Verse. 391 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

قُلْ يٰۗاَھْلَ الْكِتٰبِ لِمَ تَكْفُرُوْنَ بِاٰيٰتِ اؘ۝۰ۤۖ وَاللہُ شَہِيْدٌ عَلٰي مَا تَعْمَلُوْنَ۝۹۸
Qul ya ahla alkitabi lima takfuroona biayati Allahi waAllahu shaheedun AAala ma taAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله» القرآن «والله شهيد على ما تعملون» فيجازيكم عليه.

98

Tafseer

الرازي

تفسير : إعلم أن في كيفية النظم وجهين الأول: وهو الأوفق: أنه تعالى لما أورد الدلائل على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام مما ورد في التوراة والإنجيل من البشارة بمقدمه، ثم ذكر عقيب ذلك شبهات القوم. فالشبهة الأولى: ما يتعلق بإنكار النسخ. وأجاب عنها بقوله {أية : كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرٰءيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } تفسير : [آل عمران: 93]. والشبهة الثانية: ما يتعلق بالكعبة ووجوب استقبالها في الصلاة ووجوب حجها. وأجاب عنها بقوله {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } تفسير : [آل عمران: 96] إلى آخرها، فعند هذا تمت وظيفة الاستدلال وكمل الجواب عن شبهات أرباب الضلال، فعند ذلك خاطبهم بالكلام اللين وقال: {لِمَ تَكْفُرُونَ بِـآَيَـٰتِ ٱللَّهِ } بعد ظهور البينات وزوال الشبهات، وهذا هو الغاية القصوى في ترتيب الكلام وحسن نظمه. الوجه الثاني: وهو أنه تعالى لما بين فضائل الكعبة ووجوب الحج، والقوم كانوا عالمين بأن هذا هو الدين الحق والملة الصحيحة قال لهم: {لِمَ تَكْفُرُونَ بِـآَيَـاتِ ٱللَّهِ } بعد أن علمتم كونها حقة صحيحة. واعلم أن المبطل إما أن يكون ضالاً فقط، وإما أن يكون مع كونه ضالاً يكون مضلاً، والقوم كانوا موصوفين بالأمرين جميعاً فبدأ تعالى بالإنكار عليهم في الصفة الأولى على سبيل الرفق واللطف. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله { يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَـاتِ ٱللَّهِ } واختلفوا فيمن المراد بأهل الكتاب، فقال الحسن: هم علماء أهل الكتاب الذين علموا صحة نبوته، واستدل عليه بقوله {وَأَنْتُمْ شُهَدَاء } وقال بعضهم: بل المراد كل أهل الكتاب لأنهم وإن لم يعلموا فالحجة قائمة عليهم فكأنهم بترك الاستدلال والعدول إلى التقليد بمنزلة من علم ثم أنكر. فإن قيل: ولم خص أهل الكتاب بالذكر دون سائر الكفار؟. قلنا لوجهين: الأول: أنا بينا أنه تعالى أورد الدليل عليهم من التوراة والإنجيل على صحة نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام، ثم أجاب عن شبههم في ذلك، ثم لما تمّ ذلك خاطبهم فقال: {يا أَهْل ٱلْكِتَـٰبِ } فهذا الترتيب الصحيح الثاني: أن معرفتهم بآيات الله أقوى لتقدم اعترافهم بالتوحيد وأصل النبوّة، ولمعرفتهم بما في كتبهم من الشهادة بصدق الرسول والبشارة بنبوته. المسألة الثانية: قالت المعتزلة في قوله تعالى: {لِمَ تَكْفُرُونَ بِـآَيَـاتِ ٱللَّهِ } دلالة على أن الكفر من قبلهم حتى يصح هذا التوبيخ وكذلك لا يصح توبيخهم على طولهم وصحتهم ومرضهم. والجواب عنه: المعارضة بالعلم والداعي. المسألة الثالثة: المراد {مِنْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ } الآيات التي نصبها الله تعالى على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام، والمراد بكفرهم بها كفرهم بدلالتها على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام. ثم قال: {وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } الواو للحال والمعنى: لم تكفرون بآيات الله التي دلتكم على صدق محمد عليه الصلاة والسلام، والحال أن الله شهيد على أعمالكم ومجازيكم عليها وهذه الحال توجب أن لا تجترؤا على الكفر بآياته. ثم إنه تعالى لما أنكر عليهم في ضلالهم ذكر بعد ذلك الإنكار عليهم في إضلالهم لضعفة المسلمين فقال: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ } قال الفرّاء: يقال صددته أصده صداً وأصددته إصداداً، وقرأ الحسن {تَصُدُّونَ } بضم التاء من أصده، قال المفسرون: وكان صدهم عن سبيل الله بإلقاء الشبه والشكوك في قلوب الضعفة من المسلمين وكانوا ينكرون كون صفته صلى الله عليه وسلم في كتابهم. ثم قال: {تَبْغُونَهَا عِوَجاً } العوج بكسر العين الميل عن الاستواء في كل ما لا يرى، وهو الدين والقول، فأما الشيء الذي يرى فيقال فيه: عوج بفتح العين كالحائط والقناة والشجرة، قال ابن الأنباري: البغي يقتصر له على مفعول واحد إذا لم يكن معه اللام كقولك: بغيت المال والأجر والثواب وأُريد ههنا: تبغون لها عوجاً، ثم أسقطت اللام كما قالوا: وهبتك درهماً أي وهبت لك درهماً، ومثله صدت لك ظبياً وأنشد:شعر : فتولى غلامهم ثم نادى أظليما أصيدكم أم حماراً تفسير : أراد أصيد لكم والهاء في {تَبْغُونَهَا } عائدة إلى {ٱلسَّبِيلِ } لأن السبيل يؤنث ويذكر و {العوج} يعني به الزيغ والتحريف، أي تلتمسون لسبيله الزيغ والتحريف بالشبه التي توردونها على الضعفة نحو قولهم: النسخ يدل على البداء وقولهم: إنه ورد في التوراة أن شريعة موسى عليه السلام باقية إلى الأبد، وفي الآية وجه آخر وهو أن يكون {عِوَجَا } في موضع الحال والمعنى: تبغونها ضالين وذلك أنهم كأنهم كانوا يدعون أنهم على دين الله وسبيله فقال الله تعالى: إنكم تبغون سبيل الله ضالين وعلى هذا القول لا يحتاج إلى إضمار اللام في تبغونها. ثم قال: {وَأَنْتُمْ شُهَدَاء } وفيه وجوه الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني أنتم شهداء أن في التوراة أن دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام الثاني: وأنتم شهداء على ظهور المعجزات على نبوته صلى الله عليه وسلم الثالث: وأنتم شهداء أنه لا يجوز الصد عن سبيل الله الرابع: وأنتم شهداء بين أهل دينكم عدول يثقون بأقوالكم ويعولون على شهادتكم في عظام الأمور وهم الأحبار والمعنى: أن من كان كذلك فكيف يليق به الإصرار على الباطل والكذب والضلال والإضلال. ثم قال: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } والمراد التهديد، وهو كقول الرجل لعبده، وقد أنكر طريقة لا يخفى على ما أنت عليه ولست غافلاً عن أمرك وإنما ختم الآية الأولى بقوله {وَاللَّه شَهِيدٌ } وهذه الآية بقوله {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } وذلك لأنهم كانوا يظهرون الكفر بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وما كانوا يظهرون إلقاء الشبه في قلوب المسلمين، بل كانوا يحتالون في ذلك بوجوه الحيل فلا جرم قال فيما أظهروه {وَٱللَّهُ شَهِيدٌ } وفيما أضمروه {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } وإنما كرر في الآيتين قوله {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ } لأن المقصود التوبيخ على ألطف الوجوه، وتكرير هذا الخطاب اللطيف أقرب إلى التلطف في صرفهم عن طريقتهم في الضلال والإضلال وأدل على النصح لهم في الدين والإشفاق.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي تصرفون عن دين الله {مَنْ آمَنَ}. وقرأ الحسن «تُصِدون» بضم التاء وكسر الصاد وهما لغتان: صَدّ وأصَدّ؛ مثل صَل اللحمُ وأصَلَّ إذا أَنْتن، وخَمّ وأخَمّ أيضاً إذا تغيّر. {تَبْغُونَهَا عِوَجاً} تطلبون لها، فحذف اللام؛ مثل {أية : وَإِذَا كَالُوهُمْ} تفسير : [المطففين: 3]. يقال: بغيت له كذا أي طلبته. وأبغيته كذا أي أعنته. والعِوَج: المَيْل والزَّيغ (بكسر العين) في الدَّين والقول والعمل وما خرج عن طريق الاستواء. و (بالفتح) في الحائِط والجدار وكل شخص قائم؛ عن أبي عبيدة وغيره. ومعنى قوله تعالى: {أية : يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ}تفسير : [طه: 108] أي لا يقدرون أن يَعُوجُوا عن دعائه. وعاج بالمكان وعوّج أقام ووقف. والعائج الواقف؛ قال الشاعر:شعر : هلَ أَنتم عائجون بنا لَعَنّا نرى العَرَصاتِ أو أثَر الخيام تفسير : والرجل الأعوج: السَيء الخلق، وهو بيِّن العَوَج. والعُوج من الخيل التي في أرجلها تَحْنِيب. والأَعْوجِيّة من الخيل تُنسب إلى فرس كان في الجاهلية سابقا. ويقال: فرس مُحَنّب إذا كان بعيد ما بين الرجلين بغير فَحَج، وهو مَدْحٌ. ويقال: الحَنَب ٱعوجاجٌ في السَّاقَين. قال الخليل التَّحْنيب يوصف في الشدّة، وليس ذلك باعوجاج. قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ} أي عقلاء. وقيل: شهداء أنّ في التوراة مكتوبا أن دِين الله الذي لا يُقبل غيرهُ الإسلام، إذ فيه نعتُ محمد صلى الله عليه وسلم.

ابن كثير

تفسير : هذا تعنيف من الله تعالى للكفرة أهل الكتاب على عنادهم للحق، وكفرهم بآيات الله، وصدهم عن سبيل الله من أراده من أهل الإيمان بجهدهم وطاقتهم، مع علمهم بأن ما جاء به الرسول حق من الله، بما عندهم من العلم عن الأنبياء الأقدمين والسادة المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وما بشروا به ونوهوا به من ذكر النبي الأمي الهاشمي العربي المكي سيد ولد آدم، وخاتم الأنبياء، ورسول رب الأرض والسماء، وقد توعدهم الله على ذلك، وأخبر بأنه شهيد على صنيعهم ذلك؛ بما خالفوا ما بأيديهم عن الأنبياء، ومقابلتهم الرسول المبشر به بالتكذيب والجحود والعناد، فأخبر تعالى أنه ليس بغافل عما يعملون، أي: وسيجزيهم على ذلك {أية : يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ} تفسير : [الشعراء: 88].

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَم تَكْفُرُونَ بِئَايَٰتِ ٱللَّهِ } القرآن {وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } فيجازيكم عليه.

الشوكاني

تفسير : قوله: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ } خطاب لليهود، والنصارى، والاستفهام في قوله: {لِمَ تَكْفُرُونَ } للإنكار، والتوبيخ. وقوله: {وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } جملة حالية مؤكدة للتوبيخ، والإنكار، وهكذا المجيء بصيغة المبالغة في شهيد يفيد مزيد التشديد، والتهويل، والاستفهام في قوله: {لِمَ تَصُدُّونَ } يفيد ما أفاده الاستفهام الأول. وقرأ الحسن: {تَصُدُّونَ } من أصد، وهما لغتان: مثل صد اللحم، وأصد: إذا تغير، وأنتن، وسبيل الله دينه الذي ارتضاه لعباده، وهو دين الإسلام، والعوج: الميل، والزيغ، يقال عوج بالكسر إذا كان في الدين، والقول، والعمل، وبالفتح في الأجسام كالجدار، ونحوه، روي ذلك عن أبي عبيدة، وغيره، ومحل قوله: {تبغونها عوجاً} النصب على الحال. والمعنى: تطلبون لها اعوجاجاً، وميلاً عن القصد، والاستقامة بإبهامكم على الناس بأنها كذلك تثقيفاً لتحريفكم، وتقويماً لدعاويكم الباطلة. وقوله: {وَأَنْتُمْ شُهَدَاء } جملة حالية، أي: كيف تطلبون ذلك بملة الإسلام، والحال أنكم تشهدون أنها دين الله الذي لا يقبل غيره، كما عرفتم ذلك من كتبكم المنزلة على أنبيائكم، قيل: إن في التوراة أن دين الله الذي لا يقبل غيره الإسلام، وأن فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم؛ وقيل: المراد: {وَأَنْتُمْ شُهَدَاء } أي: عقلاء، وقيل: المعنى وأنتم شهداء بين أهل دينكم مقبولون عندهم، فكيف تأتون بالباطل الذي يخالف ما أنتم عليه بين أهل دينكم؟ ثم توعدهم سبحانه بقوله: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } ثم خاطب سبحانه المؤمنين محذراً لهم عن طاعة اليهود، والنصارى مبيناً لهم أن تلك الطاعة تفضي إلى أن يردونهم بعد إيمانهم كافرين، وسيأتي بيان سبب نزول الآية، والاستفهام في قوله: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ } للإنكار، أي: من أين يأتيكم ذلك، ولديكم ما يمنع منه ويقطع أثره، وهو: تلاوة آيات الله عليكم، وكون رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم؟ ومحل قوله: {وَأَنتُمْ } وما بعده النصب على الحال. ثم أرشدهم إلى الاعتصام بالله ليحصل لهم بذلك الهداية إلى الصراط المستقيم الذي: هو الإسلام، وفي وصف الصراط بالاستقامة ردّ على ما ادَّعوه من العوج. قال الزجاج: يجوز أن يكون هذا الخطاب لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيهم، وهم يشاهدونه، ويجوز أن يكون هذا الخطاب لجميع الأمة؛ لأن آثاره، وعلامته، والقرآن الذي أوتيه فينا، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، وإن لم نشاهده. انتهى. ومعنى الاعتصام بالله التمسك بدينه، وطاعته، وقيل: بالقرآن، يقال: اعتصم به، واستعصم، وتمسك، واستمسك: إذا امتنع به من غيره، وعصمه الطعام: منع الجوع منه. قوله: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } أي: التقوى التي تحق له، وهي: أن لا يترك العبد شيئاً مما يلزمه فعله، ولا يفعل شيئاً مما يلزمه تركه، ويبذل في ذلك جهده، ومستطاعه. قال القرطبي: ذكر المفسرون أنها لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من يقوى على هذا؟ وشق عليهم ذلك، فأنزل الله: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } تفسير : [التغابن: 16] فنسخت هذه الآية. روي ذلك عن قتادة، والربيع، وابن زيد. قال مقاتل: وليس في آل عمران من المنسوخ شيء إلا هذا. وقيل: إن قوله: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } مبين بقوله: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } والمعنى: اتقوا الله حق تقاته ما استطعتم. قال: وهذا أصوب؛ لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع، والجمع ممكن، فهو أولى. قوله: {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } أي: لا تكونن على حال سوى حال الإسلام، فالاستثناء مفرغ، ومحل الجملة: أعني: قوله: {وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } النصب على الحال، وقد تقدم في البقرة تفسير مثل هذه الآية. قوله: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً } الحبل لفظ مشترك، وأصله في اللغة السبب الذي يتوصل به إلى البغية، وهو: إما تمثيل، أو استعارة. أمرهم سبحانه بأن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام، أو بالقرآن، ونهاهم عن التفرق الناشيء عن الاختلاف في الدين، ثم أمرهم بأن يذكروا نعمة الله عليهم، وبين لهم من هذه النعمة ما يناسب المقام، وهو أنهم كانوا أعداء مختلفين يقتل بعضهم بعضاً، وينهب بعضهم بعضاً، فأصبحوا بسبب هذه النعمة إخواناً وكانوا على شفا حفرة من النار بما كانوا عليه من الكفر، فأنقذهم الله من هذه الحفرة بالإسلام. ومعنى قوله: {أصبحتم} صرتم، وليس المراد به معناه الأصلي: وهو الدخول في وقت الصباح، وشفا كل شيء: حرفه، وكذلك شفيره، وأشفى على الشيء: أشرف عليه، وهو تمثيل للحالة التي كانوا عليها في الجاهلية. وقوله: {قَالَ كَذٰلِكَ } إشارة إلى مصدر الفعل الذي بعده أي: مثل ذلك البيان البليغ يبين الله لكم. وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } إرشاد لهم إلى الثبات على الهدى، والازدياد منه. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال: مرّ شاس بن قيس - وكان شيخاً قد عسى في الجاهلية، عظيم الكفر، شديد الطعن على المسلمين، شديد الحسد لهم - على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس، والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم، وجماعتهم، وصلاح ذات بينهم على الإسلام. بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتى شاباً معه من يهود، فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم ذكرهم يوم بعاث، وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا يتقاولون فيه من الأشعار- وكان يوم بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس، والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج، - ففعل فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا، وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب، أوس بن قيظي أحد بني حارثة من الأوس، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج، فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم، والله رددناها الآن جذعة، وغضب الفريقان جميعاً، وقالوا: قد فعلنا، السلاح السلاح موعدكم الظاهرة - والظاهرة: الحرة - فخرجوا إليها، وانضمت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم، فقال: "يا معشر المسلمين الله الله أبدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم؟ بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً؟" فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم لهم، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا، وعانق الرجال بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس، وأنزل الله في شأن شاس بن قيس، وما صنع {قُلْ يٰأَهْلَ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن تَكْفُرُونَ بِـئَيَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } إلى قوله: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } وأنزل في أوس بن قيظي، وجبار بن صخر، ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} إلى قوله: {وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } وقد رويت هذه القصة مختصرة، ومطولة من طرق. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: {لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } قال: كانوا إذا سألهم أحد تجدون محمداً؟ قالوا: لا، قال: فصدوا الناس عنه، وبغوا محمداً عوجاً هلاكاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة: لم تصدون عن الإسلام، وعن نبي الله من آمن بالله، وأنتم شهداء فيما تقرءون من كتاب الله أن محمداً رسول الله، وأن الإسلام دين الله الذي لا يقبل غيره، ولا يجزي إلا به يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة، والإنجيل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله: {وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ } قال: يؤمن به. وأخرجوا عن أبي العالية قال: الاعتصام: الثقة بالله. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن مسعود في قوله: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } قال: أن يطاع، فلا يعصى، ويذكر، فلا ينسى، ويشكر، فلا يكفر. وقد رواه الحاكم وصححه، وابن مردويه من وجه آخر عنه مرفوعاً بدون قوله: ويشكر، فلا يكفر. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال: حقّ تقاته أن يطاع، فلا يعصى، فلن تستطيعوا، فأنزل الله بعد ذلك: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ }تفسير : [التغابن: 16] وأخرج عبد بن حميد، عنه نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {حَقَّ تُقَاتِهِ } قال: لم تنسخ، ولكن حق تقاته أن يجاهدوا في الله حق جهاده، ولا يأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط، ولو على أنفسهم، وآبائهم، وأبنائهم. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، قال السيوطي بسند صحيح عن ابن مسعود في قوله: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ } قال: حبل الله القرآن. وقد وردت أحاديث أن كتاب الله هو حبل الله الممدود. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال: {واعتصموا بحبل الله} بالإخلاص لله وحده. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال: بطاعته. وأخرج أيضاً، عن قتادة قال: بعهده، وأمره. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد قال: بالإسلام. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله: {إِذْ كُنتُم أَعْدَاء } قال: ما كان بين الأوس، والخزرج في شأن عائشة. وأخرج ابن إسحاق قال: كانت الحرب بين الأوس، والخزرج عشرين ومائة سنة، حتى قام الإسلام، فأطفأ الله ذلك، وألف بينهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: {وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ ٱلنَّارِ } يقول: كنتم على طرف النار، من مات منكم، وقع في النار، فبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، واستنقذكم به من تلك الحفرة.

الماوردي

تفسير : {قُلْ يَا أهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ} فيه قولان: أحدهما: أن صدهم عن سبيل ما كانوا عليه من الإغراء بين الأوس والخزرج حتى يتذكروا حروب الجاهلية فيتفرقوا، وذلك من فعل اليهود خاصة، وهو قول ابن زيد. والثاني: أنه تكذيبهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وإنكارهم ثبوت صفته في كتبهم، وذلك من فعل اليهود والنصارى، وهذا قول الحسن. {تَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي تطلبون العِوَجَ وهو بكسر العين العدول عن طرائق الحق، والعَوَج بالفتح ميلُ منتصب من حائط أو قناة. {وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ} فيه قولان: أحدهما: يعني عقلاء، مثل قوله تعالى: {أية : أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} تفسير : [ق: 37]. والثاني: يعني شهوداً على ما كان من صَدّهم عن سبيل الله، وقيل من عنادهم وكذبهم.

ابن عطية

تفسير : هذه الايات توبيخ لليهود المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم و {الكتاب} التوراة، وجعلهم أهله بحسب زعمهم ونسبهم، وإلا فأهله على الحقيقة هم المؤمنون، و"آيات الله" يحتمل أن يريد بها القرآن، ويحتمل أن يراد بالآيات العلامات الظاهرة على يدي محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: {الله شهيد على ما تعملون} وعيد محض: أي يجازيكم به ويعاقبكم، قال الطبري: هاتان الآيتان قوله، {قل يا أهل الكتاب لم تكفرون} وما بعدهما، إلى قوله {أية : أولئك لهم عذاب عظيم} تفسير : [آل عمران: 105]، نزلت بسبب رجل من يهود، حاول الإغواء بين الأوس والخزرج، قال ابن إسحاق: حدثني الثقة عن زيد بن أسلم، قال شاش ابن قيس اليهودي، وكان شيخاً قد عسى في الجاهلية، عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين، والحسد لهم، على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج، وهم في مجلس يتحدثون، فغاظه ما رأى من جماعتهم، وصلاح ذات بينهم، بعد ما كان بينهم من العداوة فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتى شاباً من يهود، فقال أمد إليهم، واجلس معهم، وذكرهم يوم بعاث، وما كان قبله من أيام حربهم، وأنشدهم ما قالوه من الشعر في ذلك، ففعل الفتى، فتكلم القوم عند ذلك فتفاخروا وتنازعوا، حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب، أوس ين قيظي، أحد بني حارثة بن الحارث من الأوس، وجبار بن صخر من الخزرج، فتقاولا، ثم قال أحدهما: لصاحبه: إن شئتم والله رددناها الآن جذعة، فغضب الفريقان: وقالوا: قد فعلنا السلاح السلاح، موعدكم الظاهرة، يريدون الحرة، فخرجوا إليها، وتحاوز الناس على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين، فقال: يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، ووعظهم فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، فألقوا السلاح وبكوا وعانق الناس بعضهم بعضاً من الأوس والخزرج، وانصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، سامعين مطيعين فأنزل الله في شاس بن قيس وما صنع هذه الآيات، وقال الحسن وقتادة والسدي: إن هذه الآيات نزلت في أحبار اليهود الذين كانوا يصدون المسلمين عن الإسلام، بأن يقولوا لهم، إن محمداً ليس بالموصوف في كتابنا. قال الفقيه الإمام: ولا شك في وقوع هذين السببين وما شاكلهما من أفعال اليهود وأقوالهم، فنزلت الآيات في جميع ذلك و"صد" معناه: أعرض عن الشيء وانصرف عنه، وهو فعل يقف ويتعدى بلفظ واحد، تقول: صددت عن كذا، وصددت غيري عنه، فالذي في هذه الآية هو الفعل المتعدي، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "تُصِدون" بضم التاء وكسر الصاد، وهذا هو الفعل الواقف، نقل بالهمزة فعدي، و {سبيل الله} في هذه الآية، هو الإسلام الذي هو طريق إلى رضى الله وجنته، و {من} مفعولة بــ {تصدون} والضمير في {تبغونها} عائد على السبيل، ومعنى "تبغون" على ما فسر الزجّاج والطبري وغيرهما: تطلبون فالمعنى تطلبون لها العوج، أي الاعوجاج والانفساد، تقول العرب: أبغني كذا بألف موصولة، بمعنى اطلبه لي، فإذا أرادوا أعني على طلبه واطلبه معي، قطعوا الألف مفتوحة وقيل: إن تبغون هنا، من البغي الذي هو التعدي، أي تبغون عليها، ويكون، {عوجاً} على هذا التأويل نصبه على الحال من الضمير في "تبغون" أي "عوجاً" منكم وعدم استقامة، والعوج بكسر العين: ما كان في الأمور والحجج غير الأجرام، والعَوج بفتح العين، ما كان في الأجرام، كالجدار والعصا ونحو ذلك، قال ابن قتيبة: والأرض خاصة من الأجرام يقال فيها: عِوج بكسر العين، ومنه قول الله تعالى: {أية : لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً} تفسير : [طه: 107] قال بعض اللغويين هما لغتان بمعنى واحد، وقوله تعالى: {وأنتم شهداء}، يريد جمع شاهد، على ما في التوراة من صفة محمد وصدقه، وباقي الآية وعيد.

النسفي

تفسير : {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } الواو للحال والمعنى لم تكفرون بآيات الله الدالة على صدق محمد عليه السلام والحال أن الله شهيد على أعمالكم فيجازيكم عليها؟! {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ } الصد المنع {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءامَنَ } عن دين حق علم أنه سبيل الله التي أمر بسلوكها وهو الإسلام، وكانوا يمنعون من أراد الدخول فيه بجهدهم ومحل {تَبْغُونَهَا } تطلبون لها نصب على الحال {عِوَجَا } اعوجاجاً وميلاً عن القصد والاستقامة بتغييركم صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وجهها ونحو ذلك {وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ} أنها سبيل الله التي لا يصد عنها إلاّ ضال مضل {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } من الصد عن سبيله وهو وعيد شديد. ثم نهى المؤمنين عن اتباع هؤلاء الصادين عن سبيله بقوله { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ } قيل: مرّ شاس ابن قيس اليهودي على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون، فغاظه تحدثهم وتألفهم فأمر شاباً من اليهود أن يذكرهم يوم بعاث لعلهم يغضبون، وكان يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس، ففعل فتنازع القوم عند ذلك وقالوا: السلاح السلاح. فبلغ النبي عليه السلام فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار فقال «حديث : أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم»تفسير : بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وألف بينكم؟ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان فألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً باكين فنزلت الآية {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ } معنى الاستفهام فيه الإنكار والتعجب أي من أين يتطرق إليكم الكفر {وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتُ ٱللهِ} والحال أن آيات الله وهي القرآن المعجز تتلى عليكم على لسان الرسول غضة طرية {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ } وبين أظهركم رسول الله عليه السلام ينبهكم ويعظكم ويزيح عنكم شبهكم {وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ } ومن يتمسك بدينه أو بكتابه، أو هو حث لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار ومكايدهم {فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرٰطٍ مّسْتَقِيمٍ } أرشد إلى الدين الحق، أو ومن يجعل ربه ملجأ ومفزعاً عند الشبه يحفظه عن الشبه. { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } واجب تقواه وما يحق منها وهو القيام بالواجب والاجتناب عن المحارم. وعن عبد الله هو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى. أو هو أن لا تأخذه في الله لومة لائم ويقوم بالقسط ولو على نفسه أو بنيه أو أبيه. وقيل: لا يتقي الله عبد حق تقاته حتى يخزن لسانه. والتقاة من اتقى كالتؤدة من اتأد {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } ولا تكونن على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ } تمكسوا بالقرآن لقوله عليه السلام «حديث : القرآن حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد، من قال به صدق، ومن عمل به رشد ومن اعتصم به هدى إلى صراط مستقيم»تفسير : {جَمِيعاً } حال من ضمير المخاطبين. وقيل: تمكسوا بإجماع الأمة دليله {وَلاَ تَفَرَّقُواْ } أي ولا تتفرقوا يعني ولا تفعلوا ما يكون عنه التفرق ويزول معه الاجتماع، أو ولا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كما اختلفت اليهود والنصارى، أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية يحارب بعضكم بعضاً {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً } كانوا في الجاهلية بينهم العداوة والحروب فألف بين قلوبهم بالإسلام وقذف في قلوبهم المحبة فتحابوا وصاروا إخواناً {وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ } وكنتم مشفين على أن تقعوا في نار جهنم لما كنتم عليه من الكفر {فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا } بالإسلام وهو رد على المعتزلة، فعندهم هم الذين ينقذون أنفسهم لا الله تعالى. والضمير للحفرة أو للنار أو للشفا، وأنث لإضافته إلى الحفرة. وشفا الحفرة: حرفها، ولامها واو فلهذا يثنى شفوان {كَذٰلِكَ } مثل ذلك البيان البليغ {يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَـٰتِهِ } أي القرآن الذي فيه أمر ونهي ووعد ووعيد {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } لتكونوا على رجاء الهداية أو لتهتدوا به إلى الصواب وما ينال به الثواب. {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } بما استحسنه الشرع والعقل {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } عما استقبحه الشرع والعقل، أو المعروف ما وافق الكتاب والسنة. والمنكر ما خالفهما، أو المعروف الطاعة والمنكر المعاصي. والدعاء إلى الخير عام في التكاليف من الأفعال والتروك وما عطف عليه خاص. و«من» للتبعيض لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية، ولأنه لا يصلح له إلا من علم بالمعروف والمنكر وعلم كيف يرتب الأمر في إقامته فإنه يبدأ بالسهل فإن لم ينفع ترقى إلى الصعب قال الله تعالى: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا }. ثم قال: {أية : فَقَـٰتِلُواْ }تفسير : [الحجرات: 9]. أو للتبيين أي وكونوا أمة تأمرون كقوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } أي هم الأخصاء بالفلاح الكامل قال عليه السلام "حديث : من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه" تفسير : وعن علي رضي الله عنه: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ } بالعداوة {وَٱخْتَلَفُواْ } في الديانة وهم اليهود والنصارى فإنهم اختلفوا وكفر بعضهم بعضاً {مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ } الموجبة للاتفاق على كلمة واحدة وهي كلمة الحق {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ونصب {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ } أي وجوه المؤمنين بالظرف وهو لهم أو بعظيم أو باذكروا {وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } أي وجوه الكافرين. والبياض من النور والسواد من الظلمة {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ } فيقال لهم {أَكْفَرْتُمْ } فحذف الفاء، والقول جميعاً للعلم به والهمزة للتوبيخ والتعجب من حالهم {بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ } يوم الميثاق فيكون المراد به جميع الكفار وهو قول أبي وهو الظاهر، أو هم المرتدون أو المنافقون أي أكفرتم باطناً بعد إيمانكم ظاهراً، أو أهل الكتاب، وكفرهم بعد الإيمان تكذيبهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد اعترافهم به قبل مجيئه {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ } ففي نعمته وهي الثواب المخلد. ثم استأنف فقال {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } لا يظعنون عنها ولا يموتون. {تِلْكَ آيَـٰتُ ٱللَّهِ } الواردة في الوعد والوعيد وغير ذلك {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ } ملتبسة {بِٱلْحَقِّ } والعدل من جزاء المحسن والمسيء {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعَـٰلَمِينَ } أي لا يشاء أن يظلم هو عباده فيأخذ أحداً بغير جرم، أو يزيد في عقاب مجرم، أو ينقص من ثواب محسن {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. «ترجع». شامي وحمزة وعلي. كان عبارة عن وجود الشيء في زمان ماضٍ على سبيل الإبهام، ولا دليل فيه على عدم سابق ولا على انقطاع طارىء ومنه قوله. {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } كأنه قيل: وجدتم خير أمة أو كنتم في علم الله أو في اللوح خير أمة، أو كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة موصوفين به {أُخْرِجَتْ } أظهرت {لِلنَّاسِ } اللام يتعلق بـ «أخرجت» {تَأْمُرُونَ } كلام مستأنف بين به كونهم خير أمة كما تقول «زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم» بينت بالإطعام والإلباس وجه الكرم فيه {بِٱلْمَعْرُوفِ } بالإيمان وطاعة الرسول {وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } عن الكفر وكل محظور {وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } وتدومون على الإيمان به أو لأن الواو لا تقتضي الترتيب {وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ } بمحمد عليه السلام {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } لكان الإيمان خيراً لهم مما هم فيه لأنهم إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حباً للرياسة واستتباع العوام، ولو آمنوا لكان لهم من الرياسة والأتباع وحظوظ الدنيا ما هو خير مما آثروا دين الباطل لأجله، مع الفوز بما وعدوا على الإيمان به من إيتاء الأجر مرتين {مّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ } كعبد الله بن سلام وأصحابه {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } المتمردون في الكفر. {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } إلا ضرراً مقتصراً على أذى بقول من طعن في الدين أو تهديد أو نحو ذلك {وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدُبَارَ } منهزمين ولا يضروكم بقتلٍ أو أسر {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } ثم لا يكون لهم نصر من أحد ولا يمنعون منكم، وفيه تثبيت لمن أسلم منهم لأنهم كانوا يؤذونهم بتوبيخهم وتهديدهم وهو ابتداء إخبار معطوف على جملة الشرط والجزاء وليس بمعطوف على «يولوكم» إذ لو كان معطوفاً عليه لقيل ثم لا ينصروا، وإنما استؤنف ليؤذن أن الله لا ينصرهم قاتلوا أم لم يقاتلوا، وتقدير الكلام: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا ثم أخبركم أنهم لا ينصرون. و«ثم» للتراخي في المرتبة لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار. {ضُرِبَتْ } ألزمت {عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ } أي على اليهود {أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ } وجدوا {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ } في محل النصب على الحال، والباء متعلق بمحذوف تقديره إلا معتصمين أو متمسكين بحبل من الله {وَحَبْلٍ مّنَ ٱلنَّاسِ } والحبل العهد والذمة، والمعنى ضربت عليهم الذلة في كل حال إلا في حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس يعني ذمة الله وذمة المسلمين أي لا عزّ لهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة لما قبلوه من الجزية {وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ } استوجبوه {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ } الفقر عقوبة لهم على قولهم {أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء }تفسير : [آل عمران: 181] أو خوف الفقر مع قيام اليسار {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ} ذلك إشارة إلى ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بغضب الله أي ذلك كائن بسبب كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق. ثم قال {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } أي ذلك الكفر وذلك القتل كائن بسبب عصيانهم لله واعتدائهم لحدوده.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {قل يا أهل الكتاب} قيل الخطاب لعلماء أهل الكتاب الذين علموا صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل الخطاب لجميع أهل الكتاب اليهود والنصارى الذين أنكروا نبوته {لم تكفرون بآيات الله} يعني الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أنه حق وصدق والمعنى لم تكفرون بآيات الله التي دلتكم على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل المراد بآيات الله القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم {والله شهيد على ما تعملون} أي والله شهيد على أعمالكم فيجازيكم عليها {قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن}، يعني لم تصرفون عن دين الله من آمن وكان صدهم عن سبيل الله بالقاء الشبهة والشكوك وذلك بإنكارهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم {تبغونها عوجاً} يعني زيغاً وميلاً عن الحق والعوج بالكسر الزيغ والميل عن الاستواء في الدين والقول والعمل وكل ما لا يرى فأما الشيء الذي يرى كالحائط والقناة ونحو ذلك يقال فيه عوج بفتح العين والهاء في قوله تبغونها عائدة على السبيل والمعنى لم تطلبون الزيغ والميل في سبيل الله بإلقاء الشبه في قلوب الضعفاء {وأنتم شهداء} قال ابن عباس: يعني وأنتم شهداء أن نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته مكتوب في التوراة، وأن دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام وقيل معناه وأنتم تشهدون المعجزات التي تظهر على يد محمد صلى الله عليه وسلم الدالة على نبوته {وما الله بغافل عما تعملون} فيه وعيد وتهديد لهم وذلك أنهم كانوا يجتهدون ويحتالون بإلقاء الشبهة في قلوب الناس ليصدوهم عن سبيل الله والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم فلذلك قال الله تعالى: {وما الله بغافل عما تعملون}. قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب} الآية قال زيد بن أسلم: مر شاس بن قيس اليهودي وكان شيخاً عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين فمر بنفر من الأوس والخزرج وهم في مجلس يتحدثون فيه فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم في الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية وقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار فأمر شاباً من اليهود كان معه فقال له اعمد إليهم واجلس معهم ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا يتقاولون فيه من الأشعار وكان يوم بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج ففعل فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب وهما أوس بن قيظي أحد بني حارثة من الأوس وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج فتقاولا فقال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددناها الآن جذعة وغضب الفريقان جميعاً وقالا قد فعلنا السلاح السلاح موعدكم الظاهر وفي الحرة فخرجوا إليها وانضمت الأوس والخزرج بعضهم إلى بعض على دعواهم في الجاهلية فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم فقال: حديث : يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وقطع عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً؟ الله اللهتفسير : . فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا واعتنق بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه سلم سامعين مطيعين قال جابر: فما رأيت يوماً أقبح أولاً وأحسن آخراً من ذلك اليوم فأنزل الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب} يعني شاساً اليهودي وأصحابه {يردوكم بعد إيمانكم كافرين} والكفر يوجب الهلاك في الدنيا بوقوع العداوة والبغضاء وهيجان الفتنة والحرب وسفك الدماء وفي الآخرة النار.

الثعالبي

تفسير : وقوله عزَّ وجلَّ: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ}. هذه الآياتُ: توبيخٌ لليهود المعاصرِينَ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، والكتابُ: التوراةُ، وآياتُ اللَّه يحتملُ أنْ يريدَ بها القُرآن، ويحتملُ العلاماتِ الظاهرةَ علَىٰ يَدَيِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقوله سبحانه: {وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} وعيدٌ محضٌ، قال الطبريُّ: هاتان الآيتانِ: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـآيَـٰتِ ٱللَّهِ}، وما بعدهما إلى قوله: {أية : وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} تفسير : [آل عمران:105]، نزلَتْ بسبب رَجْلٍ من اليهودِ، حاول الإغراء بَيْن الأوس والخَزْرَج، قال ابنُ إسْحَاق: حدَّثني الثِّقَةُ عَنْ زَيْدِ بنِ أسْلَم، قال: مَرَّ شَاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ، وكان شَيْخاً قَدْ عَسَا فِي الجَاهِلِيَّةِ عَظِيمَ الكُفْر، شَدِيدَ الضِّغْن على المُسْلمين، والحَسَدِ لهم؛ علَىٰ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، وَهُمْ في مَجْلِسٍ يتحدَّثُونَ، فغَاظَهُ مَا رآه مِنْ جماعَتِهِمْ وصَلاَحِ بَيْنِهِمْ بَعْدَ مَا كَانَ بينَهُمْ مِنَ العَدَاوَةِ، فَقَالَ: قَدِ ٱجْتَمَعَ مَلأ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ البِلاَدِ، واللَّهِ، مَا لَنَا مَعَهُمْ، إذَا ٱجْتَمَعَ مَلَؤُهُمْ بِهَا مِنْ قَرَارٍ، فَأَمَر فَتًى شَابًّا مِنْ يَهُودَ، فَقَالَ: ٱعْمِدْ إلَيْهِمْ، وَٱجْلِسْ مَعَهُمْ، وَذَكِّرْهُمْ يَوْمَ بُعَاثَ، وَمَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ أَيَّامِ حَرْبِهِمْ، وَأَنْشِدْهُمْ مَا قَالُوهُ مِنَ الشِّعْرِ فِي ذَلِكَ، فَفَعَلَ الفَتَىٰ، فَتَكَلَّمَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَتَفَاخَرُوا، وَتَنَازَعُوا حَتَّىٰ تَوَاثَبَ رَجُلاَنِ مِنَ الحَيَّيْنِ عَلَى الرُّكَبِ أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ مِنَ الأَوْسِ، وَجَبَّارُ بْنُ صَخْر مِنَ الخَزْرَجِ، فَتَقَاوَلاَ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: إنْ شِئْتُمْ، وَاللَّهِ، رَدَدْنَاهَا الآنَ جَذَعَةً، فَغَضِبَ الفَرِيقَانِ، وَقَالُوا: قَدْ فَعَلْنَا، السِّلاَحَ السِّلاَح! مَوْعِدُكُمُ الظَّاهِرَةُ، يُرِيدُونَ: الحَرَّةَ، فَخَرَجُوا إلَيْهَا وَتَجَاوَزَ النَّاسُ عَلَىٰ دَعْوَاهُمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ المُهَاجرِينَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، اللَّه اللَّه، أَبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، وَوَعَظَهُمْ، فَعَرَفَ القَوْمُ؛ أَنَّهَا نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَأَلْقُوا السِّلاَحَ، وَبَكَوْا، وَعَانَقَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً مِنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ، وَٱنْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم سَامِعِينَ مُطِيعِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَاسِ بْنِ قيسٍ، وما صَنَعَ هذه الآيات. وقال الحَسَنُ وغيره: نزلَتْ في أحْبَار اليَهُود الَّذِينَ يَصُدُّون المُسْلِمِينَ عَنِ الإسلام، ويَقُولُون: إن محمَّداً ليس بالموصُوفِ في كتابنا. قال * ع *: ولا شَكَّ في وقوعِ هَذيْن الشيئَيْن، وما شاكَلَهما مِنْ أفعال اليهودِ وأقوالِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآياتُ في جميعِ ذلك، ومعنَىٰ «تَبْغُونَ» أي: تطلبون لها الاعوجاجَ والانفسادَ، وأنْتُمْ شُهَدَاءُ: يريدُ جَمْعَ شاهِدٍ علَىٰ ما في التوراةِ مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وصِدْقِهِ، وباقِي الآية وعيدٌ. وقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ...} الآية: خطابٌ عامٌّ للمؤمنين، والإشارة بذلك وقْتَ نزوله إلى الأوْسِ والخَزْرَجِ بسبب نَائِرَةِ شَاسِ بْنِ قَيْسٍ. قال * ص *: قوله تعالى: {يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ}، ردَّ: بمعنى صَيَّر، فيتعدَّىٰ إلى مفعولَيْنِ الأول: الكافُ، والثاني: الكافِرِينَ؛ كقوله: [الوافر] شعر : فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضاً وَرَدَّ وُجُوهَهُنَّ الْبِيضَ سُودَا تفسير : و {يَعْتَصِم }: معناه: يتمسَّك، وعُصِمَ الشَّيءُ، إذا مُنِعَ وحُمِيَ؛ ومنه: قوله: {أية : يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَاءِ }تفسير : [هود:43] وباقي الآية بيِّن.

ابن عادل

تفسير : في كيفية النظم وجهان: الأول: أنه - تعالى - لما أوْرَد الدلائلَ على نبوَّةِ محمد صلى الله عليه وسلم، مما ورد في التوراة، والإنجيل، عقَّب ذلك بشبهات القوم من إنكار النَّسْخ، واستقبال الكعبة في الصلاة، ووجوب حَجِّها، وأجاب عن هاتين الشُّبْهَتَيْن بقوله {أية : كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} تفسير : [آل عمران: 93] وبقوله: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ}تفسير : [آل عمران: 96] فلما تَمَّ الاستدلال خاطبهم - بعد ذلك - بالكلام اللَّيِّن، وقال: {لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} بعد ظهور البينات؟ الثاني: أنه - تعالى - لما بيَّن فضائلَ الكعبة ووجوبَ الحَجِّ - والقوم كانوا عالمين بأن هذا هو الدين الحق - قال لهم: {لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} بعد أن علمتم كونها حَقًّا صحيحةً؟ واعلم: أن المُبْطل قد يكون ضَالاً مضلاًّ فقط، وقد يكون ضالاً مضلاً، والقوم كانوا موصوفين بالأمرين جميعاً، فبدأ - تعالى - بالإنكار على أهل الصفة الأولَى - على سبيل الرفق - فقال: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ}؟ قال الحسن: هم العلماء من أهل الكتاب، الذين علموا صحة نبوته؛ لقوله: "وأنتم شهداء". وقال آخرون: المراد: أهل الكتاب كلهم. فإن قيل: لماذا خَصَّ أهْل الكتاب دون سائر الكفار؟ فالجواب من وجهين: الأول: أنا بَيَّنَّا أنه - تعالى - أورد الدليلَ عليهم من التوراة والإنجيل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم أجاب عن شُبْهتهم في ذلك، فلمَّا تمَّ ذلك خاطبهم، فقال: "يا أهل الكتاب". والثاني: أن معرفتهم بآيات الله أقْوَى؛ لتقدُّم اعترافهم بالتوحيد، وأصل النبوة، ولمعرفتهم بما في كُتُبِهم من الشهادة بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، والبشارة بنبوته. والمراد بآيات الله: الآيات التي نصبها الله - تعالى - على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والمراد بكُفْرهم بها كفرهم بدلالتها على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فصل قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أن الكُفْرَ من قِبَلِهِم - حتى يَصِحْ هذا التوبيخُ، ولذلك لا يصح توبيخهم على طولهم، وصِحَّتِهم، ومَرَضِهم. وأجيبوا بالمعارضة بالعلم والداعي. قوله: {وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} الواو للحال، والمعنى: لِمَ تكفرون بآيات الله التي دلَّتكم على صحة صدق محمد، والحال أن الله شهيد على أعمالكم، ومجازيكم عليها؟ ثم لما أنكر [عليهم في ضلالهم ذكر ذلك الإنكار] عليهم في إضلالهم لضَعَفَةِ المسلمين، فقال: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ}؟ "لم": متعلق بالفعل بعده، و "من آمن" مفعوله والعامة على "تُصِدُّون" - بفتح التاء - من صَدَّ يَصُدُّ - ثلاثياً - ويُستَعْمَل لازماً ومتعدياً. وقرأ الحسن "تُصِدُّونَ" - بضم التاء - من أصَدَّ - مثل أعد - ووجهه أن يكون عدى "صَدَّ" اللازم بالهمزة كقول ذي الرمة: [الطويل] شعر : 1543- أناسٌ أصَدُّوا النَّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُمْ ............................ تفسير : قال الفراء: يقال: صَدَدتُه، أصُدُّه، صَدًّا. وأصْدَدتهُ، إصْداداً. وكان صدهم عن سبيل الله بإلقاءِ الشُّبَه في قلوب الضَّعفَة من المسلمين، وكانوا يُنْكِرون كَوْنَ صفته في كتابهم. قوله: {تَبْغُونَهَا} يجوز أن تكون جملةً مستأنفةً، أخبر عنهم بذلك - وأن تكون في محل نَصْب على الحال، وهو أظهر من الأول؛ لأن الجملةَ الاستفهاميةَ السابقة جِيء بعدَها بجملة حالية - أيضاً - وهي قوله: {وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ}. {أية : وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} تفسير : [البقرة: 84]. فتتفق الجملتان في انتصاب الحال عن كل منهما، ثم إذا قُلْنا بأنها حال، ففي صاحبها احتمالان: أحدهما: أنه فاعل "تَصُدُّونَ". والثاني: أنه {سَبِيلِ ٱللَّهِ}. وإن جاز الوجهان لأن الجملة - اشتملت على ضمير كل منهما. والضمير في {تَبْغُونَهَا} يعود على {سَبِيلِ} فالسبيل يذَكَّر ويؤنث كما تقدم ومن التأنيث هذه الآية، وقوله: {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ} تفسير : [يوسف: 108]. وقول الشاعر: [الوافر] شعر : 1544- فَلاَ تَبْعَدْ فَكُلُّ فَتَى أنَاسٍ سَيُصْبحُ سَالِكاً تِلْكَ السَّبِيلا تفسير : قوله (عوجاً) فيه وجهان: أحدهما: أنه مفعول به، وذلك أن يُراد بـ "تَبْغُونَ" تطلبون. قال الزجَّاج والطبريّ: تطلبون لها اعوجاجاً. تقول العرب: ابْغِني كذا - بوصل الألف - أي: اطْلُبه لي، وأبْغِني كذا - بقطع الألف - أي: أعِنِّي على طلبه. قال ابنُ الأنباري: البغي يقتصر له على مفعول واحد إذا لم يكن معه اللام، كقولك: بغيت المال والأجر والثواب. وههنا أريد يبغون لها عوجاً، فلما سقطت اللام عمل الفعل فيما بعدَها، كما قالوا وهبتك درهماً، يريدون وهبت لك، ومثله: صِدْتُك ظبياً، أي: صدت لك. قال الشاعر: [الخفيف] شعر : 1545- فَتَوَلَّى غُلاَمُهُمْ ثُمَّ نَادَى أظِليماً أصِيدُكُمْ أمْ حِمَارا تفسير : يريد: أصيد لكم ظليماً؟ ومثله: "جنيتك كمأة وجنيتك طِبًّا"، والأصل جنيت لك، فحذف ونصب". والثاني: أنه حال من فاعل "تَبْغُونََهَا" وذلك أن يُراد بـ "تبغون" معنى تتعدّون، والبغي: التَّعَدِّي. والمعنى: تبغون عليها، أو فيها. قال الزجاج: كأنه قال تبغونها ضالين، والعوج بالكسر، والعوج بالفتح - المَيْل، ولكن العرب فرَّقوا بينهما، فخَصُّوا المكسور بالمعاني، والمفتوح بالأعيان تقول: في دينه وفي كلامه عِوَج - بالكسر، وفي الجدار والقناة والشجر عَوَجٌ - بالفتح. قال أبو عبيدة: العِوَج - بالكسر. المَيْل في الدِّين والكلامِ والعملِ، وبالفتح في الحائط والجِذْع. وقال أبو إسحاق: الكسر فيما لا تَرَى له شَخْصاً، وبالفتح فيما له شَخْصٌ. وقال صاحب المُجْمَل: بالفتح في كل منتصب كالحائط، والعِوَج - يعني: بالكسر - ما كان في بساط، أو دين، أو أرض، أو معاش، فجعل الفرق بينهما بغير ما تقدم. وقال الراغب: العِوَجُ: العطف من حال الانتصاب، يقال: عُجْتُ البعير بزمامه، وفلان ما يعوج به - أي: يرجع، والعَوَج - يعني: بالفتح - يقال فيما يُدْرَك بالبصر كالخشب المتصِب، ونحوه، و العِوَجُ يقال فيما يُدْرَك بفِكْر وبصيرة، كما يكون في أرض بسيطة عوج، فيُعْرَف تفاوتُه بالبصيرة، وكالدين والمعاش، وهذا قريب من قول ابن فارس؛ لأنه كثيراً ما يأخذ منه. وقد سأل الزمخشريُّ في سورة طه قوله تعالى: {أية : لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً} تفسير : [طه: 107] - سؤالاً، حاصله: أنه كيف قيل: عوج - بالكسر - في الأعيان، وإنما يقال في المعاني؟ وأجاب هناك بجواب حَسَنٍ - يأتي إن شاء الله. والسؤال إنما يَجيء على قول أبي عبيدة والزجَّاج المتقدم، وأما على قول ابن فارس والراغب فلا يرد، ومن مجيء العِوَج بمعنى الميل من حيث الجملة قول الشاعر: [الوافر] شعر : 1546- تَمُرُّونَ الدِّيَارَ وَلَمْ تَعُوجُوا كَلاَمُكُمُ عَلَيَّ إذَنْ حَرَامُ تفسير : وقول امرئ القيس: [الكامل] شعر : 1547- عُوجَا عَلَى الطَّلَلِ الْمُحِيلِ لأنَّنَا نَبْكِي الدِّيَارَ كَمَا بَكَى ابْنُ حِذَامِ تفسير : أي: ولم تميلوا، ومِيلاَ. وأما قولهم: ما يَعوج زيد بالدواء - أي: ما ينتفع به - فمن مادة أخرى ومعنى آخر. والعاجُ: العَظْم، ألفه مجهولة لا يُعْلم منقلبة عن واوٍ أو عن ياءٍ؟ وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال لثوبان: "حديث : اشْتَرِ لِفَاطِمَةَ سِوَاراً مِنْ عَاج ". تفسير : قال القتيبي: العاجُ الذَّبْل؛ وقال أبو خراش الهذليّ في امرأة: [الطويل] شعر : 1548- فَجَاءَتْ كَخَاصِي الْعِيرِ لَمْ تَحْلَ عَاجَةً وَلاَ جَاجَةً مِنْهَا تَلُوحُ عَلَى وَشْمِ تفسير : قال الأصْمَعِيّ: العاجة: الذبلة، والجاجة - بجيمين - خَرَزةَ ما تساوي فلساً. وقوله: كَخَاصِي العير، هذا مَثَل تقوله العرب لمن جاء مُسْتَحياً مِنْ أمْرٍ، فيقال: جاء كخاصي العير. والعير: الحمار، يعنون جاء مستحياً. ويقال: عاج بالمكان، وعوَّج به - أي: أقام وقَطَن، وفي حديث إسماعيلَ - على نبينا وعليه السلام -: "ها أنتم عائجون" أي مقيمون. وأنشدوا للفرزدق: [الوافر] شعر : 1549- هَلَ أنْتُمْ عَائِجُونَ بِنَا لَعَنَّا نَرَى الْعَرَصَاتِ أوْ أثَرَ الْخِيَامِ؟ تفسير : كذا أنشد هذا البيت الهرويُّ، مستشهداً به على الإقامة - وليس بظاهر - بل المراد بـ "عائجون" في البيت: سائلون ومُلْتفتون. وفي الحديث: "حديث : ثم عاج رأسه إليها" تفسير : أي: التفت إليها. والرجل الأعوج: السيّئ الخُلُق، وهو بَيِّن العَوَج. والعوج من الخيل التي في رجلها تَجْنيب. والأعوج من الخيل منسوبة إلى فرس كان في الجاهلية سابقاً، ويقال: فرس مُجَنَّب إذا كان بعيد ما بين الساقين غير فَحَجٍ، وهو مَدْح ويقال: الحنبة: اعوجاج. قوله: {وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ} حال، إما من فاعل "تَصُدُّونَ"، وإما من فاعل "تَبْغُونهَا"، وإما مستأنف وليس بظاهر و "شهداء" جمع شهيد أو شاهد كما تقدم. فصل ومعنى الآية أنهم يقصدون الزيغَ والتحريفَ لسبيله بالشُّبَهِ التي يُوردونها على الضَّعَفَة كقولهم: النسخ يدل على البداء، وقولهم: إن في التوراة: أن شريعةَ موسى باقيةٌ إلى الأبد. وقيل كانوا يَدَّعون أنهم على دينِ الله وسبيله، وهذا على أنَّ "عِوَجاً" في موضع الحال والمعنى: يبغونها ضَالينَ. قوله: {وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ} قال ابن عباس: أي: شهداء أن في التوراة: أن دينَ الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام. وقيل: وأنتم تشهدون ظهورَ المعجزاتِ على نبوته صلى الله عليه وسلم. وقيل: وأنتم تشهدون أنه لا يجوز الصَّدُّ عن سبيلِ اللهِ. وقيل: {وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ} عُدول بين أهل دينكم، يثقون بأقوالكم، ويُعوّلون على شهادتكم في عظائم المور ومَنْ كان كذلك، فكيف يليق به الإصرار على الباطلِ والكذبِ، والضلالِ والإضلالِ؟ ثم قال: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} والمراد منه: التهديد، وختم الآية الأولى بقوله: {وَٱللَّهُ شَهِيدٌ}؛ لأنهم كانوا يُظهرون إلقاء الشُّبَه في قلوب المسلمين، ويحتالون في ذلك بوجوه الحِيَل - فلا جرم - قال فيما أظهره: {وَٱللَّهُ شَهِيدٌ}، وختم هذه الآيةَ بقوله: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}؛ لأن ذلك فيما أضمروه من الإضلال للغير. وكرر في الآيتين قوله: {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَـبِ}؛ لأن المقصودَ التوبيخُ على ألْطَف الوجوه، وهذا الخطاب أقرب إلى التلطف في صَرْفهم عن طريقتهم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال: "حديث : مر شاس بن قيس وكان شيخاً قد عسا في الجاهلية، عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، على نفر من أصحاب رسول الله من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم، وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد. والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتى شاباً معه من يهود فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم، ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار. وكان يوم بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج. ففعل، فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب أوس بن قيظي أحد بني حارثة من الأوس، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم ـ والله ـ رددناها الآن جذعة. وغضب الفريقان جميعاً وقالوا: قد فعلنا. السلاح السلاح... موعدكم الظاهرة، والظاهرة الحرة. فخرجوا إليها وانضمت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال: يا معشر المسلمين الله الله... أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً؟! فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوّهم لهم. فألقوا السلاح، وبكوا وعانق الرجال بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس، وأنزل الله في شأن شاس بن قيس وما صنع {قل يا أهل الكتاب لمَ تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون} إلى قوله {وما الله بغافل عما تعملون} وأنزل في أوس بن قيظي، وجبار بن صخر، ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين} إلى قوله {أولئك لهم عذاب عظيم} "تفسير : . وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني من طريق أبي نعيم عن ابن عباس قال: كانت الأوس والخزرج في الجاهلية بينهم شر، فبينما هم يوماً جلوس، ذكروا ما بينهم حتى غضبوا وقام بعضهم إلى بعض بالسلاح، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر له ذلك فركب إليهم. فنزلت {وكيف تكفرون} الآية. والآيتان بعدها. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: كان بين هذين الحيين من الأوس والخزرج قتال في الجاهلية فلما جاء الإسلام اصطلحوا وألف الله بين قلوبهم فجلس يهودي في مجلس فيه نفر من الأوس والخزرج فأنشد شعراً قاله أحد الحيين في حربهم، فكأنهم دخلهم من ذلك فقال الآخرون: قد قال شاعرنا كذا وكذا... فاجتمعوا وأخذوا السلاح، واصطفوا للقتال، فنزلت هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب} إلى قوله {لعلكم تهتدون} فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى قام بين الصفين، فقرأهن ورفع صوته، فلما سمعوا صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن أنصتوا له وجعلوا يستمعون، فلما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً، وجثوا يبكون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان جماع قبائل الأنصار بطنين: الأوس والخزرج، وكان بينهما في الجاهلية حرب ودماء وشنآن حتى منّ الله عليهم بالإسلام وبالنبي صلى الله عليه وسلم، فأطفأ الله الحرب التي كانت بينهم وألَّف بينهم بالإسلام. فبينا رجل من الأوس ورجل من الخزرج قاعدان يتحدثان ومعهما يهودي جالس، فلم يزل يذكرهما بأيامهم والعداوة التي كانت بينهم حتى استبا ثم اقتتلا، فنادى هذا قومه وهذا قومه، فخرجوا بالسلاح وصفَّ بعضهم لبعض، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يمشي بينهم إلى هؤلاء وهؤلاء ليسكنهم حتى رجعوا. فأنزل الله في ذلك القرآن {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين}. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: نزلت في ثعلبة بن عنمة الأنصاري وكان بينه وبين أناس من الأنصار كلام، فمشى بينهم يهودي من قينقاع، فحمل بعضهم على بعض حتى همت الطائفتان من الأوس والخزرج أن يحملوا السلاح فيقاتلوا. فأنزل الله {إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين} يقول: إن حملتم السلاح فاقتتلتم كفرتم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {لمَ تصدون عن سبيل الله} الآية. قال: كانوا إذا سألهم أحد هل تجدون محمداً؟ قالوا: لا فصدوا الناس عنه وبغوا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية يقول: لم تصدون عن الإسلام وعن نبي الله من آمن بالله وأنتم شهداء فيما تقرأون من كتاب الله: أن محمداً رسول الله، وأن الإسلام دين الله الذي لا يقبل غيره ولا يجزي إلا به، يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة الإنجيل؟. وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله {يا أهل الكتاب لم تصدون} قال: هم اليهود والنصارى. نهاهم أن يصدوا المسلمين عن سبيل الله، ويريدون أن يعدلوا الناس إلى الضلالة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً} الآية. قد تقدم الله إليكم فيهم كما تسمعون، وحذركموهم وأنبأكم بضلالتهم، فلا تأتمنوهم على دينكم، ولا تنصحوهم على أنفسكم، فإنهم الأعداء الحسدة الضلال. كيف تأتمنون قوماً كفروا بكتابهم، وقتلوا رسلهم، وتحيروا في دينهم، وعجزوا عن أنفسهم؟ أولئك ـ والله ـ أهل التهمة والعداوة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله} قال: علمان بينان: نبي الله، وكتاب الله، فأما نبي الله فمضى عليه الصلاة والسلام. وأما كتاب الله فأبقاه الله بين أظهركم رحمة من الله ونعمة. فيه حلاله، وحرامه، ومعصيته. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله {ومن يعتصم بالله} قال: يؤمن بالله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال "الاعتصام بالله" الثقة به. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : إن الله قضى على نفسه أن من آمن به هداه، ومن وثق به أنجاه"تفسير : . قال الربيع: تصديق ذلك في كتاب الله {ومن يعتصم بالله فقد هُدِيَ إلى صراط مستقيم}". وأخرج عبد بن حميد من طريق الربيع عن أبي العالية قال: إن الله قضى على نفسه؛ أنه من آمن به هداه، ومن توكل عليه كفاه، ومن أقرضه جزاه، ومن وثق به أنجاه، ومن دعا استجاب له بعد أن يستجيب لله. قال الربيع: وتصديق ذلك في كتاب الله {أية : ومن يؤمن بالله يهد قلبه}تفسير : [التغابن: 11]، {أية : ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره}تفسير : [الطلاق: 3]، {أية : إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ} تفسير : [التغابن: 17] {ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم}، {أية : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي}تفسير : [البقرة: 186]. وأخرج تمام في فوائده عن كعب بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أوحى الله إلى داود: يا داود ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السموات بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف منه نيته إلا قطعت أسباب السماء من بين يديه، وأسخت الهواء من تحت قدميه ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من طلب ما عند الله كانت السماء ظلاله، والأرض فراشه، لم يهتم بشيء من أمر الدنيا، فهو لا يزرع الزرع وهو يأكل الخبز، ولا يغرس الشجر ويأكل الثمار توكلاً على الله وطلب مرضاته، فضمن الله السموات والأرض رزقه، فهم يتعبون فيه، ويأتون به حلالاً، ويستوفي هو رزقه بغير حساب حتى أتاه اليقين "تفسير : . قال الحاكم: صحيح. قال الذهبي: بل منكراً أو موضوع فيه عمرو بن بكر السكسكي متهم عند ابن حبان وابنه إبراهيم. قال الدارقطني: متروك. وأخرج الحاكم وصححه عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول ربكم: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقاً. يا ابن أدم لا تباعد مني فأملأ قلبك فقرأ، واملأ يديك شغلا". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن الزهري قال: أوحى الله إلى داود: ما من عبد يعتصم بي دون خلقي وتكيده السموات والأرض إلا جعلت له من ذلك مخرجاً، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أسباب السماء بين يديه، وأسخت الأرض من تحت قدميه. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة، ومن تشاعبت به الهموم لم يبالِ الله في أي أودية الدنيا هلك ".

ابو السعود

تفسير : {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ} هم اليهودُ والنصارى وإنما خُوطبوا بعنوان أهليةِ الكتابِ الموجبةِ للإيمان به وبما يصدّقه من القرآن العظيمِ مبالغةً في تقبـيح حالِهم في كفرهم بها وقوله عز وجل: {لِمَ تَكْفُرُونَ بِـآيَـٰتِ ٱللَّهِ} توبـيخٌ وإنكارٌ لأن يكون لكفرهم بها سببٌ من الأسباب وتحقيقٌ لما يوجِبُ الاجتنابَ عنه بالكلية، والمرادُ بآياته تعالى ما يعُمُّ الآياتِ القرآنيةَ التي من جملتها ما تُليَ في شأن الحجِّ وغيرِه وما في التوراة والإنجيلِ من شواهد نبوَّتِه عليه السلام، وقولُه تعالى: {وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} حال من فاعل تكفُرون مفيدةٌ لتشديد التوبـيخِ وتأكيدِ الإنكار، وإظهارُ الجلالةِ في موقع الإضمارِ لتربـية المهابةِ وتهويلِ الخطبِ، وصيغةُ المبالغةِ في شهيدٌ للتشديد في الوعيد، وكلمةُ {مَا} إما عبارةٌ عن كفرهم أو هي على عمومها وهو داخلٌ فيها دُخولاً أولياً، والمعنى لأي سبب تكفُرون بآياته عز وعلا؟ والحالُ أنه تعالى مبالِغٌ في الاطلاع على جميع أعمالِكم وفي مجازاتكم عليها ولا ريبَ في أن ذلك يسُدُّ جميعَ أنحاءِ ما تأتونه ويقطع أسبابَه بالكلية.

القشيري

تفسير : الخطاب بهذه الآية لتأكيد الحجة عليهم، ومن حيث الحقيقة والقهر يَسُدُّ الحجة عليهم، فهم مدعوون - شرعاً وأمراً، مطرودون - حُكْماً وقهراً.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل يا اهل الكتاب} هم اليهود والنصارى سموا بذلك فان الكتاب لا يختص بالمنزل فنسبوا الى ما كتبوا سواء كان من القاء الروح الامين او تلقاء النفس {لم تكفرون بآيات الله} توبيخ وانكار لا يكون لكفرهم بها سبب من الاسباب وتحقيق لما يوجب الاجتناب عنه بالكلية والمراد بآياته تعالى ما يعم الآيات القرآنية التى من جملتها ما تلى فى شأن الحج وغيره وما فى التوراة والانجيل من شواهد نبوته صلى الله عليه وسلم {والله شهيد على ما تعملون} حال من فاعل تكفرون والمعنى لاىّ سبب تكفرون بآياته عز وجل والحال انه تعالى مبالغ فى الاطلاع على جميع اعمالكم وفى مجازاتكم عليها ولا ريب فى ان ذلك يسد جميع انحاء ما تأتونه ويقطع اسبابه بالكلية.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {تبغونها}: جملة حالية من الواو، أي: لِمَ تصدون عن السبيل باغين لها عوجاً. والعوج - بالكسر - في الدين والقول والعمل -، وبالفتح - في الجدار والحائط وكل شخص قائم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} يا محمد في عتابك لليهود: {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله} السمعية والعقلية الدالة على صدق نبيه صلى الله عليه وسلم فيما يدعوكم إليه من الإسلام؟ {والله شهيد على ما تعملون} مطلع على سرها وجهرها، فيجازيكم عليها، فلا ينفعكم التحريفُ ولا الإسرار. {يا أهل الكتاب لما تصدون} عن طريق الله {من آمن} بها، وتبع من جاء بها، {تبغونها عوجاً} أي: طالبين لها اعوجاجاً، بأن تلبسوا على الناس، وتُوهموا أن فيها عوجاً عن الحق، بزعمكم أن التوراة لا تُنْسخ، وبتغيير صفة الرسول - عليه الصلاة والسلام، أو بأن تحرشوا بين المسلمين؛ لتختلف كلمتهم، ويختل أمر دينهم، وأنتم شهداء على أنها حق، وأن الصد عنها ضلال، أو: وأنتم عُدول عند أهل ملتكم، يثقون بأقوالكم، ويستشهدونكم في القضايا، {وما الله بغافل عما تعملون}؛ فلا بد ان يجازيكم على أعمالكم، فإتنه يمهل ولا يهمل. كرَّر الخطاب والاستفهام مرتين؛ مبالغة في التقريع ونفي العذر، وإشعاراً بأن كل واحد من الأمرين مُسْتَبح في نفسه، مستقل باستجلاب العذاب. ولمَّا كان المنكَر عليهم في الآية الأولى: كفرهم، وهم يجهرون به، ختم بقوله: {والله شهيد على ما تعملون}، ولمَّا كان هذه الآية: صدهم المؤمنين عن الإسلام، وكانوا يخفونه ويحتالون فيه، قال: {وما الله بغافل عما تعملون}. قاله البيضاوي. الإشارة: كل من جحد وجود الخصوصية عند أهلها، وصد القاصدين للدخول فيها، استحق هذا العتاب بلا شك ولا ارتياب. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : المعنى: قوله: {يا أهل الكتاب} خطاب لليهود والنصارى. وإنما أجرى عليهم أهل الكتاب مع أنهم لا يعملون به، ولم يجز ذلك في أهل القرآن حتى يقال، فيمن لا يعمل بالقرآن أنه من أهل القرآن لأمرين: أحدهما - أن القرآن اسم خاص لكتاب الله، فأما الكتاب فيجوز أن يراد به يا أهل الكتاب المحرف عن جهته، والآخر - الاحتجاج عليهم بالكتاب، لاقرارهم به، كأنه قيل يا من يقر بأنه من أهل كتاب الله {لم تكفر بآيات الله} وآيات الله المراد بها ها هنا معجزات نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) التي كانت له، والعلامات التي وافقت في صفته، مما تقدمت به البشارة، وخاطبهم الله في هذه بأن قال له {قل لم تكفرون بآيات الله} على وجه التلطف في استدعائهم إلى الحق، وتوجيه الخطاب إليهم. وقال في موضع آخر {أية : يا أهل الكتاب لم تكفرون}تفسير : على وجه الاهانة لهم لصدهم عن الحق بتوجيه الخطاب إلى غيرهم وإنما جاء لفظ التوبيخ في الآية على لفظ الاستفهام، لأنه كسؤال التعجيز عن إقامة البرهان، فكذلك سؤال التوبيخ سؤال تعجيز عن إقامة العذر كأنه قيل: هات العذر في ذلك إن أمكنك، كما قيل له هات البرهان إن كنت محقاً في قولك ومذهبك. اللغة: وأصل لم لما وحذفت الالف في الاستفهام منها، ولم تحذف في الخبر لأنها في الاستفهام ظرف يقوى فيه التغيير قياساً على حروف الاعراب ونحوها، وأما الخبر فانها تقع وسطاً إذا كانت موصولة، لأن تمامها أخر صلتها والجزاء يجري مجرى الصلة، لأن (ما) فيه عاملة.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ} يا محمّد (ص) {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} التّدوينيّة من آيات القرآن والتّوراة والانجيل والتّكوينيّة والاحكام الالهيّة الثّابتة فى الشّرائع الثّلاث {وَٱللَّهُ شَهِيدٌ} حاضر او حافظ {عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} فيجازيكم على كفركم بالآيات ولا ينفعكم التّحريف والإسرار.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب} يعني اليهود والنصارى {يردوكم بعد إيمانكم كافرين}، {ومن يعتصم بالله} يعني ومن يتمسك بدينه {فقد هدي الى صراط مستقيم} أي فقد حصل له الهدى إلى طريق الحق، قوله تعالى: {حق تقاته} قيل: هو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى، روي هذا مرفوعاً، وقيل: هو أن لا تأخذه في الله لومة لائم، ويقوم بالقسط ولو على أبيه وابنه، قوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله} الحبل: استعارة للعهد، والإِعتصام: لوثوقه بالعهد، والمعنى: فاجعلوا استعانتكم بالله والإِعتصام به والطاعة له والإِيمان به وبكتابه لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : القرآن حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه" تفسير : وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إني تارك فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي كتاب الله حبل ممدود وعترتي أهل بيتي أن اللطيف الخبير نبأني أنهما لم يفترقا حتى يردا علي الحوض"تفسير : . {ولا تفرقوا} عن الحق موقوع الاختلاف بينكم كما اختلفت اليهود والنصارى. {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألَّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً} يعني أنكم كنتم أعداء فألَّف الله بين قلوبكم ورضيتم بالإِسلام والتمسك به، وكانوا في الجاهلية بينهم الحروب والعداوات فألَّف الله بينهم في الإِسلام وقذف في قلوبهم المحبة، فصاروا إخواناً متراحمين وهو الأخوّة في الله تعالى، وقيل: هم الأوس والخزرج كانا أخوين لأبٍ وأمٍّ، فوقعت بينهم العداوة وتطاولت الحروب مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإِسلام، وألَّف بين قلوبهم برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {وكنتم على شفا حفرة} يعني وكنتم مستضمين على أن تقفوا في نار جهنم لما كنتم عليه من الكفر {فأنقذكم منها} بالاسلام، والضمير للحفرة أو للنار أو للشفاة.

اطفيش

تفسير : {قُلْ يأَهْلَ الْكِتَابِ}: نداء لجميع اليهود والنصارى الذين أنكروا نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل لعلمائهم الذين علموا صحة نبوته، صلى الله عليه وسلم. {لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ}: آياته السمعية، وهو القرآن والإنجيل والتوراة، وآياته العقلية الدالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يذكره من وجوب الحج، وغيره وخص أهل الكتاب بالذكر من بين سائر ملل الشرك، لأن قطع عذرهم أشد، لعلمهم بما أنزل الله تعالى فى شأن رسوله صلى الله عليه وسلم، فكفرهم أقبح، وليكذبهم فى دعواهم، أنهم مؤمنون بكتبهم، فإن اليهود كافرون بالتوراة، ولو زعموا أنهم آمنوا بها والنصارى كافرون بالإنجيل، ولو زعموا أنهم مؤمنون به، وذلك أنهم كفروا بما لم يوافق أغراضهم، من ذلك وبنبوته صلى الله عليه وسلم، وإنكار البعض فى ذلك إنكار للكل، وقيل: المراد بالآيات القرآن، وقيل: الآيات الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم، وقيل: القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم. {وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ}: مطلع على أعمالكم فيعاقبكم عليها، وهى كفركم وتحريفكم فلا تنفعكم أسراركم، فإنه يعلم الجهر وأخفى والجملة الاسمية حال، مربوطة بواو الحال وصاحب الحال واو تكفرون، والآية من جملة تأكيدات وجوب الحج، وذلك أنه أكده بوضع كفر موضع من لم يحج فى قوله: {أية : ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين}تفسير : ، وأكده بصيغة الخبر فى قوله{أية : ولله على الناس حج البيت}تفسير : إذ لم يقل حجوا، وذلك أن الأمر إحداث وجوب، والخبر إخبار بما تقرر وجوبه من قبل، وأكده بصورة الجملة الاسمية، إذ لم يقل: وجب الحج لله على الناس، وأكده بإيراده على وجه يفيد أنهُ حق واجب لله تعالى فى رقاب الناس، إذ لم يقل: الحج فرض أو نحوه، وأكده بالتعميم أولا إذ قال {على الناس} مع تخصيصه ثانياً، إذ قال: {أية : من استطاع}تفسير : فهذا خصوص، فإن ذلك كإيضاح بعد إبهام، والإيضاح بعد الإبهام أدخل فى النفس من الإيضاح من أول الأمر وكتكرير للمراد، لأن هذا التخصيص بعض من العموم قبله، وأكده بذكر لفظ: الغنى عن العالمين، فإنه يدل على المقت والخذلان، وفيه عموم العالمين مبالغة ودلالة على الاستغناء عن خصوص تارك الحج بالبرهان، فإن من استغنى عن الخلق كله، الملائكة والجن والإنس وغيرهم، وعبادتهم، مستغن عن التارك للحج لا محالة، وذلك مشعر بعظم السخط، لأنه تكليف شاق جامع بين كسر النفس، وإتعاب البدن، وصرف المال، والتخلى عن الشهوات إلى الله عز وجل، وقد تقرر بأحاديث كثيرة، إن فعل الكبيرة كفر، فترك الحج كفر سواء كان عن جحود له أو تشبه، وقد استدل أصحابنا على ذلك بالآية وآيات وآثار، فلا نحتاج أن نقول إنهُ سمى ترك الحج كفراً، لأن تركه فعل الكفار، كما يقول القاضى بناء منه على تخصيص اسم الكفر بالشرك، ختم هنا كفرهم بقوله: {وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} لجهرهم بذلك الكفر، وختم الصد، وابتغاء العوج بعد، بقوله: {أية : وما الله بغافل عما تعملون}،تفسير : لأنهما بالاحتيال والخفاء.

الالوسي

تفسير : {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ } خاطبهم بعنوان أهلية الكتاب الموجبة للإيمان به وبما يصدقه مبالغة في تقبيح حالهم في تكذيبهم بذلك والاستفهام للتوبيخ والإشارة إلى تعجيزهم عن إقامة العذر في كفرهم كأنه قيل: هاتوا عذركم إن أمكنكم. والمراد من الآيات مطلق الدلائل الدالة على نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم وصدق مدعاه الذي من جملته الحج وأمره به، وبه تظهر مناسبة الآية لما قبلها، وسبب نزولها ما أخرجه ابن إسحق وجماعة عن زيد بن أسلم قال: مرّ شاس بن قيس وكان شيخاً قد عسا في الجاهلية عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين شديد الحسد لهم على نفر من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار فأمر فتى شاباً معه من يهود فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، وكان يوم بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج ففعل، فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب ـ أوس بن قيظي أحد بني حارثة من الأوس وهبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج ـ فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددناها الآن [جذعة] وغضب الفريقان جميعاً وقالوا قد فعلنا السلاح السلاح موعدكم الظاهرة ـ والظاهرة الحرة ـ فخرجوا إليها وانضمت الأوس بعضها إلى بعض والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال: حديث : يا معشر المسلمين اللَّهَ اللَّهَ أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله تعالى إلى الإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر وألف به بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً تفسير : فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد لهم من عدوهم فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق الرجال بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين قد أطفأ الله تعالى عنهم كيد عدو الله تعالى شاس، وأنزل الله تعالى في شأن شاس وما صنع {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ } إلى قوله سبحانه:/ {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 98-99] وأنزل في أوس بن قيظي وهبار ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ }تفسير : [آل عمران: 149] الآية، وعلى هذا يكون المراد من أهل الكتاب ظاهراً اليهود. وقيل: المراد منه ما يشمل اليهود والنصارى. {وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } جملة حالية العامل فيها {تَكْفُرُونَ } وهي مفيدة لتشديد التوبيخ والإظهار في موضع الإضمار لما مرّ غير مرة والشهيد العالم المطلع، وصيغة المبالغة للمبالغة في الوعيد وجعل الشهيد بمعنى الشاهد تكلف لا داعي إليه، و {مَا } إما عبارة عن كفرهم، وإما على عمومها وهو داخل فيها دخولاً أولياً والمعنى لأي سبب تكفرون، والحال أنه لا يخفى عليه بوجه من الوجوه جميع أعمالكم وهو مجازيكم عليها على أتم وجه ولا مرية في أن هذا مما يسد عليكم طرق الكفر والمعاصي ويقطع أسباب ذلك أصلاً.

ابن عاشور

تفسير : ابتداء كلام رُجع به إلى مجادلة أهل الكتاب وموعظتهم فهو مرتبط بقوله تعالى: {قل صدق اللَّه} الآية. أمر الرّسول ـــ عليه الصلاة والسّلام ـــ بالصدع بالإنكار على أهل الكتاب. بعد أن مهّد بين يدي ذلك دلائل صحَّة هذا الدّين ولذلك افتتح بفعل {قل} اهتماماً بالمقول، وافتتح المقولُ بنداء أهل الكتاب تسجيلاً عليهم. والمراد بآيات الله: إمّا القرآن، وإمّا دلائل صدق الرّسول صلى الله عليه وسلم والكفر على هذين الوجهين بمعناه الشَّرعي واضح، وإمَّا آيات فضيلة المسجد الحرام على غيره، والكُفر على هذا الوجه بمعناه اللُّغوي والاستفهام إنكار. وجملة {والله شهيد على ما تعملون} في موضع الحال لأنّ أهل الكتاب يوقنون بعموم علم الله تعالى، وأنّه لا يخفى عليه شيء فجحدهم لآياته مع ذلك اليقين أشدّ إنكاراً، ولذلك لم يصحّ جعل {والله شهيد} مُجرّد خبر إلاّ إذا نُزّلوا منزلة الجاهل. وقوله: {قل يا أهل الكتاب لم تصدون} توبيخ ثان وإنكار على مجادلتهم لإضلالهم المؤمنين بعد أن أنكر عليهم ضلالهم في نفوسهم، وفُصِل بلا عطف للدلالة على استقلاله بالقصد، ولو عطف لصحّ العطف. والصدّ يستعمل قاصراً ومتعدّياً: يقال صدّه عن كذا فصدّ عنه. وقاصرُه بمعنى الإعراض. فمتعدّيه بمعنى جعل المصدود مُعرضاً أي صَرْفُه، ويقال: أصدّه عن كذا، وهو ظاهر. وسبيل الله مجاز في الأقوال والأدلّة الموصلة إلى الدّين الحقّ. والمراد بالصدّ عن سبيل الله إمّا محاولة إرجاع المؤمنين إلى الكفر بإلقاء التشكيك عليهم. وهذا المعنى يلاقي معنى الكفر في قوله: {لم تكفرون بآيات الله} على وجهيه الراجعين للمعنى الشَّرعي. وإمّا صدّ النّاس عن الحجّ أي صدّ أتباعهم عن حجّ الكعبة، وترغيبهم في حجّ بيت المقدس، بتفضيله على الكعبة، وهذا يلاقي الكفر بمعناه اللُّغوي المتقدّم، ويجوز أن يكون إشارة إلى إنكراهم القبلة في قولهم {أية : وما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها}تفسير : [البقرة: 142] لأنّ المقصود به صدّ المؤمنين عن استقبال الكعبة. وقوله: {تبغونها عوجاً} أي تبغون السبيل فأنّث ضميره لأنّ السّبيل يذكّر ويؤنث: قال تعالى: {أية : قل هذه سبيلي}تفسير : [يوسف: 108]. والبغي الطلب أي تطلبون. والعوج ـــ بكسر العين وفتح الواو ـــ ضدّ الاستقامة وهو اسم مصدر عَوِج كفَرح، ومصدره العَوَج كالفرح. وقد خصّ الاستعمال غالباً المصدر بالاعوجاج في الأشياء المحسوسة،، كالحائط والقناة. وخصّ إطلاق اسم المصدر بالاعوجاج الّذي لا يشاهد كاعْوجاج الأرض والسطح، وبالمعنويات كالدِّين. ومعنى {تبغونها عوجاً} يجوز أن يكون عوجاً باقياً على معنى المصدرية، فيكون {عوجاً} مفعول {تبغونها}، ويكون ضمير النصب في تبغونها على نزع الخافض كما قالوا: شكرتك وبعتُك كذا: أي شكرت لك وبعتُ لك، والتقدير: وتبغون لها عوجاً، أي تتطلبون نسبة العوج إليها، وتصوّرونها باطلة زائغة. ويجوز أن يكون عوجاً، وصفاً للسبيل على طريقة الوصف بالمصدر للمبالغة، أي تبْغونها عوجاء شديدة العوج فيكون ضمير النصب في {تبغونها} مفعول {تبغون}، ويكون عوجاً حالاً من ضمير النَّصب أي ترومُونها معوجَّة أي تبغون سبيلاً معوجّة وهي سبيل الشرك. والمعنى: تصدّون عن السَّبيل المستقيم وتريدون السَّبيل المعوجّ ففي ضمير {تبغونها} استخدام لأنّ سبيل الله المصدود عنها هي الإسلام، والسّبيل الَّتي يريدونها هي ما هم عليه من الدّين بعد نسخه وتحريفه. وقوله: {وأنتم شهداء} حال أيضاً توازن الحال في قوله قبلها {والله شهيد على ما تعملون} ومعناه وأنتم عالمون أنّها سبيل الله. وقد أحالهم في هذا الكلام على ما في ضمائرهم مِمَّا لا يعلمه إلاّ الله لأنّ ذلك هو المقصود من وخز قلوبهم، وانثنائهم باللائمة على أنفسهم، ولذلك عقّبه بقوله: {وما الله بغافل عما تعملون} وهو وعيد وتهديد وتذكير لأنَّهم يعلمون أنّ الله يعلم ما تخفي الصدور وهو بمعنى قوله في موعظتهم السابقة {والله شهيد على ما تعملون} إلاّ أنّ هذا أغلظ في التَّوبيخ لما فيه من إبطال اعتقاد غفلته سبحانه، لأنّ حالهم كانت بمنزلة حال من يعتقد ذلك.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الكفر: الجحود. آيات الله: ما أنزل تعالى من الحجج والبينات في القرآن المقررة لنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزله تعالى في التوراة والإِنجيل من صفات النبي صلى الله عليه وسلم ونعوته الموجبة للإِيمان به واتباعه على دين الحق الذي جاء به وهو الإِسلام. شهيد على ما تعملون: عليم به مطلع عليه، وما يعملونه وهو الكفر والشر والفساد. تصدون عن سبيل الله: تصرفون الناس ممن آمن منكم ومن العرب عن الإِسلام الذي هو سبيل الله تعالى المفضي بأهله إلى سعادة الدارين. تبغونها عوجاً: تطلبون لها العِوج حتى تخرجوا بها عن الحق والهدى فيضل سالكها وذلك بالتحريف والتضليل. وأنتم شهداء: بعلمكم بأن الإِسلام حق، وأن ما تبغونه له من الإِضلال لأهله والتضليل هو كفر وباطل. معنى الآيتين: بعد أن دحض الله تعالى شبه أهل الكتاب وأبطلها في الآيات السابقة أمر تعالى رسوله أن يقول لهم موبخاً مسجلاً عليهم الكفر يا أهل الكتاب لم تكفرون بحجج الله تعالى وبراهينه المثبتة لنبوة نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم ودينه الإِسلام تلك الحجج والبراهين التي جاء بها القرآن والتوراة والإِنجيل معاً؟ والله جل جلاله مطلع على كفركم عليم به، أما تخافون عقابه أما تخشون عذابه؟. كما أمر تعالى رسوله أيضاً أن يقول لهم مؤنبّاً موبخاً لهم على صرفهم المؤمنين عن الإِسلام بأنواع الحيل والتضليل: يا أهل الكتاب أي يا أهل العلم الأول لم تصرفون المؤمنين عن الإِسلام الذي هو سبيل الله بما تثيرونه بينهم من الشكوك والأوهام تطلبون للإِسلام العوج لينصرف المؤمنون عنه، مع علمكم التام بصحة الإِسلام وصدق نبيّه محمد عليه الصلاة والسلام أما تخافون الله، أما تخشونه تعالى وهو مطلع على سوء تدبيركم غير غافل عن مكركم وغشكم وخداعكم. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- شدة قبح كفر وظلم من كان عالماً من أهل الكتاب بالحق ثم كفره وجحده بغياً وحسداً. 2- حرمة صرف الناس عن الحق والمعروف بأنواع الحيل وضروب الكذب والخداع. 3- علم الله تعالى بكل أعمال عباده من خير وشر وسيجزيهم بها فضلاً منه وعدلاً.

القطان

تفسير : آيات الله: الدلائل على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام. الشهيد: العالم بالشيء المطَّلَع عليه. تصدون: تمنعون. تبغونها عوجا: تطلبون لسبيل الله الاعوجاج. بعد ان أورد سبحانه الأدلة على نبوة محمد بما جاء في التوراة والانجيل من البشارة المصدِّقة، ثم ذكر شبهات الجاحدين وأبطلها - جاء في هذه الآيات يبكّت اليهود والنصارى على كفرهم بآيات الله وصدّهم الناس عن سبيله بادّعاء أنها سبلٌ معوجة، مع أنهم يشهدون أنها أقوم سبيل. قل يا محمد: يا أهل الكتاب، لماذا تكفرون بالآيات الواضحة الدالة على نبوة محمد وصدقه؟ ان الله مطلع على اعمالكم، لا تخفى عليه خافية منها. ومالكم يا أهل الكتاب، تصرفون من آمن بمحمد عن الهدى؟ ومالكم تبغون ان تصوّروا دعوة محمد معوجّة وأنتم تعلمون أنها حق!؟ ان الله غير غافل عن أعمالكم. وفي ذلك إشارة الى ان اليهود كانوا يحاولون فتنة المسلمين عن دينهم وردَّهم الى الكفر بشتى الطرق، وكان يَغيظهم أن يروا الأوس والخزرج متآلفين متحابين بعد ان كانوا من قبلُ يتحاربون ويقتل بعضهم بعضا. روى ابن جرير عن زيد بن أسلم قال: مرَّ شاس بن قيس اليهودي (وكان شيخاً كبير السن يكره المسلمين) على جماعة من الأنصار، فغاظه ما رأى من تآلفهم على الإسلام. فأمر شاباً من اليهود ان يجلس اليهم ويذكّرهم بيوم بُعاث، ويُنشدهم بعض الشعر الذي قيل فيه. فتنازعوا وثاروا على بعضٍ بالسلاح. ولما بلغ الخبر النبي صلى الله عليه وسلم توجّه اليهم ومعه بعض أصحابه وقال: أتدعون دعوى الجاهلية وانا بين أظهركم بعد ان أكرمكم الله بالإسلام! فألقوا السلاح وعلموا أنها فتنة من الشياطين وكيدٌ من عدوّهم. ثم إنهم استغفروا الله وعانق بعضهم بعضاً وانصرفوا مع الرسول.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَهْلَ} {ٱلْكِتَابِ} {بِآيَاتِ} (98) - يُعَنِّف اللهُ تَعَالَى أَهْلَ الكِتَابِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ، وَصَدِّهِمِ النَّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَاللهُ شَهِيدٌ عَلَى صَنِيعِهِمْ بِمَا خَالَفُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ كُتُبِ الأنْبِيَاءِ، وَهُوَ مُجَازِيهِمْ عَلَيهِ، وَذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ عَلَيْهِمْ ألاّ يَجْتَرِئُُوا عَلَى الكُفْرِ بِاللهِ وَبِآيَاتِهِ. آيَاتِ اللهِ - هِيَ الآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. شهيدٌ - شَاهِدٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وحين تسمع "قل" فهي أمر من الله لرسوله كما قلنا من قبل؛ إنك إذا كلفت إنساناً أن يقول جملة لمن ترسله إليه فهل هذا الإنسان يأتي بالأمر "قل" أو يؤدي الجملة؟ إنه يؤدي الجملة، ومثال ذلك حين تقول لابنك مثلاً: "قل لعمك: إن أبي سيأتيك غداً" فابنك يذهب إلى عمه قائلاً: "أبي يأتيك غداً". وقد يقول قائل: ألم يكن يكفي أن يقول الله للرسول: "قل يا محمد" فيبلغنا رسول الله يا أهل الكتاب لم تكفرون؟ كان ذلك يكفي، ولكن الرسول مبلغ الأمر نفسه من الله، فكأنه قال ما تلقاه من الله، والذي تلقاه الرسول من الله هو: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} [آل عمران: 98] وهذا يدل على أن الرسول يبلغ حرفياً ما سمعه عن الله وهناك آيات كثيرة في القرآن تبدأ بقول الحق: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} [آل عمران: 98] ولا يأتي فيها قول الحق: "قل". وهناك آيات تأتي مسبوقة بـ "قل" "ما الفرق بين الاثنين"؟ نحن نجد أن الحق مرة يتلطف مع خلقه، فيجعلهم أهلا لخطابه، فيقول: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَاب} [آل عمران: 98] إنه خطاب من الله لهم مباشرة. ومرة يقول لرسوله: قل لهم يا محمد لأنهم لم يتساموا إلى مرتبة أن يُخاطبوا من الله مباشرة: فإذا ما وجدنا خطاباً من الحق للخلق، مرة مسبوقاً بـ "قل" ومرة أخرى غير مسبوق فلْتعلم أن الحق سبحانه حين يخاطب خلقه الذين خلقهم يتلطف معهم مرة، ويجعلهم أهلاً لأن يخاطبهم، ومرة حين يجد منهم اللجاج فإنه يبلغ رسوله صلى الله عليه وسلم: قل لهم. والمثال على ذلك - ولله المثل الأعلى - في حياتنا، نجد الواحد منا يقول لمن بجانبه: قل لصاحب الصوت العالي أن يصمت. إن هذا القائل قد تَعَالَى عن أن يخاطب هذا الإنسان صاحب الصوت المرتفع فيطلب ممن يجلس بجانبه أن يأمر صاحب الصوت العالي بالسكوت. وحين يجيء الخطاب لأهل الكتاب فنحن نعرف أنهم اليهود أصحاب التوراة، والنصارى أصحاب الإنجيل، وهؤلاء هم من يقول عنهم الحق: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَاب} [آل عمران: 98]. ولم يقل أحد لنا: "يا أهل القرآن" لماذا؟ لأن الحق حين يقول لهم: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَاب} [آل عمران: 98] فنحن نعرف أن الكتاب يُطلق على كل مكتوب، وكفرهم يعارض ما علم الله أنه موجود في الكتاب الذي أنزل عليهم؛ لأنه هو الذي أنزل الكتاب، ويعلم أن ما في الكتاب يدعو إلى الإيمان، ولا يدعو إلى الكفر. وما دام هو الحق الذي نَزَّل الكتاب، وهو الشاهد، فيصبح من الحمق من أهل الكتاب أن يوقعوا أنفسهم في فخ الكفر؛ لأنهم بذلك يكذبون على الله: والله - سبحانه - يسجل عليهم أنهم خالفوا ما هو مكتوب ومنزل عليهم في كتابهم. إنهم - أهل الكتاب - إن استطاعوا تعمية أهل الأرض فلن يستطيعوا ذلك بالنسبة لخالق الأرض والسماء. والحق حين يقول: {لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 98] فهل نفهم من ذلك أن كفرهم بآيات الله هو سترهم آيات الله سترا أوليا أو أنهم آمنوا بها، ثم كفروا بها؟ لنرى ماذا حدث منهم، لقد كانت البشارات به صلى الله عليه وسلم مكتوبة في التوراة، ومكتوبة في الإنجيل وهم قد آمنوا بها قبل أن يجيء سيدنا رسول الله، فلما جاء رسول الله بالفعل كفروا بها. وفي هذا جاء القول الحكيم: {أية : وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [البقرة: 89]. لماذا كفروا به صلى الله عليه وسلم؟ لأنه زحزح عنهم السلطة الزمنية، فلم تعد لهم السلطة الزمنية التي كانوا يبيعون فيها الجنة ويبيعون فيها رضوان الله ويعملون ما يحقق لهم مصالحهم دون التفات لأحكام الله. وسبق أن قلت: إن قريشاً قد امتنعت عن قول: "لا إله إلا الله" وهذا الامتناع دليل على أنها فهمت المراد من "لا إله إلا الله"، فلو كانت مجرد كلمة تقال لقالوها، لكنهم عرفوا وفهموا أنه لا معبود ولا مطاع ولا مشرع، ولا مكلف إلا الله. إن الحق يقول لأهل الكتاب: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يوبخ تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى على كفرهم بآيات الله التي أنزلها الله على رسله، التي جعلها رحمة لعباده يهتدون بها إليه، ويستدلون بها على جميع المطالب المهمة والعلوم النافعة، فهؤلاء الكفرة جمعوا بين الكفر بها وصد من آمن بالله عنها وتحريفها وتعويجها عما جعلت له، وهم شاهدون بذلك عالمون بأن ما فعلوه أعظم الكفر الموجب لأعظم العقوبة {أية : الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون } تفسير : فلهذا توعدهم هنا بقوله: { وما الله بغافل عما تعملون } بل محيط بأعمالكم ونياتكم ومكركم السيء، فمجازيكم عليه أشر الجزاء لما توعدهم ووبخهم عطف برحمته وجوده وإحسانه وحذر عباده المؤمنين منهم لئلا يمكروا بهم من حيث لا يشعرون، فقال: { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين } وذلك لحسدهم وبغيهم عليكم، وشدة حرصهم على ردكم عن دينكم، كما قال تعالى: {أية : ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق } . تفسير : ثم ذكر تعالى السبب الأعظم والموجب الأكبر لثبات المؤمنين على إيمانهم، وعدم تزلزلهم عن إيقانهم، وأن ذلك من أبعد الأشياء، فقال: { وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله } أي: الرسول بين أظهركم يتلو عليكم آيات ربكم كل وقت، وهي الآيات البينات التي توجب القطع بموجبها والجزم بمقتضاها وعدم الشك فيما دلت عليه بوجه من الوجوه، خصوصا والمبين لها أفضل الخلق وأعلمهم وأفصحهم وأنصحهم وأرأفهم بالمؤمنين، الحريص على هداية الخلق وإرشادهم بكل طريق يقدر عليه، فصلوات الله وسلامه عليه، فلقد نصح وبلغ البلاغ المبين، فلم يبق في نفوس القائلين مقالا ولم يترك لجائل في طلب الخير مجالا ثم أخبر أن من اعتصم به فتوكل عليه وامتنع بقوته ورحمته عن كل شر، واستعان به على كل خير { فقد هدي إلى صراط مستقيم } موصل له إلى غاية المرغوب، لأنه جمع بين اتباع الرسول في أقواله وأفعاله وأحواله وبين الاعتصام بالله.