قول علي رضي الله عنه. فأما الحديث الذي رواه البيهقي في بناء الكعبة في كتابه دلائل النبوة من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً: «حديث : بعث الله جبريل إلى آدم وحواء، فأمرهما ببناء الكعبة، فبناه آدم، ثم أمر بالطواف به، وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول بيت وضع للناس» تفسير : فإنه كما ترى من مفردات ابن لهيعة، وهو ضعيف. والأشبه، والله أعلم، أن يكون هذا موقوفاً على عبد الله بن عمرو، ويكون من الزاملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك من كلام أهل الكتاب. وقوله تعالى: {لَلَّذِى بِبَكَّةَ} بكة من أسماء مكة على المشهور، قيل: سميت بذلك لأنها تبك أعناق الظلمة والجبابرة، بمعنى أنهم يذلون بها، ويخضعون عندها. وقيل: لأن الناس يتباكون فيها، أي: يزدحمون. قال قتادة: إن الله بك به الناس جميعاً، فيصلي النساء أمام الرجال، ولا يفعل ذلك ببلد غيرها، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعمرو بن شعيب ومقاتل بن حيان. وذكر حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: مكة من الفج إلى التنعيم، وبكة من البيت إلى البطحاء. وقال شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم: بكة: البيت والمسجد، وكذا قال الزهري. وقال عكرمة، في رواية، وميمون بن مهران: البيت وما حوله بكة، وما وراء ذلك مكة. وقال أبو صالح وإبراهيم النخعي وعطية العوفي ومقاتل بن حيان: بكة: موضع البيت، وما سوى ذلك مكة، وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة: مكة، وبكة، والبيت العتيق، والبيت الحرام، والبلد الأمين، والمأمون، وأم رحم، وأم القرى، وصلاح، والعرش على وزن بدر، والقادس؛ لأنها تطهر من الذنوب، والمقدسة، والناسة بالنون، وبالباء أيضاً، والحاطمة، والنسَّاسة، والرأس، وكوثاء، والبلدة، والبنية، والكعبة. وقوله تعالى: {فِيهِ ءَايَـٰتٌ بَيِّـنَـٰتٌ} أي: دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم، وأن الله عظمه وشرفه، ثم قال تعالى: {مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ} يعني الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه، ويناوله ولده إسماعيل، وقد كان ملتصقاً بجدار البيت حتى أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطواف منه، ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف؛ لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال: {أية : وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِيمَ مُصَلًّى} تفسير : [البقرة: 125] وقد قدمنا الأحاديث في ذلك، فأغنى عن إعادتها ههنا، و لله الحمد والمنة. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {فِيهِ ءَايَـٰتٌ بَيِّـنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ} أي: فمنهنَّ مقام إبراهيم والمشْعَر. وقال مجاهد: أثر قدميه في المقام آية بينة، وكذا روي عن عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وغيرهم، وقال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة:شعر : ومَوْطِىءُ إبراهيمَ في الصَّخْرِ رَطْبَةٌ على قَدَمَيْه حافِياً غَيْرَ ناعِلِ تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد وعمرو الأودي، قالا: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ} قال: الحرم كله مقام إبراهيم، ولفظ عمرو: الحجر كله مقام إبراهيم، وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: الحج مقام إبراهيم، هكذا رأيته في النسخة، ولعله: الحجر كله مقام إبراهيم، وقد صرح بذلك مجاهد. وقوله تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً} يعني: حرم مكة، إذا دخله الخائف، يأمن من كل سوء، وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية، كما قال الحسن البصري وغيره: كان الرجل يقتل، فيضع في عنقه صوفة، ويدخل الحرم، فيلقاه ابن المقتول، فلا يهيجه حتى يخرج. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى التَّيْمي، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً} قال: من عاذ بالبيت، أعاذه البيت، ولكن لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى، فإذا خرج أخذ بذنبه، وقال الله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمًْ} تفسير : [العنكبوت: 67] الآية، وقال تعالى: {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍِ} تفسير : [قريش: 3 ـ 4] وحتى إنه من جملة تحريمها حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره، وحرمة قطع شجرها وقلع حشيشها، كما ثبتت الأحاديث والآثار في ذلك عن جماعة من الصحابة مرفوعاً وموقوفاً. ففي الصحيحين، واللفظ لمسلم، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم فتح مكة: «حديث : لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» تفسير : وقال يوم الفتح فتح مكة: «حديث : إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله، إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها» تفسير : فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر؛ فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال: «حديث : إلا الإذخر»تفسير : ، ولهما عن أبي هريرة مثله، أو نحوه، ولهما، واللفظ لمسلم أيضاً، عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد، وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولاً قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به، إنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «حديث : إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، فقولوا له: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب»تفسير : . فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصياً، ولا فاراً بدم، ولا فاراً بخَزْية. وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «حديث : لا يحل لأحدكم أن يحمل السلاح بمكة» تفسير : رواه مسلم. وعن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو واقف بالحَزْوَرَة بسوق مكة، يقول: «حديث : والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت»تفسير : . رواه الإمام أحمد، وهذا لفظه، والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح، وكذا صَحَّح من حديث ابن عباس نحوه، وروى أحمد عن أبي هريرة نحوه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا بشر بن آدم ابن بنت أزهر السمان، حدثنا أبو عاصم، عن زريق بن مسلم الأعمى مولى بني مخزوم، حدثني زياد بن أبي عياش، عن يحيى بن جعدة بن هبيرة في قوله تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً} قال: آمناً من النار. وفي معنى هذا القول الحديث الذي رواه البيهقي: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، حدثنا أحمد بن عبيد، حدثنا محمد بن سليمان الواسطي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا ابن المؤمل عن ابن محيصن، عن عطاء، عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من دخل البيت دخل في حسنة، وخرج من سيئة، وخرج مغفوراً له» تفسير : ثم قال: تفرد به عبد الله بن المؤمل، وليس بالقوي. وقوله: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} هذه آية وجوب الحج عند الجمهور. وقيل: بل هي قوله: {أية : وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ} تفسير : [البقرة: 196]، والأول أظهر. وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعاً ضرورياً، وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنص والإجماع. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا الربيع بن مسلم القرشي، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «حديث : أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا» تفسير : فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم» تفسير : ثم قال: «حديث : ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، وإذا أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء، فدعوه»تفسير : ، ورواه مسلم عن زهير بن حرب عن يزيد بن هارون به نحوه. وقد روى سفيان بن حسين، وسليمان ابن كثير، وعبد الجليل بن حميد، ومحمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن أبي سنان الدؤلي، واسمه يزيد بن أمية، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج» تفسير : فقام الأقرع بن حابس، فقال: يا رسول الله أفي كل عام؟ فقال: «حديث : لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، ولم تستطيعوا أن تعملوا بها، الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع» تفسير : رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، والحاكم من حديث الزهري به، ورواه شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس بنحوه. وروي من حديث أسامة بن زيد. قال الإمام أحمد: حدثنا منصور بن وردان عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن أبيه، عن أبي البَخْتَري، عن علي رضي الله عنه، قال: لما نزلت: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ فسكت، قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ قال: «حديث : لا، ولو قلت: نعم، لوجبت»تفسير : ، فأنزل الله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} تفسير : [المائدة: 101] وكذا رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث منصور بن وردان به، ثم قال الترمذي: حسن غريب، وفيما قال نظر؛ لأن البخاري قال: لم يسمع أبو البختري من علي. وقال ابن ماجه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا محمد بن أبي عبيدة عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك، قال: قالوا: يا رسول الله، الحج في كل عام؟ قال: «حديث : لو قلت: نعم، لوجبت، ولو وجبت، لم تقوموا بها، ولو لم تقوموا بها، لعذبتم»تفسير : . وفي الصحيحين من حديث ابن جريج عن عطاء، عن جابر، عن سراقة بن مالك، قال: يا رسول الله، متعتنا هذه لعامنا هذا، أم للأبد؟ قال: «حديث : لا، بل للأبد»تفسير : . وفي رواية: «حديث : بل لأبد الأبد».تفسير : وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود من حديث واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لنسائه في حجته هذه: «هذه ثم ظهور الحصر ـ يعني ثم الزمن ظهور الحصر ـ ولا تخرجن من البيوت» وأما الاستطاعة فأقسام: تارة يكون الشخص مستطيعاً بنفسه، وتارة بغيره؛ كما هو مقرر في كتب الأحكام، قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا إبراهيم بن يزيد، قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يحدث عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قام رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من الحاج يا رسول الله؟ قال: «حديث : الشعث التفل»تفسير : ، فقام آخر فقال: أي الحج أفضل يا رسول الله؟ قال: «حديث : العج والثج»تفسير : ، فقام آخر فقال: ما السبيل يا رسول الله؟ قال: «حديث : الزاد والراحلة»تفسير : ، وهكذا رواه ابن ماجه من حديث إبراهيم بن يزيد، وهو الخوزي، قال الترمذي: ولا نعرفه إلا من حديثه، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، كذا قال ههنا، وقال في كتاب الحج: هذا حديث حسن. لا يشك أن هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات سوى الخوزي هذا، وقد تكلموا فيه من أجل هذا الحديث، لكن قد تابعه غيره، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله العامري، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، عن محمد بن عباد بن جعفر، قال: جلست إلى عبد الله بن عمر، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: ما السبيل؟ قال: «حديث : الزاد والراحلة» تفسير : وهكذا رواه ابن مردويه من رواية محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، به، ثم قال ابن أبي حاتم: وقد روي عن ابن عباس وأنس والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة، نحو ذلك، وقد روي هذا الحديث من طرق أخرى من حديث أنس وعبد الله بن عباس وابن مسعود وعائشة، كلها مرفوعة، ولكن في أسانيدها مقال؛ كما هو مقرر في كتاب الأحكام، والله أعلم. وقد اعتنى الحافظ أبو بكر بن مردويه بجمع طرق هذا الحديث، ورواه الحاكم من حديث قتادة عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سئل عن قول الله عز وجل: {مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} فقيل: ما السبيل؟ قال: «حديث : الزاد والراحلة»تفسير : ، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية عن يونس، عن الحسن، قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} فقالوا: يا رسول الله، ما السبيل؟ قال: «حديث : الزاد والراحلة»تفسير : ، ورواه وكيع في تفسيره عن سفيان، عن يونس به. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا الثوري، عن إسماعيل، وهو أبو إسرائيل الملائي، عن فضيل، يعني ابن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : تعجلوا إلى الحج ـ يعني: الفريضة ـ فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له»تفسير : . وقال أحمد أيضاً: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي، عن مهران بن أبي صفوان، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من أراد الحج فليتعجل» تفسير : ورواه أبو داود عن مسدد عن أبي معاوية الضرير، به. وقد روى ابن جبير عن ابن عباس في قوله: {مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} قال: من ملك ثلثمائة درهم، فقد استطاع إليه سبيلاً، وعن عكرمة مولاه أنه قال: السبيل: الصحة، وروى وكيع بن الجراح عن أبي جناب، يعني: الكلبي، عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس، قال: {مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} قال: «حديث : الزاد والبعير» تفسير : وقوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: أي: ومن جحد فريضة الحج، فقد كفر، والله غني عنه. وقال سعيد بن منصور عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة، قال: لما نزلت: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} تفسير : [آل عمران: 85] قالت اليهود: فنحن مسلمون، قال الله عز وجل: فاخْصِمهم فحجهم، يعني: فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله فرض على المسلمين حج البيت من استطاع إليه سبيلاً» تفسير : فقالوا: لم يكتب علينا، وأبوا أن يحجوا، قال الله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ} وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد نحوه. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود، حدثنا مسلم بن إبراهيم، وشاذ بن فياض، قالا: حدثنا هلال أبو هاشم الخراساني، حدثنا أبو إسحاق الهمداني عن الحارث، عن علي رضي الله عنه،قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من ملك زاداً وراحلة، ولم يحج بيت الله، فلا يضره مات يهودياً أو نصرانياً، ذلك بأن الله قال: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ}»تفسير : ورواه ابن جرير من حديث مسلم بن إبراهيم به، وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي زرعة الرازي: حدثنا هلال بن فياض، حدثنا هلال أبو هاشم الخراساني، فذكره بإسناده مثله، ورواه الترمذي عن محمد بن يحيى القطعي عن مسلم بن إبراهيم، عن هلال بن عبد الله مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي به، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، وهلال مجهول، والحارث يضعف في الحديث. وقال البخاري: هلال هذا منكر الحديث. وقال ابن عدي: هذا الحديث ليس بمحفوظ. وقد روى أبو بكر الإسماعيلي الحافظ من حديث أبي عمرو الأوزاعي: حدثني إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، حدثني عبد الرحمن بن غنم: أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: من أطاق الحج فلم يحج، فسواء عليه يهودياً مات أو نصرانياً، وهذا إسناد صحيح إلى عمر رضي الله عنه. وروى سعيد بن منصور في سننه عن الحسن البصري، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار، فينظروا كل من كان له جدة، فلم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل لما قالوا قبلتنا قبل قبلتكم:{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ } مُتَعَبِّدَاً {لِلنَّاسِ } في الأرض {لَلَّذِى بِبَكَّةَ } بالباء لغة في (مكة). سميت بذلك لأنها تَبُكُّ أعناق الجبابرة أي تدقها، بناه الملائكة قبل خلق آدم، ووضع بعده الأقصى وبينهما أربعون سنة كما في حديث الصحيحين وفي حديث « حديث : أنَّه أول ما ظهر على وجه الماء عند خلق السموات والأرض زبدة بيضاء فدحيت الأرض من تحته » تفسير : {مُبَارَكاً } حال من (الذي) أي ذا بركة {وَهُدًى لِّلْعَٰلَمِينَ } لأنه قبلتهم.
الشوكاني
تفسير : هذا شروع في بيان شيء آخر مما جادلت فيه اليهود بالباطل، وذلك أنهم قالوا: إن بيت المقدس أفضل، وأعظم من الكعبة لكونه مهاجر الأنبياء، وفي الأرض المقدسة فردّ الله ذلك عليهم بقوله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } الآية، فقوله: {وُضِعَ } صفة لبيت، وخبر "إن" قوله: {لَلَّذِى بِبَكَّةَ مباركاً} فنبه تعالى بكونه أول متعبد على أنه أفضل من غيره، وقد اختلف في الباني له في الابتداء، فقيل: الملائكة، وقيل: آدم، وقيل: إبراهيم، ويجمع بين ذلك بأول من بناه الملائكة، ثم جدده آدم، ثم إبراهيم. وبكة علم للبلد الحرام، وكذا مكة، وهما لغتان، وقيل: إن بكة؛ اسم لموضع البيت، ومكة اسم للبلد الحرام؛ وقيل: بكة للمسجد، ومكة للحرم كله؛ قيل: سميت بكة لازدحام الناس في الطواف، يقال: بك القوم: ازدحموا. وقيل: البك: دق العنق، سميت بذلك؛ لأنها كانت تدق أعناق الجبابرة. وأما تسميتها بمكة، فقيل: سميت بذلك لقلة ما بها؛ وقيل: لأنها تمك المخ من العظم بما ينال ساكنها من المشقة، ومنه مككت العظم: إذا أخرجت ما فيه، ومك الفصيل ضرع أمه، وامكته: إذا امتصه؛ وقيل: سميت بذلك؛ لأنها تمك من ظلم فيها، أي: تهلكه. قوله: {مُبَارَكاً } حال من الضمير في {وضع} أو من متعلق الظرف؛ لأن التقدير للذي استقر ببكة مباركاً، والبركة: كثرة الخير الحاصل لمن يستقر فيه، أو يقصده، أي: الثواب المتضاعف. والآيات البينات الواضحات: منها الصفا، والمروة، ومنها أثر القدم في الصخرة الصماء، ومنها أن الغيث إذا كان بناحية الركن اليماني كان الخصب في اليمن، وإن كان بناحية الشامي كان الخصب بالشام، وإذا عمّ البيت كان الخصب في جميع البلدان، ومنها انحراف الطيور، عن أن تمر على هوائه في جميع الأزمان، ومنها هلاك من يقصده من الجبابرة، وغير ذلك. وقوله: {مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ } بدل من آيات قاله محمد بن يزيد المبرد. وقال في الكشاف: إنه عطف بيان. وقال الأخفش: إنه مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير منها مقام إبراهيم؛ وقيل: هو خبر مبتدأ محذوف أي: هي مقام إبراهيم، وقد استشكل صاحب الكشاف بيان الآيات، وهي: جمع بالمقام، وهو: فرد، وأجاب بأن المقام جعل، وحده بمنزلة آيات لقوّة شأنه، أو بأنه مشتمل على آيات، قال: ويجوز أن يراد فيه آيات بينات مقام إبراهيم، وأمن من دخله؛ لأن الإثنين نوع من الجمع. قوله: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً } جملة مستأنفة لبيان حكم من أحكام الحرم، وهو: أن من دخله كان آمناً، وبه استدل من قال: إن من لجأ إلى الحرم، وقد وجب عليه حدّ من الحدود، فإنه لا يقام عليه الحدّ حتى يخرج منه، وهو قول أبي حنيفة، ومن تابعه، وخالفه الجمهور، فقالوا: تقام عليه الحدود في الحرم. وقد قال جماعة: إن الآية خبر في معنى الأمر، أي: ومن دخله، فأمنوه كقوله: {أية : فلا رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ }تفسير : [البقرة: 197] أي: لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا. قوله: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } اللام في قوله: {لِلَّهِ } هي التي يقال لها: لام الإيجاب، والإلزام، ثم زاد هذا المعنى تأكيداً حرف "عَلَىٰ" فإنه من أوضح الدلالات على الوجوب عند العرب، كما إذا قال القائل لفلان عليّ كذا، فذكر الله سبحانه الحج بأبلغ ما يدل على الوجوب تأكيداً لحقه، وتعظيماً لحرمته، وهذا الخطاب شامل لجميع الناس لا يخرج عنه إلا من خصصه الدليل كالصبي، والعبد. وقوله: {مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } في محل جرّ على أنه بدل بعض من الناس. وبه قال أكثر النحويين. وأجاز الكسائي أن يكون في موضع رفع بحج. والتقدير: أن يحج البيت من استطاع إليه سبيلاً، وقيل: إن "من" حرف شرط، والجزاء محذوف، أي: من استطاع إليه سبيلاً فعليه الحج. وقد اختلف أهل العلم في الاستطاعة ماذا هي؟ فقيل الزاد، والراحلة، وإليه ذهب جماعة من الصحابة، وحكاه الترمذي، عن أكثر أهل العلم، وهو: الحق. قال مالك: إن الرجل إذا وثق بقوّته لزمه الحج، وإن لم يكن له زاد، وراحلة إذا كان يقدر على التكسب، وبه قال عبد الله بن الزبير، والشعبي، وعكرمة. وقال الضحاك: إن كان شاباً قوياً صحيحاً، وليس له مال فعليه أن يؤاجر نفسه حتى يقضي حجه، ومن جملة ما يدخل في الاستطاعة دخولاً أوليا أن تكون الطريق إلى الحج آمنة، بحيث يأمن الحاج على نفسه، وماله الذي لا يجد زاداً غيره، أما لو كانت غير آمنة، فلا استطاعة؛ لأن الله سبحانه يقول: {مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } وهذا الخائف على نفسه، أو ماله لم يستطع إليه سبيلاً بلا شك، ولا شبهة. وقد اختلف أهل العلم إذا كان في الطريق من الظلمة من يأخذ بعض الأموال على وجه لا يجحف بزاد الحاج. فقال الشافعي: لا يعطى حبة، ويسقط عنه فرض الحج ووافقه جماعة، وخالفه آخرون. والظاهر أن من تمكن من الزاد، والراحلة، وكانت الطريق آمنة بحيث يتمكن من مرورها، ولو بمصانعة بعض الظلمة بدفع شيء من المال يتمكن منه الحاج، ولا ينقص من زاده، ولا يجحف به، فالحج غير ساقط عنه بل واجب عليه؛ لأنه قد استطاع السبيل بدفع شيء من المال، ولكنه يكون هذا المال المدفوع في الطريق من جملة ما تتوقف عليه الاستطاعة، فلو وجد الرجل زاداً، وراحلة، ولم يجد ما يدفعه لمن يأخذ المكس في الطريق لم يجب عليه الحج؛ لأنه لم يستطع إليه سبيلاً، وهذا لا بد منه، ولا ينافي تفسير الاستطاعة بالزاد، والراحلة، فإنه قد تعذر المرور في طريق الحج لمن وجد الزاد، والراحلة إلا بذلك القدر الذي يأخذه المكاسون، ولعل وجه قول الشافعي: إنه سقط الحج، أن أخذ هذا المكس منكر، فلا يجب على الحاج أن يدخل في منكر، وأنه بذلك غير مستطيع. ومن جملة ما يدخل في الاستطاعة أن يكون الحاج صحيح البدن على وجه يمكنه الركوب، فلو كان زمِناً بحيث لا يقدر على المشي، ولا على الركوب فهذا، وإن وجد الزاد، والراحلة، فهو لم يستطع السبيل. قوله: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ } قيل: إنه عبر بلفظ الكفر عن ترك الحج؛ تأكيداً لوجوبه، وتشديداً على تاركه، وقيل: المعنى: ومن كفر بفرض الحج، ولم يره واجباً، وقيل: إن من ترك الحج، وهو قادر عليه، فهو كافر. وفي قوله: {فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ } من الدلالة على مقت تارك الحج مع الاستطاعة، وخذلانه، وبعده من الله سبحانه ما يتعاظمه سامعه، ويرجف له قلبه، فإن الله سبحانه إنما شرع لعباده هذه الشرائع لنفعهم، ومصلحتهم، وهو: تعالى شأنه، وتقدس سلطانه غني لا تعود إليه طاعات عباده بأسرها بنفع. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن علي بن أبي طالب في قوله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ...} الآية، قال: كانت البيوت قبله، ولكنه كان أوّل بيت وضع لعبادة الله. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن أبي ذر قال: «قلت يا رسول الله: أي مسجد وضع أوّل؟ قال: حديث : المسجد الحرام، تفسير : قلت: ثم أي؟ قال:حديث : المسجد الأقصى، تفسير : قلت: كم بينهما؟ قال: حديث : أربعون سنة»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في الشعب، عن ابن عمر، قال: «خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان إذ كان عرشه على الماء زَبْدةً بَيْضاءَ، وكانت الأرض تحته، كأنها حشفة فدحيت الأرض من تحته». وأخرج نحوه ابن المنذر، عن أبي هريرة. وأخرج ابن المنذر، والأزرقي، عن ابن جريج قال: بلغنا أن اليهود قالت بيت المقدس أعظم من الكعبة؛ لأنه مهاجر الأنبياء، ولأنه في الأرض المقدسة، فقال المسلمون: بل الكعبة أعظم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ } الآية إلى قوله: {فِيهِ ءايَـٰتٌ بَيّـنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرٰهِيمَ } وليس ذلك في بيت المقدس: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً } وليس ذلك في بيت المقدس: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } وليس ذلك في بيت المقدس. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن عبد الله بن الزبير قال: إنما سميت بكة؛ لأن الناس يجيئون إليها من كل جانب حجاجاً. وروى سعيد بن منصور، وابن جرير، والبيهقي، عن مجاهد: إنما سميت بكة؛ لأن الناس يتباكون فيها، أي: يزدحمون. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيان، في قوله: {مُبَارَكاً } قال: جعل فيه الخير، والبركة: {وَهُدىً لّلْعَـٰلَمِينَ } يعني: بالهدى قبلتهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس: {فِيهِ ءايَـٰتٌ بَيّـنَـٰتٌ } فمنهن مقام إبراهيم، والمشعر. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن الحسن في قوله: {فِيهِ ءايَـٰتٌ بَيّـنَـٰتٌ } قال: مقام إبراهيم: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ }. وأخرج الأزرقي، عن زيد بن أسلم نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً } قال: كان هذا في الجاهلية، كان الرجل لو جرَّ كل جريرة على نفسه، ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول، ولم يطلب، فأما في الإسلام، فإنه لا يمنع من حدود الله، من سرق فيه قطع، ومن زنى فيه أقيم عليه الحدّ، ومن قتل فيه قتل. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، والأزرقي، عن عمر بن الخطاب قال: لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً } قال: من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يؤوى، ولا يطعم، ولا يسقى، فإذا خرج أخذ بذنبه. وقد روي عنه هذا المعنى من طرق. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عنه قال: لو وجدت قاتل أبي في الحرم لم أعرض له. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن ابن عمر قال: لو وجدت قاتل أبي في الحرم ما هِجْتهُ. وأخرج الشيخان، وغيرهما، عن أبي شريح العدوي قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح فقال: «حديث : إن مكة حرّمها الله، ولم يحرّمها الناس، فلا يحلّ لامريء يؤمن بالله، واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم، كحرمتها أمس»تفسير : . وأخرج الدارقطني، والحاكم وصححه، عن أنس: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله: {مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } فقيل: ما السبيل؟ قال: حديث : الزاد، والراحلة»تفسير : . وأخرج الشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عدي، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عمر مرفوعاً: أنه قام رجل، فقال: ما السبيل؟ فقال: حديث : الزاد، والراحلة. تفسير : وأخرج الدارقطني، والبيهقي في سننهما من طريق الحسن، عن أمه، عن عائشة قالت: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما السبيل إلى الحج؟ قال: حديث : الزاد، والراحلة»تفسير : . وأخرج الدارقطني في سننه، عن ابن مسعود مرفوعاً مثله. وأخرج الدارقطني، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه مرفوعاً مثله. وأخرج الدارقطني، عن جابر مرفوعاً مثله. وقد روى هذا الحديث من طرق أقلّ أحواله أن يكون حسناً لغيره، فلا يضره ما وقع من الكلام على بعض طرقه، كما هو معروف. وأخرج الدارقطني، عن علي مرفوعاً في الآية: «أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: حديث : تجد ظهر بعير»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، عن عمر بن الخطاب في قوله: {مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } قال: الزاد، والراحلة، وأخرجا عن ابن عباس مثله. وأخرجه عنه مرفوعاً ابن ماجه، والطبراني، وابن مردويه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي عنه قال: السبيل أن يصح بدن العبد، ويكون له ثمن زاد، وراحلة من غير أن يجحف به. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، عنه قال: {سَبِيلاً } من وجد إليه سعة، ولم يحل بينه، وبينه. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن عبد الله بن الزبير قال: الاستطاعة: القوّة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، عن النخعي قال: إن المحرم للمرأة من السبيل الذي قال الله. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم النهي للمرأة أن تسافر بغير ذي محرم. واختلفت الأحاديث في قدر المدة، ففي لفظ ثلاثة أيام، وفي لفظ يوم وليلة، وفي لفظ بريد. وقد وردت أحاديث في تشديد الوعيد على من ملك زاداً، وراحلة، ولم يحج. فأخرج الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من ملك زاداً، وراحلة تبلغه إلى بيت الله، ولم يحج بيت الله، فلا عليه بأن يموت يهودياً، أو نصرانياً»تفسير : وذلك بأن الله يقول: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ }. وفي إسناده هلال الخراساني أبو هاشم. قال البخاري: منكر الحديث. وقيل: مجهول. وقال ابن عدي: هذا الحديث ليس بمحفوظ وفي إسناده أيضاً الحارث الأعور، وفيه ضعف. وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد في كتاب الإيمان، وأبو يعلى، والبيهقي، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من مات، ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه مرض حابس، أو سلطان جائر، أو حاجة ظاهرة، فليمت على أيّ حال شاء يهودياً، أو نصرانياً»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن سابط مرفوعاً مرسلاً مثله. وأخرج سعيد بن منصور. قال السيوطي بسند صحيح، عن عمر بن الخطاب قال: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار، فلينظروا كل من كان له جدة، ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين. وأخرج الإسماعيلي عنه يقول: «حديث : من أطاق الحج، ولم يحج، فسواء عليه يهودياً مات، أو نصرانياً» تفسير : قال ابن كثير بعد أن ساق إسناده: وهذا إسناد صحيح. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، عنه نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر: «من مات، وهو موسر، ولم يحج جاء يوم القيامة، وبين عينيه مكتوب كافر». وأخرج سعيد بن منصور، عنه «من وجد إلى الحج سبيلاً سنة، ثم سنة، ثم سنة ثم مات، ولم يحج لم يصلّ عليه، ولا يدري مات يهودياً، أو نصرانياً». وأخرج سعيد بن منصور، عن عمر بن الخطاب، قال: لو ترك الناس الحج لقاتلتهم عليه، كما نقاتلهم على الصلاة، والزكاة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عن العالمين} قال: من زعم أنه ليس بفرض عليه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس في الآية قال: من كفر بالحج، فلم يرجحه براً، ولا تركه مأثماً. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في سننه، عن عكرمة قال: لما نزلت: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا } تفسير : [آل عمران: 85] قالت اليهود: فنحن مسلمون، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : إن الله فرض على المسلمين حج البيت، تفسير : فقالوا: لم يكتب علينا، وأبوا أن يحجوا، قال الله: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ }». وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن عكرمة نحوه. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن الضحاك قال: «لما نزلت آية الحج {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } الآية، جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الملل مشركي العرب، والنصارى، واليهود، والمجوس، والصابئين، فقال: حديث : إن الله فرض عليكم الحج، فحجوا البيت، تفسير : فلم يقبله إلا المسلمون، وكفرت به خمس ملل، قالوا: لا نؤمن به، ولا نصلي إليه، ولا نستقبله، فأنزل الله: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ }» «وأخرج عبد بن حميد، والبيهقي في سننه، عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن أبي داود نفيع قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } الآية، فقام رجل من هذيل فقال: يا رسول الله من تركه كفر؟ فقال: حديث : من تركه لا يخاف عقوبته، ومن حج لا يرجو ثوابه، فهو ذاك»تفسير : . وأخرج ابن جرير، عن عطاء بن أبي رباح في الآية قال: من كفر بالبيت. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله: {وَمَن كَفَرَ } قال: حديث : من كفر بالله، واليوم الآخر.تفسير : وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد مثله من قوله. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد أنه سئل عن ذلك، فقرأ: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } إلى قوله: {سَبِيلاً } ثم قال: {وَمَن كَفَرَ } بهذه الآيات. وأخرج ابن المنذر، عن ابن مسعود في الآية قال: {وَمَن كَفَرَ } فلم يؤمن به: فهو الكافر.
الماوردي
تفسير : {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً} لا اختلاف بين أهل التفسير أنه أول بيت وضع للعبادة، وإنما اختلفوا هل كان أول بيت وضع لغيرها على قولين: أحدهما: أنه قد كانت قْبْله بيوت كثيرة، وهو قول الحسن. والثاني: أنه لم يوضع قبله بيت، وهذا قول مجاهد، وقتادة. وفي {بَكَّة} ثلاثة أقاويل: أحدها: أن بكة المسجد، ومكة: الحرم كله، وهذا قول ابن شهاب، وضمرة بن ربيعة. والثاني: أن بكة هي مكة، وهو قول أبي عبيدة. والثالث: أن بكة موضع البيت، ومكة غيره في الموضع يريد القرية، وروي ذلك عن مالك. وفي المأخوذ منه بكة قولان: أحدهما: أنه مأخوذ من الزحمة، يقال تَبَاّك القوم بعضهم بعضاً إذا ازدحموا، فبكة مُزْدَحَمُ الناس للطواف. والقول الثاني: أنها سميت بكة، لأنها تَبُكُّ أعناق الجبابرة، إذ ألحدواْ فيها بظلم لم يهملواْ. وفي قوله: {مُبَارَكاً} تأويلان: أحدهما: أن بركته ما يستحق من ثواب القصد إليه. والثاني: أنه آمن لمن دخله حتى الوحش، فيجتمع فيه الصيد والكلب. {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} الآية في مقام إبراهيم أثر قدميه وهو حجر صلد؟ والآية في غير المقام: أمن الخائف، وهيبة البيت وامتناعه من العلو عليه، وتعجيل العقوبة لمن عتا فيه، وما كان في الجاهلية من أصحاب الفيل. {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} معناه أنه عطَّف عليه قلوب العرب في الجاهلية فكان الجاني إذا دخله أمِنَ. وأما في الإسلام ففيه قولان: أحدهما: أنه من النار، وهذا قول يحيى بن جعدة. والثاني: من القتال بحظر الإيجال على داخليه، وأما الحدود فتقام على من جنى فيه. واختلفواْ في الجاني إذ دخله في إقامة الحد عليه فيه قولان: أحدهما: تقام عليه، وهو مذهب الشافعي. والثاني: لا تقاوم حتى يُلجأ إلى الخروج منه، وهو مذهب أبي حنيفة. {وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلاً} وفي الاستطاعة ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها بالمال، وهي الزاد والراحلة، وهو قول الشافعي. والثاني: أنها بالبدن، وهو قول مالك. والثالث: أنها بالمال والبدن، وهو قول أبي حنيفة. {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} وفيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني [من كفر] بفرض الحج فلم يره واجباً، وهو قول ابن عباس. والثاني: هو لا يرى حَجَّهُ براً ولا تركه مأثماً، وهو قول زيد بن أسلم. والثالث: اليهود، لأنه لما نزل قوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنهُ} فقالواْ نحن مسلمون فأُمِرُوا بالحج فلم يحجوا، فأنزل الله هذه الآية.
ابن عبد السلام
تفسير : {أُوَّلَ بَيْتٍ} اتفقوا أنه أول بيت وضع للعبادة، وهل كانت قبله بيوت؟ أو لم تكن قبله؟ مذهبان. {بِبَكَّةَ} ومكة واحد، أو بكة المسجد، ومكة الحرم كله، أو بكة بطن مكة، أخذت بكة من الزحمة، تَبَاكَّ القوم ازدحموا، أو تَبُك أعناق الجبابرة، إذا ظلموا فيها لم يمهلوا. {مُّبَارَكاً} بحصول الثواب لقاصده، أو يأمن داخله حتى الوحش.
ابن عادل
تفسير : في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه: الأول: أن المرادَ منه: الجواب عن شبهةٍ أخْرَى من شُبَهِ اليهود في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لمَّا حُوِّل إلى الكعبةِ، طَعَنَ اليهودُ في نبوَّتِهِ، وقالوا: إنَّ بيتَ المقدس أفضل من الكعبة وأحق بالاستقبال؛ لأنه وُضِع قبل الكعبة، وهو أرضُ المحشَر، وقبلةُ جُملة الأنبياء، وإذا كان كذلك فتحويل القبلةِ منه إلى الكعبة باطل، وأجابهم الله بقوله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} هو الكعبة، فكان جَعْلُه قِبْلَةً أوْلَى. الثاني: أن المقصود من الآيةِ المتقدمةِ بيان النسخ، هل يجوز أم لا؟ واستدلَّ - عليه السلام - على جوازه، بأن الأطعمة كانت مُباحةً لبني إسرائيلَ، ثم إن الله تعالى حرَّم بعضَها، والقوم نازعوه فيه، وأعظم الأمور التي أظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم نسخه هو القبلة، فذكر الله - في هذه الآيات - بيان ما لأجله حُوِّلَت القبلة إلى الكعبة، وهو كَوْنُ الكعبة أفضلَ من غيرها. الثالث: أنه - تعالى - لما قال في الآية المتقدمةِ: {أية : فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [آل عمران: 95]، وكان من أعظم شعائر ملة إبراهيمَ الحَجُّ - ذكر في هذه الآية فضل البيت؛ ليُفَرِّعَ عليه إيجابَ الحَجِّ. الرابع: أنه لما تقدَّم مناظرة اليهود والنصارى، وزعموا أنهم على ملة إبراهيم، فبيّن الله كذبهم في هذه الآية من حيث إن حَجَّ الكعبةِ كان ملةَ إبراهيمَ، وهم لا يَحُجُّون، فدل ذلك على كذِبهم. قوله: {وُضِعَ لِلنَّاسِ} هذه الجملة في موضع خفض؛ صفة لـ "بَيْتٍ". وقرأ العامة "وُضِعَ" مبنيًّا للمفعول. وعكرمة وابن السميفع "وضَعَ" مبنيًّا للفاعل. وفي فاعله قولان: أحدهما: - وهو الأظهر - أنه ضمير إبراهيم؛ لتقدُّم ذِكْرِه؛ ولأنه مشهور بعمارته. والثاني: أنه ضمير الباري تعالى، و "لِلنَّاسٍ" متعلق بالفعل قبله، واللام فيه للعلة. و"للذي" بِبَكَّة" خبر "إنَّ" وأخبر - هنا - بالمعرفة - وهو الموصول - عن النكرة - وهو "أول بَيْتٍ" - لتخصيص النكرة بشيئين: الإضافة، والوصف بالجملة بعده، وهو جائز في باب "إن"، ومن عبارة سيبويه: إن قريباً منك زيدٌ، لما تخصص "قريباً" بوصفه بالجار بعده ساغ ما ذكرناه، وزاده حُسْناً - هنا - كونه اسماً لـ "إنَّ"، وقد جاءت النكرة اسماً لـ "إنَّ" - وإن لم يكن تخصيص - كقوله: [الطويل] شعر : 1538- وَإنَّ حَرَاماً أن أسُبَّ مُجَاشِعاً بِآبَائِيَ الشُّمِّ الْكِرَامِ الخَضَارِمِ تفسير : وببكة صلة، و الباء فيه ظرفية، أي: في مكة. وبكة فيها أربعة أوجه: أحدها: أنها مرادفة لـ "مكة" فأبدلت ميمها باءً، قالوا: والعرب تُعَاقِب بين الباء والميم في مواضع، قالوا: هذا على ضربة لازم، ولازب، وهذا أمر راتب، وراتم، والنبيط والنميط وسبد رأسه وسمَدَها، وأغبطت الحمى، وأغمطت. وقيل: إنها اسم لبطن مكة، ومكة اسم لكل البلد. وقيل: إنها اسم لمكان البيت. وقيل: إنها اسم للمسجد نفسه، وأيدوا هذا بأن التباكّ وهو: الازدحام إنما يحصل عند الطواف، يقال: تباكَّ الناسُ - أي: ازْدَحموا، ويُفْسِد هذا القولَ أن يكون الشيء ظرفاً لنفسه، كذا قال بعضهم، وهو فاسد، لأن البيت في المسجد حقيقةً. وقال الأكثرون: بكة: اسم للمسجد والمطاف، ومكة: اسم البلد، لقوله تعالى: {لَلَّذِي بِبَكَّةَ} فدل على أن البيت مظروف في بكة، فلو كان بكة اسماً للبيت لبطل كون بكةَ ظرفاً له. وسميت بكة؛ لازدحام الناس، قاله مجاهد وقتادة، وهو قول محمد بن علي الباقر. وقال بعضهم: رأيت محمد بن علي الباقر يصلي، فمرت امرأة بين يديه، فذهبت أدْفَعها، فقال: دعها، فإنها سُمِّيَتْ بكةَ، لأنه يبكُّ بعضُهم بعضاً، تمر المرأة بين يدي الرجل وهو يصلي، والرجل بين يدي المرأة وهي تصلي، ولا بأس بذلك هنا. وقيل: لأنها تبكُّ أعناق الجبابرة - أي: تدقها. قال قطرب: تقول العرب: بَكَكْتهُ، أبُكُّهُ، بَكًّا، إذا وضعت منه. وسميت مكة - من قولهم: مَكَكْتُ المخ من العظم، إذا استقصيته ولم تترك فيه شيئاً. ومنه: مَكَّ الفصيل ما في ضَرْعِ أمِّه - إذا لم يترك فيه لبناً، ورُويَ أنه قال: "لا تُمَكِّكُوا عَلَى غُرَمَائِكُمْ". وقيل: لأنها تَمُكُّ الذنوبَ، أي: تُزيلها كلَّها. قال ابن الأنباري: وسُمِّيَتْ مكة لِقلَّةِ مائِها وزرعها، وقلة خِصْبها، فهي مأخوذة من مكَكْت العَظْم، إذا لم تترك فيه شيئاً. وقيل: لأن مَنْ ظَلَم فيها مَكَّهُ اللهُ، أي: استقصاه بالهلاك. وقيل: سُمِّيت بذلك؛ لاجتلابها الناسَ من كل جانب من الأرض، كما يقال: امتكّ الفصيلُ - إذا استقصى ما في الضَّرْع. وقال الخليل: لأنها وسط الأرض كالمخ وسط العظم. وقيل: لأن العيونَ والمياه تنبع من تحت مكة، فالأرض كلها تمك من ماء مكة، والمكوك: كأس يشرب به، ويُكال به - كـ "الصُّوَاع". قال القفال: لها أسماء كثيرة، مكة، وبكة، وأمّ رُحْم، - بضم الراء وإسكان الحاء - قال مجاهد: لأن الناس يتراحمون فيها، ويتوادَعُون - والباسَّة؛ قال الماوَرْدِي: لأنها تبس من ألْحَد فيها، أي: تُحَطِّمه وتُهْلكه، قال تعالى: {أية : وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً} تفسير : [الواقعة: 5]. ويروى: الناسَّة - بالنون - قال صاحبُ المطالع: ويقال: الناسَّة - بالنون -. قال الماوَرْدِيُّ: لأنها تنس من ألحد فيها - أي: تطرده وتَنْفِيه. ونقل الجوهري - عن الأصمعي -: النَّسّ: اليبس، يُقال: جاءنا بخُبْزَة ناسَّة، ومنه قيل لمكةَ: الناسَّة؛ لقلة مائها. والرأس، والعرش، والقادس، و المقدَّسة - من التقديس - وصَلاَحِ - بفتح الصاد وكسر الحاء - مبنيًّا على الكسر كقَطَامِ وحَذَامِ، والبلد، والحاطمة؛ لأنها تحطم من استخَفَّ بها، وأم القرى؛ لأنها أصل كل بلدة، ومنها دحيت الأرض، ولهذا المعنى تُزَار من جميع نواحي الأرض. فصل الأوَّلُ: هو الفرد السابق، فإذا قال: أوَّلُ عبد أشتريه فهو حُرّ، فلو اشترى عبدَيْن في المرة الأولى لم يُعْتَقْ واحدٌ منهما؛ لأن الأول هو الفرد، ثم لو اشترى بعد ذلك ما شاء لم يعتق؛ لأن شرط الأوَّليَّة قد عُدِمَ. إذا عُرِفَ هذا، فقوله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} لا يدل على أنه أوَّلُ بَيْتٍ خلقه الله تعالى، ولا أنه أول بيت ظهر في الأرض، بل يدل على أنه أول بيت وُضِعَ للناس، فكونه موضوعاً للناس يقتضي كونه مشتركاً فيه بين جميع الناس، وكونه مشتركاً فيه بين كل الناس، لا يحصل إلا إذا كان البيت موضعاً للطاعات، وقِبْلَةً للخلق، فدلَّت الآية على أن هذا البيت وَضَعه الله - تعالى - للطاعات والعبادات، فيدخل فيه كونه قِبْلَةً للصلوات، وموضِعاً للحجِّ. فإن قيل: كونه أولاً في هذا الوَصْف يقتضي أن يكون له ثانٍ، فهذا يقتضي أن يكون بيتُ المقدس يشاركه في هذا الصفات، التي منها وجوبُ حَجِّه، ومعلوم أنه ليس كذلك. فالجواب من وجهين: الأول: أن لفظ "الأوًّل" - في اللغة - اسم للشيء الذي يُوجَد ابتداءً، سواء حصل بعده شيء آخرُ، أو لم يحصل، يقال: هذا أول قدومي مكة، وهذا أول مال أصَبْتُه، ولو قال: أول عبدٍ أملكه فهو حُرٌّ، فملك عبداً عُتِق - وإن لم يملك بعده آخر - فكذا هنا. الثاني: أن المراد منه: أول بيت وُضِع لطاعات الناس وعباداتهم، وبيت المقدس يُشاركه في كونه موضوعاً للطاعاتِ والعباداتِ، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلاَّ لِثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِد الْحَرَامِ، والمسْجِدِ الأقْصَى، ومَسْجِدِي هَذَا"تفسير : ، وهذا القدر يكفي في صدق كَوْنِ الكعبةِ أول بيتٍ وضع للناس، فأما أن يكون بيتُ المقدسِ مشاركاً له في جميع الأمور، حتى في وجوبِ الحَجِّ، فهذا غير لازم. فصل قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ} يحتمل أن يكون المراد: أنه أول في الموضع والبناء، وأن يكون أولاً في كونه مباركاً وهُدًى، وفيه قولان للمفسرين. فعلى الأول فيه أقوال: أحدها: روى الواحدي في البسيط عن مجاهد أنه قال: خلق الله البيت قبل أن يخلقَ شيئاً من الأرضين. وفي رواية: "حديث : خَلَقَ اللهُ مَوْضِعَ هَذَا البَيْتِ قَبْلَ أنْ يَخْلُق شَيْئاً مِنَ الأرضِينَ بِألْفي سَنَةٍ، وَإنَّ قَوَاعِدَه لَفِي الأرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى ". تفسير : وروى النووي - في مناسكه - عن الأزْرَقِي - في كتاب مكة - عن مجاهد قال: إن هذا البيتَ أحد أربعة عشر بيتاً، في كل سماء بيتٌ، وفي كل أرض بيت، بعضهن مقابل بعض. وروى أيضاً عن علي بن الحُسَيْن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - عن النبي صلى الله عليه وسلم - عن الله - تعالى - قال: "حديث : إنَّ اللهَ بَعَثَ مَلاَئكةً، فَقَالَ: ابْنُوا لِي فِي الأرْضِ بَيْتاً عَلَى مِثَالِ البَيْتِ المَعْمُورِ، فبنوا له بيتاً على مثالِه، واسْمُه الضُّرَاح، وَأمَرَ اللهُ مَنْ فِي الأرْضِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ - الَّذِينَ هُمْ سُكَّانُ الأرْضِ - أنْ يَطُوفُوا بِهِ كَمَا يَطُوفُ أهْلُ السَّمَاءِ بِالْبَيْتِ المَعْمُورِ وَهَذَا كَانَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ بِألفَيْ عَامٍ وَكَانُوا يَحُجُّونَهُ، فَلَمَّا حَجَّه آدَمُ، قَالَتِ المَلاَئِكَةُ: بَرَّ حَجُّك، حَجَجْنَا هَذَا البَيْتَ قَبْلَكَ بِألْفَي عَامٍ" تفسير : ورُوِي عن عبد الله بن عمر ومجاهد و السُّدِّيّ: أنه أول بيت وُضِعَ على وجه الماء، عند خلق الأرض والسماء، وقد خلقه الله قبل خلق الأرض بألفي عام، وكان زَبَدَةً بيضاء على الماء، ثم دُحِيَت الأرض من تحته. قال القفال في تفسيره: روى حَبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس، قال، وُجِدَ في كتاب - في المقام، أو تحت المقام - أنا الله، ذو بكَّةَ، وضعتُها يومَ وضعتُ الشمسَ والقمرَ، وحرَّمْتُها يوم وَضَعْتُ هذين الحجرَيْن وحفَفْتُها بسبعة أملاك حُنَفَاء. روي: أن آدم لما أهْبِط إلى الأرض شكا الوحشةَ، فأمره الله - تعالى - ببناء الكعبةِ، وطاف بها وبقي ذلك إلى زمان نوح صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا أرسلَ اللهُ الطوفانَ، رفع البيت إلى السماء السابعة - حيال الكعبة - تتعبد عنده الملائكة، يدخله كلَّ يوم سبعون ألف مَلَك، سوى مَنْ دخل قبلُ فيه، ثم بعد الطوفان اندرس موضعُ الكعبةِ، وبقي مُخْتَفِياً إلى أن بعث الله جبريلَ إلى إبراهيم، ودلَّه على مكان البيت، وأمره بعمارته. قال القاضي: القول بأنه رُفِع - زمانَ الطوفان - إلى السماء بعيد؛ لأن موضِعَ التشريف هو تلك الجهة المعينة، والجهة لا يمكن رفعها إلى السماء، ألا ترى أن الكعبة لو انهدمت - والعياذ بالله - ونُقِلت الحجارة بعد الانهدام، ويجب على كل مسلم أن يُصَلِّيَ إلى تلك الجهةِ بعينها، وإذا كان كذلك، فلا فائدة في رفع تلك الجدرانِ إلى السماء. انتهى. فدلت هذه الأقوال المتقدمة على أن الكعبة، كانت موجودةً في زمان آدم - عليه السلام - ويؤيده أن الصلوات كانت لازمةً في جميع أديان الأنبياء، لقوله: {أية : أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً} تفسير : [مريم: 58]. ولما كانوا يسجدون لله، فالسجود لا بد له من قِبْلَةٍ، فلو كانت قبلة شيث وإدريس ونوح موضعاً آخر سوى القبلة لبطل قوله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ}، فدلَّ ذلك على أن قبلةَ أولئك الأنبياء هي الكعبةُ. القول الثاني: أنَّ المرادَ بالأوليَّةِ: كونه مباركاً وهدًى، قالوا: لأنه "حديث : رُوِي أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن أول مسجد وُضِعَ للنَّاس، فقال: المَسْجِدُ الحَرَامُ، ثُمَّ بَيْتُ المَقْدسِ، فَقِيلَ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قال: أرْبَعُونَ سَنَةً، وأينما أدْرَكَتْك الصلاةُ فَصَلِّ فهو مسجدٌ ". تفسير : وعن علي: أن رجلاً قال له: هو أول بيتٍ؟ قال: لا، كان قبلَه بيوتٌ، أول بيت وُضِعَ للناس، مباركاً، فيه الهُدَى والرحمةُ والبركةُ، أول مَنْ بناه إبراهيم، ثم بناه قوم من العرب من جُرْهُم، ثم هُدِم، فبنته العمالقةُ، وهم ملوك من أولاد عمليق بن سام بن نوح، ثم هدم فبناه قريش. ودلالة الآية على الأولية في الشرف أمر لا بد منه؛ لأن المقصود الأصلي من هذه الأولية ترجيحه على بيت المقدس، وهذا إنما يتم بالأوليةِ في الفضيلةِ والشرفِ، ولا تأثيرَ للأوليَّة في البناء في هذا المقصودِ، إلا أن ثبوتَ الأوليةِ بسبب الفضيلةِ لا ينافي ثبوتَ الأولية في البناء. فصل في بيان فضيلته اتفقتِ الأمَمُ على أن باني هذا البيت هو الخليل - عليه السلام - وباني بيت المقدس سليمان - عليه السلام - فمن هذا الوجه، تكون الكعبة أشرف، فكان الآمر بالعمارة هو الله، والمبلغُ والمهندسُ جبريل، والبانِي هو الخليلَ، والتلميذُ المُعِينُ هو إسماعيل؛ فلهذا قيل: ليس في العالم بِنَاءٌ أشرف من الكعبة. وأيضاً مقام إبراهيم، وهو الحَجَر الذي وَضَع إبراهيمُ قدمه عليه، فجعل الله ما تحت قدم إبراهيم من ذلك الحجر - دون سائر أجزائه - كالطين، حتى غاصَ فيه قدمُ إبراهيم من ذلك الحَجَر، وهذا مما لا يقدر عليه إلا الله، ولا يُظْهِره إلا على الأنبياء، ثم لمَّا رفع إبراهيمُ قدمه عنه، خلق اللهُ فيه الصلابة الحجريَّةَ مرةً أخرى، ثم إنه أبْقَى ذلك الحجرَ على سبيل الاستمرار والدوام، فهذه أنواع من الآيات العجيبة، والمعجزات الباهرةِ. وأيضاً قلّة ما يجتمع من حَصَى الجمار فيه، فإنه منذ آلاف السنين، وقد يبلغ من يرمي في كل سنة خمسمائة ألف إنسان كل واحد منهم سبعين حصاةً، ثم لا يُرَى هناك إلا ما لو اجتمع في سنةٍ واحدةٍ لكان غير كثير، وليس الموضع الذي تُرْمَى إليه الجمرات مَسِيل ماء، ولا مَهَبَّ رِياحٍ شديدةٍ، وقد جاء في الأثر: أن مَنْ قُبِلَتْ حَجَّتُهُ رُفِعَتْ جَمَرَاتُهُ إلى السَّمَاءِ. وأيضاً فإن الطيور لا تمر فوقَ الكعبةِ عند طيرانها في الهواء بل تنحرف عنه إذا وصلت إلى ما فوقه. وأيضاً فالوحوش إذا اجتمعت عنده لا يُؤذي بعضُهم بعضاً - كالكلاب والظباء - ولا يصطاد فيه الظباءَ الكلاب والوحوشُ، وتلك خاصِّيَّةٌ عظيمةٌ، ومن سكن مكة أمِن من النهب والغارة، بدعاء إبراهيمَ وقوله: {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً} تفسير : [إبراهيم: 35]، وقال: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 67]، وقال: {أية : رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 3-4]. وأيضاً فالأشرم - صاحب الفيل - لما قاد الجيوش والفيل إلى الكعبة، وعجز قريش عن مقاومته، وفارقوا مكةَ وتركوا له الكعبة، فأرسلَ الله - تعالى - عليهم طيراً أبابيلَ، ترميهم بحجارةٍ، والأبابيل: هم الجماعة من الطير بعد الجماعة، وكانت صِغَاراً، تحمل أحجاراً ترميهم بها، فهلك الملك والعسكر بتلك الأحجار - مع أنها كانت في غاية الصغَر - وهذه آيةٌ باهرةٌ دالةٌ على شرف الكعبة. فإن قيل: ما الحكمة في أن الله - تعالى - وَضَعَها بوادٍ غيرِ ذِي زرع؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أنه - تعالى - قطع بذلك رجاءَ أهل حَرَمه وسَدَنَةِ بيته عَمَّنْ سواه، حتى لا يتكلوا إلا على الله تعالى. وثانيها: أنه لا يسكنها أحد من الجبابرة والأكاسرة، فإنهم يُحبُّونَ طيبات الدنيا، فإذا لم يجدوها هناك تركوا ذلك الموضِعَ، والمقصود تنزيه ذلك الموضع عن لوث وجود أهل الدنيا. وثالثها: أنه فعل ذلك؛ لئلا يقصدها أحدٌ للتجارة، بل يكون ذلك لمحض العبادة والزيارة. ورابعها: أن الله - تعالى - أظهر بذلك شَرَف الفَقْر، حيث وَضَعَ أشرف البيوت، في أقل المواضع نصيباً من الدنيا، فكأنه قال: جعلت أهل الفقر في الدنيا أهل البلد الأمينَ، فكذلك أجعلهم في الآخرة أهل المقام الأمين، لهم في الدنيا بيتُ الأمْن، وفي الآخرة دارُ الأمْن. فصل وللكعبة أسماء كثيرة: أحدها: الكعبة، قال تعالى: {أية : جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 97]، وهذا الاسم يدل على الإشراف والارتفاع، وسمي الكعب كعباً؛ لإشرافه على الرسغ، وسميت المرأة الناهدة الثديين كاعباً لارتفاع ثدييها، فلما كان هذا البيت أشرف بيوت الأرض، وأقدمها زماناً، سُمي بهذا الاسم. وثانيها: البيت العتيق، قال تعالى: {أية : ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} تفسير : [الحج: 33] وسُمي العتيقَ؛ لأنه أقدم بيوت الأرض. وقيل: لأنه خُلِق قبل الأرض والسماء؛ وقيل: لأن الله - تعالى - أعْتَقَه من الغَرَق. وقيل: لأن كُلَّ من قَصَد تخريبه أهلكه الله - مأخوذ من قولهم: عتق الطائر - إذا قَوِي في وَكْرِه. وقيل: لأن كل من زَارَه أعتقه اللهُ من النار. وثالثها: المسجد الحرام، قال تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا} تفسير : [الإسراء: 1] وسُمِّيَ بذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته - يوم فتح مكة -: "حديث : ألاَ إنَّ اللهَ حرَّم مكّة يَوْمَ خَلَقَ السَّمواتِ والأرْضَ، فَهِيَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، لا يُعْضَد شَجَرُها ولا يختلى خلاؤها، ولا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إلا لمُنْشِدها ". تفسير : فإن قيل: كيف الجمع بين قوله: {أية : وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ} تفسير : [الحج: 26]، وقوله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 96] فهناك أضافه إلى نفسه، وهنا أسندَه إلى الناس؟ فالجواب: كأنه قال: البيت لي، ولكن وضعته ليكون قبلة للناس. قوله: {مُبَارَكاً وَهُدًى} حالان، إما من الضمير في "وُضِعَ" كذا أعربه أبو البقاء وغيره، وفيه نظر؛ من حيث إنه يلزم الفصل بين الحال بأجنبيّ - وهو خبر "إنَّ" - وذلك غير جائز؛ لأن الخبر معمول لـ "إنَّ" فإن أضمرت عاملاً بعد الخبر أمكن أن يعمل في الحال، وكان تقديره: أول بيت وُضِعَ للناس للذي ببكة وُضِعَ مباركاً، والذي حمل على ذلك ما يُعْطيه تفسير أمير المؤمنين من أنه وُضِعَ أولاً بقيد هذه الحال. وإما أن يكون العاملُ في الحال هو العامل في "بِبَكَّةَ" أي استقر ببكة في حال بركته، وهو وجه ظاهر الجواز. والظاهر أن قوله: "وَهُدًى" معطوف على "مُبَارَكاً" والمعطوف على الحال حال. وجوز بعضهم أن يكونَ مرفوعاً، على أنه خبر مبتدأ محذوف - أي: وهو هدى - ولا حاجة إلى تكلف هذا الإضمار. والبركة: الزيادة، يقال: بارك الله لك، أي: زادك خيراً، وهو مُتَعَدٍّ، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} تفسير : [النمل: 8] و "تبارك" لا يتَصَرف، ولا يُستعمل إلا مُسْنداً لله تعالى، ومعناه - في حقه تعالى -: تزايد خيرُه وإحسانه. وقيل: البركة ثبوت الخير، مأخوذ من مَبْرَك البعير. وإما من الضمير المستكن في الجار وهو "ببكة" لوقوعه صلة، والعامل فيها الجار بما تضمنه من الاستقرار أو العامل في الجار ويجوز أن ينصب على إضمار فعل المدح أو على الاختصاص، ولا يضر كونه نكرة وقد تقدم دلائل ذلك. و "للعالمين" كقوله: "للمتقين" أول البقرة. فصل البركة لها معنيان. أحدهما: النمو والتزايُد. والثاني: البقاء والدوام، يقال: تبارك الله؛ لثبوته ولم يزل ولا يزال. والبركة: شبه الحوض؛ لثبوت الماء فيها، وبَرَكَ البعير إذا وضع صَدْرَه على الأرض وثَبت واستقرَّ، فإن فسرنا البركة بالنمو والتزايد، فهذا البيت مبارَك فيه من وجوه: أحدها: أن الطاعات يزداد ثوابُها فيه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فَضْلُ المَسْجِدِ الحَرَامِ عَلَى مَسْجِدِي فَضْلُ مَسْجِدِي عَلَى سَائِرِ المَسَاجِدِ"تفسير : ثُمَّ قال: "حديث : صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أفْضَلُ مِنْ ألْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ"تفسير : هذا في الصلاة، وأمَّا في الحج فقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، ولَمْ يَرْفُثْ، ولم يَفْسُق، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِِهِ كَيَوْم وَلَدَتْهُ أمُّهُ"تفسير : وفي حديث آخر: "حديث : الحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلاَّ الجَنَّةَ"تفسير : ومعلوم أنه لا أكثر بركةً مما يجلب المغفرة والرحمة. ثانيها: قال القَفَّالُ: ويجوز أن يكون بركته، ما ذكر في قوله تعالى: {أية : يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً} تفسير : [القصص: 57] فيكون كقوله: {أية : إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} تفسير : [الإسراء: 1]. وثالثها: أن العاقل يجب أن يستحضرَ في ذهنه أنَّ الكعبةَ كالنقطة، وليتصور أن صفوف المتوجهين في الصلوات كالدوائر المحيطة بالمركز، وليتأمل كم عدد الصفوف المحيطة بهذه الدائرة حال اشتغالهم بالصلاة، ولا شكَّ أنه يحصل فيما بين هؤلاء المصلين أشخاص أرواحهم عُلْويَّة، وقلوبهم قدسية، وأسرارهم نورانية، وضمائرهم ربانية، ثم إن تلك الأرواح الصافية إذا توجهت إلى كعبة المعرفة، وأجسادهم توجَّهت إلى هذه الكعبة الحسية، فمن كان في الكعبة يتصل أنوار أرواح أولئك المتوجهين بنور روحه، فتزداد الأنوار الإلهية في قلبه، ويَعْظُم لمعان الأضواء الروحانية في سِرِّه، وهذا بَحْرٌ عظيم، ومقام شريف، وهو ينبهك على معنى كونه مباركاً. وإن فسرنا البركةَ بالدوام فالكعبة لا تنفك من الطائفين والراكعين والساجدين والعاكفين. وأيضاً فالأرض كرة، وإذا كان كذلك فكل زمان يُفْرَض فهو صُبْح لقوم، وظهر لآخرين، وعَصر لثالث، ومغرب لرابع، وعشاء لخامس، وإذا كان الأمر كذلك، لم تنفك الكعبةُ عن توجُّه قوم إليها من طرَفٍ من أطراف العالم؛ لأداء فرض الصلاة، فكان الدوام حاصلاً من هذه الجهة، وأيضاً بقاء الكعبة على هذه الحالة ألُوفاً من السنين دوام - أيضاً -. وأما كونه هدًى للعالمين، فقيل: لأنه قبلة يهتدون به إلى جهة صلاتهم. وقيل: هُدًى، أي: دلالة على وجود الصانع المختار، وصدق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة، بما فيه من الآيات والعجائب التي ذكرناها. وقيل: هُدًى للعالمين إلى الجنة؛ لأن من أقام الصلاة إليه استوجب الجنة. قوله: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ} يجوز أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال، إما من ضمير "وُضِعَ" وفيه ما تقدم من الإشكال. وأمَّا من الضمير في "بِبَكَّةَ" وهذا على رأي مَنْ يُجِيز تعدد الحال لذي حالٍ واحدٍ. وإما من الضمير في "للعالمِينَ"، وإما من "هُدًى"، وجاز ذلك لتخصُّصِه بالوَصْف، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في "مُبَارَكاً". ويجود أن تكون الجملة في محل نصب؛ نعتاً لِـ "هُدًى" بعد نعته بالجار قبله. ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفةً، لا محل لها من الإعراب، وإنما جِيء بها بياناً وتفسيراً لبركته وهُداه، ويجوز أن يكون الحال أو الوصف على ما مر تفصيله هو الجار والمجرور فقط، و "آياتٌ" مرفوع بها على سبيل الفاعلية لأن الجار متى اعتمد على أشياء تقدمت أول الكتاب رفع الفاعل، وهذا أرجح مِنْ جَعْلِها جملةً من مبتدأ وخبر؛ لأن الحالَ والنعتَ والخبرَ أصلها: أن تكون مفردة، فما قَرُب منها كان أولى، والجار قريب من المفرد، ولذلك تقدَّم المفردُ، ثم الظرفُ، ثم الجملة فيما ذكرنا، وعلى ذلك جاء قوله تعالى: {أية : وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} تفسير : [غافر: 28]، فقدم الوصف بالمفرد "مُؤمِنٌ"، وثَنَّى بما قَرُبَ منه وهو {أية : مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} تفسير : [البقرة: 49]، وثلَّث بالجملة وهي {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} وقد جاء في الظاهر عكس هذا، وسيأتي الكلام عليه - إن شاء الله - عند قوله: {أية : بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ} تفسير : [المائدة: 45]. قوله: {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} فيه أوْجُه: أحدها: أن "مَقَام": بدل من "آيَاتٌ" وعلى هذا يقال: إن النحويين نَصُّوا على أنه متى ذكر جَمع لا يُبْدَل منه إلا ما يُوَفِّي بالجمع، فتقول: مررت برجال زيد وعمرو وبكر؛ لأن أقل الجمع - على الصحيح - ثلاثة، فإن لم يُوَفِّ، قالوا: وجب القطع عن البدلية، إما إلى النصب بإضمار فِعْل، وإما إلى الرفع، على مبتدأ محذوف الخبر، كما تقول - في المثال المتقدم - زيداً وعمراً، أي: أعني زيداً وعمراً، أو زيد وعمرو، أي: منهم زيد وعمرو. ولذلك أعربوا قول النابغة الذبياني: [الطويل] شعر : 1539- تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا لِسِتَّةِ أعْوَامٍ وَذَا العَامُ سَابِعُ رَمَادٌ كَكُحْلِ الْعَيْنِ لأْياً أبينُهُ وَنُؤيٌ كَجِذْمِ الْحَوْضِ أثْلَمُ خَاشِعُ تفسير : على القطع المتقدم، أي: فمنها رمادٌ ونؤي، وكذا قوله تعالى: {أية : هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ} تفسير : [البروج: 17-18] أي: أعني فرعون وثمود، أو أذُمّ فرعونَ وثمودَ، على أنه قد يُقال: إن المراد بفرعون وثمودَ؛ هما ومَنْ تبعهما من قومهما، فذكرهما وافٍ بالجمعيَّةِ. وفي الآية الكريمة - هنا - لم يُذْكَر بعد الآيات إلا شيئان: المقام، وأمن داخله، فكيف يكون بَدَلاً؟ وهذا الإشكال - أيضاً - وارد على قول مَنْ جعلَه خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي: هي مقام إبراهيم، فكيف يُخْبِر عن الجمع باثنين؟ وفيه أجوبة: أحدها: أن أقلَّ الجمع اثنان - كما ذهب إليه بعضهم. قال الزمخشري: ويجوز أن يُراد: فيه آيات مقام إبراهيم، وأمن من دخله؛ لأن الاثنين نَوْعٌ من الجَمْع، كالثلاثة والأربعة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ ". تفسير : قال الزجَّاج: ولفظ الجمع قد يُستعمل في الاثنين، قال تعالى: {أية : إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}تفسير : [التحريم: 4]. وقال بعضهم: تمام الثلاة قوله: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} وتقدير الكلام: مقام إبراهيم، وأن من دخله كان آمناً، وأن لله على الناس حَجَّ البيت، ثم حذف "أن" اختصاراً، كما في قوله: {أية : قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [الأعراف: 29] أي: أمر ربي أن اقسطوا. الثاني: أن {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} وإن كان مفرداً لفظاً إلا أنه يشتمل على آياتٍ كثيرةٍ، بمعنيين: أحدهما: أن أثر القدمين في الصخرة الصَّمَّاء آية، وغَوصَهما فيها إلى الكعبين آية أخْرَى؛ وبعض الصخرة دون بعض آيةٌ، وإبقاؤه على مر الزمان، وحفظه من الأعداء الكثيرة آية، واستمراره دون آيات سائر الأنبياء خلا نبينا صلى الله عليه وعلى سائرهم آية، قال معناه الزمخشري. وثانيهما: أن {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} بمنزلة آيات كثيرة؛ لأن كل ما كان معجزةً لنبيٍ فهو دليل على وجود الصانع وعلمه وقدرته وإرادته وحياته، وكونه غنيًّا مُنَزَّهاً، مقدَّساً عن مشابهة المحدثات، فمقام إبراهيم وإن كان شيئاً واحداً إلا أنه لما حصل فيه هذه الوجوه الكثيرة كان بمنزلة الآيات، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً} تفسير : [النحل: 120]، قاله ابنُ الخطيب. الثالث: أن يكون هذا من باب الطَّيّ، وهو أن يُذْكَرَ جَمْعٌ، ثم يُؤتَى ببعضه، ويُسْكَت عن ذِكْر باقيه لغرض للمتكلم، ويُسَمَّى طَيًّا. وأنشد الزمخشري عليه قول جرير: [البسيط] شعر : 1540- كَانَتْ حَنِيفَةُ أثْلاَثاً فَثُلْثُهُمُ مِنَ الْعَبِيدِ، وَثُلْثٌ مِنْ مَوَالِيهَا تفسير : وأورد منه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حُبِّبَ إليّ مِنْ دُنْيَاكُم ثَلاثٌ: الطيبُ والنِّسَاءُ، وجُعِلَت قُرَّةُ عَينِي فِي الصلاة" تفسير : ذكر اثنين - وهما الطيب والنساء - وطَوَى ذِكْر الثالثة. لا يقال إن الثالثة قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : جعلت قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ"تفسير : لأنها ليست من دنياهم، إنما هي من الأمور الأخروية. وفائدة الطَّيّ - عندهم - تكثير ذلك الشيء، كأنه تعالى لما ذكر من جملة الآيات هاتين الآيتين قال: وكثير سواهما. وقال ابنُ عطية: "والأرجح - عندي - أن الماقم، وأمن الداخل، جُعِلاَ مثالاً مما في حرم الله - تعالى - من الآيات، وخُصَّا بالذِّكْر؛ لِعِظَمِهِمَا، وأنهما تقوم بهما الحُجَّةُ على الكفَّار؛ إذْ هم مدركون لهاتين الآيتين بِحَوَاسِّهم". الوجه الثاني: أن يكون {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} عطف بيان، قاله الزمخشري. ورَدَّ عليه أبو حيان هذا من جهة تخالفهما تعريفاً وتنكيراً، فقال: وقوله مخالف لإجماع البصريين والكوفيين، فلا يلتفت إليه، وحُكْم عطف البيان عند الكوفيين حكم النعت، فيُتْبعون النكرة نكرة، و المعرفة معرفة، ويتبعهم في ذلك أبو علي الفارسي. وأما البصريون، فلا يجوز - عندهم - إلا أن يكونا معرفتين، ولا يجوز أن يكونا نكرتين، وكل شيء أورده الكوفيون مما يُوهِم جوازَ كونه عطفَ بيان جعله البصريون بَدَلاً، ولم يَقُمْ دليل للكوفيين؛ وستأتي هذه المسألة إن شاء الله - عند قوله: {أية : مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ} تفسير : [إبراهيم: 16] وقوله: {أية : مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ} تفسير : [النور: 35]، ولما أوّل الزمخشريُّ مقام إبراهيم وأمن داخله - بالتأويل المذكور - اعترض على نفسه بما ذكرناه من إبدال غير الجمع من الجمع - وأجاب بما تقدم، واعترض - أيضاً - على نفسه بأنه كيف تكون الجملة عطف بيان للأسماء المفردةِ؟ فقال: "فإن قلتَ: كيف أجَزْت أن يكون مقام إبراهيم والأمن عطف بيان للآيات. وقوله: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} جملة مستأنفة، إما ابتدائية وإما شرطية؟ قلت: أجَزْت ذلك من حيث المعنى؛ لأن قوله: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} دل على أمْن مَنْ دخله، وكأنه قيل: فيه آيات بيِّنات مقام إبراهيم وأمن من دخله، ألا ترى أنك لو قلت: فيه آية بينة، مَنْ دخله كان آمناً صَحَّ؛ لأن المعنى: فيه آية بينة أمن مَنْ دخله". قال أبو حيان: "وليس بواضح؛ لأن تقديره - وأمنَ الداخل - هو مرفوع، عطفاً على "مَقَام إبراهيم" وفسر بهما الآيات، والجملة من قوله: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} لا موضع لها من الإعراب، فتدافعا، إلا إن اعتقد أن ذلك معطوف على محذوف، يدل عليه ما بعده، فيمكن التوجيه، فلا يجعل قوله: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} في معنى: وأمن داخله، إلا من حيث تفسير المعنى، لا تفسير الإعراب". قال شهاب الدين: "وهي مُشَاحَّةٌ لا طائلَ تحتَها، ولا تدافع فيما ذكر؛ لأن الجملة متى كانت في تأويل المفرد صح عطفُها عليه". الوجه الثالث: قال المبرد: "مَقَامُ" مصدر، فلم يُجْمَع، كما قال: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ}تفسير : [البقرة: 7] والمراد: مقامات إبراهيم، وهي ما أقامه إبراهيم من أمور الحج، وأعمال المناسك، ولا شك أنها كثيرة، وعلى هذا، فالمراد بالآيات: شعائر الحج، كما قال تعالى: {أية : وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ}تفسير : [الحج: 32]. الوجه الرابع: أن قوله: {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} خبر مبتدأ مضمر، تقديره: أحدها، أي: أحد تلك الآيات البينات مقام إبراهيم، أو مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: منها، أي: من الآيات البيِّنات "مقام إبراهيم". وقال بعضهم: {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} لا تعلُّقَ له بقوله: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ}، فكأنه - تعالى - قال: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ} ومع ذلك فهو {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} ومَقَرُّه، والموضع الذي اختاره، وعَبَدَ الله فيه؛ لأن كل ذلك من الخِلال التي بها تَشَرَّف وتَعَظَّم. وقرأ أبَيّ وعُمَر وابنُ عباس ومُجَاهِدٌ وأبو جعفر المديني - في رواية قتيبة - آية بيِّنة - بالتوحيد، وتخريج "مَقَامُ" - على الأوجه المتقدِّمة - سَهْل، من كونه بدلاً، أو بياناً - عند الزمخشري - أو خبر مبتدأ محذوف وهذا البدل متفق عليه؛ لأن البصريين يُبْدِلون من النكرة مطلقاً، والكوفيون لا يبدلون منها إلا بشرط وَصْفها، وقد وُصِفَتْ. فصل قال المفسرون: الآيات منها مقام إبراهيم، وهو الحَجَر الذي وضعه إبراهيم تحت قدميه، لمَّا ارتفع بنيان الكعبة، وضَعُفَ إبراهيم عن رَفْع الحجارة، قام على هذا الحجر، فغاصت فيه قدماه. وقيل: إنه جاء زائراً من الشام إلى مكة وكان قَدْ حلف لامرأته أن لا ينزلَ بمكة حتى يرجع، فَلَمَّا رجع إلى مكة قالت له أم إسماعيل: انزل حتى تغسل رأسك، فلم ينزل، فجاءته بهذا الحجر، فوضعته على الجانب الأيمن، فوضع قدمه عليه حتى غسلت أحد جانبي رأسه، ثم حولته إلى الجانب الأيسر، حتى غسلت الجانبَ الآخرَ، فبقي أثرُ قدميه عليه، فاندرس من كَثْرَةِ المَسْحِ بالأيدي. وقيل: هو الحجر الذي قام عليه إبراهيم - عليه السلام - عند الأذان بالحج. قال القفّال: "ويجوز أن يكون إبراهيم قام على ذلك الحجر في هذه المواضع كلِّها". وقيل: مقام إبراهيم؛ هو جميع الحرم، كما تقدم عن المبرد. ومن الآيات - أيضاً - الحجر الأسود، وزمزم، والحطيم، والمشاعر كلها. ومن الآيات ما تقدم ذكره من أمر الطير والصيد، وأنه بلد صدر إليها الأنبياء والمرسلون، والأولياء والأبرار، وأن الطاعة والصدقة فيه، يُضاعف ثوابُها بمائة ألف. والمقام هو في المسجد الحرام، قُبالَة باب البيت. وروي عن ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص أنهما قالا: الحجر الأسود، والمقام من الجنة. قال الأزرقي: ذرع المقام ذراع، وسعة أعلاه أربعة عشر إصْبَعاً في أربعة عشر إصبعاً، ومن أسفله مثل ذلك، وفي طرفيه - من أعلاه وأسفله - طوقان من ذهب، وما بين الطوقين من الحجر من المقام بارز، لا ذهب عليه، طوله من نواحيه كلها تِسعة أصابع، وعرضه عشر أصابع في عشر أصابع طولاً، وعرض حجر المقام من نواحيه، إحدى وعشرون إصبعاً، ووسطه مربع، والقدمان داخلتان في الحجر سبع أصابع، ودخولهما منحرفتان، وبين القدمين من الحجر أصبعان، ووسطه قد استدق من التمسُّح به، والمقام في حوض من ساج مربع، حوله رصاص، وعلى الحوض صفائح رصاص ليس بها، وعلى المقام صندوق ساج مسقف، ومن وراء المقام ملبن ساج في الأرض، في ظهره سلسلتان يدخلان في أسفل الصندوق، فيقفل عليهما قفلان، وهذا الموضع فيه المقام اليوم، وهو الموضع الذي كان فيه في زمن الجاهلية، ثم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده، ولم يُغَيَّر موضعه، إلا أنه جاء سَيْل في زمن عمر بن الخطاب - يقال له: سيل أم نهشل؛ لأنه ذهب بأمِّ نَهْشَلٍ بِنْتِ عُبَيْدَةَ بْنِ أبِي رُجَيْحَة، فماتت، فاحتمل ذلك السيل المقام من موضعه هذا، فذهب به إلى أسفل مكة فأتي به، فربطوه في أستار الكعبة - في وجهها - وكتبوا بذلك إلى عمر، فأقبل عمر من المدينة فزعاً، فدخل بعمرة في شهر رمضان، وقد غُبِّيَ موضعُه، وعفاه السيل، فجمع عمر الناس، وسألهم عن موضعه، وتشاوروا عليه حتى اتفقوا على موضعه الذي كان فيه، فجعله فيه، وعمل عمر الردم، لمنع السيل، فلم يعله سيل بعد ذلك إلى الآن. ثم بعث أمير المؤمنين المهدي ألف دينار ليضبّبوا بها المقام - وكان قد انثلم - ثم أمَرَ المتوكل أن يجعل عليه ذهب فوق ذلك الذهب - أحْسِنْ بذلك العمل - فعمل في مصدر الحاج سنة ست وثلاثين ومائتين، فهو الذهب الذي عليه اليوم، وهو فوق الذي عمله المهدي. فصل قوله: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}. قال الحسن وقتادة: كانت العرب - في الجاهلية - يقتل بعضهم بعضاً، ويُغير بعضهم على بعض، ومن دخل الحرم أمِنَ مِن القتل والغارة، وهذا قول أكثر المفسرين، لقوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 67]. وقيل: أراد به أن مَنْ دخله عام عمرة القضاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان آمِناً، كما قال تعالى: {أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ} تفسير : [الفتح: 27]. وقال الضَّحَّاكُ: من حَجَّه كان آمناً من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك. وقيل: معناه من دَخَلَه مُعَظِّماً له، متقرِّباً إلى الله - عز وجل - كان آمناً يوم القيامة من العذاب. وقيل: هو خبر بمعنى الأمر، تقديره: ومن دخله فأمِّنوه، كقوله تعالى: {أية : فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ} تفسير : [البقرة: 197]، أي: لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا. فصل قال أبو بكر الرازي: لما كانت الآيات المذكورة عقيب قوله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} موجودة في جميع الحرم، ثم قال: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}، وجب أن يكون مراده جميع الحرم، وأجمعوا على أنه لو قَتَل في الحرم، فإنه يُسْتَوْفَى القصاص منه في الحرم، وأجمعوا على أن الحرَم لا يفيد الأمان فيما سوى النفس، إنما الخلاف فيما إذا وجب القصاص عليه خارج الحرم، فالتجأ إلى الحرم، فهل يُستوفى منه القصاص في الحرم؟ فقال الشافعي: يستوفى. وقال أبو حنيفة: لا يستوفى، بل يمنع منه الطعام، والشراب، والبيع والشراء، والكلام حتى يخرج، ثم يستوفى منه القصاصُ، واحتج بهذه الآية فقال: ظاهر الآية الإخبار عن كونه آمِناً، ولا يُمكن حمله على الخبر؛ إذْ قد لا يصير آمِناً في حق مَنْ أتى بالجناية في الحَرَم، وفي القصاص فيما دون النفس، فوجب حمله على الأمر، وتركنا العمل به في الجناية التي دون النفس؛ لأن الضرر فيها أخف من ضرر القتل، وفي القصاص بالجناية في الحرم؛ لأنه هو الذي هتك حُرْمة الحَرَم، فيبقى في محل الخلاف على مقتضى ظاهر الآية. وأجيب بأنَّ قوله: {كَانَ آمِناً} إثبات لمُسَمَّى الآية، ويكفي في العمل به، في إثبات الأمن من بعض الوجوه، ونحن نقول به، وبيانه من وجوه: الأول: أن من دخله للنُّسُكِ، تقرُّباً إلى الله تعالى، كان آمِناً من النار يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم "حديث : مَنْ صَبَرَ عَلَى حَرِّ مكةَ سَاعةً من نَهَارِ تَبَاعَدَتْ عَنْهُ النَّارُ مَسِيرَةَ مِائَتَيْ عَامٍ"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يفْسقْ خَرَجَ من ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أمُّه ". تفسير : الثاني: يحتمل أن يكونَ المراد: ما أودعه الله في قلوب الخَلْق من الشفقة على كل من التجأ إليه، ودفع المكروه عنه، ولما كان الأمر واقعاً على هذا الوجه - في الأكثر - أخبر بوقوعه على هذا الوجه مطلقاً، وهذا أولى مما قالوه، لوجهين: الأول: أنا - على هذا التقدير - لا نجعل الخبر قائماً مقامَ الأمر، وهم جعلوه قائماً مقامَ الأمر. الثاني: أنه - تعالى - إنما ذكر هذا، لبيان فضيلةِ البيتِ، وذلك إنما يحصل بشيءٍ كان معلوماً للقوم حتى يصيرَ ذلك حجةً على فضيلة البيت، فأما الحكم الذي بينه الله في شرع محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يصير ذلك حجةً على اليهود والنصارى في إثبات فضيلة الكعبة. الوجه الثالث: قد تقدم أن هذا إنما ورد في عمرة القضاء. الرابع: ما تقدم - ايضاً - عن الضَّحَّاكِ أنه يكون آمِناً من الذنوب التي اكتسبها. وملخّص الجواب: أنه حكم بثبوت الأمن، ويكفي في العمل به إثبات الأمن من وَجْهٍ وَاحدٍ، وفي صورة واحدة، فإذا حملناه على بعض هذه الوجوه فقد عملنا بمقتضى هذا النَّصّ، فلا يبقى في النص دلالة على قولهم، ويتأكد هذا بأن حمل النَّصِّ على هذا الوجه، لا يفضي إلى تخصيص النصوص الدالة على وجوب القصاص، وحمله على ما قالوه يُفْضِي إلى ذلك، فكان قولُنا أوْلَى. قوله: "ولله على الناس حج البيت" لمَّا ذكر فضائلَ البيت ومناقبه، أردفه بذكر إيجاب الحج إليه. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: "حِجّ البيت" - بكسر الحاء في هذا الحرف خاصة، وتقدم في البقرة في الشاذ بكسر الحاء - وتقدم هنا اشتقاق المادة - والباقون بفتحها - وهي لغة أهل الحجاز والعالية والكسر لغة نجد؛ وهما جائزان مطلقاً في اللغة مثل رَطل ورِطل، وبَذْر وبِذْر، وهما لغتان فصيحتان بمعنى واحدٍ. وقيل: المكسور اسم للعمل، والمفتوح المصدر. وقال سيبويه: يجوز أن تكون المكسورة - أيضاً - مصدراً كالذِّكر والعِلْم. فصل الحج أحد أركان الإسلام؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بُنِيَ الإسلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَة أنْ لاَ إله إلاَّ اللهُ، وأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وإقَامِ الصَّلاةِ، وإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رمضانَ، وحَجَّ البيتِ لمن اسْتَطَاعَ إليه سبيلاً ". تفسير : ويشترط لوجوبه خمسة شروط: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحُرِّيَّة، والاستطاعة. فصل احتجوا بهذه الآية على أن الكُفَّارَ مخاطبون بفروع الإسلام؛ لأن ظاهر قوله تعالى {وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} يعم المؤمنَ والكافرَ، وعدم الإيمان لا يصلح معارضاً، ومخصِّصاً، لهذا العموم؛ لأن الدهريّ مكلَّف بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم مع أن الإيمان بالله الذي هو شرط لصحة الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، غير حاصل، والمُحْدِث مكلَّف بالصلاة، مع أن الوضوء الذي هو شرط لصحة الصلاة، غير حصل، لم يكن عدم الشرط مانعاً من كونه مكلَّفاً بالمشروط. فكذا هاهنا. فصل قال القرطُبي: دلَّ الكتاب والسنة على أن الحَجَّ على التراخي، وهو أحد قولي مالك، والشافعي، ومحمد بن الحسن، وأبي يوسف في رواية عنه، وذهب بعض المتأخرين من المالكية إلى أنه على الفَوْر، وهو قول داود، والصحيح الأول؛ لأنَّ الله تعالى قال في سورة الحج -: {أية : وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً} تفسير : [الحج: 27]، وسورة الحج مكيّة، وقال هاهنا: {وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} وهذه السورة نزلت عام أحد بالمدينة، سنة ثلاثٍ من الهجرة، ولم يحجّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة عشر، وأجمع العلماء على ترك تفسيق القادر على الحج، إذا أخَّرَهُ عامداً. فصل روي أنه لما نزلت هذه الآيةُ قيل: "حديث : يا رسولَ اللهِ، أكتبَ علينا الحَجُّ في كل عام؟ ذكروا ذلك ثلاثاً، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال في الرابعة: "لَوْ قُلتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ مَا قُمتمُ بها، وَلَو لَمْ تَقُومُوا بِهَا لَكَفَرْتُمْ، ألا فَوَادِعونِي ما وَادَعْتُكم وَإذَا أمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأتُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُمْ، وَإذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ أمْرٍ فَانْتَهُوا عَنْهُ، فَإنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ مَسَائِلِهِمْ، وَاخْتِلاَفِهِمْ على أنْبِيَائِهِمْ" ". تفسير : فصل احتج العلماء بهذا الخبر، على أن الأمر لا يفيد التكرار من وجهين: الأول: أن الأمر ورد بالحج، ولم يُفِد التكرار. والثاني: أن الصحابة استفهموا، هل يوجب التكرار أم لا؟ ولو كانت هذه الصيغة تفيد التكرار لما استفهموا مع علمهم باللغة. قوله: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} فيه ستة أوجُه: أحدها: أن "مَنْ" بدل من "النَّاس" بدل بعض من كل، وبدل البعض وبدل الاشتمال لا بد في كل منهما من ضميرٍ يعود على المُبْدَل منه، نحو: أكَلْتُ الرَّغِيفَ ثُلُثَه، وسُلِب زيدٌ ثوبُه، وهنا ليس من ضمير. فقيل: هو محذوف تقديره من استطاع منهم. الثاني: أنه بدلُ كُلٍّ من كُلٍّ، إذ المراد بالناس المذكورين: خاصٌّ، والفرق بين هذا الوجه، والذي قبله، أن الذي قبله يقال فيه: عام مخصوص، وهذا يقال فيه: عامٌّ أريد به الخاص، وهو فرق واضح وهاتان العبارتان للشافعي. الثالث: أنها خبر مبتدأ مُضْمَر، تقديره: هم من استطاع. الرابع: أنها منصوبة بإضمار فعل، أي: أعني من استطاع. وهذان الوجهان - في الحقيقة - مأخوذان من وجه البدل؛ فإنَّ كل ما جاز إبداله مما قبله، جاز قطعه إلى الرفع، أو إلى النصب المذكورين آنفاً. الخامس: أن "مَنْ" فاعل بالمصدر وهو "حَجُّ"، والمصدر مضاف لمفعوله، والتقدير: ولله على الناس أن يحج من استطاع منهم سبيلاً البيت. وهذا الوجه قد رَدَّه جماعةٌ من حيث الصناعة، ومن حيث المعنى؛ أما من حيث الصناعة؛ فلأنه إذا اجتمع فاعل ومفعول مع المصدر العامل فيهما، فإنما يُضَاف المصدر لمرفوعه - دون منصوبة - فيقال: يعجبني ضَرْبُ زيدٍ عمراً، ولو قلتَ: ضَرْبُ عمرٍو زيدٌ، لم يجزْ إلا في ضرورة، كقوله: [البسيط] شعر : 1541- أفْنَى تِلاَدِي وَمَا جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبٍ قَرْعُ الْقَوَاقِيزِ أفْوَاهُ الأبَارِيقِ تفسير : يروى بنصب "أفواه" على إضافة المصدر - وهو "قَرْع" - إلى فاعله، وبالرفع على إضافته إلى مفعوله. وقد جوَّزَ، بعضُهم في الكلام على ضَعْفٍ، والقرآن لا يُحْمَل على ما في الضرورة، ولا على ما فيه ضعف، أمَّا من حيث المعنى؛ فلأنه يؤدي إلى تكليف الناس جميعهم - مستطيعهم وغير مستطيعهم - بأن يحج مستطيعهم، فيلزم من ذلك تكليف غير المُسْتَطِيعِ بأن يَحُجَّ، وهو غير جائز - وقد التزم بعضُهم هذا، وقال: نعم، نقول بموجبه، وأن الله - تعالى - كلَّف الناسَ ذلك، حتى لو لم يحج المستطيعون لزم غير المستطيعين أن يأمروهم بالحج حسب الإمكان؛ لأن إحجاج الناس إلى الكعبة وعرفة فرضٌ واجب. و "مَنْ" - على هذه الأوجه الخمسة - موصولة بمعنى: الذي. السادس: أنها شرطية، والجزاء محذوف، يدل عليه ما تقدم، أو هو نفس المتقدم - على رأي - ولا بد من ضمير يعود من جملة الشرط على "النَّاسِ"، تقديره: من استطاع منهم إليه سبيلاً فللّه عليه. ويترجح هذا بمقابلته بالشرط بعده، وهو قوله: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ}. وقوله: {وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} جملة من مبتدأ - وهو {حِجُّ ٱلْبَيْتِ} - وخبر - وهو قوله: "لله" - و "عَلَى النَّاسِ" متعلق بما تعلق به الخبر، أو متعلق بمحذوف؛ على أنه حال من الضمير المستكن في الجار، والعامل فيه - أيضاً - ذلك الاستقرار المحذوف، ويجوز أن يكون على الناس هو الخبر، و "لِلَّهِ" متعلق بما تعلق به الخبر، ويمتنع فيه أن يكون حالاً من الضمير في "عَلَى النَّاسِ" وَإنْ كان العكس جائزاً - كما تقدم -. والفرق أنه يلزم هنا تقديم الحال على العامل المعنوي، والحال لا يتقدم على العامل المعنوي - بخلاف الظرف وحرف الجر، فإنهما يتقدمان على عاملهما المعنوي؛ للاتساع فيهما، وقد تقدم أن الشيخ جمال الدين بن مالك، يجوز تقديمها على العامل المعنوي - إذا كانت هي ظرفاً، أو حرف جر، والعامل كذلك، ومسألتنا في الآية الكريمة من هذا القبيل. وقد جيء في هذه الآيات بمبالغاتٍ كثيرة. منها قوله: {وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} يعني: أنه حق واجب عليهم لله في رقابهم، لا ينفكون عن أدائه والخروج عن عُهدته. ومنها: أنه ذكر "النَّاسَ"، ثم أبدل منهم {مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}، وفيه ضربان من التأكيد. أحدهما: أن الإبدال تثنية المراد وتكرير له. والثاني: أن التفصيل بعد الإجمال، والإيضاح بعد الإبهام، إيراد له في صورتين مختلفتين، قاله الزمخشري، على عادة فصاحته، وتلخيصه المعنى بأقرب لفظ، والألف واللام في "البَيْتِ" للعهد؛ لتقدم ذكره، وهو أعلم بالغلبة كالثريا والصعيد. فإذا قيل: زار البيتَ، لم يَتَبَادر الذهن إلا إلى الكعبة شرفها الله. وقال الشاعر: [الطويل] شعر : 1542- لَعَمْرِي لأنْتَ الْبَيْتُ أكْرِمُ أهْلَهُ وَأقْعُدُ فِي أفْيَائِهِ بِالأصَائِلِ تفسير : أنشد هذا البيت أبو حيان في هذا المعرض. قال شهابُ الدين: "وفيه نظر، إذْ ليس في الظاهر الكعبة". الضمير في: "إلَيْهِ" الظاهر عوده على الحَجِّ؛ لأنه محدَّث عنه. قال الفراء: إن نويت الاستئناف بـ "مَنْ" كانت شرطاً، وأسقط الْجَزاء لدلالة ما قبله عليه، والتقدير: من استطاع إلى الحج سبيلاً، فللَّه عليه حجُّ البيت. وقيل: يعود على "الْبَيْتِ"، و "إلَيْهِ" متعلق بـ "اسْتَطَاعَ"، و "سَبِيلاً" مفعول به؛ لأن استطاع متعدٍّ، ومنه قوله تعالى: {أية : لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ} تفسير : [الأعراف: 197]، إلى غير ذلك من الآيات. فصل قال أبو العباس المقرئ: ورد لفظ الاستطاعة بإزاء معنيين في القرآن: الأول: سَعَة المال، قال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97] أي: سعة في المال ومنه قوله تعالى: {أية : لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} تفسير : [التوبة: 42] أي: لو وجدنا سعة في المال. الثاني: بمعنى الإطاقة، قال تعالى: {أية : وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 129]، وقال: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ}تفسير : [التغابن: 16]. فصل استطاعة السبيل إلى الشيء: عبارة عن إمكان الوصول إليه، قال تعالى: {أية : فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} تفسير : [غافر: 11]، وقال: {أية : هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ} تفسير : [الشورى: 44]. قال عبد الله بن عمر: حديث : سأل رجلٌ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما يُوجب الحَجَّ؟ فقال:الزاد والراحلة، قال: يا رسول الله، فما الحاجّ؟ قال: الشعث، التَّفِل. فقام آخر فقال: يا رسول الله، أيُّ الحج أفضل؟ فقال: الحج والثج، فقام آخر فقال: يا رسول ما السبيلُ؟ فقال: "زادٌ ورَاحِلةٌ" ". تفسير : ويعتبر في حصول هذا الإمكان صحة البدن، وزوال خَوف التلف من سبع، أو عدو، أو فُقْدان الطعام والشراب، والقدرة على المال الذي يشتري به الزاد، والراحلة، ويقضي جميع الديون التي عليه، ويَرُدّ ما عنده من الودائع، ويضع عند مَنْ تجب عليه نفقته من المال، ما يكفيه لذهابه ومجيئه، هذا قول الأكثرين. وروى القفال: عن جُوَيْبِر عن الضحاك أنه قال: إذا كان شاباً صحيحاً ليس له مال، فعليه أن يؤاجر نفسه حتى يقضي حجه، فقال له قائل: أكلَّف الله الناس أن يمشوا إلى البيت؟ فقال: لو كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه؟ قال: لا، بل ينطلق إليه ولو حبواً، قال: فكذلك يجب عليه حجّ البيت. وعن عكرمة - أيضاً - أنه قال: الاستطاعة هي: صحة البدن، وإمكان المشي إذا لم يجد ما يركبه؛ لأن الصحيح البدن، القادر على المشي إذا لم يجد ما يركبه يصدق عليه أنه مستطيع لذلك الفعل، فتخصيص الاستطاعة بالزاد والراحلة تَرْك لظاهر الآية، فلا بد من دليل منفصل، والأخبار المروية أخبار آحاد، فلا يُتْرَك لها ظاهرُ الكتاب، ولا سيما وقد طُعِنَ فيها من وجوه: الأول: من جهة السند. الثاني: أن حصول الزاد والراحلة قد لا يكفي، فلا بد من اعتبار صحة البدن، وعدم الخوف، وهذا ليس في الأخبار، فظاهرها يقتضي أن لا يكون شيء من ذلك مُعْتبراً. الوجه الثالث: اعتبار وفاء الدين، ونفقة عياله، ورد الودائع. وأجيبوا بأنه يُفْضِي إلى معارضة قوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} تفسير : [الحج: 78] وقوله: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} تفسير : [البقرة: 185]. فصل احتج جمهورُ المعتزلةِ بهذه الآيةِ على أن الاستطاعة قبلَ الفعل، فقالوا: لأنه لو كانت الاستطاعة مع الفعل لكان من لم يحج لم يكن مستطيعاً للحج ومن لم يكن مستطيعاً لا يتناوله التكليف المذكور في هذه الآية، فيلزم منه أن كل من لم يحج لا يصير مأموراً بالحَجِّ بهذه الآية، وذلك باطل. وأجيبوا بأن هذا - أيضاً - يلزمهم؛ لأن القادر إما أن يصير مأموراً بالفعل قبل حصول الداعي إلى الفعل، أو بعد حصولِه، أما قبل حصول الداعي، فمحال؛ لأن قبلَ حصولِ الداعي يمتنع حصول الفعل، فيكون التكليف به تكليفاً بما لا يُطاقُ، وأما بعد حصولِ الداعي، فالفعل يصيرُ واجب الحصول، فلا يكون في التكليف به فائدةٌ، وإذا كانت الاستطاعةُ منفيةً في الحالتين، وجب ألا يتوجه التكليفُ المذكورُ في هذه الآيةِ على أحدٍ. فصل إذا كان عاجزاً بنفسه؛ لكونه زَمِناً، أو مريضاً لا يُرْجَى بُرْؤه - وله مال يُمْكِن أن يستأجر مَنْ يَحُجُّ عنه - وجب عليه أن يستأجر، لما روى عبد الله بن عباس، قال: حديث : كان الفضل بن عباس ردف النبي صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأة من خثعم، تستفتيه، فجعل الفضلُ ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وَجْهَ الفضل إلى الشق الآخرِ، فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحجِّ أدركَتْ أبي شيخاً كبيراً، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحجُّ عنه؟ قال: نَعَم . تفسير : وقال مالك: لا يجب عليه، وهذا هو المعضوب، والعَضْب: القطع، وبه سُمِّيَ السيف عَضْباً، فكأن من انتهى إلى ألا يقدر أن يستمسك على الراحلة، ولا يثبت عليها بمنزلة من قطعت أعضاؤه، أو لا يقدر على شيء. وإن لم يكن له مال لكن بذل له ولدُه، أو أجنبي، الطاعةَ في أن يحج عنه، فهل يلزمه [أن يأمره] إذا كان يعتمد صدقه؟ وفي المسألة خلاف، فالقائل بالوجوب قال: لأن وجوب الحج معلق بالاستطاعة، وهذا مستطيع، لأنه يقال - في العُرْف -: فلان مستطيع لبناء دارٍ، وإن كان لا يفعله بنفسه، وإنما يفعله بماله، وبأعوانه -. وقال أبو حنيفة: لا يجب ببذل الطاعة، قال: وحديث الخثعميَّة يدل على أنه من باب التطوّعات؛ وإيصال البر للأموات، ألا ترى أنه شَبَّه فعل الحج بالدَّيْن؟ وبالإجماع لو مات ميِّت وعليه دين لم يجب على وليِّه قضاؤه من ماله، فإن تطوع بذلك تأدَّى عنه الدين، ويدل على أن الحج في حديث الخثعمية ما كان واجباً قولُها: إن أبي لا يستطيع - ومن لا يستطيع لا يجب عليه، وهذا تصريح بنفي الوجوب. وقوله: {وَمَن كَفَرَ} يجوز أن تكون الشرطية - وهو الظاهر - ويجوز أن تكون الموصولة، ودخلت الفاء؛ شبهاً للموصول باسم الشرط كما تقدم، ولا يخفى حال الجملتين بعدها بالاعتبارين المذكورين، ولا بد من رابط بين الشرط وجزائه، أو المبتدأ وخبره، ومن جوَّز إقامة الظاهر مقام المضمر اكتفى بذلك في قوله: {غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} كأنه قال: غني عنهم. فصل في هذا الوعيد قولان: الأول: قال مجاهد: هلا كلام مستقلٌّ بنفسه، ووعيد عام في حَقِّ مَنْ كَفَر بالله ولا تعلُّق له بما قبلَه. الثاني: قال ابْنُ عباس والحَسَنُ وعَطَاء: مَنْ جَحَد فرض الحَج. وقال آخرون: من ترك الحج، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ مَات ولم يَحُجَّ حَجَّة الإسْلامِ فَلْيَمُتْ إنْ شاء يَهُودِيًّا وإنْ شاء نَصْرَانِيًّا" تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ مَات ولم يَحُجَّ حَجَّة الإسْلامِ - وَلَمْ تَمْنَعْهُ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ أوْ مَرَضٌ حَابِسٌ، أو سُلْطَانٌ جائر - فَلْيَمُتْ على أي حالةٍ شاء - يَهُودِيًّا أو نَصْرَانِيًّا ". تفسير : وقال سعيد بن جبير: إن مات جارٌ لي لم يحج - وله ميسرة - لم أصَلِّ عليه. فإن قيل: كيف يجوز الحكم عليه بالكفر بسبب تَرْك الحج؟ فالجواب قال القفال المراد منه التغليظ، أي: قد قارب الكُفْر، وعمل ما يعمله مَنْ كفر بالحج كقوله: {أية : وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ} تفسير : [الأحزاب: 10] أي: كادت تبلغ. وكقوله عليه السلام -: "حديث : مَنْ تَرَك الصلاة متعمِّداً فقد كَفَر" تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ أتَى حَائِضاً أو امرأة في دبرها فقد كَفَر ". تفسير : وأما الأكثرون فهم الذين حَمَلُوا هذا الوعيدَ على تارك اعتقاد الحج. قال الضحاك: لما نزلت آية "الحج"، جمع الرسولُ صلى الله عليه وسلم أهلَ الأديان الستة: المسلمين، والنصارى، واليهود، والصابئين، والمجوس، والمشركين، فخاطبهم، وقال: "حديث : إن الله كتب عليكم الحج فحجوا" تفسير : فآمن به المسلمون، وكفرت به الملل الخمس، وقالوا: لا نؤمن به، ولا نصلي إليه، ولا نحجه، فأنزل الله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ}.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق الشعبي عن علي بن أبي طالب في قوله {إن أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة} قال: كانت البيوت قبله، ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله. وأخرج ابن جرير عن مطر. مثله. وأخرج ابن جرير عن الحسن في الآية قال {إن أول بيت وضع للناس} يُعْبَدُ الله فيه {للذي ببكة} وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن جرير والبيهقي في الشعب "حديث : عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن عمرو قال: خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان إذ كان عرشه على الماء زبدة بيضاء، وكانت الأرض تحته كأنها حشفة فدحيت الأرض من تحته. وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة قال: إن الكعبة خلقت قبل الأرض بألفي سنة وهي من الأرض، إنما كانت حشفة على الماء عليها ملكان من الملائكة يسبحان، فلما أراد الله أن يخلق الأرض دحاها منها، فجعلها في وسط الأرض. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والأزرقي عن مجاهد قوله {إن أول بيت وضع للناس} كقوله {أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس}تفسير : [آل عمران: 110]. وأخرج ابن جرير عن السدي قال: أما أول بيت فإنه يوم كانت الأرض ماء كان زبدة على الأرض، فلما خلق الله الأرض خلق البيت معها. فهو أول بيت وضع في الأرض. وأخرج ابن المنذر عن الحسن في الآية قال: أول قبلة أعملت للناس المسجد الحرام. وأخرج ابن المنذر والأزرقي عن ابن جريج قال "بلغنا أن اليهود قالت: بيت المقدس أعظم من الكعبة لأنها مهاجر الأنبياء، ولأنه في الأرض المقدسة. فقال المسلمون: بل الكعبة أعظم. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. فنزلت {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً} إلى قوله {فيه آيات بينات مقام إبراهيم} وليس ذلك في بيت المقدس {ومن دخله كان آمناً} وليس ذلك في بيت المقدس {ولله على الناس حج البيت} وليس ذلك لبيت المقدس". وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أول بقعة وضعت في الأرض موضع البيت، ثم مهدت منها الأرض. وإن أول جبل وضعه الله على وجه الأرض أبو قبيس، ثم مدت منه الجبال ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير قال: إنما سميت بكة لأن الناس يجيئون إليها من كل جانب حجاجاً. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير والبيهقي في الشعب عن مجاهد قال: إنما سميت بكة لأن الناس يتباكون فيها الرجال والنساء. يعني يزدحمون. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير. مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبيهقي عن مجاهد قال: إنما سميت بكة لأن الناس يبك بعضهم بعضاً فيها، وانه يحل فيها ما لا يحل في غيرها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في الشعب عن قتادة قال: سميت بكة لأن الله بك بها الناس جميعاً، فيصلي النساء قدام الرجال ولا يصلح ذلك ببلد غيره. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عتبة بن قيس قال: إن مكة بكت بكاء الذكر فيها كالأنثى. قيل: عمن تروي هذا؟ قال: عن ابن عمر. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن زيد بن مهاجر قال: إنما سميت بكة لأنها كانت تبك الظلمة. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: البيت وما حوله بكة، وما وراء ذلك مكة. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي مالك الغفاري قال: بكة موضع البيت، ومكة ما سوى ذلك. وأخرج ابن جرير عن ابن شهاب قال: بكة البيت والمسجد، ومكة الحرم كله. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: بكة هي مكة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: مكة من الفج إلى التنعيم، وبكة من البيت إلى البطحاء. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: بكة الكعبة، ومكة ما حولها. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان {مباركاً} جعل فيه الخير والبركة {وهدى للعالمين} يعني بالهدى قبلتهم. وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي في الشعب عن الزهري قال: بلغني أنهم وجدوا في مقام إبراهيم ثلاثة صفوح في كل صفح منها كتاب. في الصفح الأول "أنا الله ذو بكة صغتها يوم صغت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، وباركت لأهلها في اللحم واللبن. وفي الصفح الثاني أنا الله ذو بكة خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي، من وصلها وصلته، ومن قطعها بتته. وفي الثالث أنا الله ذو بكة خلقت الخير والشر، فطوبى لمن كان الخير على يديه، وويل لمن كان الشر على يديه". وأخرج الأزرقي عن ابن عباس قال: وجد في المقام كتاب فيه: هذا بيت الله الحرام بكة توكل الله برزق أهله من ثلاثة سبل، يبارك لأهلها في اللحم، والماء، واللبن، لا يحله أول من أهله، ووجد في حجر من الحجر كتاب من خلقة الحجر "أنا الله ذو بكة الحرام صغتها يوم صغت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشابها، مبارك لأهلها في اللحم والماء". وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد والضحاك. نحوه. وأخرج الجندي في فضائل مكة عن ابن عباس وأبي هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : خلق الله مكة فوضعها على المكروهات والدرجات"تفسير : قيل لسعيد ببن جبير: ما الدرجات؟ قال: الدرجات الجنة. وأخرج الأزرقي والجندي عن عائشة قالت: ما رأيت السماء في موضع أقرب منها إلى الأرض من مكة. وأخرج الأزرقي عن عطاء بن كثير رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : المقام بمكة سعادة، وخروج منها شقوة ". تفسير : وأخرج الأزرقي والجندي والبيهقي في الشعب وضعفه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : : من أدركه شهر رمضان بمكة فصامه كله وقام منه ما تيسر كتب الله له مائة ألف شهر رمضان بغير مكة، وكتب له كل يوم حسنة، وكل ليلة حسنة، وكل يوم عتق رقبة، وكل ليلة عتق رقبة، وكل يوم حملان فرس في سبيل الله، وكل ليلة حملان فرس في سبيل الله، وله بكل يوم دعوة مستجابة ". تفسير : وأخرج الأزرقي والطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: "حديث : هذا البيت دعامة الإسلام من خرج يؤم هذا البيت من حاج أو معتمر كان مضموناً على الله ان قبضه أن يدخله الجنة، وإن رده أن يرده بأجر أو غنيمة ". تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، والجمعة في مسجدي هذا أفضل من ألف جمعة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وشهر رمضان في مسجدي هذا أفضل من ألف شهر رمضان فيما سواه إلا المسجد الحرام ". تفسير : وأخرج البزار وابن خزيمة والطبراني والبيهقي في الشعب عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة، وفي مسجدي ألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس بخمسمائة صلاة ". تفسير : وأخرج ابن ماجة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صلاة الرجل في بيته بصلاة، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ". تفسير : وأخرج الطيالسي وأحمد والبزار وابن عدي والبيهقي وابن خزيمة وابن حبان عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا" تفسير : قيل لعطاء: هذا الفضل الذي يذكر في المسجد الحرام وحده أو في الحرم؟ قال: لا. بل في الحرم، فإن الحرم كله مسجد. وأخرج أحمد وابن ماجة عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ". تفسير : وأخرج البزار عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا خاتم الأنبياء، ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء، أحق المساجد أن يزار، وتشد إليه الرواحل: المسجد الحرام، ومسجدي. صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام ". تفسير : وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد وابن منيع والروياني وابن خزيمة والطبراني عن جبير بن مطعم قال: "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ".
التستري
تفسير : وقوله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً}[96] أي أول بيت وضع للناس بيت الله عزَّ وجلَّ بمكة هذا هو الظاهر، وباطنها الرسول يؤمن به من أثبت الله في قلبه التوحيد من الناس.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً} [الآية: 96]. قال الحسين: إن الحق تعالى أورد تكليفه على ضربين: تكليفًا عن وسائط وتكليفًا بحقائق، فتكليف الحقائق بدت معارفه منه وعادت إليه، وتكليف الوسائط بدت معارفه عمن دونه ولم يتصل به إلا بعد الترقى منها إلى الفناء عنها، فمن تكليف الوسائط إظهار البيت والكعبة فقال: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} فما دمت متصلاً به كنت منفصلاً عنه، فإذا انفصلت عنه حقيقة وصلت إلى مطهره وواضعه، فكنت مترسمًا بالبيت متحققًا بواصفه. قوله تعالى: {مُبَارَكاً}. قال: مباركًا لمن ينزل عليه بهمَّةٍ وطالب الطرق به إلى ربه. قوله تعالى: {وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}. قال: هدًى لمن اهتدى به إلى الهادى.
القشيري
تفسير : البيت حَجَرةٌ والعبد مَدَرَةٌ، فَرَبَطَ المدرة بالحجرة، فالمدر مع الحجر. وتعزَّز وتَقَدَّس من لم يزل. ويقال البيت مطاف النفوس، والحق سبحانه مقصود القلوب! البيت أطلال وآثار وإنما هي رسوم وأحجار ولكن: شعر : تلك آثارنا تدلُّ علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار تفسير : ويقال البيت حجر، ولكن ليس كل حجر كالذي يجانسه من الحجر. حَجَرٌ ولكن لقلوب الأحباب مزعج بل لأكباد الفقراء منفج، لا بل لقلوب قومٍ مِثْلِجٌ مبهج، ولقلوب الآخرين منفج مزعج. وهم على أصناف: بيت هو مقصد الأحباب ومزارهم، وعنده يسمع أخبارهم ويشهد آثارهم. بيت من طالعه بعين التفرقة عاد بسرٍ خراب، ومن لاحظه بعين الإضافة حظي بكل تقريب وإيجاب، كما قيل: شعر : إن الديار - وإن صَمَتَتْ - فإنَّ لها عهداً بأحبابنا إذ عندها نزلوا تفسير : بيت من زاره بنفسه وجد ألطافه، ومن شهده بقلبه نال كشوفاته. ويقال قال سبحانه: {أية : وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} تفسير : [الحج: 26] وأضافه إلى نفسه، وقال ها هنا: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} وفي هذا طرف من الإشارة إلى عين الجمع. وسميت (بكة) لازدحام الناس، فالكلُّ يتناجزون على البدار إليه، ويزدحمون في الطواف حواليْه، ويبذلون المهج في الطريق ليصلوا إليه. والبيت لم يخاطِب أحداً منذ بنِيَ بُمْنَيةٍ، ولم يستقبل أحداً بحظوة، ولا راسل أحداً بسطر في رسالة، فإذا كان البيت الذي خلقه من حجر - هذا وصفه في التعزز فما ظنُّك بِمَن البيتُ له. قال صلى الله عليه وسلم مخبراً عنه سبحانه: "حديث : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ". تفسير : ويقال إذا كان البيت المنسوب إليه لا تصل إليه من ناحية من نواحيه إلا بقطع المفاوز والمتاهات فكيف تطمع أن تصل إلى ربِّ البيت بالهوينى دون تحمُّل المشقات ومفارقة الراحات؟! ويقال لا تُعِلِّق قلبك بأول بيتٍ وضع لَكَ ولكن أَفْرِدْ سِرِّكَ لأول حبيبٍ آثرك. ويقال شتَّان بين عبدٍ اعتكف عند أول بيتٍ وُضِع له وبين عبدٍ لازم حضرة أول عزيز كان له. ويقال ازدحام الفقراء بهممهم حول البيت ليس بأقل من ازدحام الطائفين بِقَدَمِهم، فالأغنياء يزورون البيت، ويطوفون بِقَدَمِهم، والفقراء يبقون عنه فيطوفون حوله بهممهم. ويقال الكعبة بيت الحق سبحانه في الحجر، والقلب بيت الحق سبحانه في السِّر، قال قائلهم: شعر : لستُ من جملة المحبين إنْ لم أجعل القلبَ بيته والمقاما وطوافي إجالة السِّر فيه وهو ركني إذا أردت استلاما تفسير : فاللطائف تطوف بقلوب العارفين، والحقائق تعتكف في قلوب الموحِّدين، والكعبة مقصود العبد بالحج، والقلب مقصود الحق بإفراده إياه بالتوحيد والوجد. قوله جلّ ذكره: {مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}. بركاته اتصال الألطاف والكشوفات، فَمَنْ قصده بهمته، ونزل عليه بقصده هداه إلى طريق رُشْدِه. قوله جلّ ذكره: {فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ}. ولكن لا تُدْرَكُ تلك الآيات بأبصار الرؤوس ولكن ببصائر القلوب، ومقام إبراهيم - في الظاهر - ما تأثر بِقَدَمِه، وفي الإشارة: ما وقف الخليل عليه السلام بهممه. ويقال إن شرف مقام إبراهيم لأنه أَثَرُ الخليل، ولأثر الخليل خطر عظيم. قوله جلّ ذكره: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}. يقال مَنْ دَخَلَ مقام إبراهيم كان آمناً، ومقام إبراهيم التسليم، ومن كان مسلماً أموره إلى الله لم يبق له اختيار، وكان آمناً؛ فالأمن ضده الخوف، والخوف إنما يكون على ألا يحصل مرادك على ما تريد، فإِذا لم تكن للعبد إرادة واختيار فأيُّ مساغٍ للخوف في وصفه؟ ويقال إن الكناية بقوله: {دَخَلَهُ} راجعة إلى البيت، فمن دخل بيته - على الحقيقة - كان آمناً، وذلك بأن يكون دخوله على وصف الأدب، ولا محالة أدب دخول البيت تسليم الأمور إلى رب البيت، فإنَّ من لم يكن صاحب تسليم فهو معارضٌ للتقدير. ودخول البيت إنما الأدب فيه أن يكون دخولاً على التسليم دون المعارضة والنزاع فيؤول إلى المعنى المتقدم. وإن جعلتَ الإشارة من البيت إلى القلب فمن دخل قلبَه سلطان الحقيقة أَمِنَ مِنْ نوازع البشرية وهواجسِ غاغة النفس، فإنَّ من التجأ إلى ظل المَلِكِ لم يمتطِ إليه محذوراً. ويقال لا يكون دخول البيت - على الحقيقة - إلا بخروجك عنك، فإذا خرجت عنكَ صَحَّ دخولُك في البيت، وإذا خرجتَ عنكَ أَمِنْتَ. ويقال دخول بيته لا يصحُّ مع تعريجك في أوطانك ومعاهدك، فإن الشخص الواحد لا يكون في حالة واحدة في مكانين؛ فمن دخل بيت ربِّه فبالحريِّ أن يخرج عن معاهد نفسه. قوله جلّ ذكره: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}. شرط الغَنيِّ ألا يَدَّخِر عن البيت شيئاً مِنْ مالِه، وشرط الفقير ألا يدخر عن الوصول إلى بيته نَفَساً من روحه. ويقال الاستطاعة فنون؛ فمستطيع بنفسه ومَالِه وهو الصحيح السليم، ومستطيع بغيره وهو الزَّمِنُ المعصوب، وثالث غفل الكثيرون عنه وهو مستطيع بربه وهذا نعت كل مخلص مستحق فإن بلاياه لا تحملها إلا مطايانا. ويقال حج البيتِ فَرْضٌ على أصحاب الأموال، وربِّ البيتِ فَرْضٌ على الفقراء فرض حتم؛ فقد يَنْسَدُّ الطريق إلى البيت ولكن لا ينسدُّ الطريق إلى رب البيت، ولا يُمْنَعُ الفقير عن ربِّ البيت. ويقال الحج هو القصد إلى مَنْ تُعَظِّمه: فقاصدٌ بنفسه إلى زيارة البيت، وقاصد بقلبه إلى شهود رب البيت، فشتان بين حج وحج، هؤلاء تحللهم عن إحرامهم عند قضاء منسكهم وأداء فَرضِهم، وهؤلاء تحللهم عن إحرامهم عند شهود ربهم، فأمَّا القاصدون بنفوسهم فأحرموا عن المعهودات من محرمات الإحرام، وأمَّا القاصدون بقلوبهم فإنهم أحرموا عن المساكنات وشهود الغير وجميع الأنام. قوله جلّ ذكره: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ}. ضرب رقم الكفر على من ترك حج البيت، ووقعت بسبب هذا القول قلوب العلماء في كدِّ التأويل، ثم قال: {فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ} وهذا زيادة تهديد تدل عَلى زيادة تخصيص. ويقال إن سبيل من حج البيت أن يقوم بآداب الحج، فإذا عقد بقلبه الإحرام يجب أن يفسخ كلَّ عَقْدٍ يصدُّه عن هذا الطريق، وينقض كل عزم يرده عن هذا التحقيق، وإذا طَّهَّرَ تَطَهَّرَ عن كل دَنَسٍ من آثار الأغيار بماء الخجل ثم بماء الحياء ثم بماء الوفاء ثم بماء الصفاء، فإذا تجرَّد عن ثيابه تجرد عن كل ملبوسٍ له من الأخلاق الذميمة، وإذا لبَّى بلسانه وجب ألا تبقى شَعْرَةٌ مِنْ بَدَنِهِ إلا وقد استجابت لله. فإذا بلغ الموقف وقف بقلبه وسِرِّه حيث وقفه الحق بلا اختيار مقام، ولا تعرض لتخصيص؛ فإذا وقف بعرفات عرف الحق سبحانه، وعرف له تعالى حقَّه على نفسه، ويتعرَّف إلى الله تعالى بِتَبَرِّيه عن مُنَّتِه وحَوْلِه، والحقُّ سبحانه يتعرَّف إليه بِمِنَّته وطَوْله، فإذا بلغ المشعر الحرام يذكر مولاه بنسيان نفسه، ولا يصحُّ ذكرُه لربِّه مع ذكره لنفسه، فإذا بلغ مَنيّ نفى عن قلبه كل طَلَبٍ ومُنَى، وكلَّ شهوةٍ وهوى. وإذا رمى الجمار رمى عن قلبه وقذف عن سره كل علاقة في الدنيا والعقبى. وإذا ذبح ذبح هواه بالكلية، وتَقَرَّب به إلى الحق سبحانه، فإذا دخل الحَرَمَ عَزَمَ على التباعد عن كل مُحرَّم على لسان الشريعة وإشارة الحقيقة. وإذا وقع طَرْفُه على البيت شهد بقلبه ربَّ البيت، فإذا طاف بالبيت أخذ سِرُّه بالجولان في الملكوت. فإذا سعى بين الصفا والمروة صفَّى عنه كل كدورة بشرية وكل آفة إنسانية. فإذا حَلَقَ قطع كلَّ علاقة بقيت له. وإذا تحلل من إحرام نفسه وقصده إلى بيت ربِّه استأنف إحراماً جديداً بقلبه، فكما خرج من بيت نفسه إلى بيت ربه يخرج من بيت ربه إلى ربه تعالى. فمن أكمل نُسْكَه فإنما عمل لنفسه، ومن تكاسل فإنَّ الله غني عن العالمين وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحاج أشعث أغبر"تفسير : ، فمن لم يتحقق بكمال الخضوع والذوبان عن كليته فليس بأشعث ولا أغبر.
البقلي
تفسير : {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} العرش قبله الملائكة والكرسى قبلة سكارى الحضرة البيت المعمور قبله السفرة والكعبة قبلة الناس علما خاصا الحال الطارقين الى الوسائط وحجبهم بها عن مشاهدة جماله غيرة على نفسه عن ان يرث احد اليه سبيلا لانه وضع نبيه قبل أدم ابتلاء وامتحانا لتحجبوا بالبيت عن صاحب البيت ومن ارعض سره عن الجهة فى توجهه الى الله صار الحق قبله له فيكون هو قبلة الجميع كأدم قبلة الملائكة لانه وسيلة الحق بينه وبين ملائكته لما عليه كسوة جلاله كما قال عليه السلام خلق الله أدم على صورته يعنى القى عليه حسن صفاته ونور مشاهدته كما قال تعالى فى حق موسى والقيت عليك محبتة منى والمحبة خاصته صفاته الازلية ومن اعرض من اهل العبودية عن أدم فمثله كمثل ابليس من الملائكة لان من شرط المعرفة العبور بالوسائط فى عالم العبودية فاذا كان محققا فى المشاهدة قال اى جهة فثم وجه الله كما قال تعالى فاينما تولوا فثم وجه اله لانه فى محل عين الاجمع وكما قال بعض العارفين ما نظرت الى شئ الا ورايت الله فيه وايضا اوضع بيته وكساه بكسوة أياته الكبرى وهى نور القدرة لجذب قلوب عباده اليه بوسيلته لاجل ذلك قال بيتى لتخصيص الاضافة ولانه منور بنور أياته الخاصة {لَلَّذِي بِبَكَّةَ} سميت البكة لالتصاق ارواح العشاق به شوقا الى لقاء حبيبهم ولا زدهام العارفين اليه بالمبادرة والمسارعة ببذل المهج ويقال لا تعلق قلبك باول بيت وضع لك ولكن افرد سرك لاول حبيب انزله وقيل شتان بين عبد اعتكف عند اول بيت وضع له وبين عبد لازم حضرته عزيز كان له {مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} اى مقدسا من ان يلتصق به ريب الشاكين اوتهمة المرائين او ان يرى وبه عروس الايات الى غير المخلصين ايضا تعظما بما كسى الله عليه من انوار قربه وحضرته وبركاته ان يسكن به قلوب المريدين ويكو مروحة لفواد المستاقين وروضة الارواح الصادقين وريحانة لمشام العاشقين وهدى هاديا بانكشاف نوره للعالمين من المؤمنين وايضا هدى للمنقطعين الى شهود الانس وراشد للمحسنين الى مشاهدة الرب تبارك وتعالى وقال الاستاد بركاته اتصال الطاف والكشوفات هناك لكن قصده بهمه ونزل عليه بقصد هذه الى طريق رشده وقال الحسين ان الحق تعالى اورد تكليفة على ضربين تكليفا عن وسائط تكليفا بالحقائق فتكليف الحقائق بدت معارفه منه وعادت اليه تكليف الوسائط بدت معارفه عمن دونه ولم يتصل به الا بعد الترقي منها الى الفناء عنها فمن تكليف الوسائط اظهار البيت والكعبة فقال ان اول بيت وضع فما ذمت متسلابة كنت منفصلا عنه فاذا انفصلت عنه حقيقة وصلت الى ظهره وواصفه وكنت مترسما بالبيت متحققا بواضعه قوله {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ} البيت مرأة العارفين يتجيلى الحق لهم بوسائط الايات ابهم الخلق سر ظهوره فيه لئلا يطلع عليه كل اجنبى من هذه القصة وشان البيت وشجرة موسى سواه تجلى منها لموسى وتجلى منه لامة محمد صلى الله عليه وسلم واشار بالايات البينات الى نفسه تعالى وقتدس عن الحلول والنزول وبنعت الانتقال قال الاستاد فيه ايات ولكن لا يدرك تلك الايات بابصار الرؤس ولكن ببصائر القلوب وقال محمد بن الفضل فيه ايات بينات علامات ظاهرة يستدل بها العرافون على معرفهم قوله {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} الرضا والتسليم والانبساط واليقين رضاه حين القى فى النار وتسليمه فى ذبح ولده وانبساط قوله رب ارنى ويقينه قوله وكذلك نرى ابرايهم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقين وزايدته مقام المكاشفة فالمشاهدة والخلة والفتورة فمن وافق سره سر هذه المقامات فقد ادى حق مقام ابراهيم وايضا للخليل مقام المعرفة والتوحيد والفناء والبقاء والسكر والصحو فمن ذاق طعم السكر وتمكن فى الصحو فنى عن اوصاف نفسه وبقى على اوصاف الحق بنعت الخلق عليه والتنور بانوار المعرفة والتلبس بلباس التوحيد وطاروحه فى سنأ القدم وطاش قلبه فى جلال الابدية وسار سره فى الملك الاعلى وهام عقله فى وادى العظمة والكبرياء واطمانت نفسه فى احكام الربوبية بلا جزع وفزع فقد فاز برؤية مقام ابراهيم لانه محل التمكين قال الاستاد مقام ابراهيم فى الظاهر ما باشر بتقدمه وهو فى الاشارة ما وافق الخليل بهمه وقيل ان شرق مقام ابراهيم لانه اثر الخليل واثار اخليل عند الخليل اثرو خطرعظيم وقال الشبلى مقام ابراهيم هو الخلة فمن شاد فيه مقام ابرايهم الخليل فهو شريف ومن شاهد فى مقام الحق فهو شرق قال محمد بن على التمذى مقام ابراهيم هو بذال التقبس والولد والمال فى رضا خليله فمن نظر الى المقام ولم يتجلى مما تجلى منه ابراهيم من النفس والمال والولد ولم يسلم فقد بطل سفره وخابت دجلته قوله تعالى {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} من دخل مقام الانابة اعتصم بنورا لكفاية عن تواتر المعصية ومن دخل مقام الزهد فقد استراح من هو اجس الوسوسة ومن دخل مقام التوكل قلت من ضيق الاشتغال بالمكاسب ومن دخل مقام الرضا فقد فاز من الفنا ومن دخل مقام الوفاء فقد ذاق طعم الصفا ومن دخل مقام الاستقامة فان من تلوين الخاطر ومن دخل مقام الاخلاص من من أفات الرياء والسمعة ومن دخل مقام الصدق من من رعونات النفس ومن دخل مقام التسليم مثل الخليل فقد خرج من تنازع النفس وتدبيرها وارادتها لوم يبق له اختيار وسكن فى اختيار الحق ومراده منه وأمن من خوف فوت المراد لان جميع الخوف من جهة فوت المراد فاذا لم يبق له مراد زال الخوف باسره منه ولم يبق للخوف مساغ فى وصفه ولا محالة ان دخول البيت لا يكون متسحنا الا بتسليم الامور الى رب البيت فان من لم يكن بالتسليم موقوفا فى ترك مراده فهو معارض للتقدير فى جميع الامور وحسن الادب فى دخول البيت التسليم بنعت الرضا دون المعارضة وتزاع البشرية من دخل مقام المراقبة من بعد الاستقامة من الخطرات الردية ومن دخل مقام الانس فاءت عنه الوحشة وغربت عنه شره الفترة ومن دخل مقام الخوف امات الله عنه خوف زوال المحبة ووقر بنور الهيبة عند جميع الخلق ومن دخل مقام الرجاء شعشعت عنه دارات الامتحان وترح عن افتنانها بحلاوة الدنيا وزهرتها لان من دخل فقلبه سلطان حقائق الرجاء امن من نوازع البشرية وهو اجس الطبيعة وقوارع النفسانية لان نور الرجاء من بحر الانس ونور الانس من بحر القدس والقدس من صفاته علا كبرياوه وجلت عظمته ومن التجا الى ظل لسطان الوحدانية امن من عارات الشيطان لانه دخل فى قباب عصمته ومن كان فى مقام كنف ستر جبروته فانى يلحقه ايدى الشياطين قال الله تعالى {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} تفسير : واخبر عن عدوهم وقال لا غويتهم اجميعن الا عبادك منهم المخلصين ومن دخل مقام المحبة امن من الابعاد والطرد والغضب ومن دخل مقام الشوق امنت روحه من ارتباطها عى عالم الحدثان ومن دخل مقام العشق صار متصفا بصفات لاحق وخرج من اوصفا النفس ومن دخل مقام المعرفة امن من عين النكرة ومن دخل اليقين امن من غبار الشك والريب ومن دخل سر اوقات التوتحيد جنحت عنه خواطر الشرك لان حقيقة التوحيد الخروج عن عرضة النفس وسجن الوسواس وعلائق المعاهدات البشرية وقطع عوائق الانسانية عن اوطان الذكر ومن دخل مقام الذكر اطمان برؤية المذكور وخلص من ذكر ما سوى الحق واذا خرج العبد عن نفسه وشهواته ببلغ مقام صفاء العبوندية وافذا بلغ صفاء العبودية بلغ صفاء الحرية ومن بلغ صفاء الحرية بلغ صفاء ا لذكر ومن بلغ صفاء الذكر دخل فى مشاهدة المذكور وامن من عذاب القبور ومن دخل مقام التفكر غاصت روحه فى بحار انوار الملكوت وترى فى اصداق العيوب جواهر الجبروت وسملت من ربق النفس وطوارق الشيطان ومن دخل مقام الحياء تصدعت عن امرار قلبه ادخل الشيطان وتقدس سره من نفخ الوسواس ومن دخل حجال عين الجمع سكن فى وجد الحق تعالى بلذة الانبساط ونور البسط ولابسه الله خلقة الاناينة امن من صافت الانسانية وسكر من تكاليف حياة الدنيا وبه ومن دخل قلبه انوار اقربة سكنت روحه بالمشاهدة وعقله بالمكاشفة وسره بالمعاينة ونفسه فى العبادة ومن دخلت روحه فى انور العظمة تاه قلبه فى وداى الهيبة وعقله سكن بنور المعرفة وسره بنور الوصلة ونفسه بلذة المانية فى امور الربوبية ومن دخل سره فى جنان الانس مسكن قلبه فى ظهور انوار القدس وروحه فى بروز نور القدم وعقله فى كشوف نور القدرة ومن دخل عقله فى نور الشواهد سكن سره بقاء الشهود وروحه فى روية عين الحقيقة وقلبه فى محبة الازلية ونفسه فى رسوم المخاطبة ومن دخلت نفسه فى مراد الحق وخرجت عن مراياة الخلق سكن قلبه بنور الاخلاص وروحه بنور الصدق وعقله فى صفاء العبودية وايضا من دخل نور اليقين قلبه امن سره من اضطراب الشك وعلقه من رحمة النفس وروحه من هموم التدبير ونفسه من نفاد الشهود الخفية ومن دخل نور الايمان عقله راى قلبه حقائق البراهين وروحه عالم الملكوت وسره نور الجبروت ونفسه احن اصوات خطاب بالخاص من حضر الحق جلت عظمته ومن دخل نور التوحيد روحه فتق عين سره بنور الوحدانية وعين قلبه بكحل الفردانية ورسخت نفسه فى اخلاص العبودية ومن دخل نور الاسلام نفسه امن روحه من خطراتهما وامن سره من لحظاتها وامن قلبه من وسواسها وامن عقله من نزاعائها ومن دخل بهذه الصفات التى ذكرنا بيت ربه تعالى امن من عذاب هجرانه فى الدنيا والاخرة وقال الاستاد جعلنا الاشارة من البيت الى القلب ومن دخل قلبه سلطان الحقيقة امن من نوازع البشرية وهو اجس عاهدت النفس وقيل ان الكناية بقوله سبحانه ومن دخله راجعة الى البيت ومن دخله يشبه على الحقيقة كان أمنا وقيل لا يكون دخول البيت على الحقيقة الا بخروجك عنك اذا خرجت عنك صح دخولك فى البيت واذا خرجت عنك امنت قال جعفر بن محمد فى قوله ومن دخله أمنا اى من عرف الله لم يانس بئ سواه وقال النورى من دخل قلبه سلطان الاطلاع كان أمنا من هو احبس نفسه وسواس الشيطان وقال الواسطى من دخله على شرائط الحقيقة كان أمنا من رعونات نفسه قال ابن عطا من دخله كان امنا من عقابه والله فى الدنيا ثواب وعقاب فثوابه العافية وعقابه البلاء فالعافية ان يتولى عليك امرك والبلاء ان يكلمك الا نفسك وقال جعفر من دخل الايمان قلبه كان أمنا منالكفر وقال الواسطى فى موضع أخر من جاوز قلبه الايمان كان أمنا فى روعنات نفسه وقال جعفر الصدق من دخله على الصفة التى دخلها الانبياء والاولياء والاصفياء صار أمنا من عذابه كما أمنوا قوله تعالى {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} اضاف الحج الى الى نفسه لما فيه اثار الربوبية وحقائق العبودية ايضا لزم حق العبودية على عباده لاقاء شكر الربوبية وايضا ارشدهم الى روية المقصود فى الايات والعلامات بوسيلة القسد الى بيته وايضا قرض حج البيت على الجمهور الحضور الخواص زائرين رب البيت وايضا اراد ان يرى عباده عظمته وكبرياءه فى رؤيتهم ذل العبودية والتواضع والتضرع على اعناقهم وايضا اى واجب لوجوب على عبادى القصد الى مشاهدتى ببذل الاموال والنفوس الارواح وترك الراحات والشهوات والاولاد والارواح بنعت التجريد عن المكونات فى قصدهم الى بيته ويختص البيت لقصدهم رسما وحكما عن المشاهدة لانه تعالى وتقدس منزه عن الحلول والتشبيه يتجلى منه القاصدين اليه فى لبسا الملك والأيات لانه تعالى قال فيه أيات بينات اخبر عن الأيات فى نفس البيت واشار الى تجلى الصفات فى نفس الأيات كما قال عليه السلام جاء الله من سينا واستعلن بسا غير واشرق من جبال فاران يعنى جبال مكنة وعنى بالجبال والله اعلم بيت الله الحرام لانه احجار اصفطاها الله تعالى فى الازل قبله لعباده ومراة لكشوف خواصة والاستطاعة فى سبيله معرفته وقربة ورؤية الطافه فى سائر الاوقات واليقين فى وعده والتوكل عليه فى جميع الامور والمراقبة ودوام الرعاية ومعرفة حفظه وكلايته جميع عباده ومحبته الصافية عن رعونة النفس وصدق القصد اليه بصفاء النية وطهارة القلب عما سواه زادهم دوام الذكر والفكر فى الأية ونعمائه وقدرته الكاملة ورحمة الكافية ضدا وأمثال هذه المقامات استطاعة القاصدين الى بيته انقطاع عن سبيل الرشاد وهلك فى مهلكه العناد قال الله تعالى {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} اضاف الحج فى اول الآية فى نفسه ونزه نفسه فى أخرها ليعلم اهل خبرة العبودية له شفقته على عباده لان العباد ترجع اليهم بالثواب وهو منزه عن الاسباب والقاصدين الى بيت الله تعالى على ثلثة اقسام قسم منهم قاصدون الى البيت باموالهم وانفسهم لطلب الثواب وقسم منهم القاصدون الى البيت بارواحهم العاشقة لطلب حقائق المعرفة والقربة وصفاء الوصلة وزيادة مشهد التجلى والتدلى فاهل الظاهر يرحمون عن الحظورات ويحلون عن احرامهم عند قضاء نسكهم واداء فرضهم واهل الباطن يحرمون عنا كائنات والنظر الى البريات ولا يحلون ما داموا فى الدنيا الا مشاهدة الذات وكشف الصفات فشتنان بين من يرحم من المعهودات وبين من يحرم منلامسكنات وشهود المكونات لكن بلاياه لا يحملها الا مطاياه ألا ذهبوا وذهب معهم البركات وغريت بغروبهم فى مغرب الابد شموس الكرامات واقمار الأيات ذاع خيرهم فى الأفاق وخفى اثرهم عن الاماق رحمة الله عليهم حياة ومماتها من الاشارة فى قصور حجاج كعبة الحقيقة اذا اراد واستقبال قلوبهم الى نحو المقصود على بيت الله الحرام عقد وبالحقيقة مع الله بنعت المحبة عقد المعرفة وفسخوا جميع العقود التى عقدوا فى غير طريق الحق من ايثار سواه عليه وعهود النفس التى اخذت للرياء والسمعة وطلب العلو والشرف اعدوا السبل مواطن المشاهدة زاد الصدق فى التوكل والاخلاص واليقين والزهد فى تجارة الله وراحلة الصبر قوائمها الحمد ورأسها الحلم وبطنها الروع وسرجها التمكين وخرامها الاستقامة وزمامها التسليم وسوطها الادب وارها الرضا وسماؤها اليقين وماؤها الفكر وعلقها الذكر ورياضها المكشافة ومرعاها المشاهدة وتوجهها الى شهود القدم واذا خرجوا من اوطانهم هذه الراحلة هجروا من الدنيا وما فيها واستعدوا هبة الموت من جميع الخلائق من المعاشرين المتقاربين واسرعوا فى طريق الرياضة والزموا افنسهم كدج الحادين المحدين وتوجهوا بنعت الاخلاص الى الله ولم يلتفتوا الى غيره فى طريقه من اهل الدثر والدبر والبتر وعزموا ان لا يجوز عن قصد السبيل الى سبل دواعى الهوى والشياطين واذا ركبوا مراكبهم يكون قايدهم الهدى وسايقهم التقوى ومنهدهم الصفا ورفيقهم المولى وعديلهم العلم وصحبهم الحلم الشوق سيوقهم فى وادى العشق مونسهم الحنين ومطربهم الانين بدرقتهم الحبيب واذا قربوا من وادى الجرم ساروا مسرعين من الشوق وقطعوها نادمين من الذنب وخرقوها ساذمين الى مشاهدة الرب متسحرين من فوت الاوقات هائمين فى طلب الدرجات باكين دماء الحزن بالزفرات نائحين على أنفسهم بنعت العبرات واذا بلغوا راس الوادى خلعوا ثوب الراحات وتجردوا عن جميع الشهوات ولبسوا احرامهم التفريد واعتسالوا فى بحر التجريد وتطهروا عن جمع شوائب العلل واذا لبوا سمعوا أصوات الرضا بنعت الوصلة والقربة ونداء الحق قبل كونهم فى الازل واذا بلغوا عرفات صاروا متبطئين فى قيود السكر لافكاك لهم عنها الا بستر الصحو فبين السكر والصحو هائمين وبين الهيبة والبسط حائرون يعرف لهم الحق جلت عظمته حقائق المشاهدة وصفات المكاشفة واظهر لهم مكنونات الغيوب ومضمرات القلوب واذا وقفوا وقفوا راجين الى لقاء الرحمان خائفين من القطيعة والهجران شاهدين مقام الحياء حاضريم قمام الفناء فرؤية البقاء واذا وصلوا الى مشعر الحرام ذكروا الله بنعمة رؤيته وذكرهم هناك غى اللسان وهجلة الجنان فى قدم الرحمن مقشورين بين يديه مطرقين من التقصير منخين من التفريط واذا بلغوا المنى ذبوحوا انفسهم عن اللذات والشهوات واذا رموا بالجمرات رموا مجاهدتهم ورياضتهم وعبادتهم الى كتم العدو لوصولهم مشاهدة القدم واذا كسروا الحجارة كسروا متعها شهوات بواطنهم وارادات انفسهم عن ممكنات اسرارهم واذا حلقوا حلقوا عن ابطنهم فضولات الوسواس وحب محمد الناس واذا دخلوا ارض الحرم علموا انهم عند سرادق العظمة وابواب الحضرة خاضعين من الاجلال ذائبين فى نيران الكبرياء محرمين عما دون الله متاهبيت للقائه لا يحل عليهم شئ من الاكوان قبل وصولهم اليه لانهم فى معادن الصدمية وصولة الصمدية تنمعهم عن علات الحدوثية واذا جخلوا مكة ايقنوا انهم فى جاره لان مكة بمنزلة الجنة ومن دخلها امن من عقابه فى جواره لوعده تعالى واذا دخلوا المسجد دخلوها هائمين لان مكة بمنزلة الجنة ومن دخالها أمن من عقابه فى جواره لوعده تعالى واذا دخلوا المسجد دخلوها هائمين من رؤية عظمته وذكروا هيته واجلاله واذا راوا البيت رأو اقبل رؤية البيت رب البيت ومشاهدته وعلموا انهم فى حضرته القديمة ومشاهدته الكريمة واذا طافوا حول البيت راؤا ملائكته مطيفين حوال العرش والكرسى وايقنوا انهم عند الله تعالى لمنزلتهم واذا استلموا علموا انهم بايعوا الله بيعة الازل بنعت الخروج عن المخالفة بعد تلك المبايعة ولا يمدون ايديهم الى المالوفات والشهوات واذا صلوا خلف المقام علموا انهم فى مقام الوصلة والقربة والمناجاة ومحل الرافين بعهد الله واذا تعلقوا باستار الكعبة ايقنوا انهم معتصمون بحل الاعتصام لائذون بحقيقة عصمته ملتجئون الى كنف قربته منفردين عن اللياذة واجدون الحق بعد ذكل واذا دخلوا بيت تعالى ايقنوا انهم فى حفظ عنايته وكنف كلايته مستغرقين فى وجود قدمه وبقائه واذا صعدوا الصفا والمروة خرجوا من كدورات النفسانية وراؤا انهم فى مقام الاصطفاء والاجتباء ومن له بصيرة المعرفة علم وتحقق ان الله تعالى رسم هذه المناسك المشاعر مثالا لحضرة جلاله نبى الكعبة مثالا للعرش ومسجد الحرام مثالا لحظيرة القدس وجعل البلد مثالا لجنة والصفا والمروة وجبال مكة مثالا لحجاب الملكوت والحرم كله سواتر الجبروت والمنى مقام الامن والمشعر مقام الخوف والتعظيم والمعرفة ارض المحشر والمحرم مقام القيامة والبادية الدنيا والخروج من الوطن والموت والقصد الى زيارة البيت التاهب للقاء الرب تبارك وتعالى فاذا ابصر حقائق هذه الامثال صار حجة قربة مشاهدة سعيد مبرورا عمله مشكورا ذكرت حج العارفين من الموقنين والشاهدين وايضا هذه امثلة مشاعر الباطن فالكعبة هى القلب والحجر الصدر والبلد الصورة والصفاء العقل والمروة العلم والمنى الحلم والمشعر الذكر والعرفات صفاء العبودية والمعرفة والمحرم المقامات والخالات اوالبادية النفس والهوى والحاج الروح المقدس واما اسرار العاشقين ايضا اذا حجبت فكعبتها ذات القدمية جلت عظمته وعز كبرياؤه ومناسكها مراتب السر فى الصفات فاذا تجردت الاسرار فى بيداء الازل عن الاماكن والازمان والحدثان استقبلت الى عروس البقاء والسرمدية تحولها مطاف حظائر القربة على بساط الحشمة والانبساط فكل نفس منها لما نظره وشاهده وكاشفه فحجها منه اليه وغنه به وبه عنه ومنه له فاشنها عجيب ووحدها غريب وقيل لم يخاطب عباده فى شئ من العبادات فان الله عليهم الا الحج وفيه فوائد احدها انه ليس من العبادات عباد يشترك فها المال ولانفس الا الحج فاخرجه بهذه الاسم وقيل لما كانت فيه اشارات القيامة من تجريد ووقوف قال الله عليك ذلك لتهئ باطنك للموقف الاكبر كما هيات ظاهرك لهذا الموقف وقيل ان رجلا جاء الى الشبلى فقال له الى اين قال الى الحج قال هات عزارتين فاملاهما رحمة واكتسبهما وجئ بهما لكيون حظنا منا لحج بعرضها على من حضر ويحيى بها من يراه قال فخرجت من عنده فلما رجعت قال الى حججت قلت نعم اقل لى ايش عملت قلت اغتسلت واحرمت وصليت ركعتين ولبيت فقال لى عقدت به الحج قلت نعم قال فنسخت بعقدك كل عقد عقدت منه خلفت مما يضاد هذا العقد قلت لا قال فما عقدت قال ثم نزعت ثيابك قلت نعم قال تجرت من كل فعل فعلت قلت لا قال ما نزعت قال ثم تطهرت قلت نعم قال ازلت عنك كل علة يطهرك قلت لا قال فما طهرك قال ثم لبيت قلت نعم قال وجدت جواب التلبية مثلا مثل قلت لا قال ما لبيت قال ثم دخلت الحرم قلت نعم قال اعتقدت بدخولك ترك كل محرم قلت لا قال ما دخلت الحرم قال ثم اشرفت على مكة قلت نعم قال اشرف عليك من الله حال باشرافك على مكة قلت لا قال ما اشرفت على مكة قال دخلت المسجد الحرام قلت نعم قال دخلت فى قربه من حيث علمته قلت لا قال ما دخلت المسجد قال رأيت الكعبة قلت نعم قال رايت ما قصدت له قلت لا قال ما رايت الكعبة قال ملت ثلثا مشيت اربعا قلت نعم قال هربت من الدنيا هربا علمت انك به قد فاصتلها وانقطعت عنها ووجدت بمشتيك الاربع امنا فما هربت منه فازددت الله شكرا لذلك قلت لا قال فما طفت قال صافحت الحجر قلت نعم قال ويلك قرابينهم فلما اقربوا قربانهم وقضوا --- طهروا من الذنوب التى كانت لهم حجابا من دونه فاذن لهم بالزيارة على الطهارة قوله تعالى {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} وبخهم بالكفر بعد هشودهم مشاهد الآيات بامر الظاهر واستدرجهم بما اورثهم من الشهوات بقضاء الباطن وحذرهم لشهوده على اسرارهم ليطرهم عن قربه ووصاله وقال الاستاد الخطاب بهذه الاية تأكيد الحجة عليهم فمن حيث الشعر تكوكدا الحجة عليهم ومن حيث الحقيقة والقهر سد الحجة عليهم فهم مذعورون شرعا وامروا مطرودن حكما وقهرا قوله تعالى {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} نهاهم الله عن الصد والصد لا يكون الا من الحسد والحسد مذهب المغضين الذين لا يطيقون ان يروا على المريد اثر كرامة الله وهم فى الحقيقة مصدودون والمصدود مطرود يضل ويضل.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان اول بيت} البيت ما يبيت فيه احد ثم استعمل فى المكان مطلقا {وضع للناس} ـ روى ـ انه لما حولت القبلة الى الكعبة طعن اليهود فى نبوته عليه السلام وقالوا ان بيت المقدس افضل من الكعبة واحق بالاستقبال لانه وضع قبل الكعبة وهو ارض المحشر ومهاجر الانبياء وقبلتهم والارض المقدسة التى بارك الله فيها للعالمين وفيها الجبل الذى كلم الله عليه موسى عليه السلام فتحويل القبلة منه الى الكعبة باطل فنزلت اى {ان اول بيت وضع} لعباد وجعل متعبدا لهم والواضع هو الله تعالى {للذى ببكة} خبر لان اى للبيت الذى فى بكة وهو علم للبلد الحرام من بكه اذا زحمه لازدحام الناس فيه ولانها تبك اعناق الجبابرة اى تدقها لم يقصدها جبار الا قصمه الله عز وجل. وما روى ان الحجاج حبس عبد الله بن الزبير رضى الله عنه فى المسجد الحرام وضرب المنجنيق على ابى قبيس ورمى به داخل المسجد وقتل عبد الله فليس ذلك اضرارا بالبيت وقصدا بالسوء لان مقصود الحجاج كان اخذ عبد الله ـ روى ـ "حديث : انه صلى الله عليه وسلم سئل عن اول بيت وضع للناس فقال "المسجد الحرام ثم بيت المقدس" وسئل كم بينهما فقال "اربعون سنة" ". تفسير : ـ روى ـ ان الله وضع تحت العرش بيتا وهو البيت المعمور وامر الملائكة ان يطوفوا به ثم امر الملائكة الذين هم سكان الارض ان يبنوا فى الارض بيتا على مثاله فبنوا وامر من فى الارض ان يطوفوا به كما يطوف اهل السماء بالبيت المعمور ِـ وروى ـ ان الملائكة بنوه قبل خلق آدم بالفى عام فلما اهبط آدم الى الارض قالت له الملائكة طف حول هذا البيت فلقد طفنا حوله قبلك بالفى عام فطاف به ادم ومن بعده الى زمن نوح عليه السلام فلما اراد الله الطوفان حمل الى السماء الرابعة وهو البيت المعمور بحيال الكعبة يطوف به ملائكة السموات. وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه اول بيت بناه آدم فى الارض فنسبة بناء الكعبة الى ابراهيم على هذه الروايات ليس لانه عليه السلام بناها ابتداء بل لرفعه قواعدها واظهاره ما درس منها فان موضع الكعبة اندرس بعد الطوفان وبقى مختفيا الى ان بعث الله جبريل الى ابراهيم عليه السلام ودله على مكان البيت وامره بعمارته ولما كان الآمر بالبناء هو الله والمبلغ والمهندس هو جبريل عليه السلام والبانى هو الخليل والتلميذ المعين له اسماعيل عليهما السلام. قيل ليس فى العالم بناء اشرف من الكعبة {مباركا} حال من المستكن فى الظرف لان التقدير للذى ببكة هو اى كثير الخير والنفع لما يحصل لمن حجه واعتمره واعتكف به وطاف حوله من الثواب وتكفير الذنوب {وهدى للعالمين} لانه قبلتهم ومتعبدهم ولان فيه آيات عجيبة دالة على عظيم قدرته وبالغ حكمته كما قال
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {بكة}: لغة في مكة، والعرب تعاقب بين الباء والميم، تقول: ضربة لازم ولازب، وأغبَطَتْ عليه الحُمِّى وأغْمَطَتْ، وقيل: {مكة} بالميم: اسم للبلد كله، وبكة: اسم لموضع البيت، سميت بذلك؛ لأنها تبك أعناق الجبابرة – أي: تدقها – فما قصدها جبَّار بسوء إلا قصمه الله. و {مباركاً}: حال من الضمير في المجرور، والعامل فيه الاستقرار، أي: الذي استقر ببكة مباركاً، و {مقام إبراهيم}: مبتدأ، والخبر محذوف، أي: منها مقام إبراهيم، أو بدل من {آيات}، بدل البعض من الكل، أو عطف بيان، على أن المراد بالآيات: أثر القدم في الصخرة الصمَّاء، وغوصُوها فيها إلى الكعبين، وتخصيصُها بهذه المزيَّة من بين الصخور، وإبقاؤه دون سائر آثار الأنبياء، وحفظه مع كثرة أعدائه ألوف سنة، فكان مقام إبراهيم، وإن كان مفرداً، في قوة الجمع، ويدل عليه أنه قرئ {آية}: بالتوحيد. وقيل: {الآيات}: مقام إبراهيم، وأمْنُ من دخله، فعلى هذا يكون: {ومن دخله}، عطفاً على {مقام}، وعلى الأول: استئنافاً. و {حج البيت} مبتدأ، و {لله}: خبر، والفتح لغة الحجاز، والكسر لغة نجد، و {من استطاع}: بدل من {الناس}، وقيل: فاعل. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن أول بيت وضع} في الأرض {للناس} للذي استقر بمكة، وبعده بيت المقدس، وبينهما أربعون سنة. بنت الأولَ الملائكة حيالَ البيت المعمور، وأمر اللّهُ مَنْ في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور، ثم بُنِيَ الثاني. وقيل: بناهما آدم عليه السلام ثم جدَّد الأول إبراهيمُ. حال كونه {مباركاً}؛ لأنه يتضاعف فيه الحسنات، بكل واحدة مائة ألف، وتكفر فيه السيئات، وتنزل في الرحمات، وتتوارد فيه النفخات. {فيه آيات بينات} واضحات، منها: الحجر الذي هو {مقام إبراهيم}، وهو الذي قام عليه حين رفع القواعد من البيت، فكان كلما طال البناء ارتفع به الحجر في الهواء، حتى أكمل البناء، وغرقت فيه قدمه كأنه طين، ومنها: أن الطير لا تعلوه، ومنها: إهلاك أهل الفيل وردُّ الجبابرة عنه، ونبع زمزم لهاجر بهمز جبريل عليه السلام، وحفر عبد المطلب لها بعد دُثُورها، وأن ماءها ينفع لما شُرب له، {ومن دخله كان آمناً} من العقاب في الدارين؛ لدعاء الخليل:{أية : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِناً}تفسير : [إبراهيم: 35]، فكان في الجاهلية كل من فعل جريمةً، ثم لجأ إليه لا يُهَاج ولا يعاقب ما دام به، وأما في الإسلام فإن الحرم لا يمنع من الحدود ولا من القصاص، وقال أبو حنيفة: الحكم باق، وإن من وجب عليه حد أو قصاص فدخل الحرم لا يهاج، ولكن يُضيَّق عليه، فلا يطعم ولا يباع له حتى يخرج. قال – عليه الصلاة والسلام:"حديث : مَنْ مَاتَ في أحد الحرمين بعثه اللّهُ من الآمنين"تفسير : . وقال أيضاً:"حديث : مَنْ حَجَّ هذَا البَيْتَ – فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ من ذَنُوبِه كَيَوْمِ وَلَدتهُ أُمُّه ". تفسير : {ولله على الناس حج البيت} فرض عين على {من استطاع إليه سبيلاً} بالقدرة على الوصول بصحة البدن، راجلاً أو راكباً مع الزاد المُبلِّغ، والأمن على النفس والمال والدين. وقيل: الاستطاعة: الزاد والراحة. {ومن} تركه، و {كفر} به، كاليهود والنصارى، وكل من جحده، {فإن الله غني} عنه، و {عن} حجه، وعن جميع {العالمين}، أو عبر بالكفر عن الترك، تغليظاً كقوله:"حديث : مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ فَقَدْ كَفَر"تفسير : رُوِيَ أنه – عليه الصلاة والسلام – لما نزل صدر الآية – جمع أرباب الملل، فخطبهم، وقال:"إن الله كتب عليكم الحج فحجوا"، فآمنت به ملة واحدة، وكفرت به خمس ملل، فنزل {ومن كفر...} الخ. الإشارة: قد وضع الله للناس بيتين: أحدهما حسي، وهو الكعبة، والآخر معنوي، وهو القلب، الذي هو بيت الرب، فما دام بيت القلب خالياً من نور الرب اشتاق إلى حج البيت الحسي، فإذا تعمر البيت بنور ساكنه، صار قبلة لغيره، واستغنى عن الالتفات إلى غير نور ربه، بل صار كعبة تطوف به الواردات والأنوار، وتحفه المعارف والعلوم والأسرار، ثم يصير قطب دائرة الأكوان، وتدور عليه من كل جانب ومكان، فكيف يشتاق هذا إلى الكعبة الحسية، وقد طافت به دائرة الوفود الكونية؟ ولله در الحلاج رضي الله عنه حيث قال: شعر : يَا لاَئِمِي لا تَلُمْني في هواه فَلَوْ عايَنْتَ منه الذي عاينْتَ لم تَلُمِ للنَّاسِ حجٍّ ولي حجٍّ إلى سَكَنِي تُهْدَى الأضَاحِي، وأُهْدِي مُهْجِتِي ودَمِي يطوفُ بالبيت قومٌ لا بجارحةٍ، بالله طافوا فأغنَاهم عن الحَرَمِ تفسير : في هذا البيت آيات واضحات، وهو إشراق شموس المعارف والأنوار، في فضاه سماء الأرواح والأسرار، وسطوع أنوار قمر التوحيد في أرض التجريد والتفريد، وظهور أنوار نجوم العلم والحِكم، في أفق سماء ارتفاع الهمم، فهذا كان مقام إبراهيم، إما الموحدين، فمن دخله كان آمناً من الطرد والبعاد إلى يوم الدين، ومن كفر وجوده؛ فإن الله غني عن العالمين. قال في الحاشية في قوله: {ومَنْ دَخَلَه كان آمناً}، قيل: وهكذا من دخل في قلب وليٍّ من أوليائه، فإن قلب العارف حرم المراقبات والمشاهدات. هـ. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
الطوسي
تفسير : المعنى، واللغة، والاعراب: أول الشيء ابتداؤه، ويجوز أن يكون المبتدأ له آخر، ويجوز أن لا يكون له آخر، لأن الواحد أول العدد. ولا نهاية، لآخره، ونعيم أهل الجنة له أول، ولا آخر له، فعلى هذا إنما كان أول بيت، لأنه لم يكن قبله بيت يحج إليه. وروي عن علي (ع) أنه قال: أول بيت وضع للعبادة البيت الحرام. وقد كانت قبله بيوت كثيرة. وقيل أول بيت رغب فيه، وطلب به البركة مكة. وقال مجاهد: لم يوضع قبله بيت. وإنما دحيت الأرض من تحتها. وبه قال قتادة. وروى أصحابنا: أن أول شيء خلق الله من الارض موضع الكعبة، ثم دحيت الأرض من تحتها. وبكة قيل معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن شهاب وضمرة بن ربيعة: بكة هو المسجد، ومكة الحرم كله تدخل فيه البيوت، وهو قول أبي جعفر (ع) وقال أبو عبيدة: بكة هي بطن مكة، وقال مجاهد: هي مكة. وأصل بكة من البك، وهو الزحم تقول بكه يبكه بكاً إذا زحمه وتباك الناس بالموضع إذا ازدحموا، فبكة مزدحم الناس للطواف. وهو ما حول الكعبة من داخل المسجد الحرام، ومنه البك: دق العنق، لأنه فكه بشدة زحمة، فقيل: سميت بكة، لأنها تبك أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم لم يمهلوا. وأما مكة، فقال الزجاج يجوز أن يكون اشتقاقها كاشتقاق بكة. وابدلت الميم من الباء، كقولهم: ضربة لازب ولازم، ويجوز أن يكون من قولهم: امبك الفصيل ما في ضرع الناقة إذا مص مصاً شديداً حتى لا يبقى منه شيئاً، فسميت مكة بذلك لازدحام الناس فيه. قال والأول أحسن، ويقال مك المشاش مكاً إذا تمشش بفيه. ونصب قوله: {مباركاً} يحتمل أمرين: أحدهما - أن يكون حالا من الضمير الذي فيه. الثاني - على الظرف من بكة على معنى الذي استقر ببكة مباركا. وعلى هذا القول لا يكون قد وضع قبله بيت كما يجوز في التقدير الأول. وقوله: {وهدى للعالمين} معناه أنه دلالة لهم على الله من حيث هو المدبر لهم بما لا يقدرون عليه من أمن الوحش فيه حتى يجتمع الكلب والظبي، فلا يعدو عليه وحتى يأنس الطير فلا يمتنع منه كما يمتنع من غيره إلى غير ذلك من الآثار والبينة فيه مع البركة التي يجدها من حج إليه مع ما له من الثواب الجزيل عليه. وأصل البركة الثبوت من قولك برك بركا وبروكا إذا ثبت على حاله، فالبركة ثبوت الخير بنموه وتزايده ومنه البركاء: الثبوت في الحرب. ومنه البركة شبه حوض يمسك الماء، لثبوته فيه. ومنه قول الناس: تبارك الله، لثبوته لم يزل، ولا يزال وحده، ومنه البرك الصدر، لثبوت الحفظ فيه.
الجنابذي
تفسير : تحقيق كون البيت اوّل بيت وضع وكونه مأمناً {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ} بالزّمان كما فى الخبر انّ موضع البيت اوّل بقعة خلقت من الارض على اختلافٍ فى مضمونها ثمّ دحيت الارض من تحتها، وكما فى الاخبار انّ الله أنزله لآدم من الجنّة وكانت درّة بيضاء فرفعه الله الى السّماء وبقى اساسه، او بالشّرف كما فى الخبر: انّ الله اختار من كلّ شيءٍ شيئاً؛ اختار من الارض موضع الكعبة، او للعبادة على ما قيل انّه لم يكن قبله موضع مخصوص للعبادة {وُضِعَ} خلق او بنى {لِلنَّاسِ} لانتفاعهم بالمكاسب فيه للكاسبين، او بغفرانهم لقاصديه، او براحتهم وامنهم عن القاصدين لملتجئيه، او بهدايتهم لناظريه وناظرى آياته، او بكفايتهم وقيامه بأمر معاشهم لساكنيه ومجاوريه ولو كانوا كافرين، او ببقائهم وعدم هلاكهم على ما روى من انّه لو هدم البيت وتركوا الحجّ لهلك اهل العالم {لَلَّذِي} للبيت الّذى {بِبَكَّةَ} بكّة ومكّة مترادفتان، او بكّة موضع البيت ومكّة تمام البلد وسمّيت بكّة لانّ النّاس يبكّون فيها يعنى يزدحمون او لبكاء النّاس حولها وفيها، او لانّها تبّك اعناق الجابرة اى تدقّها واشير الى ذلك فى الاخبار، وروى انّما سمّيت مكّة بكّة لانّه يبكّ بها الرّجال والنّساء والمرأة تصلّى بين يديك وعن يمينك وعن شمالك وعن يسارك ومعك ولا بأس بذلك لأنّه انّما يكره فى سائر البلدان {مُبَارَكاً} ذا بركة لمجاوريه حيث يرزقون من ثمرات الاشجار تماماً مع انّه لا ثمرة فى مكّة ويجلب الحبوب والاثمار اليه ولزائريه حيث يغفر الله لهم كيوم ولدتهم امّهم، وينظر اليهم بالرّحمة، ويقبل توبتهم، ويخلف ما أنفقوا فى سبيله، وللطّيور وسائر الحيوان حيث انّها مأمونة من الاصطياد ولطيور المسجد لكونها مأمونة ومرزوقة، وللاشجار والنّبات فى ارض الحرم حيث انّها مأمونة عن القطع فى الجملة، ولاهل العالم حيث انّهم باقون مرزوقون به كما سبق الاشارة اليه {وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} فى حمل المعنى على الذّات ما مرّ مراراً، وهدايته امّا بكون وجوده سبباً لهيجان النّفوس للتّوجّه والسّلوك اليه، او بكونه سبباً لقرب زائريه الى الله، او بكونه قبلة ومتعبّداً لهم من زمن ابراهيم (ع) او من زمن آدم (ع)، او بكونه ذا آياتٍ دالاّتٍ على تشريف الله ايّاه وعلى كونه فى حماية الله، وعلى صدق الانبياء (ع) الّذين امروا بتعظيمه والطّواف حوله والنّسك لديه، وصدقهم فى ذلك يدلّ على صدق رسالتهم وليس رسالتهم الاّ بالاقرار بالمبدأ والمعاد وتوحيد المبدأ وتوحيد العبادة، وتلك الآيات مثل اهلاك من قصد خرابه مثل ابرهة صاحب الفيل وجنوده، ومثل شيوع الموت فى قبائل اخذوا الحجر الاسود حتّى ردّوه اليه، ومثل تنطّق الحجر الاسود كما روى عند محاجّة محمّد الحنفيّة مع علىّ بن الحسين (ع)، ومثل انحراف الطّيور من محاذاته فى طيرانهم، وبكونه ذا آياتٍ باقيةٍ من آثار الانبياء ومعجزاتهم (ع) مثل مقام ابراهيم فانّ غوص القدم فى الحجر الصّلب آيةٌ دالّةٌ على انّ صاحبه ذو قوّةٍ خارجةٍ عن طوق البشر الهيّة، وكذا كونه محفوظاً على مدى الاعصار مع كثرة اعدائه الّذين كانوا بصدد محو مثل تلك الآثار ولذلك علّله بقوله تعالى {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ}.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ}: وجملة وضع نعت لبيت، واللام فى {للذى} لا التأكيد، والذى: خبر إن وهو من الإخبار بالمعرفة عن النكرة، لأن أول بيت نكرة، والمعنى أن أول بيت وضعهُ الله للناس للعبادة والحج والاستقبال، لهو البيت الذى فى مكة وهو الكعبة، ويدل أن الواضع هو الله تعالى، قراءة بعض، وضع بالبناء للفاعل وهو ضمير عائد إلى الله جل وعلا، ومعنى وضع الله إياه: جعلهُ موضع عبادة، وأما بناؤه، فقيل خلق الله بيتاً من ياقوت أحمر وجعله فى موضع الكعبة، ثم أمر الملائكة فبنوا فى موضعها بيتاً، ثم بناه آدم، ثم إبراهيم، ثم قوم جرهم، ثم العمالقة، ثم قريش، وبكة تعنى مكة، قلبت الميم ياء، كلزم ولزب، كما قلبت الباء ميماً فى راتب، وراتم، والباء بمعنى فى أى فى مكة، وقال ابن القاسم عن مالك: بكة، بالباء، موضع المسجد، فإن الكعبة فى المسجد، ومكة بالميم، القرية من مكة، أو بكة إذا زاحمهُ وتباك القوم: ازدحموا، وبَكَّ الفصيلُ أمه: إذا مص جميع لبنها لقلته وكذلك مكة ماؤها قليل، وكذلك تمك الذنوب: تزيلها، ومن بكة: إذا دقهُ فإنها تدق أعناق الجبابرة، إذا قصدوها بسوء، وعلى الأول محمد بن على الباقر. قال قتادة: رأيت محمد بن على الباقر يصلى فمرت امرأة بين يديه، فذهبت أدفعها فقال: دعها فإنها سميت بكه، لأن الناس يبك بعضهم بعضاً تمر المرأة بين يدى الرجل وهو يصلى، والرجل بين يدى المرأة وهى تصلى لا بأس بذلك، وروى عنه وعن عبد الله بن الزبير: لأنهم يتباكون فيها فى الطواف، وقيد فى معنى كونه أول بيت وضع للناس، أنه أول بيت بناه آدم عليه السلام فى الأرض، أى أول بيت بنى للناس يعبدون الله فيه، وقيل: هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض، خلقه قبل الأرض بألفى عام، وكان زبدة بيضاء على الماء، فدحيت الأرض تحته وقال رجل لعلى: أهو أول بيت؟ فقال: لا.. قد كان قبله بيوت، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركاً فيه الهدى والرحمة، قيل: هو أول بالشرف لا بالزمان، وهو ضعيف. والصحيح أنه أول بالشرف والزمان، حديث : وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع للناس، فقال: المسجد الحرام، ثم بيت المقدس. وسئل: كم بينهما؟ قال: أربعون عاماًتفسير : . ولفظ الحديث عن أبى ذر حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع فى الأرض. قال: "المسجد الحرام" قلت: ثم أى؟. قال: "المسجد الأقصى". قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون عاماً" ثم جعلت الأرض مسجداً فحيثما أردت الصلاة فصلتفسير : . وعن مجاهد: خلق الله هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرض بألفى عام. وفى رواية عنه: أن الله خلق موضع البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرض بألفى عام. وقيل: هو أول بيت ظهر على وجه الماء خلقه قبل الأرض بألفى عام درة بيضاء فدحيت الأرض من تحتها، وهذا قول ابن عمر، ومجاهد، وقتادة، والسدى وقيل: أول بيت بنى على الأرض. وروى على بن الحسين بن على: أن الله تعالى وضع تحت العرش بيتاً، وهو البيت المعمور، وأمر الملائكة أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور، وروى أن الملائكة بنوه قبل خلق آدم بألفى عام، وكانوا يحجونه، فلما حجه آدم قالت الملائكة: بر حجك يا آدم، وكأنه خطر فى قلبه عظم الحج الذى حج، فقالوا له: لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفى عام. وقيل: لما هبط آدم إلى الأرض استوحش، وشكا الوحشة، فأمره الله تعالى ببناء الكعبة، فبناها وطاف بها ولما جاء الطوفان رفع الله البيت إلىالسماء، وبقى موضع البيت أكمة بيضاء إلى أن أمر الله إبراهيم ببنائه، وقد أودع الحجر الأسود فى جبل أبى قبيس فأخرج له منه، وقيل: كان فى موضع البيت قبل آدم بيت يقال له الضراح تطوف به الملائكة، فلما أهبط آدم، أمر بأن يحجه ويطوف حوله، ورفع فى الطوفان إلى السماء الرابعة، يطوف به ملائكة السماء، ويرد أن الآية فى تعظيم الكعبة على بيت المقدس فلا وجه لحمل الآية على تعظيم الضراح. {مُبَارَكاً}: من الضمير المستتر فى قوله {ببكة}، لأن الأصل ثبت ببكة، أو من الذى بناء على الحال من الخبر، ولو لم يكن مبتدأ إشارة لأمن الضمير فى {وضع} لرجوعه إلى البيوت الموضوعة للناس، فإنه يفسد دعوى رجوعه إليه بقوله {أية : فيه آيات بينات مقام إبراهيم..}تفسير : إلخ، فصح عود {مباركاً} إلى ما هو الكعبة، لأنها التى عندها مقام إبراهيم وغيره مما قصد بالآيات البينات، ومعنى كونها بيتاً مباركاً، أن الله جل وعلا فيها زيادة الخير الكثير والنفع لمن حجها واعتمرها، واعتكف عندها، وطاف حولها، فهو أول بيت خص بزيادة الخير، ومن ذلك تضاعف الثواب، قال صلى الله عليه وسلم "حديث : صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام"تفسير : ، ومن ذلك زيادة تكفير الذنوب، لكن من لازم ذلك عظم الأجر فيه على الذنب فى غيره، كما عدت على الأنبياء أشياء ذنوباً، ليست ذنوباً على لعظم شأنهم. {وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}: عطف على {مباركاً} مبالغة، إذ ليس هاديا الهدى، أو يقدر ذا هدى، أو هادياً، ومعنى كونه هادياً أنه يرشد الله العالمين إلى صلاحهم الدينى، باستقبالهم له إذ يدخلون الجنة باستقباله فى الصلاة مع إقامة الفروض بالطواف والعبادة عنده، وبالآيات البينات التى عنده ومقام إبراهيم كما ذكر بعد، تدل على وجود الله سبحانه وتعالى، إذ لا يقدر عليها غيره.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ }. أخرج ابن المنذر وغيره عن ابن جريج قال: بلغنا أن اليهود قالت: بيت المقدس أعظم من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء ولأنه في الأرض المقدسة، فقال المسلمون: بل الكعبة أعظم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت إلى {أية : مَّقَامُ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [آل عمران: 97] وروي مثل ذلك عن مجاهد ووجه ربطها بما قبلها أن الله تعالى أمر الكفرة باتباع ملة إبراهيم ومن ملته تعظيم بيت الله تعالى الحرام فناسب ذكر البيت وفضله وحرمته لذلك، وقيل: وجه المناسبة أن هذه شبهة ثانية ادعوها فأكذبهم الله تعالى فيها كما أكذبهم في سابقتها، والمعنى: إن أول بيت وضع لعبادة الناس ربهم أي هيىء وجعل متعبداً؛ والواضع هو الله تعالى كما يدل عليه قراءة من قرأ {وُضِعَ } بالبناء للفاعل لأن الظاهر حينئذٍ أن يكون الضمير راجعاً إلى الله تعالى وإن لم يتقدم ذكره سبحانه صريحاً في الآية بناءاً على أنها مستأنفة واحتمال عوده إلى إبراهيم عليه السلام لاشتهاره ببناء البيت خلاف الظاهر، وجملة {وُضِعَ } في موضع جر على أنها صفة {بَيْتٍ } و {لِلنَّاسِ } متعلق به واللام فيه للعلة. وقوله تعالى: {لَلَّذِى بِبَكَّةَ } خبر {إِنَّ} واللام مزحلقة وأخبر بالمعرفة عن النكرة لتخصيصها، وهذا في باب إن، و ـ بكة ـ لغة في مكة عند الأكثرين والباء والميم تعقب إحداهما الأخرى كثيراً، ومنه نميط ونبيط ولازم ولازب وراتب وراتم، وقيل: هما متغايران فبكة موضع المسجد ومكة البلد بأسرها، وأصلها من البك بمعنى الزحم يقال بكه يبكه بكاً إذا زحمه، وتباك الناس إذا ازدحموا وكأنها إنما سميت بذلك لازدحام الحجيج فيها، وقيل: بمعنى الدق وسميت بذلك لدق أعناق الجبابرة إذا أرادوها بسوء وإذلالهم فيها ولذا تراهم في الطواف كآحاد الناس ولو أمكنهم الله تعالى من تخلية المطاف لفعلوا؛ وقيل: إنها مأخوذة من بكأت الناقة أو الشاة إذا قل لبنها وكأنها إنما سميت بذلك لقلة مائها وخصبها، قيل: ومن هنا سميت البلد مكة أيضاً أخذاً لها من امْتَكَّ الفصيل ما في الضرع إذا امتصه ولم يبق فيه من اللبن شيئاً، وقيل: هي من مكه الله تعالى إذا استقصاه بالهلاك. ثم المراد بالأولية الأولية بحسب الزمان، وقيل: بحسب الشرف، ويؤيد الأول: ما أخرجه الشيخان عن أبـي ذر رضي الله تعالى عنه قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول بيت وضع للناس فقال: «المسجد الحرام ثم بيت المقدس فقيل: كم بينهما؟ فقال: أربعون سنة»تفسير : واستشكل ذلك بأن باني المسجد الحرام إبراهيم عليه السلام وباني الأقصى داود ثم ابنه سليمان عليهما السلام، ورفع قبته ثمانية عشر ميلاً وبين بناء إبراهيم وبنائهما مدة تزيد على الأربعين بأمثالها. / وأجيب بأن الوضع غير البناء والسؤال عن مدة ما بين وضعيهما لا عن مدة ما بين بناءيهما فيحتمل أن واضع الأقصى بعض الأنبياء قبل داود وابنه عليهما السلام ثم بنياه بعد ذلك، ولا بد من هذا التأويل ـ قاله الطحاوي ـ وأجاب بعضهم على تقدير أن يراد من الوضع البناء بأن باني المسجد الحرام والمسجد الأقصى هو إبراهيم عليه السلام وأنه بنى الأقصى بعد أربعين سنة من بنائه المسجد الحرام وادعى فهم ذلك من الحديث فتدبر. وورد في بعض الآثار أن أول من بنى البيت الملائكة وقد بنوه قبل آدم عليه السلام بألفي عام، وعن مجاهد وقتادة والسدي ما يؤيد ذلك، وحكي أن بناء الملائكة له كان من ياقوتة حمراء ثم بناه آدم ثم شيث ثم إبراهيم ثم العمالقة ثم جرهم ثم قصي ثم قريش ثم عبد الله بن الزبير ثم الحجاج واستمر بناء الحجاج إلى الآن إلا في الميزاب والباب والعتبة ووقع الترميم في الجدار والسقف غير مرة وجدد فيه الرخام، وقيل: إنه نزل مع آدم من الجنة ثم رفع بعد موته إلى السماء، وقيل: بني قبله ورفع في الطوفان إلى السماء السابعة، وقيل: الرابعة، وذهب أكثر أهل الأخبار أن الأرض دحيت من تحته، وقد أسلفنا لك ما ينفعك هنا فتذكر. {مُبَارَكاً } أي كثير الخير لما أنه يضاعف فيه ثواب العبادة قاله ابن عباس، وقيل: لأنه يغفر فيه الذنوب لمن حجه وطاف به واعتكف عنده. وقال القفال: يجوز أن تكون بركته ما ذكر في قوله تعالى: {أية : يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَىْء } تفسير : [القصص: 57]، وقيل: بركته دوام العبادة فيه ولزومها، وقد جاءت البركة بمعنيين: النمو وهو الشائع، والثبوت ومنه البركة لثبوت الماء فيها والبرك الصدر لثبوت الحفظ فيه وتبارك الله سبحانه بمعنى ثبت ولم يزل، ووجه الكرماني كونه مباركاً بأن الكعبة كالنقطة وصفوف المتوجهين إليها في الصلوات كالدوائر المحيطة بالمركز ولا شك أن فيهم أشخاصاً أرواحهم علوية وقلوبهم قدسية وأسرارهم نورانية وضمائرهم ربانية ومن كان في المسجد الحرام يتصل أنوار تلك الأرواح الصافية المقدسة بنور روحه فتزداد الأنوار الإلۤهية في قلبه وهذا غاية البركة ثم إن الأرض كرية وكل آن يفرض فهو صبح لقوم ظهر لثان عصر لثالث وهلم جراً، فليست الكعبة منفكة قط عن توجه قوم إليها لأداء الفرائض فهو دائماً كذلك والمنصوب حال من الضمير المستتر في الظرف الواقع صلة. وجوز أبو البقاء جعله حالاً من الضمير في وضع. {وَهُدًى لّلْعَـٰلَمِينَ } أي هاد لهم إلى الجنة التي أرادها سبحانه أو هاد إليه جل شأنه بما فيه من الآيات العجيبة كما قال تعالى: {فِيهِ ءايَـٰتٌ بَيّـنَـٰتٌ}.
ابن عاشور
تفسير : هذا الكلام واقع موقع التّعليل للأمر في قوله: {أية : فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً}تفسير : [آل عمران: 95] لأنّ هذا البيت المنوّه بشأنه كان مقاماً لإبراهيم ففضائل هذا البيتِ تحقّق فضيلة شرع بانيه في متعارف النَّاس، فهذا الاستدلال خطابي، وهو أيضاً إخبار بفضيلة الكعبة، وحرمتها ـــ فيما مضى من الزّمان ـــ. وقد آذن بكون الكلام تعليلاً موقع (إنّ) في أوّله فإنّ التأكيد بإنّ هنا لمجرّد الاهتمام وليس لردّ إنكار منكر، أو شكّ شاكّ. ومن خصائص (إنّ) إذا وردت في الكلام لمجرّد الاهتمام، أن تغني غَناء فاء التفريع وتفيد التَّعليل والربط، كما في دلائل الإعجاز. ولِمَا في هذه من إفادة الربط استغني عن العطف لكون (إنّ) مؤذنة بالربط. وبيانُ وجه التعليل أن هذا البيت لمّا كان أوّل بيت وضع للهُدى وإعلان توحيد الله ليكون علماً مشهوداً بالحسّ على معنى الوحدانية ونفي الإشراك، فقد كان جامعاً لدلائل الحنيفية، فإذا ثبت له شرف الأولية ودوام الحرمة على ممرّ العصور، دون غيره من الهياكل الدينية الَّتي نشأت بعده، وهو مائل، كان ذلك دلالة إلهية على أنَّه بمحلّ العناية من الله تعالى، فدلّ على أنّ الدّين الَّذي قارن إقامته هو الدّين المراد لله، وهذا يؤول إلى معنى قوله: {أية : إن الدين عند اللَّه الإسلام}تفسير : [آل عمران: 19]. وهذا التَّعليل خطابي جار على طريقة اللُّزوم العرفي. وقال الواحدي، عن مجاهد: تفاخر المسلمون واليهود، فقالت اليهود: بيت المَقْدس أفضل وأعظم من الكعبة لأنَّه مُهَاجر الأنبياء وفي الأرض المقدّسة وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل الله هذه الآية. و{أوَّل} اسم للسابق في فِعلٍ مَّا فإذا أضيف إلى اسم جنس فهو السابق من جنس ذلك المضاف إليه في الشأن المتحدّث عنه. والبيت بناء يأوِي واحداً أو جماعة، فيكون بيتَ سكنى، وبيت صلاة، وبيت ندوة، ويكون مبنياً من حَجَر أو من أثوابِ نسيج شعر أو صوف، ويكون من أدم فيسمّى قبَّة قال تعالى: {أية : وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً}تفسير : [النحل: 81]. ومعنى {وُضع} أسّسَ وأثْبِتَ، ومنه سمّي المكان موضعاً. وأصل الوضع أنَّه الحطّ ضدّ الرفع، ولمَّا كان الشيء المرفوع بعيداً عن التناول، كان الموضوع هو قريب التناول، فأطلق الوضع لمعنى الإدناء للمتناول، والتَّهيئة للانتفاع. و(النَّاس) تقدّم في قوله تعالى: {أية : ومن النَّاس من يقول آمنا باللَّه}تفسير : في سورة[ البقرة: 8]. {بكّة} اسم مكَّة. وهو لغة ـــ بإبدال الميم باء ـــ في كلمات كثيرة عدّت من المترادف: مثل لازب في لازم، وأربد وأرمد أي في لون الرماد، وفي سماع ابن القاسم من العتبية عن مالك: أنّ بكة بالباء اسم موضع البيت، وأنّ مكَّة بالميم اسم بقية الموضع، فتكون باء الجرّ ـــ هنا ـــ لظرفية مكان البيت خاصّة. لا لسائر البلد الَّذي فيه البيت، والظاهر عندي أنّ بكة اسم بمعنى البلدة وضعه إبراهيم علماً على المكان الَّذي عيّنه لسكنى ولده بنيّة أن يكون بلداً، فيكون أصله من اللغة الكلدانية، لغة إبراهيم، ألا ترى أنَّهم سمّوا مدينة (بعلبك) أي بلد بَعل وهو معبود الكلدانيين، ومن إعجاز القرآن اختيار هذا اللَّفظ عند ذكر كونه أوّل بيت، فلاحظ أيضاً الاسم الأوّل، ويؤيّد ذلك قوله: {أية : ربّ هذه البلدة}تفسير : [النمل: 91] وقوله: {أية : ربّ اجعل هذا البلد آمناً}تفسير : [إبراهيم: 35]. وقد قيل: إنّ بكّة مشتقّ من البَكّ وهو الازدحام، ولا أحسب قصد ذلك لواضع الاسم. وعدل عن تعريف البيت باسمه العلَم بالغلبة، وهو الكعبة، إلى تعريفه بالموصولية بأنَّه (الَّذي ببكة): لأنّ هذه الصّلة صارت أشهر في تعيّنه عند السامعين، إذ ليس في مكّة يومئذ بيت للعبادة غيره، بخلاف اسم الكعبة: فقد أطلق اسم الكعبة على القليس الَّذي بناه الحبشة في صنعاء لدين النصرانية ولقّبوه الكعبة اليمانية. والمقصود إثبات سبق الكعبة في الوجود قبل بيوت أخر من نوعها. وظاهر الآية أنّ الكعبة أوّل البيوت المبنيّة في الأرض، فتمسّك بهذا الظَّاهر مجاهد، وقتادة، والسّدي، وجماعة، فقالوا: هي أوّل بناء، وقالوا: إنَّها كانت مبنيّة من عهد آدم ـــ عليه السلام ـــ ثُمّ درست، فجددها إبراهيم، قال ابن عطية: ورويت في هذا أقاصيص أسانيدها ضعاف فلذلك تركتُها، وقد زعموا أنَّها كانت تسمّى الضُراح ـــ بوزن غراب ـــ ولكنّ المحقّقين وجمهور أهل العلم لم يأخذوا بهذا الظاهر، وتأوّلوا الآية. قال عليّ ـــ رضي الله عنه ـــ: «كان قبل البيت بيوت كثيرة» ولا شكّ أنّ الكعبة بناها إبراهيم وقد تعدّد في القرآن ذكر ذلك، ولو كانت من بناء الأنبياء قبله لزيد ذكر ذلك زيادة في التنويه بشأنها، وإذا كان كذلك فلا يجوز أن يكون أوّل بناء وقع في الأرض كان في عهد إبراهيم، لأنّ قبل إبراهيم أمماً وعصوراً كان فيها البناء، وأشهر ذلك برج بابل، بُنِي إثر الطوفان، وما بناه المصريّون قبل عهد إبراهيم، وما بناه الكلدان في بدل إبراهيم قبل رحلته إلى مصر، ومن ذلك بيت أصنامهم، وذلك قبل أن تصير إليه هاجَر الَّتي أهداها له ملك مصر، وقد حكى القرآن عنهم {أية : قالوا ابْنُوا له بنياناً فَألْقُوه في الجحيم}تفسير : [الثافات: 97] فتعيّن تأويل الآية بوجه ظاهر، وقد سلك العلماء مسالك فيه: وهي راجعة إلى تأويل الأوّل، أو تأويل البيت، أو تأويل فعل وُضع، أو تأويل النَّاس، أو تأويل نظم الآية، والَّذي أراه في التأويل أنّ القرآن كتاب دين وهُدى، فليس غرض الكلام فيه ضبط أوائل التَّاريخ، ولكن أوائل أسباب الهدى، فالأوَّلية في الآية على بابها، والبيت كذلك، والمعنى أنَّه أوّل بيت عبادة حقّة وضع لإعلان التَّوحيد، بقرينة المقام، وبقرينة قوله: {وُضع للنَّاس} المقتضى أنَّه من وضعِ واضعٍ لمصلحة النَّاس، لأنَّه لو كان بيت سكنى لقيل وضعه النَّاس، وبقرينة مجيء الحالين بعدُ؛ وهما قوله: {مباركاً وهدى للعالمين}. وهذا تأويل في معنى بيت، وإذا كان أوّلَ بيتِ عبادة حقَ، كان أوّل معهد للهدى، فكان كُلّ هدى مقتبساً منه فلا محيص لكلّ قوم كانوا على هدى من الاعتراف به وبفضله، وذلك يوجب اتّباع الملّة المبنيّة على أسس ملّة بانيه، وهذا المفاد من تفريع قوله: {أية : فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً}تفسير : [البقرة: 95]. وتأوّل الآية عليّ بن أبي طالب، فروى عنه أنّ رجلاً سأله: أهو أوّل بيت؟ قال: «لا، قد كان قبله بيوت، ولكنَّه أوّل بيت وضع للنَّاس مباركاً وهدى» فجعل مباركاً وهدى حالين من الضمير في {وُضع} لا من اسمِ الموصول، وهذا تأويل في النظم لا ينساق إليه الذهن إلاّ على معنى أنَّه أوّل بيت من بيوت الهدى كما قلنا، وليس مراده أنّ قوله: {وضع} هو الخبَر لتعيّن أن الخبر هو قوله: {للذي ببكة} بدليل دُخول اللاّم عليه. وعن مجاهد قالت اليهود: بيت المقدس أفضل من الكعبة لأنَّها مهاجَر الأنبياء، وقال المسلمون: الكعبة، فأنزل الله هذه الآية، وهذا تأويل {أول} بأنَّه الأوّل من شيئين لا من جنس البيوت كلّها. وقيل: أراد بالأول الأشرف مجازاً. وعندي أنَّه يجوز أن يكون المراد من النَّاس المعهودين وهم أهل الكتب أعني اليهود والنَّصارى والمسلمين، وكلّهم يعترف بأصالة دين إبراهيم ـــ عليه السلام ـــ، فأوّل معبد بإجماعهم هو الكعبة فيلزمهم الاعتراف بأنَّه أفضل ممَّا سواه من بيوت عبادتهم. وإنَّما كانت الأوّلية موجِبة التّفضيل لأنّ مواضع العبادة لا تتفاضل من جهة العبادة، إذ هي في ذلك سواء، ولكنَّها تتفاضل بما يحفّ بذلك من طول أزمان التعبّد فيها، وبنسبتها إلى بانيها، وبحسن المقصد في ذلك، وقد قال تعالى في مسجد قُبَاء: {أية : لمَسجِدٌ أسِّسَ على التَّقوَى من أوّل يوم أحقّ أن تقوم فيه}تفسير : [التوبة: 108]. وقد جمعت الكعبة جميع هذه المزايا فكانت أسبق بيوت العبادة الحقّ، وهي أسبق من بيت المقدس بتسعة قرون. فإنّ إبراهيم بنى الكعبة في حدود سنة 1900 قبل المسيح وسليمانَ بنى بيت المقدس سنة 1000 قبل المسيح، والكعبة بناها إبراهيم بيده فهي مبنية بيد رسول. وأمَّا بيتُ المقدس فبناها العملة لسليمان بأمره. وروى في «صحيح مسلم»، عن أبي ذرّ ـــ رضي الله عنه ـــ أنَّه قال: سألت رسول الله: أيّ مسجد وُضِعَ أولُ؟ قال: المسجدُ الحرام، قلت: ثمّ أيّ؟ قال: المسجدُ الأقصى، قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة. فاستشكله العلماء بأنّ بين إبراهيم وسليمان قروناً فكيف تكون أربعين سنة، وأجاب بعضهم بإمكان أن يكون إبراهيم بنى مسجداً في موضع بيت المقدس ثُمّ درس فجدّده سليمان. وأقول: لا شكّ أنّ بيت المقدس من بناء سليمان كما هو نص كتاب اليهود، وأشار إليه القرآن في قوله: {أية : يعملون له ما يشاء من محاريب}تفسير : [سبأ: 13] الآية، فالظاهر أنّ إبراهيم لمَّا مرّ ببلاد الشَّام ووعده الله أن يورث تلك الأرض نسلهُ عيَّن الله له الوضع الَّذي سيكون به أكبر مسجدٍ تبنيه ذرّيّته، فأقام هنالك مسجداً صغيراً شكراً لله تعالى، وجعله على الصّخرة المجعولة مذبحاً للقربان. وهي الصّخرة الَّتي بنى سليمان عليها المسجد، فلمَّا كان أهل ذلك البلد يومئذ مشركين دثر ذلك البناء حتَّى هدى الله سليمان إلى إقامة المسجد الأقصى عليه، وهذا من العِلم الَّذي أهملتْه كتب اليهود، وقد ثبت في سفر التَّكوين أنّ إبراهيم بنى مذابح في جهات مرّ عليها من أرض الكنعانيين لأنّ الله أخبره أنَّه يعطي تلك الأرض لنسله، فالظاهر أنّه بنى أيضاً بموضع مسجد أرشليم مذبحاً. و{مباركاً} اسم مفعول من بارك الشيء إذا جعل له بركة وهي زيادة في الخير. أي جُعلت البركة فيه بجعل الله تعالى، إذ قَدّرَ أن يكون داخلُهُ مُثاباً ومحصّلا على خيْر يبلغه على مبلغ نيته، وقدّر لمجاوريه وسكّان بلده أن يكونوا ببركة زيادةِ الثَّوابِ ورفاهية الحال، وأمر بجعل داخله آمناً، وقدّر ذلك بين النَّاس فكان ذلك كلّه بركة. وسيأتي معنى البركة عند قوله تعالى: {أية : وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الَّذي بين يديه} تفسير : في سورة [الأنعام:92 ]. ووصفه بالمصدر في قوله: {وهُدى} مبالغة لأنَّه سبب هدى. وجُعل هدى للعالمين كلِّهم: لأنّ شهرته وتسامع النَّاس به، يحملهم على التساؤل عن سبب وضعه، وأنَّه لتوحيد الله، وتطهير النُّفوس من خبث الشرك فيهتدي بذلك المهتدي، ويرعوي المتشكك. ومن بركة ذاته أنّ حجارته وضعتْها عند بنائه يد إبراهيم، ويد إسماعيل، ثُمّ يدُ محمَّد صلى الله عليه وسلم ولا سيما الحجر الأسود. وانتصب {مباركاً وهدى} على الحال من الخبر، وهو اسم الموصول. وجملة {فيه آيات بيِّنات} استئناف ثناء على هذا البيت بما حفّ به من المناقب والمزايا فغيّر الأسلوب للاهتمام ولذلك لم تجعل الجملة حالاً، فتعطف على الحالين قبلها، لأنّ مباركاً وهدى وصفان ذاتيّان له، وحالان مقارنان، والآيات عوارض عرضت في أوقات متفاوتة، أو هي حال ثالثة ولم تعطف بالواو لأنّها جملة وما قبلها مفردان ولئلاّ يتوهم أن الواو فيها واو الحال، فتكون في صورتها جارية على غير صورة الأفصح في مثلها من عدم الاقتران بالواو، على ما حقَّقه الشَّيخ عبد القاهر، فلو قرنت بواو العطف لالتبست بواو الحال، فكرهت في السمع، فيكون هذا من القطع لدفع اللبس، أو نقول هي حال ولم تعطف على الأحوال الأخرى لأنّها جملة، فاستغنت بالضّمير عن رابط العطف. ووصف الآيات ببيِّناتٍ لظهورها في علم المخاطبين. وجماع هذه الآيات هي ما يسّره الله لسكّان الحرم وزائريه من طرق الخير، وما دفع عنهم من الأضرار، على حالة اتّفق عليها سائر العرب، وقمعوا بها أنفسهم وشهواتهم، مع تكالبهم على إرضاء نفوسهم. وأعظمها الأمن، الّذي وطن عليه نفوس جميع العرب في الجاهلية مع عدم تديّنهم، فكان الرجل يلاقي قاتل أبيه في الحرم فلا يناله بسوء، وتَواضُعُ مثل هذا بين مختلف القبائل، ذات اختلاف الأنساب والعوائد والأديان، آية على أنّ الله تعالى وقَر ذلك في نفوسهم. وكذلك تأمين وحْشِه مع افتتان العرب بحبّ الصّيد. ومنها ما شاع بين العرب من قصم كلّ من رامه بسوء، وما انصرافُ الأحباش عنه بعد امتلاكهم جميع اليمن وتهامة إلا آية من آيات الله فيه. ومنها انبثاق الماء فيه لإسماعيل حين إشرافه على الهلاك. وافتداء الله تعالى إيّاه بذبح عظيم حين أراد أبوه إبراهيم ـــ عليْه السّلام ـــ قربانه. ومنها ما شاع بين العرب وتوارثوا خبره أباً عن جدّ من نزول الحجر الأسود من السَّماء على أبي قبيس بمرأى إبراهيم، ولعلَّه حجر كوكبي. ومنها تيسير الرزق لساكنيه مع قُحولة أرضه، وملوحة مائه. وقوله: {مقام إبراهيم} أصل المقام أنّه مَفْعَل من القيام، والقيام يطلق على المعنى الشَّائع وهو ضدّ القعُود، ويطلق على خصوص القيام للصّلاة والدعاء، فعلى الوجه الثَّاني فرفع مقام على أنّه خبر لضمير محذوف يعود على {للذى ببكّة}، أي هو مقام إبراهيم، أي البيتُ الَّذى ببكّة. وحذْفُ المسند إليه هنا جاء على الحذف الَّذي سمَّاه علماء المعاني، التَّابعين لاصطلاح السكاكي، بالحذف للاستعمال الجاري على تركه، وذلك في الرفع على المدح، أو الذم، أو الترحّم، بعد أن يجري على المسند إليه من الأوصاف قبل ذلك ما يبيّن المراد منه كقول أبي الطمحان القيني: شعر : فإنّ بني لأمِ بن عمرو أرومة سَمَتْ فوق صعب لا تُنالُ مراقبه نجوم سماءٍ كلّما انْقَضَّ كوكبٌ بَدَا كوكب تأْوِي إليه كواكبه تفسير : هذا هو الوجه في موقع قوله تعالى: {مقام إبراهيم}. وقد عبّر عن المسجد الحرام بأنّه مقام إبراهيم أي محلّ قيامه للصلاة والطواف قال تعالى: {أية : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}تفسير : [البقرة: 125] ويدل لذلك قول زيد بن عَمرو بن نُفَيل:شعر : عُذْتُ بما عاذَ به إبْرَاهِمْ مستقبلَ الكَعْبَةِ وهو قائم تفسير : وعلى الوجه الأول يكون المراد الحجر الَّذى فيه أثر قَدَمي إبراهيم - عليه السّلام - في الصّخرة التي ارتقى عليها ليرفع جدران الكعبة، وبذلك فسر الزجّاج وتبعه على ذلك الزمخشري، وأجاب الزمخشري عمَّا يعترض به من لزوم تبيين الجمع بالمفرد بأنّ هذا المفرد في قوّة جماعة من الآيات لأنّ أثر القدم في الصّخرة آية، وغوصَه فيها إلى الكعبين آية وإلانة بعض الصّخر دون بعض آية، وأنا أقول: إنَّه آيات لدلالته على نبوّة إبراهيم بمعجزة له وعلى علمِ الله وقدرته، وإنّ بقاء ذلك الأثر مع تلاشي آثار كثيرة في طيلة القرون آية أيضاً. وقوله: {ومن دخله كان آمناً} عطف على مَزايا البيت وفضائله من الأمن فيه على العموم، وامتنان بما تقرّر في ماضِي العصور، فهو خبر لفظاً مستعمل في الامتنان، فإنّ الأمن فيه قد تقرّر واطّرد، وهذا الامتنان كما امتنّ الله على النَّاس بأنَّه خلق لهم أسماعاً وأبصَاراً فإنّ ذلك لا ينقض بمن ولد أكمه أو عرض له ما أزال بعض ذلك. قال ابن العربي: هذا خبر عمّا كان وليس فيه إثبات حكم وإنّما هو تنبيه على آيات ونعم متعددات؛ أنّ الله سبحانه قد كان صرف القلوب عن القصد إلى معارضته، وصرف الأيدي عن إذايتِه. وروي هذا عن الحسن. وإذا كان ذلك خبراً فهو خبر عمّا مضى قبل مجيء شريعة الإسلام حين لم يكن لهم في الجاهلية وازع فلا ينتقض بما وقع فيه من اختلال الأمن في القتال بين الحَجَّاج وابن الزبير وفي فتنة القرامطة. وقد ذكرنا ذلك في تفسير قوله تعالى: {أية : وأخر متشابهات }تفسير : - أوّل هذه السورة -. [آل عمران: 7]. ومن العلماء من حمل قوله تعالى: {ومن دخله كان آمناً} أنَّه خبر مستعمل في الأمر بتأمين داخله من أن يُصاب بأذى، وروي عن ابن عبَّاس، وابن عمر، وسعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، والشعبي. وقد اختلف الصائرون إلى هذا المعنى في محمل العمل بهذا الأمر؛ فقال جماعة: هذا حكمٌ نُسخ يعنون نسختْه الأدلّة الَّتي دلّت على أنّ الحرم لا يُعيذ عاصياً. روى البخاري، عن أبي شُريح الكعبي، أنَّه قال لعَمْرِو بن سعيد وهو يبعث البُعوث إلى مكّة ـــ أي لحرب ابن الزبير ـــ: ائذن لى أيُّهَا الأمير أحدثْك قولاً قام به رسول الله الغدَ من يوم الفتح، سمعتْه أُذناي ووعاه قلبي وأبصرتْه عيناي حين تكلَّم به: إنَّه حمد الله وأثنى عليه ثُمّ قال: «إنّ مكَّة حرَّمها الله ولم يحرّمها النَّاس؛ لا يحلّ لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة. فإنْ أحَد تَرَخَّص لقتال رسول الله فيها فقولوا له: إنّ الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنَّما أذِن لي فيها ساعة من نهار وقد عَادَتْ حُرْمَتُها اليَومَ كحرمتها بالأمس وليبلّغ الشاهدُ الغائبَ». قال: فقال لي عَمْرو: أنا أعلمَ بذلك منكَ يا أبا شُرَيح إنّ الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فارّاً بدَم ولا فارّا بخَرْبة (الخَربة ـــ بفتح الخاء وسكون الراء ـــ الجناية والبلية الَّتي تكون على النَّاس) وبما ثبت أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يُقْتل ابن خَطل وهو متعلِّق بأستار الكعبة يوم الفتح. وقد قال مالك، والشَّافعى: إنّ من أصاب جناية في الحرم أو خارجه ثُمّ عاذ بالحرم يقام عليه الحدّ في الحرم ويقاد منه. وقال أبو حنيفة، وأصحابه الأربعة: لا يقتصّ في الحرم من اللاجىء إليه من خارجه ما دام فيه؛ ولكنَّه لا يبايَع ولا يؤاكَلُ ولا يجالَسُ إلى أن يخرج من الحرم. ويروون ذلك عن ابن عبَّاس، وابنِ عُمر، ومَنْ ذكرناه معهما آنفا. وفي أحكام ابن الفرس أن عبد الله بن عمر قال: «من كان خائفاً من الاحتيال عليه فليس بآمن ولا تجوز إذايته بالامتناع من مكالمته». وقال فريق: هو حكم محكم غير منسوخ، فقال فريق منهم: قوله: {ومن دخله} يفهم منه أنَّه أتى ما يوجب العقوبة خارجَ الحرم فإذا جنى في الحرم أقيد منه، وهذا قول الجمهور منهم، ولعلّ مستندهُم قوله تعالى: {أية : والحرمات قصاص}تفسير : [البقرة: 194] أو استندوا إلى أدلّة من القياس، وقال شذوذ: لا يقام الحدّ في الحرم، ولو كان الجاني جنى في الحرم وهؤلاء طردوا دليلهم. وقد ألممنا بذلك عند قوله تعالى: {أية : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتَّى يقاتلوكم فيه}تفسير : [البقرة: 191]. وقد جعل الزجّاج جملة {ومن دخله كان آمناً} آية ثانية من الآيات البيّنات فهى بيان لـ (آيات)، وتبعه الزمخشري، وقال: يجوز أن يطلق لفظ الجمع على المثنّى كقوله تعالى: {أية : فقد صغت قلوبكما}تفسير : [التحريم: 4]. وإنَّما جاز بيان المفرد بجملة لأنّ هذه الجملة في معنى المفرد إذ التَّقدير: مقامُ إبراهيم وأمْنُ مَن دخَله. ولم ينظر ذلك بما استعمل من كلام العرب حتَّى يُقَرّب هذا الوجه. وعندي في نظيره قول الحرث بن حلزة: شعر : مَنْ لنا عنده من الخيْر آيا تٌ ثلاثٌ في كلهنّ القضاء آيةٌ شارق الشقيقة إذ جا ءَت مَعَدّ لِكلّ حيّ لواء تفسير : ثم قال: شعر : ثُمّ حُجْرا أعني ابن أم قَطامٍ وله فارسية خضراء تفسير : ثم قال: شعر : وفككنا غُلّ امرىء القيس عنه بعد ما طال حَبسه والعَناء تفسير : فجعل (وفككنا) هي الآية الرابعة باتِّفاق الشرّاح إذ التقدير: وفَكُّنا غُل امرىء القيس. وجوّز الزمخشري أن يكون آيات باقياً على معنى الجمع وقد بُيّن بآيتين وتركت الثَّالثة كقول جرير: شعر : كانَتْ حنيفةُ أثلاثا فثُلْثهُمُ من العبيدِ وثُلث من مواليها تفسير : أي ولم يذكر الثلث الثالث. وهو تنظير ضعيف لأنّ بيت جرير ظهر منه الثُلث الثالث، فَهُم الصميم، بخلاف الآية فإنّ بقية الآيات لم يُعرف. ويجوز أن نجعل قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} إلخ متضمّناً الثالثة من الآيات البيّنات. حُكم أعقب به الامتنان: لما في هذا الحكم من التَّنويه بشأن البيت فلذلك حسن عطفه. والتَّقدير: مباركاً وهدى، وواجباً حجّه. فهو عطف على الأحوال. والحجّ تقدّم عند قوله تعالى: {أية : الحجّ أشهر معلومات}تفسير : في سورة [البقرة:197]، وفيه لغتان فتح الحاء وكسرها ولم يقرأ في جميع مواقعه في القرآن بكسر الحاء إلاّ في هذه الآية: قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر بكسر الحاء. ويتّجه أن تكون هذه الآية هي الَّتي فرض بها الحجّ على المسلمين، وقد استدلّ بها علماؤنا على فرضية الحجّ، فما كان يقع من حجّ النّبي والمسلمين، قبل نزولها، فإنَّما كان تقرّباً إلى الله، واستصحاباً للحنيفية. وقد ثبت أنّ النّبي حجّ مرّتين بمكّة قبل الهجرة ووقف مع النَّاس. فأمَّا إيجاب الحجّ في الشَّريعة الإسلاميَّة فلا دليل على وقوعه إلاّ هذه الآية وقد تمالأ علماء الإسلام على الاستدلال بها على وجوب الحجّ، فلا يعد ما وقع من الحجّ قبل نزولها، وبعد البعثة إلاّ تحنّثاً وتقرّباً، وقد صحّ أنَّها نزلت سنة ثلاث من الهجرة، عقب غزوة أحدُ، فيكون الحجّ فرض يومئذ. وذكر القرطبي الاختلاف في وقت فرضية الحجّ على ثلاثة أقوال: فقيل: سنة خمس، وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة تسع، ولم يعز الأقوال إلى أصحابها، سوى أنَّه ذكر عن ابن هشام، عن أبي عبيد الواقدي أنَّه فرض عام الخندق، بعد انصراف الأحزاب، وكان انصرافهم آخر سنة خمس. قال ابن إسحاق: وولى تلك الحجَّة المشركون. وفي مقدّمات ابن رشد ما يقتضي أنّ الشافعي يقول: إنّ الحجّ وجب سنة تسع، وأظهر من هذه الأقوال قول رابع تمالأ عليه الفقهاء وهو أنّ دليل وجوب الحجّ قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا}. وقد استدلّ الشَّافعي بها على أنّ وجوبه على التَّراخي، فيكون وجوبه على المسلمين قد تقرَّر سنة ثلاث، وأصبح المسلمون منذ يومئذ مُحْصَرين عن أداء هذه الفريضة إلى أن فتح الله مكّة ووقعت حجّة سنة تسع. وفي هذه الآية من صيَغ الوجوب صِيغتان: لام الاستحقاق، وحرف (على) الدال على تقرّر حقّ في ذمة المجرور بها. وقد تعسّر أو تعذّر قيام المسلمين بأداء الحجّ عقب نزولها، لأنّ المشركين كانوا لا يسمحون لهم بذلك، فلعلّ حكمة إيجاب الحجّ يومئذ أن يكون المسلمون على استعداد لأداء الحجّ مهما تمكّنوا من ذلك، ولتقوم الحجَّة على المشركين بأنَّهم يمنعون هذه العبادة، ويصدّون عن المسجد الحرام، ويمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه. وقوله: {من استطاع إليه سبيلا} بدل من النَّاس لتقييد حال الوجوب، وجوّز الكسائي أن يكون فاعل حَجّ، وردّ بأنَّه يصير الكلام: لله على سائر النَّاس أن يحجّ المستطيع منهم، ولا معنى لتكليف جميع النَّاس بفعل بعضهم، والحقّ أنّ هذا الردّ لا يتّجه لأنّ العرب تتفنَّن في الكلام لعلم السامع بأنّ فرض ذلك على النَّاس فرض مجمل يبيِّنه فاعل حَجّ، وليس هو كقولك: استطَاع الصّوم، أو استطاع حمل الثقل، ومعنى {استطاع سبيلاً} وجد سبيلاً وتمكّن منه، والكلام بأواخره. والسَّبيل هنا مجاز فيما يتمكّن به المكلّف من الحجّ. وللعلماء في تفسير السبيل أقوال اختلفت ألفاظها، واتَّحدت أغراضها، فلا ينبغي بقاء الخلاف بينهم لأجلها مثبتاً في كتب التَّفسير وغيرها، فسبيل القريب من البيت الحرام سهل جداً، وسبيل البعيد الراحلة والزاد، ولذلك قال مالك: السبيل القدرة والنَّاس على قدر طاقتهم وسيرهم وجلدهم. واختلف فيمن لا زاد له ويستطيع الاحْتِرَاف في طريقه: فقال مالك: إذا كان ذلك لا يزري فليسافر ويكتسب في طريقه، وقال بمثله ابن الزبير، والشعبي، وعكرمة. وعن مالك كراهية السفر في البحر للحجّ إلا لمن لا يجد طريقاً غيره كأهل الأندلس، واحتجّ بأنّ الله تعالى قال: {أية : يأتوك رجالاً وعلى كُلّ ضامر}تفسير : [الحج: 27] ولم أجد للبحر ذكراً. قال الشيخ ابن عطية: هذا تأنيس من مالك وليست الآية بالَّتي تقتضي سقوط سفر البحر. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ناس من أمَّتِي عُرِضوا عليّ غُزاة في سبيل الله يركبون ثَبَج هذا البحر»تفسير : وهل الجهادِ إلاّ عبادة كالحجّ، وكره مالك للمرأة السَّفر في البحر لأنَّه كشفة لها، وكلّ هذا إذا كانت السَّلامة هي الغالب وإلا لم يجز الإلقاء إلى التهلكة، وحال سفر البحر اليوم أسلم من سفر البرّ إلاّ في أحوال عارضة في الحروب إذا شملت البحارَ. وظاهر قوله تعالى: {من استطاع إليه سبيلا} أنّ الخطاب بالحجّ والاستطاعة للمرءِ في عمله لا في عمل غيره، ولذلك قال مالك: لا تصحّ النِّيابة في الحجّ في الحياة لعذر، فالعاجز يسقط عنه الحجّ عنده ولم ير فيه إلاّ أنّ للرجل أن يوصي بأن يُحَجّ عنه بعد موته حجّ التَّطوع، وقال الشَّافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه: إذا كان له عذر مانع من الحجّ وكان له من يطيعه لو أمره بأن يحجّ عنه، أو كان له مال يستأجر به من يحجّ عنه، صار قادراً في الجملة، فيلزمه الحجّ، واحتجّ بحديث ابن عبَّاس: أنّ امرأة من خثعم سألت النّبي صلى الله عليه وسلم يوم حجَّة الوداع فقالت: إنّ فريضة الله على عباده في الحجّ أدركتْ أبي شيخاً كبيراً لا يثبُت على الراحلة أفيُجْزِىء أن أحجّ عنه؟ قال: نعم، حُجِّي عنه أرَأيْتِ لو كان على أبيككِ دَيْن أكُنْتِ قاضيتَهُ؟ قالت: نعم، قال: فَدَيْن الله أحقّ أن يقضى. وأجاب عنه المالكية بأنّ الحديث لم يدلّ على الوجوب بل أجابها بما فيه حثّ على طاعة أبيها، وطاعة ربِّها. وقال عليّ بن أبي طالب، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، وابن المبارك. لا تجزىء إلاّ إنابة الأجرة دون إنابة الطَّاعة. وظاهر الآية أنَّه إذا تحقّقت الاسْتطاعة وجب الحجّ على المستطيع على الفور، وذلك يندرج تحت مسألة اقتضاءِ الأمر الفورَ أو عدمِ اقتضائِه إيّاه، وقد اختلف علماء الإسلام في أنّ الحجّ واجب على الفور أو على التَّراخي. فذهب إلى أنَّه على الفور البغداديون من المالكية: ابنُ القصار، وإسماعيل بن حَماد، وغيرهما، وتأوّلوه من قول مالك، وهو الصّحيح من مذهب أبي حنيفة، وهو قول أحمد بن حنبل، وداوود الظاهري. وذهب جمهور العلماء إلى أنّه على التَّراخي وهو الصحيح من مذهب مالك ورواية ابن نافع وأشهب عنه وهو قول الشَّافعي وأبي يوسف. واحتجّ الشّافعي بأنّ الحجّ فرض قبل حجّ النّبي صلى الله عليه وسلم بسنين، فلو كان على الفور لما أخّره لعُذْر لبيّنه أي لأنَّه قدوة للنَّاس. وقال جماعة: إذا بلغ المرء الستِّين وجب عليه الفور بالحجّ إن كان مستطيعاً خشية الموت، وحكاه ابن خويزَ مَنْدادَ عن ابن القاسم. ومعنى الفور أن يوقعه المكلّف في الحجَّة الَّتي يحين وقتها أولاً عند استكمال شرط الاستطاعة. وقوله: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} ظاهره أنَّه مقابل قوله {من استطاع إليه سبيلاً} فيكون المراد بمن كفر من لم يحجّ مع الاستطاعة، ولذلك قال جمع من المحقّقين: إنّ الإخبار عنه بالكفر هنا تغليظ لأمر ترك الحجّ. والمراد كفر النعمة. ويجوز أيضاً أن يراد تشويه صنعه بأنَّه كصنيع من لا يؤمن بالله ورسله وفضيلة حَرمه. وقال قوم: أراد ومن كفر بفرض الحجّ، وقال قوم بظاهره: إنّ ترك الحجّ مع القدرة عليه كفر. ونسب للحسن. ولم يلتزم جماعة من المفسِّرين أنّ يكون العطف للمقابلة وجعلوها جملة مستقلّة. كالتذييل، بيّن بها عدم اكتراث الله بمن كفر به. وعندي أنَّه يجوز أن يكون المراد بمن كفر من كفر بالإسلام، وذلك تعريض بالمشركين من أهل مكّة بأنَّه لا اعتداد بحجّهم عند الله وإنَّما يريد الله أن يحجّ المؤمنون به والموحّدون له. وفي قوله: {غني عن العالمين} رمز إلى نزعه ولاية الحرم من أيديهم: لأنَّه لمّا فرضَ الحجّ وهُم يصدّون عنه، وأعلمنا أنَّه غني عن النَّاس، فهو لا يعجزه من يصدّ النَّاس عن مراده تعالى.
القطان
تفسير : بكة: اسم لمكة المكرمة. مقام ابراهيم: الحجر الذي كان يقف عليه لبناء الكعبة. أن أول بيت من بيوت العبادة الصحيحة هو البيت الحرام في مكة المكرمة، فليس في الأرض موضع بناه الأنبياء أقدم منه. وهو مبارَك لما أُفيض عليه من بركات الأرض وثمرات كل شيء مع كونه بوادٍ غير ذي زرع. وفي هذا البيت دلائل واضحة على حُرمته وفريد شرفه وفضله، منها قيام ابراهيم للصلاة فيه، وأن من دخله كان آمناً لا يتعرض له أحد بسوء. روي عن عمر بن الخطاب قال: "لو ظفرت بقاتل الخطّاب ما مسَسْته حتى يخرج". وقال ابو حنيفة: من وجب قتله فالتجأ الى الحرم لم يُتعرض له حتى يخرج منه، ويجب العمل على اخراجه. وقد اتفق العرب جميعاً على تعظيم الكعبة في الجاهلية وأقرّ ذلك الإسلام. والحج الى البيتِ واجبٌ على المستطيع، وتختلف الاستطاعة باختلاف الأشخاص، والبعدِ عن البيت أو القرب منه، وكلُّ مكلف أدرى بنفسه في ذلك. والحج فريضة، في العمر مرة، عندما تتوافر القدرة من الصحة والأمن والمال الكافي. وهو مؤتمر المسلمين السنوي العام، يتلاقون فيه عند البيت الذي بدأت منه الملة الحنيفية على يد ابراهيم وصدرت من عنده دعوة محمد. لذا جعله الله أول بيت خالص في الأرض لعبادته. أما من كفر وتمرد على أمر الله وجحد دينه، فإنه الخاسر. ذلك أن الله غني عن العالمين، لا يحتاجهم، ولا يصله شيء من عبادتهم الا ما يطهّر أنفسهم ويقيم مجتمعهم. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص "ولله على الناس حِج البيت..." بكسر الحاء، والباقون بالفتح.
د. أسعد حومد
تفسير : {لِّلْعَالَمِينَ} (96) - وَمِنِ اتِّبَاعِ مِلَّةِ إبرَاهِيمَ الاتِّجَاهُ في الصَّلاَةِ إلى البَيْتِ الذِي بَنَاهُ، وَالحَجُّ إليهِ فَإِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلْعِبَادَةِ (أيْ لِعِبَادَةِ النَّاسِ) هُوَ البَيْتُ الحَرَامُ (الكَعْبَةُ) المَوْجُودَةُ فِي مَكَّةَ. (وَتُسَمَّى مَكَّةَ أيْضاً بَكَّةَ، وَإبْدَالُ المِيمِ بَاءً كَثِيرُ الاسْتِعْمَالِ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فَيَقُولُونَ دَائِمٌ وَدَائِبٌ). وَهَذا البَيْتُ قَدْ بَنَاهُ إبراهِيمُ، عَلَيهِ السَّلامُ، أمَّا بَيْتُ المَقْدِسِ فَقَدْ بُنِيَ بَعْدَهُ بِزَمَنٍ (وَقِيلَ إنَّ الذِي بَنَاهُ هُوَ سُلَيْمَانُ سَنَةَ 1005 قَبْلَ المِيلادِ). وَقَدْ جَعَلَ اللهُ البَيْتَ الحَرَامَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلنَّاسِ. البَرَكَةُ - تُطْلَقُ فِي العَرَبِيَّةِ عَلَى مَعْنَيينِ: - الزِّيَادَةِ وَالنمَاءِ. - البَقَاءِ وَالدَّوَامِ. - بَكَّةَ - مَكَّةَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لقد عرفنا من قبل كيف كان تداعي المعاني سبباً في إرواء الحق لكل ملكات الإنسانية، وقبل هذه الآية التي تتحدث عن بناء البيت الحرام بمكة المكرمة كان هناك حديث عن سيدنا إبراهيم عليه السلام حين قال الحق: {أية : قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [آل عمران: 95]. وإبراهيم عليه السلام هو أول الأنبياء صلة بالبيت الحرام، وكان رفع قواعد البيت الحرام على يده بعد أن طمر وستر بالطوفان في عهد نوح عليه السلام، فحين يأتي الكلام في رسالة سيدنا إبراهيم عليه السلام فلا بد أن تأتي أكبر حادثة في تاريخ سيدنا إبراهيم، وهي حادثة بناء البيت الحرام، كما أن الحق سبحانه حينما تكلم عن المحاجاة بين المسلمين وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده القرآن، وبين أهل الكتاب وفي أيديهم التوراة المحرفة والإنجيل المحرف أراد سبحانه أن يردنا إلى شيء واحد هو ملة إبراهيم الذي سمانا مسلمين. ومعنى ذلك أن الله يريد منا أن تسيطر قيم السماء على حركة أهل الأرض؛ لأن حركة أهل الأرض إن اتبعت الأهواء تصادمت الحركات، وما دامت الحركات قد تصادمت فإن ما ينتج عنها هو ضياع مجهود الحركة الإنسانية، ويصير هذا المجهود مبدداً. ولكن الإنسان الذي يحمل القيم التي تتركز عقيدة في قلبه - بعد أن يبحثها بفكره - هذا الإنسان له قالب تنفذ به تشريعات الله، ولولا وجود القالب هذا لما استطاع الإنسان أن يطبق تشريعات الله، ولَمَا استطاع أن يؤدي هذه التشريعات، ولما استطاع أن يطيع الله بجوارحه؛ فالإنسان بغير قالب لا يستطيع أن يؤدي الحركة المطلوبة. إذن فلا بد للقالب الإنساني - البدن - في التشريع من عملية أخرى وهي أن ينصب القالب ويكون له عمل حين يتوجه إلى بيت واحد لله، وبذلك يصبح للقالب نصيب في العبادة أيضاً. ولهذا كان لا بد أن يوجد للقالب - أيضاً - مُتّجَهٌ وهذا المُتَجه يحكم القالب نفسه، فكان المؤمن المسلم محكوماً قلباً وقالباً، فحين نأتي للصلاة لنكون في حضرة الله نتحرى أن يكون قالبنا متجهاً إلى المكان الذي أمرنا الله أن نتوجه إليه، لماذا؟ لأن الحق سبحان وتعالى ساعة يعطي رحمته وبركته وتنزلاته وإشراقاته يريد أن يكون الجسم في وضع مؤهل لاستقبال هذه التجليات؛ ولذلك كان لا بد أن يكون لله بيت يتجه إليه الجميع حتى يعطي للتدين وحدة، فكما أعطى الحق لموكب الرسالات وحدة، فإنه يعطي أيضاً وحدة في القالب الإنساني والمتجَه، وكل مكان يعبد الله فيه بالنسبة للإسلام يُعتبر مسجداً، وقد يسر الله الأمر على أمة سيدنا محمد، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : جعلت لي أرض مسجداً وطهوراً ". تفسير : وكان لقاء الله وعبادته في الديانات السابقة يقتضي مكان محدداً ولكن قد وسع رحمته على أمة محمد صلى الله عليه وسلم. إن تراب الأرض طهور، إننا عندما نفتقد الماء الطهور فإن التراب الذي قد يبدو للوهلة السطحية أنه سبب في عدم النظافة قد جعله الله لنا طهوراً. إن الإنسان يمكنه أن يتيمم ويتطهر بالتراب، وكأن الله قد أراد أن يكون لقاء كل فرد من أمة محمد به ميسراً تيسيراً كبيراً. وكل مكان نعبد فيه الله ويسجد فيه المسلم لله يصير مسجداً. لكن هناك فارقاً بين أي مكان نعبد الله فيه والمسجد، فنحن نرى العامل يعبد الله في المصنع والتلميذ يعبد الله في الفصل، والفلاح يعبد الله ويؤدي الفروض في الحقل، ويمكن للسائر في الشارع أن يؤدي صلاته في أي مكان، وأن يزاول عمله بعد ذلك، ولكن حين يُحَيِّزُ الإنسان مكاناً ليكون بيتاً لله، فمحظور أن يزاول فيه نشاطاً آخر من نشاطات الحياة؛ إنه مكان مُحيز. إن العبادة كلها مقبولة، ولكن هناك فارقاً بين مكان تعمل فيه ومكان تخصصه ليصير مسجداً. فالمسجد هو مكان لا يزاول فيه إلا لقاء الله، لذلك أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نستغل هذا الحيز في أي أمر يتعلق بدنيانا، وقد أوضح لنا - صلى الله عليه وسلم - أن الذي يعقد صفقة في المسجد لم يبارك الله فيها، والذي ينشد فيه شيئاً ضالاً له لن يجده. فقد دعا الرسول ألا يرد الله عليه ضالته. إن أمور الدنيا يكفيها أن تأخذ من الإنسان كل يوم ثلاثاً وعشرين ساعة، فليخصص الإنسان المؤمن ساعة لله وحده، وليخلع كل أغراض الحياة الدنيا كما يخلع النعال على باب المسجد. فليس من حسن الأدب واللياقة أن ينشغل الإنسان بأي شيء غير لقاء الله في الوقت المخصص للقاء الله، وفي المكان المخصص لهذا اللقاء. فساعة تدخل المسجد ينبغي أن تمنع نفسك من أن يتكلم معك أحد في فضول الكلام ولغوه، وأن تنوي الاعتكاف لتستفيد من وجودك في المسجد. وساعة أن نخصص حيزاً ما ليكون مسجداً، فكيف يكون الاتجاه داخل المسجد؟ أيترك الأمر لكل واحد أن يختار له متجهاً؟ لا، إن المؤمن ملتزم بالاتجاه إلى مكان واحد، هذا المكان الواحد هو بيت لله باختيار الله بينما المساجد الأخرى هي بيوت لله باختيار خلق الله، فبيوت الله باختيار خلق الله متجها جميعاً هو بيت الله الحرام. وحين تنظر هذه النظرة ستجد العالم متواجهاً؛ لأن كل عابد سيكون اتجاهه إلى بيت الله مع بقية العابدين لله، فيلتف المؤمنون كلهم حول بيت الله، ويتواجهون، إن وجوهنا كلها تُقابل بعضها بعضاً، ولكن ما ضرورة الاتجاه للكعبة؟ والحق سبحانه يقول: {أية : وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 115]. نقول: إن هذه الآية تؤيد ما نقوله، فما دام لله المشرق والمغرب، فهذا هو المعنى العام، فالناس أول ما عرفوا الكون تعرفوا على المشرق والمغرب ثم الشمال والجنوب أيضاً، وبعد أن توصل العلم إلى تحديد الجهات الفرعية بجانب الجهات الأصلية الأربع المعروفة عرفنا "الشمال الشرقي" و"الشمال الغربي" و "الجنوب الشرقي" و "الجنوب الغربي". إذن فكل المتجهات لله، والاتجاه للكعبة يحقق هذا القول الكريم. وعندما يتجه إنسان إلى الكعبة فقد يكون الشرق خلفه، ويكون الغرب أمامه، ويتجه إليها إنسان آخر إلى الكعبة، فيتقابل وجهه مع وجه المتجه للكعبة، وثالث يتجه إلى الكعبة، فيكون في زاوية أخرى ناظراً إليها، وهكذا يلتف البشر من الشرق والغرب والشمال والجنوب وكل الجهات الفرعية حول الكعبة. إذن فقول الحق: {أية : وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} تفسير : [البقرة: 115] أي جميع الخلق متجه إلى الكعبة، وبذلك لا تكون هناك جهة أولى بالله من جهة أخرى. وأنا لا أريد أن أدخل في متاهة أنّ الكعبة مركز الأرض وأن الأرض خلقت منها؛ لأن الشيء إذا كان مكوراً فأي نقطة فيه تكون مركزاً للجميع، لذلك فلنترك مثل هذا الكلام، لكن ألا يكفي أن يرجحها أن الله قد اختارها؟ إن ذلك يكفي وزيادة، وبذلك ينتهي الأمر، إنها كذلك؛ لأنها بيت الله باختيار الله، وهذا يكفي. لقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأشياء التي تقف فيها العقول وليست من صلب العقائد أو الدين لا يصح أن تكون محل خلاف أو جدل. ويقول سيدنا علي كرم الله وجهه عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: سأله رجل، "أذلك أول بيت لله؟" فوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قبله بيوتاً، ولكن هو أول بيت وُضِع للناس. وهذا إيضاح أن الله قد جعل الكعبة هي أول بيت له يتعبد فيه جنس البشر، وذلك لقول الله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96]. ولكن إن كانت هناك أجناس سابقة على الجنس البشري فمن المؤكد أنه كانت هناك لله بيوت لا نعرفها. شعر : وما آدم في منطق العقل واحد ولكنه عند القياس أوادم تفسير : ولذلك فوجود البيت الحرام كبيت لله لا يصطدم مع منطق الناس الذين لا يملكون إلا الثقافة الدينية الضحلة، فساعة أن يسمع الواحد منهم، أن هناك اكتشافاً لحفريات من كذا مليون سنة فهو يتساءل قائلاً: كيف وآدم لم يمر عليه ملايين السنين؟ لنفترض أن هناك خمسة أجيال لإدريس عليه السلام وثلاثة أجيال لنوح عليه السلام، وأحد عشر جيلاً لإبراهيم عليه السلام وثلاثين جيلا لمحمد عليه الصلاة والسلام، وهكذا يكون الوجود البشري محدداً بآلاف السنوات لا ملايينها. لهذا الإنسان نقول: وهل قال لك أحد: إن آدم أول من عَمَرَ الأرض؟ إن الدين لم يقل ذلك، لكن الدين قال: إن آدم هو أول هذا الجنس البشري، ولكنه ليس أول من سكن الأرض، لذلك فليقل العلماء: إن عمر هذه الأرض ملايين السنين ولنسمع جميعاً قول الحق تبارك وتعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ}تفسير : [إبراهيم: 19]. إذن فلا مجال لهذا البحث، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا، بل قبله بيوت ". تفسير : والحق سبحانه وتعالى يقول ما يوضح أن الجن قد سكنوا الأرض قبلنا: {أية : وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ}تفسير : [الحجر: 27]. ألم يقل الحق سبحانه إن الإنسان خليفة، وردّت عليه الملائكة: {أية : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 30]. إن الذين قالوا ذلك ليسوا من البشر، إذن فكلام الله يؤكد أن الكعبة هي أول بيت وُضع للناس، أي للجنس البشري، ولذلك فلا داعي أن نتكلم في الأشياء التي يقف فيها العقل حتى لا ندخل في متاهة. ولو كان الله قد أراد أن يعلمنا أن الكعبة هي أول بيت في الأرض لقال لنا: "إن أول بيت وضع في الأرض"، ولم يكن قد حدد الجنس الذي وضع البيت من أجله، لكن الحق سبحانه قال: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً} [آل عمران: 96]، ولذلك بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قبله بيوتاً، ولكنه أول بيت وضع للناس. إنه جواب يتسع لكل ما يأتي به العلم. وحين ننظر إلى القول الحق: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً} [آل عمران: 96] ما معنى "أول"؟ إنه الابتداء، وهل كل ابتداء له انتهاء؟ لا، إن هناك أموراً لها "أول" وليس لها "آخر" ومثال ذلك العدد "واحد" وما بعده ليس له آخر، فآخر ما بعد العدد واحد هو ما يمكن الإنسان أن يحسبه عجزاً في التقديرات الدشليونية ولكن ما بعد الدشليون هناك أعداد أخرى، وكان الإنسان قديماً يقف عند الألف، ثم يقول عن المليون "ألف ألف"، وكذلك الجنة لها أول وليس لها آخر. إذن فأول بيت وضعه الله للناس هو الكعبة. وعندما نرى كلمة "وُضع" نجدها فعلاً، ونرى أنه قد وُضِع للناس. وما دام هذا البيت قد وضع للناس لذلك فمن اللازم حين تأتي كلمة "ناس" أن يكون هناك "بيت" و"آدم" من الناس، ووالد كل الناس، وكان له بيت وُضع له. وحين يقال: إن البيت قد تم بناؤه قبل آدم فإننا نقول: نعم، لأن آدم من الناس، والله يقول: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاس} [آل عمران: 96] فلماذا نحرم آدم من أن يكون له بيت عند الله؟ إذن فالبيت موجو من قبل آدم. وبعض الناس تظن أن إبراهيم عليه السلام هو الذي بنى البيت، ولأصحاب هذا الظن نقول: لنفهم القرآن معاً، إن مثل هذا القول يناقض القرآن؛ لأن القرآن قد قال: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاس} [آل عمران: 96] وذلك إيضاح أن إبراهيم كان من قبله أناس سابقون له، فكيف لا يكون للناس من قبل إبراهيم بيت؟ ولا يكون للناس من بعد إبراهيم بيت؟ إن الذين كانوا يعيشون قبل مجيء إبراهيم عليه السلام لهم الحقوق نفسها عند الله التي وضعها الله لمن بعد إبراهيم، فلا بد أن الله قد جعل بيته لهم، والنص القرآني {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاس} [آل عمران: 96] يؤكد ذلك، وما دام قد جعل الفعل مَبْنِيَاَ للمجهول فواضعه غير الناس، فـ "وُضِع" هو فعل مبني على ما لم يسم فاعله، فمن الذي وضعه؟ هل هم الملائكة؟ قد يصح ذلك وهو أن يكون الملائكة قد تلقوا الأمر من الله بمزاولة هذا البناء؛ ولكن الحق يقول عن هذا البيت إنه: "هدى للعالمين" وهذا يعني أن البيت هدى للملائكة؛ لأنهم عالم، وهذا يعني أن البيت قد وضعه الله من قبل ذلك، إن أحداً لا يقدر أن يجعل الكون على قدر العقل البشري، إن على العقل البشري أن يكون في ركاب الكون، وإياك أن تجعل الكون في ركاب عقلك. أما مسألة أن إبراهيم قد بني الكعبة أولاً فهذا عدم فهم للنص القرآني القائل: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}تفسير : [البقرة: 127]. فما هو الرفع؟ إنه إيجاد البُعد الثالث وهو الارتفاع، فالطول والعرض موجودان إذن فهذا دليل على وجود البيت قبل أن يقيم إبراهيم عليه السلام ارتفاع البيت. وهكذا نستنتج أن الذي كان مطموساً هو القاعدة والارتفاع، مع وجود الطول والعرض اللذين يحددان المكان، أما البناء فهو الذي يحدد "المكين" وعندما انهدم البيت الحرام كان الناس يتجهون إلى المكان نفسه. ونحن عندما نصلي في الدور الثالث في الحرم، فإننا نتجه إلى الهواء الموجود من فوق الكعبة، ولو حفرنا نفقاً تحت الأرض بألف متر، وأردنا أن نصلي فإننا سنتجه إلى جذر الكعبة، وهكذا نعرف أن جو الكعبة كعبة. إذن فعمل إبراهيم عليه السلام كان في إيجاد المكين لا المكان، ولنقرأ بالفهم الإيماني ما حدث لإبراهيم عليه السلام. لقد أخذ إبراهيم هاجر وابنها إسماعيل، وخرج بهما ليضعهما في هذا المكان. "وهاجر" تعرف أن مكونات الحياة هي المياه والهواء والقوت، وهذا المكان لا توجد به حتى المياه، لذلك قالت هاجر سائلة إبراهيم عليه السلام: كيف تتركنا هنا؟ هل أنزلتنا هنا برأيك أم بتوجيه من الله؟ فقال لها إبراهيم عليه السلام: إنه توجيه من الله، لذلك قالت: "لقد اطمأننت، والله لا يضيعنا أبداً". لم تقلق هاجر لأن إبراهيم اتجه إلى ما أمر الله، وهذا هو الإيمان في قمته، ولو لم يكن الإيمان على هذه الدرجة الرفيعة فأي قلب لأم تترك أب الطفل يذهب بعيداً عنها وتعيش مع ابنها في هذا المكان الذي لا يوجد به طعام أو ماء، فهي لا تؤمن بإبراهيم، ولكنها تؤمن برب إبراهيم وعندما تقرأ القرآن الكريم تجد القول الحق على لسان إبراهيم: {أية : رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}تفسير : [إبراهيم: 37]. هكذا نعرف أنه ساعة إسكان إبراهيم لذريته كان هناك بيت وأن هذا البيت محرم، وعندما نقرأ عن رفع البيت الحرام نجد أن إبراهيم عليه السلام لم يرفع قواعد البيت بمفرده بل شاركه ابنه إسماعيل عليه السلام. {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}تفسير : [البقرة: 127]. هكذا نعلم أن إسماعيل عليه السلام كان قد نضج بصورة تسمح له أن يساعد والده خليل الرحمن في إقامة قواعد البيت الحرام، وهذا يدلنا على أن إسماعيل نشأ طفلاً في هذا المكان عندما أسكنه والده إبراهيم عند البيت المحرم، هكذا نتيقن أن البيت المحرم كان موجوداً من قبل إبراهيم عليه السلام، وعندما ندقق النظر في معنى كلمة "بكة" التي وردت في هذا القول الكريم: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً} [آل عمران: 96] فإننا نعرف أن هناك اسماً لمكان البيت الحرام هو "بكة" وهناك اسم آخر هو مكة، وبعض العلماء يقول: إن "الميم" و"الباء" يتعاونان، ونلحظ ذلك في الإنسان "الأخنف" أو المصاب بزكام، إنه ينطق "الميم" كأنها "باء". والميم و"الباء" حرفان قريبان في النطق، والألفاظ منهما تأتي قريبة المعنى من بعضها. ولننظر إلى اشتقاق "مكة" واشتقاق "بكة". إننا نقرأ "بكّ المكان" أي ازدحم المكان، وهكذا نعرف من قوله الحق: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً} [آل عمران: 96] أي أنه مكان الازدحام الذي يأتي إليه كل الناس وكل الوفود لتزور بيت الله الحرام، ولا أدل على ازدحام البيت الحرام من أن الرجال والنساء يختلط بعضهم ببعض، والإنسان يطوف بالبيت الحرام، ولا يدري أنه يسير وقد يلمس امرأة أثناء الطواف. و"بكة" هي المكان الذي فيه الطواف والكعبة، أي هي اسم مكان البيت الحرام، و"مكة" اسم البلد كلها الذي يوجد به البيت الحرام. و"مكة" مأخوذة من ماذا؟ إن "مكة" مأخوذة من "مك الفصيل الضرع" أو "امتك الفصيل الضرع"، أي امتص كل ما فيه من لبن، والفصيل كما نعرف هو صغير الإبل أو صغير البقر. وما دام الفصيل قد امتص كل ما في الضرع من لبن فمعنى هذا أنه جائع، ومكة كما نعرف ليس فيها مياه، والناس تجهد وتبالغ في أن تمتص المياه القليلة عندما تجدها في مكة. وفي كلمة "مباركاً" نجد أنها مأخوذة من "الباء والراء والكاف" والمادة كلها تدور حول شيء اسمه الثبات، فهل هو الثبات الجامد، أم الثبات المعطي النامي الذي مهما أخذت منه فإنه ينمو أيضاً؟ إننا في حياتنا اليومية نقول: "إن هذا المال فيه بركة مهما صرفت منه فإنه لا ينتهي"، أي أنه ثابت لا يضيع، ويعطي ولا ينفد. وكلمة "بِرْكة" في حياتنا تعني أنها تَجَمعُ الماء تأخذ منها مهما تأخذ فيأتي إليها ماء آخر. وكلمة "تبارك الله" تعني "ثبت الحق" ولم يزل أزلاً ولا يزال هو واحداً أحداً، إنه الثبوت المطلق. وهكذا نجد أن الثبات يأتي في معنى البيت الحرام. إن البيت الحرام مبارك أبداً "كيف"؟ أليست تضاعف فيه الحسنة؟ وهل هناك بركة أحسن من هذه؟ وهل هناك بركة أفضل من أنه بيت تُجبى إليه ثمرات كل شيء ولا تنقطع؟ فقديما كان الذاهب إلى البيت الحرام يأخذ معه حتى الكفن، ويأخذ الإبرة والخيط، والملح، والآن فإن الزائر لبيت الله الحرام يذهب ليأتي بكماليات الحياة من هناك. ويقول سبحانه عن هذا البيت الحرام المبارك: إنه "هدى للعالمين". ما هو الهدى؟ قلنا: إن الهدى هو الدلالة الموصلة للغاية، ومن يَزُرْ البيت الحرام يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فهل اهتدى للجنة أم لا؟ إنه يعرف بزيارة البيت الحرام الطريق إلى الجنة. وحينما ننظر إلى هذه المسألة نجد أن الحق سبحانه وتعالى عندما تكلم عن البيت لم يتكلم إلا عن آية واحدة فيه هي مقام إبراهيم مع أن فيه آيات كثيرة. قال الحق: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ...}.
الصابوني
تفسير : [2] فريضة الحج في الإسلام التحليل اللفظي {أَوَّلَ بَيْتٍ}: المراد به أول بيت للعبادة، فالبيت الحرام أول المساجد على وجه الأرض، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع الناس فقال: "حديث : المسجد الحرام، ثم بيت المقدس ". تفسير : قال علي بن أبي طالب: أول بيت وضع للناس للعبادة. قال الزمخشري: ومعنى (وضُع للناس) أي جُعل متعبداً لهم، فكأنه قال: إن أول متعبد للناس الكعبة. {بِبَكَّةَ}: اسم لمكة فتسمى (مكة) و(بكة) من باب الإبدال كقولهم سبد رأسه وسمده إذا حلقه، وطين لازب ولازم، وقيل: (بكة) موضع البيت، و(مكة) الحرم كله. قال ابن العربي: وإنما سميت بكة لأنها تبكّ أعناق الجبابرة، فلم يقصدها جبار بسوء إلا قصمه الله تعالى. {مُبَارَكاً}: البركة معناها الزيادة وكثرة الخير، وهي نوعان: حسية، ومعنوية. أمّا الحسية: فهي ما ساقه الله تعالى من خيرات الأرض وبركاتها إلى أهل هذه البلاد، تجبى إليهم من أقطار الدنيا كما قال تعالى: {أية : يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا} تفسير : [القصص: 57]. وأما المعنوية: فهي توجه الناس من مشارق الأرض ومغاربها إلى هذه البلاد المقدسة، يأتون إليها من كل فج عميق لأداء المناسك من الحج والعمرة استجابة لدعوة الخليل {أية : فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ} تفسير : [إبراهيم: 37]. {وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}: هدى مصدر بمعنى (هداية) أي أن هذا البيت العتيق هو مصدر الهداية والنور لجميع الخلق، وقيل: المعنى أنه قبلة للعالمين يهتدون به إلى جهة صلاتهم. {مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ}: هو الحجر الذي قام عليه إبراهيم عليه السلام حين ارتفع بناء الكعبة وكان فيه أثر قدميه. وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد من {مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ} هو موضع قيامه للصلاة والعبادة، يقال: هذا مقامه أي الموضع الذي اختاره للصلاة فيه، وهذا قول (مجاهد). قال القرطبي: "وفسّر مجاهد مقام إبراهيم بالحرم كله، فذهب إلى أن من آياته الصفا، والمروة، والركن، والمقام". فيكون المراد بالمقام المسجد الحرام كله. {آمِناً}: أي أمن على نفسه وماله. قال القاضي أبو يعلى: لفظه لفظ الخبر، ومعناه الأمر، وتقديره: ومن دخله فأمنوه. وقد فسّر بعض العلماء الأمن بأن المراد منه الأمن من العذاب في الآخرة وروي في ذلك آثاراً، ولا مانع من إرادة العموم، الأمن في الدنيا، والأمن من عذاب الله. {سَبِيلاً}: استطاعةُ السبيل إلى الشيء إمكان الوصول إليه، وقد فسّرت الاستطاعة بملك الزاد والراحلة كما جاء في الحديث الصحيح. المعنى الإجمالي بيّن الله عز وجل مكانة هذا البيت (البيت الحرام) وعدّد مزاياه وفضائله فهو أول بيت من بيوت العبادة وضع معبداً للناس بناه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام ليكون مثابة للناس وأمناً، ثم بني المسجد الأقصى بعد ذلك بعدة قرون بناه "سليمان" عليه السلام، فالبيت العتيق هو أول قبلة وأول معبد على وجه الإطلاق، فليس في الأرض موضع بناه الأنبياء أقدم منه وقد عدّد الله من مزايا هذا البيت ما يستحق تفضيله على جميع المساجد وأماكن العبادة، فهو أول المساجد، وهو قبلة الأنبياء، وهو بلد الأمن والاستقرار وفيه الآيات البينات: الصفا، والمروة، وزمزم، والحطيم، والحجر الأسود، ومقام إبراهيم، وفوق ذلك فأنّ الله عز وجل خصّه بخصائص فجعله مركز الهداية والنور وفرض الحج إليه، يأتيه الناس من أقطار الدنيا ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات، أفلا يكفي برهاناً على شرف هذا البيت وأحقيته أن يكون قبلة للمسلمين؟! سبب النزول ذكر (القرطبي) في "تفسيره" عن (مجاهد) أنه قال: "تفاخر المسلمون واليهود، فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة، لأنه مهاجر الأنبياء وفي الأرض المقدسة، وقال المسلمون بل الكعبة أفضل فأنزل الله هذه الآية. "وجه الارتباط بالآيات السابقة" كانت الآيات من أول سور "آل عمران" إلى هنا في تقرير الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، مع إثبات الوحدانية، وقد تبع ذلك محاجة أهل الكتاب ودحض شبههم، وتفنيد ما استحدثوه في دينهم من بدعٍ وأهواء ما أنزل الله بها من سلطان... أما هذه الآيات من قوله تعالى: {أية : كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ} تفسير : [آل عمران: 93] فقد جاءت لدفع شبهتين من شبه اليهود التي كانوا يثيرونها لإفساد عقائد الناس: الشبهة الأولى: إنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إنك تدَّعي أنك على ملة إبراهيم، فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها مع أن ذلك كان حراماً في دين إبراهيم؟ فقد استحللت ما كان محرّماً عليه، فلست بمصدّق له، ولا بموافق له في الدين، وليس لك أن تقول إنك أولى الناس به... فردّ الله عز وجل عليهم بأن كل الطعام كان حلالاً لإسرائيل ولذريته {أية : كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ...} تفسير : [آل عمران: 93] الآية. الشبهة الثانية: أما الشبهة الثانية التي أثارها اليهود فهي حينما حوّلت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرّفة، فقد طعن اليهود في نبوة محمد عليه السلام، واتخذوا من هذا التحويل ذريعة لإنكار رسالته عليه الصلاة والسلام وتشكيك الناس في الإسلام، وقالوا إن "بيت المقدس" أفضل من الكعبة، وأحق بالاستقبال فهو قد وضع قبلها وهو أرض المحشر، وجميع الأنبياء من ذرية إسحاق كانوا يعظمونه ويصلّون إليه، فلو كنت يا محمد على ما كانوا عليه لعظّمتَ ما عظّموا، فرد الله سبحانه شبهتهم بهذه الآية {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً}. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: الحكمة في اختيار البيت العتيق لفريضة الحج، أن الله تعالى جعله قبلة أهل التوحيد، وأقام بناءه وشيّد دعائمه أبو الأنبياء (إبراهيم) الخليل عليه السلام، وهو أول المساجد على الإطلاق فليس ثمة معبد أقدم منه، وهو يقابل البيت المعمور في السماء، فالبيت العتيق مطاف أهل الأرض، والبيت المعمور مطاف أهل السماء. اللطيفة الثانية: قال الإمام الفخر: "إن الله أمر الخليل عليه السلام بعمارة هذا البيت، فالآمر هو الله رب العالمين، والمبلّغ هو جبريل عليه السلام فلهذا قيل: ليس في العالم بناء أشرف من الكعبة، فالآمر هو المِلكُ الجليل، والمهندس جبريل، والباني هو الخليل، والتلميذ: إسماعيل عليه السلام". اللطيفة الثالثة: من مزايا البيت العتيق، ذلك الأمن الذي جعله الله فيه، وذلك ببركة دعاء إبراهيم عليه السلام حيث قال: {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً} تفسير : [البقرة: 126] وقد كان الناس يتخطفون من أطراف الأرض وأهل مكة في أمن واستقرار وقد امتن الله تعالى عليهم بقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 67] ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لو ظفرتُ فيه بقاتل الخطاب لما مسسته حتى يخرج منه". اللطيفة الرابعة: قال العلامة أبو السعود: "وضع (ومن كفر) موضع من لم يحج تأكيداً لوجوبه وتشديداً على تاركه ولذلك قال عليه السلام "حديث : من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً"تفسير : ، ولقد حازت الآية الكريمة من فنون الاعتبارات، المعربة عن كمال الاعتناء بأمر الحج، والتشديد على تاركه ما لا مزيد عليه، حيث أوثرت صيغة الخبر الدالة على التحقيق، وأبرزت في صورة الجملة الإسمية الدالة على الثبات والاستمرار، على وجه يفيد أنه حق واجب لله سبحانه في ذمم الناس، لا انفكاك لهم عن أدائه والخروج عن عهدته، وسلك بهم مسلك التعميم ثم التخصيص والإبهام ثم التبيين والإجمال...". الأحكام الشرعية الحكم الأول: حكم الجاني في الحرم. اتفق الفقهاء على أنّ من جنى في الحرم فإنه يقتص منه، سواءً كانت الجناية في النفس أم فيما دونها كالأطراف، وعللوا ذلك بأنّ الجاني انتهك حرمة الحرم فلم يعد يعصمه الحرم من القصاص، لأنه هو الذي أحدث فيه فيقتص منه. كما استدلوا بقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 191] واختلفوا فيمن جنى في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم هل يقتص منه في الحرم؟ على مذهبين: 1 - مذهب الحنفية والحنابلة: ذهب الإمام (أبو حنيفة) والإمام أحمد رحمهما الله إلى أنّ من اقترف ذنباً واستوجب به حداً ثم لجأ إلى الحرم عصمه لقوله تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} فأوجب الله سبحانه الأمن لمن دخله... والآية الكريمة على تقديره (خبرٌ يقصد به الأمر) ويكون المعنى: من دخله فأمّنوه، فهو مثل قوله تعالى: {أية : فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ} تفسير : [البقرة: 197] أي لا يرفثْ ولا يفسقْ ولا يجادل. وهذا الرأي منقول عن حَبْر هذه الأمة (عبد الله بن عباس) فقد قال ابن عباس: إن جنى في الحِلّ ثم لجأ إلى الحَرَم لا يُقْتَصّ منه لكن لا يُجالس ولا يُبايع ولا يُكلّم حتى يخرج من الحرم فيقتص منه.. وهذا هو نفس مذهب الأحناف فإنهم قالوا إذا جنى ثم لجأ إلى الحرم فإنه لا يؤوي ولا يجالس ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج فيقتص منه. وقالوا: إن الحرم له حرمة خاصة فمن لجأ إليه احتمى كما قال تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} وكما قال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً} تفسير : [العنكبوت: 67]. ب - مذهب المالكية والشافعية: وذهب (الشافعية والمالكية) إلى أنّ من جنى في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم فإنه يقتص منه، سواءَ كانت الجناية في النفس أو غيرها. واستدلوا ببضعة أدلة منها: ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل بعض المشركين في الحرم، وقال عن (ابن خطل) اقتلوه ولو رأيتموه متعلقاً بأستار الكعبة ومنها ما ورد (إنّ الحرم لا يجير عاصياً، ولا فاراً بخربة ولا فاراً بدم) وأجابوا على قوله تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} قالوا هذا كان في الجاهلية لو أنّ إنساناً ارتكب كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتعرض له حتى يخرج من الحرم، وهذا من منن الله عزّ وجل على أهل تلك البلاد فقد جعل لهم الحرم مركز أمن واستقرار.. أما الإسلام فلم يزده إلا شدةً فمن لجأ إليه جانباً أقيم عليه الحد، كيف لا والإسلام دين القوة والحزم؟! الترجيح: ولعل الرأي الثاني هو الأوجه والأرجح، لأننا لو أخذنا بالرأي الأول -على ما فيه من وجاهة - لأصبح الحرم مركزاً لاجتماع الجُناة والمجرمين، ولاختل الأمن، لأن القاتل يقتل ثم يفر من وطنه ويأتي الحرم، لأنه يعلم أنه يحميه، وبذلك تنتشر الجرائم وتكثر المفاسد والله تعالى أعلم. الحكم الثاني: حكم حج الفقير والعبد: الفقير لا يجب عليه الحج لعدم الاستطاعة، ولكنه إذا أدى الحج سقط عنه الفرض بالإجماع، وأما العبد فإنه إذا حج هل تسقط عنه الفريضة؟ قال (أبو حنيفة): يقع حجه نفلاً ويجب عليه أن يحج متى عتق، لأنه يشبه الطفل دون البلوغ فإنه إذا حج ثم بلغ سن الرشد يجب عليه حجة الفريضة، كذلك العبد إذا حج ثم عتق يجب عليه حجة الفريضة. وقال (الشافعي): يجزيه الحج قياساً على الفقير، واستدل بأنّ الجمعة لا تجب على العبد فإذا صلاها سقط عنه الظهر، فكذلك الحج إذا أداه تسقط عنه حجة الفريضة، وهذا الرأي ضعيف فقد نقل عن النووي وهو من أئمة المذهب الشافعي ما يخالف ذلك حيث قال: إن مذهب الشافعية أن العبد إذا أحرم بالحج ثم عتق قبل الوقوف بعرفة أجزأه ذلك عن حجة الإسلام خلافاً لأبي حنيفة ومالك، أمّا إذا كان العتق بعد فوات الحج فإنه لا يجزئه، ولعل هذا هو الرأي الصحيح عند الشافعية فيكون الخلاف بين المذهبين (شكلياً) لا (جوهرياً) لأنهما متفقان على أن العتق إذا كان بعد أداء ركن الحج وهو الوقوف بعرفة فإنه لا يجزئه ويجب عليه الحج مرة أخرى لأن الأول يقل نافلة. الحكم الثالث: هل المحْرَمْ بالنسبة للمرأة شرط لوجوب الحج؟ ذهب بعض الفقهاء إلى أن وجود المَحْرم شرط من شروط وجوب الحج وهذا هو مذهب الحنفية، ودليلهم ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً فوق ثلاثٍ إلا مع ذي رحم محرمٍ أو زوج"تفسير : وهذا عام يشمل كل سفرٍ سواءً كان للحج أو غيره... واستدلوا أيضاً بما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: "حديث : خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم، فقال رجل يا رسول الله إني قد اكتتبت في غزوة كذا، وقد أرادت امرأتي أن تحج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم احجج مع امرأتك" تفسير : وهذا الحديث يدل على أن المرأة إذا أرادت الحج فليس لها أن تحج إلا مع زوجٍ أو ذي رحم محرم، فقد أمره عليه الصلاة والسلام أن يترك الجهاد وهو فرض وأن يحج مع امرأته، ولولا أن وجود المحرم واجب لما أمره بترك الجهاد والسفر مع زوجه. وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنّ حج الفرض لا يجب فيه المحرم بشرط أمن المرأة على نفسها بأن يكون معها عدة من النسوة.. وأما حج النافلة فيجب فيه المحرم، وهم محجوجون بالأدلة التي ذكرناها مما يشير إلى أن الحج لا يجب على المرأة إلا إذا وجدت محرماً، لأن وجود المحرم من شرائط الوجوب، وهذا هو الأرجح. تنبيه هام: أقول إذا كان الإسلام لم يسمح للمرأة أن تسافر لأداء فريضة الحج إلا مع ذي محرم - والحج أحد أركان الإسلام كما نعلم وهو فريضة على الرجل والمرأة - فكيف يسمح الناس لبناتهم بالسفر إلى بلاد بعيدة، أو إلى بلدان أجنبية بحجة الدراسة وطلب العلم، وليس معهن مَحْرمٌ أو من يرافقهن من أقاربهن؟! إن هذا - بلا شك - يدل على بعد الناس عن التمسك بآداب الإسلام وتعاليمه الرشيدة، بل يدل على فقدان الرجولة والشهامة حتى أضحى أمر سفر النساء وتبرجهن واختلاطهن بالرجال أمراً طبيعياً معتاداً وإنا لله وإنا إليه راجعون!! الحكم الرابع: ما هي شروط وجوب الحج؟ شروط وجوب الحج خمسة، وهي (1 - الإسلام 2 - العقل 3 - البلوغ، 4 - الاستطاعة، 5 - وجود محرم مع المرأة) وزاد بعضهم أمن الطريق وهو من شروط الأداء لا من شروط الوجوب. أما الشروط الثلاثة الأولى (الإسلام، العقل، البلوغ) فهي ليست خاصة بالحج بل هي شروط لجميع التكاليف الشرعية كالصلاة والصيام... الخ، وأما الشرط الرابع وهو (الاستطاعة) فقد بينته الآية الكريمة بقوله تعالى: {مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} كما بينت السنة النبوية الاستطاعة بأنها ملك (الزاد والراحلة) فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : من ملك زاداً وراحلة تبلغه بيت الله ولم يحجّ فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً" تفسير : وذلك أن الله يقول في كتابه: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} وروي عن ابن عمر حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله عز وجل: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} فقال: السبيلُ: الزادُ والراحلة ). تفسير : قال الجصاص: وليست الاستطاعة مقصورة على وجود الزاد والراحلة لأن المريض الخائف، والشيخ الذي لا يثبت على الراحلة، والزَّمِنُ وكل من تعذّر عليه الوصول إليه فهو غير مستطيع السبيل إلى الحج وإن كان واجداً للزاد والراحلة، فدل ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد بقوله: الاستطاعةُ (الزادُ والراحلة) أن ذلك جميع شرائط الاستطاعة، وإنما أفاد ذلك بطلان قول من يقول إن أمكنه المشي ولم يجد زاداً وراحلة فعليه الحج، فبيّن صلى الله عليه وسلم أن لزوم فرض الحج مخصوص بالركوب دون المشي". أما الشرط الخامس وهو (وجود المحرم للمرأة) فقد استوفينا شرحه فيما سبق والله أعلم. الحكم الخامس: هل يجب الحج أكثر من مرة؟ ظاهر الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} أن الحج لا يجب إلا مرة واحدة في العمر وهو رأي الجمهور إذ ليس في الآية ما يوجب التكرار وقد أكد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث الذي رواه أبو هريرة قال: "حديث : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا... فقال رجل: كلّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه ".
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً} فَبَكَّةَ: مَوْضِعُ البَيتِ. وسُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لأَنَّ النَّاسَ يَتَباكُونَ فِيهِ، معناهُ يَتزاحَمُونَ. ومَكةُ: جَميعُ القَريةِ. وهي أُمُّ القُرى. وأُمُّ كُلِّ شَيءٍ أَصْلُهُ.
الجيلاني
تفسير : ثم لما كان إبراهيم - صلوات الرحمن عليه - مستقيماً على صراط التوحيد، مستوياً عليه ما وضع سبحانه أول معبد للموحدين إلا لأجله كما قال: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} ليعبدوا فيه الله ويتوجهوا إلى جنابه {لَلَّذِي بِبَكَّةَ} للبيت الذي بمكة قبل وضع المسجد الحرام، قبل وضع البيت المقدس بأربعين سنة، والحال أنه وضع {مُبَارَكاً} كثير الخير والنفع لساكنيه وطائفيه، يرشدهم إلى الإيما بالله وملائكته وكتبه ورسله {وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96] يوصلهم إلى التوحيد الذاتي لو كوشفوا بسرائر وضعه وتشريعه إذ: {فِيهِ ءَايَٰتٌ} دلائل وشواهد {بَيِّنَـٰتٌ} واضحات دالة على توحيد الذات منها: {مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ} وهو مقام الرضا والتسليم {وَمَن دَخَلَهُ} ضيفاً مسلماً مفوضاً {كَانَ آمِناً} عن وسوسة الأنانية ودغدغة الغيرية، متصفاً بصفة الخلة {وَللَّهِ} أي: للوصول إلى توحيده وللتحقق بمقام عبوديته وإحسانه ويجب {عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} الممثل عن قلب الخليل اللائق لخلعة الخلة {مَنِ ٱسْتَطَاعَ} منكم أيها الحيارى في صحارى الإمكان {إِلَيْهِ سَبِيلاً} ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من رشداً {وَمَن كَفَرَ} ولم يحج إنكاراً وعناداً {فَإِنَّ ٱلله} المستغني في ذاته عن جميع مظاهره ومصنوعاته {غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ} [آل عمران: 97] لم يبال بهم وبعابدتهم، وإنما أظهرهم وأوجب عليهم العبادة والرجوع إلى جنابه والتوجه نحو بابه؛ ليتحققوا في مرتبة العبودية، ويتقرروا فيها حتى يستحقوا الخلافة والنيابة المتفرعة على سر الظهور والإظهار. {قُلْ} يا أكمل الرسل لمن أنكر شعائر الإسلام {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} المدعين للإيمان بوحدانية الله {لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} الدالة على توحيده المنزلة على نبيه الذي جاء من عنده بالتوحيد الذاتي ليكون مرسلاً إلى كافة البرايا رحمة للعالمينن؟ {وَ} لا تخافون من غضب الله وسخطه، إذ {ٱللَّهُ شَهِيدٌ} مطلع حاضر {عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 98] من الإنكار والاستكبار والتحريف والاستسرار. {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} المدعين الاتباع بالكتب والرسل المنزلة من عند الله {لِمَ تَصُدُّونَ} تصرفون وتحرفون {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} الذي هو دين الإسلام وهو الصراط المستقيم إلى صفاء الوحدة {مَنْ آمَنَ} انقاد وتدين به {تَبْغُونَهَا عِوَجاً} حال كونكم طالبين أن توقعوا فيه عوجاً وانحناء وضعفاً حتى يضعف اعتقاد المسلمين، ويتزلزون آراؤهم في أمور دينهم كما في زماننا هذا {وَ} الحال أنكم {أَنْتُمْ شُهَدَآءُ} مطلعون عن مطالعة كتبكم المنزلة من عند الله على ظهور دين الإسلام وارتفاع قدره وقدر من أوتي به ومع ذلك حرفتم الكتب وأنكرتم له عناداً واستكباراً {وَ} لا تغفلوا عن غضب الله وانتقامه؛ إذ {مَا ٱللَّهُ} العالم بالسرائر والخفيات {بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 99] من التلبيس والعناد والتحريف والتغيير.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن شرف هذا البيت الحرام، وأنه أول بيت وضعه الله للناس، يتعبدون فيه لربهم فتغفر أوزارهم، وتقال عثارهم، ويحصل لهم به من الطاعات والقربات ما ينالون به رضى ربهم والفوز بثوابه والنجاة من عقابه، ولهذا قال: { مباركا } أي: فيه البركة الكثيرة في المنافع الدينية والدنيوية كما قال تعالى {أية : ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } تفسير : { وهدى للعالمين } والهدى نوعان: هدى في المعرفة، وهدى في العمل، فالهدى في العمل ظاهر، وهو ما جعل الله فيه من أنواع التعبدات المختصة به، وأما هدى العلم فبما يحصل لهم بسببه من العلم بالحق بسبب الآيات البينات التي ذكر الله تعالى في قوله { فيه آيات بينات } أي: أدلة واضحات، وبراهين قاطعات على أنواع من العلوم الإلهية والمطالب العالية، كالأدلة على توحيده ورحمته وحكمته وعظمته وجلاله وكمال علمه وسعة جوده، وما مَنَّ به على أوليائه وأنبيائه، فمن الآيات { مقام إبراهيم } يحتمل أن المراد به المقام المعروف وهو الحجر الذي كان يقوم عليه الخليل لبنيان الكعبة لما ارتفع البنيان، وكان ملصقا في جدار الكعبة، فلما كان عمر رضي الله عنه وضعه في مكانه الموجود فيه الآن، والآية فيه قيل أثر قدمي إبراهيم، قد أثرت في الصخرة وبقي ذلك الأثر إلى أوائل هذه الأمة، وهذا من خوارق العادات، وقيل إن الآية فيه ما أودعه الله في القلوب من تعظيمه وتكريمه وتشريفه واحترامه، ويحتمل أن المراد بمقام إبراهيم أنه مفرد مضاف يراد به مقاماته في مواضع المناسك كلها، فيكون على هذا جميع أجزاء الحج ومفرداته آيات بينات، كالطواف والسعي ومواضعها، والوقوف بعرفة ومزدلفة، والرمي، وسائر الشعائر، والآية في ذلك ما جعله الله في القلوب من تعظيمها واحترامها وبذل نفائس النفوس والأموال في الوصول إليها وتحمل كل مشقة لأجلها، وما في ضمنها من الأسرار البديعة والمعاني الرفيعة، وما في أفعالها من الحكم والمصالح التي يعجز الخلق عن إحصاء بعضها، ومن الآيات البينات فيها أن من دخله كان آمنا شرعا وقدرا، فالشرع قد أمر الله رسوله إبراهيم ثم رسوله محمد باحترامه وتأمين من دخله، وأن لا يهاج، حتى إن التحريم في ذلك شمل صيودها وأشجارها ونباتها، وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء أن من جنى جناية خارج الحرم ثم لجأ إليه أنه يأمن ولا يقام عليه الحد حتى يخرج منه، وأما تأمينها قدرا فلأن الله تعالى بقضائه وقدره وضع في النفوس حتى نفوس المشركين به الكافرين بربهم احترامه، حتى إن الواحد منهم مع شدة حميتهم ونعرتهم وعدم احتمالهم للضيم يجد أحدهم قاتل أبيه في الحرم فلا يهيجه، ومن جعله حرما أن كل من أراده بسوء فلا بد أن يعاقبه عقوبة عاجلة، كما فعل بأصحاب الفيل وغيرهم، وقد رأيت لابن القيم هاهنا كلاما حسنا أحببت إيراده لشدة الحاجة إليه قال فائدة: { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } "حج البيت"مبتدأ وخبره في أحد المجرورين قبله، والذي يقتضيه المعنى أن يكون في قوله:"على الناس"لأنه وجوب، والوجوب يقتضي"على"ويجوز أن يكون في قوله:"ولله"لأنه متضمن الوجوب والاستحقاق، ويرجح هذا التقدير أن الخبر محط الفائدة وموضعها، وتقديمه في هذا الباب في نية التأخير، فكان الأحسن أن يكون"ولله على الناس" .ويرجح الوجه الأول بأن يقال قوله:"حج البيت على الناس"أكثر استعمالا في باب الوجوب من أن يقال:"حج البيت لله"أي: حق واجب لله، فتأمله. وعلى هذا ففي تقديم المجرور الأول وليس بخبر فائدتان: إحداهما: أنه اسم للموجب للحج، فكان أحق بالتقديم من ذكر الوجوب، فتضمنت الآية ثلاثة أمور مرتبة بحسب الوقائع: أحدها: الموجب لهذا الفرض فبدأ بذكره، والثاني: مؤدي الواجب وهو المفترض عليه وهم الناس، والثالث: النسبة، والحق المتعلق به إيجابا وبهم وجوبا وأداء، وهو الحج. والفائدة الثانية: أن الاسم المجرور من حيث كان اسما لله سبحانه، وجب الاهتمام بتقديمه تعظيما لحرمة هذا الواجب الذي أوجبه، وتخويفا من تضييعه، إذ ليس ما أوجبه الله سبحانه بمثابة ما يوجبه غيره. وأما قوله:"مَنْ"فهي بدل، وقد استهوى طائفة من الناس القول بأنها فاعل بالمصدر، كأنه قال: أن يحج البيت من استطاع إليه سبيلا وهذا القول يضعف من وجوه، منها: أن الحج فرض عين، ولو كان معنى الآية ما ذكره لأفهم فرض الكفاية، لأنه إذا حج المستطيعون برئت ذمم غيرهم، لأن المعنى يؤل إلى: ولله على الناس حج البيت مستطيعهم، فإذا أدى المستطيعون الواجب لم يبق واجبا على غير المستطيعين، وليس الأمر كذلك، بل الحج فرض عين على كل أحد، حج المستطيعون أو قعدوا، ولكن الله سبحانه عذر غير المستطيع بعجزه عن أداء الواجب، فلا يؤاخذه به ولا يطالبه بأدائه، فإذا حج سقط الفرض عن نفسه، وليس حج المستطيعين بمسقط الفرض عن العاجزين، وإذا أردت زيادة إيضاح، فإذا قلت: واجب على أهل هذه الناحية أن يجاهد منهم الطائفة المستطيعون للجهاد، فإذا جاهدت تلك الطائفة انقطع تعلق الوجوب في غيرهم، وإذا قلت واجب على الناس كلهم أن يجاهد منهم المستطيع، كان الوجوب متعلقا بالجميع وعذر العاجز بعجزه، ففي نظم الآية على هذا الوجه دون أن يقال: ولله حج البيت على المستطيعين، هذه النكتة البديعة فتأملها. الوجه الثاني: أن إضافة المصدر إلى الفاعل إذا وجد أولى من إضافته إلى المفعول ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل منقول، فلو كان من هو الفاعل لأضيف المصدر إليه فكان يقال:"ولله على الناس حج مَنْ استطاع"وحمله على باب"يعجبني ضرب زيد عمرا"وفيما يفصل فيه بين المصدر وفاعله المضاف إليه بالمفعول والظرف حمل على المكتوب المرجوح، وهي قراءة ابن عامر ( قتل أولادهم شركائهم )، فلا يصار إليه.وإذا ثبت أن"من"بدل بعض من كل وجب أن يكون في الكلام ضمير يعود إلى"الناس"كأنه قيل: من استطاع منهم، وحذف هذا الضمير في أكثر الكلام لا يحسن، وحسنه هاهنا أمور منها: أن"من"واقعة على من لا يعقل، كالاسم المبدل منه فارتبطت به، ومنها: أنها موصولة بما هو أخص من الاسم الأول، ولو كانت الصلة أعم لقبح حذف الضمير العائد، ومثال ذلك إذا قلت: رأيت إخوتك من ذهب إلى السوق منهم، كان قبيحا، لأن الذاهب إلى السوق أعم من الإخوة، وكذلك لو قلت: البس الثياب ما حسن وجمل، يريد منها، ولم يذكر الضمير كان أبعد في الجواز، لأن لفظ ما حسن أعم من الثياب. وباب البعض من الكل أن يكون أخص من المبدل منه، فإذا كان أعم وأضفته إلى ضمير أو قيدته بضمير يعود إلى الأول ارتفع العموم وبقي الخصوص، ومما حسن حذف المضاف في هذه أيضا مع ما تقدم طول الكلام بالصلة والموصول. وأما المجرور من قوله"لله"فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون في موضع من سبيل، كأنه نعت نكرة قدم عليها، لأنه لو تأخر لكان في موضع النعت لسبيل، والثاني: أن يكون متعلقا بسبيل، فإن قلت: كيف يتعلق به وليس فيه معنى الفعل؟ قيل: السبيل لما كان عبارة هاهنا عن الموصل إلى البيت من قوت وزاد ونحوهما، كان فيه رائحة الفعل، ولم يقصد به السبيل الذي هو الطريق، فصلح تعلق المجرور به، واقتضى حسن النظم وإعجاز اللفظ تقديم المجرور وإن كان موضعه التأخير، لأنه ضمير يعود على البيت، والبيت هو المقصود به الاعتناء، وهم يقدمون في كلامهم ما هم به أهم وببيانه أعني هذا تقرير السهيلي، وهذا بعيد جدا بل الصواب في متعلق الجار والمجرور وجه آخر أحسن من هذين، ولا يليق بالآية سواه، وهو الوجوب المفهوم من قوله"على الناس"أي: يجب لله على الناس الحج، فهو حق واجب لله، وأما تعليقه بالسبيل وجعله حالا منها، ففي غاية البعد فتأمله، ولا يكاد يخطر بالبال من الآية، وهذا كما تقول: لله عليك الصلاة والزكاة والصيام. ومن فوائد الآية وأسرارها أنه سبحانه إذا ذكر ما يوجبه ويحرمه يذكره بلفظ الأمر والنهي، وهو الأكثر، وبلفظ الإيجاب والكتابة والتحريم نحو {أية : كتب عليكم الصيام } {أية : حرمت عليكم الميتة } {أية : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } تفسير : وفي الحج أتى بهذا اللفظ الدال على تأكد الوجوب من عشرة أوجه، أحدها أنه قدم اسمه تعالى وأدخل عليه لام الاستحقاق والاختصاص ثم ذكر من أوجبه عليهم بصيغة العموم الداخلة عليها حرف على أبدل منه أهل الاستطاعة، ثم نكر السبيل في سياق الشرط إيذانا بأنه يجب الحج على أي: سبيل تيسرت، من قوت أو مال، فعلق الوجوب بحصول ما يسمى سبيلا ثم أتبع ذلك بأعظم التهديد بالكفر فقال { ومن كفر } أي: لعدم التزامه هذا الواجب وتركه ثم عظم الشأن وأكد الوعيد بإخباره ما يستغنى به عنه، والله تعالى هو الغني الحميد، ولا حاجة به إلى حج أحد، وإنما في ذكر استغنائه عنه هنا من الإعلام بمقته له وسخطه عليه وإعراضه بوجهه عنه ما هو أعظم التهديد وأبلغه، ثم أكد ذلك بذكر اسم"العالمين"عموما، ولم يقل: فإن الله غني عنه، لأنه إذا كان غنيا عن العالمين كلهم فله الغنى الكامل التام من كل وجه بكل اعتبار، فكان أدل لعظم مقته لتارك حقه الذي أوجبه عليه، ثم أكد هذا المعنى بأداة"إن"الدالة على التأكيد، فهذه عشرة أوجه تقتضي تأكد هذا الفرض العظيم. وتأمل سر البدل في الآية المقتضي لذكر الإسناد مرتين، مرة بإسناده إلى عموم الناس، ومرة بإسناده إلى خصوص المستطيعين، وهذا من فوائد البدل تقوية المعنى وتأكيده بتكرر الإسناد ولهذا كان في نية تكرار العامل وإعادته. ثم تأمل ما في الآية من الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال، وكيف تضمن ذلك إيراد الكلام في صورتين وخلتين، اعتناء به وتأكيد لشأنه، ثم تأمل كيف افتتح هذا الإيجاب بذكر محاسن البيت وعظم شأنه بما تدعوا النفوس إلى قصده وحجه وان لم يطلب ذلك منها، فقال: { إن أول بيت } إلخ، فوصفه بخمس صفات: أحدها كونه أسبق بيوت العالم وضع في الأرض، الثاني: أنه مبارك، والبركة كثرة الخير ودوامه، وليس في بيوت العالم أبرك منه ولا أكثر خيرا ولا أدوم ولا أنفع للخلائق، الثالث: أنه هدى، ووصفه بالمصدر نفسه مبالغة، حتى كأنه نفس الهدى، الرابع ما تضمن من الآيات البينات التي تزيد على أربعين آية، الخامس: الأمن الحاصل لداخله، وفي وصفه بهذه الصفات دون إيجاب قصده ما يبعث النفوس على حجه وإن شطت بالزائرين الديار وتناءت بهم الأقطار، ثم أتبع ذلك بصريح الوجوب المؤكد بتلك التأكيدات، وهذا يدل على الاعتناء منه سبحانه لهذا البيت العظيم، والتنويه بذكره، والتعظيم لشأنه، والرفعة من قدره، ولو لم يكن له شرف إلا إضافته إياه إلى نفسه بقوله {أية : وطهر بيتي } تفسير : لكفى بهذه الإضافة فضلا وشرفا، وهذه الإضافة هي التي أقبلت بقلوب العالمين إليه، وسلبت نفوسهم حباله وشوقا إلى رؤيته، فهذه المثابة للمحبين يثوبون إليه ولا يقضون منه وطرا أبدا، كلما ازدادوا له زيارة ازدادوا له حبا وإليه اشتياقا، فلا الوصال يشفيهم ولا البعاد يسليهم، كما قيل: شعر : أطوف به والنفس بعد مشوقة إليه وهل بعد الطواف تداني وألثم منه الركن أطلب برد ما بقلبي من شوق ومن هيمان فوالله ما ازداد إلا صبابة ولا القلب إلا كثرة الخفقان فيا جنة المأوى ويا غاية المنى ويا منيتي من دون كل أمان أبت غلبات الشوق إلا تقربا إليك فما لي بالبعاد يدان وما كان صدى عنك صد ملالة ولي شاهد من مقلتي ولسان دعوت اصطباري عنك بعدك والبكا فلبى البكا والصبر عنك عصاني وقد زعموا أن المحب إذا نأى سيبلى هواه بعد طول زمان ولو كان هذا الزعم حقا لكان ذا دواء الهوى في الناس كل زمان بلى إنه يبلى والهوى على حاله لم يبله الملوان وهذا محب قاده الشوق والهوى بغير زمام قائد وعنان أتاك على بعد المزار ولو ونت مطيته جاءت به القدمان تفسير : انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} [96] 89- أنا بشر بن خالد، أنا غُنْدر، عن شعبة، عن سليمان، قال: سمعت إبراهيم يحدِّث عن أبيه، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأله عن أول مسجد وُضِع للناس؟ قال: "حديث : مسجد الحرام، وبيت المقدس" فسُئل: كم بينهما؟ قال: "أربعون عاما وحيث ما أدركتك الصلاة، فصلِّ فثمَّ مسجد ".
همام الصنعاني
تفسير : 432- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً}: [الآية: 96]، قال: أول بيت وضعه الله في الأرض، فطاف به آدم ومن بعده. قال قتادة: "وبكة" يبكّ الناس بعضهم بعضاً، الرجال والنساء، يُصلِّي بعضهم بين يدي بعض، ويمرّ بعضهم بين يدي بعض لا يصلح ذلك إلا بمكة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):