٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
100
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه تعالى لما حذر الفريق من أهل الكتاب في الآية الأولى عن الإغواء والإضلال حذر المؤمنين في هذه الآية عن إغوائهم وإضلالهم ومنعهم عن الالتفات إلى قولهم، روي أن شاس بن قيس اليهودي كان عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين شديد الحسد، فاتفق أنه مرّ على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج فرآهم في مجلس لهم يتحدثون، وكان قد زال ما كان بينهم في الجاهلية من العداوة ببركة الإسلام، فشق ذلك على اليهودي فجلس إليهم وذكرهم ما كان بينهم من الحروب قبل ذلك وقرأ عليهم بعض ما قيل في تلك الحروب من الأشعار فتنازع القوم وتغاضبوا وقالوا: السلاح السلاح، فوصل الخبر إلى النبي عليه السلام، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار، وقال: أترجعون إلى أحوال الجاهلية وأنا بين أظهركم، وقد أكرمكم الله بالإسلام وألف بين قلوبكم فعرف القوم أن ذلك كان من عمل الشيطان، ومن كيد ذلك اليهودي، فألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كان يوم أقبح أولاً وأحسن آخراً من ذلك اليوم، فأنزل الله تعالى هذه الآية فقوله {إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } يحتمل أن يكون المراد هذه الواقعة، ويحتمل أن يكون المراد جميع ما يحاولونه من أنواع الإضلال، فبيّن تعالى أن المؤمنين إن لانوا وقبلوا منهم قولهم أدى ذلك حالاً بعد حال إلى أن يعودوا كفاراً، والكفر يوجب الهلاك في الدنيا والدين، أما في الدنيا فبوقوع العداوة والبغضاء وهيجان الفتنة وثوران المحاربة المؤدية إلى سفك الدماء، وأما في الدين فظاهر. ثم قال تعالى: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءايَـٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ } وكلمة {كَيْفَ } تعجب، والتعجب إنما يليق بمن لا يعلم السبب، وذلك على الله محال، والمراد منه المنع والتغليظ وذلك لأن تلاوة آيات الله عليهم حالاً بعد حال مع كون الرسول فيهم الذي يزيل كل شبهة ويقرر كل حجة، كالمانع من وقوعهم في الكفر، فكان صدور الكفر على الذين كانوا بحضرة الرسول أبعد من هذا الوجه، فقوله {إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ } تنبيه على أن المقصد الأقصى لهؤلاء اليهود والمنافقين أن يردوا المسلمين عن الإسلام ثم أرشد المسلمين إلى أنه يجب أن لا يلتفتوا إلى قولهم، بل الواجب أن يرجعوا عند كل شبهة يسمعونها من هؤلاء اليهود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى يكشف عنها ويزيل وجه الشبهة فيها. ثم قال: {وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرٰطٍ مّسْتَقِيمٍ } والمقصود: إنه لما ذكر الوعيد أردفه بهذا الوعد، والمعنى: ومن يتمسك بدين الله، ويجوز أن يكون حثاً لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار والاعتصام في اللغة الاستمساك بالشيء وأصله من العصمة، والعصمة المنع في كلام العرب، والعاصم المانع، واعتصم فلان بالشيء إذا تمسك بالشيء في منع نفسه من الوقوع في آفة، ومنه قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ } تفسير : [يوسف: 32] قال قتادة: ذكر في الآية أمرين يمنعان عن الوقوع في الكفر أحدهما: تلاوة كتاب الله والثاني: كون الرسول فيهم، أما الرسول صلى الله عليه وسلم فقد مضى إلى رحمة الله، وأما الكتاب فباق على وجه الدهر. وأما قوله {فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرٰطٍ مّسْتَقِيمٍ } فقد احتج به أصحابنا على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، قالوا: لأنه جعل اعتصامهم هداية من الله، فلما جعل ذلك الاعتصام فعلاً لهم وهداية من الله ثبت ما قلناه، أما المعتزلة فقد ذكروا فيه وجوهاً الأول: أن المراد بهذه الهداية الزيادة في الألطاف المرتبة على أداء الطاعات كما قال تعالى: {أية : يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ } تفسير : [المائدة: 16] وهذا اختاره القفال رحمه الله والثاني: أن التقدير من يعتصم بالله فنعم ما فعل فإنه إنما هدي إلى الصراط المستقيم ليفعل ذلك الثالث: أن من يعتصم بالله فقد هدي إلى طريق الجنة والرابع: قال صاحب «الكشاف» {فَقَدْ هُدِىَ } أي فقد حصل له الهدى لا محالة، كما تقول: إذا جئت فلانا فقد أفلحت، كأن الهدى قد حصل فهو يخبر عنه حاصلاً وذلك لأن المعتصم بالله متوقع للهدى كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده.
القرطبي
تفسير : نزلت في يهودي أراد تجديد الفِتنة بين الأَوْسِ والخَزْرَج بعد ٱنقطاعها بالنبي صلى الله عليه وسلم، فجلس بينهم وأنشدهم شِعْراً قاله أحدُ الحَيَّين في حربهم. فقال الحَي الآخر: قد قال شاعرنا في يوم كذا وكذا، فكأنهم دخلهم من ذلك شيء، فقالوا: تعالَوا نردّ الحربَ جَذْعَاءَ كما كانت. فنادى هؤلاء. ياآل أَوْسَ. ونادى هؤلاء: يا آل خَزْرج؛ فاجتمعوا وأخذوا السلاح وٱصطفوا للقتال فنزلت هذه الآية؛ فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى وقف بين الصّفين فقرأها ورفع صوته، فلما سمعوا صوته أَنصَتوا له وجعلوا يستمعون، فلما فرغ ألقوا السّلاح وعانق بعضهم بعضا وجعلوا يبكون؛ عن عكرمة وٱبن زيد وٱبن عباس. والذي فعل ذلك شاس بن قيس اليهودي، دَسّ على الأوس والخَزْرج من يذكرهم ما كان بينهم من الحروب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم وذكّرهم، فعرف القوم أنها نْزعةٌ من الشيطان، وكَيْدٌ من عدّوهم؛ فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق بعضهم بعضا، ثم ٱنصرفوا مع النبي صلى الله عليه وسلم سامعين مُطيعين؛ فأنزل الله عز وجل {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} يعني الأَوس والخزرج. {إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} يعني شاساً وأصحابه. {يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} قال جابر بن عبد الله: ما كان طَالعٌ أكرهِ إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ إلينا بيده فكَفَفنا وأصلح الله تعالى ما بيننا؛ فما كان شخصٌ أحبَّ إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيتُ يوما أقبح ولا أوحَشَ أولاً وأحسن آخراً من ذلك اليوم.
ابن كثير
تفسير : يحذر تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يطيعوا طائفة من أهل الكتاب الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، وما منحهم به من إرسال رسوله، كما قال تعالى: {أية : وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} تفسير : [البقرة: 109] الآية، وهكذا قال ههنا: {إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ} ثم قال تعالى: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} يعني: أن الكفر بعيد منكم، وحاشاكم منه؛ فإن آيات الله تنزل على رسوله ليلاً ونهاراً، وهو يتلوها عليكم، ويبلغها إليكم، وهذا كقوله تعالى: {أية : وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَـٰقَكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [الحديد: 8] الآية بعدها. وكما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لأصحابه يوماً: «حديث : أي المؤمنين أعجب إليكم إيماناً؟» تفسير : قالوا: الملائكة. قال: «حديث : وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم» تفسير : ؟ وذكروا الأنبياء، قال: «حديث : وكيف لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟» تفسير : قالوا: فنحن. قال: «حديث : وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟» تفسير : قالوا: فأي الناس أعجب إيماناً؟ قال: «حديث : قوم يجيئون من بعدكم، يجدون صحفاً يؤمنون بما فيها» تفسير : وقد ذكرت سند هذا الحديث والكلام عليه في أول شرح البخاري، ولله الحمد، ثم قال تعالى: {وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مّسْتَقِيمٍ} أي: ومع هذا، فالاعتصام بالله، والتوكل عليه، هو العمدة في الهداية، والعدّة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد، وحصول المراد.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل لما مرّ بعض اليهود على الأوس والخزرج وغاظهم تآلفهم فذكروهم بما كان بينهم في الجاهلية من الفتن فتشاجروا وكادوا يقتتلون { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ كَٰفِرِينَ }.
الماوردي
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا} يعني الأوس والخزرج. {إِن تُطِيعُوا فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} يعني اليهود في إغرائهم بينكم. {يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ}.
ابن عطية
تفسير : الخطاب بقوله: {يا أيها الذين آمنوا} عام في المؤمنين، والإشارة بذلك - وقت نزوله - إلى الأوس والخزرج بسبب نائرة شاس بن قيس، و"الفريق" -الجماعة من الناس والمراد بها هنا الأحبار والرؤوس، و {يردوكم} معناه: بالإضلال والتشكيك والمخادعة وإظهار الغش في معرض النصح، ثم وقف تعالى المؤمنين على هذا الأمر المستبعد المستشنع الذي يريده بهم اليهود، فقال {وكيف تكفرون وأنتم} بهذه الأحوال الموصوفة؟ و {كيف} في موضع نصب على الحال، كما هي في قوله تعالى: {أية : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم} تفسير : [البقرة: 28] والمعنى أجاحدين تكفرون؟ أجاهلين أمستخفين أمرتدين؟ ونحو هذا من التقدير والواو في قوله: {وكيف تكفرون} عاطفة جملة كلام على جملة كلام، ولا يجوز أن تكون {كيف} في هذه الآية كما هي في قولك، كيف تفعل كذا، وأنت تسأل عن شيء ثابت الوقوع متحصلة، لأنه كان يلزم أن يكون كفر المؤمنين مقرراً مثبت الوقوع، وتأمل معنى {كيف} إذا وليها فعل، ومعناها إذا وليها اسم، وقرأ جمهور الناس "تتلى" بالتاء من فوق، وقرأ الحسن: "يتلى" بالياء إذ الآيات هي القرآن، وقوله تعالى: {وفيكم} هي ظرفية الحضور والمشاهدة لشخصه عليه السلام، وهو في أمته إلى يوم القيامة، بأقواله وآثاره، و{يعتصم} معناه: يتمسك ويستذري، وعصم الشيء إذا منع وحمي، ومنه قوله {أية : يعصمني من الماء} تفسير : [هود: 43] والعصم الأسباب التي يمتّ بها، ويعتصم من الخيبة في الغرض المطلوب، وقال الأعشى: [المتقارب] شعر : إلى الْمَرْءِ قَيْس أُطِيلُ السُّرى وآخُذُ مِنْ كُلِّ حَيٍّ عِصَمْ تفسير : وتصرف اللفظة كثير جداً، وباقي الآية بيّن، والله المستعان.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَاأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ} الأوس والخزرج. {إِن تُطِيعُواْ} اليهود. {يَرُدُّوكُم} إلى الكفر بإغرائهم بينكم.
ابن عادل
تفسير : لمَّا حذَّر أهْلَ الكتاب عن الإغواء والإضلال، حذَّرَ الْمُؤمنين في هذه الآية عن إغوائهم وإضلالهم، ومنعهم عن الالتفات إلى قولهم. رُوِي أن شأسَ بن قيس اليهوديّ كان عظيمَ الكُفْر، شديد الطعن على المسلمين، شديد الحَسَد، فاتفق أنه مرَّ على نفر من الأوس والخزرج - وهم في مجلسٍ جَمَعَهم يتحدثون، وكان قد زال ما بينهم من الشحناء والتباغُض، فغاظه ما رأى من ألْفتهِمْ، وصلاح ذاتِ بينهم في الإسلام بعد الذي كان بينهم في الجاهليةِ، فقال: قد اجتمع مَلأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا بها - من قرارٍ، فأمر شابًّا من اليهود - كان معه - فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم ذكرهم يوم بُعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعضَ ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، وكان بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس مع الخزرج، وكان الظَّفَرُ فيه للأوس على الخَزْرَج - ففعل: فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثَبَ رجلان من الحَيَّيْنِ على الرُّكَب - أوس بن قيظي، أحد بني حارثة، من الأوس وجبار بن صَخْر، أحد بني سلمة من الخزرج - فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددتها الآن جَذَعة، فغضب الفريقان جميعاً، وقالا: قد فعلنا، السلاحَ السلاحَ، موعدكم الظاهرة - وهي حَرَّة - فخرجوا إليها، وانضمَّت الأوس والخزرج بعضُها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهليةِ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم - فيمن معه من المهاجرين - حتى جاءهم فقال: "حديث : يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أبدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ وَأنَا بَيْنَ أظْهُرِكم بَعْدَ إذْ أكْرَمَكُمُ اللهُ بالإسْلاَمِ وقَطَعَ بِهِ عَنْكُمْ أمْرَ الجَاهِلِيَّةِ، وَألَّفَ بَيْنَكُمْ، فَتَرْجِعُونَ إلَى مَا كُنْتُمْ كُفَّاراً؟ اللهَ الله"تفسير : . فعرف القومُ أنها نزغة من شيطان، وكيدٌ من عدوِّهم، فألْقَوا السلاحَ من أيديهم، وبَكَوْا، وعانق بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، فأنزل الله هذه الآية، فما كان يوم أقبح أولاً وأحسن آخراً من ذلك اليوم. واعلم أن هذه الآية يحتمل أن يكون المراد بها: جميع ما يحاولونه من أنواع الضلالة، فبيَّن - تعالى - أن المؤمنين إذا قَبِلوا منهم قولَهم أدَّى ذلك - حالاً بعد حال - إلى أن يعودوا كفاراً، واكلفر يوجب الهلاك في الدُّنْيَا بالعداوة والمحاربة، وسفك الدماء، وفي الآخرة بالعذاب الأليم الدائم. قوله: {يَرُدُّوكُم} رَدَّ، يجوز أن يُضَمَّن معنى: "صَيَّر" فينصب مفعولَيْن. ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : 1550- رَمَى الحَدَثَانُ نِسْوَةَ آل سَعْدٍ بِمِقْدَارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُوداً فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضاً وَرَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودَا تفسير : ويجوز ألا يتضمن، فيكون المنصوبُ الثاني حالاً. قوله: {بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} يجوز أن يكون منصوباً بـ "يَرُدُّوكُمْ"، وأن يتعلق بـ "كَافِرِينَ"، ويصير المعنى كالمعنى في قوله: {أية : كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} تفسير : [آل عمران: 86]. قوله: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ} "كَيْفَ" كلمة تعجُّب، وهو على الله - تعالى - محال، والمراد منه التغليظ والمنع؛ لأن تلاوة آيات الله عليهم، حالاً بعد حال - مع كون الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم - تُزيل الشُّبَه، وتُقَرِّر الحُجج، كالمانع من وقوعهم في الكُفْر، فكان صدور الكفر عن هؤلاءِ الحاضرين للتلاوة والرسول معهم أبعد من هذا الوجه. قال زيد من أرقم: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خطيباً، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "حديث : أمَّا بَعْدُ، أيُّهَا النَّاسِ، إنَّمَا أنَا بَشَرٌ، يُوشِكُ أن يَأتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي فأجِيبَه، وإنِّي تَارِكٌ فيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: أوَّلُهُمَا كتَابُ اللهِ، فِيهِ الهُدَى والنُّور، فَتَمسَّكُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَخّذُوا بِهِ ورغب فيه ثم قال: وَاهْل بَيْتِي، أذكِّرُكُمُ اللهَ فِي أهْلِ بَيتِي ". تفسير : قوله: {وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ} جملة حالية، من فاعل: "تَكْفُرُونَ". وكذلك قوله: {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} أي: كيف يُوجَد منكم الكفرُ مع وجود هاتين الحالتين؟ والاعتصام: الامتناع، يقال: اعْتَصَمَ واسْتَعْصَمَ بمعنًى واحدٍ، واعْتَصَمَ زَيْدٌ عَمْراً، أي: هيَّأ له ما يَعْتصِمُ به. وقيل: الاعتصام: الاستمساك، واستعصم بكذا، أي: استمسك به. ومعنى الآية: ومن يتمسك بدينِ الله وطاعته فقد هُدِي وأرْشِد إلى صراطٍ مستقيمٍ. وقيل: ومن يؤمن بالله. وقيل: ومن يتمسك بحبل الله وهو القرآن. والعِصام: ما يُشدُّ به القربة، وبه يسمَّى الأشخاص، والعِصْمة مستعملة بالمعنيَيْن؛ لأنها مانعةٌ من الخطيئة وصاحبها متمسك بالحق - والعصمة - أيضاً - شِبْه السوار، والمِعْصَم: موضع العِصْمَة، ويُسَمَّى البياض الذي في الرسغ - عُصْمَة؛ تشبيهاً بها، وكأنهم جعلوا ضمةَ العينِ فارقةً، وأصل العُصْمة: البياض يكون في أيدي الخيل والظباء والوعول، والأعْصَم من الوعول: ما في معاصمها بياضٌ، وهي أشدُّها عَدْواً. قال: [الكامل] شعر : 1551- لَوْ أنَّ عُصْمَ عَمَامَتَيْن وَيَذْبُلٍ سمعَا حَدِيثَكَ أنْزَلاَ الأوْعَالا تفسير : وعصمه الطعام: منع الجوع منه، تقول العرب: عَصَمَ فلاناً الطعامُ، أي: منعه من الجوع. وقال أحمد بن يحيى: العرب تُسَمِّي الخبز عاصِماً، وجابراً. قال: [الرجز] شعر : 1552- فَلاَ تَلُومِينِي وَلُومِي جَابِرا فَجَابِرٌ كَلَّفَنِي الْهَوَاجِرَا تفسير : ويسمونه عامراً، وأنشد: [الطويل] شعر : 1553- أبُو مَالِكٍ يَعْتَادُنِي بِالظَّهَائِر يِجِيءُ فَيُلْقِي رَحْلَهُ عِنْدَ عَامِرِ تفسير : وأبو مالك كنية الجوع. وفي الحديث - في النساء: "حديث : لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْهُنَّ إلاَّ كَالْغُرَابِ الأعْصَمِ" تفسير : وهو الأبيض الرجلين. وقيل: الأبيض الجناحَين. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : "المَرْأةُ الصَّالِحَةُ فِي النِّسَاءِ كَالْغُرَابِ الأعْصَمِ في الغِرْبَانِ". قيل: يا رسولَ الله، وما الغراب الأعصم؟ قال "الَّذِي فِي أحدِ جَنَاحَيْه بَيَاضٌ" ". تفسير : وفي الحديث: كنا مع عمرو بن العاص، فدخلنا شِعْباً، فإذا نحن بغربان، وفيهن غُرابٌ أحمرُ المنقار أحمر الرِّجلين، فقال عَمرو: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنَ النِّسَاءِ إلاَّ بِقَدْرِ هَذَا مِنَ الغِرْبَانِ"تفسير : والمراد منه: التقليل. قوله: "فقد هدي" جواب الشرط، وجيء في الجواب بـ "قد" دلالةً على التوقُّع؛ لأن المعتصم متوقع الهداية. والمعنى: ومن يمتنع بدينِ الله، ويتمسك بدينه، وطاعتهِ، فقد هُدِي إلى صراطِ مستقيم واضح. وفسره ابن جرير ومن يعتصم بالله أي: يؤمن بالله. فصل احتجوا بهذه الآية على أن فعل العبدِ مخلوق لله تعالى؛ لأنه جعل اعتصامهم هداية من الله تعالى، والمعتزلة ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أن المرادَ بهذه الهداية الزيادة في الألطاف المرتبة على أداء الطاعات، كقوله تعالى: {أية : يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ} تفسير : [المائدة: 16] وهذا اختيار القفال. الثاني: أن التقدير: ومن يعتصم بالله فنعم ما فعل؛ فإنه إنما هُدِي إلى الصراط المستقيم، ليفعل ذلك. الثالث: أن التقدير: ومن يعتصم بالله فقد هُدِيَ إلى طريقِ الجنة. الرابع: قال الزَّمَخْشَرِيُّ: "فقد هدي" أي: فقد حصل له الهدى - لا محالة - كما تقول: إذا جئتَ فلاناً فقد أفلحتَ، كأن الهدى قد حصل، فهو يخبر عنه حاصِلاً؛ لأن المعتصم بالله متوقّع للهدى، كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده.
ابو السعود
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ} تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى المؤمنين تحذيراً لهم عن طاعة أهلِ الكتابِ والافتتانِ بفتنتهم إثرَ توبـيخِهم بالإغواء والإضلالِ ردعاً لهم عن ذلك، وتعليقُ الردِّ بطاعة فريقٍ منهم للمبالغة في التحذير عن طاعتهم وإيجابِ الاجتنابِ عن مصاحبتهم بالكلية فإنه في قوة أن يُقال: لا تُطيعوا فريقاً الخ، كما أن تعميمَ التوبـيخِ فيما قبله للمبالغة في الزجر أو للمحافظة على سبب النزولِ فإنه رُوي أن نفراً من الأوس والخزرج كانوا جُلوساً يتحدثون فمرّ بهم شاسُ بنُ قيسٍ اليهوديُّ ــ وكان عظيمَ الكفرِ شديدَ الحسَدِ للمسلمين ــ فغاظه ما رأى منهم من تآلُفِ القلوبِ واتحادِ الكلمةِ واجتماعِ الرأي بعد ما كان بـينهم ما كان من العداوة والشنَآنِ، فأمر شاباً يهودياً كان معه بأن يجلِسَ إليهم ويذكِّرَهم يوم بُعاثَ وكان ذلك يوماً عظيماً اقتتل فيه الحيانِ وكان الظفرُ فيه للأوس ويُنشِدُهم ما قيل فيه من الأشعار ففعل فتفاخرَ القومُ وتغاضبوا حتى تواثبوا وقالوا: السلاحَ السلاحَ فاجتمع من القبـيلتين خلقٌ عظيم فعند ذلك جاءهم النبـي صلى الله عليه وسلم وأصحابُه فقال: «حديث : أتدْعون الجاهليةَ وأنا بـين أظهُرِكم بعد أن أكرمكم الله تعالى بالإسلام وقطع به عنكم أمرَ الجاهلية وألَّف بـينكم؟» تفسير : فعلِموا أنها نزعةٌ من الشيطان وكيدٌ من عدوهم فألقَوُا السلاح واستغفروا وعانق بعضُهم بعضاً، وانصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الإمامُ الواحديُّ: اصطفوا للقتال فنزلت الآيةُ إلى قوله تعالى: {أية : لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}تفسير : [آل عمران، الآية 103] فجاء النبـي صلى الله عليه وسلم حتى قام بـين الصفَّيْن فقرأهنّ ورفعَ صوتَه فلما سمعوا صوتَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنصَتوا له وجعلوا يستمعون له فلما فرَغ ألقَوا السلاح وعانق بعضُهم بعضاً وجعلوا يبكون. وقوله تعالى: {كَـٰفِرِينَ} إما مفعولٌ ثانٍ ليردُّوكم، على تضمين الردِّ معنى التصيـير كما في قوله: [الوافر] شعر : رمى الحِدْثانُ نسوةَ آلِ سعدٍ بمقدار سمَدْن له سُمودا فردَّ شعورَهن السودَ بِـيضاً ورد وجوهَهن البـيضَ سودا تفسير : أو حالٌ من مفعوله، والأول أدخَلُ في تنزيه المؤمنين عن نسبتهم إلى الكفر لما فيه من التصريح بكون الكفرِ المفروضِ بطريق القسر، وإيرادُ الظرفِ مع عدم الحاجةِ إليه ضرورةَ سبقِ الخطابِ بعنوان المؤمنين واستحالةِ تحققِ الردِّ إلى الكفر بدون سبْقِ الإيمانِ مع توسيطه بـين المفعولين ـــ لإظهار كمالِ شناعةِ الكفرِ وغايةِ بُعدِه من الوقوع إما لزيادة قُبحِه الصارفِ العاقلِ عن مباشرته أو لممانعة الإيمانِ له كأنه قيل: بعد إيمانِكم الراسخِ وفيه من تثبـيت المؤمنين ما لا يخفى.
القشيري
تفسير : الوحشة ليست بلازمة لأصحابها، بل هي متعدية إلى كل من يحوِّم حول أهلها، فَمَنْ أطاع عدوَّ الله إلى شؤم صحبة (الأعداء) ألقاه في وهدته.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الذين آمنوا ان تطيعوا فريقا} طائفة وانما خص فريقا لان منهم من آمن {من الذين اوتوا الكتاب يردوكم بعد ايمانكم كافرين} قوله كافرين مفعول ثان ليردوكم على تضمين الرد معنى التصيير. قال عكرمة نزلت فى شاس ابن قيس اليهودى رأى منتدى محتويا على زخام من اوس وخزرج فغاظه الفتهم فارسل شابا ينشدهم اشعار يوم بغاث وكان ذلك يوما عظيما اقتتل فيه الحيان المذكوران وكان الظفر فيه للاوس فنعر عرق الداء الدفين فتشاجروا فاخبر النبى عليه السلام فخرج يصلح ذات بينهم.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا}، الخطاب عامٌ، والمراد: نفر من الأوس والخزرج، {إن تُطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب}، وهو شاسُ بن قيس اليهودي، كان شيخاً كبيراً، وكان عظيمَ الكفر شديد الضغن على المسلمين، مرَّ بنفر من الأوس والخزرج، جلوساً يتحدثون، وكان بينهما عداوة في الجاهلية، فغاظه تآلفهم واجتماعهم، وقال: قد اجتمع ملأ بني قَيْلَة بهذه البلاد، فما لنا معهم قرار، فأمر شاباً من اليهود أن يجلس بينهم ويُذكِّرهم يوم بعاث - وهو يوم حرب كان بينهم في الجاهلية - ويُنشدهم بعض ما قيل فيه، وكان الظفرُ في ذلك اليوم للأوس، ففعل، وتنازع القوم وتفاخروا وتغاضبوا، وقالوا: السلاحَ السلاحَ، واجتمع من القبيلتين خلق عظيم، فتوجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال:"حديث : أبدعْوَى الجَاهِليةِ وأنا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، بعدَ إذ أكْرَمَكْم اللّهُ بالإسْلام، وقَطَعَ به عَنْكُم أمْرَ الجَاهِلِية، وألْفَ بَينكُم؟"تفسير : فعلموا أنها نزغة ٌ من الشيطان وكيدٌ من عدوهم، فَأَلَقَوا السِّلاحَ، واستغفروا وعانق بعضهم بعضاً، وانصرفوا مع الرسول - صلوات الله عليه وسلامه - فنزلت الآية. {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً} من اليهود {يردوكم بعد إيمانكم كافرين}؛ يُبيح بعضكم دماء بعض، كما كنتم في الجاهلية، {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله} الدالة على تحريم الدماء والشحناء، {وفيكم رسوله} الهادي إلى الصراط المستقيم، وهو إنكار وتعجُّبٌ من كفرهم، بعد اجتماع الأسباب الداعية إلى الإيمان، الصارفة عن الكفران، وإنما خاطبهم الله بنفسه بعد ما أمر الرسولَ بأن يخاطب أهل الكتاب؛ إظهاراً لجلالة قدرهم، وإشعاراً بأنهم الأحقاء بأن يخاطبهم الله ويكلمهم، دون أهل الكتاب؛ لبعدهم عن استحقاق مواجهة الخطاب من الكريم الوهاب. {ومن يعتصم بالله} ويتمسك بدينه {فقد هدي إلى صراط مستقيم} لا عوج يفه وأصل الاعتصام: التمتع. ثم حضّ على التقوى الكاملة والدوام على الإسلام، تنفيراً من الاستماع لمن يخرج عنها، قال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته}، قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : حق تقاته هو أن يُطاعَ فلا يُعْصَى طرفةَ عين، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر"تفسير : . ولما نزلت قالوا: يا رسول الله؛ من يقوى على هذا؟ وشق عليهم، فنزلت:{أية : فَاْتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}تفسير : [التّغَابُن: 16]، فنسختها. وقال مُقاتل: معناه: (اتقوا الله حقَّ تقاته، فإن لم تستطيعوا فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون). وعن أنس مالك، قال: (لا يتقي الله عبدٌ حق تقاته حتى يُخْزِن من لسانه)، وقيل: ليست بمنسوخة؛ لأنَّ مَنْ جَانَبَ ما نهى الله عنه، وفعل من الطاعة ما استطاع، فقد اتقى الله حق تقاته، فمعناها واحد. وسيأتي تحديد ذلك في الإشارة، إن شاء الله. قال البيضاوي: وقيل: معنى {حق تقاته}: أن يُنزه الطاعة عن الالتفات إليها، وعن توقع المجازاة عليها، وفي هذا الأمر تأكيدٌ للنهي عن طاعة أهل الكتاب، {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} أي: لا تكونوا على حالةٍ سوى الإسلام، إلى أن يردككم الموت. هـ. أماتنا الله على حسن الختام، مع السلامة والعافية على الدوام. الإشارة: كما نهى الله عن طاعة من يرد عن الإيمان، نهى عن طاعة من يصد عن مقام الإحسان، كائناً ما كان، وكيف يرجع عن مقام التحقيق، وقد ظهرت معالم الطريق لمن سبقت له العناية والتوفيق!. قال بعضهم: والله ما رَجَعَ مَنْ رَجَعَ إلا من الطريق، وأما من وصل فلا يرجع أبداً. إذ لا يمكن أن يرجع من عين اليقين إلى علمِ اليقين، أو من اليقين إلى الظن. ومن أراد الثبات على اليقين فليعتصم بحبل الله المتين، وهو صحبة العارفين، فمن اعتصم بهم فقد اعتصم بالله،{أية : وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [آل عِمرَان: 101]. ثم خاطب أهل الإحسان فقال: {يا أيها الذين آمنوا اقتوا الله حق تقاته} بأن تغيبوا عما سواه، ولا تموتن إلا وأنتم منقادون لأحكام الربوبية، قائمون بوظائف العبودية. فهذه الآية خطاب لأهل الإحسان، و{أية : فَاْتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}تفسير : [التغابن: 16]: خطاب لأهل افسلام والإيمان، أو هذه لأهل التجريد، والثانية لأهل الأسباب، أو لأهل الباطن، والثانية لأهل الظاهر، فلكل آية أهل ومحل، فلا نسخ ولا تعارض. وقال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: من أراد الجمع بين الآيتين فليتق الله حق تقاته بباطنه، وليتق الله ما استطاع بظاهره. هـ. وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : النزول: قال زيد بن أسلم والسدي أن هذه الآية نزلت في الأوس والخزرج لما أغزى قوم من اليهود بينهم ليفتنوهم عن دينهم. اللغة، والاعراب، والمعنى: وقوله: {إن تطيعوا} فالطاعة موافقة الارادة الجاذبة للفعل بالترغيب فيه، والاجابة موافقة الارادة الداعية إلى الفعل ولذلك يجوز أن يكون الله تعالى مجيباً للعبد إذا فعل ما دعا العبد به، ولم يجز أن يكون مطيعاً له. و (يا) حرف النداء وأي هو المنادى. و (ها) للتنبيه وهو اسم مبهم يحتاج أن يوصف بالواحد والجميع لشدة إبهامه من حيث، لا يوقف عليه دون ما يوضحه. ولم يجز مثل ذلك في هذا، وإن كان اسماً مبهما، لأنه يدخله التثنية، والجمع، نحو هؤلاء وهذان وليس كذلك أي. فان قيل لم جاز صفة المبهم بالموصول ولم يجز بالمعطوف؟ قيل: لأن الموصول بمنزلة اسم واحد لنقصانه عن التمام إلا بصلته، فعومل لذلك معاملة المفرد، وليس كذلك المعطوف، لأنه اسم تام، فلذلك لم يجز يا أيها الطويل والقصير على الصفة، وجاز يا أيها الذي أكرم زيداً على الصفة، ويجوز يا أيها الطويل والقصير على أن يكون القصير منادا أيضاً ويجوز أن تقول يا هذا وتقف عليه. ولا يجوز أن تقول يا أيها وتقف. وإن كانا مبهمين لا يحتاجان إلى صلة، لأن أي وصلة إلى نداء ما فيه الالف واللام، كما أن الذي وصلة إلى صفة المعرفة بالجملة، ولذلك جاز النصب في يا هذا الكريم، ولم يجز في يا أيها الكريم. ومعنى الآية النهي عن طاعة الكفار وبيان أن من أطاعهم يدعوه ذلك إلى الارتداد عن دينه بعد أن كان مؤمناً ورجوعه كافراً.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} اى اسلموا بالبيعة العامّة النبويّة وقبول الدّعوة الظّاهرة {إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} وهم الّذين يصدّونكم عن سبيل الله ويبغونها عوجاً بالاستماع اليهم وقبول مفترياتهم {يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} عن ايمانكم وعن السّبيل الموصل الى الله {كَافِرِينَ} بعد تقريع اهل الكتاب على حيلتهم وخدعتهم للمؤمنين نبّه المؤمنين حتّى لا يغترّوا بهم وباقوالهم المموّهة قيل: نزلت فى نفر من الاوس والخزرج كانوا جلوساً يتحدّثون فمرّ بهم واحد من كبار اليهود فغاظه تألّفهم واجتماعهم فأمر شابّاً من اليهود ان يجلس اليهم ويذكّرهم ما بينهم من القتال وينشد لهم بعض ما قيل فيه ففعل فتنازع القوم وتفاخروا وتغاضبوا وقالوا: السّلاح السّلاح واجتمع من القبيلتين خلق عظيم فتوجّه اليهم رسول الله (ص) واصحابه فقال: "حديث : اتدّعون الجاهلية وانا بين اظهركم بعد اذ أكرمكم الله بالاسلام وقطع به عنكم امر الجاهليّة والّف بين قلوبكم"تفسير : ، فعلموا انّها نزعة من الشّيطان وكيد من عدوّهم فالقوا السّلاح واستغفروا وعانق بعضهم بعضاً.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ}: هم الفريق الذى حرش بين الأوس والخزرج، ومن معه،أو من لم يؤمن من أهل الكتاب، أى إن تطيعوهم فى الصد وابتغاء العوج والكفر أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يخاطب أهل الكتاب، إذ قال: قل يا أهل الكتاب لم تكفرون؟ وقال: قل يا أهل الكتاب لم تصدون؟ وخاطب الله المؤمنين بنفسه فى قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} إلى قوله {وفيكم رسوله} إظهاراً لشرفهم على أهل الكتاب، وأنهم أهل لأن يكلمهم الله عز وجل. {يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ}: مشركين بإنكار ما يجب الإيمان به، أو منافقين بمجرد فعل الكبائر، كالقتال على الباطل، والتكلم بموجب الفتن، ويرد بمعنى يصير، له مفعولان أحدهما الكاف والآخر كافرين.
اطفيش
تفسير : {يَا أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} كشاس بن قيس اليهودى وشاب معه يهودى، ومن رضى بصنعهما، وكل اليهود راضون حرّ شاس ومعه الشاب، وهو شيخ شديد الكفر على المسلمين، بنفر من الأنصار، يتحدثون، فرأى ألفتهم بالإسلام وتَحابَّهم بعد العداوة العظيمة فى الجاهلية، وغاظه ذلك، وقال: والله ما لنا قرار معهم إذا اجتمعوا، فأمر الشاب أن يجلس إليهم، ويذكر يوم بعاث، وما قيل عليه من الأشعار، وهو يوم حرب، كان الظفر فيه للأوس على الخزرج، ففعل، فتفاخروا إلى أن قالوا: السلاح موعدكم الحرة، فخرجوا وهم خلق كثير، واصطفوا للقتال، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المهاجرين، وقام بين الصفين وقرأ الآيات، وقد نزلت يعد تحريش الشاب بينهم وقرأهن، فقال: حديث : يا معشر المسلمين، أتدعون بدعوى الجاهلية وترجعون إليها وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم الله بالإسلام والألفةتفسير : ، فعرفوا أن ذلك نزعة من الشيطان وكيد من اليهود، فألقوا السلاح وبكوا وتعانقوا ورجعوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطيعين، قال جابر: فما رأيت يوماً أقبح أولا وأحسن آخراً من ذلكم اليوم، فنزل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب}، والخطاب للأوس والخزرج، أو للمؤمنين مطلقاً إلى قيام الساعة، والأول أولى، وغيرهم تبع {يَرُدُّوكُمْ} يصيروكم {بَعْدَ إِيْمَانِكُمْ كَافِرِينَ} كفر نفاق، أو مشبهين المشركين بنحو دعوى الجاهلية، خاطبهم الله بنفسه وأمر النبى صلى الله عليه وسلم بخطاب أهل الكتاب إعلاء لقدرهم على أهل الكتاب.
الالوسي
تفسير : خطاب للأوس والخزرج على ما يقتضيه سبب النزول ويدخل غيرهم من المؤمنين في عموم اللفظ، وخاطبهم الله تعالى بنفسه بعد ما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بخطاب أهل الكتاب إظهاراً لجلالة قدرهم وإشعاراً بأنهم هم الأحقاء بأن يخاطبهم الله تعالى ويكلمهم فلا حاجة إلى أن يقال المخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم بتقدير قل لهم. والمراد من الفريق بعض غير معين أو هو شاس بن قيس اليهودي، وفي الاقتصار عليه مبالغة في التحذير ولهذا على ما قيل حذف متعلق الفعل، وقال بعضهم: هو على معنى إن تطيعوهم في قبول قولهم بإحياء الضغائن التي كانت بينكم في الجاهلية و {كَـٰفِرِينَ } إما مفعول ثان ليردوكم على تضمين الردّ معنى التصيير كما في قوله:شعر : رمى الحدثان نسوة آل سعد بمقدار سمدن له سمودا فرد شعورهن السود بيضاً ورد وجوههن البيض سودا تفسير : أو حال من مفعوله، قالوا: والأول: أدخل في تنزيه المؤمنين عن نسبتهم إلى الكفر لما فيه من التصريح بكون الكفر المفروض بطريق القسر، و{بَعْدَ } يجوز أن يكون ظرفاً ـ ليردوكم ـ وأن يكون ظرفاً ـ لكافرين ـ وإيراده مع عدم الحاجة إليه لإغناء ما في الخطاب عنه واستحالة الرد إلى الكفر بدون سبق الإيمان وتوسيطه بين المنصوبين لإظهار كمال شناعة الكفر وغاية بعده من الوقوع إما لزيادة قبحه أو لممانعة الإيمان له كأنه قيل: بعد إيمانكم الراسخ، وفي ذلك من تثبيت المؤمنين ما لا يخفى وقدم توبيخ الكفار على هذا الخطاب لأن الكفار كانوا كالعلة الداعية إليه.
ابن عاشور
تفسير : إقبال على خطاب المؤمنين لتحذيرهم من كيد أهل الكتاب وسوء دعائهم المؤمنين، وقد تفضّل الله على المؤمنين بأن خاطبهم بغير واسطة خلاف خطابه أهل الكتاب إذ قال: {أية : قل يا أهل الكتاب}تفسير : [آل عمران: 98] ولم يقل: قل يأيُّها الّذين آمنوا. والفريق: الجماعة من النَّاس، وأشار به هنا إلى فريق من اليهود وهم شَاس بن قَيس وأصحابه، أو أراد شاساً وحده، وجعله فريقاً كما جعل أبا سفيان ناساً قي قوله: «إنّ النّاس قد جمعوا لكم» وسياق الآية مؤذن بأنَّها جرت على حادثة حدثتْ وأنّ لنزولها سبباً. وسبب نزول هذه الآية: أنّ الأوس والخزرج كانوا في الجاهلية قد تخاذلوا وتحاربوا حتَّى تفانوا، وكانت بينهم حروب وآخرها يوم بُعاث الّتي انتهت قبل الهجرة بثلاث سنين، فلمَّا اجتمعوا على الإسلام زالت تلك الأحقاد من بينهم وأصبحوا عُدّة للإسلام، فساء ذلك يهودَ يثرب فقام شاس بن قيس اليهودي، وهو شيخ قديم منهم، فجلس إلى الأوس والخزرج، أو أرسل إليهم من جلس إليهم يذكِّرهم حروب بُعاث، فكادوا أن يقتتلوا، ونادى كُلّ فريق: يا للأوس ويا للخزرج وأخذوا السلاح، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل بينهم وقال: أتَدْعُون الجاهليةَ وأنا بين أظهركم؟ وفي رواية: أبدعوى الجاهلية؟ أي أتدعون بدعوى الجاهلية ـــ وقرأ هذه الآية، فما فرغ منها حتَّى ألقوا السِّلاح، وعانق بعضهم بعضاً، قال جابر بن عبد الله: ما كان طالع أكره إلينا من طلوع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمّا أصلح الله بيننا ما كان شخص أحبّ إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيت يوماً أقبحَ ولا أوْحَش أوّلا وأحسنَ آخراً من ذلك اليوم. وأصل الردّ الصّرف والإرجاع قال تعالى: {أية : ومنكم من يردّ إلى أرذل العمر}تفسير : [الحج: 5] وهو هنا مستعار لتغيّر الحال بعد المخالطة فيفيد معنى التصيير كقول الشَّاعر، فيما أنشده أهل اللّغة: شعر : فَرَدّ شُعُورَهُنّ السُّود بِيضا وَرَدّ وُجُوهَهُنّ البِيض سُودا تفسير : و {كافرين} مفعوله الثَّاني، وقوله {بعد إيمانكم} تأكيد لما أفاده قوله {يردّوكم} والقصد من التَّصريح به توضيح فوات نعمة عظيمة كانوا فيها لو يكفرون. وقوله: {وكيف تكفرون} استفهام مستعمل في الاستبْعَاد استبعاداً لكفرهم ونفياً له، كقول جرير: شعر : كَيْفَ الهِجَاءُ وَمَا تَنْفَكّ صَالِحَةٌ من آل لأمٍ بِظهْرِ الغَيْبِ تَأتينِي تفسير : وجملة {وأنتم تتلىٰ عليكم آيات الله} حالية، وهي محطّ الاستبعاد والنَّفي لأنّ كلاّ من تلاوة آيات الله وإقامة الرّسول ـــ عليه الصّلاة والسَّلام ـــ فيهم وازع لهم عن الكفر، وأيّ وازع، فالآيات هنا هي القرآن ومواعظه. والظرفية في قوله: {وفيكم رسوله} حقيقيّة ومؤذنة بمنقبة عظيمة، ومنّة جليلة، وهي وجود هذا الرسول العظيم بينهم، تلك المزيّة الَّتي فاز بها أصحابه المخاطبون. وبها ـــ يظهر معنى قوله صلى الله عليه وسلم ـــ فيما رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدْري: «لاَ تسبُّوا أصحابي فوالّذي نفسي بيده لَوْ أنّ أحدكم أنفق مثلَ أُحُد ذَهَباً مَا بَلَغ مُدّ أحدِهم ولا نصِيفه» النصيف نِصْف مدّ. وفي الآية دلالة على عِظْم قدْر الصّحابة وأنّ لهم وازعين عن مواقعة الضّلال: سماعُ القرآن، ومشاهدَة أنوار الرّسول ـــ عليه السَّلام ـــ فإنّ وجوده عصمة من ضلالهم. قال قتادة: أمّا الرسول فقد مضى إلى رحمة الله، وأمَّا الكتاب فباققٍ على وجه الدّهر. وقوله: {ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم} أي من يتمسّك بالدّين فلا يخش عليه الضّلال. فالاعتصام هنا استعارة للتَّمسّك. وفي هذا إشارة إلى التمسّك بكتاب الله ودينه لسائر المسلمين الَّذين لم يشهدوا حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم
الواحدي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا إنْ تطيعوا فريقاً...} الآية. نزلت في الأوس والخزرج حين أغرى قومٌ من اليهود بينهم ليفتنوهم عن دينهم، ثمَّ خاطبهم فقال: {وكيف تكفرون} أَيْ: على أيِّ حالٍ يقع منكم الكفر وآياتُ الله التي تدلُّ على توحيده تُتلى عليكم {وفيكم رسوله ومَنْ يعتصم بالله} يؤمن بالله. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حقَّ تقاته} وهو أَنْ يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر، فلما نزل هذا قال أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: ومَنْ يقوى على هذا؟ وشقَّ عليهم، فأنزل الله تعالى: {أية : فاتَّقوا الله ما استطعتم} تفسير : فنسخت الأولى {ولا تموتنَّ إلاَّ وأنتم مسلمون} أَيْ: كونوا على الإِسلام حتى إذا أتاكم الموت صادفكم عليه، وهو في الحقيقةِ نهيٌ عن ترك الإِسلام. {واعتصموا بحبل الله جميعاً} أَيْ: تمسَّكوا بدين الله، والخطاب للأوس والخزرج {ولا تفرقوا} كما كنتم في الجاهليَّة مُقتتلين على غير دين الله {واذكروا نعمة الله عليكم} بالإِسلام {إذ كنتم أعداءً} يعني: ما كان بين الأوس والخزرج من الحرب إلى أن ألَّفَ الله بين قلوبهم بالإِسلام، فزالت تلك الأحقاد، وصاروا إخواناً مُتوادِّين، فذلك قوله: {فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار} أَيْ: طرف حفرةٍ من النَّار لو متم على ما كنتم عليه {فأنقذكم} فنجَّاكم {منها} بالإِسلام وبمحمد عليه السَّلام {كذلك} أَيْ: مثل هذا البيان الذي تُلي عليكم {يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون}. {ولتكن منكم أمة...} الآية. أَيْ: وليكن كلُّكم كذلك، ودخلت "مِنْ" لتخصيص المخاطبين من غيرهم. {ولا تكونوا كالذين تفرَّقوا} أَي: اليهود والنَّصارى {واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} أَيْ: إنَّ اليهود اختلفوا بعد موسى، فصاروا فرقاً، وكذلك النَّصارى. {يومَ تبيض وجوه} أَيْ: وجوه المهاجرين والأنصار ومَنْ آمنَ بمحمدٍ عليه السَّلام، {وتسودّ وجوه} اليهود والنَّصارى ومَنْ كفر به {فأمَّا الذين اسودَّت وجوههم} فيقال لهم: {أكفرتم بعد إيمانكم} لأنَّهم شهدوا لمحمدٍ عليه السَّلام بالنُّبوَّة، فلمَّا قدم عليهم كذَّبوه وكفروا به. {وأمَّا الذين ابيضَّت وجوههم ففي رحمة الله} أَيْ: جنَّته. {تلك آيات الله} أَي: القرآن {نتلوها عليك} نُبيِّنها {بالحقِّ} بالصِّدق {وما الله يريد ظلماً للعالمين} فيعاقبهم بلا جرمٍ.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فريقاً: طائفة من الحاقدين على الإِسلام العاملين على الكيد له والمكر به وبأهله. يردوكم: يرجعوكم إلى الكفر بعد إيمانكم. وكيف تكفرون: الاستفهام للإِنكار والتعجب من كفرهم بعد إيمانهم. آيات الله: آيات القرآن الكريم. يعتصم: يتمسك بشدة. حق تقاته: باستفراغ الوسع في إمتثال أمره، واجتناب نهيه، وتقاته هي تقواه. حبل الله: كتابه القرآن ودينه الإِسلام، لأن الكتاب والدين هما الصلة التي تربط المسلم بربه، وكل ما يربط ويشد شيئاً بآخر هو سبب وحبل. ألف بين قلوبكم: جمعها على أخوة الإِيمان ووحد بينها بعد الاختلاف والنفرة. شفا حفرة: شفا الحفرة حافتها وطرفها بحيث لو غفل الواقف عليها وقع فيها. أنقذكم منها: بهدايتكم إلى الإِسلام وبذلك أنجاكم من النار. معنى الآيات: بعد أن وبخ تعالى اليهود على خداعهم ومكرهم وتضليلهم للمؤمنين وتوعدهم على ذلك، نادى المؤمنين محذراً إياهم من الوقوع في شباك المضللين من اليهود فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} وذلك أن نفراً من الأوس والخزرج كانوا جالسين في مجلس يسودهم الود والتصافي ببركة الإِسلام الذي هداهم الله تعالى إليه فمرّ بهم شاس بن قيس اليهودي فآلمه ذلك التصافي والتحابب وأحزنه بعد أن كان اليهود يعيشون في منجاة من الخوف من جيرانهم الأوس والخزرج لما كان بينهم من الدمار والخراب فأمر شاس شاباً أن يذكرهم بيوم بعاث فذكروه وتناشدوا الشعر فثارت الحميّة القبلية بينهم فتسابوا وتشاتموا حتى هموا بالقتال فأتاهم الرسول صلى الله عليه وسلم وذكرهم بالله تعالى وبمقامه بينهم فهدأوا، وذهب الشر ونزلت هذه الآيات: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} فحذرهم من مكر أهل المكر من اليهود والنصارى، وأنكر عليهم ما حدث منهم حاملا لهم على التعجب من حالهم لو كفروا بعد إيمانهم فقال عز وجل: وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله صباح مساء في الصلوات وغيرها، وفيكم رسوله هادياً ومبشراً ونذيراً وأرشدهم إلى الاعتصام بدين الله وبشر المعتصمين بالهداية إلى طريق السعادة والكمال فقال: ومن يعتصم بالله أي بكتابه وسنة نبيّه فقد هدي إلى صراط مستقيم ثم كرر تعالى نداءه لهم بعنوان الإِيمان تذكيراً لهم به وأمرهم بأن يبذلوا وسعهم في تقوى الله عز وجل وذلك بطاعته كامل الطاعة بامتثال أمره واجتناب نهيه حاضاً لهم على الثبات على دين الله حتى يموتوا عليه فلا يبدلوا ولا يغيروا فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} وأمرهم بالتمسك بالإِسلام عقيدة وشريعة ونهاهم عن التفرق والاختلاف وأرشدهم إلى ذكر نعمته تعالى عليهم بالألفة والمحبة التي كانت ثمرة هدايتهم للإِيمان والإِسلام، وبعد أن كانوا أعداء متناحرين مختلفين فألّف بين قلوبهم فأصبحوا به إخواناً متحابين متعاونين، كما كانوا نعمة الهداية إلى الإِيمان على شفا جهنم لو مات أحدهم يومئذ لوقع فيها خالداً أبداً، وكما أنعم عليهم وأنقذهم من النار ما زال يبين لهم الآيات الدالة على طريق الهداية الداعية إليه ليثبتهم على الهداية ويكملهم فيها فقال تعالى: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- طاعة كثير من علماء اليهود والنصارى بالأخذ بنصائحهم وتوجيهاتهم وما يشيرون به على المسلم تؤدي بالمسلم إلى الكفر شعر بذلك أم لم يشعر فلذا وجب الحذر كل الحذر منهم. 2- العصمة في التمسك بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن تمسك بهما لم يضل. 3- الأخذ بالإِسلام جملة والتمسك به عقيدة وشريعة أمان من الزيغ والضلال وأخيراً من الهلاك والخسران. 4- وجوب التمسك بشدة بالدين الإِسلامي وحرمة الفرقة والاختلاف فيه. 5- وجوب ذكر النعم لأجل شكر الله تعالى عليها بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. 6- القيام على الشرك والمعاصي وقوف على شفير جهنم فمن مات على ذلك وقع في جهنم حتماً بقضاء الله وحكمه.
القطان
تفسير : بعد ان وبخت الآية أهل الكتاب على كفرهم، وصدِّهم المؤمنين عن الإيمان، وفتنتهم لهم بدعواهم ان سبيل الله معوجة - نصح الله المؤمنين وحذّرهم مما يثيره بعض أهل الكتاب من الشُّبه قائلا: أيها المؤمنون، إن تطيعوا بعض أهل الكتاب فيما يلقونه اليكم ويبثّونه بينكم فإنهم سيردونكم الى الكفر بعد الإيمان، وترجعون الى الكفر. وكيف تكفرون بالله، وتضِلّون بعد الإيمان، والقرآنُ يتلى عليكم ورسول الله بينكم! ان من يستمسك بدين الله وكتابه فقد اهتدى الى الصراط المستقيم الذي يوصلكم الى الله.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُوۤاْ} {ٱلْكِتَابَ} {إِيمَانِكُمْ} {كَافِرِينَ} (100) - يُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ مِنْ إطَاعَةِ اليَهُودِ الذِينَ يَحْسُدُونَ المُؤْمِنينَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَمَا مَنَحَهُمْ مِنْ إِرْسَالِ رَسُولٍ إلَيْهِمْ، لأنَّ ذَلِكَ قَدْ يُؤَدِّي بِهِمْ إلَى الكُفْرِ. وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي اثْنَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ. فَيُروَى أنَّ الأوْسَ وَالخَزْرَجَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ حُرُوبٌ شَدِيدَةٌ، وَعَدَاوَاتٌ مُسْتَحْكِمَةٌ، وَلَمَّا دَخَلُوا فِي الإِسْلاَمِ ألَّفَ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَأَصْبَحُوا إخْوَةً في الإِسْلاَمِ. وَمَرَّ يَهُودِيٌّ فَرَأى الأوْسَ وَالخَزْرَجَ مُجْتَمِعِينَ وَهُمْ أكْثَرُ مَا يَكُونُونَ تَوادّاً وَصَفَاءً، فَسَاءَهُ ذَلِكَ، فَدَسَّ يَهُودِياً يُذَكِّرُهُمْ بِأيَّامِ الحُرُوبِ بَيْنَهُمْ، وَبِمَا كَانُوا يُفَاخِرُونَ بِهِ مِنْ أشْعَارٍ، فَفَعَلَ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأوْسِ وَآخَرُ مِنَ الخَزْرَجِ فَتَلاسَنَا، وَأَثَارَ كُلٌّ مِنْهُمَا جَمَاعَتَهُ، وَدَعَاهُمْ بِدَعْوَةِ الجَاهِلِيّةِ، وَتَسَلَّحَ النَّاسُ وَخَرَجُوا لِلْقِتَالِ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَخَطَبَهُمْ وَذَكَّرَهُمْ بِإِيمَانِهِمْ فَسَكَنُوا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ وَالتِي قَبْلَهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى ذلك أن الله نبّه الفئة المؤمنة إلى أن الذين يكفرون بآيات الله لن يهدأ بالهم ما دمتم أنتم - أيها المؤمنون - على الجادة، وما دمتم مستقيمين، ولن يهدأ للكافرين بآيات الله بال إلا أن يشككوا المؤمنين في دينهم، وأن يبغوها عوجاً، وأن يكفروهم من بعد إسلامهم. وهذه قضية يجب أن ينتبه لها الذين آمنوا؛ لأن الذين يبغون الأمر عوجاً قد ضلوا وأضلوا، وهم يشهدون على هذا، ويعلمون أنّ الله غير غافل عما يعملون، فماذا يكون موقف الطائفة المؤمنة؟ إن الحق سبحانه يوضحه بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} [آل عمران: 100]. إن أهل الكتاب يحاولون أن يصدوا المؤمنين عن سبيل الله، وليس المقصود بالصد، أن هناك من يمنع المؤمنين من الإيمان، لا، بل هي محاولة من أهل الكتاب لإقناع المؤمنين بالرجوع والارتداد عن الإيمان الذي اعتنقوه؛ فالمؤمنون هم الطائفة التي تلتزم بالتكليف من الله، لذلك يحذرهم الحق سبحانه بقوله: {إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ، يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} [آل عمران: 100] الحق يحدد قسماً من الذين أوتوا الكتاب، وذلك تأريخ بنزاهة وصدق وحق ودون تحامل. كأن الحق سبحانه يبلغنا أن هناك فريقاً من أهل الكتاب سيسلكون الطريق السوي، ويجيئون إلى المسلمين أرسالاً وجماعات وأفراداً مع الإسلام؛ فالحق لا يتكلم عن كل الذين أوتوا الكتاب. لذلك يقول الحق {إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} [آل عمران: 100] إن الحق يؤرخ وهو يحمي الحقيقة، ويقول سبحانه بعد ذلك: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ ...}.
الجيلاني
تفسير : ثم لما وبخ سبحانه الكافرين القاصدين إضلال المؤمنين بما وبخ وبالغ توبيخهم بما بالغ، أراد أن يحذر المؤمنين عن مخالطتهم وموافاتهم، فناداهم؛ لأنه دخل في قبول النصح فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} وفقوا على تشريف الإيمان، مقتضى إيمانكم الاجتناب عن مخالطة الكفار ومؤاخاتهم وادعاء المحبة والمودة معهم؛ لأنكم {إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} طائعين قاصدين إطاعتهم وانقيادهم {يَرُدُّوكُم} البتة {بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} وتوحيدكم {كَافِرِينَ} [آل عمران: 100] مشركين ما أنتم عليه في جاهليتكم. حديث : نزلت في فرقة من الأوس والخزرج كانوا يجتمعون ويتحدثون ويتناشدون، فمر على اجتماعهم شاس بن قيس اليهودي، فغاظه مؤاخاتهم ومخالطتهم، فأمر بشاب من اليهود أن يجلس إليهم، ويذكرهم يوم بعاث، وينشدهم بعض ما قيل فيه، وكان الظفر في ذلك اليوم للأوس ففعل، فتنازع القوم وتفاخروا إلى تغاضبوا وتخاصموا، وصاحوا: السلاح! واجتمع من الجانبين خلق عظيم. وتوجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقال لهم: "أتدعون الجاهية، وأنا بين أظهركم بعد، إذ أكرمكم الله بالإسلام وشرفكم بالإيمان والتوحيد الرافع لجميع الخصومات" فعلموا أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح و استغفروا وتعانقوا وتحابوا، وانصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . تفسير : {وَ} لذلك قال لهم: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} يا أيها المؤمنون بالله الواحد الأحد الفرد الصمد {وَ} الحال أنكم {أَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ} الدالة على توحيده {وَ} مع ذلك {فِيكُمْ رَسُولُهُ} المرسل إليكم المولي لأموركم {وَمَن يَعْتَصِم} منكم {بِٱللَّهِ} ويتبع رسوله المنزل من عنده بتوحيده الذاتي {فَقَدْ هُدِيَ} واهتدى {إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101] يوصله إلى صفاء الوحدة. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} معظم أموركم في محافظة الإيمان المؤدي إلى الكشف والعيان، التقوى والاجتناب عن محارم الله ومنهياته، والتحلي بأوامره ومرضياته {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} المطلع لجميع حالاتكم {حَقَّ تُقَاتِهِ} خالية عن الميل والرياء والبدع والأهواء المضيفة إلى الإلحاد والزندقة {وَ} اجتهدوا أيها المؤمنون أن {لاَ تَمُوتُنَّ} عن هويتكم {إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] مخلصون في الاعتصام بحبل التوحيد والإيمان، مخلصون عن ربقة التقليد والحسبان. {وَ} بعد موتكم عن أنانيتكم {ٱعْتَصِمُواْ} أيها المخلصون الموقنون {بِحَبْلِ ٱللَّهِ} الممتد من أزل الذات إلى أبد الأسماء والصفات، وارفعوا أنانيتكم وهويتكم عن البين {جَمِيعاً} حتى لايبقى توهم الغير والسوى مطلقاً، وتخلص نفوسكم عن مشتهياتها ومستلذاتها الفانية، وتصل إلى الحياة الأزلية والبقاء السرمدي {وَلاَ تَفَرَّقُواْ} أي: لا تتفرقوا بمقتضيات أوهامكم المتفرعة على هوياتكم الباطلة عن الحقية الحقيقية {وَ} بعدما وصلتهم بمقام الجمعية والوحدة الذاتية {ٱذْكُرُواْ} أيها العكوس والأظلال {نِعْمَتَ ٱللَّهِ} المتجلي فيكم بذاته المتفضل {عَلَيْكُمْ} بلا عوض ولا غرض {إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً} بعداء متروكين في ظلمة العدم. {فَأَلَّفَ} سبحانه بتجلياته الجمالية على مرأة العدم {بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} في قضاء الإمكان، بأن يجعلكم أزواجاً وبنين وحفدة، متظاهرين بعضكم ببعض على مقتضى الإضافات، ورقائق المناسبات الرافعة بين الأوصاف والأسماء الإلهية {فَأَصْبَحْتُمْ} بعدما تيقظتم عن منام الإمكان {بِنِعْمَتِهِ} التي هي التوفيق والإقدار على طلب الرشد والرشاد {إِخْوَاناً} مجتمعين في فضاء الوحدة بلا توهم الكثرة المستدعية للعداوة والخصومة. {وَ} الحال أنكم {كُنْتُمْ} في طغيان الإمكان {عَلَىٰ شَفَا} طرف {حُفْرَةٍ} مُلئت {مِّنَ ٱلنَّارِ} مشرفين بالوقوع فيها، وهي حفرة العدم المباين لقضاء الوجود، المملوءة بنيران البعد والخذلان {فَأَنقَذَكُمْ} الله؛ أي: أنجاكم وخلصكم {مِّنْهَا} بلفطه، بأن أودع فيكم العقل الجزئي المتشعب من العقل الكلي العائد إليه {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ} الهادي {لَكُمْ} دائماً مستمراً إلى توحيده الذاتي {آيَاتِهِ} آثار أسمائه وأوصافه الدالة على ذاته {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103] رجاء أن تهتدوا منها إليها لغاية ظهورها ووضوحها.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم وصى الله المؤمنين وقال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} [آل عمران: 100]؛ يعني: علماء السوء متابعي الهوى {يَرُدُّوكُم} [آل عمران: 100]، عن طريق الهداية {بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} [آل عمران: 100]؛ أي: من بعد إيمانكم وطلبتم منهم طريق الحق فأضلوكم بسيرتكم وإتباعكم الهوى عن سبيل الله كما {أية : ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [المائدة: 77] ثم في صيغة التعجب {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ} [آل عمران: 101]، بالله وكنتم أمواتاً ولا تؤمنون {وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ} [آل عمران: 101]، إن من خواص تلاوة آيات الله أن تزيد في إيمانكم كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}تفسير : [الأنفال: 2]، {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} [آل عمران: 101]، ومن خاصيته أنه نور يهدي به الله كما قال تعالى: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ}تفسير : [المائدة: 15]؛ يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم، {أية : وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} تفسير : [المائدة: 15]؛ يعني: القرآن {أية : يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ}تفسير : [المائدة: 16]؛ يعني: يهدي الله بالرسول المؤمنين سبيلاً وهو السلام. ثم قال تعالى: {وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ} [آل عمران: 101]؛ يعني: ومن كان اعتصامه وتمسكه بالله في كل الأحوال ولا يطلب إلا هو {فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101]، إلى الله. ثم أخبر عن الاعتصام بالله وهو تقوى الله بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102]، إشارة في الآية {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102]؛ أي: اتقوا عن وجودكم بالله وبوجوده، فإن وجودكم مجازي ووجوده حقيقي، وإن الدين الحقيقي الذي عند الله الإسلام؛ وهو أن يسلم العبد وجوده المجازي في ابتغاء الوجود الحقيقي نفياً للشركة وإثباتاً للوحدة، وهذا تحقيق قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ}تفسير : [آل عمران: 102]؛ أي: لا ينتفي وجودكم المجازي إلا بتسليمكم للوجود الحقيقي فافهم جيداً. ثم أخبر عن طريق التسليم الذي هو الدين القويم {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً} [آل عمران: 103]، إشارة في الآية: إن أهل الاعتصام طائفتان: أحدهما: أهل الصورة وهم المتعلقون بالأسباب؛ لأن مشربهم الأعمال. والثانية: أهل المعنى وهم المنقطعون عن الأسباب، لأن مشربهم الأحوال، فقال تعالى: {أية : وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ}تفسير : [الحج: 78]؛ أي: متصوركم ومقصودكم، وفيه معنى آخر؛ أي: ناصركم ومعينكم على الاعتصام وقال للمتعلقين بالأسباب الذين مشربهم الأعمال: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً} [آل عمران: 103]؛ وهو كل سبب يتوصل به إلى الله، فالمعتصم بحبل الله: هو المتقرب إلى الله بأعمال البر ووسائط القربة، والمعتصم بالله: هو الفاني عن نفسه الباقي بربه، ثم قال تعالى: {وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [آل عمران: 103]؛ لأن ترك الاعتصام بأعمال البر ووسائط القرب موجب للتفرق في الظاهر والباطن. فأما في الظاهر: فيلزم منه مفارقة الجماعة وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من فارق الجماعة، فاقتلوه كائناً من كان ". تفسير : وأما في الباطن: فيظهر منه الأهواء والآراء المختلفة التي توجب تفرق الأمة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ستفترق أمتي اثنتين وسبعين فرقة، الناجي منهم واحد، قالوا: يا رسول الله ومن الفرقة الناجية، قال: ما أنا عليه وأصحابي"تفسير : ، ثم قال تعالى: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 103]، وبأداء شكرها مع الله وهي نعمة تأليف القلوب {إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} [آل عمران: 103]، بنعمة تأليفه بين قلوبكم وبين نعمة الإيمان الذي كتب في قلوبكم فأصبحتم إخواناً في الدين {وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ} [آل عمران: 103]؛ وهي عداوة بعضكم لبعض، وعداوتكم لله ولأنفسكم، {فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا} [آل عمران: 103] بالهداية وتأليف القلوب، {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} [آل عمران: 103]، مثل ما بين الأوس والخزرج حتى صاروا إخواناً، {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ} [آل عمران: 103] أيها الطلاب {آيَاتِهِ} [آل عمران: 103] التي يهدي بها إليه {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103] بتلك الآيات إليه؛ وهي الجذبات الإلهية وتجلي الصفات الربانية فيكونون المعتصمين بالله فافهم. ثم أخبر عن مقام أهل الاعتصام بقوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ} [آل عمران: 104]، إشارة في الآيات: إن الأمة التي تدعوا إلى الخير بالأفعال دون الأقوال هم الذين يستحقون أن يأمروا {بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] من وعيد من يأمر بالمعروف ولا يأتيه، والذي يدل عليه ما روى أسامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعته يقول "حديث : يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتزلق أقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: ما شأنك ألست تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: فيقول: كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه"تفسير : ، متفق على صحته.
همام الصنعاني
تفسير : 439- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [الآية: 102]، قال: يُطاع فلا يُعْصَى، ثم نسخها: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}تفسير : : [التغابن: 16]. 440- عبد الرزاق، قال: أنبأنا جعفر بن سليمان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}: [الآية: 100]، قال: كان جماع قبائل الأنصار بطنين: الأَوس والخزرج، وكان بينهما في الجاهلية حرب ودماء وشَنَآن، حتى مَنَّ اللهُ عليهم بالإسلام وبالنبي صلى الله عليه وسلم، فأطفأ الله الحرب التي كانت بينهم وأَلَّفَ بينهم بالإِسلام، قال: فبينا رجل من الأوس ورجل من الخزرج قاعدان يتحدّثان ومعهما يهودي جالس، فلم يزل يُذَكِّرُهما أيامهما والعداوة التي كانت بينهما، حتى استبَّا ثُمَّ اقتتلا، قال: فنادى هذه قومه وهذا قومه، فَخَرَجُوا بالسِّلاح، وصَفَّ بعضهم لبعضٍ، قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ شاهد بالمدينة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل يمشي بينهم إلى هؤلاء وإلى هؤلاء ليسكنهم حتى رجعوا ووضعوا السلاح، قال: فأنزل الله تعالى في القرآن في ذلك: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ يَرُدُّوكُم} - إلى قوله - {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}: [الآية: 105]. 441- عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوري عن زُبَيْدٍ عن مرّة، عن عبد الله في قوله تعالى: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}: [الآية: 102]، قال: يُطاع فلا يُعْصَى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى. 442- عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً} [الآية: 103]، قال: بعهد الله ويأمره. 443- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن أيوب عن عِكْرِمة قال: أَتَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم ستة نَفَرٍ من الأنصار فآمنوا به وصدَّقوه، وأراد أن يذهب معهم، فقالوا: يا رسول الله، أن بَيْن قومنا حَرْباً، وإنا نخاف إن جئت على حالك هذه أن لا يتهيأ لنا الذي تُريد، فواعده من العام المقبل، وقالوا: نذهب يا رسول الله، لعلَّ الله يُصلح تلك الحرب! قال: ففعلوا، فأصلح الله تلك الحرب، وكانوا يرون أنها لا تصلح أبداً، وهو يوم بُعاثٍ، فَلَقوه من العام المقبل سبعين رجلاً قد آمنوا به، فآخذ منهم النقباء: اثني عشر رجلاً، فذلك حين يقول الله عزَّ وجلّ: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ}: [الآية: 103]. 444- عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر عن حرام بن عثمان عن ابن جابر، عن جابر بن عبد الله قال: النّقباء كلهم من الأنصار: سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو وهو من بني ساعدة، وسعد بن خَيْثَمة من بني عمرو بن عوف، وسعد بن ربيع، وأسعد بن زرارة، من بني النجار، وأُسَيْد بن حَضَيْر من بني عبد الأشهل، وعبادة بن الصامت وعبد الله بن رواحة، وأبو الهيثم بن التيهان، وعبد الله بن [عمرو بن حرام]، وأبوا جابر بن عبد الله من بني سلمة، والبراء بن معرور من بني سلمة، ورافع بن مالك الزرقي.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):