٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
99
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ تَصُدُّونَ } تصرفون {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي دينه {مَنْ ءامَنَ } بتكذيبكم النبي صلى الله عليه وسلم وكتم نعته {تَبْغُونَهَا } أي تطلبون السبيل {عِوَجَاً } مصدر بمعنى معوجة أي مائلة عن الحق {وَأَنْتُمْ شُهَدآءُ } عالمون بأن الدين المرضي القيم هو دين الإسلام كما في كتابكم {وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } من الكفر والتكذيب وإنما يؤخركم إلى وقتكم ليجازيكم.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ} هم اليهود أغَروْا بين الأوس والخزرج بتذكيرهم حروباً كانت بينهم في الجاهلية، ليفترقوا بذلك، أو هم اليهود والنصارى صدوا الناس بإنكارهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم. {شُهَدَآءُ} على صدكم، أو على عنادكم، أو عقلاء.
ابو السعود
تفسير : {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ} أمرٌ بتوبـيخهم بالإضلال إثرَ توبـيخِهم بالضلال، والتكريرُ للمبالغة في حمله عليه السلام على تقريعهم وتوبـيخِهم، وتركُ عطفِه على الأمر السابقِ للإيذان باستقلالهم كما أن قطْعَ قولِه تعالى: {لِمَ تَصُدُّونَ} عن قوله تعالى: {لِمَ تَكْفُرُونَ} للإشعار بأن كلَّ واحدٍ من كُفرهم وصدِّهم شناعةٌ على حيالها مستقِلةٌ في استتباع اللائمةِ والتقريعِ، وتكريرُ الخطابِ بعنوان أهليةِ الكتابِ لتأكيد الاستقلالِ وتشديدِ التشنيع فإن ذلك العنوانَ كما يستدعي الإيمانَ بما هو مصدِّقٌ لما معهم يستدعي ترغيبَ الناسِ فيه، فصدُّهم عنه في أقصى مراتبِ القَباحةِ ولكون صدِّهم في بعض الصورِ بتحريف الكتابِ والكفرِ بالآياتِ الدالةِ على نبُوَّته عليه السلام، وقرىء تُصِدّون من أصَدَّه {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي دينِه الحقِّ الموصلِ إلى السعادة الأبدية، وهو التوحيدُ وملةُ الإسلام {مَنْ ءامَنَ} مفعول لتصُدُّون قُدِّم عليه الجارُّ والمجرورُ للاهتمام به. كانوا يفتِنون المؤمنين ويحتالون لصدهم عنه ويمنعون من أراد الدخولَ فيه بجُهدهم، ويقولون: إن صفتَه عليه السلام ليست في كتابهم ولا تقدّمت البِشارةُ به عندهم، وقيل: أتت اليهودُ الأوسَ والخزرجَ فذكّروهم ما كان بـينهم في الجاهلية من العداوات والحروبِ ليعودا إلى ما كانوا فيه {تَبْغُونَهَا} على إسقاط الجارِّ وإيصالِ الفعل إلى الضمير كما في قوله: [الخفيف] شعر : فتولىٰ غلامُهم ثم نادى أظليماً أصيدُكم أم حمارا تفسير : بمعنى أصيدُ لكم أي تطلُبون لسبـيل الله التي هي أقومُ السبل {عِوَجَاً} اعوجاجاً بأن تَلْبِسوا على الناس وتُوهِموا أن فيه ميلاً عن الحق بنفي النسخِ وتغيـيرِ صفةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم عن وجهها ونحو ذلك. والجملةُ حالٌ من فاعل تصُدّون وقيل: من سبـيل الله {وَأَنْتُمْ شُهَدَاء} حالٌ من فاعل تصُدون باعتبار تقيـيدِه بالحال الأولى أو من فاعل تبغونها أي والحالُ أنكم شهداءُ تشهدون بأنها سبـيلُ الله لا يحوم حولَها شائبةُ اعوجاجٍ وأن الصدَّ عنها إضلالٌ قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي شهداءُ [على] أن في التوراة إن دينَ الله الذي لا يُقبل غيرُه هو الإسلامُ أو وأنتم عدولٌ فيما بـينكم يثقون بأقوالكم ويستشهدونكم في القضايا وعظائمِ الأمور {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} اعتراضٌ تذيـيليٌ فيه تهديدٌ ووعيدٌ شديدٌ، قيل: لما كان صدُّهم للمؤمنين بطريق الخُفْية خُتمت الآيةُ الكريمة بما يحسِمُ مادةَ حيلتهم من إحاطة علمِه تعالى بأعمالهم كما أن كفرَهم بآياتِ الله تعالى لمّا كان بطريق العلانيةِ خُتمت الآية السابقةُ بشهادته تعالى على ما يعملون.
القشيري
تفسير : كيف يصد غيره مَنْ هو مصدودٌ في نَفْسِه؟ إنَّ في هذا لَسِرَّا للربوبية.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل يا اهل الكتاب لم تصدون} اى تصرفون {عن سبيل الله} اى دينه الحق الموصل الى السعادة الابدية وهو التوحيد وملة الاسلام {من آمن} مفعول تصدون كانوا يفتنون المؤمنين ويحتالون لصدهم عنه ويمنعون من اراد الدخول فيه بجهدهم ويقولون ان صفته صلى الله عليه وسلم ليست فى كتابهم ولا تقدمت البشارة به عندهم {تبغونها} بحذف الجار وايصال الفعل الى الضمير اى تبغون لها لان البغى لا يتعدى الا الى مفعول يقال بغيت المال والضمير للسبيل وهو يذكر ويؤنث اى تطلبون سبيل الله التى هى اقوم السبل {عوجا} اعوجاجا وميلا عن القصد والاستقامة بان تلبسوا على الناس حتى توهموهم ان فيها عوجا بقولكم ان شريعة موسى لا تنسخ وبتغييركم صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وجهها ونحو ذلك والجملة حال من فاعل تصدون. والعوج بكسر العين وفتحها الميل والانحراف لكن المكسور يختص بالمعانى والمفتوح بالاعيان تقول فى دينه وكلامه عوج بالكسر وفى الجدار والقناة والشجر عوج بالفتح {وانتم شهداء} حال من فاعل تصدون باعتبار تقيده بالحال الاولى اى والحال انكم شهداء تشهدون بانها سبيل الله لا يحوم حولها شائبة اعوجاج وان الصد عنها اخلال {وما الله بغافل عما تعملون} اى من الصد عن سبيله وكتمان الشهادة لنبيه. ولما وبخ اهل الكتاب بصد المؤمنين نهى المؤمنين عن اتباع هؤلاء الصادين فقال.
الطوسي
تفسير : المعنى: قوله: {لم تصدون} معناه لم تمنعون، لأن الصد المنع. وقيل في كيفية صدهم عن سبيل الله قولان: أحدهما - أنهم كانوا يغزون بين الأوس، والخزرج، بتذكيرهم الحروب التي كانت بينهم حتى تدخلهم العصبية وحمية الجاهلية فينسلخون عن الدين - هذا قول زيد بن اسلم - وقال الآية في اليهود خاصة. وقال الحسن الآية في اليهود والنصارى معاً ومعناها لم تصدون بالتكذيب بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وإن صفته ليست في كتبهم ولا تقدمت البشارة به عندهم وقوله: {من آمن} موضعه النصب بأنه مفعول تصدون. وقوله: {تبغونها عوجاً} الكناية راجعة إلى السبيل، ومعناه تطلبون لها عوجا يعني عدو لا عن طريق الحق، وهو الضلال كأنه قال تبغونها ضلالا. اللغة: والعوج - بفتح العين، هو ميل كل شيء منتصب، نحو القناة والحائط، وبكسر العين - إنما هو الميل عن الاستواء في طريق الدين، وفي القول، وفي الارض. ومنه قوله:{أية : لا ترى فيها عوجاً}تفسير : وقال عبد بني الحسحاس: شعر : بغاك وما تبغيه حتى وجدته كأنك قد واعدته أمس موعدا تفسير : أي طلبك وما تطلبه هذا في بغيت الحاجة فأما بغى عليه، فمعناه تطاول بظلمه له. وتقول: إبغني كذا بكسر الهمزة أي أطلبه لي. وإذا قلت: أبغني بفتح الهمزة، فمعناه أعني على طلبه. ومثله إحملني وأحملني والمسنى وألمسني. واحلب لي واحلبني أي أعني على الحلب. وأصل ذلك ابغ لي غير أنه حذفت اللام لكثرة الاستعمال. المعنى: وقوله: {وأنتم شهداء} قيل فيه قولان: أحدهما - {أنتم شهداء} على بطلان صدكم عن دين الله، وتكون الآية مختصة بقوم معاندين، لأنهم جحدوا ما علموه ويجوز أن تكون في الجميع، لاقرارهم بأنه لا يجوز الصد عن دين الله، فلذلك صح ما ألزموا. الثاني - {وأنتم شهداء} أي عقلاء كما قال الله تعالى {أية : أو ألقى السمع وهو شهيد} تفسير : أي وهو عاقل، وذلك أنه يشهد الدليل الذي يميز به الحق من الباطل قيل فيما يتعلق بالدين ويؤديه إليه.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} تكرار الخطاب والنّداء للتّأكيد فى التّقريع وللاشارة الى انّ كلاًّ يكفى فى التّقريع {لِمَ تَصُدُّونَ} تمنعون {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} عن الحجّ او الجهاد او مطلق الخير او الولاية او الاسلام {مَنْ آمَنَ} حصل له الاسلام او من اراد الاسلام، قيل كانوا يمنعون المسلمين عن الإتلاف والاتّفاق وكانوا يحرّشون بينهم حتّى اتوا الاوس والخزرج فذكّروهم ما بينهم فى الجاهليّة من التّعادى والتقاتل ليعودوا لمثله، او المعنى لم تمنعون من آمن بتحريف الكتب وتغيير صفة النّبىّ (ص) وكتمان ما دلّ صريحاً على حقّيّة الاسلام {تَبْغُونَهَا} حال عن فاعل تصدّون او عن سبيل الله او عن كليهما او مستأنفٌ جواب لسؤالٍ مقدّرٍ والمعنى تبغون لها {عِوَجاً} او تبغونها معوّجة او تبغون عوجها على ان يكون مفعولاً به او حالاً او تميزاً يعنى تتجسّسون الاختلاف والمناقضات المترائاة فيها لتوهنوها على اهلها او ترغبون فيها ان كانت معوّجة لانّكم ذوو عوج ولا تطلبونها حال كونها مستقيمة، والعوج بالفتحتين والعوج بكسر العين مصدر اعوج كفرح، او الاوّل مصدر والثّانى اسم مصدر، او الاوّل فى المتنصبات مثل الجدار والعصا والثّانى فى غيرها مثل الارض والدّين، والعوج فى كلّ شيءٍ بحسبه فالعوج فى الدّين ان يكون فى احكامه موصلاً الى المطلوب منه، فانّ المطلوب من سبيل الله والتديّن بدين الله ان توصل المتوسّل بها الى الله والى دار نعيمه، فان توصل الى الشّيطان ودار جحيمه او لم توصل الى الله كانت معوّجة {وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ} جمع الشّهيد بمعنى الحامل للشّهادة او المؤدّى لها او الامين فيها، او بمعنى العالم، وعلى اىّ تقدير فهو امّا منسىّ المفعول او منويّه اى انتم الّذين يستشهد بكم اهل ملّتكم فى قضاياهم، او انتم الامناء فى شهاداتهم وعليكم اعتمادهم، او انتم علماء ملّتكم، او انتم تشهدون بانّ السّبيل سبيل الله، او تشهدون انّكم تصدّون عن سبيل الله {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وعيد لهم ولمّا كان القبيح فى الآية الاولى الكفر الّذى كانوا يجهرون به وفى هذه الآية حيلتهم فى صدّ المسلمين عن الاسلام وكانوا يخفونه اتى فى الاولى بقوله {والله شهيد على ما تعملون} وفى هذه الآية بقوله {وما الله بغافل} لانّ اخفاء القبيح كان مظنّة للغفلة عنه. تفسير حجّة الوداع وغدير خم وهذه الآية كسابقتها تعريض بالامّة وبكفرهم بعلىّ (ع) وما جاء الرّسول به من عند الله فى حقّه وما قاله لهم فى حجّة الوداع فى مسجد الخيف وغدير خمّ من الوصيّة فى حقّه وما امرهم به من البيعة معه فى عشرة مواطن او ثلاثة مواطن وبصدّهم المسلمين عن البيعة معه والطّاعة له، ولمّا كان الخطاب فى الآيتين الاوليين مع اهل الكتاب امر نبيّه ان يخاطبهم توهيناً وتبعيداً لهم عن تشريف الخطاب ولمّا كان الخطاب فى الآية الآتية مع المؤمنين خاطبهم بنفسه تشريفاً لهم فقال {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ}.
اطفيش
تفسير : {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ} كرر النداء، والاستفهام، مبالغة فى التعنيف، وقطع العذر، وإشعاراً بأن الكفر بآيات الله وحده، أو الصد عن سبيل الله، لمن آمن وحده، مستقبح فى نفسه، جالب للعذاب وحده، وسبيل الله دينه الحق المأمور بالكون فيه، وهو الإسلام. ومعنى الصد عن سبيل الله أنهم كانوا لا يألون جهداً فى صرف المؤمنين عن الإيمان، جملة وأفراداً. ومن ذلك ما رواه زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله: أن شاس بن قيس اليهودى وكان عظيم الكفر والطعن فى الدين والحسد مر على نفر من الأنصار فى مجلس لهم يتحدثون فغاظه ذلك حيث تألف الأوس والخزرج بعد ما بينهم من العداوة، وقال: ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار، فأمر شابا من اليهود أن يجلس إليهم، ويذكرهم يوم بعاث، وهو يوم من أيامهم وينشدهم بعض ما قيل فيه من الأشعار، وكن فيه الدائرة على الخزرج، ففعل الشاب فتنازع الأوس والخزرج، وتفاخروا وتواثبوا على الركب، أوس بن قبطى أحد بنى حارثة من الأوس، وحيار بن صخر، أحد بنى سلمة من الخزرج، وتقاولا وقالا إن شئتم رددناها الآن خدعة، وغضب الفريقان حتى قالوا: السلاح السلاح موعدكم الحرة، فانضموا إليها كل فى جهة، فبلغ النبى صلى الله عليه وسلم ذلك فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار الذين لم يدخلوا فى التفاخر المذكور، فقال: "أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية، وألف بينكم"؟ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا وألقوا السلاح وتعانقوا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال جابر: شعر : فما كان يوم أقبح أولا وأحسن آخراً من ذلك اليوم تفسير : {تَبْغُونَهَا عِوَجاً}: أى تبغون للسبيل عوجاً، فمصير النصب للسبيل لأن السبيل يذكر ويؤنث، وهو فى محل نصب على حذف اللام، وعوجاً مفعول لتبغون، والجملة حال من واو تصدون، أو من السبيل، أو مستأنفة والعوج الانحراف وذلك أنهم منعوا النسخ وغيروا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعلوا ما أشبه ذلك من الكفران، فيوهمون الناس، أن ذلك حق مع أنهُ باطل، وعوج، فيكونون قد نسبوا لسبيل الله ما هو نفسه عوج، أو ذلك أنهم ذكروا للأوس والخزرج ما يثير الفتنة بينهم. {وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ}: أن دين الحق هو سبيل الله، الذى عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أن الصد عنه ضلال وإضلال، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله بنعته وصفته، وفى التوراة ذلك كله، أو معنى شهادتهم بذلك قراءتهم إياه فى التوراة، فهم يتلونه بألسنتهم كما ينطق الشاهد بما شهد به، أو يقرون به، فيما بينهم أو معناها علمهم فإن العلم سبب الشهادة، أو معنى شهادتهم حضورهم لمعجزات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أو أنتم فى أهل ملتكم أهل، لأن تكونوا شهداء لعدالتكم عندهم، وثقتهم بكم، يستشهدونكم فى القضايا، وكلما أرادوا التوثق فيه وأنتم شهداء على أنفسكم أنكم تبغونها عوجا، والجملة حال من واو تبغونها. {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}: من الكفر والصد وابتغاء العوج وغير ذلك فهو يجازيكم عليه، فهذا وعيد لهم.
اطفيش
تفسير : {قُلْ يَآ أهلَ الكِتَابِ} كرره للتأكيد والإشعار بأن الصد وحده مهلك كما أن الكفر وحده مهلك {لِمَ تَصُدُّونَ} تصرفون {عَن سَبِيلِ اللهِ} القرآن وسائر الوحى والمعجزات بالتحريف وبتبديل صفات النببى صلى الله عليه وسلم وكتمها، وبمنع مريد الإيمان عنه، إذ قيل لهم، هل تجدون محمدا فى التوراة؟ قالوا، لا: اكفر به ولا تؤمن، وبإلقاء الفتنة بين الأوس والخزرج بتذكير الحروب السابقة بينهم فى الجاهلية فيرجعون إليها ويخالفونه صلى الله عليه وسلم {مَنْ ءَامَنَ} بها {تَبْغُونَهَا} أى السبيل {عِوَجاً} تطلبون السبيل معوجة، أو ذات عوج، أو تبغون لها عوجا بالتحريف، وما ذكر معه، فهو متعد لاثنين بمعنى تصيرونها عوجا، أو لواحد، فيقدر تبغون لها، أو عوجا حال من ضمير النصب أو الرفع، أى ذات عوج، أو ذوى عوج {وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ} من التوراة والإنجيل بأن محمدا صلى الله عليه وسلم عَلَى الحق، وأنكم مخالفون للحق، أو أنتم شهداء فى قومكم عدول عندهم، كلامكم نافذ فيهم {وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} من الصد عن الحق فى السر والمكر جهدكم.
الالوسي
تفسير : {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ } أي تصرفون {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي طريقه الموصلة إليه وهي ملة الإسلام {مَنْ ءامَنَ } أي بالله وبما جاء من عنده أو من صدق بتلك السبيل وآمن بذلك الدين بالفعل أو بالقوة القريبة منه بأن أراد ذلك وصمم عليه وهو مفعول لتصدون قدم عليه الجار للاهتمام به {تَبْغُونَهَا } أي السبيل {عِوَجَا } أي اعوجاجاً وميلاً عن الاستواء ويستعمل مكسور العين في الدين والقول والأرض، ومنه {أية : لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً }تفسير : [طه: 107] ويستعمل المفتوح في ميل كل شيء منتضب كالقناة والحائط مثلاً وهو أحد مفعولي ـ تبغون ـ فإن بغى يتعدى لمفعولين أحدهما: بنفسه والآخر: باللام كما صرح به اللغويون وتعديته للهاء من باب الحذف والإيصال أي تبغون لها كما في قوله:شعر : فتولى غلامهم ثم نادى أظليماً أصيدكم أم حمارا تفسير : أراد أصيد لكم، وقال ابن المنير: «الأحسن جعل الهاء مفعولاً من غير حاجة إلى تقدير الجار، و {عِوَجَا } حال وقع موقع الاسم مبالغة كأنهم طلبوا أن تكون الطريقة القويمة نفس المعوج»، وادعى الطيبـي أن فيه نظراً إذ لا يستقيم المعنى إلا على أن يكون {عِوَجَا } هو المفعول به لأنه مطلوبهم فلا بدّ من تقدير الجار وفيه تأمل، وقيل: {عِوَجَا } حال من فاعل ـ تبغون ـ والكلام فيه كالكلام في سابقه، وجملة ـ تبغون ـ على كل حال إما حال من ضمير {تَصُدُّونَ } أو من ـ السبيل ـ وإما مستأنفة جيء بها كالبيان لذلك الصد، والأكثرون على أنه كان بالتحريش والإغراء بين المؤمنين لتختلف كلمتهم ويختل أمر دينهم كما دل عليه ما أوردناه في بيان سبب النزول فعلى هذا يكون المراد بأهل الكتاب هم اليهود أيضاً، والتعبير عنهم بهذا العنوان لما تقدم وإعادة الخطاب والاستفهام مبالغة في التقريع والتوبيخ لهم على قبائحهم وتفصيلها ولو قيل: لم تكفرون بآيات الله وتصدون عن سبيل الله؟ لربما توهم أن التوبيخ على مجموع الأمرين، وقيل: الخطاب لأهل الكتاب مطلقاً وكان صدهم عن السبيل بهتهم وتغييرهم صفة النبـي صلى الله عليه وسلم ـ وإلى هذا ذهب الحسن وقتادة ـ وعن السدي كانوا إذا سألهم أحد هل تجدون محمداً في كتبكم؟ قالوا: لا فيصدونه عن الإيمان به وهذا ذمّ لهم بالإضلال إثر ذمهم بالضلال. وقرىء {تَصُدُّونَ } من أصد. {وَأَنْتُمْ شُهَدَاء } حال إما من فاعل {تَصُدُّونَ } أو من فاعل ـ تبغون ـ والاستنئاف خلاف الظاهر أي كيف تفعلون هذا وأنتم علماء عارفون بتقدم البشارة به صلى الله عليه وسلم مطلعون/ على صحة نبوته أو وأنتم عدول عند أهل ملتكم يثقون بأقوالكم ويستشهدونكم في القضايا وصفتكم هذه تقتضي خلاف ما أنتم عليه {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } تهديد لهم على ما صنعوا قيل: لما كان كفرهم ظاهراً ناسب ذكر الشهادة معه في الآية السابقة لأنها تكون لما يظهر ويعلم، أو ما هو بمنزلته ـ وصدهم عن سبيل الله ـ وما معه لما كان بالمكر والحيلة الخفية التي تروج على الغافل ناسب ذكر الغفلة معه في هذه الآية فلهذا ختم كلاً من الآيتين بما ختم.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} {آمَنَ} {بِغَافِلٍ} (99) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لأهْلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى: لِمَ تَمْنَعُونَ المُؤْمِنِينَ مِنْ سُلُوكِ طَرِيقِ الإِيمَانِ المُسْتَقِيمِ المُوصِلِ إلى اللهِ، وَتُكَّذِبُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَرِسَالَتِهِ، كُفْراً وَعِنَاداً، وَكِبْراً وَحَسَداً، وَتُلْقُونَ الشُّبُهَاتِ البَاطِلَةَ فِي قُلُوبِ الضُّعَفَاءِ مِنَ المُسْلِمِينَ بَغْياً وَكَيْداً لِلنَّبِيِّ؟ هَلْ تُرِيْدُونَ اعْوِجَاجَ الأمُورِ، وَسِيَادَةَ الشَّرِّ وَالفَسَادِ فِي الأرْضِ؟ وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ عَلَى صِحَّةِ مَا أقُولُ، وَعَلَى صِدْقِ مَا جَاءَنِي مِنْ عِنْدِ اللهِ؟ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لاَ يَغِيبُ عَنْ عِلْمِ اللهِ شَيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ مِنْ صَدٍّ وَكُفْرٍ وَبَغْيٍ. صَدُّهُ - صَرْفُهُ. تَبْغُونَها - تُرِيدُونَها. السَّبِيلُ - الطَّرِيقُ. العِوَجُ - الاعْوِجَاجُ، وَهُوَ ضِدُّ الاسْتِقَامَة.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هب أنكم خبتم في ذواتكم، وحملتم وزر ضلالكم؛ فلماذا تحملون وزر إضلالكم للناس؟. كان يكفي أن تحملوا وزر ضلالكم أنتم، لا أن تحملوا أيضاً وزر إضلالكم للناس؟ إن الحق - سبحانه - قال: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ}تفسير : [النحل: 25]. إنه سبحانه قال ذلك مع أنه قد قال: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ..}تفسير : [فاطر: 18]. إن الذي لا يحمل وزراً مع وزره هو الضال الذي لم يُضِل غيره، فهذا يتحمل إثمه فقط. أما الذي يحمل وزر نفسه، ووزر غيره فهو الضال المضل لغيره، وهنا يسألهم الحق سبحانه وتعالى على لسان رسوله: {لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ} [آل عمران: 99]. كأنه يقول لهم ماذا تريدون من الدين الذي يربط العبد بربه؟. إنكم لا تريدونه ديناً قيماً, إنكم تريدون ديناً معوجاً، والمعوج عن الاستقامة إنما يكون معوجاً لِغرض؛ لأن المعوج يطيل المسافة. إنّ الذي يسير في طريق مستقيم ما الذي يدعوه إلى أن ينحرف عن الطريق المستقيم ليطيل على نفسه السبيل؟. إن كان يريد الغاية مباشرة فإنه يفضل الطريق المستقيم. أما الذي ينحرف عن الطريق المستقيم فهو لا يبغي الغاية المنشودة، بل يطيل على نفسه المسافة، وقد لا يصل إلى الغاية. والحق يقول: {لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً} [آل عمران: 99] وساعة تسمع "عوجاً" فإننا قد نسمعها مرة "عوج" بفتح العين. ومرة نسمعها "عوج" بكسر العين. حين نسمعها "عوج" بفتح العين، فالعَوَج هو للشيء الذي له قيام، كالحائط أو الرمح، أما "العِوج" بكسر العين فهو في المعاني والقيم، لذلك يقول لهم الحق عن انحرافهم في المعاني والقيم: {تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ} [آل عمران: 99]. إن الحق يبلغهم: أنتم تبغون الدين عوجاً برغم أنكم شهداء على أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق، إنه جاء مبلغاً بالصدق، وكنتم تبشرون برسالة محمد، وكنتم تستفتحون على الذين أشركوا من أهل مكة وتقولون: سيأتي نبي نتبعه ثم نقتلكم معه قتل عاد وإرم. وأنتم - يا أهل الكتاب - شهود على صدق هذا الرسول. لقد ارتكبوا سلسلة من المعاصي؛ هم ضلوا وجهدوا أن يُضلوا غيرهم. ويا ليت ذلك يتم عن جهل، ولكنه أمر كان يتم بقصد وعن علم. وبلغت المسألة منهم مبلغ أنهم شهود على الحق. وبرغم ذلك أصروا على الضلال والإضلال. ومعنى "الشهود"، أنهم عرفوا ما قالوا ورأوه رأي العين، فالشهود هو رؤية لشيء تشهده، وليس شيئاً سمعته، لذلك يذكرهم الحق سبحانه بقوله: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 99]. إنَّ الرسالة التي جاء بها محمد مبلغاً واضحة، وهذا مذكور في كتبكم السماوية. فما الذي يجعلكم - يا أهل الكتاب - لا تلتزمون طريق الحق وأنتم شهود؟ لا بد أنكم قد مستكم شبهة إن الله يغفل عن ذلك، فقال لهم لا: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 99]. وبعد ذلك يأتي قول الحق سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):