٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
97
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {فِيهِ ءايَـٰتٌ بَيّـنَـٰتٌ} كانحراف الطيور عن موازاة البيت على مدى الأعصار، وأن ضواري السباع تخالط الصيود في الحرم ولا تتعرض لها، وإن كل جبار قصده بسوء قهره الله كأصحاب الفيل. والجملة مفسرة للهدى، أو حال أخرى. {مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ } مبتدأ محذوف خبره أي منها مقام إبراهيم، أو بدل من آيات بدل البعض من الكل. وقيل عطف بيان على أن المراد بالآيات أثر القدم في الصخرة الصماء وغوصها فيها إلى الكعبين، وتخصيصها بهذه الإلانة من بين الصخار وإبقاؤه دون سائر آثار الأنبياء وحفظه مع كثرة أعدائه ألوف السنين. ويؤيده أنه قرىء «آية» بينة على التوحيد. وسبب هذا الأثر أنه لما ارتفع بنيان الكعبة قام على هذا الحجر ليتمكن من رفع الحجارة فغاصت فيه قدماه. {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً } جملة ابتدائية، أو شرطية معطوفة من حيث المعنى على مقام لأنه في معنى أمن من دخله أي ومنها أمن من دخله، أو فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله. اقتصر بذكرهما من الآيات الكثيرة وطوى ذكر غيرهما كقوله عليه السلام «حديث : حبب إليَّ من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة»تفسير : لأن فيهما غنية عن غيرها في الدارين بقاء الأثر مدى الدهر والأمن من العذاب يوم القيامة، قال عليه السلام: «حديث : من مات في أحد الحرمين، بعث يوم القيامة آمناً»تفسير : وعند أبي حنيفة من لزمه القتل بردة أو قصاص أو غيرهما والتجأ إلى الحرم لم يتعرض له ولكن ألجىء إلى الخروج. {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} قصده للزيارة على الوجه المخصوص. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص {حَجَّ} بالكسر وهو لغة نجد. {مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} بدل من الناس بدل البعض من الكل مخصص له، وقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستطاعة «حديث : بالزاد والراحلة»تفسير : وهو يؤيد قول الشافعي رضي الله تعالى عنه إنها بالمال، ولذلك أوجب الاستنابة على الزمن إذا وجد أجرة من ينوب عنه. وقال مالك رحمه الله تعالى إنها بالبدن فيجب على من قدر على المشي والكسب في الطريق. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى إنها بمجموع الأمرين. والضمير في إليه للبيت، أو الحج وكل ما أتى إلى الشيء فهو سبيله. {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ} وضع كفر موضع من لم يحج تأكيداً لوجوبه وتغليظاً على تاركه، ولذلك قال عليه السلام«حديث : من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً»تفسير : وقد أكد أمر الحج في هذه الآية من وجوبه الدلالة على وجوه بصيغة الخبر، وإبرازه في الصورة الإِسمية وإيراده على وجه يفيد أنه حق واجب لله تعالى في رقاب الناس، وتعميم الحكم أولاً ثم تخصيصه ثانياً فإنه كإيضاح بعد إيهام وتثنية وتكرير للمراد، وتسمية ترك الحج كفراً من حيث إنه فعل الكفرة، وذكر الاستغناء فإنه في هذا الموضع مما يدل على المقت والخذلان وقوله: {عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ} يدل عليه لما فيه من مبالغة التعميم والدلالة على الاستغناء عنه بالبرهان والإِشعار بعظم السخط، لأنه تكليف شاق جامع بين كسر النفس وإتعاب البدن وصرف المال والتجرد عن الشهوات والإِقبال على الله. روي (أنه لما نزل صدر الآية جمع رسول صلى الله عليه وسلم أرباب الملل فخطبهم وقالحديث : إن الله تعالى: كتب عليكم الحج فحجوا فآمنت به ملة واحدة وكفرت به خمس ملل فنزل ومن كفر).تفسير : {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ ٱللَّهِ} أي بآياته السمعية والعقلية الدالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم فيما يدعيه من وجوب الحج وغيره، وتخصيص أهل الكتاب بالخطاب دليل على أن كفرهم أقبح، لأن معرفتهم بالآيات أقوى وأنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالتوراة والإِنجيل فهم كافرون بهما. {وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} والحال أنه شهيد مطلع على أعمالكم فيجازيكم عليها لا ينفعكم التحريف والاستسرار. {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءامَنَ} كرر الخطاب والاستفهام مبالغة في التقريع ونفي العذر لهم، وإشعاراً بأن كل واحد من الأمرين مستقبح في نفسه مستقل باستجلاب العذاب، وسبيل الله في دينه الحق المأمور بسلوكه وهو الإسلام. قيل كانوا يفتنون المؤمنين ويحرشون بينهم حتى أتوا الأوس والخزرج فذكروهم ما بينهم في الجاهلية من التعادي والتحارب ليعودوا لمثله ويحتالون لصدهم عنه. {تَبْغُونَهَا عِوَجاً} حال من الواو أي باغين طالبين لها اعوجاجاً بأن تلبسوا على الناس وتوهموا أن فيه عوجاً عن الحق، بمنع النسخ وتغيير صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحوهما، أو بأن تحرشوا بين المؤمنين لتختلف كلمتهم ويختل أمر دينهم. {وَأَنْتُمْ شُهَدَاء} إنها سبيل الله والصد عنها ضلال وإضلال، أو أنتم عدول عند أهل ملتكم يثقون بأقوالكم ويستشهدونكم في القضايا. {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وعيد لهم، ولما كان المنكر في الآية الأولى كفرهم وهم يجهرون به ختمها بقوله: {وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ }. ولما كان في هذه الآية صدهم للمؤمنين عن الإسلام وكانوا يخفونه ويحتالون فيه قال {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ} نزلت في نفر من الأوس والخزرج كانوا جلوساً يتحدثون، فمر بهم شاس بن قيس اليهودي فغاظه تألفهم واجتماعهم فأمر شاباً من اليهود أن يجلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث وينشدهم بعض ما قيل فيه، وكان الظفر في ذلك اليوم للأوس، ففعل فتنازع القوم وتفاخروا وتغاضبوا وقالوا السلاح السلاح، واجتمع مع القبيلتين خلق عظيم، فتوجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال «حديث : أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم الله بالإِسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بين قلوبكم» تفسير : فعلموا أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح واستغفروا وعانق بعضهم بعضاً وانصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما خاطبهم الله بنفسه بعدما أمر الرسول بأن يخاطب أهل الكتاب إظهاراً لجلالة قدرهم، وإشعاراً بأنهم هم الأحقاء بأن يخاطبهم الله ويكلمهم. {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءايَـٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ } إنكار وتعجيب لكفرهم في حال اجتمع لهم الأسباب الداعية إلى الإيمان الصارفة عن الكفر. {وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ } ومن يتمسك بدينه أو يلتجىء إليه في مجامع أموره. {فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرٰطٍ مّسْتَقِيمٍ} فقد اهتدى لا محالة. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } حق تقواه وما يجب منها، وهو استفراغ الوسع في القيام بالواجب والاجتناب عن المحارم كقوله: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ }تفسير : [التغابن: 16] وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: هو أن يطيع فلا يعصي، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى. وقيل هو: أن تنزه الطاعة عن الالتفات إليها وعن توقع المجازاة عليها. وفي هذا الأمر تأكيد للنهي عن طاعة أهل الكتاب، وأصل تقاة وقية فقلبت واوها المضمومة تاء كما في تؤده وتخمه والياء ألفاً. {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} أي ولا تكونن على حال سوى حال الإِسلام إذا أدرككم الموت، فإن النهي عن المقيد بحال أو غيرها قد يتوجه بالذات نحو الفعل تارة والقيد أخرى وقد يتوجه نحو المجموع دونهما وكذلك النفي. {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً} بدين الإِسلام، أو بكتابه لقوله عليه السلام: «حديث : القرآن حبل الله المتين». تفسير : استعار له الحبل من حيث إن التمسك به سبب للنجاة من الردي، كما أن التمسك بالحبل سبب للسلامة من التردى والوثوق به والاعتماد عليه الاعتصام ترشيحاً للمجاز. {جَمِيعاً} مجتمعين عليه {وَلاَ تَفَرَّقُواْ} أي ولا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كأهل الكتاب، أو لا تتفرقوا تفرقكم في الجاهلية يحارب بعضكم بعضاً، أو لا تذكروا ما يوجب التفرق ويزيل الألفة. {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } التي من جملتها الهداية والتوفيق للإِسلام المؤدي إلى التآلف وزوال الغل. {إِذْ كُنتُم أَعْدَاءً} في الجاهلية متقاتلين. {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} بالإِسلام. {فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} متحابين مجتمعين على الأخوة في الله. وقيل كان الأوس والخزرج أخوين فوقع بين أولادهما العداوة وتطاولت الحروب مائة وعشرين سنة حتى أطفأها الله بالإِسلام وألف بينهم برسوله صلى الله عليه وسلم. {وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ ٱلنَّارِ} مشرفين على الوقوع في نار جهنم لكفركم، إذ لو أدرككم الموت على تلك الحالة لوقعتم في النار. {فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا } بالإِسلام، والضمير للحفرة، أو للنار، أو للشفا. وتأنيثه لتأنيث ما أضيف إليه أو لأنه بمعنى الشفة فإن شفا البئر وشفتها طرفها كالجانب والجانبة، وأصله شفو فقلبت الواو ألفاً في المذكر وحذفت في المؤنث. {كَذٰلِكَ } مثل ذلك التبيين. {يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَـٰتِهِ } دلائله. {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } إرادة ثباتكم على الهدى وازديادكم فيه. {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } من للتبعيض، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية، ولأنه لا يصلح له كل أحد إذ للمتصدي له شروط لا يشترك فيها جميع الأمة كالعلم بالأحكام ومراتب الاحتساب وكيفية إقامتها والتمكن من القيام بها. خاطب الجميع وطلب فعل بعضهم ليدل على أنه واجب على الكل حتى لو تركوه رأساً أثموا جميعاً ولكن يسقط بفعل بعضهم، وهكذا كل ما هو فرض كفاية. أو للتبيين بمعنى وكونوا أمة يدعون كقوله تعالى: {أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ }تفسير : [آل عمرآن: 110] والدعاء إلى الخير يعم الدعاء إلى ما فيه صلاح ديني أو دنيوي، وعطف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عطف الخاص على العام للإيذان بفضله.{وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} المخصوصون بكمال الفلاح روي: أنه عليه السلام سئل من خير الناس فقال: «حديث : آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم للرحم»تفسير : والأمر بالمعروف يكون واجباً ومندوباً على حسب ما يؤمر به. والنهي عن المنكر واجب كله لأن جميع ما أنكره الشرع حرام. والأظهر أن العاصي يجب عليه أن ينهى عما يرتكبه لأنه يجب عليه تركه وإنكاره فلا يسقط بترك أحدهما وجوب الآخر. {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ} كاليهود والنصارى اختلفوا في التوحيد والتنزيه وأحوال الآخرة على ما عرفت. {مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ} الآيات والحجج المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه. والأظهر أن النهي فيه مخصوص بالتفرق في الأصول دون الفروع لقوله عليه السلام «حديث : اختلاف أمتي رحمة»تفسير : ولقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : من اجتهد فأصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد»تفسير : {وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } وعيد للذين تفرقوا وتهديد على التشبه بهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَٰتٌ } منها {مَّقَام إِبْرٰهِيمَ } أي الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت فأثَّر قدماه فيه وبقي إلى الآن مع تطاول الزمان وتداول الأيدي عليه ومنها تضعيف الحسنات فيه وأن الطير لا يعلوه {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً } لا يُتَعَرَّضَ إليه بقتل أو ظلم أو غير ذلك {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } واجب بكسر الحاء وفتحها لغتان في مصدر (حَجَّ) بمعنى (قصد) ويبدل من (الناس) {مَنِ ٱسْتَطَٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } طريقاً فسَّره صلى الله عليه وسلم( بالزاد والراحلة)، رواه الحاكم وغيره {وَمَن كَفَرَ } بالله أو بما فرضه من الحج {فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ } الإنس والجن والملائكة وعن عبادتهم.
ابن عطية
تفسير : الضمير في قوله: {فيه} عائد على البيت، وساغ ذلك مع كون "الآيات" خارجة عنه لأن البيت إنما وضع بحرمه وجميع فضائله، فهي فيه وإن لم تكن داخل جدرانه، وقرأ جمهور الناس: "آيات بينات" بالجمع، وقرأ أبي بن كعب وعمر وابن عباس: "آية بينة" على الإفراد، قال الطبري: يريد علامة واحدة المقام وحده، وحكي ذلك عن مجاهد. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يراد بالآية اسم الجنس فيقرب من معنى القراءة الأولى، واختلف عبارة المفسرين عن "الآيات البينات" فقال ابن عباس: من الآيات المقام، يريد الحجر المعروف والمشعر وغير ذلك. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا يدل على أن قراءته "آية" بالإفراد إنما يراد بها اسم الجنس، وقال الحسن بن أبي الحسن: "الآيات البينات" مقام إبراهيم، وإن من دخله كان آمناً، وقال مجاهد: المقام الآية، وقوله: {ومن دخله كان آمناً} كلام آخر. قال القاضي أبو محمد: فرفع {مقام} على قول الحسن ومجاهد على البدل من {آيات}، أو على خبر ابتداء تقديره هن مقام إبراهيم، وعلى قول ابن عباس ومن نحا نحوه: هو مرتفع بالابتداء وخبره محذوف مقدم تقديره: منهن {مقام إبراهيم}. قال القاضي: والمترجح عندي أن المقام وأمن الداخل جعلا مثالاً مما في حرم الله من الآيات، وخصا بالذكر لعظمهما، وأنهما تقوم بهما الحجة على الكفار، إذ هم مدركون لهاتين الآيتين بحواسهم، ومن آيات الحرم والبيت التي تقوم بها الحجة على الكفار أمر الفيل، ورمي طير الله عنه بحجارة السجيل، وذلك أمر لم تختلف كافة العرب في نقله وصحته إلى أن أنزله الله في كتابه، ومن آياته كف الجبابرة عنه على وجه الدهر، ومن آياته الحجر الأسود، وما روي فيه أنه من الجنة وما أشربت قلوب العالم من تعظيمه قبل الإسلام، ومن آياته حجر المقام، وذلك أنه قام عليه إبراهيم عليه السلام، وقت رفعه القواعد من البيت، لما طال له البناء فكلما علا الجدار، ارتفع الحجر به في الهواء، فما زال يبني وهو قائم عليه وإسماعيل يناوله الحجارة والطين حتى أكمل الجدار، ثم إن الله تعالى، لما أراد إبقاء ذلك آية للعالمين لين الحجر، فغرقت فيه قدما إبراهيم عليه السلام كأنها في طين، فذلك الأثر العظيم باقي في الحجر إلى اليوم، وقد نقلت كافة العرب ذلك في الجاهلية على مرور الأعصار، وقال أبو طالب: [الطويل] شعر : ومَوْطِىءُ إبراهيمَ في الصَّخرِ رطْبَةٌ على قَدَمِيهِ حافياً غيرَ ناعِلِ تفسير : فما حفظ أن أحداً من الناس نازع في هذا القول، ومن آياته البينات زمزم في نبعها لهاجر بهمز جبريل عليه السلام الأرض بعقبه، وفي حفر عبد المطلب لها آخراً بعد دثورها بتلك الرؤيا المشهورة، وبما نبع من الماء تحت خف ناقته في سفره، إلى منافرة قريش ومخاصمتها في أمر زمزم، ذكر ذلك ابن إسحاق مستوعباً، ومن آيات البيت نفع ماء زمزم لما شرب له، وأنه يعظم ماؤها في الموسم، ويكثر كثرة خارقة للعادة في الآبار، ومن آياته، الأمنة الثابتة فيه على قديم الدهر، وأن العرب كانت تغير بعضها على بعض ويتخطف الناس بالقتل، وأخذ الأموال وأنواع الظلم إلا في الحرم، وتركب على هذا أمن الحيوان فيه، وسلامة الشجر، وذلك كله للبركة التي خصه الله بها، والدعوة من الخليل عليه السلام في قوله، اجعل هذا بلداً آمناً، وإذعان نفوس العرب وغيرهم قاطبة لتوقير هذه البقعة دون ناه، ولا زاجر، آية عظمى تقوم بها الحجة، وهي التي فسرت بقوله تعالى: {ومن دخله كان آمناً} ومن آياته كونه بواد غير ذي زرع، والأرزاق من كل قطر تجيء إليه عن قرب وعن بعد، ومن آياته، ما ذكر ابن القاسم العتقي رحمه الله، قال في النوادر، وغيرها: سمعت أن الحرم يعرف بأن لا يجيء سيل من الحل فيدخل الحرم. قال القاضي أبو محمد: هذا والله أعلم، لأن الله تعالى جعله ربوة أو في حكمها ليكون أصون له، والحرم فيما حكى ابن أبي زيد في الحج الثاني من النوادر. مما يلي المدينة نحو من أربعة أميال إلى منتهى التنعيم، ومما يلي العرق نحو من ثمانية أميال إلى مكان يقال له المقطع، ومما يلي عرفة تسعة أميال، ومما يلي طريق اليمن سبعة أميال، إلى موضع يقال له أضاة، ومما يلي جدة عشرة أميال إلى منتى الحديبية، قال مالك في العتبية: والحديبية في الحرم، ومن آياته فيما ذكر مكي وغيره، أن الطير لا تعلوه، وإن علاه طائر فإنما ذلك لمرض به، فهو يستشفي بالبيت، وهذا كله عندي ضعيف، والطير تعاين تعلوه، وقد علته العقاب التي أخذت الحية المشرفة على جداره، وتلك كانت من آياته ومن آياته فيما ذكر الناس قديماً وحديثاً، أنه إذا عمه المطر من جوانبه الأربعة في العام الواحد، أخصبت آفاق الأرض، وإن لم يصب جانباً منه لم يخصب ذلك الأفق الذي يليه ذلك العام، واختلف الناس في {مقام إبراهيم}، فقال الجمهور: هو الحجر المعروف، وقال قوم: البيت كله مقام إبراهيم لأنه بناه وقام في جميع أقطاره، وقال قوم من العلماء مكة كلها مقام إبراهيم، وقال قوم: الحرم كله مقام إبراهيم، والضمير في قوله: {ومن دخله} عائد على الحرم في قول من قال: مقام إبراهيم هو الحرم، وعائد على البيت في قول الجمهور، إذ لم يتقدم ذكر الغيره، إلا أن المعنى يفهم منه أن من دخل الحرم فهو في الأمن، إذا الحرم جزء من البيت، إذ هو بسببه ولحرمته. واختلف الناس في معنى قوله {كان آمناً} فقال الحسن وقتادة وعطاء ومجاهد وغيرهم: هذه وصف حال كانت في الجاهلية أن الذي يجر جريرة ثم يدخل الحرم، فإنه كان لا يتناول ولا يطلب فأما في الإسلام وأمن جميع الأقطار، فإن الحرم لا يمنع من حد من حدود الله، من سرق فيه قطع، ومن زنى رجم، ومن قتل قتل، واستحسن كثير ممن قال هذا القول أن يخرج من وجب عليه القتل إلى الحل فيقتل هنالك، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: من أحدث حدثاً ثم استجار بالبيت فهو آمن، وإن الأمن في الإسلام كما كان في الجاهلية، والإسلام زاد البيت شرفاً وتوقيراً، فلا يعرض أحد بمكة لقاتل وليه، إلا أنه يجب على المسلمين ألا يبايعوا ذلك الجاني ولا يكلموه ولا يؤوه حتى يتبرم فيخرج من الحرم فيقام عليه الحد، وقال بمثل هذا عبيد بن عمير والشعبي وعطاء بن أبي رباح والسدي وغيرهم، إلا أن أكثرهم قالوا هذا فيمن يقتل خارج الحرم ثم يعوذ بالحرم، فأما من يقتل في الحرم، فإنه يقام عليه الحد في الحرم. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وإذا تؤمل أمر هذا الذي لا يكلم ولا يبايع، فليس بآمن، وقال يحيى بن جعدة: معنى الآية ومن دخل البيت كان آمناً من النار، وحكى النقاش عن بعض العباد قال: كنت أطوف حول الكعبة ليلاً فقلت: يا رب إنك قلت: {ومن دخله كان آمناً}، فمن ماذا هو آمن يا رب؟ فسمعت مكلماً يكلمني وهو يقول: من النار، فنظرت وتأملت فما كان في المكان أحد. وقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} الآية، هو فرض الحج في كتاب الله بإجماع، وقال مالك رحمه الله: الحج كله في كتاب الله، فأما الصلاة والزكاة فهي من جملة الذي فسره النبي عليه السلام، والحج من دعائم الإسلام التي بني عليها حسب الحديث، وشروط وجوبه خمسة،البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، واستطاعة السبيل، والحج في اللغة، القصد لكنه في بيت الله مخصص بأعمال وأقوال، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: "حِج البيت" بكسر الحاء، وقرأ الباقون: "حَج البيت" بفتحها، قال سيبويه: حج حجاً مثل ذكر ذكراً، قال أبو علي: فحج على هذا مصدر، وقال سيبويه أيضاً: قالوا غزاة فأرادوا عمل وجه واحد، كما قيل حجة. قال القاضي: بكسر الحاء يريدون عمل سنة واحدة، ولم يجيئوا به على الأصل لكنه اسم له، قال أبو علي: قوله لم يجيئوا به على الأصل يريد على الفتح الذي هو الدفعة من الفعل، ولكن كسروه فجعلوه اسماً لهذا المعنى، كما أن غزاة كذلك، ولم تجىء فيه الغزوة وكان القياس. قال القاضي: وأكثر ما التزم كسر الحاء في قولهم ذو الحِجة، وأما قولهم حجة الوداع ونحوه فإنها على الأصل، وقال الزجّاج وغيره، "الحَج": بفتح الحاء المصدر، وبكسرها اسم العمل، وقال الطبري: هما لغتان الكسر لغة نجد، والفتح لغة أهل العالية. وقوله تعالى: {من استطاع إليه سبيلاً}، {من} في موضع خفض بدل من {الناس}، وهو بدل البعض من الكل وقال الكسائي وغيره: هي شرط في موضع رفع بالابتداء، والجواب محذوف تقديره: من استطاع فعليه الحج، ويدل عليه عطف الشرط الآخر بعده في قوله: {ومن كفر}، وقال بعض البصريين: {من} رفع على أنه فاعل بالمصدر الذي هو {حج البيت} ويكون المصدر مضافاً إلى المفعول، واختلف الناس في حال مستطيع السبيل كيف هي؟ فقال عمر بن الخطاب وابن عباس وعطاء وسعيد بن جبير: هي حال الذي يجد زاداً وراحلة، وروى الطبري عن الحسن من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقال له رجل: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة، وأسند الطبري إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من ملك زاداً وراحلة فلم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً تفسير : ، وروى عبد الرزاق وسفيان عن إبراهيم بن يزيد الخوزي عن محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عمر قال: قام رجل إلى النبي عليه السلام، فقال: ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة. قال القاضي: وضعّف قوم هذا الحديث، لأن إبراهيم بن يزيد الخوزي تكلم فيه ابن معين وغيره، والحديث مستغن عن طريق إبراهيم، وقال بعض البغداديين، هذا الحديث مشير إلى أن الحج لا يجب مشياً. قال القاضي: والذي أقول: إن هذا الحديث إنما خرج على الغالب من أحوال الناس وهو البعد عن مكة واستصعاب المشي على القدم كثيراً، فأما القريب الدار فلا يدخل في الحديث، لأن القرب أغناه عن زاد وراحلة، وأما الذي يستطيع المشي من الأقطار البعيدة، فالراحلة عنده بالمعنى والقوة التي وهب، وقد ذكره الله تعالى في قوله: {أية : يأتوك رجالاً} تفسير : [الحج: 27] وكذلك أيضاً معنى الحديث: الزاد والراحلة لمن لم يكن له عذر في بدنه، من مرض أو خوف على أقسامه أو استحقاق بأجرة أو دين وهو يحاول الأداء ويطمع فيه بتصرفه في مال بين يديه، وأما العديم فله أن يحج إذا تكلف واستطاع، فمقصد الحديث: أن يتحدد موضع الوجوب على البعيد الدار، وأما المشاة وأصحاب الأعذار فكثير منهم من يتكلف السفر، وإن كان الحج غير واجب عليه، ثم يؤديه ذلك التكلف إلى موضع يجب فيه الحج عليه، وهذه مبالغة في طلب الأجر ونيله إن شاء الله تعالى، وذهبت فرقة من العلماء إلى قوله تعالى: {من استطاع إليه سبيلاً} كلام عام لا يتفسر بزاد وراحلة ولا غير ذلك، بل إذا كان مستطعياً غير شاق على نفسه فقد وجب عليه الحج، قال ذلك ابن الزبير والضحاك، وقال الحسن: من وجد شيئاً يبلغه فقد استطاع إليه سبيلاً، وقال عكرمة: استطاعة السبيل الصحة، وقال ابن عباس: من ملك ثلاثمائة درهم فهو السبيل إليه، وقال مالك بن أنس رضي الله عنه، في سماع أشهب من العتبية، وفي كتاب محمد، وقد قيل له: أتقول إن السبيل الزاد والراحلة؟ فقال: لا والله، قد يجد زاداً وراحلة ولا يقدر على مسير، وآخر يقدر أن يمشي راجلاً، وربَّ صغير أجلد من كبير فلا صفة في هذا أبين مما قال الله تعالى. قال القاضي: وهذا أنبل كلام، وجميع ما حكي عن العلماء لا يخالف بعضه بعضاً، الزاد والراحلة على الأغلب من أمر الناس في البعد، وأنهم أصحاء غير مستطيعين للمشي على الأقدام، والاستطاعة - متى تحصلت- عامة في ذلك وغيره، فإذا فرضنا رجلاً مستطيعاً للسفر ماشياً معتاداً لذلك، وهو ممن يسأل الناس في إقامته ويعيش من خدمتهم وسؤالهم ووجد صحابة، فالحج عليه واجب دون زاد ولا رحلة، وهذه من الأمور التي يتصرف فيها فقه الحال، وكان الشافعي يقول: الاستطاعة على وجهين: بنفسه أولاً، فمن منعه مرض أو عذر وله مال فعليه أن يجعل من يحج عنه وهو مستطيع لذلك. واختلف الناس هل وجوب الحج علىالفور أو على التراخي؟ على قولين، ولمالك رحمه الله مسائل تقتضي القولين، قال في المجموعة فيمن أراد الحج ومنعه أبواه: لا يعجل عليهما في حجة الفريضة وليستأذنهما العام والعامين، فهذا على التراخي، وقال في كتاب ابن المواز: لا يحج أحد إلا بإذن أبويه إلا الفريضة، فليخرج وليدعهما، فهذا علىالفور، وقال مالك في المرأة يموت عنها زوجها فتريد الخروج إلى الحج: لا تخرج في أيام عدتها، قال الشيخ أبو الحسن اللخمي: فجعله على التراخي. قال القاضي: وهذا استقراء فيه نظر، واختلف قول مالك رحمه الله فيمن يخرج إلى الحج على أن يسأل الناس جائياً وذاهباً ممن ليست تلك عادته في إقامته، فروى عنه ابن وهب أنه قال: لا بأس بذلك، قيل له فإن مات في الطريق قال: حسابه على الله، وروى عنه ابن القاسم أنه قال: لا أرى اللذين لا يجدون ما ينفقون أن يخرجوا إلى الحج والغزو، ويسألوا وإني لأكره ذلك، لقول الله سبحانه، {أية : ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج} تفسير : [التوبة:91] قال ابن القاسم: وكره مالك أن يحج النساء في البحر لأنها كشفة، وكره أن يحج أحد في البحر إلا مثل أهل الأندلس الذين لا يجدون منه بداً، وقال في كتاب محمد وغيره: قال الله تعالى: {أية : وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق} تفسير : [الحج:27] وما أسمع للبحر ذكراً. قال الفقيه القاضي: وهذا تأنيس من مالك رحمه الله لسقوط لفظة البحر، وليس تقتضي الآية سقوط البحر، وسيأتي تفسير ذلك في موضعه إن شاء الله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ناس من أمتي عرضوا عليَّ ملوكاً على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة، يركبون ثبج هذا البحر الأخضر غزاة في سبيل الله . تفسير : قال القاضي أبو محمد: ولا فرق بين الغزو والحج، واختلف في حج النساء ماشيات مع القدرة على ذلك، فقال في المدونة في المرأة تنذر مشياً فتمشي وتعجز في بعض الطريق: إنها تعود ثانية، قال: والرجال والنساء في ذلك سواء، فعلى هذا، يجب الحج إذا كانت قادرة على المشي لأن حجة الفريضة آكد من النذر، وقال في كتاب محمد: لا أرى على المرأة الحج ماشية وإن قويت عليه، لأن مشيهن عورة، إلا أن يكون المكان القريب من مكة. قال القاضي: وهذا ينظر بفقه الحال من رائعة ومتجالة، ولا حج على المرأة إلا إذا كان معها ذو محرم، واختلف إذا عدمته، هل يجب الحج بما هو في معناه من نساء ثقات يصطحبن في القافلة أو رجال ثقات؟ فقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي وابن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو حنيفة وأصحابه: المحرم من السبيل، ولا حج عليها إلا مع ذي محرم. قال القاضي: وهذا وقوف مع لفظ الحديث، وقال مالك: تخرج مع جماعة نساء، وقال الشافعي: تخرج مع حرة ثقة مسلمة، وقال ابن سيرين: تخرج مع رجل ثقة من المسلمين، وقال الأوزاعي: تخرج مع قوم عدول وتتخذ سلماً تصعد عليه وتنزل ولا يقربها رجل. قال القاضي: وهذه الأقوال راعت معنى الحديث: وجمهور الأمة على أن للمرأة أن تحج الفريضة وإن كره زوجها وليس له منعها، واضطرب قول الشافعي في ذلك، واختلف الناس في وجوب الحج مع وجود المكوس والغرامة، فقال سفيان الثوري: إذا كان المكس ولو درهماً سقط فرض الحج عن الناس، وقال عبد الوهاب، إذا كانت الغرامة كثيرة مجحفة سقط الفرض، فظاهر هذا أنها إذا كانت كثيرة غير مجحفة لسعة الحال أن الفرض لا يسقط، وعلى هذا لمنزع جماعة أهل العلم وعليه مضت الأعصار، وهذه نبذة من فقه الاستطاعة، وليس هذا الجمع بموضع لتقصي ذلك والله المستعان. والسبيل - تذكر وتؤنث، والأغلب والأفصح التأنيث، قال الله تعالى: {أية : تبغونها عوجاً} تفسير : [آل عمران: 99] وقال: {أية : قل هذه سبيلي} تفسير : [يوسف: 108] ومن التذكير قول كعب بن مالك. شعر : قضى يوم بدر أن تلاقي معشراً بغوا وسبيل البغي بالناس جائز تفسير : والضمير في {إليه}، عائد على البيت، ويحتمل أن يعود على الحج، وقوله تعالى: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} قال ابن عباس: المعنى، من زعم أن الحج ليس بفرض عليه، وقال مثله الضحاك وعطاء وعمران القطان والحسن ومجاهد، وروي عن النبي عليه السلام أنه قرأ الآية، فقال له رجل من هذيل: يا رسول الله من تركه كفر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم من تركه لا يخاف عقوبته، ومن حجه لا يرجو ثوابه فهو ذلك وقال بمعنى هذا الحديث ابن عباس ومجاهد أيضاً، وهذا والذي قبله يرجع إلى كفر الجحد والخروج عن الملة، وقال ابن عمر وجماعة من العلماء معنى الآية، من كفر بالله واليوم الآخر وهذا قريب من الأول، وقال ابن زيد: معنى الآية من كفر بهذه الآيات التي في البيت، وقال السدي وجماعة من أهل العلم: معنى الآية: ومن كفر بأن وجد ما يحج به ثم لم يحج، قال السدي: من كان بهذه الحال فهو كافر. قال القاضي أبو محمد: فهذا كفر معصية، كقوله عليه السلام، من ترك الصلاة فقد كفر وقوله: لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض، على أظهر محتملات هذا الحديث. وبيّن أن من أنعم الله عليه بمال وصحة ولم يحج فقد كفر النعمة، ومعنى قوله تعالى: {غني عن العالمين} الوعيد لمن كفر، والقصد بالكلام، فإن الله غني عنهم، ولكن عمم اللفظ ليبرع المعنى، وينتبه الفكر على قدرة الله وسلطانه واستغنائه من جميع الوجوه حتى ليس به افتقار إلى شيء، لا رَبَّ سواه.
ابن عبد السلام
تفسير : {ءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ} أثر قدمي إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ في المقام: وهو حجر صلد في غير المقام أمن الخائف، وهيبة البيت، وتعجيل عقوبة من عتا فيه وقصة أصحاب الفيل. {وَمَن دَخَلَهُ} في الجاهلية من الجناة أمن، وفي الإسلام يأمن من النار، أو من القتال، فإنه محظور على داخليه، ويقام الحد على من جنى [فيه] وإن دخله الجاني ففي إقامة الحد عليه مذهبان؟ {مَنِ اسْتَطَاعَ} بالزاد والراحلة، أو بالبدن وحده، أو بالمال والبدن. {وَمَن كَفَرَ} بفرض الحج، أو لم يَرَ حَجَّهُ بِراً وتركه [إثماً]، أو نزلت في اليهود لما نزل قوله تعالى {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}تفسير : [آل عمران: 85] قالوا نحن مسلمون، فأُمروا بالحج فامتنعوا فنزلت...
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {فيه آيات بينات} أي فيه دلالات واضحات على حرمته ومزيد فضله، ثم اختلفوا في تفسير تلك الآيات فقيل هي قوله مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً، وقيل الآيات غير مذكورة وهي ما يدل على فضل هذا البيت منها أن الطير لا يطير فوق الكعبة في الهواء بل ينحرف عنها إذا وصل إليها يميناً وشمالاً، ومنها أن الوحوش لا تؤذي بعضها في الحرم حتى الكلاب لا تهيج الظباء ولا تصطادها، ومنها أن الطير إذا مرض منه شيء استشفى بالكعبة ومنها تعجيل العقوبة لمن انتهك حرمة البيت وما قصده جبار بسوء إلا أهلكه الله كما أهلك أصحاب الفيل وغيرهم، ومن الآيات التي فيه الحجر الأسود والملتزم والحطيم وزمزم ومشاعر الحج التي فيه كلها من الآيات، ومنها أن الآمر ببناء هذا البيت هو الجليل والمهندس له جبريل، والباني هو إبراهيم الخليل، والمساعد في بنيانه هو إسماعيل فهذه فضيلة عظيمة لهذا البيت. قوله تعالى: {مقام إبراهيم} يعني الحجر الذي كان يقوم عليه عند بناء البيت وكان فيه أثر قدمي إبراهيم فاندرس من كثرة المسح بالأيدي {ومن دخله كان آمناً} قيل لما كانت الآيات المذكورة عقيب قوله: إن أول بيت وضع للناس موجودة في جميع الحرم، علم أن المراد بقوله ومن دخله كان آمناً جميع الحرم يدل عليه أيضاً دعوة إبراهيم حيث قال رب اجعل هذا البلد آمناً يعني من أن يهاج فيه وكانت العرب يقتل بعضهم بعضاً ويغير بعضهم على بعض وكان من دخل الحرم آمن من القتل والغارة وهو المراد من حكم الآية على قول أكثر المفسرين قال الله تعالى: {أية : أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمنا ويتخطف الناس من حولهم}تفسير : [العنكبوت: 67] وقيل في معنى الآية ومن دخله عام عمرة القضاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان آمناً، وقيل هو خبر بمعنى الأمر تقديره ومن دخله فأمنوه وهو قول ابن عباس حتى ذهب أبو حنيفة إلى أن من وجب عليه القتل قصاصاً كان أو أحداً فالتجأ إلى الحرم فإنه لا يستوفى منه القصاص أو الحد في الحرم لكنه لا يطعم ولا يبايع ولا يشارى ولا يكلم ويضيق عليهم حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحد خارج الحرم. وقال الشافعي: إذا وجب عليه القصاص خارج الحرم ثم لجأ استوفي منه في الحرم. وأجمعوا على أنه لو قتل في الحرم أو سرق أو زنى فإنه يستوفى منه الحد في الحرم عقوبة له، وقيل في معنى الآية ومن دخله معظماً له متقرباً بذلك إلى الله تعالى كان آمناً من العذاب يوم القيامة وقيل ومن دخله كان آمناً من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك. قوله عز وجل: {ولله على الناس حج البيت} أي ولله على الناس فرض حج البيت والحج أحد أركان الإسلام. (ق) عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والحج وصوم رمضان" تفسير : فعد النبي صلى الله عليه وسلم الحج من أركان الإسلام الخمسة و {من استطاع إليه سبيلاً} يعني وفرض الحج واجب على ما استطاع من أهل التكليف ووجد السبيل إلى حج البيت الحرام. فصل في فضل البيت والحج والعمرة (ق) عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أول بيت وضع للناس مباركاً يصلي فيه الكعبة قلت ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى قلت كم بينهما؟ قال أربعون عاماً"تفسير : . عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضاً من اللبن وإنما سودته خطايا بني آدم" تفسير : أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحجر: "حديث : والله ليبعثنه الله يوم القيامة وله عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد على استلمه بحق" تفسير : وله عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما ولو لم يطمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق المغرب"تفسير : . قال الترمذي: وهذا يروى عن ابن عمر موقوفاً (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول والمسجد الأقصى" تفسير : (ق) عن أبي سعيد الخدري أن النبي عليه السلام قال: "حديث : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى"تفسير : . (م) عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال له رجل: في كل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم" تفسير : عن ابن عمر قال: "حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال الزاد والراحلة" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن وإبراهيم بن يزيد الجوزي المكي قد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه. (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" تفسير : وفي رواية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من حج لله عز وجل وفي لفظ من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" تفسير : أخرجه الترمذي وقال: "غفر له ما تقدم من ذنبه" وعن ابن مسعود أن رسول الله صلىالله عليه وسلم قال: "حديث : تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الذنوب والفقر كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس لحجة مبرورة ثواب إلاّ الجنة. وما من مؤمن يظل يومه محرماً إلا غابت الشمس بذنوبه" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب وله عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلىالله عليه وسلم: "حديث : ما من مسلم لبى إلا بلي ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا" تفسير : وقال الترمذي: هذا حديث غريب وله عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من طاف بالبيت خمسين مرة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" تفسير : قال الترمذي: هذا حديث غريب. فصل: في أحكام تتعلق بالحج قال العلماء: الحج واجب على كل مسلم وهو أحد أركان الإسلام الخمسة. ولوجوب الحج خمس شرائط: الإسلام والبلوغ والعقل والحرية والاستطاعة، ولا يجب على الكافر والمجنون، ولو حجا لم يصح لأن الكافر ليس من أهل القربة ولا حكم لقول المجنون ولا يجب على الصبي والعبد ولو حج صبي يعقل، أو حج عبد صح حجهما تطوعا، ولا يسقط الفرض فإذا بلغ الصبي وعتق العبد واجتمع فيهما شرائط الحج وجب عليهما أن يحجا ثانياً، ولا يجب على غير المستطيع لقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} فلو تكلف غير المستطيع الحج وحج صح حجه وسقط عنه فرض حجة الإسلام والاستطاعة نوعان: أحدهما: أن يكون مستطيعاً بنفسه، والآخر أن يكون مستطيعاً بغيره فأما المستطيع بنفسه فهو أن يكون قوياً قادراً على الذهاب ووجد الزاد والراحلة لما تقدم من حديث ابن عمر في الزاد والراحلة قال ابن المنذر، وحديث الزاد والراحلة لا يثبت لأنه ليس بمتصل وإنما المرفوع ما رواه إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عباد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وإبراهيم متروك الحديث قال يحيى بن معين: إبراهيم ليس بثقة قال ابن المنذر: واختلف العلماء في قوله تعالى: من استطاع إليه سبيلاً فقالت طائفة الآية على العموم إذ لا نعلم خبراً ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا إجماعاً لأهل العلم يوجب أن نستثني من ظاهر الآية بعضاً فعلى كل مستطيع الحج يجد إليه السبيل بأي وجه كانت الاستطاعة الحج على ظاهر الآية قال: وروينا عن عكرمة أنه قال: الاستطاعة الصحة، وقال الضحاك: إذا كان شاباً صحيحاً فليؤجر نفسه بأكله وعقبه حتى يقضي نسكه وقال مالك الاستطاعة على إطاقة الناس الرجل يجد الزاد والراحلة ولا يقدر على المشي وآخر يقدر على المشي على رجليه وقالت طائفة: الاستطاعة الزاد والراحلة كذلك قال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وأحمد بن حنبل واحتجوا بحديث ابن عمر المتقدم. وقال الشافعي: الاستطاعة وجهان: أحدهما أن يكون الرجل مستطيعاً ببدنه واجداً من ماله ما يبلغه الحج فتكون استطاعته تامة فعليه فرض الحج. والثاني: لا يقدر أن يثبت على الراحلة وهو قادر على من يطيعه إذا أمره أن يحج عنه، أو قادر على مال ويجد من يستأجره فيحج عنه فيكون هذا ممن لزمه فرض الحج. أما حكم الزاد والراحلة فهو أن يجد راحلة تصلح له ووجد من الزاد ما يكفيه لذهابه ورجوعه فاضلاً عن نفقته ونفقة من تلزمه نفقتهم وكسوتهم وعن دين إن كان عليه ووجد رفقة يخرجون في وقت جرت العادة بخروج أهل البلد في ذلك الوقت، فإن خرجوا قبله أو أخروا الخروج إلى وقت لا يصلون إلاّ بقطع أكثر من مرحلة لا يلزمه الخروج معهم. ويشترط أن يكون الطريق آمناً فإن كان فيه خوف من عدو مسلم أو كافر أو رصدي يطلب الخفارة لا يلزمه. ويشترط أن تكون منازل الماء مأهولة معمورة يجد فيها ما جرت العادة بوجوده من الماء والزاد فإن تفرق أهلها بجدب أو غارت مياهها فلا يلزمه الخروج ولو لم يجد الراحلة وهو قادر على المشي أو لم يجد الزاد وهو قادر على الاكتساب لا يلزمه الحج عند من جعل وجدان الزاد والراحلة شرطاً لوجوب الحج ويستحب له أن يفعل ذلك ويلزمه الحج عند مالك. وأما المستطيع بغيره فهو أن يكون الرجل عاجزاً بنفسه بأن كان زمناً أو به مرض لا يرجى برؤه وله مال يمكنه أن يستأجر من يحج عنه فيجب عليه أن يستأجر من يحج عنه وإن لم يكن له مال وبذل له ولده أو أجنبي الطاعة في أن يحج عنه لزمه الحج إن كان يعتمد على صدقه لأن وجوب الحج متعلق بالاستطاعة. وعند أبي حنيفة لا يجب الحج ببذل الطاعة وعند مالك لا يجب على من غصب ماله وحجه من أوجب الحج ببذله الطاعة. ما روي عن ابن عباس قال: "حديث : كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر قالت: يا رسول الله إن فريضة الله عباده في الحجه أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال: نعم وذلك في حجة الوداع" تفسير : أخرجاه في الصحيحين. قوله تعالى: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} يعني ومن جحد ما ألزمه الله من فرض حج بيته وكفر به فإن الله غني عنه وعن حجه وعمله وعن جميع خلقه وقيل نزلت فيمن وجد ما يحج ثم مات ولم يحج فهو كفر به لما روي عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ملك زاداً أو راحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً وذلك أن الله تعالى يقول ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً"تفسير : أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه. وفي إسناده مقال وهلال بن عبدالله مجهول والحارث يضعف في الحديث وقيل هو الذي إن حج لم يره براً وإن قعد لم يره إثماً، وقيل نزلت في اليهود وغيرهم من أصحاب الملل حيث قالوا: إنا مسلمون فنزلت ولله على الناس حج البيت فلم يحجوا. وقالوا: الحج إلى مكة غير واجب وكفروا به فنزلت ومن كفر فإن الله غني عن العالمين. فعلى هذه الأقوال تكون هذه الآية متعلقة بما قبلها وقيل إنه كلام مستأنف ومعناه ومن كفر بالله واليوم الآخر فإن الله غني عن العالمين.
السيوطي
تفسير : أخرج سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس أنه كان يقرأ "فيه آية بينة مقام إبراهيم". وأخرج ابن الأنباري عن مجاهد أنه كان يقرأ "فيه آيات بينة". وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود {فيه آيات بينات} على الجمع. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس {فيه آيات بينات} منهن مقام إبراهيم، والمشعر. وأخرج ابن جرير عن مجاهد وقتادة في الآية قالا: مقام إبراهيم من الآيات البينات. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله {فيه آيات بينات} قال: {مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً ولله على الناس حج البيت} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والأزرقي عن مجاهد {فيه آيات بينات مقام إبراهيم} قال: أثر قدميه في المقام آية بينة {ومن دخله كان آمناً} قال: هذا شيء آخر. وأخرج الأزرقي عن زيد بن أسلم {فيه آيات بينات} قال: الآيات البينات هنَّ مقام إبراهيم {ومن دخله كان آمناً ولله على الناس حج البيت} وقال {أية : يأتين من كل فج عميق} تفسير : [الحج: 27] . وأخرج ابن الأنباري عن الكلبي {فيه آيات بينات} قال {الآيات} الكعبة،والصفا، والمروة، ومقام إبراهيم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {ومن دخله كان آمناً} قال: هذا كان في الجاهلية، كان الرجل لو جر كل جريرة على نفسه ثم لجأ إلى حرم الله لم يتناول ولم يطلب، فاما في الإسلام فإنه لا يمنع من حدود الله، ومن سرق فيه قطع، ومن زنى فيه أقيم عليه الحد، ومن قتل فيه قتل. وأخرج الأزرقي عن مجاهد. مثله. وأخرج ابن المنذر والأزرقي عن حويطب بن عبد العزى قال: أدركت في الجاهلية في الكعبة حلقاً أمثال لُجَمِ البُهْمِ، لا يُدخل خائف يده فيها ويهيجه أحد، فجاء خائف ذات يوم فادخل يده فيها فجاءه آخر من ورائه فاجتذبه فشلت يده، فَلقد رأيته أدرك الإسلام وأنه لأشل. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والأزرقي عن عمر بن الخطاب قال: لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله {ومن دخله كان آمناً} قال: من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يؤذي، ولا يطعم، ولا يسقى، ولا يرعى. فإذا خرج أخذ بذنبه. وأخرج ابن المنذر والأزرقي من طريق طاوس عن ابن عباس في قوله {ومن دخله كان آمناً} قال: من قتل، أو سرق في الحل ثم دخل الحرم فإنه لا يجالس، ولا يكلم، ولا يؤوى، ولكنه يناشد حتى يخرج فيؤخذ فيقام عليه فإن قتل، أو سرق في الحل فادخل الحرم فارادوا أن يقيموا عليه ما أصاب، اخرجوه من الحرم إلى الحل فأقيم عليه، وإن قتل في الحل أو سرق، أقيم عليه في الحرم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: إذا أصاب الرجل الحد، قتل أو سرق، فدخل الحرم، لم يبايع ولم يؤْوَ حتى يتبرم فيخرج من الحرم، فيقام عليه الحد. وأخرج ابن المنذر عن طاوس قال: عاب ابن عباس على ابن الزبير في رجل أخذ في الحل، ثم أدخله الحرم، ثم أخرجه إلى الحل فقتله. وأخرج عن الشعبي قال: من أحدث حدثاً ثم لجأ إلى الحرم فقد أمِنَ ولا يعرض له، وان أحدث في الحرم أقيم عليه. وأخرج ابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: من أحدث حدثاً ثم استجار بالبيت فهو آمن، وليس للمسلمين أن يعاقبوه على شيء إلى أن يخرج، فإذا خرج أقاموا عليه الحد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق عطاء عن ابن عباس قال: من أحدث حدثاً في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم لم يعرض له، ولم يبايع، ولم يؤوَ حتى يخرج من الحرم، فإذا خرج من الحرم أُخِذَ فأقيم عليه الحد، ومن أحدث في الحرم حدثاً أقيم عليه الحد. وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: لو أخذت قاتل عمر في الحرم ما هجته. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس قال: لو وجدت قاتل أبي في الحرم لم أعرض له. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: كان الرجل في الجاهلية يقتل الرجل ثم يدخل الحرم فيلقاه ابن المقتول أو أبوه فلا يحركه. وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي شريح العدوي قال "حديث : قام النبي صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح فقال: إن مكة حرَّمها الله ولم يحرِّمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما لي أُذنَ ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمرو قال "حديث : مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بناس من قريش جلوس في ظل الكعبة، فلما انتهى إليهم سلَّم ثم قال: اعلموا أنها مسؤولة عما يعمل فيها، وإن ساكنها لا يسفك دماً، ولا يمشي بالنميمة ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن يحيى بن جعدة بن هبيرة في قوله {ومن دخله كان آمناً} قال: آمناً من النار. وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من دخل البيت دخل في حسنة وخرج من سيئة مغفوراً له ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن عطاء قال: من مات في الحرم بعث آمناً. يقول الله {ومن دخله كان آمناً}. وأخرج البيهقي في الشعب عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من مات في أحد الحرمين بعث أمناً ". تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب وضعفه عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من مات في أحد الحرمين استوجب شفاعتي، وجاء يوم القيامة من الآمنين ". تفسير : وأخرج الجندي والبيهقي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة، ومن زارني محتسباً إلى المدينة كان في جواري يوم القيامة ". تفسير : وأخرج الجندي عن محمد بن قيس بن مخرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة ". تفسير : وأخرج الجندي عن ابن عمر قال: من قُبِرَ بمَكة مسلماً بُعِثَ آمناً يوم القيامة. أما قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} الآية. وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة: وابن أبي حاتم والحاكم عن علي قال "حديث : لما نزلت {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ فسكت.. قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ قال: لا. ولو قلت نعم لوجبت. فأنزل الله {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] ". تفسير : وأخرج عبد حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال: "حديث : لما نزلت {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} قال رجلٌ: يا رسول الله أفي كل عام؟ فقال: حج حجة الإسلام التي عليك. ولو قلت نعم وجبت عليكم ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: "حديث : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج. فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها. الحج مرة فمن زاد فتطوّع ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: " حديث : لما نزلت {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} قال رجل: يا رسول الله أفي كل عام؟ قال: والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها، ولو تركتموها لكفرتم. فذروني فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم أنبياءهم واختلافهم عليهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتمروه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن أمر فاجتنبوه ". تفسير : وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال "حديث : قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من الحاج يا رسول الله؟ قال: الشعث التفل. فقام آخر فقال: أي الحج أفضل يا رسول الله؟ قال: العج والثج. فقام آخر فقال: ما السبيل يا رسول الله؟ قال: الزاد والراحلة ". تفسير : وأخرج الدارقطني والحاكم وصححه عن أنس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله {من استطاع إليه سبيلاً} فقيل ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والدارقطني والبيهقي في سننهما عن الحسن قال "حديث : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم. {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} قالوا: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة ". تفسير : وأخرج الدارقطني والبيهقي في سننهما من طريق الحسن عن أبيه عن عائشة قالت "حديث : سئل النبي صلى الله عليه وسلم ما السبيل إلى الحج؟ قال: الزاد والراحلة ". تفسير : وأخرج الدارقطني في سننه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} قال "حديث : قيل يا رسول الله ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة ". تفسير : وأخرج الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلىالله عليه وسلم قال "حديث : السبيل إلى البيت: الزاد والراحله ". تفسير : وأخرج الدارقطني عن جابر بن عبدالله قال "حديث : لما نزلت هذه الآية {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} قام رجل فقال: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة ". تفسير : وأخرج الدارقطني عن علي "حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} قال: "فسئل عن ذلك فقال: "تجد ظهر بعير" "تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عمر بن الخطاب في قوله {من استطاع إليه سبيلاً} قال: الزاد والراحلة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله {من استطاع إليه سبيلاً} قال: الزاد والبعير. وفي لفظ الراحلة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس في قوله {من استطاع إليه سبيلاً} قال: السبيل أن يصح بدن العبد، ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يجحف به. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس قال {سبيلاً} من وجد إليه سعة ولم يحل بينه وبينه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن عبد الله بن الزبير {من استطاع إليه سبيلاً} قال: الاستطاعة القوة. وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد {من استطاع إليه سبيلاً} قال: زاداً وراحلة. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير والحسن وعطاء. مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي قال: إن المحرم للمرأة من السبيل الذي قال الله. وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تسافر امرأة مسيرة ليلة"تفسير : . وفي لفظ "حديث : لا تسافر المرأة بريداً إلا مع ذي محرم ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يقول: "حديث : لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم. فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني كنت في غزوة كذا وكذا. فقال: انطلق فحُجَّ مع امرأتك ". تفسير : وأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب وابن مردويه عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحجَّ بيت الله فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً، وذلك بأن الله يقول {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} " تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وأحمد في كتاب الإيمان وأبو يعلى والبيهقي عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من مات ولم يحج حجة الإسلام، لم يمنعه مرض حابس، أو سلطان جائر، أو حاجة ظاهرة، فليمت على أي حال شاء يهودياً أو نصرانياً ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن عبد الرحمن بن سابط مرفوعاً مرسلاً.مثله. وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح عن عمر بن الخطاب قال: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار، فلينظروا كل من كان له جدة ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية. ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب قال: من مات وهو موسر لم يحج. فليمت إن شاء يهودياً، وإن شاء نصرانياً. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عمر قال: من كان يجد وهو موسر صحيح لم يحج كان سماه بين عينيه كافراً. ثم تلا هذه الآية {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} ولفظ ابن أبي شيبة: من مات وهو موسر ولم يحج، جاء يوم القيامة وبين عينيه مكتوب كافراً. وأخرج سعيد بن منصور من طريق نافع عن ابن عمر قال: من وجد إلى الحج سبيلاً سنة ثمَّ سنةً، ثم مات ولم يحج لم يصل عليه؛ لا يدري مات يهودياً، أو نصرانياً. وأخرج سعيد بن منصور عن عمر بن الخطاب قال: لو ترك الناس الحج لقاتلتهم عليه كما نقاتلهم على الصلاة والزكاة. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس قال: لو أن الناس تركوا الحج عاماً واحداً لا يحج أحد ما نوظروا بعده. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ومن كفر} قال: من زعم أنه ليس بفرض عليه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في الآية قال: من كفر بالحج فلم ير حجه براً، ولا تركه مأثماً. وأخرج سعيد بن منصور وعبد حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عكرمة قال "حديث : لما نزلت {ومن يبتغ غيرالإسلام ديناً...} [آل عمران: 85] الآية. قالت اليهود: فنحن مسلمون. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم. إن الله فرض على المسلمين حج البيت فقالوا: لم يكتب علينا. وأبوا أن يحجوا قال الله {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال: لما نزلت {ومن يبتغ غير الإِسلام ديناً...} الآية. قالت الملل. نحن المسلمون. فأنزل الله {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} فحج المسلمون وقعد الكفار. وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في سننه عن مجاهد قال: لما نزلت هذه الآية {ومن يبتغ غير الإِسلام ديناً} الآية. قال: أهل الملل كلهم: نحن مسلمون. فأنزل الله {ولله على الناس حج البيت} قال: يعني على المسلمين. حج المسلمون وترك المشركون. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك قال "حديث : لما نزلت آية الحج {ولله على الناس جح البيت} الآية جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الملل؛ مشركي العرب، والنصارى، واليهود، والمجوس، والصابئين، فقال: إن الله فرض عليكم الحج فحجوا البيت. فلم يقبله إلا المسلمون، وكفرت به خمس ملل. قالوا: لا نؤمن به، ولا نصلي إليه، ولا نستقبله. فأنزل الله {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي داود نفيع قال "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} فقام رجل من هذيل فقال: يا رسول الله من تركه كفر؟ قال: من تركه لا يخاف عقوبته، ومن حج لا يرجو ثوابه فهو ذاك ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله {ومن كفر} قال "حديث : من كفر بالله واليوم الآخر ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد أنه سئل عن قول الله {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} ما هذا الكفر؟ قال: من كفر بالله واليوم الآخر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء بن أبي رباح. في الآية قال: من كفر بالبيت. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد أنه سئل عن ذلك فقرأ {إن أول بيت وضع للناس} إلى قوله {سبيلاً} ثم قال: من كفر بهذه الآيات. وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في الآية قال: ومن كفر فلم يؤمن فهو الكافر. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: لو كان لي جار موسر، ثم مات ولم يحجَّ لم أصلِّ عليه. وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه قرأ {ولله على الناس حج البيت} بكسر الحاء. وأخرج عن عاصم بن أبي النجود {ولله على الناس حج البيت} بنصب الحاء. واخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن ابن عباس "حديث : أن الأقرع بن حابس سأل النبي صلى الله عليه وسلم الحج في كل سنة. أو مرة واحدة؟ قال: لا. بل مرة واحدة، فمن زاد فتطوّع ".
ابو السعود
تفسير : كما قال: {فِيهِ ءايَـٰتٌ بَيّـنَـٰتٌ} واضحاتٌ كانحراف الطيورِ عن موازاة البـيتِ على مدى الأعصارِ ومخالطةِ ضواري السباعِ الصيودَ في الحرم من غير تعرُّضٍ لها، وقهر الله تعالى لكل جبارٍ قصَده بسوء كأصحاب الفيل، والجملةُ مفسرةٌ للهدى أو حالٌ أخرى {مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ} أي أثرُ قدميه عليه السلام في الصخرة التي كان عليه السلام يقوم عليها وقتَ رفعِ الحجارةِ لبناء الكعبةِ عند ارتفاعِه أو عند غسلِ رأسِه على ما رُوي أنه عليه السلام جاء زائراً من الشام إلى مكةَ فقالت له امرأةُ إسماعيلَ عليه السلام: انزلْ حتى أغسِلَ رأسَك فلم ينزِل فجاءته بهذا الحجرِ فوضعتْه على شقه الأيمنِ فوضع قدمَه عليه حتى غسَلت شِقَّ رأسِه ثم حولتْه إلى شقه الأيسرِ حتى غسلت الشِقَّ الآخَرَ فبقيَ أثرُ قدميه عليه. وهو إما مبتدأٌ حُذف خبرُه أي منها مقامُ إبراهيمَ أو بدلٌ من آياتٌ بدلَ البعضِ من الكل، أو عطفُ بـيانٍ إما وحدَه باعتبار كونِه بمنزلة آياتٍ كثيرةٍ لظهور شأنِه وقوةِ دَلالتِه على قدرة الله تعالى وعلى نبوة إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام كقوله تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَـٰنِتًا} تفسير : [النحل، الآية 120] أو باعتبار اشتمالِه على آياتٍ كثيرةٍ فإن كلَّ واحدٍ من أثر قدميه في صخرةٍ صمَّاءَ وغوْصِه فيها إلى الكعبـين وإلانةِ بعضِ الصخور دون بعضٍ وإبقائِه دون سائرِ آياتِ الأنبـياءِ عليهم السلام وحفظِه مع كثرة الأعداءِ ألفَ سنةٍ آيةٌ مستقلةٌ، ويؤيده القراءةُ على التوحيد. وإما بما يفهم من قوله عز وجل: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً} فإنه وإن كان جملةً مستأنفةً ابتدائيةً أو شرطيةً لكنها في قوةِ أن يقال: وأَمِنَ مَنْ دَخَله فتكون بحسب المعنى والمآلِ معطوفةً على مقامُ إبراهيمَ، ولا يخفى أن الاثنينِ نوعٌ من الجمع فيُكتفىٰ بذلك أو يحملُ على أنه ذُكر من تلك الآياتِ اثنتان وطُويَ ذكرُ ما عداهما دَلالةً على كثرتها ومعنى أمْنِ داخلِه أمنُه من التعرُّض له كما في قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ } تفسير : [العنكبوت، الآية 67] وذلك بدعوة إبراهيمَ عليه السلام: {أية : رَبّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ امِنًا } تفسير : [إبراهيم، الآية 35] وكان الرجلُ لوْ جَرَّ كلَّ جريرةٍ ثم لجأ إلى الحرم لم يُطلب. وعن عمرَ رضي الله عنه لو ظفِرتُ فيه بقاتل الخطابِ ما مسَسْتُه حتى يخرُجَ منه. ولذلك قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: من لزِمه القتلُ في الحِلّ بقصاص أو رِدَّةً أو زنىً فالتجأ إلى الحرم لم يُتعرَّضْ له إلا أنه لا يُؤوىٰ ولا يُطْعم ولا يُسقىٰ ولا يُبايَع حتى يُضْطَرَّ إلى الخروج. وقيل: أمنُه من النار. وعن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من مات في أحد الحرَمين بُعث يومَ القيامة آمِناً» تفسير : وعنه عليه الصلاة والسلام: «حديث : الحَجونُ والبقيعُ يؤخذ بأطرافهما ويُنثرَانِ في الجنة» تفسير : وهما مقبرتا مكةَ والمدينة وعن ابن مسعود رضي الله عنه: وقف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على ثنيّة الحَجونِ وليس بها يومئذ مقبرَةٌ فقال: «حديث : يبعث الله تعالى من هذه البقعةِ ومن هذا الحرَم كلِّه سبعين ألفاً وجوهُهم كالقمر ليلةَ البدر يدخُلون الجنة بغير حساب يشفعُ كلُّ واحدٍ منهم في سبعين ألفاً وجوهُهم كالقمر ليلة البدر»تفسير : وعن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من صَبَر على حرَّ مكةَ ساعةً من نهار تباعدت عنه جهنمُ مسيرةَ مائتي عام»تفسير : . {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} جملةٌ من مبتدإٍ هو حِجُّ البـيت وخبرٍ هو لله، وقولُه تعالى: {عَلَى ٱلنَّاسِ} متعلقٌ بما تعلق به الخبرُ من الاستقرار أو بمحذوفٍ هو حالٌ من الضمير المستكنِّ في الجار، والعاملُ فيه ذلك الاستقرارُ ويجوز أن يكونَ {عَلَى ٱلنَّاسِ} هو الخبرُ ولله متعلقٌ بما تعلق به الخبرُ، ولا سبـيل إلى أن يتعلقَ بمحذوفٍ هو حالٌ من الضمير المستكن في على الناس لاستزامه تقديمَ الحالِ على العامل المعنوي وذلك مما لا مساغَ له عند الجمهور وقد جوّزه ابنُ مالكٍ إذا كانت هي ظرفاً أو حرفَ جر وعاملُها كذلك، بخلاف الظرف وحرف الجر فإنهما يتقدمان على عاملهما المعنوي، واللامُ في البـيت للعهد، وحجُّه قصْدُه للزيارة على الوجه المخصوص المعهود، وكسر الحاء لغةُ نجدٍ، وقيل: هو اسمٌ للمصدر، وقرىء بفتحها {مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} في محل الجرِّ على أنه بدلٌ من الناس بدلَ البعضِ من الكل مخصِّصٌ لعمومه، فالضميرُ العائد إلى المُبدْل منه محذوفٌ أي من استطاع منهم، وقيل: بدلَ الكلِّ على أن المرادَ بالناس هو البعضُ المستطيعُ فلا حاجةَ إلى الضمير، وقيل: في محل الرفعِ على أنه خبرُ مبتدإٍ مضمرٍ، أي هم من استطاع الخ، وقيل: في حيز النصبِ بتقدير أعني، وقيل: كلمةُ {مِنْ} شرطيةٌ والجزاءُ محذوفٌ لدَلالة المذكور عليه وكذا العائدُ إلى الناس أي من استطاع منهم إليه سبـيلاً فلله عليه حِجُّ البـيت، وقد رُجِّحَ هذا بكون من بعده شرطية، والضميرُ المجرورُ في إليه راجعٌ إلى البـيت أو إلى حِجّ، والجارُّ متعلقٌ بالسبـيل، قُدِّم عليه اهتماماً بشأنه كما في قوله عز وجل: {أية : فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مّن سَبِيلٍ } تفسير : [غافر، الآية 11] و{أية : هَلْ إِلَىٰ مَرَدّ مّن سَبِيلٍ } تفسير : [الشورى، الآية 44] لما فيه من معنى الإفضاءِ والإيصالِ، كيف لا وهو عبارةٌ عن الوسيلة من مال أو غيرِه فإنه قد رَوىٰ أنسُ بنُ مالكٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : السبـيلُ الزادُ والراحلة» تفسير : وروىٰ ابنُ عمرَ رضي الله عنهما «حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله ما السبـيلُ؟ قال: "الزادُ والراحلة"» تفسير : وهو المراد بما رُوي أنه عليه السلام فسَّر الاستطاعةَ بالزاد والراحلة وهكذا رُوي عن ابن عباسٍ وابنِ عمرَ رضي الله عنهم وعليه أكثرُ العلماء خلا أن الشافعيَّ أخذ بظاهره فأوجب الاستنابةَ على الزَّمِنِ القادر على أُجرة مَنْ ينوب عنه، والظاهرُ أن عدمَ تعرُّضِه عليه السلام لصِحة البدنِ لظهور الأمر، كيف لا والمفسَّرُ في الحقيقة هو السبـيلُ الموصِلُ لنفس المستطيع إلى البـيت وذا لا يُتصوَّرُ بدون الصِحة. وعن ابن الزبـير أنه على قُدرة القوةِ. ومذهبُ مالكٍ أن الرجلَ إذا وثِقَ بقوته لزِمه وعنه ذلك على قَدْر الطاقة، وقد يجدُ الزادَ والراحلةَ من لا يقدِر على السفر، وقد يقدِرُ عليه من لا راحِلةَ له ولا زاد. وعن الضحاك أنه إذا قدَر أن يُؤْجِرَ نفسَه فهو مستطيع. {وَمَن كَفَرَ} وُضِعَ مَنْ كفر موضِعَ من لم يحُجّ تأكيداً لوجوبه وتشديدِ [النكير] على تاركه ولذلك قال عليه السلام: «حديث : من مات ولم يحُجَّ فليمُتْ إن شاء يهودياً أو نصرانياً» تفسير : وروي عن علي بن أبـي طالب رضي الله عنه أنه عليه السلام قال في خطبته: "أيها الناسُ إن الله فرض الحجَّ على من استطاع إليه سبـيلاً ومن لم يفعلْ فليمُت على أي حالٍ شاءَ يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً" {فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ} وعن عبادتهم وحيث كان من كفر من جملتهم داخلاً فيها دخولاً أولياً اكتُفي بذلك عن الضمير الرابطِ بـين الشرطِ والجزاءِ، ولقد حازت الآيةُ الكريمةُ من فنون الاعتباراتِ المُعْربةِ عن كمال الاعتناءِ بأمرِ الحجِّ والتشديدِ على تاركه ما لا مزيدَ عليه حيث أوثرت صيغةُ الخبرِ الدالةُ على التحقق وأُبرِزَتْ في صورة الجملةِ الاسميةِ الدالةِ على الثبات والاستمرار على وجهٍ يفيد أنه حقٌّ واجبٌ لله سبحانه في ذِمم الناسِ لا انفكاكَ لهم عن أدائه والخروجِ عن عُهدته. وسُلِكَ بهم مسلكَ التعميمِ ثم التخصيصِ، والإبهامِ ثم التبـيـينِ، والإجمالِ ثم التفصيلِ لما في ذلك من مزيد تحقيقٍ وتقريرٍ، وعُبِّر عن تركه بالكفر الذي لا قبـيحَ وراءَه وجُعل جزاؤُه استغناءَه تعالى المُؤْذِنَ بشدة المَقْتِ وعِظَم السُّخْط لا عن تاركه فقط، فإنه قد ضُرب عنه صفْحاً إسقاطاً له عن درجة الاعتبارِ واستهجاناً بذكره، بل عن جميع العالمين ممن فعلَ وترَكَ ليدُلَّ على نهاية شدةِ الغضب. هذا وقال ابنُ عباس والحسنُ وعطاءٌ رضي الله تعالى عنهم: ومن كفر أي جحَد فرضَ الحجِّ وزعم أنه ليس بواجب. وعن سعيد بنِ المسيِّب نزلت في اليهود فإنهم قالوا: الحجُّ إلى مكةَ غيرُ واجبٍ ورُوي أنه لما نزل قولُه تعالى: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} [آل عمران، الآية: 97] جمع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أهلَ الأديان كلَّهم فخطبهم فقال: «حديث : إن الله كتب عليكم الحجَّ فحُجُّوا» تفسير : فآمنتْ به مِلةٌ واحدة وهم المسلمون وكفرتْ به خمسُ مِللٍ قالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحُجُّه فنزل {وَمَن كَفَرَ} وعن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : حُجُّوا قبل أن لا تحُجُّوا فإنه قد هُدم البـيتُ مرتين ويُرفع إلى السماء في الثالثة». ورُوي: «حُجوا قبل أن يمنَعَ البَرُّ جانبَه» تفسير : وعن ابن مسعود: "حجُّوا هذا البـيتَ قبل أن ينبُتَ في البادية شجرةٌ لا تأكلُ منها دابة إلا نَفَقَتْ" وعن عمرَ رضي الله عنه: "لو ترك الناسُ الحجَّ عاماً واحداً ما نوُظروا"
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ} [الآية: 97]. قال محمد بن الفضل: علامات ظاهرة يستدل بها العارف على معروفه. قوله عز وعلا: {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ}. قال الشبلى: مقام إبراهيم هو الخُلَّة، فمن شاهد فيه مقام إبراهيم الخليل فهو شريف، ومن شاهد فيه مقام الحق فهو أشرف. وقال محمد بن على الترمذى: مقام إبراهيم بذل النفس والمال والولد فى رضا خليله، فمن نظر إلى المقام ولم يَتخلَّ مما تخلى منه إبراهيم من النفس والمال والولد سفره فقد بطل وخابت رحلته. قوله تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}. قال النورى: من دخل قلبه سلطان الاطلاع كان آمناً من هواجس نفسه ووساوس الشيطان. قال الواسطى: من دخله على شرط الحقيقة كان آمنًا من رعونات نفسه. قال ابن عطاء: من دخله كان آمنًا من عقابه ولله فى الدنيا ثواب وعقاب، فثوابه العافية وعقابه البلاء، فالعافية أن يتولى عليك أمرك، والعقوبة أن يكلك إلى نفسك. قال جعفر فى قوله: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} قال: من دخل الإيمانُ قلبه كان آمنًا من الكفر. قال الواسطى رحمة الله عليه فى موضع آخر: من جاور الإيمانُ قلبه كان آمنًا من رعونات نفسه. سمعت منصورًا يقول: سمعت أبا القاسم الإسكندرانى يقول بإسناده عن جعفر الصادق عليه السلام فى قوله: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} فقال: من دخله على الصفة التى دخلها الأنبياء والأولياء والأصفياء كان آمنًا من عذابه كما آمنوا. قوله تعالى: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ...} الآية. قيل: لم يخاطب الله عباده فى شىء من العبادات بأن لله عليهم إلا الحج وفيه فوائد: إحداها: أنه ليس من العبادات عبادة يشترك فيها المال والنفس إلا الحج فأخرجه بهذا الاسم. وقيل: هى عبادة يكثر فيها التعب والنصب على مباشرتها فأخرجه بهذا الاسم ليكون عونًا له على ما تباشره لعلمه أنه يؤدى ما لله عليه فى ذلك. وقيل: لما كان فيه الإشارات القيمة من تجريد ووقوف وغيرة قال الله تعالى: عليك لتهيئ باطنك للموقف الأكبر كما هيأت ظاهرك لهذا الموقف. وفى الحج إشاراتٌ قيل: إنَّ رجلاً جاء إلى الشبلى فقال له: إلى أين؟ قال: إلى الحج، قال: هات غرارتين فاملأهما رحمة واكبسهما وجئ بهما لتكون حظنا من الحج نعرضُها على من حضر ونحيى بها من زار، قال: فخرجت من عنده فلما رجعت قال لى: أحججت؟ قلت: نعم، قال لى: أى شئ عملت؟ قلت: اغتسلت وأحرمت وصليت ركعتين ولبيت، فقال لى: عقدت به الحج؟ قلت: نعم، قال: أفَسَختَ بعقدك كل عقدٍ عقدت منذ خُلِقت مما يضاد هذا العقد، قلت: لا، قال: فما عقدت، قال: ثم نزعت ثيابك؟ قلت: نعم، قال: تجردت عن كل فعل فعلته؟ قلت: لا، قال: ما نزعت قال: ثم تطهرت؟ قلت: نعم. قال: أزلت عنك كل علةٍ بطهرك؟ قلت: لا. قال: ما تطهرت قال: ثم لبيت؟ قلت: نعم. قال: وجدت جواب التلبية مثلاً بمثلٍ؟ قلت: لا. قال: ما لبيت. قال: ثم دخلت الحرم؟ قلت: نعم، قال: عقدت بدخولك ترك كل محرم؟ قلت: لا، قال: ما دخلت الحرم. قال: أشرفت على مكة؟ قلت: نعم، قال: أشرف عليك من الله حالٌ بإشرافك؟ قلت: لا، قال: ما أشرفت على مكة. قال: دخلت المسجد الحرام؟ قلت: نعم، قال: دخلت فى قربه من حيث علمته؟ قلت: لا، قال: ما دخلت المسجد. قال: رأيت الكعبة؟ قلت: نعم، قال: رأيت ما قصدت له؟ قلت: لا. قال: ما رأيت الكعبة. قال: رملت ثلاثًا ومشيت أربعًا؟ قلت: نعم. قال: هربت من الدنيا هربًا علمت أنك به فاصلتها، وانقطعت عنها ووجدت بمشيك الأربع أمنًا مما هربت منه فازددت لله شكرًا لذاك؟ قلت: لا. قال: فما انقطعت. قال: أصافحت الحجر؟ قلت: نعم، قال: ويلك قيل من صافح الحجر فقد صافح الحق ومن صافحه فهو في محل الأمن، أظهر عليك أثر الأمن؟ قلت: لا. قال: ما صافحت الحجر. قال: أصليت ركعتين بعدها؟ قلت: نعم، قال: وقفت الوقفة بين يدى الله جل وعز، ووقفت على مكانك من ذلك وأديت قصدك؟ قلت: لا. قال: ما صليت. قال خرجت إلى الصفا ووقفت بها؟ قلت: نعم. قال: أى شئ عملت؟ قلت: كبرت عليها. قال هل صفا سرك بصعودك على الصفا، وصَغُرَ فى عينيك الأكوان بتكبيرك ربك؟ قلت: لا. قال: ما صعدت ولا كبرت. قال: هرولت فى سعيك؟ قلت نعم. قال: هربت منه إليه؟ قلت: لا، قال: ما هرولت ولا سعيت. قال: وقفت على المروة؟ قلت: نعم. قال: رأيت نزول السكينة عليك وأنت على المروة؟ قلت: لا. قال: لم تقف على المروة. قال: خرجت إلى منى؟ قلت: نعم. قال: أعطيت ما تمنيت؟ قلت: لا. قال: ما خرجت إلى منى. قال: دخلت مسجد الخيف؟ قلت: نعم. قال: هل تجدّد عليك خوف بدخولك مسجد الخيف؟ قلت: لا قال: ما دخلته. قال مضيت إلى عرفات؟ قلت: نعم. قال: عرفت الحال التى خلقت لها والحال التى تصير إليها؟ وهل عرفت من ربك ما كنت منكرًا له؟ وهل تعرَّف الحق إليك بشىء مما تعرَّف به إلى خواصه؟ قلت: لا. قال ما مضيت إلى عرفات. قال أنفدت إلى المشعر؟ قلت: نعم. قال: ذكرت الله فيه ذكرًا أنساك فيه ذكر من سِواه؟ وهل شعرت بماذا أجبت وبماذا خوطبت؟ قلت: لا. قال: ما نفدت إلى المشعر. قال: ذبحت؟ قلت: نعم. قال: أفنيت شهواتك وإرادتك فى رضا الحق؟ قلت: لا. قال: ما ذبحت. قال: رميت؟ قلت: رميت جهلك منك بزيادة علم طهر علمك. قلت: لا. قال: ما رميت. قال: زرت؟ قلت: نعم. قال: كوشفت شيئًا من الحقائق، أو رأيت زيادة الكرامات عليك للزيارة، فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : الحاجُّ والعمَّار زوار الله حقٌّ على المزور أن يكرم زائره ". تفسير : قلت: لا. قال: ما زرت قال: أحللت؟ قلت: نعم. قال: عزمت على أكل الحلال؟ قلت: لا. قال: ما أحللت. قال: ودَّعت؟ قلت: نعم. قال: خرجت من نفسك وروحك بالكلية؟ قلت: لا. قال: ما ودَّعت ولا حججت وعليك العود إن أحببت وإذا حججت فاجتهد أن تكون كما وصفت لك. ولما دخلت على الشيخ الحصرى - قدس الله روحه - ببغداد قال لى: أحاجٌّ أنت؟ قلت: أنا مع القوم. قال لى: أليس فرائض الحج أربعةٌ: الإحرام والدخول فيه بلفظ التلبية؟ قلت: نعم. قال: والتلبية إجابة. قلت: نعم. قال: والإجابة من غير دعوةٍ سوء الأدب. قلت: نعم. قال: فتحققت الدعوة حتى تُجيب ثم الوقوف. قلت: نعم. قال: فاجتهد فيه فإنه محل المباهاة وانظر كيف تكون، والطواف وهو محلُّ القربة من الحق، فيكون قربك منه بحسن الأدب ثم السَّعىُ وهو محل الفرار إليه من التبرى مما سواه، فإيَّاك أن تتعلق بعد سعيك بعلاقةٍ من الدارين وما فيهما. سمعت محمد بن الحسن البغدادي يقول: سمعت محمد بن أحمد بن سهل يقول: سمعت سعيد بن عثمان يقول: سمعت عبد البارى يقول: سُئل ذو النون لمَ صُير الموقف بالمشعر الحرام ولم يُصَيَّر بالحرم؟ فقال ذو النون: لأن الكعبة بيت الله والحرم حجابه والمشعر بابه، فلما أن قصدها الوافدون وقفهم بالباب. الأول: يتضرعون إليه حتى أذن لهم بالدخول ووقفهم بالحجاب. الثانى: وهو المزدلفة فلما أن نظر إلى تضرعهم أمرهم بتقريب قربانهم، فلما قربوا قربانهم وقَضوا تفثهم طهروا من الذنوب التى كانت لهم حجابًا من دونه، فأذن لهم بالزيادة على الطهارة. قال فارس: الإحرام هو الاعتقاد، والاعتقاد اعتقادان: اعتقاد قصدٍ وإرادة واعتقاد استشعار فى الحال. وقال بعضهم: لم أجابوا التلبية أدخلوا الحرم مقامه مقام الدهليز، ثم دخلوا الحرم باعتقاد ترك كل محرم، ثم أشرفوا على الكعبة فأشرفَت عليهم حالٌ من الحق بإشرافهم على الحق، ثم دخلوا المسجد الحرام فشهدوا عند ذلك قربة فطافوا ولاذوا وحنوا وهرولوا، وكانوا فى ذلك هداهم من الدنيا، والحجر شاهد لهم بوفاء عهودهم، وخرجوا إلى الصفا فصفوا عن كل كدورةٍ من آفاق الدنيا والنفس، ولما وصلوا إلى منًى وقع بهم التمنى لما يأتلون فأعطوا ما تمنَّوْا.
اسماعيل حقي
تفسير : {فيه آيات بينات} واضحات كانحراف الطيور عن موازاة البيت على مدى الاعصار ومخالطة ضوارى السباع الطيور فى الحرم من غير تعرض لها وقهر الله تعالى لكل جبار قصده بسوء كاصحاب الفيل {مقام ابراهيم} اثر قدميه عليه السلام فى الصخرة التى كان عليه السلام يقوم عليها وقت رفع الحجارة لبناء الكعبة عند ارتفاعه او عند غسل رأسه على ما روى انه عليه السلام جاء زائرا من الشام الى مكة فقالت له امرأة اسماعيل عليه السلام انزل حتى اغسل رأسك فلم ينزل فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقه الايمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شقى رأسه ثم حولته الى شقه الايسر حتى غسلت الشق الآخر فبقى اثر قدميه عليه وهو بدل من آيات بدل البعض من الكل {ومن دخله} اى حرم البيت {كان آمنا} من التعرض له وذلك بدعوة ابراهيم عليه السلام {أية : رب اجعل هذا البلد آمنا} تفسير : [إبراهيم: 35]. وكان الرجل لو جر كل جريرة ثم لجأ الى الحرم لم يطلب ولذلك قال ابو حنيفة رحمه الله من لزمه القتل فى الحل بقصاص او ردة او زنى فالتجأ الى الحرم لم يتعرض له الا انه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر الى الخروج وهذا فى حق من جنى فى الحل ثم التجأ الى الحرم واما اذا اصاب الحد فى الحرم فيقام عليه فيه فمن سرق فيه قطع ومن قتل فيه قتل قال تعالى {أية : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم} تفسير : [البقرة: 192]. اباح لهم القتل عند المسجد الحرام اذا قاتلونا فعلى ذلك يقام الحد اذا اصاب وهو فيه واذا اصاب فى غيره ثم لجأ اليه لم يقم كما لا نقاتل اذا لم يقاتلونا او المعنى ومن دخله كان آمنا من النار. وفى الحديث "حديث : من مات فى احد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا " .تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : الحجون والبقيع يؤخذ باطرافهما وينشران فى الجنة " .تفسير : وهما مقبرتا مكة والمدينة وعن ابن مسعود رضى الله عنه "حديث : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثنية الحجون وليس بها يومئذ مقبرة فقال "يبعث الله تعالى من هذه البقعة ومن هذا الحرم سبعين الفا وجوههم كالقمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب يشفع كل واحد منهم فى سبعين الفا وجوههم كالقمر ليلة البدر" " .تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائتى عام " .تفسير : {ولله على الناس} وهم المؤمنون دون الكفار فانهم غير مخاطبين باداء الشرائع عندنا خلافا للشافعى اى استقر لله عليهم {حج البيت} اللام للعهد والحج بالفتح لغة اهل الحجاز والكسر لغة نجد واياما كان فهو القصد للزيارة على الوجه المخصوص المعهود يعنى انه حق واجب لله فى ذمم الناس ولا انفكاك لهم عن ادائه والخروج من عهدته {من استطاع اليه سبيلا} فى محل الجر على انه بدل من الناس بدل البعض مخصص لعمومه فالضمير العائد الى المبدل منه محذوف اى من استطاع منهم وقدر واطاق الى البيت سبيلا اى قدر على الذهاب اليه واراد به قدرة سلامة الآلات والاسباب فالزاد والراحلة من اسباب الوصول وهذه القدرة تتقدم على الفعل والاستطاعة التى هى شرط لوجوب الفعل هى الاستطاعة بهذا المعنى لا الاستطاعة التى هى شرط حصول الفعل وهى لا تكون الا مع الفعل لانها علة وجود الفعل وسببه فلا تكون الا معه فالاستطاعة الاولى شرط الوجوب والثانية شرط حصول الفعل {ومن كفر} وضع من كفر موضع من لم يحج تأكيدا لوجوبه وتشديدا لتاركه اى من لم يحج مع القدرة عليه فقد قارب الكفر وعمل ما يعمله من كفر بالحج {فان الله غنى عن العالمين} وعن عبادتهم وحيث كان من كفر من جملتهم داخلا فيها دخولا اوليا اكتفى بذلك عن الضمير الرابط بين الشرط والجزاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من لم يحبسه حاجة ظاهرة او مرض حابس او سلطان جائر ولم يحج فليمت ان شاء يهوديا او نصرانيا ". تفسير : وانما خص هذين لان اليهود والنصارى هم الذين لا يرون الحج ولا فضل الكعبة. واعلم انه لا يؤثر الاكثار من التردد الى تلك الآثار الا حبيب مختار ـ روى ـ عن على بن الموفق رحمه الله انه حج ستين حجة قال فلما كنت بعد ذلك فى الحجر افكر فى حالى وكثرة تردادى الى ذلك المكان ولا ادرى هل قبل حجى او لا نمت فرأيت قائلا يقول يا ابن الموفق هل تدعو الى بيتك الا من تحب فاستيقظت وقد سرى عنى. ففيه اشارة الى ان من لم يحج مع القدرة عليه فقد ترك عن الدعوة الى ضيافة الله تعالى ولا يترك عنها الا من لا استحقاق له بها. وفيه تقبيح لحاله حيث لم يجتهد فى تحصيل الاستعداد بل اقام على البغى والفساد واقتضت حكمة الله تعالى توقان النفس كل عام الى تلك الاماكن النفيسة والمعاهد المقدسة المحروسة لاجابة دعوة ابراهيم عليه السلام حيث قال {أية : فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم} تفسير : [إبراهيم: 37]. اى تحن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : افضل الاعمال ايمان بالله ورسوله ثم جهاد فى سبيله ثم حج مبرور " .تفسير : قيل مغفرة الذنوب بالحج ودخول الجنة به مترتب على كون الحج مبرورا. وانما يكون مبرورا باجتماع امرين. فيه الاول الاتيان فيه باعمال البر والبر هو الاحسان للناس واطعام الطعام وافشاء السلام. والثانى ما يكمل به الحج وهو اجتناب افعال الاثم فيه من الرفث والفسوق والمعاصى. قال ابو جعفر الباقر ما يعبأ من يؤم هذا البيت اذا لم يأت بثلاث ورع يحجزه اى يمنعه عن محارم الله وحلم يكف به غضبه وحسن الصحابة لمن يصحبه من المسلمين فهذه الثلاث يحتاج اليها من يسافر خصوصا الى الحج فمن كملها فقد كمل حجه فعلى السالك ان يخالق الناس بخلق حسن شعر : ازمن بكوى حاجئ مردم كزايرا كاوبوستين خلق بازار مى درد حاجى تونيستى شترست ازبراى آنك بيجاره خار ميخورد وبارميبرد تفسير : قال بعض المشايخ علامة الحج المبرور ان يرجع زاهدا فى الدنيا راغبا فى الآخرة. قال نجم الدين الكبرى فى تأويلاته والاشارة ان الله تعالى جعل البيت والحج اليه واركان الحج والمناسك كلها اشارات الى اركان السلوك وشرائط السير الى الله وآدابه. فمن اركانه الاحرام وهو اشارة الى الخروج عن الرسوم وترك المألوف والتجرد عن الدنيا وما فيها والتطهر من الاخلاق وعقد احرام العبودية بصحة التوجه. ومنها الوقوف بعرفة وهو اشارة الى الوقوف بعرفات المعرفة والعكوف على عقبه جبل الرحمة بصدق الالتجاء وحسن العهد والوفا. ومنها الطواف وهو اشارة الى الخروج عن الاطوار البشرية السبعية بالاطواف السبعة حول كعبة الربوبية. ومنها السعى وهو اشارة الى السير بين صفا الصفات ومروة الذات. ومنها الحلق وهو اشارة الى محو آثار العبودية بموسى انوار الالهية وعلى هذا فقس المناسك كلها. والحج يشير الى عين الطلب والقصد الى الله بخلاف سائر اركان الاسلام فان كل ركن منه يشير الى طرف من استعداد الطلب فالله تعالى خاطب العباد بقوله {ولله على الناس حج البيت} وما قال فى شىء آخر من الاركان والواجبات ولله على الناس وفائدته ان المقصود المشار اليه من الحج هو الله وفى سائر العبادات المقصود هو النجاة والدرجات والقربات والمقامات والكرامات. والاستطاعة فى قوله {من استطاع اليه سبيلا} هى جذبة الحق التى توازى عمل الثقلين ولا يمكن السير الى الله والوصول اليه لا بها {ومن كفر} اى لا يؤمن بوجدان الحق ولا يتعرض لنفحات الطاف الرب ولا يتقرب بجذبات الالوهية كما يشير اليها اركان الحج {فان الله غنى عن العالمين} بان يستكمل بهم وانما الاستكمال للعالمين به ولا غنى بهم عنه تعالى جعلنا الله واياكم من الكاملين والواصلين الى كعبة اليقين والتمكين.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر {حج البيت} بكسر الحاء. الباقون بفتحها فمن فتح أراد المصدر الجاري على فعله، ومن كسر أراد الاسم. المعنى: الآيات التي بمكة أشياء، منها ما قال مجاهد في مقام إبراهيم، وهو أثر قدميه داخلة في حجر صلد بقدرة الله تعالى، ليكون ذلك علامة يهتدى بها، ودلالة يرجع إليها مع غير ذلك من الآيات التي فيه من أمن الخائف، وإمحاق الجمار على كثرة الرامي. وامتناع الطير من العلو عليه. واستشفاء المريض من ماء به. ومن تعجيل العقوبة لمن انتهك فيه حرمة على عادة كانت جارية. ومن إهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا، لتخريبه. وروي عن ابن عباس أنه قرأ {آية بينة مقام إبراهيم} فجعل مقام إبراهيم هو الآية. والأول عليه القراء، والمفسرون. وقوله: {مقام إبراهيم} رفع بأنه خبر ابتداء محذوف. وتقديره هي مقام إبراهيم وغير مقام إبراهيم, وقيل التقدير منها مقام إبراهيم. وقوله: {ومن دخله كان آمناً} قيل فيه قولان: أحدهما - الدلالة على ما عطف عليه قلوب العرب في الجاهلية، من أمر من جنى جناية، ثم لاذ بالحرم، ومن تبعة تلحقه أو مكروه ينزل به. فأما في الاسلام فمن جنى فيه جناية أقيم عليه الحد إلا القاتل، فانه يخرج منه، فيقتل في قول الحسن، وقتادة. وعندنا أنه إذا قتل في الحرم قتل فيه. الثاني - أنه خبر، والمراد به الأمر، ومعناه أن من وجب عليه حد، فلاذ بالحرم والتجأ إليه، فلا يبايع ولا يشاري ولا يعامل حتى يخرج من الحرم، فيقام عليه الحد - في قول ابن عباس وابن عمر - وهو المروي عن أبي عبد الله وأبي جعفر (ع) وأجمعت الصحابة على أن من كانت له جناية في غيره ثم عاذ به أنه لا يؤاخذ بتلك الجناية فيه. وأجمعوا أيضاً أن من أصاب الحد فيه أنه يقام عليه الحد فيه. وإنما اختلفوا فيما به يخرج ليقام عليه الحد. وروي عن أبي جعفر (ع) أنه قال: من دخله عارفاً بجميع ما أوجب الله عليه، كان آمنا في الآخرة من أليم العقاب الدائم. والسبيل الذي يلزم بها الحج، قال ابن عباس، وابن عمر: هي الزاد، والراحلة. وقال ابن الزبير، والحسن: ما يبلغه كائناً ما كان. وفيه خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف. وعندنا هو وجود الزاد والراحلة ونفقة من تلزمه نفقته والرجوع إلى كفاية عند العود إما من مال أو ضياع أو عقار أو صناعة أو حرفة مع الصحة والسلامة وزوال الموانع وإمكان المسير. وقوله: {ومن كفر} معناه من جحد فرض الحج فلم يره واجباً في قول ابن عباس، والحسن، والضحاك. فأما من تركه وهو يعتقد فرضه، فانه لا يكون كافراً وإن كان عاصياً. وفي الآية دلالة على فساد مذهب المجبرة إن الاستطاعة مع الفعل، لأن الله تعالى أوجب الحج على المستطيع. ومن لا يستطيع، فلا يجب عليه وذلك لا يكون إلا قبل فعل الحج. وقال قوم: معنى {ومن كفر} يعني ترك الحج والسبب في ذلك أنه لما نزل قوله: {أية : ومن يبتغ غير الإسلام ديناً}تفسير : قالت اليهود نحن المسلمون فأنزل الله هذه الآية فامرهم بالحج إن كانوا صادقين فامتنعوا، فقال الله تعالى ومن ترك من هؤلاء فهو كافر، والله غني عن العالمين.
الجنابذي
تفسير : {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ} جملة مستأنفة جواب للسّؤال عن علّة الهداية، او حال مترادفة، او متداخلة للتّعليل، او صفة كذلك، او خبر بعد خبر وقد سبق الاشارة الى الآيات والى ظهورها {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} بدل من الآيات بدل البعض من الكلّ او مبتدأ خبر محذوف او خبر مبتدءٍ محذوف اى هى مقام ابراهيم (ع) فانّه باعتبار غوص القدم فى الحجر وبقاء اثر القدم ومحفوظيّته فى دهور طويلة آيات عديدة وحكاية مقام ابراهيم (ع) قد اختلف الاخبار فى بيانها من اراد فليرجع الى الاخبار وكتب التّفاسير {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} عطف على {مقام ابراهيم} (ع) او على جملة {فيه آيات بيّنات}، او على جملة {انّ اوّل بيتٍ وضع للنّاس للّذى ببكّة}، او حال ولفظة من موصولة او شرطيّة والدّاخل فيه آمنٌ من عذاب يوم القيامة بشرط الايمان والدّاخل فى الحرم آمنٌ بالمواضعة الالهيّة عن المؤاخذة بجناية يؤاخذ عليها والضّمير راجع الى البيت، او الى مقام ابراهيم، والمراد بمقام ابراهيم (ع) هو الحجر الّذى فيه اثر قدم ابراهيم (ع) او الموضع الّذى فيه ذلك الحجر الان، او الموضع الّذى بينه وبين البيت، او المسجد، او الحرم تماماً كما قيل، وكون امن من دخله من جملة الآيات ان كان المراد به امنهم من تعرّض الجبابرة مع كثرتهم وهلاك من تعرّض له ولهم مثل اصحاب الفيل فواضح، وان كان المراد به امنهم بالمواضعة الالهيّة، او امنهم من عذاب يوم القيامة، او امن من دفن فيه من العذاب ففيه خفاء. اعلم انّ جميع الاعمال الشّرعيّة الفرعيّة والمناسك الظّاهرة القالبيّة صور لاعمال اللّطيفة الانسانيّة السّالكة الى الله والمناسك الباطنة القلبيّة وجميع المساجد وبيوت الله الصوريّة صور للمعابد الباطنة الانسانيّة من مواقف السّالك فى سلوكه وصور لبيوت الله الحقيقيّة الّتى هى قلوب السّالكين الى الله الدّاخل فيها الايمان الممتازة من الصّدور المنشرحة بالاسلام بدخول الايمان فيها، وانّ الكعبة لمّا كانت بناء ابراهيم الّذى كان متحقّقاً بالقلب وكان بيت الله حقيقة كانت مظهراً للقلب بجميع مناسكه ومعابده ولذلك اجرى عليها جميع ما للقلب من الاوصاف والآثار فانّ القلب اللّحمانىّ لمّا كان اوّل نقطة خلقت من بدن الانسان لكونه مظهراً للقلب المعنوىّ الّذى خلق قبل جملة العوالم الرّوحانيّة باعتبار ربّ النّوع الّذى خلق قبل كلّ المخلوقات أجرى الله حكمه على الكعبة وقال: {اوّل بيت وضع للنّاس للّذى ببكّة} ومن قال انّ الكبد اوّل نقطة خلقت من بدن الانسان لانّه منبت النّفس النّباتيّة واحتياج بدن الحيوان ليس اوّلاً الاّ الى القوى النّباتيّة غفل عن انّ الجنين من اوّل استقراره فى الرّحم قد استفاد ضعيفاً من كلّ من القوى النّباتيّة الّتى لنفس الامّ وانّه من اوّل استقراره فى الرّحم يغتذى وينمو بتدبير النّفس النّباتيّة الّتى فى الأمّ، وتصوير الاعضاء ايضاً ليس الاّ باعانة نفس الامّ لأنّها حريصة على ايجاد مثلها وبقائه وهى لا تصوّر اوّلاً الاّ ما كان مظهراً لمثلها لا لجنودها وهو القلب، ولمّا كان القلب قبل تنزّله الى ارض العالم الصّغير كالدّرّة البيضاء وبعد تنزّله واختلاطه باهل العالم الصّغير صار متلوّناً وكان دحوارض العالم الصّغير من تحته وكان فى وسط هذا العالم من حيث لحمته الصّنوبريّة ومن حيث روحانيّته باعتبار استواء نسبته الى جميع اجزاء البدن وكان مولد الولاية ومتوجّهاً اليه لجميع اهل العالم الصّغير فى مناسكهم ومآربهم وكان مأمناً لمن دخله ودخل حرمه وكان قائماً بامور اهل مملكته ومقوّماً لهم وكان بركة ورازقاً من جميع الثّمرات من كان من اهله ومن لم يكن من اهله، وكان مثابة ومرجعاً لهم، وكان اصل جميع القرى فى مملكته، وكان على الجميع الرّجوع اليه والتجرّد من ثياب الانانيّة لديه، والطّواف حوله والتردّد عنده والوقوف فى حرمه وقتل انانيّته وقربانها قبل الوصول اليه، اخبروا عن الكعبة بمثل ذلك وجعل الله لها من المناسك مثل ذلك ولعلّك تتفطّن اجمالاً بحكم جميع احكام الحجّ ومناسكه بعد التفطّن بما ذكر، وقد أشرنا الى بعضها فيما سبق ونشير الى بعض منها فيما يأتى والغافل عمّا ذكرنا النّاظر الى ظاهر ما ورد فى الاخبار من اوصاف البيت والرّائى صور ما جعل له من المناسك لا يرى لها صحّة وحكمة عقلانيّة بل يراها كذباً ولغواً، ولو لم يخف من الله او من اهل الاسلام يطعن فيها كما يطعن الكفّار فيما ورد فيها {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} قرئ بالفتح وبالكسر وهما مصدرا حجّ بمعنى قصد مطلقاً، او بمعنى قصد مكّة للمناسك المخصوصة، او بالفتح مصدر وبالكسر اسمه، ولمّا كان اهل العالم الصّغير مفطورين على قصد بيت القلب وكان ذلك حقّاً من حقوق الله عليهم وكان رجوعهم الى القلب رجوعاً الى الله كلّف الله النّاس بزيارة الكعبة الّتى هى مظهر ذلك البيت، وادّى هذا التكليف بصورة الخبر تأكيداً واشعاراً بانّ هذا كان فى فطرتهم وحقّاً لله عليهم وليس كسائر الحقوق الخلقيّة او الالهيّة ففيه تأكيد الوجوب من وجوه عديدة: اداء الامر بصورة الخبر، وانّه من الامور الّتى تقع لا محالة ولا حاجة الى الامر به، وتأكيده باسميّة الجملة، وكونه حقّاً على النّاس وكونه حقّاً لله، لا كسائر الحقوق الرّاجعة الى الخلق، وحصر ذلك الحقّ فى الله من غير شراكة الغير فيه {مَنِ ٱسْتَطَاعَ} بدل من النّاس وفى هذا الابدال تأكيد آخر للحكم من حيث التّخصيص بعد التعميم والتّوضيح بعد الاجمال فكأنّه كرّره وقال: {لله على النّاس حجّ البيت} لله على {مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} حجّه وهل الاستطاعة بالبدن او بالبدن والمال او الكسب بحيث يكفى لنفقته ونفقة من كان واجباً نفقته عليه ذهاباً واياباً، او بحيث يكفى لذلك ويرجع الى ما يكفى بعده، وتحقيقه موكول الى الكتب الفقهيّة {وَمَن كَفَرَ} بالحجّ او بالله فى ترك الحجّ او باحكام الله فى تركه، وفى تسمية تركه كفراً تأكيد آخر لوجوبه فكأنّه قال: تارك الحجّ على حدّ الكفر والشّرك بالله فكما أنّه لا يغفر ان يشرك به لا يغفر ان يترك الحجّ ويغفر ما دون ذلك فمن ترك الحجّ لا يعبأ الله به {فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ} عنه وذكر الغنى فى مثل المقام يدلّ على المقت والخذلان وقال غنىّ {عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} بدل غنىّ عنه مبالغة فى الاستغناء ليدلّ على المبالغة فى المقت والخذلان ولمّا كان حجّ بيت الله عبادة جامعة بين اتعاب البدن وكسر انانيّة النّفس وقطع علاقتها عن متمنّياتها وتجرّدها عن مشتهياتها مع بذل المال وانفاقه ولم يكن سائر العبادات كذلك ندب الله تعالى اليه واكّده بأنواع التأكيدات ثمّ أمر نبيّه ان يخاطب اهل الكتاب بالتّقريع على الكفر بالآيات تعريضاً بامّته فى ترك الحجّ والكفر بعلىّ (ع) فقال {قُلْ}.
الهواري
تفسير : قوله: {فِيهِ ءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} قال الحسن: إن مقام إبراهيم من الآيات البينات. قوله: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً}. ذكروا عن الحسن وغيره قالوا: ذلك في جاهليتهم؛ لو أن رجلاً جَرَّ كلَّ جريرة ثم لجأ إلى الحرم، لم يُطلب ولم يُتَناول. فأما في الإِسلام فإن الحرم لا يمنع من حدّ؛ من قتَل قُتِل، ومن أصاب حداً أقيم عليه. وفي تفسير عمرو عن الحسن: إن أصاب رجل فيه حدّاً ليس فيه قَوَد ولا رجم أقيم عليه، وإن كان فيه قتل أُخرِج من الحرم فقتل. وأما الحدود كلها دون النفس فتقام عليه في الحرم. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: إذا أصاب الرجل حدّاً ثم لجأ إلى الحرم لم يبايَع ولم يُجَالَس، ولم يُؤْوَ حتى يخرج من الحرم؛ فإذا خرج من الحرم أُقِيم عليه. قوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}. ذكر الحسن حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله، قول الله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ}، أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت النبي عليه السلام، ثم قال: والذي نفسي بيده، لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها، ولو تركتموها لكفرتم، فذروني ما تركتكمتفسير : . وزاد فيه بعضهم: حديث : فذروني ما تركتكم، فإنما هلك من هلك ممن كان قبلكم بكثرة سؤالهم أنبياءَهم، واختلافهم عليهم . تفسير : وذكر بعضهم مثل ذلك الحديث عن النبي عليه السلام وزاد فيه: "حديث : إنما هي حجة وعمرة فمن قضاهما فقد قضى الفريضة وقضى ما عليه ". تفسير : قوله: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} ذكروا "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله: {من استطاع إليه سبيلاً} فقال: الزاد والراحلة ". تفسير : قوله: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}. ذكروا عن عطاء قال: الكفر أن [يقول ليس بفريضة] فيكفر به. وذكروا عن الحسن مثل ذلك. وقال بعضهم: {وَمَن كَفَرَ}، يعني أهل الكتاب، لأنه ذكر قصَّتهم قبل هذه الآية. قوله: {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي: تصدّون من آمن عن سبيل الله. {تَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي إنكم تدعون إلى خلاف سبيل الله، وهو العِوَج. {وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ} إنكم تبغونها عوجاً {وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} يحذرهم ذلك. وقال بعضهم: تصدون عن سبيل الله، أي عن الإِسلام وعن نبي الله من آمن به وأنتم شهداء على ذلك أي فيما تقرأون من كتاب الله أن محمداً رسول الله وأن الإِسلام دين الله. قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ} أي من لم يؤمن منهم {يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَاتُ اللهِ} أي كتابه {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ} [أي يستمسك بدين الله] {فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. أي إلى الجنة. قال الحسن: اعتصامه بالله اعتصامه بحبله، وهو القرآن. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوماً حديث : أي الخلق أعجب إيماناً؟ قالوا: الملائكة. قال الملائكة في السماء فما لهم لا يؤمنون. أي الخلق أعجب إيماناً؟ قالوا: النبيون. قال: النبيون ينزل عليهم الوحي فما لهم لا يؤمنون. أي الخلق أعجب إيماناً؟ قالوا: أصحابك. قال: أصحابي يرونني ويسمعون كلامي فما لهم لا يؤمنون. أعجب الخلق إيماناً قوم يأتون من بعدكم يجدون كتاباً في رَقٍّ فيؤمنون به .
اطفيش
تفسير : {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ}: أى فى شأنه آيات بينات، فشملت الآيات البينات الحرم كله، لأنها كلها تسبب بالكعبة، واتصال لا ما يختص بالكعبة فقط، ذلك المجموع مقام إبراهيم، وأمن داخل الحرم وكون الكعبة لا يقصدها أحد إلا قصم، وكون الطيور لا تمر فوق الكعبة عند طيرانها فى الهواء، بل تحط عنها يميناً وشمالاً عند موازاتها، وهذا أمر مشاهد. ومن ذلك أن سباع الوحش والطير إذا تبعت صيداً ودخل الحرم رجعت، حتى الكلاب لا تهيج الظباء، وأن مرضى الطيور تستشفى بالكعبة. ولا يشكل على ذلك هدم الحَجَّاج الكعبة، ورميه داخل المسجد عند محاربته لعبد الله بن الزبير، إذ تحصن عبد الله بالمسجد لأنه هدمه ليبنيه أجود فى زعمه والرمى للحرب لا مهاونة بالكعبة، ومن ذلك الحجر الأسود، والملتزم، والحطيم، وزمزم، وعرفة، والمزدلفة، ومن المشروعات من أحَلّ عمارة الكعبة بالعبادة، وأن بانيه إبراهيم وابنه إسماعيل وما ذكرته من أن الضمير فى قوله {فيه آيات بينات} للبيت، وهو الكعبة على أن المراد فى شأنه أولى من كونه للبيت على أن المراد بالبيت الحرم تجوز العلاقة الجوار، لأنه لا تشمل الآيات على هذا إلا آيات ما جاور البيت، وهو الحرم، ولا تشمل آيات نفس البيت، أو تجوز بطريق إطلاق الجزء وإرادة الكل، لأن هذا مجاز، والذى قبله كذلك، وجملة {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَات} مستأنفة، بين بها البركة والهدى، أو حال أخرى، وأجاز بعض أن تكون نعتاً لهدى على أنه قد نعت بقوله {للعالمين} وعلى أن الضمير لهدى، لا للبيت، لكن الهدى مراد به البيت. {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ}: مبتدأ خبره محذوف أى منها مقام إبراهيم، لا بدل بعض من البيت لعدم الرابط، وتقدير مقام إبراهيم منها على أن يكون منها حالا من مقام وما: رابط تكلف، ويجوز كونه بدل كل، باعتبار عطف مقدر، أى مقام إبراهيم وكذا وكذا، حذف ذلك دلالة على الكثرة، وإبدال المعرفة من المنكرة جائز، ويجوز أن يكون مقام إبراهيم بدل كل من آيات بينات، بلا تقدير عطف على أن المراد بالآيات البينات، هى المقام وحده لاشتماله على الآيات، وكذا إذا قيل إن المقام هو الحرم كلهُ، كما قال بعض، وبهذا التقرير جاز كونه عطف بيان لآيات، وذلك أن المقام صخرة صماء أثر القدم بالغوص فيها، وكان الغوص إلى الكعبين وخصت بالتلين عن سائر الصخور، وبقى الأثر إلى الآن دون آثار سائر الأنبياء، وعدم زواله أو زوالها، مع مضى مدة طويلة هى ألفان وثمانمائة سنة وثلاث وتسعون سنة إلى هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزعمت اليهود - لعنهم الله - أن ذلك ألفان وأربعمائة سنة واثنتان وأربعون سنة، مع كثرة أعدائه، ولو كثر أيضاً مدعو حبه، ومع تداول الأيدى عليه وعبارة بعض، أن فيه أثر قدمى إبراهيم عليه السلام، وأنهُ دثر لمسح الأيدى، ويجوز أن يكون بدل كل، أو بيان، تنزيلا للمقام منزل آيات كثيرة، لظهور شأنه ودلالته على قدرة الله تعالى، ونبوة إبراهيم عليه السلام، كما قال إبراهيم إنه أمة على أحد أوجه قوة فى كونه أمة، ويجوز ذلك أيضاً، على تنزيل قوله: {ومَنَ دَخَلَهُ..} إلخ منزلة ذكر الآية أخرى، كأنه قال: وأمن داخله وذلك اثنتان وهما أقل الجميع مجازا، وحقيقة خلاف ويدل على أن البدل بدل كل، أو على أن مقام عطف بيان قراءة ابن عباس، وأبى، ومجاهد، وأبى جعفر المدنى، وفى رواية قتيبة: آية بينة بالإفراد وعليها، فيجوز أن يقدر هى مقام إبراهيم، وسببه هذا الأثر الذى فى الصخرة أن إبراهيم عليه السلام لما أسكن هاجر، وابنه إسماعيل فى وادى مكة، واد غير ذى زرع، وانصرف إلى الشام، جاء بعد زمان، زائراً من الشام، إلى مكة. فقالت له امرأة إسماعيل: إنزل حتى تغسل رأسك، فلم ينزل، فأرادت أن ترجله وهو راكب، فوضعت حجراً على الجانب الأيمن، فوضع إبراهيم قدمه عليه حتى غسلت إحدى جانبى رأسه، ثم حولته إلى الجانب الأيسر حتى غسلت الجانب الآخر، ورجلته فأثرت قدمه فيه، فهو أثر واحد اجتمعت فيه قدماه، إلا أن ذلك الأثر اندرس من كثرة المسح بالأيدى، وقيل: هو الحجر الذى قام عليه إبراهيم عليه السلام عند الأذان بالحج، إذ قال له ربه {أية : وأذن فى الناس بالحج}تفسير : وقيل: هو الذى قام عليه عند بناء الكعبة، لما ارتفع بناؤها، قام عليه ليتمكن من رفع الحجارة، ويجوز أن يكون الحجر فى المواضع الثلاثة واحداً. {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}: عن أن يقتله أحد ويظلمه فى بدنه أم ماله والقتل والسلب والظلم حوله، قال الحسن وقتادة: كان العرب فى الجاهلية، يقتل بعضهم بعضاً، ويغير بعض على بعض، ومن دخل الحرم أمن القتل والغارة، كقوله تعالى: {أية : وآمنهم من خوف}تفسير : وقوله تعالى: {أية : أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمنا ويتخطف الناس من حولهم}،تفسير : وقال الله عن إبراهيم: {أية : رب اجعل هذا البلد آمنا}تفسير : فأجاب دعاءه، وذلك تفسير الجمهور حتى قال أبو حنيفة: وأصحابنا فيما إذا وجب قصاص القتل على إنسان خارج الحرم، ثم التجأ إلى الحرم أو ارتد، أو فعل موجب القتل، أنه لا يخرج منه الحق فى الحرم، بل لا يؤاد ولا يطعم ولا يسقى ولا يباع له ولا يتكلم معه حتى يضطر إلى الخروج، ثم يستوفى منه القصاص، خارج الحرم إذا خرج واحتج بهده الآية فقال: ظاهرها الإخبار عن كونه آمنا ولا يمكن حمله على الخبر، إذ قد لا يصير آمنا فى حق من أتى بالجناية، وفى القصاص فيما دون النفس فوجب حمله على الأمر، وتركنا العمل به فى الجناية التى هى دون النفس، لأن الضرر فيها أخف من ضرر القتل فى القصاص بالجناية فى الحرم، لأنه هو الذى هتك حرمة الحرم، فبقى محل الخلاف على ظاهر الآية، وقال الشافعى: يستوفى منه الحق فيه، ولو التجأ إليه واجب البقاع إلى الله ما يؤدى فيه فرائض الله تعالى وهذا أولى عندى لأن الله جل جلاله ذكر منته على أهل الحرم بأنهم لا يصيبهم فيه ما يصيب الناس فى غيره من الظلم وأنزل الحدود وأوجب إنقاذها، فبقى وجوب إنقاذها على عمومه فى المواضع وغيره وأجمعوا أنه إذا قتل فى الحرم وقتل ولو فيه، وإما تفسير غير الجمهور فالآمن فى الآية: الآمن العذاب يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من مات فى أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمناً"تفسير : قال بعضهم: من دخل الحرم معظماً له متقرباً إلى الله عز وجل، كان آمناً يوم القيامة من العذاب، قال بعض العباد: كنت أطوف حول الكعبة ليلا، فقلت يا رب إنك قلت {أية : ومن دخله كان آمناً} تفسير : فسمعت ملكاً يقول: من النار، فنظرت وتأملت فما كان فى المكان أحد، وقال الضحاك: من حجه كان آمناً من الذنوب التى اكتسبها قبل ذلك، ويناسب حديث من مات فى أحد الحرمين.. إلخ، ما روى عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بثنية الحجون، وليس بها يومئذ نقير فقال: يبعث الله من هذه البقعة ومن الحرم كله سبعين ألفاً، وجوههم كالقمر ليلة البدر. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران فى الجنة" تفسير : الحجون: مقبرة مكة، والبقيع: مقبرة المدينة، وعنه صلى الله عليه وسلم:" حديث : من صبر على حر مكة ساعة من نهار، تباعدت عنه جهنم مسيرة مائة عام"تفسير : . والهاء فى {دخله}، عائدة إلى الحرم، لدلالة البيت عليهِ، أو يقدر مضاف، أى من دخل حرم البيت وحرمه وهو جميع الحرم. ووجه آخر أن تقول الهاء فى قوله: {فيه}، وقوله: {دخله}، عائدة إلى البيت بمعنى الحرم بطريق الاستخدام، على أن يسمى الحرم بيتاً، ورد عليه ضمير البيت، لعلاقة الجوار، فيكون المراد بالآيات: الآيات التى ليست فى نفس البيت دون التى فيه كالحجر الأسود والركن، قال ابن عباس رضى الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضاً من اللبن، وإنما سوده خطايا ابن آدم"تفسير : . وعن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الحجر "حديث : والله ليبعثنه الله يوم القيامة، وله عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، ويشهد على من استلمه بحق"تفسير : . وعن عمرو بن العاص سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولو لم يطمس الله نورهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب ". تفسير : {وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ}: مصدر مضاف لمفعول، وقرأ حمزة والكسائى وعاصم فى رواية حفص بكسر الحاء على لغة نجد، وهو أيضاً مصدر، كما قال سيبويه أنه يجوز، يكون مصد كالمعنوى، وقيل: هو بمعنى العمل، والمفتوح مصدر. {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ}: أى إلى البيت، أو إلى الحج. {سَبِيلاً}: من بدل بعض من الناس، والرابط محذوف، أى على الناس من استطاع منهم إليه سبيلا، كما فى المعنى، ولو كان فيه الفصل بين البدل والمبدل منه بأجنبى وهو المبتدأ لأنه جائز، فصح، وإما أن تجعل من فاعلا للمصدر، وهو حج بعد أن أضيف للمفعول، فيلزم عليه أن يكون المعنى: لله على الناس أن الحج مستطيعهم، ولا يصح إلا على معنى أنه لو لم يحج المستطيعون فى عام لهلك الناس كلهم، من يتكلف المشى أو الركوب، والمؤنة تكلفاً فيمكنه، ومن لا طاقة له على ذلك، ولو بتكلف وهو معنى ضعيف، وإضافة المصدر لمفعوله، ورفع فاعله، ليست بشاذة على الصحيح، لكن قليلة فصيحة، قرأ ابن عامر: ذكر رحمة ربك عبده زكريا، برفع عبد وزكريا، وعبد فاعل ذكر، ورحمة مفعول مضاف إليه. وقال الكسائى كما فى المعنى، وإن من مبتدأ، أى من استطاع إليه سبيلا فليحج، ولله: خبر وعلى الناس: متعلق بما تعلق به لله، أو بمحذوف حال من ضمير الاستقرار فى لله، واستطاعة السبيل عندنا: الزاد والراحلة وأمن الطريق ومؤنة من تلزم له حتى يرجع، وصحة البدن، ومرافقة اثنين معه أو ثلاثة فصاعداً، ووجود دليل الطريق من موضع إلى موضع، أو إلى مكة بمثرن، وعدم دين لمخلوق أو للخالق ينقص ماله عن الكفاية، ولا يعد عليه مسكنه الذى لا بد له منه، واختلف هل تعد أصوله؟ وذلك أن الواحد شيطان وغاو، والاثنين شيطانان وغاويان، وحق النفس أعظم فلا يترك من لزمه إنفاقه للضيعة، فلا بد من شرط المؤنة، لمن لزمت له وهب أن لزوجته مالا، لكن لا يحكم عليها أن تنفق من مالها، وعن ابن عمر: حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال: "الزاد والراحلة"تفسير : ومعلوم أنه لا يكلف من لا يمسك نفسه على الراحلة، أو فى السفينة ولا يقوم بنفسه أن يسافر للحج، ولا حج على أعمى إلا إن وجد هو أو غيره من المرضى من يقوم بهم، ويقود، ومن لم يستطع وحج كفاه، ولا يكلف على مجنون أو صبى فإن حج أحدهما لو يجزه، فإذا بلغ أو أفاق لم يلزمه الحج إلا إن استطاعه بعد البلوغ، أو الإفاقة، وللصبى أجر، والمشرك مخاطبٌ بالحج وسائر الفرائض، لكن إن على الصحيح أسلم، لم يلزمه إلا إن استطاعه بعد الإسلام، ولا استطاعة للعبد إذ هو غير واجد للاستطاعة، لأنه مملوك فإن حج بلا إذن عصى أو بإذن أثيب هو وسيده، وعلى كل حال، إذا اعتق لزمه الحج إن استطاع بعد الحج، فإن خربت المنازل التى يجدد منها الزاد، لم يلزمه. وعن عكرمة: الاستطاعة الصحة، وأما ما لا يصل الحج إلا كالزاد والدليل فمأخوذ عنده من خارج كالحديث، والتكليف بما يطاق فقط، وعليه فلا حج على مريض، ولو وجد أن يمسك نفسه على الراحلة أو فى السفينة. وقال الضحاك: إذا كان شابا صحيحاً فليؤجر نفسه حتى يقضى نسكه، وكذا قال مالك: يلزم الحج من أطاق المشى، ويستأجر نفسه. وقال الشافعى من لا يقدر أن يثبت على راحلته، وقدر على ما يأمره أن يحج عنه، أو يستأجر من يحج له لزمه الحج بما ذكر، ومذهب الشافعى كمذهبنا، إلا أنه زاد فرض الحج على من لا يستطيع بجسده أن يحج غيره بماله إن قدر. وقال: إن كان رصد على الخفارة فلا يجب الحج، وفى المسألة قولان: الصحيح أنه يجب إن كان ماله يفى بها. {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}: أى من ترك الحج كفراً به، أو تركه تهاوناً وكسلا، وهو قادر ولم يوص به بدليل الأحاديث فإن مضرة ذلك عائدة إليه، لأن الله لا يحتاج إلى العالمين ولا يصله نفع منهم ولا ضر، وذكر ترك الحج بذكر الكفر تأكيداً لوجوبه وتغليظاً على تركه. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا"تفسير : وعن على بن أبى طالب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا" تفسير : وذلك أن الله تعالى قال: {أية : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} تفسير : انتهى الحديث وهو قوى بأحاديث أخر، ولو كان فى سنده ضعف، وقيل المراد بمن كفر: هو من إن حج لم يره برا، وإن لم يحج لم يره إثماً، وعن بعض: نزلت الآية فى اليهود وغيرهم من أصحاب الملل، إذ قالوا: إنا مسلون رد الله عليهم بأنهم كفار مغضوب عليهم، إذا نكر منكرهم الحج ورآه من رآه منهم غير واجب، روى حديث : أنه لما نزل الله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال: "إن الله كتب عليكم الحج فحجوا"تفسير : فآمنوا به ملة واحدة وهو المسلمون، وكفرت به خمس ملل قالوا: لا نؤمن به ولا نصلى إليه، ولا نحجه، فنزل {وَمَن كَفَرَ فَإنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العَالمِينَ}. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : حجوا قبل أن لا تحجوا، حجوا قبل أن يمنع البر نفسه"تفسير : . وعن ابن مسعود رضى الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : حجوا هذا البيت قبل أن تنبت فى البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا نفقت"تفسير : . وعن عمر رضى الله عنه: لو ترك الناس الحج عاماً واحداً ما توصروا. وعن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلى الجنة"تفسير : . وعنه صلى الله عليه وسلم من طريق أبى هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من حج لله عز وجل"تفسير : - وفى لفظ: "حديث : من حج هذا البيت - فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه"تفسير : . وفى رواية "حديث : غفر له ما تقدم من ذنبه"تفسير : . وعن ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب والفقر كما ينفى الكبير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس الحجة مبرورة ثواب إلا الجنة، وما من مؤمن يظل يومه محرماً إلا غابت الشمس بذنوبه"تفسير : . وعن سهل بن سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من مسلم لبى إلا لبى ما عن يمينه وعن شماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا، وهاهنا"تفسير : . وعن ابن عباس، عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من طاف بالبيت خمسين مرة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"تفسير : خمسون شوط لكن يزيد شوطاً ليتم سبعة أشواط ولعله أراد خمسين أسبوعاً.
اطفيش
تفسير : {فِيهِ} أى فى حرمه، فحذف المضاف، أو فى الحرم المدلول عليه بالسياق، أو فى البيت معبرا به عما يجاوره من الحرم {ءَايَآتٌ بَيِّنَاتٌ} واضحات على احترامه، كانحراف الطير عن أن تعلوه فى طيرانها إلى الآن، إلا إن مرضت فتدخل هواءه فوقه لتشفى، وهذا لا ينضبط لكثرة ما تعلوه، وكعدم تعرض السباع للصيد فى الحرم كما يتبع سبع من الطير أو الوحش طائراً أو غيره فيدخل الحرم، فيرجع عنه، ولقلة حجارة الرمى مع كثرة الرماة، فإنها ترفع بالقبول، وكل ركن منه وقع الغيث فيما يقابله من الأرض وقع الخصب فيما يليه من البلاد، فإذا وقع فيها يقابل ركن اليمن وقع الخصب فى اليمن وهكذا، أو آيات الحرم كلها آيات له، لأنها من أجله، وأما تعرض الهر لحمام مكة فلأنه تكيف بكيفية النَّاس المجاورين له، فصار كالإنسان المتعدى فى الحرم، إلا أنه لا إثم عليه، وكقهر كل جبار قصده، كأصحاب الفيل، وكقوم من الإنجيلز قبل وقتى هذه بخمس سنين، لبسوا لباس أهل التوحيد وجاءوا عرفة، فنزلت صاعقة من السماء فأحرقتهم دون سائر أهل عرفة، وذلك لحرمة البيت والمناسك، ولو كانت عرفات خارجة عن الحرم، والجملة إما مستأنفة وإما حال أخرى، لا حال من ضمير للعالمين، لأنه عائد لهدى، فيكون المعنى، هدى ثابتا للعالمين فى حال أن فى البيت آيات بينات، ولا رابط من ضمير، أو واو حال، وإن رجعنا الهاء للهدى كان المعنى فى حات ثبوت آيات بينات فى الهدى، وهذا لا يصح، وإما حال من ضمير مباركا، ولا يجوز أن يكون نعتا لهدى لما مر من منع الحال فيه {مَّقَامُ إبْرَاهِيمَ} منها مقام إبراهيم، أو عطف بيان، ولو اختلفا تعريفا وتنكيرا عند بعض، لا بدل بعض لعدم الرابط، إلا أن يقدر محذوف، أى منها، وعلى البيان تكون الآيات نفس مقام، فالمقام هو الآيات، لأن فيه أثر قدم إبراهيم، وهو صخرة صماء وأنها غاصت فيه إلى الكعبين، وأنه لان من بين الصخور، وأنه باق ومحفوظ مع كثرة الأعداء آلاف السنين، فبين إبراهيم والهجرة ألفان وثمانمائة سنة وثلاث وتسعون سنة، وعلى زعم اليهود ألفان وأربعمائة واثنتان وأربعون سنة، وذلك أثر قدم واحدة، وقيل قدمين، وهو الحجر الذى يبنى البيت وهو عليه، ونادى عليه: أيها الناس، حجوا بيت ربكم، وتعمد عليه من ظهر راحلته فرجلت أم إسماعيل رأسه، ثم تعمد عليه من الجانب الأيسر، واندرس الأثر من كثرة المسح عليه بالأيدى {وَمَن دَخَلَهُ} الهاء للبيت بمعنى الحرم عَلَى ما مر، أو على الاستخدام {كَانَ ءَامِناً} أو لم يروا أنا جعلناه حرماً آمناً، قال إبراهيم: رب اجعل هذا البلد آمناً، يلتجىء إليه القاتل فلا يقتل حتى يخرج فى الجاهلية والإسلام، ولا يؤوى فى الإسلام حتى يخرج فيقتل عندنا وعند أبى حنيفة، وقال الشافعى وغيره: يقتل فيه، وكذا الخلف إذا لزمه الرجم للزنا، أو القتل للردة، وإن فعل فيه موجب قتل فإنه يقتل فيه إجماعا. قال عمر رضى الله عنه: لو ظفرت فيه يقاتل الخطاب، يعنى أباه، ما مسسته،وقال ابن عمر: لو ظفرت فيه يقاتل عمر لم أمسه حتى يخرج، ويقتص فيه يمادون القتل، والجاهلية يخطفون المال من الحل ولا يخطفون من الحرم، قال الله جل وعلا: {ويتخطف الناس من حولهم}، وقيل: آمنا من النار، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من مات فى أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا" تفسير : ، وعن ابن عمر.من قبر فى مكة مؤمنا بعث آمنا يوم القيامة، وعنه صلى الله عليه وسلم، حديث : الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وبنثران فى الجنةتفسير : ، قال ابن مسعود وقف صلى الله عليه وسلم على ثنية الحجون ولا مقبرة فيها فقال: "حديث : يبعث الله تعالى من هذه البقعة ومن هذا الحرم سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر"تفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائتى سنة" تفسير : {وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حجُّ البَيْتِ} حج مبتدأ خبره الله، وعَلَى متعلق بالله أ لأنه ناب عن ثابت أو ثبت المقدر، أو بمحذوف حال من المستتر فى لله، ولا يحسن جعل وجعل الله متعلقاً به أو بالمقدر، أو حالا من الضميرالمقدر، لأن للعامل المعنوى لا يتقدم عليه معموله فى الأفصح ولو ظرفا، وإن قدرنا الكون خاصا مثل واجب فلا ضمير فى لله، وحذف لفظ واجب، وهو خبر مع الضمير فيه، فيتعلقان بواجب، أو الثانى بحال من ضمير واجب، والحج القصد، أى القصد للبيت بوجه مخصوص، وهو الإحرام والوقوف والطواف وسائر ما يجب فى ذلك {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} أى على مستطيعهم، فمن بدل بعض من الناس، والرابط محذوف، أى من استطاع منهم، ويضعف أن يراد بالناس مخصوص، فيكون من يدل كل، والمخصوصون من قدر بمعنى جنس القادرين الذين رأيتموهم يحجون، وقدر بعض أعنى من استطاع، وكون من فاعل حج فيكون الوجوب على المجموع لا عَلَى الجميع، أو بمعنى يجب عليهم أن يأمروا مستطيعهم بالحج، وعَلَى كل حال المراد المستطيع طريقاً بالزاد والراحلة كما رواه الحاكم والدارقطنى، ودخل فيه أمان الطريق ومرافقته الأصحاب، وروى الدراقطنى أيضا، ظهر بعير، وصحة الأبدان، ووجود الدليل، ووفقه الأهل الواجبة حتى يرجع، إذ لا منفعة فى الزاد والراحلة مع عدم الدليل، لأنهم يضلون، ولا مع المرض إذ لا يتماسك عَلَى الراحلة، أو لا يدرى كيف يؤذى، ولا مع عدم الأصحاب لأن الواحد شيطان والاثنين شيطانان، ولا مع الخوف من عدو أو سبع، إذ قد يموت، فأين الحج، ولا مع تضييع حق الأهل فى النفقة، ومن قدر عَلَى المشى لقوته أو للقرب لم تشترط له الراحلة، فظهر أن ما ذكر فى الأحاديث السابقة ليس عَلَى الحصر، وقد روى البيهقى عن ابن عباس موقوفا،إن السبيل صحة البدن وثمن الزاد والراحلة من غير أن يجحف به،وما ذكرته هو مذهبنا ومذهب أبى حنيفة، وأما الشافعى فاقتصر عَلَى ما فى الحديث، وأما مالك فيقول بالمال أو بالقوة، فأوجب على القادر أن يحج برجليه ويكسب، والآية تشمل المشركين، فيجب عليهم أن يسلموا مطلقا ويحجوا إن استطاعوا، وهم مخاطبون بالفروع لهذه الآية ونحوها كالأصول، ولا إشكال فى قولك، يجب عَلَى المشرك الحج، فإن لم يحج أو كفر بالحج فإن الله غنى، نعم يثقل لأنه كان شرط الإسلام، وأن الخطاب فى سائر العبادات للمؤمنين فليكن هذا من ذلك، والآية حجة عَلَىأن الاستطاعة قبل الفعل، وقولك هى مع الفعل لا قبله إلا الحج فقبله لا يتم، إذ لا يتصور الفرق بين الحج وغيره، والاستطاعة بمعنى سلامة الآلة قبل الفعل مطلقا، وبمعنى علاجه معه مطلقا {وَمَن كَفَرَ} بالله أو بالحج، وقال ليس عبادة، أو ليس واجبا {فَإِن اللهَ غَنِىٌّ عَنِ العَالَمِينَ} مؤمنيهم وكافريهم، جنهم وإنسهم، وملائكتهم، وإنما منفعة المطيع له، ولا يحتاج الله لشىء، وذلك الكافر من جملة العالمين، فإن الله غنى عن عبادته، أو أراد بالعالمين من كفر لما نزل ولله الآية، جمع صلى الله عليه وسلم الملل الست وقال: حديث : إن الله كتب عليكم الحج فحجواتفسير : ، فآمنت به ملة، وكفرت به خمس، فنزل قوله تعالى: {ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين}، ونزل فى خصوص أهل الكتاب، لأنهم أحق بالإيمان قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ} تجحدون {بِأيآتِ اللهِ} القرآن وسائر الوحى إلىَّ وسائر معجزاتى الدال ذلك كله عَلَى صدقى فيما أقول، من وجوب الحج وغيره، وقيل المراد بقوله، ومن كفر من لم يحج تغليظاً، كأنه مشرك، كما جاء فى الحديث، حديث : من قدر ولم يحج بلا عذر، فإن شاء مات يهوديا أو نصرانيا تفسير : وكما هدد عمر أهل المستطيعين بضرب الجزية، وقال والله ما هم بمسلمين، والله ما هم بمسلمين، والآية ظاهرة فى أن أهل الشرك، ولو احتملت الكفر العام بكفر الشرك وكفر النفاق، وفى الحديث، حديث : ومن ترك الحج لا يخاف عقوبة ومن حج لا يرجو ثوابا كفرتفسير : ، والله غنى عن العالمين، وكان أهل الكتاب ينكرون وجوبه، ونزلت الآية ردا عليهم، كما قال {وَاللهُ شَهِيدٌُ عَلَى مَا تَعْمَلُون} فيجازيكم عَلَى تحريفكم وسائر أعمالكم، وخصهم لأن كفرهم أقبح إذ معرفتهم بالآيات أقوى، ويشاهدون صدقه فى كتبهم، فهم كافرون بكتبهم إذ أنكروا ما فيها، ولو زعموا أنهم آمنوا.
الالوسي
تفسير : {فِيهِ ءايَـٰتٌ بَيّـنَـٰتٌ } كإهلاك من قصده من الجبابرة بسوء كأصحاب الفيل وغيرهم وعدم تعرض ضواري السباع للصيود فيه وعدم نفرة الطير من الناس هناك، وإن أيّ ركن من البيت وقع الغيث في مقابلته كان الخصب فيما يليه من البلاد فإذا وقع في مقابلة الركن اليماني كان الخصب باليمن، وإذا كان في مقابلة الركن الشامي كان الخصب بالشام؛ وإذا عم البيت كان في جميع البلدان وكقلة الجمرات على كثرة الرماة إلى غير ذلك وعدوا منه انحراف الطير عن موازاته على مدى الأعصار، وفيه كلام للمحدثين لأن منها ما يعلوه، وقيل: لا يعلوه إلا ما به علة للاستشفاء، واعترض بأن العقاب علته لأخذ الحية، وقيل: إن الطير المهدر دمها تعلوه والحمام مع كثرته لا يعلوه وبه جمع بعضهم بين الكلامين ـ ومع هذا في القلب منه شيء ـ فقد نقل بعض الناس أنه شاهد أن الطير مطلقاً تعلوه في بعض الأحايين / والضمير المجرور عائد على {أية : ٱلْبَيْتِ } تفسير : [آل عمران: 96]، والظرفية مجازية وإلا لما صح عدّ هذه الآيات، والجملة إما مستأنفة جىء بها بياناً وتفسيراً للهدى، وإما حال أخرى ولا بأس في ترك الواو في الجملة الاسمية الحالية على ما أشار إليه عبد القاهر وغيره، وجوز أن تكون حالاً من الضمير في العالمين والعامل فيه هدى، أو من الضمير في {أية : مُبَارَكاً} تفسير : [آل عمران: 96] وهو العامل فيها، أو يكون صفة لهدى كما أن العالمين كذلك. وقوله تعالى: {مَقَامُ إِبْرٰهِيمَ } مبتدأ محذوف الخبر أو خبر محذوف المبتدأ أي منها أو أحدها مقام إبراهيم، واختار الحلبـي الأخير، وقيل: بدل البعض من الكل وإليه ذهب أبو مسلم، وجوز بعضهم أن يكون عطف بيان وصح بيان الجمع بالمفرد بناءاً على اشتمال المقام على آيات متعددة لأن أثر القدمين في الصخرة الصماء آية وغوصهما فيها إلى الكعبين آية وإلانة بعض هذا النوع دون بعض آية وإبقاؤه على ممر الزمان آية وحفظه من الأعداء آية أو على أن هذه الآية الواحدة لظهور شأنها وقوة دلالتها على قدرة الله تعالى ونبوة إبراهيم عليه السلام منزلة منزلة آيات كثيرة، وأيد ذلك بما أخرجه ابن الأنباري عن مجاهد أنه كان يقرأ ـ فيه آية بينة ـ بالتوحيد، وفيه أن هذا وإن ساغ معنى إلا أنه يرد عليه أن {ءايَـٰتٌ } نكرة، و {مَقَامُ إِبْرٰهِيمَ } معرفة، وقد صرح أبو حيان أنه لا يجوز التخالف في عطف البيان بإجماع البصريين والكوفيين، ثم إن سبب هذا الأثر في هذا المقام ما ورد في الأثر عن سعيد بن جبير أنه لما ارتفع بنيان الكعبة قام على هذا الحجر ليتمكن من رفع الحجارة فغاصت فيه قدماه وقد تقدم غير ذلك في ذلك أيضاً. {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً } الضمير المنصوب عائد إلى {مَّقَامُ إِبْرٰهِيمَ } بمعنى الحرم كله على ما قاله ابن عباس لا موضع القدمين فقط، ويمكن أن يكون هناك استخدام، وقال الجصاص: ((أورد الآيات المذكورات في الحرم، ثم قال: {وَمَن دَخَلَهُ } الخ فيجب أن يكون المراد جميع الحرم))، والجملة إما ابتدائية وليست بشرطية وإما شرطية عطف كما قال غير واحد من حيث المعنى على {مَّقَامُ } لأنه في المعنى أمْنُ مَنْ دخله أي ومنها أو ثانيها أمْنُ مَن دخله أو ـ فيه آيات مقام إبراهيم ـ وَأمْنُ مَن دخله وعلى هذا لا حاجة إلى ما تكلف في توجيه الجمعية لأن الآيتين نوع من الجملة كالثلاثة والأربعة، ويجوز أن يذكر هاتان الآيتان ويطوي ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات، ومثل هذا الطي واقع في الأحاديث النبوية والأشعار العربية، فالأول: كرواية «حديث : حبب إليَّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة» تفسير : على ما هو الشائع وإن صححوا عدم ذكر ثلاث، وأما الثاني: فمنه قول جرير:شعر : كانت حنيفة (أثلاثاً) فثلثهم من العبيد (وثلث من مواليها) تفسير : و {مِنْ } إما للعقلاء أو لهم ولغيرهم على سبيل التغليب لأنه يأمن فيه الوحش والطير بل والنبات فحينئذٍ يراد بالأمن ما يصح نسبته إلى الجميع بضرب من التأويل، وعلى التقدير الأول يحتمل أن يراد بالأمن الأمن في الدنيا من نحو القتل والقطع وسائر العقوبات، فقد أخرج ابن أبـي حاتم عن الحسن في الآية أنه قال: كان الرجل في الجاهلية يقتل الرجل ثم يدخل الحرم فيلقاه ابن المقتول أو أبوه فلا يحركه. وأخرج ابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه قال: لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. وأخرج ابن جرير عن ابنه أنه قال: لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هجته؛ وعن ابن عباس لو وجدت قاتل أبـي في الحرم لم أتعرض له، ومذهبه في ذلك أن من قتل أو سرق في الحل ثم دخل الحرم فإنه لا يجالس ولا يكلم/ ولا يؤذى ولكنه يناشد حتى يخرج فيؤخذ فيقام عليه ما جرّ فإن قتل أو سرق في الحرم أقيم عليه في الحرم والروايات عنه في ذلك كثيرة وقد تقدم تفصيل الأقوال في المسألة، وأما أن يراد به كما ذهب إليه الصادق رضي الله تعالى عنه الأمن في الآخرة من العذاب، فقد أخرج عبد بن حميد وغيره عن يحيـى بن جعدة أن من دخله كان آمناً من النار، وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من دخل البيت دخل في حسنة، وخرج من سيئة مغفوراً له»تفسير : ، وروي من غير طريق عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة»تفسير : ، وفي رواية عن ابن عمر قال: من قبر بمكة مسلماً بعث آمناً يوم القيامة، ويجوز إرادة العموم بأن يفسر بالأمن في الدنيا والآخرة ولعله الظاهر من إطلاق اللفظ. {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } جملة ابتدائية المبتدأ فيها {حِجُّ} والخبر لله وعلى الناس متعلق بما تعلق به الخبر أو بمحذوف وقع حالاً من المستتر في الجار والمجرور والعامل فيه الاستقرار. وجوز أن يكون على الناس خبراً، ولله متعلق بما تعلق به، ولا يجوز أن يكون حالاً من المستكن في الناس لأن العامل في الحال حينئذٍ يكون معنى، والحال لا يتقدم على العامل المعنوي عند الجمهور، وجوزه ابن مالك إذا كان الحال ظرفاً أو حرف جر وعامله كذلك بخلاف الظرف وحرف الجر فإنهما لا يتقدمان على عاملهما المعنوي، وجوز أن يرتفع الحج بالجار الأول أو الثاني وهو في اللغة مطلق القصد أو كثرته إلى من يعظم، والمراد به هنا قصد مخصوص غلب فيه حتى صار حقيقة شرعية، وأل في البيت للعهد، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص {حِجُّ} بالكسر كعلم وهو لغة نجد. {مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } بدل من {ٱلنَّاسِ} بدل البعض من الكل والضمير في البدل مقدر أي منهم، وقيل: بدل الكل من الكل، والمراد من الناس خاص ولا يحتاج إلى ضمير، وقيل: خبر لمحذوف أي هم من استطاع أو الواجب عليه من استطاع وجوز أن يكون منصوباً بإضمار فعل أعني وأن يكون فاعل المصدر وهو مضاف إلى مفعوله أي ـ ولله على الناس أن يحج من استطاع منهم البيت ـ وفيه مناقشة مشهورة، و {مَنْ } على هذه الأوجه موصولة. وجوز أن تكون شرطية والجزاء محذوف يدل عليه ما تقدم، أو هو نفسه على الخلاف المقرر بين البصريين والكوفيين ولا بد من ضمير يعود من جملة الشرط {عَلَى ٱلنَّاسِ } والتقدير من استطاع منهم إليه سبيلاً فللَّه عليه أن يحج، ويترجح هذا بمقابلته بالشرط بعده، والضمير المجرور للبيت أو للحج لأنه المحدث عنه، وهو متعلق بالسبيل لما فيه من معنى الإفضاء وقدم عليه للاهتمام بشأنه. والاستطاعة في الأصل استدعاء طواعية الفعل وتأتيه، والمراد بالاستدعاء الإرادة وهي تقتضي القدرة فأطلقت على القدرة مطلقاً أو بسهولة فهي أخص منها وهو المراد هنا، وسيأتي تحقيقه قريباً إن شاء الله تعالى، والقدرة إما بالبدن أو بالمال أو بهما، وإلى الأول: ذهب الإمام مالك فيجب الحج عنده على من قدر على المشي والكسب في الطريق، وإلى الثاني: ذهب الإمام الشافعي ولذا أوجب الاستنابة على الزمن إذا وجد أجرة من ينوب عنه، وإلى الثالث: ذهب إمامنا الأعظم رضي الله تعالى عنه، ويؤيده ما أخرجه البيهقي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: السبيل أن يصح بدن العبد ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يجحف به. واستدل الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه بما أخرجه الدارقطني عن جابر بن عبد الله قال: «حديث : لما نزلت هذه الآية {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } قام رجل فقال: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: «الزاد والراحلة»تفسير : وروي هذا من طرق شتى وهو ظاهر فيما ذهب إليه الشافعي حيث قصر الاستطاعة على المالية دون البدنية، وهو مخالف لما ذهب إليه الإمام مالك مخالفة ظاهرة، وأما إمامنا فيؤول ما وقع فيه بأنه بيان لبعض شروط الاستطاعة بدليل أنه لو فقد أمن الطريق مثلاً لم يجب الحج عليه، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم لم يتعرض لصحة البدن لظهور الأمر كيف لا والمفسر في الحقيقة هو السبيل الموصل لنفس المستطيع إلى البيت وذا لا يتصور بدون الصحة، ومما يؤيد أن ما في الحديث بيان لبعض الشروط أنه ورد في بعض الروايات الاقتصار على واحد مما فيه، فقد أخرج الدارقطني أيضاً عن علي كرم الله تعالى وجهه «حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم سئل عن السبيل فقال: أن تجد ظهر بعير»تفسير : ولم يذكر الزاد. هذا واستدل بالآية على أن الاستطاعة قبل الفعل وفساد القول بأنها معه، ووجه الاستدلال ظاهر، وأجيب بأن الاستطاعة التي ندعي أنها مع الفعل هي حقيقة القدرة التي يكون بها الفعل وتطلق الاستطاعة على معنى آخر هو سلامة الأسباب والآلات والجوارح أي كون المكلف بحيث سلمت أسبابه وآلاته وجوارحه ولا نزاع لنا في أن هذه الاستطاعة قبل الفعل وهي مناط صحة التكليف وما في الآية بهذا المعنى كذا قالوا. وتحقيق الكلام في هذا المقام على ما قالوا: إن المشهور عن الأشعري أن القدرة مع الفعل بمعنى أنها توجد حال حدوثه وتتعلق به في هذه الحال ولا توجد قبله فضلاً عن تعلقها به، ووافقه على ذلك كثير من المعتزلة كالنجار ومحمد بن عيسى وابن الراوندي وأبـي عيسى الوراق وغيرهم، وقال أكثر المعتزلة: القدرة قبل الفعل وتتعلق به حينئذٍ ويستحيل تعلقها به قبل حدوثه، ثم اختلفوا في بقاء القدرة فمنهم من قال: ببقائها حال وجود الفعل وإن لم تكن القدرة الباقية قدرة عليه ومنهم من نفاه، ودليلهم على ذلك وجوه: الأول: أن تعلق القدرة بالفعل معناه الإيجاد وإيجاد الموجود محال لأنه تحصيل الحاصل بل يجب أن يكون الإيجاد قبل الوجود ولهذا صح أن يقال: أوجده فوجد، وأجيب بأن هذا مبني على أن القدرة الحادثة مؤثرة وهو ممنوع وعلى تقدير تسليمه يقال: إيجاد الموجود بذلك الوجود الذي هو أثر ذلك الإيجاد جائز بمعنى أن يكون ذلك الوجود الذي هو به موجود في زمان الإيجاد مستنداً إلى الموجد ومتفرعاً على إيجاده، والمستحيل هو إيجاد الموجود بوجود آخر وتحقيقه أن التأثير مع حصول الأثر بحسب الزمان، وإن كان متقدماً عليه بحسب الذات وهذا التقدم هو المصحح لاستعمال الفاء بينهما. الثاني: إن جاز تعلق القدرة حال الحدوث يلزم القدرة على الباقي حال بقائه والتالي باطل، بيان الملازمة أن المانع من تعلق القدرة به ليس إلا كونه متحقق الوجود والحادث حال حدوثه متحقق الوجود أيضاً، وأجيب بأنا نلتزمه لدوام وجوده بدوام تعلق القدرة به أو نفرق بما يبطل به الملازمة من احتياج الموجود عن عدمه إلى المقتضى دون الباقي فلو لم تتعلق القدرة بالأول لبقي على عدمه وقد فرض وجوده هذا خلف، ولو لم تتعلق بالثاني لبقي على الوجود وهو المطابق للواقع، أو ننقض الدليل أولاً: بتأثير العلم أو العالمية بالاتفاق فإن ذلك مشروط حال حدوث الفعل دون بقائه، وثانياً: بتأثير الفعل في كون الفاعل فاعلاً فإنّ الفعل مؤثّر في ذلك حال الحدوث وبتقدير كون الفعل باقياً لا يؤثر حال البقاء، وثالثاً: بمقارنة الإرادة إذ يوجبونها حال الحدوث دون البقاء فكذا الحال في القدرة. / الثالث: إن كون القدرة مع الفعل يوجب حدوث قدرة الله تعالى أو قدم مقدوره وكلاهما باطلان بل قدرته أزلية وتعلقها في الأزل بمقدوراته فقد ثبت تعلق القدرة بمقدوراتها قبل الحدوث ولو كان ممتنعاً في القدرة الحادثة لكان ممتنعاً في القدرة القديمة وليس فليس، وأجيب بأن القدرة القديمة الباقية مخالفة في الماهية للقدرة الحادثة التي لا يجوز بقاؤها عندنا فلا يلزم من جواز تقدمها على الفعل جواز تقدم الحادثة عليه ثم إن القديمة متعلقة في الأزل بالفعل تعلقاً معنوياً لا يترتب عليه وجود الفعل ولها تعلق آخر به حال حدوثه موجب لوجوده فلا يلزم من قدمها مع تعلقها المعنوي قدم آثارها. الرابع: إنه يلزم على ذلك التقدير أن لا يكون الكافر في زمان كفره مكلفاً بالإيمان لأنه غير مقدور له في تلك الحالة المتقدمة عليه بل نقول: يلزم أن لا يتصور عصيان من أحد إذ مع الفعل لا عصيان وبدونه لا قدرة فلا تكليف، فلا عصيان، وأيضاً أقوى أعذار المكلف التي يجب قبولها لدفع المؤاخذة عنه هو كون ما كلف به غير مقدور له فإذا لم يكن قادراً على الفعل قبله وجب رفع المؤاخذة عنه بعدم الفعل المكلف به وهو باطل بإجماع الأمة، وأيضاً لو جاز تكليف الكافر بالإيمان مع كونه غير مقدور له فليجز تكليفه بخلق الجواهر والأعراض، وأجيب بأنه يجوز تكليف المحال عندنا فيلتزم جواز التكليف بالخلق المذكور، ولنا أن نفرق بأن ترك الإيمان إنما هو بقدرته بخلاف عدم الجواهر والأعراض فإنه ليس مقدوراً له أصلاً فلا يلزم من جواز التكليف بالإيمان جواز التكليف بخلقها، وبالجملة فكون الشيء مقدوراً الذي هو شرط التكليف عندنا أن يكون الشيء أو ضده متعلقاً للقدرة، وهذا حاصل في الإيمان لأن تركه لتلبسه بضده مقدور له حال كفره بخلاف إحداث الجواهر والأعراض فإنه غير مقدور له أصلاً لا فعلاً ولا تركاً فلا يجوز التكليف به، وأما ما ذكر من قضية الأعذار ووجوب قبولها فمبني على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين وقد أقيمت الأدلة على بطلانهما في محله كذا في «المواقف» و «شرحه». ودليل ما شاع عن الأشعري قيل: هو أن القدرة عرض يخلقه الله تعالى في الحيوان يفعل به الأفعال الاختيارية فيجب أن تكون مقارنة للفعل بالزمان لا سابقة عليه وإلا لزم وقوع الفعل بلا قدرة لما برهن عليه من امتناع بقاء الأعراض؛ واعترض عليه بما في أدلة امتناع بقاء الأعراض من النظر القوي وأنه قد يقال على تقدير تسليم الامتناع المذكور لا نزاع في إمكان تجدد الأمثال عقيب الزوال فمن أين يلزم وقوع الفعل بدون القدرة؟ وأجيب بأنا إنما ندعي لزوم ذلك إذا كانت القدرة التي بها الفعل هي القدرة السابقة، وأما إذا جعلتموها المثل المتجدد المقارن فقد اعترفتم بأن القدرة التي بها الفعل لا تكون إلا مقارنة، ثم إن ادعيتم أنه لا بد لها من أمثال تقع حتى لا يمكن الفعل بأول ما يحدث من القدرة فعليكم البيان. وفيه أن هذا قول بأن نفي وجود المثل السابق ليس داخلاً في دعوى الأشعري وهو خلاف ما علم مما تقدم في تقرير مذهبه، وذكر في «المواقف» دليلاً آخر للأشعري على ما ادعاه ونظر فيه أيضاً. ـ هذا كلامهم ـ والحق عندي في هذه المسألة أن شرط التكليف هو القوة التي تصير مؤثرة بإذن الله تعالى عند انضمام الإرادة التابعة لإرادة الله تعالى لقوله سبحانه: {أية : لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } تفسير : [البقرة: 286] وإيضاحه أنه تعالى كما أنه غني بالذات عن العالمين كذلك حكيم جواد وكما أن غناه الذاتي أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد كذلك مقتضى جوده ورحمته مراعاة ما اقتضته حكمته سبحانه كما أشار إليه العضد في «عيون الجواهر»، وأطال الكلام فيه أبو عبد الله الدمشقي في «شفاء العليل»./ ومن المعلوم أن الحكمة لا تقتضي أن يؤمر بالفعل من لا يقدر على الامتثال وينهى عنه من لا يقدر على الاجتناب فلا بد بمقتضى الحكمة التي رعاها سبحانه فيما خلق وأمر فضلاً ورحمة أن يكون التكليف بحسب الوسع وإذا كان كذلك كان شرط التكليف هو القوة التي تصير مؤثرة إذا انضم إليها الإرادة وهذه قبل الفعل، والقدرة التي هي مع الفعل هي القدرة المستجمعة لشرائط التأثير التي من جملتها انضمام الإرادة إليها، وبهذا جمع الإمام الرازي ـ كما في «المواقف» ـ بين مذهب الأشعري القائل بأن القدرة مع الفعل، والمعتزلة القائلين بأنها قبله، وقال: لعل الأشعري أراد بالقدرة القوة المستجمعة لشرائط التأثير فلذلك حكم بأنها مع الفعل وأنها لا تتعلق بالضدين، والمعتزلة أرادوا بالقدرة مجرد القوة العضلية فلذلك قالوا بوجودها قبل الفعل وتعلقها بالأمور المتضادة وهو جمع صحيح، وقول السيد قدس سره ـ في توجيه البحث الذي ذكره صاحب «المواقف» فيه بأن القدرة الحادثة ليست مؤثرة عند الشيخ فكيف يصح أن يقال: إنه أراد بالقدرة القوة المستجمعة لشرائط التأثير ـ مدفوع بما تبين في «الإبانة» التي هي آخر مصنفاته. والمعتمد من كتبه كما صرح به ابن عساكر والمجد بن تيمية وغيرهما أن الشيخ قائل بالتأثير للقدرة المستجمعة للشرائط لكن لا استقلالاً كما يقوله المعتزلة بل بإذن الله تعالى وهو معنى الكسب عنده، وأما قوله في شرح المواقف»: إن أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها ليس لقدرتهم تأثير فيها بل الله تعالى أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختياراً فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارناً لهما فيكون فعل العبد مخلوقاً لله تعالى إبداعاً وإحداثاً ومكسوباً للعبد، والمراد بكسبه إياه مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير ومدخل في وجوده سوى كونه محلاً له، وهو مذهب الشيخ أبـي الحسن الأشعري، ففيه بحث من وجوه: أما أولاً: فلأن هذا ليس مذهب الشيخ المذكور في آخر تصانيفه التي استقر عليها الاعتماد وذكره في غيره إن سلم لا يعول عليه لكونه مرجوحاً مرجوعاً عنه وأما ثانياً: فلأن التكليف في صرائح الكتاب والسنة إنما تعلق أمراً أو نهياً بالأفعال الاختيارية أنفسها لا بمقارنة القدرة والإرادة لها فمكسوب العبد نفس الفعل الاختياري، والمراد بكسبه إياه تحصيله إياه بتأثير قدرته بإذن الله تعالى لا مستقلاً، فالقول بأن المراد بكسب العبد للفعل هو مقارنة الفعل لقدرته وإرادته من غير تأثير لا يوافق ما اقتضاه صرائح الكتاب والسنة ونصوص «الإبانة»، ويزيده وضوحاً حديث أبـي هريرة «أنه حديث : لما نزل {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ} [البقرة: 284] اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جثوا على الركب فقالوا: يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها» تفسير : الحديث فإنه صريح بأن الذي كلفوا به ما يطيقونه من نفس الأعمال وهو نفس الصلاة وأخواتها لا مقارنتها لقدرتهم وإرادتهم وأقرهم صلى الله عليه وسلم على ذلك وأما ثالثاً: فلأن مقارنة الفعل لقدرة العبد وإرادته لو كانت هي الكسب لكانت هي المكلف بها ولو كانت كذلك لكان التكليف بما لا يطاق واقعاً لأن المقارنة أمر يترتب على فعل الله تعالى أي على إيجاد الله تعالى الفعل الاختياري مقارناً لهما وما يترتب على فعل الله تعالى ليس مقدوراً للعبد أصلاً لأن معنى كون الشيء مقدوراً له أن يكون ممكن الإيقاع بقدرته عند تعلق مشيئته به الموافقة لمشيئة الله تعالى كما هو واضح من حديث «حديث : من كظم غيظه وهو قادر على أن ينفذه»تفسير : وما يترتب على فعل الله تعالى لا يكون مقدوراً للعبد بهذا المعنى إذ لو كان مقدوراً له ابتداءاً / لزم أن لا يكون مترتباً على فعل الله تعالى أو بواسطة لزم أن يكون فعل الله تعالى المترتب عليه هذا مقدوراً للعبد واللازم باطل بشقيه بعد القول بنفي التأثير أصلاً فكذا الملزوم وأما رابعاً: فلأن المقارنة لكونها مترتبة على فعل الله تعالى لا تختلف بالنسبة إلى العبد صعوبة وسهولة فلو كانت هي المكلف بها لاستوى بالنسبة إلى العبد التكليف بأشق الأعمال والتكليف بأسهلها مع أن نص الكتاب التكليف بحسب الوسع ونص السنة أن المملوك لا يكلف إلا ما يطيق شاهدان على التفاوت كما أن البديهة تشهد بذلك، واعترض هذا من وجوه الأول: أن القول بأن من المعلوم أن الحكمة لا تقتضي أن يؤمر بالفعل من لا يقدر على الامتثال يقتضي أن أفعال الله تعالى وأحكامه لا بدّ فيها من حكمة ومصلحة وهو مسلم لكن لا نسلم أنه لا بدّ أن تظهر هذه المصلحة لنا إذ الحكيم لا يلزمه اطلاع من دونه على وجه الحقيقة ـ كما قاله القفال في «محاسن الشريعة» ـ وحينئذٍ فما المانع من أن يقال هناك مصلحة لم نطلع عليها، ويجاب بأنا لم ندع سوى أن الله تعالى قد راعى الحكمة فيما أمر وخلق تفضلاً ورحمة لا وجوباً وهذا ثابت بقوله تعالى: {أية : صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْء}تفسير : [النمل: 88] وقوله سبحانه: {أية : أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء خَلَقَهُ }تفسير : [السجدة: 7] وبالإجماع المعصوم عن الخطأ بفضل الله تعالى وإن مقتضى الحكمة أن لا يطلب حصول شيء إلا ممن يتمكن منه ويقدر عليه كما تشهد له النصوص ولم ندع وجوب ظهور وجه الحكمة في جميع أفعاله وأحكامه ولا ما يستلزم ذلك وبيان وجه الحكمة لحكم واحد لا يستلزم دعوى الكلية ويؤول هذا إلى أن الله تعالى أطلعنا على الحكمة في هذا مع عدم وجوب الاطلاع عليه. والثاني: أن القول بأن التكليف في صرائح الكتاب والسنة إنما تعلق الخ فيه أنه ليس المراد مطلق المقارنة بل المقارنة على جهة التعلق فالكسب عبارة عن تعلق القدرة الحادثة بالمقدور من غير تأثير كما في عبارة غير واحد، فالأوامر والنواهي متعلقة بالأفعال التي هي اختيارية في الظاهر باعتبار هذا التعلق الذي لا تأثير معه وادعاء أنها صرائح في التعلق مع التأثير ممنوع بل هي محتملة ولو سلم أنها ظاهرة في التأثير، فالظاهر قد يعدل عنه لدليل خلافه، والقول بأنا لا نفهم من تعلق القدرة إلا تأثيرها وإلا فليست بقدرة، فكيف يثبت للقدرة تعلق بلا تأثير سؤال مشهور وجوابه: ما في «شرح المواقف» وغيره من أن التأثير من توابع القدرة، وقد ينفك عنها ويجاب بأن تفسير الكسب ـ بالتعلق الذي لا تأثير معه مراداً به التحصيل بحسب ظاهر الأمر فقط ـ مصادم للنصوص الناطقة بأن العبد متمكن من إيجاد أفعاله الاختيارية بإذن الله تعالى، ولا دليل على خلافه يوجب العدول، و {أية : ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } تفسير : [الرعد: 16] لا ينافي التأثير بالإذن على أن تعلق القدرة تابع للإرادة وتعلقها على القول بنفي التأثير بالكلية غير صحيح كما يشير إليه كلام الجلال الدواني في بيان مبادىء الأفعال الاختيارية، ويوضحه كلام حجة الإسلام الغزالي في كتاب التوحيد والتوكل من «الإحياء»، وأما ما في «شرح المواقف» وغيره من أن التأثير قد ينفك عن القدرة فنحن نقول به إذ ما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن وإنما الإنكار على نفي التأثير بالكلية عن القدرة الحادثة والاستدلال بما ذكره حجة الإسلام في «الاقتصاد» من أن القدرة الأزلية متعلقة في الأزل بالحادث ولا حادث فصح التعلق ولا تأثير، ويجوز أن تكون القدرة الحادثة كذلك مجاب عنه بأن القدرة لا تؤثر إلا على وفق الإرادة والإرادة تعلقت أزلاً بإيجاد الأشياء بالقدرة في أوقاتها اللائقة بها في الحكمة فعدم تأثيرها قبل الوقت لكونها مؤثرة على وفق الإرادة لا مطلقاً فلا يجب تأثيرها قبل الوقت ويجب تأثيرها فيه والقدرة الحادثة على القول بنفي تأثيرها بالكلية لا يصدق عليها أنها تؤثر وفق الإرادة فلا يصح قياسها على القديمة./ والحاصل: إن كل تعلق للقديمة على وفق الإرادة لا ينفك عنه التأثير في وقته بخلاف الحادثة فإنه لا تأثير لها أصلاً على القول بنفي التأثير عنها كليّاً فلا تعلق لها بالتأثير على وفق الإرادة. والثالث: أن القول في الاعتراض الثالث أنه لو كانت كذلك لكان التكليف بما لا يطاق واقعاً الخ يقال عليه: نلتزم وقوعه عند الأشعري ولا محذور فيه، ويجاب بأنه قد حقق في موضعه أن الإمام الأشعري لم ينص على ذلك ولا يصح أخذه من كلامه فالتزام وقوعه عنده التزام ما لم يقل به لا صريحاً ولا التزاماً. والقول بأنه لا محذور فيه إنما يصح بالنظر إلى الغنى الذاتي وأما بالنظر إلى أنه تعالى جواد حكيم فالتزامه مصادمة للنص وأي محذور أشنع من هذا. والرابع: أن القول هناك أيضاً أن المقارنة لو كانت هي الكسب لكانت هي المكلف بها غير لازم فإن الكسب يطلق على المعنى المصدري ويطلق على المفعول أي المكسوب وهو نفس الأمر لا الكسب بمعنى المقارنة أو تعلق القدرة الحادثة بالفعل فمعنى كسب تعلقت قدرته بالفعل، وإن شئت قلت: قارنت قدرته الفعل فكان الفعل مكسوباً وهو المكلف به، ويجاب بأن الكسب الحقيقي الوارد في الكتاب والسنة معناه تحصيل العبد ما تعلقت به إرادته التابعة لإرادة الله تعالى بقدرته المؤثرة بإذنه وإن مكسوبه ما حصله بقدرته المذكورة فمعنى كون الفعل المكسوب مكلفاً به هو أن العبد المكلف مطلوب منه تحصيله بالكسب بالمعنى المصدري لأن المكسوب هو الحاصل بالمصدر فإذا كان المكسوب مكلفاً به كان الكسب بالمعنى المصدري مكلفاً به قطعاً لامتناع حصول المكسوب من غير قيام المعنى المصدري بالمكلف ضرورة انتفاء الحاصل بالمصدر عند انتفاء قيام المصدر بالمكلف فظهرت الملازمة في الشرطية. والخامس: إن القول في الاعتراض أن المقارنة لكونها أمراً مترتباً على فعل الله تعالى لا تختلف الخ، فيه أمران: الأول: أنا لا نسلم التلازم بين كون المقارنة هي المكلف بها وبين عدم الاختلاف وأيّ مانع من أن تكون مختلفة باعتبار أحوال الشخص عندها فتارة يخلق الله تعالى فيه صبراً وعزماً وتارة جزعاً وفتوراً إلى غير ذلك مما يرجع إلى سلامة البنية ومقابله أو غيرهما من الأعراض والأحوال التي يخلقها الله تعالى ويصرف عبده فيها كيف شاء مما يوجب ألماً أو لذة. الثاني: إن ما ذكرتموه مشترك الإلزام إذ يقال إذا كانت قدرة العبد مؤثرة بإذن الله تعالى فبأي وجه وقع الاختلاف حتى كان هذا سهلاً وهذا صعباً وكلاهما مقدور وهما متساويان في الإمكان. ويجاب أما عن الأول: بأن التلازم بين كونها مترتبة على فعل الله تعالى وبين عدم اختلافها متحقق لأنها إذا كانت الكسب بالمعنى المصدري كانت تحصيلاً للمكسوب والتحصيل لكونه قائماً بالمكلف تتفاوت درجاته صعوبة وسهولة قطعاً ولهذا قال النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب»تفسير : والمقارنة لكونها أمراً مرتباً على فعل الله تعالى ليست قائمة بالعبد فلا تتفاوت بالنسبة إليه أصلاً، والإيراد بتجويز اختلافها بكون بعضها بخلق الله تعالى عنده صبراً في العبد الخ خارج عن المقصود لأن العبارة صريحة في أن المقصود عدم اختلافها بالنسبة إلى العبد صعوبة وسهولة لا مطلق الاختلاف، وأما عن الثاني: فبأنه قد دلت النصوص على تفاوت درجات القوة والبطش كقوله تعالى: {أية : كَانُواْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً } تفسير : [غافر: 82] وقوله سبحانه: {أية : كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً }تفسير : [غافر: 21] وقوله عز شأنه: {أية : فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً }تفسير : [الزخرف: 8] وباختلاف درجات ذلك في الأقوياء التابع لاستعداداتهم الذاتية الغير المجعولة وقع الاختلاف في الأعمال صعوبة وسهولة، هذا ما ظفرنا به من تحقيق الحق من كتب ساداتنا قدس الله تعالى أسرارهم وجعل أعلى الفردوس قرارهم، / وإنما استطردت هذا المبحث هنا مع تقدم إشارات جزئية إلى بعض منه لأنه أمر مهم جداً لا تنبغي الغفلة عنه فاحفظه فإنه من بنات الحقاق لا من حوانيت الأسواق، والله تعالى الموفق لا رب غيره. {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ } يحتمل أن يراد بمن كفر من لم يحج وعبر عن ترك الحج بالكفر تغليظاً وتشديداً على تاركه كما وقع مثل ذلك فيما أخرجه سعيد بن منصور وأحمد وغيرهما عن أبـي أمامة من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه مرض حابس أو سلطان جائر أو حاجة ظاهرة فليمت على أي حالة شاء يهودياً أو نصرانياً» تفسير : ومثله ما روي بسند صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فلينظروا كل من كان له جدة فلم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين، ويحتمل إبقاء الكفر على ظاهره بناءاً على ما أخرج ابن جرير وعبد بن حميد وغيرهما عن عكرمة «أنه حديث : لما نزلت {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا} [آل عمران: 85] الآية قال اليهود: فنحن مسلمون فقال لهم النبـي صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى فرض على المسلمين حج البيت فقالوا لم يكتب علينا وأبوا أن يحجوا تفسير : فنزل {وَمَن كَفَرَ }» الآية. ومن طريق الضحاك أنه لما نزلت آية الحج حديث : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الملل مشركي العرب والنصارى واليهود والمجوس والصابئين فقال: إن الله تعالى قد فرض عليكم الحج فحجوا البيت فلم يقبله إلا المسلمون وكفرت به خمس ملل قالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نستقبله تفسير : فأنزل الله سبحانه {وَمَن كَفَرَ } الخ وإلى إبقائه على ظاهره ذهب ابن عباس، فقد أخرج البيهقي عنه أنه قال في الآية: {وَمَن كَفَرَ } بالحج فلم ير حجه براً ولا تركه مأثماً، وروى ابن جرير أن الآية لما نزلتحديث : قام رجل من هذيل فقال: يا رسول الله من تركه كفر؟ قال: «من تركه لا يخاف عقوبته ومن حج لا يرجو ثوابه فهو ذاك»تفسير : ، وعلى كلا الاحتمالين لا تصلح الآية دليلاً لمن زعم أن مرتكب الكبيرة كافر، و {مَنْ } تحتمل أن تكون شرطية وهو الظاهر وأن تكون موصولة، وعلى الاحتمالين استغنى فيما بعد الفاء عن الرابط بإقامة الظاهر مقام المضمر إذ الأصل فإن الله غني عنهم. ويجوز أن يبقى الجمع على عمومه ويكتفى عن الضمير الرابط بدخول المذكورين فيه دخولاً أولياً والاستغناء في هذا المقام كناية عن السخط على ما قيل، ولهذا صح جعله جزاءاً وإن أبيت فهو دليله. وفي الآية ـ كما قالوا ـ فنون من الاعتبارات المعربة عن كمال الاعتناء بأمر الحج والتشديد على تاركه ما لا مزيد عليه، وعدوا من ذلك إيثار صيغة الخبر وإبرازها في صورة الجملة الاسمية الدالة على الثبات والدوام على وجه يفيد أنه حق واجب لله تعالى في ذمم الناس وتعميم الحكم أولاً وتخصيصه ثانياً وتسمية ترك الحج كفراً من حيث إنه فعل الكفرة وذكر الاستغناء والعالمين. وذكر الطيبـي أن في تخصيص اسم الذات الجامع وتقديم الخبر الدلالة على أن ذلك عبادة لا ينبغي أن تختص إلا بمعبود جامع للكمالات بأسرها وأن في إقامة المظهر وهو البيت مقام المضمر بعد سبقه منكراً المبالغة في وصفه أقصى الغاية كأنه رتب الحكم على الوصف المناسب؛ وكذا في ذكر الناس بعد ذكره معرفاً الإشعار بعلية الوجوب وهو كونهم ناساً، وفي تذييل {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ } لأنها في المعنى تأكيد الإيذان بأن ذلك هو الإيمان على الحقيقة وهو النعمة العظيمة وأن مباشره مستأهل لأن الله تعالى بجلالته وعظمته يرضى عنه رضاً كاملاً كما كان ساخطاً على تاركه سخطاً عظيماً، وفي تخصيص هذه العبادة وكونها مبينة لملة إبراهيم عليه السلام بعد الرد على أهل الكتاب فيما سبق من الآيات والعود إلى ذكرهم بعد خطب جليل وشأن خطير لتلك العبادة العظيمة، واستأنس بعضهم لكونه عبادة عظيمة بأنه من الشرائع القديمة بناءاً على ما روي أن آدم عليه السلام حج أربعين سنة من الهند ماشياً وأن جبريل قال له: إن الملائكة كانوا يطوفون قبلك بهذا البيت سبعة آلاف سنة؛ وادعى ابن إسحق أنه لم يبعث الله تعالى نبياً بعد إبراهيم إلا حج، والذي صرح به غيره أنه ما من نبـي إلا حج خلافاً لمن استثنى هوداً وصالحاً عليهما الصلاة والسلام، وفي وجوبه على من قبلنا وجهان قيل: الصحيح أنه لم يجب إلا علينا واستغرب، وادعى جمع أنه أفضل العبادات لاشتماله على المال والبدن، وفي وقت وجوبه خلاف فقيل: قبل الهجرة، وقيل: أول سنيها وهكذا إلى العاشرة وصحح أنه في السادسة، نعم حج صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وبعدها وقبل الهجرة حججاً لا يدرى عددها والتسمية مجازية باعتبار الصورة بل قيل ذلك في حجة الصديق رضي الله تعالى عنه أيضاً في التاسعة لكن الوجه خلافه لأنه صلى الله عليه وسلم لا يؤمر إلا بحج شرعي، وكذا يقال في الثامنة التي أمر فيها عتاب بن أسيد أمير مكة وبعد ذلك حجة الوداع لا غير.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ}. صرح في هذه الآية، أنه غني عن خلقه، وأن كفر من كفر منهم لا يضره شيئاً، وبين هذا المعنى في مواضع متعددة، كقوله عن نبيه موسى: {أية : وَقَالَ مُوسَىۤ إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} تفسير : [إبراهيم: 8] وقوله: {أية : إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ} تفسير : [الزمر: 7] وقوله: {أية : فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} تفسير : [التغابن: 6] وقوله: {أية : قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ} تفسير : [يونس: 68] إلى غير ذلك من الآيات، فالله تبارك وتعالى يأمر الخلق وينهاهم. لا لأنه تضره معصيتهم ولا تنفعه طاعتهم، بل نفع طاعتهم لهم وضرر معصيتهم عليهم، كما قال تعالى: {أية : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} تفسير : [الإسراء: 7] وقال: {أية : مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} تفسير : [فصلت: 46] وقال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} تفسير : [فاطر: 15]. وثبت في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن ربه أنه قال: "حديث : يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً" تفسير : الحديث. تنبيه: قوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] بعد قوله: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } [آل عمران: 97] يدل على أن من لم يحج كافر والله غني عنه. وفي المراد يقوله: {وَمَن كَفَرَ} أوجه للعلماء. الأول: أن المراد بقوله: {وَمَن كَفَرَ} أي: ومن جحد فريضة الحج، فقد كفر والله غني عنه، وبه قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد، قاله ابن كثير. ويدل لهذا الوجه ما روي عن عكرمة ومجاهد من أنهما قالا: لما نزلت {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}تفسير : [آل عمران: 85] قالت اليهود: فنحن مسلمون. فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله فرض على المسلمين حج البيت من استطاع إليه سبيلاً" تفسير : فقالوا: لم يكتب علينا، وأبو أن يحجوا" قال الله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97]. الوجه الثاني: أن المراد بقوله: {وَمَن كَفَرَ} أي: ومن لم يحج على سبيل التغليظ البالغ في الزجر عن ترك الحج مع الاستطاعة كقوله للمقداد الثّابت في الصحيحين حين سأله عن قتل من أسلم من الكفار بعد أن قطع يده في الحرب: "حديث : لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول الكلمة التي قال" تفسير : الوجه الثالث: حمل الآية على ظاهرها وأن من لم يحج مع الاستطاعة فقد كفر. وقد روى عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : من ملك زاداً وراحلة ولم يحج ببيت الله فلا يضره، مات يهودياً، أو نصرانياً. وذلك بأن الله قال: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ}" تفسير : [آل عمران: 97]. روى هذا الحديث الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه كما نقله عنهم ابن كثير وهو حديث ضعيف ضعفه غير واحد لأن في إسناده هلال بن عبد الله مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي، وهلال هذا. قال الترمذي: مجهول، وقال البخاري: منكر الحديث، وفي إسناده أيضاً الحارث الذي رواه عن علي رضي الله عنه. قال الترمذي: إنه يضعف في الحديث. وقال ابن عدي: هذا الحديث ليس بمحفوظ انتهى بالمعنى من ابن كثير. وقال ابن حجر: في الكافي الشاف، في تخريج أحاديث الكشاف. في هذا الحديث أخرجه الترمذي من رواية هلال بن عبد الله الباهلي، حدثنا ابو إسحاق، عن الحارث، عن علي رفعه "من ملك زاداً أو راحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً". وقال: غريب وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد الله مجهول، والحارث يضعف، وأخرجه البزار من هذا الوجه، وقال لا نعلمه عن علي إلا من هذا الوجه، وأخرجه ابن عدي، والعقيلي في ترجمة هلال، ونقلاً عن البخاري أنه منكر الحديث. وقال البيهقي: في الشعب تفرد به هلال وله شاهد من حديث أبي أمامة. أخرجه الدارمي بلفظ "من لم يمنعه عن الحج حاجة ظاهرة، أو سلطان جائر، أو مرض حابس، فمات فليمت إن شاء يهودياً، أو إن شاء نصرانياً" أخرجه من رواية شريك، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الرحمن بن سابط عنه، ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي في الشعب، وأخرجه ابن أبي شيبة، عن أبي الأحوص، عن ليث، عن عبد الرَّحمن مرسلاً لم يذكر أبا أمامة وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من طريق ابن عدي، وابن عدي أورده في الكامل في ترجمة أبي المهزوم يزيد بن سفيان عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه" ونقل عن القلاس أنه كذب أبا المهزوم، وهذا من غلط ابنا لجوزي في تصرفه. لأن الطريق إلى أبي أمامة ليس فيها من اتهم بالكذب. وقد صح عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: "من أطاق الحج فلم يحج فسواء مات يهودياً أو نصرانياً" والعلم عند الله تعالى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 97- وفيه دلائل واضحات على حرمته ومزيد فضله، منها مكان قيام إبراهيم للصلاة فيه، ومن دخله يكون آمناً لا يتعرض له بسوء، وحج هذا البيت واجب على المستطيع من الناس، ومن أبى وتمرد على أمر الله وجحد دينه فالخسران عائد عليه، وأن الله غنى عن الناس كلهم. 98- أمر الله - سبحانه وتعالى - رسوله بتوبيخ أهل الكتاب على استمرارهم على الكفر والضلال والتضليل فقال: قل لهم: يا أهل الكتاب لا وجه لكفركم، فلأى سبب تكفرون بدلائل الله الدالة على نبوة محمد وصدقه، والله مطلع على أعمالكم ومجازيكم عليها. 99- يا أهل الكتاب كيف تحاولون صرف مَن آمن بالله ورسوله وأذعن للحق عن سبيل الله الحق المستقيمة، وتحاولون أن تصوروها معوجة، وأنتم عالمون أنها حق، وليس الله غافلا عن أعمالكم وسيجازيكم عليها. 100- وقد حذَّر المؤمنين مما يثيره بعض أهل الكتاب من شُبَهٍ قائلا: إن تطيعوا بعض أهل الكتاب فيما يبثونه من الشُّبَهِ فى دينكم تعودوا إلى الضلال بعد الهداية، ويردوكم جاحدين بعد الإيمان. 101- وتصوروا حالكم العجيبة وأنتم تضلون وتكفرون بعد الإيمان، والقرآن يتلى عليكم، ورسول الله بينكم، يبين لكم ويدفع الشبه عن دينكم، ومن يلجأ إلى ربه ويستمسك بدينه فنعم ما فعل، فقد هداه ربه إلى طريق الفوز والفلاح.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَاتٌ} {بَيِّـنَاتٌ} {إِبْرَاهِيمَ} {آمِناً} {ٱلْعَالَمِينَ} (97) - وَفيهِ دَلاَلاَتٌ ظَاهِرَاتٌ عَلَى أنَّ إبْرَاهِيمَ الخَلِيلَ هُوَ الذِي بَنَاهُ، وَهَذِهِ الدَّلاَلاَتُ هِيَ مَقَامُ إبراهِيمَ. إذْ أنَّ إبرَاهِيمَ لَمّا ارْتَفَعَ بِنَاءُ البَيْتِ، اتْخَذَ لَهُ مَقَاماً يَقِفُ عَلَيْهِ، وَإسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ مَوَادَّ البِنَاءِ، (وَكَانَ المَقَامُ مُلْتَصِقاً بِجِدَارِ الكَعْبَةِ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أخرَّهُ إلى حَيْثُ يَقُومُ الآنَ لِيَتَمكَّنَ النَّاسُ مِنَ الصَّلاَةِ عِنْدَهُ دُونَ إزْعَاجِ الطَّائِفِينَ بِالبَيْتِ، وَكَانَ إبراهِيمُ يَتَّخِذُهُ مَوْضِعاً لِصَلاتِهِ وَعِبَادَتِهِ). وَقَدْ اتَّفَقَ العَرَبُ جَمِيعاً عَلَى احْتِرامِ البَيْتِِ وَتَعْظِيمِهِ، لِذَلِكَ كَانَ مَنْ دَخَلَهُ يُصْبِحُ آمِناً مِمَّا يُخِيفُهُ. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ يَفْرِضُ اللهُ تَعَالَى الحَجَّ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَبِذَلِكَ أصْبَحَ أَحَدَ أَرْكَانِ الإِسْلاَمِ، وَأَصْبَحَ فَرْضاًً عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ الحَجَّ مِنْ نَفَقَةٍ وَقُدْرَةٍ. وَمَنْ جَحَدَ فَرِيضَةَ الحَجِّ فَقَدْ كَفَرَ وَاللهُ غَنِيٌّ عَنْهُ (وَقِيلَ المُرَادُ بِالكُفْرِ هُوَ جُحُودُ كَوْنِ البَيْتِ الحَرَامِ أَوْلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِعِبَادَةِ النَّاسِ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إننا نجد أن صيغة الجمع موجودة في قوله الحق: "فيه آيات" و "بيـنات" وهي وصف الجمع. وبعد ذلك قال الحق: "مقام إبراهيم" إنه سبحانه لم يذكر إلا مقام إبراهيم بعد الآيات، والمقام آية واحدة، وهذا يدل على أن مقام إبراهيم فيه الآيات البينات، ونحن نقرأ "مقام إبراهيم" بفتح الميم الأولى في كلمة "مقام" ولا ننطقها "مقام" بضم الميم الأولى لأن المقام بضم الميم تعني مكان إقامة إبراهيم، أما مقام بفتح الميم فمكان القيام، لماذا كان قيام إبراهيم عليه السلام؟ لقد كان إبراهيم يقوم ليرفع قواعد البيت الحرام، وكان إبراهيم يقوم على "حجر". وعندما ننظر إلى مقام إبراهيم فإنك تجد فيه كل الآيات؛ لأن الله طلب من إبراهيم عليه السلام أن يرفع قواعد البيت، وكان يكفيه حين يرفع قواعد البيت أن يعطيه الارتفاع الذي يؤديه طول يديه، وبذلك يكون إبراهيم عليه السلام قد أدى مطلوب الله - كما قلنا من قبل - لكن إبراهيم عليه السلام تعود مع الله أن يؤدي كل تكليفات الله بعشق وحب وإكمال وإتمام، فقال إبراهيم في نفسه: "ولماذا لا أرفع البيت أكثر مما تطول يداي؟" ولم تكن هناك في ذلك الزمن القديم فكرة "السقالات"، ولم يكن مع إبراهيم عليه السلام إلا ابنه إسماعيل. وأحضر إبراهيم عليه السلام حجراً، ووقف عليه؛ ليرفع القواعد قدر الحجر. إذن فإبراهيم خليل الرحمن أراد أن ينفذ أمر الله بالرفع للقواعد لا بقدر الاستطالة البدنية فقط، ولكن بقدر الاحتيال على أن يرفع القواعد فوق ما يطلبه الله، وهذا معنى قول الله عن إبراهيم عليه السلام: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [البقرة: 124]. أي أنه أدى مطلوب الله أداء كاملاً، ولا أدل على هذا الأداء الكامل من أنه أتى بحجر ليقف عليه ليزيد من ارتفاع البيت قدر هذا الحجر. ونعرف أن الذي ساعده وشاركه في رفع القواعد هو ابنه إسماعيل. ومن أكرمه الله برؤية مقام إبراهيم يجد أن الحجر يسع وقوف إنسان واحد، وهكذا نفهم أن إسماعيل كان يساعد ويناول والده الأحجار، أما مكان الأقدام الموجودة في هذا الحجر، فهذا يعني أن إبراهيم عندما كان يقف ويحمل حجراً من المفروض أن يحمله اثنان فإن هذا يتطلب ثبات القدمين في مكان آمن حتى لا يقع. فهل يا ترى أن الله سبحانه وتعالى جلت قدرته ساعة رأى إبراهيم يحتال هذه الحيلة قال لخليله: سأكفيك مؤنة ذلك. وجعل الحق القدمين تغوصان في الحجر غوصاً يسندهما حتى لا تقعا. والذي لا يتسع ذهنه إلى أن الله ألاَنَ لإبراهيم الحجر، نقول له: إن إبراهيم قد احتال، وخاف أن تزل قدمه، فنحت مكانا في الحجر على قدر قدمه حتى تثبت قدمه حين يحمل ويرفع الحجر، وهذه آيات بينات. فخذ ما يتسع ذهنك وفهمك له، إن الله أعان إبراهيم لأنه فكر أن يبني القواعد ويرفعها أكثر مما تطول يداه، وقد مكّن الله له في ذلك وأعانه عليه، ونحن نعلم أن الهداية تكون هداية الدلالة وهداية المعونة.{أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ}تفسير : [محمد: 17]. {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 97]، والآيات هي الأمور العجيبة، وعندما تراها فإنك لا تستطيع أن تنكرها. ودخول البيت يعني الأمن للإنسان الذي يدخله، ونحن نعلم أن البيت قد تم بناؤه في هذا المكان. وهذا المكان تجتمع فيه القبائل، وبين بعض هذه القبائل ثارات ودماء وحروب، لذلك يبيّن الله الوضع الذي بمقتضاه تحقن الدماء {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 97] لماذا؟ لأنه بيت الرب ولا يصح أن يدخل واحد بيت الرب ويُعاقب حتى ولو كان قد أجرم جرماً يوجب الله عليه الحد فيه. ولذلك قال سيدنا عمر رضي الله عنه: لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب - والده - لم أتعرض له. ولكن يُضَيّق الخناق على المجرم حتى يخرج. وهذا الأمن محدد بأي أمر اقترفه في دنياه، أما من دخله كان آمناً يوم القيامة فالحكم فيه شيء آخر، إنها درجة عالية من فضل الله، والآيات البينات الواضحة في البيت الحرام يراها من زار البيت الحرام، وليحقق الله أمل كل راغب في زيارة البيت الحرام، وأن يكرر الزيارة لمن ذهب وأراد أن يعود للزيارة مرة أخرى. فساعة تدخل البيت الحرام فأنت هنا تتجه إلى مكان في البيت والمقابل لك في الكرة الأرضية يتجه إلى المكان المقابل، إلى أن تصير الاتجاهات مشتملة على الكعبة كلها. ونحن عندما نكون في الكعبة إننا نوجه وجوهنا إلى المبنى لأننا نراها، ونحن نوجه الوجوه إلى المبنى المقطوع بأنه منها، والحطيم، وهو القوس المبني حول حجر إسماعيل، هو من الكعبة أيضاً، ولكن النفقة قصرت، فجعلوه ليحدد مكان الكعبة، فظل هكذا، فإذا غاب الإنسان عن الكعبة واتجه إليها فإنه يكفي أن يتجه إلى جهتها. ولذلك نجد الصفوف في الصلاة حول الكعبة تتخذ شكل الدائرة؛ لأن الذين يصلون في داخل الحرم يشاهدونها، أما الذين يصلون خارجها فيكفي أن يتجهوا إلى جهتها ولو طال الصف إلى ألف متر، لذلك فالصف للمصلين خارج الحرم يكون معتدلاً، أما في داخل الحرم فالصفوف تأخذ شكل الدائرة لأن أقصى بُعد في الكعبة هو اثنا عشر متراً وربع المتر، ونجد من الآيات العجيبة أنك إذا ما نظرت إلى الحجر الأسود تجد الناس تتهافت على تقبيله، والحجر يمثل أدنى أجناس الكون، ونعلم جميعاً أن الإنسان مستخلف كسيد في الكون، ومن بعده الحيوان أقل منه في الفكر ومسخر، ومن بعد الحيوان يكون جنس النبات، ومن بعد ذلك يأتي جنس الجماد ومنه الحجر. إننا نرى هذا الإنسان السيد في الكون لا يقبل الله منه النسك القبول التام الحسن إلا إذا قَبَّل الحجر، أو حياه، وهكذا ينقل الحق أعلى الأجناس إلى أدناها. والناس تزدحم حول الحجر، ومن لم يقبل الحجر يحس أنه افتقد شيئاً كثيراً، وهكذا ترى استطراقاً وسلوكاً من الخلق إلى باب الله، فالإنسان المتكبر الذي يتوهم أنه سيد على غيره، يأتي إليه أمر في النسك بتقبيل الحجر أو تحيته بالسلام، وهذا الإنسان برغم أن الحق - سبحانه - يقبل منه أن يحيي الحجر الأسود بالسلام ولم يفرض عليه أن يقبّله ولكنه مع ذلك يحاول أن يقبل الحجر، وهو أدنى الأجناس، لأن الله قد عظمه، وهذا أول كسر لأنف غرور الإنسان، وحتى لا يظن ظان أنها حجرية أو وثنية، يأتي الأمر من الحق برجم حجر آخر. إذن فالحجرية لا ملحظ لها هنا، فنحن نجد حجراً يُقدس، وحجراً آخر يُرجم. نجد حجراً يقبله الإنسان ويعظمه وحجراً آخر يزدريه ويحقره. وذلك يدل على رضوخنا لإرادة الآمر سبحانه وتعالى فقط، فعندما يأمرنا بأن نعظم حجراً فالمؤمن يؤدي حق التعظيم بالسمع والطاعة، وعندما يأمرنا سبحانه برجم حجر آخر، فالمؤمن يرجم هذا الحجر بالسمع والطاعة لله أيضاً، فالذاتية الحجرية لا دخل لها على الإطلاق. وبعض من أصحاب الظن السيء قالوا: إن الإسلام قد استبقى بعض الوثنية. ولهؤلاء نقول: ولماذا تذكرون تعظيم الحجر الأسود، ولم تذكروا رجم إبليس وهو ثلاثة أحجار؟ لقد عظم المؤمن المؤدي للنسك حجراً واحداً ورجم ثلاثة أحجار، إن المؤمن إنما يطيع أمر الله، فليست للحجر أي ذاتية في النسك أو العبادة. لقد رفعنا الحق من حضيض عبادة الأصنام التي هي عين الكفر، لكنه قال لنا: "قبلوا الحجر الأسود" فقد قبلنا الحجر احتراماً لأمر الآمر، وذلك هو منتهى اليقين. لقد نقلنا الحق من مساو إلى مساو، من عبادة الحجر إلى تعظيم وتقديس حجر مثله، لكن الأصنام كانت منتهى الشرك، وتقبيل الحجر الأسود منتهى اليقين. أليست هذه آيات بينات؟ وزمزم التي توجد في حضن الكعبة، أليست آيات بينات؟ إن "هاجر" تترك الكعبة وتروح إلى "الصفا" وتصعد إلى "المروة" بعد أن تضع "إسماعيل" بجانب الكعبة، وتدور بحثاً عن المياه. وسعت هاجر سبعة أشواط لعلها ترى طيراً أو تجد إنساناً يعرف طريق المياه لان ابنها يحتاج إلى الشرب، ولو أنها وجدت على الصفا أو المروة مياها في أول سعيها أكانت تجد تصديقاً لقولها لإبراهيم عندما جاء بها للإقامة في هذا المكان "إن الله لا يضيعنا" إنها سعت. وكأن الله يقول لها ولكل إنسان: عليك بالسعي، ولكن لن أعطيك من السعي، إنما أعطيك الماء تحت رجل إسماعيل. إذن فصدقت في قولها: لن يضيعنا الله، لقد جعلها الحق سبحانه تسعى سبعة أشواط، ولا يمكن لامرأة في مثل عمرها أن تقدر على أكثر من ذلك، وهذا يعلمنا أن الإنسان عليه أن يباشر الأسباب، ولكن القلب عليه أن يتعلق بمسبب الأسباب، وهو الله سبحانه، وفي هذا ما يعدل سلوك الناس جميعاً. فساعة يرى الإنسان أن البئر مكان قدم إسماعيل وعلى البعد تكون الصفا والمروة، وتسعى بينهما، وبعد ذلك تجد زمزم مكان ضربة قدم إسماعيل، أليس في هذا آيات بينات تهدي الإنسان أن يباشر الأسباب ويأخذ بها، ويتعلق القلب بمسبب الأسباب؟ إن هذا يعطي المؤمن إيمانية التوكل، وهي تختلف عن الكسل و"بلادة التواكل" فإيمانية التوكل هي أن الجوارح تعمل، والقلوب تتوكل، أما الكسل عن الأخذ بالأسباب مع الادعاء بالتوكل فهذه بلادة، ومثل هذا الكسول المتواكل عندما يأتي الأكل أمامه يأكل بنهم وشره، ولو كان صادقاً لترك اللقمة تقفز إلى فمه، ولماذا يمضغها إذن؟ لماذا يختار التواكل والكسل، وعدم العمل، ثم يمد يده ليأكل؟ إن هذه هي "صفات التواكل". إننا نأخذ من سعي "هاجر" وتفجر الماء عبرة، هي الأخذ بأسباب الله، وبعد ذلك فإننا نجد كل إنسان في البيت الحرام مشغولاً بنفسه مع ربه، ومن فرط انشغاله يكون غافلاً عمّن يكون معه، ولو كان أحب إنسان له فإنه لا يدري به. وساعة تدخل وتنظر إلى الكعبة ينفض من عقلك كل فكر في أي شيء من الأشياء، لا تذكر أولادك أو مالك، لكنك بعد أن تفرغ من المناسك تعود للتفكير في أولادك وعملك، وإلا لو ظل حبك وشوقك وتعلقك ومواجيدك بهذه البقعة لضاق المكان بالناس جميعاً. بعد ذلك يقول الحق سبحانه عن البيت الحرام: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 97]. وهنا يجب أن نفهم أن هناك فارقاً بين أن يكون "الخبر" تاريخاً للواقع، وبين أن يكون "الخبر" خبراً تكليفياً فلو كان {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 97] تأريخاً للواقع لتم نقض ذلك بأشياء كثيرة، فقد وجد فيه قوم ولم يأْمَنُوا. ونحن نعرف حادث الاعتداء الأخير الذي حاوله جهيمان منذ سنوات قال الناس: إن جهيمان عندما اعتدى على الناس، لم يستطع حجيج بيت الرحمن أن يكونوا آمنين في البيت وتساءل بعضهم، فكيف قال الحق: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 97]؟ بل قال بعض أهل الانحراف: إذن مسألة دخول جهيمان إلى البيت الحرام تجعل {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 97] ليست صادقة! ولهؤلاء نقول: إن هناك فرقاً بين إخبار الحق بواقع قد حدث، وبين إخبار بتكليف. إن الإخبار بالواقع كان معناه ألا يدخل أحد البيت الحرام ويهيجه أو يهاجمه أحد أبداً، ولكن الإخبار التكليفي معناه: أن يخبر الله بخبر ويقصد به تكليف خلقه به، والتكليف كما نعرف عرضة لأن يطاع، وعرضة لأن يعصى، فإذا قال الله سبحانه: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 97] فهذا معناه: يأيها المؤمنون، من دخل البيت الحرام فأمنوه. ونضرب المثل - ولله المثل الأعلى - تقول أنت لولدك: يا بني هذا بيت يفتح للضيوف من دخله يكرم. أهذا يدل على إنجاز الإكرام لكل من دخل هذا البيت وحصوله له بالفعل وأن هذا لا يتخلف أبداً أم أنك قلت الخبر وتريد لولدك أن ينفذه؟ إن هذا خبر يحمل أمراً لابنك هو ضرورة إكرام من يدخل هذا البيت، وتلك الوصية عرضة لتطاع وعرضة لأن تخالف، لذلك فنحن نفهم من قول الحق: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 97] على أساس أنها أمر تكليفي، عرضة للطاعة وللعصيان، ومثال آخر على ذلك هو قول الله تعالى: {أية : ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}تفسير : [النور: 26] بعض الناس يقول: نجد واقع الحياة غير ذلك، حيث نجد امرأة طيبة تقع في عصمة رجل غير طيب وتتزوجه. ونجد رجلاً طيبا يقع مع امرأة غير طيبة ويتزوجها، فكيف يقول الله ذلك؟ ونحن نرد على أصحاب هذا القول: إن الله لم يقل ذلك تأريخاً للواقع. ولكنه أمر تكليفي. أَيْ افعلوا ذلك، وحكمي وتكليفي أن يكون الطيبات للطيبين والطيبون يكونون للطيبات. فإذا امتثل الخلق أمر الحق فعليهم أن يفعلوا ذلك، وإن لم يمتثل بعض الخلق لأمر الحق فإن الواقع ينبىء بحدوث وجود طيبين لغير طيبات أو العكس. إذن فقول الحق: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 97] هو خبر يراد به أمر تكليفي، فمن أراد أن يكون صادقاً فيما كلفه الله به فليُؤَمن مَن دخل البيت الحرام. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97]. وحين تسمع "لـ" و"على"، فافهم أن الفائدة تقع على ما دخلت عليه "اللام"، والتبعة تقع على ما دخلت عليه "على". فحين نقول: "لفلان عَلَى فلان كذا" فالنفعية لِفلان الأول والتبعة على فلان الثاني. وحين يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} [آل عمران: 97]. فعلى هذا فالنفعية هنا تكون لله، والتبعة هنا تكون على الناس، لكن لو فطنا إلى سر العبارة لوجدنا أن الله لا ينتفع بشيء من تكليفه لنا، فالحج لله، ولكنه يعود إليك، فما لله عاد إليك، وما عليك عاد لك. وكل تكليف عليك فأثره لك، فإياك أن تفهم من ذلك القول الكريم: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} [آل عمران: 97] أن اللام الأولى للنفعية، وإياك أن تفهم أن "على" هي للتبعة، نعم إن الحج لله، ولكن الفائدة لا تعود إلا عليك، وهو تكليف عليك، وفائدته تعود عليك، فالحق سبحانه وتعالى منزه عن أن يُفيد من حكم من أحكامه، وهو سبحانه حين ينزل حكماً تكليفياً فعلى العبد المؤمن أن يعرف أن فائدة الحكم عائدة عليه وعلى حياته، ولله يكون القصد والحج، لا لشيء سواه. ولماذا يقول الحق: إن على العبد المؤمن أن يحج البيت الحرام؟ لأنه الخالق وهو خبير وعليم بأن التكليف شاق على النفس، ولكن على المؤمن المكلف حين يجد تكليفاً شاقاً عليه أن ينظر إلى الفائدة العائدة من هذا الحكم، فإن نظر إلى الفائدة من الحكم وجد أنها تعود عليه، ولذلك يسهل على العبد المؤمن أمر الطاعة. والذي لا يقبل على الطاعة ويهمل الجزاء عليها ويغفل عنه. تكون الطاعة شاقة عليه. والذي يقبل على المعصية ويهمل الجزاء عليها تكون المعصية هينة عليه. ولكن الطائع لو استحضر غاية الطاعة لعلم أنها له لا عليه. ولو أن العاصي استحضر العذاب على المعصية لعلم أنها عليه لا له؛ فالعاصي قد يحقق لنفسه شهوة، لكنها شهوة عاجلة، أمدها قصير، ولو استحضر العاصي العقوبة على المعصية وقت عملها ما أقدم على معصيته أبداً. ولكن الذين يرتكبون المعصية ينظرون إلى الشهوة الطارئة، ويعزلون جزاء المعصية عنها، ولو أنصفوا أنفسهم، لاستحضروا العقاب على المعصية في وقت الرغبة في ارتكابها. وحين يستحضرون جزاء المعصية مع المعصية فإن شهوة المعصية تنتهي منهم، وأضرب هذا المثل دائماً عن أعنف غرائز الإنسان وهي غريزة الجنس. هب أن هناك واحدا رأى فتاة جميلة ثم أراد أن ينالها نقول لهذا المتشرد جنسياً: استحضر العذاب على هذا العمل، وإن أخذت هذه الفتاة فتعال لنريك بعينيك ما أعده الله لك حين تتمتع بهذه الفتاة خارجاً عن شرع الله، وأوقد له فرناً مسجوراً ومحميّاً، وقُل له: في مثل هذا ستدخل بل وأشد منه إن نلت من الفتاة. أيقبل هذا المتشرد على ارتكاب تلك المعصية؟ لا؛ فشهوة المعصية تضيع عندما يستحضر العذاب عليها. إن الحق سبحانه يقول: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97] والسبيل هو الطريق الموصل للغاية، والطريق الموصل للغاية عادة ما يكون مطروقاً، وعندما يتجه الإنسان لأداء فريضة الحج فهو طارق للطريق، أي سيسير عليه، هكذا تعرف أن هناك ثلاثة أشياء: طارق، وهو من كتب الله عليه الحج وهو المكلف. وسبيل مطروق. وغاية، وهي حج البيت. وما دام الطارق سيسلك طريقاً فلا بد أن يكون عنده قدرة على أن يسلك هذا الطريق فكيف تتأتى هذه القدرة؟ إن أول شيء في القدرة هو الزاد، وثاني شيء في القدرة هو المطية التي يركبها، وهكذا نتبين أننا نحتاج إلى زاد وراحلة لطارق الحج. والسبيل الذي يطرقه، أيكون محفوفاً بالمخاطر؟ لا، بل يُفترض أن يكون السبيل آمناً. إذن فالاستطاعة تلزمها ثلاث حاجات، هي: الزاد، والراحلة، وأمن الطريق. والزاد عادة يخص الإنسان نفسه، ولكن ماذا يكون الحال إن كان الإنسان يعول أسرة وصغاراً؟ إذا كان الإنسان على هذا الحال فمن الاستطاعة أن يكون قد ترك زاداً لمن يعولهم إلى أن يعود. وعلينا أن ننتبه إلى أن الله قال في كل تكليف: "يأيها الذين آمنوا كتب عليكم". ولكنه سبحانه جاء في فريضة الحج بالقول الواضح، بأن الحج لله على الناس وليس لمن أسلموا فقط، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا أهل الكتاب الذين كانوا يتمحكون في إبراهيم عليه السلام أن يحجوا البيت الحرام، فامتنعوا عن الحج، ولو كان الحج للمسلمين المؤمنين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم لما عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليهود والنصارى أن يحجوا ليكون ذلك جمعاً لهم على أن يتجه الخلق جميعاً إلى بيت الله ويعبدوا إلهاً واحداً هو ربّ هذا البيت، ولكنهم امتنعوا عن الحج. ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيمن لم يحج بدون مرض حابس، أو سلطان جائر، أو فقر وعوز، يقول في الحديث الشريف: عن علي رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً، وذلك أن الله تعالى يقول: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} ". تفسير : ولذلك نجد التكليف بالحج قد اتبع مباشرة بقول الحق: "ومن كفر" فهل يقع من لا يحج بدون مانع قاهر في الكفر؟ هنا يقف العلماء وقفة. العلماء يقولون: نعم إنه يدخل في الكفر، لماذا؟ لأن الكفر عند العلماء نوعان كفر بالله، أو كفر بنعمة الله، ومثال ذلك قوله - جل شأنه -: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}تفسير : [النحل: 112]. أو هو الكفر، كأن يموت الإنسان يهودياً أو نصرانياً، وهنا نقول: انتبه، لا تأخذ الحكم من زاوية وتترك الزاوية الأخرى. إن المسألة التكليفية يوضحها الحق بقوله: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} [آل عمران: 97]. فهل تعارضون في هذا التكليف؟ أو تؤمنون به ولكن لا تنفذونه؟ إن القضية التكليفية الإيمانية هي {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} [آل عمران: 97] فهل أنت مؤمن بها أو لا؟ سنجد الإجابة من كل المؤمنين بـ "نعم". ولكن الموقف يختلف مِنْ مؤمن إلى آخر؛ فنحن نجد مؤمناً يحرص على أداء الحكم من الله، وهو الطائع، ونجد مؤمناً آخر قد لا يحرص على أداء الحكم فيصبح عاصياً. ونجد في هذا الموقف أن الكفر نوعان، هناك من يكفر بحكم الحج، أي من كفر في الاعتقاد بأن لله على الناس حج البيت، وهذا كافر حقاً، لكنْ هناك نوع آخر وهو الذي يرتكب معصية الكفران بالنعمة؛ لأن الله أعطاه الاستطاعة من زاد، ومن راحلة، ومن أمن طريق، ومن قدرة على زاد يكفي من يعولهم إلى أن يعود، وهنا كان يجب على مثل هذا الإنسان أن يسعى إلى الحج. لذلك قال بعض العارفين لو أن أحدهم أُخْبِر بأن له ميراثاً بمكة لذهب إليه حبواً. إذن فقوله تعالى: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} [آل عمران: 97] هي قضية إيمانية، فمن اعتقدها يبرأ من الكفر، ومن خالفها وأنكرها فهو في الكفر. ومن قام بالحج فهو طائع، ومن لم يفعل وهو مؤمن بالحج فهو عاصٍ. ولننظر إلى دقة الأداء القرآني حين يقول الحق: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97]. قد يقول قائل: ولماذا لم يقل الله: ومن كفر فإن الله غني عنه؟ وقال: "فإن الله غني عن العالمين"؟ ونقول: إنّ الله غنيٌّ عن كل مخلوقاته، وإيّاك أن تفهم أن الذي لم يكفر وآمن، وأدى ما عليه من تكليف، أنه عمل منفعة لله؛ إن الله غني عن الذي أَدّى وعن الذي لم يؤد، إياك أن تظن أن من أدّى قد صنع لله معروفاً، أو قدم لله يداً؛ "فإن الله غني عن العالمين" عمن لا يفعل، وعمن يفعل. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} فالاسْتِطَاعَةُ: الزَّادُ والرَّاحِلةُ.
الأندلسي
تفسير : {فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ} أي علامات واضحات منها مقام إبراهيم الحجر الذي قام عليه والحجر الأسود والحطيم وزمزم وأمن الخائف وهيبته وتعظيمه في قلوب الناس وأمر الفيل ورمى طير الله عنه بحجارة السجيل وكف الجبابرة على وجه الدهر وإذ عان نفوس العرب لتوقير هذه البقعة دون ناه ولا زاجر وجباية الأرزاق إليه وهو بواد غير ذي زرع وحمايته من السيول ودلالة عموم المطر إياه من جميع جوانبه على خصب آفاق الأرض فإِن كان المطر من جانب أخصب الأنف الذي يليه وارتفع آيات على الفاعلية بالجار والمجرور التقدير كائناً فيه آيات والضمير في فيه عائد على البيت وذلك على سبيل الاتساع إذ الآيات التي تقدم ذكرها كائنة في البيت وفي الحرم الذي فيه البيت. قال الزمخشري: فإِن قلت كيف أجزت أن يكون مقام إبراهيم دالاً من عطف بيان الآيات وقوله: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} جملة مستأنفة اما ابتدائية وإما شرطية قلت: أجزت ذلك من حيث المعنى لأن قوله: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} دل على أمن داخله فكأنه قيل فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن داخله ألا ترى أنك لو قلت فيه آية بينة كان في معنى قولك فيه آية بينة أمن من دخله "انتهى". وليس ما ذكره بواضح لأن تقديره وأمن داخله هو مرفوع عطفاً على مقام إبراهيم وفسر بهما الأيات والجملة من قوله: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} لا موضع لها من الإِعراب فتدافعا إلا أن اعتقد أن ذلك معطوف على محذوف يدل عليه ما بعده فيمكن التوجيه، فلا يجعل قوله: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} في معنى وأمن داخله إلا من حيث تفسير المعنى لا تفسير اللفظ والإِعراف ولم يذكر الزمخشري في إعراب مقام إبراهيم إلا أنه عطف بيان لقوله: {ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ} ورد عليه ذلك لأن آيات نكرة ومقام إبراهيم معرفة ولا يجوز التخالف في عطف البيان وقوله: مخالف لإِجماع الكوفيين والبصريين فلا يتلتف إليه وحكم عطف البيان عند الكوفيين حكم النعت فتتبع النكرة والمعرفة المعرفة وقد تبعهم في ذلك أبو علي الفارسي. وأما عند البصريين فلا يجوز إلا أن يكونا مقرنين ولا يجوز أن يكونا نكرتين وما أعربه الكوفيون ومن وافقهم عطف بيان وهو نكرة على النكرة قبله أعربه البصريون بدلاً ولم يقم لهم دليل على تعيين عطف البيان في النكرة وكل من وقفنا على كلامه جعل مقام إبراهيم تابعاً لآيات على توضيح كثرتها في المقام منها تأثير قدميه في حجر صلد وغوصه فيه إلى الكعبين وإلانة بعض الحجر دون بعض وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام وحفظه مع كثرة أعدائه من المشركين ألوف سنين، والذي اخترناه في إعرابه في الكتاب الكبير البحر الذي هو مختصره أن يكون ارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره أحدها مقام إبراهيم أو يكون ارتفاعه على أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره منها مقام إبراهيم والذي اختاره الآن أنه ليس متعلقاً بقوله: آيات بينات، ولا تفسيراً لها لا من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى، بل هو عندي بدل أو عطف بيان من الموصول الذي هو خبر ان وكأنه قيل: ان أول بيت موضع للناس لمقام إبراهيم. {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} من شرطية أو موصولة وتكلفوا عطف هذه الجملة على قوله مقام إبراهيم تكلفاً بعيداً والذي أذهب إليه أنه إخبار من الله تعالى بفضل هذا البيت والحرم وأمن من دخله كما قال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ}تفسير : [العنكبوت: 67] فذكر تعالى امتنانه عليهم بأمن من دخل هذا الحرم الشريف، وظاهر الآية أنها مذكرة للعرب بما كانوا عليه في الجاهلية من احترام هذا البيت وأمن من دخله من ذوي الجرائر وكانت العرب يغير بعضها على بعض ويتخطف الناس بالقتل وأخذ الأموال وأنواع الظلم إلا في الحرم. {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} هذه الآية دليل على فرض الحج وجاء بعلى الدالة على الاستعلاء وجاء متعلقاً بالناس بلفظ العموم ثم بلفظ الخصوص بقوله: من استطاع، وقرىء: حج بكسر الحاء وفتحها. {وَمَن} بدل من الناس وقيل: شرطية، والجواب محذوف تقديره فعليه الحج وإعراب من فاعلة بالمصدر تقديره أن يحج البيت المستطيع إعراب فاسد. {وَمَن كَفَرَ} عام في كل كافر باعتقاد عدم فرض الحج وغيره ومن شرطية وجوابه. {فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ} واندرج هو في لفظ العالمين كأنه قيل غني عنه وعن سائر العالم. {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} الآية، لما فرع من ذكر البيت وحجه، وكان أهل الكتاب لا يحجون عاد إلى الكلام مع أهل الكتاب الذين تقدم ذكرهم قبل هذه الآية، فنعي عليهم أولاً أعظم مساويهم وهي الكفر بآيات الله مع شهادتهم إياها ثم ثانياً صدهم من آمن عن سبيل الله وسبب نزول هذه الآية وما بعدها حديث : أن رجلاً من اليهود حاول الإِغراء بين الأوس والخزرج واسمه شاس بن قيس وكان أعمى شديد الضغن والحسد للمسلمين فرأى إئتلاف الأوس والخزرج، فقال: ما لنا من قرار بهذه البلاد مع اجتماع ملا بني قبله فأمر شاباً من اليهود أن يذكرهم يوم بعاث وما جرى فيه من الحرب وما قالوه من الشعر فيفعل فتكلموا حتى ثاروا إلى السلاح بالحرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم وعظهم فرجعوا وعانق بعضهم بعضاً تفسير : هذا ملخص ما ذكره مطولاً. {بِآيَاتِ ٱللَّهِ} التي هي التوراة دالة على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسالته للناس جميعاً. {وَٱللَّهُ شَهِيدٌ} جملة في موضع الحال دالة على آبائهم وكفرهم بآيات الله مع شهادة الله على أعمالهم وأتى لفظ شهيد الدال على المبالغة. "وتصدون" هنا متعد ومفعوله. {مَنْ آمَنَ} والسبيل يذكر ويؤنث والضمير في: {تَبْغُونَهَا} عائد على السبيل وأصله تبغون لها عوجاً فاتسع في الفعل وحذف اللام والجملة حالية أي باغين عوجا وذو الحال الضمير في تصدون وقيل حال من سبيل الله، وقرىء: تصدون مضارع أصد والهمزة فيه من صد عن كذا باللازم وقال ذو الرمة: شعر : أناس أصدوا الناس بالسيف عنهم تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} الآية، لما أنكر تعالى على أهل الكتاب صدهم عن الإِسلام المؤمنين حذر المؤمنين من إغواء الكفار وإضلالهم وناداهم بوصف الإِيمان تنبيهاً على تباين ما بينهم وبين الكفار ولم يأت بلفظ: قل، ليكون ذلك خطاباً منه تعالى لهم وتأنيساً لهم وأبرز نهيه عن موافقتهم وطواعيتهم في صورة شرطية لأنه لم تقع طاعتهم له والإِشارة بيا أيها الذين آمنوا. إلى الأوس والخزرج بسبب ثائرة شاس بن قيس وأطلق الطواعية لتدل على عموم البدل أن يصدر منكم طواعية ما في أي شيء يحاولونه من إضلالكم ولم يقيد الطاعة بقصة الأوس والخزرج على ما ذكر في سبب النزول والرد هنا التصيير أي يصيرونكم فتعدت إلى اثنين والثاني كافرين. وقال الشاعر: شعر : فرد شعورهن السود بيضا ورد وجوههن البيض سوداً تفسير : {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ} استفهام استبعاد وقوع الجملتين حالاً يقتضي انتفاء الكفر عمن يتلى عليه كتاب الله وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الآتية الآيات والمعجزات على يديه. {وَمَن يَعْتَصِم} يستمسك. {بِٱللَّهِ} أي بآيات الله ورسوله. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} الآية، لما حذرهم الله من إضلال من يريد إضلالهم أمرهم بمجامع الطاعات فرهبهم أولاً بقوله: اتقوا الله إذ التقوى إشارة إلى التخويف من عذاب الله، ثم جعلها سبباً للأمر بالاعتصام بدين الله ثم أردف الرهبة بالرغبة. وهي قوله: واذكروا نعمة الله عليكم. وأعقب الأمر بالتقوى بنهي هو من تمام التقوى والأمر بالاعتصام بنهي آخر وهو من تمام الاعتصام وانتصب حق على أنه مصدر لإضافته إلى المصدر والمعنى حق اتقائه. قال ابن عطية: ويصح أن يكون الثقاة في هذه الآية جمع فاعل وإن كان لم يتصرف منه فيكون كرماة ورام أو يكون جمع تقي إذ فعيل وفاعل بمنزلة والمعنى على هذا اتقوا الله كما يحق أن يكون متقوه المختصون به ولذلك أضيفوا إلى ضمير الله تعالى "انتهى كلامه". وهذا المعنى ينبو عنه هذا اللفظ إذ الظاهر أن قوله: حق تقاته من باب إضافة الصفة إلى موصوفها كما تقول: ضربت زيداً شديد الضرب، تريد الضرب الشديد، فكذلك هذا، أي: اتقوا الله الاتقاء الحق، أي الواجب الثابت. أما إذا جعلت التقاة جمعاً، فإِن التركيب يصير مثل اضرب زيداً حق ضرابه فلا يدل هذا التركيب على معنى أضرب زيداً كما يحق أن يكون ضرابه حتى لو صرح بهذا التركيب لاحتيج في فهم معناه إلى تقدير أشياء يصح بها المعنى والتقرير أضرب زيداً ضرباً حقاً كما يحق أن يكون ضرب ضرابه ولا حاجة تدعوا إلى تحميل اللفظ غير ظاهره وتكلف تقاديره معنى لا يدل عليه ظاهر اللفظ. {وَلاَ تَمُوتُنَّ} الآية، تقدم الكلام عليها في البقرة. {وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} جملة حالية. {بِحَبْلِ ٱللَّهِ} هو كتاب الله تعالى روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : القرآن حبل الله المتين . تفسير : {وَلاَ تَفَرَّقُواْ} نهي عن التفرق في الدين، كتفرق اليهود والنصارى. {فَأَصْبَحْتُمْ} أي صرتم ولا يراد به اتصاف الموصوف بالأخوة وقت الصباح، قال ابن عطية: فأصبحتم عبارة عن الاستمرار وإن كانت اللفظة مخصوصة بوقت وإنما خصت هذه اللفظة بهذا المعنى من حيث هي المبتدأ النهار وفيها مبدأ الأعمال، فالحال التي يحسبها المرء في نفسه فيها هي الحال التي يستمر عليها يومه في الأغلب ومنه قوله: الربيع بن ضبع شعر : أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير ان نقرا تفسير : "انتهى". وهذا الذي ذكره من أن أصبح للاستمرار وعلله بما ذكره لا أعلم أحد من النحويين ذهب إليه إنما ذكروا أن أصبح المقتضية للخبر تكون بمعنى الصيرورة وبمعنى تقييد الخبر بوقت الصباح والباء في بنعمته للسبب أي بسبب نعمة الله التي أنعم بها عليكم من التأليف بعد التفرق والمودة بعد العداوة. {وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ} جملة مستأنفة أخبر تعالى بما كانوا عليه من الإِشراف على الهلاك ويجوز أن تكون حالاً أي وقد كنتم والشفا الطرف والضمير في منها عائد على النار ويجوز أن يعود على الشفا لإِضافته إلى المؤنث لأن طرف الشيء من الشيء كما أنت في قوله: كما أشرقت صدر القناة من الدم. قال ابن عطية: راداً على من أجاز عود الضمير على الشفا لأنه ليس لنا لفظ مؤنث يعود الضمير عليه، "انتهى". وأقول: لا يحسن عوده إلا على الشفا لأن كينونتهم على الشفا هو أحد جزئي الإِسناد فالضمير لا يعود إلا عليه. وأما ذكر الحفرة فإِنما جاءت على سبيل الإِضافة إليها ألا ترى أنك إذا قلت كان زيد غلام جعفر لم يكن جعفر محدثاً عنه وليس أحد جزيء الإِسناد وكذلك لو قلت: ضربت زيد غلام هند لم تحدث عن هند بشيء وإنما ذكرت جعفراً وهذا مخصصاً للمحدث عنه. وأما ذكر النار فإِنما جني بها لتخصيص الحفرة وليست أيضاً أحد جزئي الإِسناد ولا تحدثا عنها وأيضاً فالانقاذ من الشفا أبلغ من الإِنقاذ من الحفرة ومن النار لأن الإِنقاذ من الحفرة ومن النار والإِنقاذ منهما يستلزم الإِنقاذ من الشفا هو الظاهر من حيث اللفظ ومن حيث المعنى، ومثلث حياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار بالقعود على جرفها مشفين على الوقوع فيها.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 153 : 17 : 93 - سفين عن إبراهيم الخوزي عن محمد بن عباد المخزومي عن بن عمر قال، حديث : سئل النبي، صلى الله عليه وسلم، عن قول الله جل وعز {مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} قال، السبيل إلى الحج الزاد والراحلةتفسير : . [الآية 97]. 154 : 18 : 94 - سفين عن منصور عن مجاهد {مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ} قال، ومن كفر بالله واليوم الآخر. 155 : 19 : 95 - سفين عن محمد بن سوقة قال، سألت سعيد بن جبير عن استطاعة. قال، الزاد والراحلة. [الآية 97].
همام الصنعاني
تفسير : 433- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وقتادة في قوله تعالى: {ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ}: [الآية: 97]، قالا: مقام إبراهيم من الآيات البينات. 434- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}: [الآية: 97]، قال: كان ذلك في الجاهلية، فأما اليوم فإنْ سَرَقَ فيه وَأُخِذَ قُطِعَ، ولو قَتَلَ فِيهِ قُتِلَ، ولو قُدِرَ على المشركين فيه قُتِلُوا. 435- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}: [الآية: 97]. قال: بلغني أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن سبيل الحج فقال: "حديث : الزاد والراحلة ". تفسير : 436- عبد الرزاق، قال: أنبأنا هشام عن الحسن عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مثله. 437- عبد الرزاق، قال حدثنا معمر، عن الحسن في قوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ} [الآية: 97] قال: كفره الجحود به والزهادة فيه. 438- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ابن أبي نحيج، عن مجاهد في قوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ} [الآية: 97] قال: هو أنَّ من حج لم يره بِرّاً، وإنْ قعد لم يره مأثماً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):