Verse. 394 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

وَكَيْفَ تَكْفُرُوْنَ وَاَنْتُمْ تُتْلٰى عَلَيْكُمْ اٰيٰتُ اللہِ وَفِيْكُمْ رَسُوْلُہٗ۝۰ۭ وَمَنْ يَّعْتَصِمْ بِاللہِ فَقَدْ ھُدِيَ اِلٰى صِرَاطٍ مُّسْتَـقِيْمٍ۝۱۰۱ۧ
Wakayfa takfuroona waantum tutla AAalaykum ayatu Allahi wafeekum rasooluhu waman yaAAtasim biAllahi faqad hudiya ila siratin mustaqeemin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكيف تكفرون» استفهام تعجب وتوبيخ «وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم» يتمسك «بالله فقد هدي إلى صراطِ مستقيم».

101

Tafseer

القرطبي

تفسير : قال تعالى على جهة التعجب، أي {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ} يعني القرآن. {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} محمد صلى الله عليه وسلم. قال ٱبن عباس: كان بين الأَوْس والخَزْرَج قتَالٌ وشرٌّ في الجاهلية، فذكروا ما كان بينهم فثار بعضهم على بعض بالسيوف؛ فأُتَي النبيُّ صلى الله عليه وسلم فذُكر ذلك له فذهب إليهم؛ فنزلت هذه الآية {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} ـ إلى قوله تعالى: {فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا} ويدخل في هذه الآية مَن لم يَرَ النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن ما فيهم من سُنّته يقوم مقام رؤيته. قال الزّجاج: يجوز أن يكون هذا الخطاب لأصحاب محمد خاصةً؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيهم وهم يشاهدونه. ويجوز أن يكون هذا الخطاب لجميع الأمة؛ لأن آثاره وعلاماته والقرآن الذي أوتَي فِيَنا مكانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فِيَنا وإن لم نشاهده. وقال قَتادة: في هذه الآية عَلَمان بيّنان: كتابُ الله ونبيّ الله؛ فأما نبي الله فقد مضى، وأما كتاب الله فقد أبقاه الله بين أظهرهم رحمةً منه ونعمةً؛ فيه حلالهُ وحرامهُ، وطاعته ومعصيته. {وَكَيْفَ} في موضع نصب، وفتحت الفاء عند الخليل وسيبويه لالتقاء الساكنين، وٱخْتِير لها الفتح لأن ما قبل الفاء ياء فثَقل أن يجمعوا بين ياء وكسرة. قوله تعالى: {وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ} أي يمتنع ويتمسّك بدينه وطاعته. {فَقَدْ هُدِيَ} وُفِّق وأرشد {إِلَىٰ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ}. ٱبن جُريح «يَعتصم بالله» يؤمن به. وقيل: المعنى ومن يعتصم بِاللَّهِ أي يتمسّك بحبل الله. وهو القرآن. يقال: أعصم به وٱعَتصم، وتمسّك وٱستمسك إذا ٱمتنع به من غيره. وٱعتصمت فلانا هيأتُ له ما يَعتصِم به. وكل متمسَّك بشيء مُعصِم ومُعتصِم. وكل مانع شيئاً فهو عاصم؛ قال الفرزدق:شعر : أنا ٱبن العاصِمينَ بَني تَميم إذا مَا أَعْظَمُ الحدَثانِ نَاباَ تفسير : قال النابغة:شعر : يَظَلّ من خوفه الملاَّح معتصِماً بالَخَيزُرانة بعد الأَيْن والنَّجَدِ تفسير : وقال آخر:شعر : فأَشرطَ فيها نفسه وهو مُعصِمٌ وألقى بأسباب له وتوكّلاَ تفسير : وعصمه الطعامَ: منع الجوعَ منه؛ تقول العرب: عَصَـ (ــم فلانا) الطعامُ أي منعه من الجوع؛ فكَنّوْا السّوِيق بأبي عاصم لذلك. قال أحمد بن يحيـى: العرب تُسمّي الخبز عاصماً وجابراً؛ وأنشد:شعر : فلا تلوميني ولُومِي جابِراً فجابرٌ كلفّني الهواجِرَا تفسير : ويسمونه عامرا. وانشد:شعر : أبو مالك يعتادني بالظّهائر يجيء فيُلقى رحلَه عند عامِر تفسير : أبو مالك كنية الجوع.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ } استفهام تعجيب وتوبيخ {وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم} يتمسك {بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرٰطٍ مّسْتَقِيمٍ }.

الخازن

تفسير : قال تعالى: {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله} وكلمة كيف كلمة تعجب والتعجب إنما يليق بمن لا يعلم السبب وذلك على الله محال، فالمراد منه المنع والتغليظ وذلك لأن تلاوة آيات الله وهي القرآن حالاً بعد حال وكون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكم يرشدكم إلى مصالحكم وذلك يمنع من وقوع الكفر فكان وقوع الكفر منهم بعيداً على هذا الوجه قال قتادة: في هذه الآية علمان بينان كتاب الله تعالى ونبي الله صلى الله عليه وسلم أما نبي الله فقد مضى، وأما كتاب الله تعالى فقد أبقاه الله بين أظهركم رحمة منه ونعمة. (م) عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خمّاً بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ الناس وذكر، ثم قال: "حديث : أما بعد ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي" تفسير : وقوله تعالى: {ومن يعتصم بالله} أي يمتنع بالله ويستمسك بدينه وطاعته وأصل العصمة الامتناع من الوقوع في آفة، وفيه حث لهم في الالتجاء إلى الله تعالى في دفع شر الكفار شر الكفار عنهم {فقد هدي إلى صراط مستقيم} أي إلى طريق واضح وهو طريق الحق المؤدي إلى الجنة. قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته}. قال مقاتل بن حيان: كان بين الأوس والخزرج عداوة في الجاهلية وقتال فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أصلح بينهم فافتخر بعد ذلك منهم رجلان وهما ثعلبة بن غنم من الأوس وأسعد بن زرارة من الخزرج. فقال الأوسي: منا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ومنا حنظلة غسيل الملائكة ومنا عاصم بن ثابت بن أفلح حمي الدبر ومنا سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن له ورضى الله بحمكه في بني قريظة وقال الحزرجي: منا أربعة أحكموا القرآن أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد ومنا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم فجرى الحديث بينهما فغضبا وأنشدا الأشعار وتفاخرا فجاء الأوس والخزرج ومعهم السلاح فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهم فأنزل الله عز وجل هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} قال ابن عباس: هو أن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى. وقال مجاهد: هو أن تجاهدوا في الله حق جهاده ولا تأخذكم في الله لومة لائم وتقوموا لله بالقسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم وعن أنس قال: لا يتقي الله عبد حق تقاته حتى يخزن لسانه، وقيل حق تقاته يعني واجب تقواه وهو القيام بالواجب واجتناب المحارم. واختلف العلماء في هذا القدر من هذه الآية هل هو منسوخ أم لا على قولين أحدهما أنه منسوخ وذلك أنه لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين وقالوا: يا رسول الله ومن يقوى على هذا؟ فأنزل الله تعالى الناسخ وهو قوله تعالى في سورة التغابن: {أية : فاتقوا الله ما استطعتم} تفسير : [التغابن: 16] وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وابن زيد والسدي. والقول الثاني أنها محكمة غير منسوخة وهو رواية عن ابن عباس أيضاً وبه قال طاوس: وموجب هذا الاختلاف يرجع إلى معنى الآية فمن قال إنها منسوخة قال حق تقاته هو أن يأتي العبد بكل ما يجب لله ويستحقه فهذا يعجز العبد عن الوفاء به فتحصيله ممتنع ومن قال بأنها محكمة قال: إن حق تقاته أداء ما يلزم العبد على قدر طاقته فكان قوله تعالى اتقوا الله ما استطعتم مفسراً لحق تقاته لا ناسخاً ولا مخصصاً فمن اتقى الله ما استطاع فقد اتقاه حق تقواه وقيل معنى حق تقاته كما يجب أن يتقي وذلك بأن يجتنب جميع معاصيه، وقيل في معنى قول ابن عباس هو أن يطاع فلا يعصى هذا صحيح والذي يصدر من العبد على سبيل السهو والنسيان غير قادح فيه لأن التكليف في تلك الحال مرفوع عنه وكذلك قوله: وأن يشكر فلا يكفر فواجب على العبد حضور ما أنعم الله به عليه بالبال، وأما عنه السهو فلا يجب عليه. وكذلك قوله وأن يذكر فلا ينسى فإن هذا إنما يجب عند الدعاء والعبادة لا عند السهو والنسيان. وقوله تعالى: {ولا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون} لفظ النهي واقع على الموت والمعنى واقع على الأمر بالإقامة على الإسلام، والمعنى كونوا على الإسلام فإذا ورد عليكم الموت صادفكم على ذلك. وقيل هذا في الحقيقة نهي عن ترك الإسلام المعنى لا تتركوا الإسلام فإن الموت لا بد منه فمتى جاءكم صادفكم وأنتم على الإسلام لأنه لما كان يمكنكم الثبات على الإسلام حتى إذا أتاهم الموت أتاهم على الإسلام صار الموت على الإسلام بمنزلة ما قد دخل في إمكانهم، وقيل معناه ولا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون مخلصون مفوضون إلى الله أموركم تحسنون الظن به عزّ وجلّ. عن ابن عباس: "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون فقال: لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم فكيف بمن تكون طعامه" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

ابو السعود

تفسير : {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ} استفهامٌ إنكاريٌّ بمعنى إنكارِ الوقوعِ كما في قوله تعالى: {أية : كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ }تفسير : [التوبة، الآية 7] الخ لا بمعنى إنكار الواقعِ كما في قوله تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا } تفسير : [البقرة، الآية 28] الخ وفي توجيه الإنكارِ والاستبعادِ إلى كيفية الكفرِ من المبالغة ما ليس في توجيهه إلى نفسه بأن يقال: أتكفرون؟ لأن كلَّ موجودٍ لا بد أن يكون وجودُه على حال من الأحوال فإذا أُنكِرَ ونُفيَ جميعُ أحوالِ وجودِه فقد انتفى وجودُه بالكلية على الطريق البرهاني وقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيات الله} جملةٌ وقعتْ حالاً من ضمير المخاطَبـين في تكفُرون مؤكِّدةٌ للإنكار والاستبعادِ بما فيها من الشؤون الداعيةِ إلى الثبات على الإيمان، الرادعةِ عن الكفر، وقوله تعالى: {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} معطوفٌ عليها داخلٌ في حكمها فإن تلاوةَ آياتِ الله تعالى عليهم وكونَ رسولِه عليه الصلاة والسلام بـين أظهُرِهم يعلِّمهم الكتابَ والحِكمةَ ويزكِّيهم بتحقيق الحقِّ وإزاحةِ الشُّبَهِ من أقوى الزواجر عن الكفر، وعدمُ إسنادِ التلاوة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للإيذان باستقلالِ كلٍّ منهما في الباب. {وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ} أي ومن يتمسَّكْ بدينه الحقِّ الذي بـيَّنه على لسان رسولِه عليه الصلاة والسلام وهو الإسلامُ والتوحيدُ المعبَّرُ عنه فيما سبق بسبـيل الله {فَقَدْ هُدِىَ} جوابٌ للشرط وقد لإفادة معنى التحقيقِ كأن الهدى قد حصل فهو يُخْبَر عنه حاصلاً، ومعنى التوقُّع فيه ظاهرٌ فإن المعتصم به تعالى متوقع للهدى كما أن قاصدَ الكريم متوقّعٌ للندى {إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} موصلٍ إلى المطلوب، والتنوينُ للتفخيم، والوصفُ بالاستقامة للتصريح بالرد على الذين يبغون له عوجاً، وهذا وإن كان هو دينَه الحقَّ في الحقيقة والاهتداءُ إليه هو الاعتصامُ به بعينه لكن لمّا اختلف الاعتبارانِ وكان العنوانُ الأخيرُ مما يتنافس فيه المتنافسون أُبرز في معرِض الجوابِ للحثّ والترغيب، على طريقة قولِه تعالى: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} تفسير : [آل عمران، الآية 185]. {يا أيها الذين آمنوا} تكريرُ الخطابِ بعنوان الإيمانِ تشريفٌ إثرَ تشريفٍ {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} الاتقاءُ افتعالٌ من الوقاية وهي فرْطُ الصيانة {حَقَّ تُقَاتِهِ} أي حقَّ تقواه وما يجب منها وهو استفراغُ الوُسعِ في القيام بالموَاجب والاجتنابِ عن المحارم كما في قوله تعالى: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } تفسير : [التغابن، الآية 16] وعن ابن مسعود رضي الله عنه: «هو أن يُطاعَ ولا يُعصىٰ ويُذكرَ ولا يُنْسَى ويُشكَرَ ولا يُكْفَرَ» وقد روي مرفوعاً إليه عليه السلام. وقيل: هو أن لا تأخُذَه في الله لومةُ لائمٍ ويقومَ بالقسط ولو على نفسه أو ابنِه أو أبـيه. وقيل: وهو أن يُنزِّهَ الطاعةَ عن الالتفات إليها وعن توقع المجازاةِ، وقد مر تحقيقُ الحقِّ في ذلك عند قوله عز وجل: {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة، الآية 2] والتقاةُ مِن اتقىٰ كالتُّؤَدة من اتّأَدَ، وأصلها وُقْيَة قلبت واوُها المضمومةُ تاءً كما في تُهمة وتُخمة وياؤها المفتوحة ألفاً. {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} أي مُخلصون نفوسَكم لله تعالى لا تجعلون فيها شِرْكةً لما سواه أصلاً كما في قوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله } تفسير : [النساء، الآية 125] وهو استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوال أي لا تموتُنَّ على حال من الأحوال إلا حالَ تحققِ إسلامِكم وثباتِكم عليه كما تنبىء عنه الجملةُ الاسميةُ، ولو قيل: إلا مسلمين لم يُفِدْ بفائدتها. والعاملُ في الحال ما قبل {إِلا} بعد النقض، وظاهرُ النظمِ الكريم ــ وإن كان نهياً عن الموت المقيَّد بقيدٍ هو الكونُ على أي حالٍ غيرِ حالِ الإسلام ــ لكنَّ المقصودَ هو النهيُ عن ذلك القيدِ عند الموتِ المستلزمِ للأمر بضده الذي هو الكونُ على حال الإسلامِ حينئذ، وحيث كان الخطابُ للمؤمنين كان المرادُ إيجابَ الثباتِ على الإسلام إلى الموت، وتوجيهُ النهي إلى الموت للمبالغة في النهي عن قيده المذكورِ، فإن النهيَ عن القيَّد في أمثاله نهيٌ عن القيد ورفعٌ له من أصله بالكلية، مفيدٌ لما لا يفيده النهيُ عن نفس القيدِ، فإن قولَك: لا تُصلِّ إلا وأنت خاشعٌ يفيد في المبالغة في إيجاب الخشوعِ في الصلاة ما لا يفيده قولُك: لا تترُكِ الخشوعِ في الصلاة، لما أن هذا نهيٌ عن ترك الخشوعِ فقط وذاك نهيٌ عنه وعما يقارِنُه ومفيدٌ لكون الخشوعِ هو العمدةَ في الصلاة وأن الصلاةَ بدونه حقُّها أن لا تُفعل، وفيه نوعُ تحذيرٍ عما وراءَ الموتِ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الآية: 101]. قال ابن عطاء: من افتقر إلى الله من جميع ما سوى الله فقد فتح له الطريق إلى الحج وهو أقوم الطريق. قال جعفر فى هذه الآية: من عرفه استغنى به عن جميع الأنام. قال الواسطى رحمة الله عليه: الاعتصام به منه فمن زعم أنه يعتصم بالله من غيره فهو وَهنٌ فى الربوبية. وقال أيضًا: من يعتصم بالله للأئمة والعامة. {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ} [الآية: 103]. وقال أيضًا فى قوله: {وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ...} قال: هل شاهدت من شواهدك شيئًا يفزع منك إليه وهل فزعت إلا إلى نفسك. والاعتصام: أن ترى نفسك فى ظلّه وكنفه وحسن قيام نظره لك فى أبده، فإن التحقيق فصحة الاعتصام والتصديق يوجب الاعتصام. وقيل: الاعتصام هو اللجأ بترك الحول والقوة والسكون والأمر والهدوء تحت مراد الله. وقيل: الاعتصام للمحجوبين ولأهل الحقائق رفع الاعتصام لأنهم فى القبضة. وقال أبو بكر الوراق: علامات الاعتصام ثلاثة: قطع القلب عن معونة المخلوقين، وصرفه بالكلية إلى رب العالمين، وانتظار الفرج من الله.

القشيري

تفسير : لا ينبغي لمن أشرقت في قلبه شموسُ العرفان أن يوقع الكفرُ عليه ظِلَّه، فإنه إذا أقبل النهارُ من ها هنا أدبر الليل من ها هنا. وقوله: {وَمَن يَعْتَصِم} الآية إنما يعتصم بالله مَنَّ وَجَدَ العصمة من الله، فأمَّا مَنْ لم يَهْدِه الله فمتى يعتصم بالله؟ فالهدايةُ منه في البداية توجِبُ اعتصامك في النهاية، لا الاعتصام منك يوجب الهداية. وحقيقةُ الاعتصام صدق اللُّجوء إليه، ودوامُ الفرار إليه، واستصحاب الاستغاثة إليه. ومَنْ كشف عن سِرِّه غطاء التفرقة تحقق بأنه لا لغير الله ذرة أو منه سينة، فهذا الإنسان يعتصم به ممن يُعْتَصَمُ به؛ قال سيد الأولين والآخرين صلوات الله عليه وعلى آله: {أَعُوذُ بِكَ مِنْ}. ومَنْ اعتصم بنفسه دون أن يكون محواً عن حوله وقوته في اعتصامه - فالشِرْكُ وطنُه وليس يشعر.

البقلي

تفسير : {وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ} من اعتصم به منه اهدى به اليه لانه فى محل المعرفة ومن عرفه يستعبد برضاه من سخطه وبمعافاته من عقوبته وبه منه وهذا حال سيد الانبياء صلوات الله وسلامة عليه حيث قال فى سجوده اعوذ برضاك من سخطك واعوذ بمعافاتك من عقوبتك واعوذ بك منك الا احصى ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك وكان عليه السلام فى ذلك الوقت فى مشاهدة الجلال والجمال والكمال والقدم والبقاء والجبروت والكبرياء بنعت المعرفة على وجود الحق مستغرقا فى بحار علوم القضا والقدر وارث ما راى من عجائب قدرته واطلع على بعض اسرارهم ارادته فخاف به منه اليه وايا من اعتصم بالله الى معرفة عيوب النفس ودقائق الشيطان واخلاق القلب ومشائل الروح واوصاف العقل وامور المعاملات وحقيقة الحالات وطلب المكاشفات والاطلاع على المشاهدات ولمة الملائكة وعلوم الالهام والفراسات ويكون بهذه الخصال فى مقام التمكين وهو مثل طرق المستقيم وايضا الاعتصام انجذام القلب عن الاسباب والارباب والتبرى الى الله تعالى من حول والقوة ومن قطع حبل الطلب عن الخق ارتفع قتام البين بينه وبين الحق والاعتصام قبل المعرفة محال والمعرفة قبل المشاهدة محال من شاهد الله تعالى بنعت المعرفة يعتصم به فى جميع الانام قال الواسطى من يعتصم بالله للأئمة وللعامة اعتصموا بحبل الله وقال الاعتصام به ومنه ومن زعم انه يعتصم به من غيره فهو وهن فى الربوبية وقال ايضا فى قوله ومن يعتصم بالله هل اشاهدات مشاهدتك تفرغ منك اليه وهل فرغت الا الى نفسك لاعتصام ترى نفسك فى ظله وكنفه وحسن قيام نظره لك فى يده فان الحقيق قسم الاعتصام والتصديق يوجب الاعصام وقبل الاعتصام واللجاء بطرح الحول والقوة والسكون للامر والهد وتحت مراد الله وقيل الاعتصام للمحجوبين ولاهل الحقائق ورفع الاعصام لانهم فى القبضة قال ابو بكر الوراق علامة الاعتصام ثلثة قطع القلب عن معنة المخلوقين وصرفه بالكلية الى رب العالمين وانظار الفرج من الله وقال جعفر من افتقر الى الله عن جميع ما سواه وليس فى سره سوى الله فقد هدى الى صراط مستقيم قال ابو عسيد الخراز من أمن به لا يهان ومن اعتصم به لا يهرزم وقال لا يمكن رد النفس الا الصلاح الا بالحكمة والعلم والجهد والتضرع واصله الاعصتام بالله وقال الاستاد بما اعتصم بالله من وجد العصمة من الله تعالى فاما من لم يهده الله فمتى يعتصم بالله عز وجل والهداية من فى البداية توجب الاعتصام به فى النهاية والاعتصام منك يوجب الهداية واهل الاعتصام اربعة المحب والعائق والعارف والموحد اما اعتصام المحب فطرح نفسه على باب الحبيب عجز وتضرعا لطلب الوصول اليه وهذا نعت العاجز فى متعب الفراق المحترق في نيران الاشواق فاذا اعتصم بالحق على وصف غليان الحيان الهيمان فى الشوق فهذه الله الى مشاهدة جماله وحسن عطفه وافضاله كما قال عليه الصلاة والسلام "حديث : من احب لقاء الله احب الله لقاءه" تفسير : واما اعتصام العاشق هو قطع العلائق من قلبه وايثار المشاهدة ما سواه فاذا تحقق فى استغراقه فى بحار العشق ارشده الله الى مقام الانس حتى سكن فى اكناف الطافه فهو بالحقيقة مكفوف من الاستدراج بعظمة الازلية واما اعتصام العراق فهو بمعرفته فاذا عرفه تحير فيه واعتصم بمعرفته عن النكرة تارة وبالنركة عن المعرفة تار ةوالنركة ههنا العجز عن درك الادارك ادراك وان تحير العارف فى مهمة العظمة فاصفده الحق عطاء من علوما لمجهول من لدنه فى بها مشاهدة الاسرار من حقائق غيب الغيب واما اعتصام الموحد فاللياذة من الجهل على مشاهدة القدم بالعرفان على مشاهدة البقاء ومن الجهل على مشاهدة البقاء بالغرفان على مشاهدة القدم واذا وجده الحق مضمحلا فى ضباب عظمته وانوار كبريائه هذه الى طرف من حقائق الوحدانية ليسكن به جهلا لا علما وعلما لا جهلا وامرا الا حكما وحكما لا امرا هذه صفة المعتصمين من اهل لاحق الذى نبذوا بطلق الوجوه جميع رسوم الحدثان من الدنيا والاخرة راجين اليه خائفين منه حبارى سكارى لا تلتقون منه الى غيره من غلبة اليقين على قلوبهم ولا يرضون بشئ سوى محبوبهم فهم معصومون عن الخطرات فى البواطن محصونون على العثرات فى الظواهر.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكيف تكفرون} انكار وتعجب {وانتم تتلى عليكم آيات الله} اى القرآن {وفيكم رسوله} والمعنى من اين يتطرق اليكم الكفر والحال ان القرآن المعجز يتلى عليكم على لسان الرسول غضا طريا وبين اظهركم رسول الله ينبهكم ويعظكم ويزيح شبهكم فالعدول عن الايمان والدخول فى الكفر مع تحقق هذه الامور ابعد واعجب {ومن يعتصم بالله} اى ومن يتمسك بدينه الحق الذى بينه بآياته على لسان رسوله عليه السلام وهو الاسلام والتوحيد المعبر عنه فيما سبق بسبيل الله {فقد هدى} جواب الشرط. وقد لافادة معنى التحقق كأن الهدى حصل فهو يخبر عنه حاصلا ومعنى التوقع فيه ظاهر فان المعتصم به تعالى متوقع للهدى كما ان قاصد الكريم متوقع للندا اى وفق وارشد {الى صراط مستقيم} موصل الى المطلوب. واعلم ان ظاهر الخطاب مع اهل الكتاب وباطنه مع العلماء السوء الذين يبيعون الدين بالدنيا ولا يعملون بما يعملون فهم الذين يكفرون بما جاء به القرآن من الزهد فى الدنيا والورع والتقوى ونهى النفس عن الهوى وايثار ما يفنى على ما يبقى والاعراض عن الخلق والتوجه الى الحق وبذل الوجود لنيل المقصود والله شهيد على ما تعملون حاضر معهم ناظر الى نياتهم فى اعمال الخير والشر فيجازيهم بها وهم يصرفون بحرصهم على الدنيا واتباعهم الهوى المؤمنين الذين يتبعونهم بحسن الظن ويحسبون ان اعمالهم واحوالهم على قاعدة الشريعة ومنهاج الطريقة عن سبيل الله وطريق الحق الذى امر الانبياء بدعوة الخلق اليه وهم يطلبون اعوجاج طريق الحق بالسير فى طريق الباطل وقد وصى الله المؤمنين بقوله {أية : يا ايها الذين آمنوا} تفسير : [آل عمران: 100]. الآية حتى لا يرتدوا عن طريق الهداية بعد الايمان بالاتباع بسيرتهم وهواهم قال تعالى {أية : ولا تتبعوا اهواء قوم قد ضلوا من قبل واضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} تفسير : [المائدة: 77]. قال بعض المشايخ خير العلم ما كانت الخشية معه وذلك لان الخشية انما تنشأ عن العلم بصفات الحق فشاهد العلم الذى هو مطلوب الله الخشية وشاهد الخشية موافقة الامر. واما العلم الذى تكون معه الرغبة فى الدنيا والتملق لاربابها وصرف الهمة لاكتسابها والجمع والادخار والمباهاة والاستكثار وطول الامل ونسيان الآخرة فما ابعد من هذا العلم علمه من ان يكون من ورثة الانبياء وهل ينتقل الشىء الموروث الى الوارث الا بالصفة التى كان بها عند الموروث وما مثل من هذه الاوصاف اوصافه من العلماء الا كمثل الشمعة تضىء على غيرها وهى تحرق نفسها شعر : ترك دنيا بمردم آموزند خويشتن سيم وغله اندوزند عالمى راكه كفت باشد وبس جون بكوبد نكيرد اندركس عالم آنكس بود كه بد نكند نه بكويد بخلق وخود نكند تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يأتى على الناس زمان لا يبقى من الاسلام الا اسمه ولا من القرآن الا رسمه قلوبهم خربة من الهدى ومساجدهم عامرة بابدانهم شر من تظل السماء يومئذ علماؤهم منهم تخرج الفتنة واليهم تعود " .تفسير : وعن فضيل بن عياض بلغنا ان الفسقة من العلماء ومن حملة القرآن يبدأ بهم يوم القيامة قبل عبدة الاوثان. فعلى العاقل ان لا يغتر بظاهر حالهم بل ينظر الى وهن اعتقادهم وفساد بالهم فيعتبر كل الاعتبار ويتجنب من هذه سيرتهم ويسلك طريق الاخيار ويعتصم بالله بالانقطاع عما سواه ويتمسك بالتوحيد الحقيقى حتى يهتدى الى الصراط المستقيم فمن انقطع اليه بالفناء فى الوحدة كان صراطه صراط الله فلا يصده عنه احد ولا يضره شىء ولا يضله كيد عدوه وشره فان من كان مع الله كان الله معه فهو حافظه وناصره وهذا الاستمساك ليس من شأن كل السلاك لكن الله تعالى قادر على ان يأخذ بيد عبده ويوصله الى مراده واذا صح الطلب من العبد فلا يحرم الاجابة البتة فان من طلب وجدّ وجد ومن قرع باب ولج عصمنا الله واياكم من كيد الشيطان ومكر النفس الامارة بالسوء كل آن آمين يا مستعان.

الطوسي

تفسير : النزول: روي عن ابن عباس أن سبب نزول هذه الآية أنه كانت بين الأوس، والخزرج حرب في الجاهلية كل شهر، فبينما هم جلوس إذ ذكروا ما كان بينهم حتى غضبوا، فقام بعضهم إلى بعض بالسلاح فنزلت هذه الآية وما بعدها. وقال الحسن نزلت في مشركي العرب. المعنى، واللغة: {وكيف} موضوعة للاستفهام، ومعناها ها هنا التعجب وإنما استعملت في ذلك، لأنها طلب للجواب عما حمل على الفساد فيما لا يصح فيه الاعتذار. والتعجب هو حدوث إدراك ما لم يكن يقدر لخفاء سببه، وخروجه عن العادة في مثله، ولذك لم يجز في صفة القديم، ولكن يجوز في وصفه تعجيب العباد من بعض الأمور. وصيغة التعجب في اللغة ما أفعله، وأفعل به إلا أنه قد يجيء كلام متضمن بمعنى التعجب، وإن لم يكن في الأصل مما وضع له. وقوله: {وفيكم رسوله} خطاب للذين عاصروه، فأما اليوم، فقد قال الزجاج: يجوز أن يقال: فينا رسول الله، ويراد به أن أثاره قائمة فينا، وأعلامه ظاهرة، وذلك بمنزلة لو كان موجوداً فينا. وقوله: {ومن يعتصم بالله} معناه يمتنع والعصم: المنع. تقول عصمه يعصمه عصماً، ومنه قوله: {أية : لا عاصم اليوم من أمر الله}تفسير : أي لا مانع. والعصم: الأوعال لامتناعها بالجبال. والمعصم لأنه يمتنع والعصام: الحبل، والسبب، لأنه يعتصم به.

الجنابذي

تفسير : {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ} لا ينبغى لكم ذلك {وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} يعنى انّ الكفر فى جميع الاحوال قبيح خصوصاً فى تلك الحالة فانّ تلاوة الآيات ووجود الرّسول كليهما يميتان الكفر ويحييان فطرة الايمان ولا يكفر فى مثل تلك الحال الاّ من بلغ فى الشّقاوة منتهاها {وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ} ومن اهتدى الى الصّراط المستقيم الموصل له الى مطلوبه الّذى لا مطلوب له سواه لا يرجع منه البتّة؛ وهذا وجهٌ آخر لاستغراب الرّجوع الى الكفر يعنى انّكم اعتصمتم بالله بالبيعة مع رسوله (ص) فانّ البيعة تورث التمسّك بمن قبل البيعة والتمسّك بالرّسول (ص) تمسّك بالله لكونه مظهراً تامّاً له، ومن اعتصم بالرّسول (ص) يهتد الى الصّراط المستقيم الموصل الى الله لانّ الرّسول (ص) هو الصّراط المستقيم ومن اهتدى لا يرجع الاّ اذا كان بالغاً فى العمى غايته.

اطفيش

تفسير : {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} أى استفهام تعجيب من كفرهم، والحال أن فى آيات الله تتلى عليهم، حالا بعد حال، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، يزيل شبه الكفر، ويقرر حجج الحق، فإن الكفر مع ذلك مما يتعجب به، وينكروا معه اعتذار المعتذر وذلك علمان بيِّنان: أحدهما باق إلى قيام الساعة، وهو القرآن، أعنى إلى قرب قيامها جداً، والآخر منقطع وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال زيد بن أرقم: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوماً خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد أيها الناس، إنما أنا بشر يوشك أن يأتى رسول ربى، فأجيبه، وإنى تارك فيكم ثقلين أولها كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به. فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: وأهل بيتى أكرمكم الله فى أهل بيتى. {وَمَنْ يَعْتَصِمْ باللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}: أى ومن يمتنع عن المعاصى والمضار الدنيوية والأخروية، باتباع دين الله، أو يلتجىء إلى الله فى أموره فقد هدى إلى صراط مستقيم، أى فذلك هداية من الله لهُ متحققة، والصراط المستقيم: الدين الموصل إلى الجنة ورضى الله تعالى قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوماً: حديث : "أى الخلق أعجب إيماناً؟" قالوا: الملائكة فى السماء، فما لهم لا يؤمنون أى الخلق أعجب إيماناً؟ قالوا: النبيون. قال: النبيون ينزل عليهم الوحى، فما لهم لا يؤمنون أى الخلق أعجب إيماناً؟ قالوا: أصحابك، قال: أصحابى يروننى ويسمعون كلامى، فما لهم لا يؤمنون أعجب الخلق إيماناً قوم يأتون من بعدكم، يجدون كتاباً فى رق فيؤمنون به .

اطفيش

تفسير : {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ} تعجيب للسامع وإنكار للياقة الكفر مع قوة أساب الإيمان وقطع الكفر، كما قال بواو الحال {وَأَنتُمْ تُتلَى عَلَيْكُمْ ءَايآتُ اللهِ} بتكرير، وهنَّ آيات القرآن الدافع للشبهة والوساويس {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} لم يغب، ولم يمت وهو متمكن من قول الحق قائل به، لكم مجهوده {وَمَن يَعْتَصِم} يتمسك {بِاللهِ} بدين الله، فذلك استعارة تبعية، أو يلتجىء إليه فى أموره، ففيه استعارة تبعية للالتجاء، وهو الثقة به، قال الله عز وجل لداود عليه السلام: من اعتصم بى دون خلقى جعلت له مخرجا، ولم تكده السموات والأرض، ومن يعتصم بمخلوق دوني قطعت أسباب السماء دونه وأسخت الأرض من تحته {فَقَدْ هُدِىَ إلَى صِرَاطٍ مُّستَقِيمٍ} دين الله الموصل إلى الجنة.

الالوسي

تفسير : {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ } أي على أيّ حال يقع منكم الكفر {وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءايَـٰتُ ٱللَّهِ } الدالة على توحيده ونبوة نبيه صلى الله عليه وسلم {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ } يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم يعلمكم الكتاب والحكمة ويزكيكم بتحقيق الحق وإزاحة الشبه، والجملة وقعت حالاً من ضمير المخاطبين في {تَكْفُرُونَ } والمراد استبعاد أن يقع منهم الكفر وعندهم ما يأباه. وقيل: المراد التعجيب أي لا ينبغي لكم أن تكفروا في سائر الأحوال لا سيما في هذه الحال التي فيها الكفر أفظع منه في غيرها؛ وليس المراد إنكار الواقع كما في {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا } تفسير : [البقرة: 28] الآية؛ وقيل: المراد بكفرهم فعلهم أفعال الكفرة كدعوى الجاهلية فلا مانع من أن يكون الاستفهام لإنكار الواقع، والأول أولى وفي الآية تأييس لليهود مما راموه، والأكثرون على تخصيص هذا الخطاب بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الأوس والخزرج منهم، ومنهم من جعله عاماً لسائر المؤمنين وجميع الأمة، وعليه معنى كونه صلى الله عليه وسلم فيهم إن آثاره وشواهد نبوته فيهم لأنها باقية حتى يأتي أمر الله ولم يسند سبحانه التلاوة إلى رسوله عليه الصلاة والسلام إشارة إلى استقلال كل من الأمرين في الباب، وإيذاناً بأن التلاوة كافية في الغرض من أي تال كانت. / {وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ } إما أن يقدر مضاف أي ومن يعتصم بدين الله؛ والاعتصام بمعنى التمسك استعارة تبعية، وإما أن لا يقدر فيجعل الاعتصام بالله استعارة للالتجاء إليه سبحانه قال الطيبـي: وعلى الأول: تكون الجملة معطوفة على {وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } أي كيف تكفرون أي والحال أن القرآن يتلى عليكم وأنتم عالمون بحال المعتصم به جل شأنه، وعلى الثاني: تكون تذييلاً لقوله تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ }تفسير : [آل عمران: 100] الخ لأن مضمونه أنكم إنما تطيعونهم لما تخافون من شرورهم ومكايدهم فلا تخافوهم والتجئوا إلى الله تعالى في دفع شرورهم ولا تطيعوهم أما علمتم أن من التجأ إلى الله تعالى كفاه شر ما يخافه، فعلى الأول: جيء بهذه الجملة لإنكار الكفر مع هذا الصارف القوي المفهوم من قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } الخ، وعلى الثاني: للحث على الالتجاء، ويحتمل على الأول التذييل، وعلى الثاني الحال أيضاً فافهم، و {مِنْ } شرطية. وقوله تعالى: {فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرٰطٍ مّسْتَقِيمٍ } جواب الشرط ولكونه ماضياً مع قد أفاد الكلام تحقق الهدى حتى كأنه قد حصل، قيل: والتنوين للتفخيم ووصف الصراط بالاستقامة للتصريح بالرد على الذين يبغون له عوجاً، والصراط المستقيم وإن كان هو الدين الحق في الحقيقة والاهتداء إليه هو الاعتصام به بعينه لكن لما اختلف الاعتباران وكان العنوان الأخير مما يتنافس فيه المتنافسون أبرز في معرض الجواب للحث والترغيب على طريقة قوله تعالى: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ } تفسير : [آل عمران: 185] انتهى. وأنت تعلم أن هذا على ما فيه إنما يحتاج إليه على تقدير أن يكون المراد من الاعتصام بالله الإيمان به سبحانه والتمسك بدينه كما قاله ابن جريج، وأما إذا كان المراد منه الثقة بالله تعالى والتوكل عليه والالتجاء إليه كما روي عن أبـي العالية فيبعد الاحتياج، وعلى هذا يكون المراد من الاهتداء إلى الصراط المستقيم النجاة والظفر بالمخرج، فقد أخرج الحكيم الترمذي عن الزهري قال: حديث : أوحى الله تعالى [إلى] داود عليه السلام ما من عبد يعتصم بـي من دون خلقي وتكيده السماوات والأرض إلا جعلت له من ذلك مخرجاً، وما من عبد يعتصم بمخلوق من دوني إلا قطعت أسباب السماء بين يديه وأسخت الأرض من تحت قدميه.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتُ} {صِرَاطٍ} (101) - وََيَسْتَبْعِدُ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُسْلِمِينَ أنْ يَكْفُروا، وَحَاشَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ)، فَآيَاتُ اللهِ تُنَزَّلُ عَلَى رَسُولِهِ لَيْلاً وَنَهَاراً، وَهُوَ يَتْلُوهَا عَلَيْهِمْ، وَيُبَلِّغُهَا إليْهِمْ، وَلاَ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنينَ أنْ يَلْتَفِتُوا إلى قَوْلِ هَؤُلاءِ الأعْدَاءِ، بَلِ الوَاجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يََرْجِعُوا، عِنْدَ كُلِّ شُبْهَةٍ يَسْمَعُونَها مِنْ هَؤُلاءِ اليَهُودِ، إلى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى يَكْشِفَ لَهُمْ عَنْهَا، وَيُزِيلَ مَا عَلِقَ بِقُلُوبِهِمْ مِنْهَا. وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ، وَيَتَوَكَّلْ عَلَيهِ فَإنَّ ذَلِكَ يُبْعِدُهُ عَنِ الغَيِّ وَالضَّلاَلِ، وَيُوصِلُهُ إلى الهِدَايَةِ وَالرَّشَادِ، وَطَرِيقِ السَّدَادِ. اعْتَصَمَ بِالشَّيءِ - تَمَسَّكَ بِهِ فَمَنَعَ نَفْسَهُ مِنَ الوُقُوعِ فِي الهَلاَكِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إنه استعظام وتعجيب من أن يأتي الكفر مرة أخرى من المؤمنين وهم في نعيم المعرفة بالله، فآيات الله تُتلى عليهم، ورسول الله حق ومعهم وفيهم. ويقول الحق سبحانه للمؤمنين: {إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} [آل عمران: 101] إنّ لذلك قصة؛ فقد كان اليهود في المدينة يملكون السلطة الاقتصادية؛ لأنهم يجيدون التعامل في المال، وكل من يريد مالاً يذهب إليهم ليقترض منهم بالربا. وكان لليهود أيضاً التفوق والتميز العلمي؛ لأنهم يعلمون الكتاب، بينما كان غالبية أهل مكة والمدينة من الأميين الذين لا يعرفون كتاباً سماوياً. وكذلك كان هناك تميز آخر لليهود هو خبرتهم بالحرب؛ فلهم قلاع وحصون. هكذا كان لليهود ثلاثة أسباب للتميز: المال يحقق الزعامة الاقتصادية، والعلم .. بالكتاب وهو تفوق علمي، ثم خبرتهم بفنون الحرب، وكانوا فوق ذلك يحاولون إيجاد الخلاف بين الناس وتعميقه. مثل محاولتهم إثارة العداوات بين الأوس والخزرج. والمتاجرة بذلك حتى تظل الحروب قائمة، وبذلك يضمنون رواج تجارة الأسلحة التي يصنعونها ويمدون بها كل فريق من المتحاربين. ولما جاء الاسلام وحّد الرسول صلى الله عليه وسلم بين الأوس والخزرج وبذلك ضاع منهم التفوق الاقتصادي. وجاء الاسلام بدين وكتاب مهيمن على الكتب، فضاعت من اليهود المنزلة العلمية. وكذلك ضاعت من اليهود المنزلة الحربية؛ فقد رأوا قلة من المؤمنين هزموا الكفار وأنزلوا بهم هزيمة نكراء في بدر، وهكذا ضاع كل سلطان لليهود في المدينة، لذلك أرادوا أن يعيدوا الأمر إلى ما كان عليه قبل أن يجيء الإسلام، فقالوا فلنؤجج ونشعل ما بين الأوس والخزرج من العداوات ونهيجها، وقال شخص اسمه "شاس بن قيس" وقد رأى نور الإيمان يعلو وجوه الأوس والخزرج ويشملهم الانسجام الإيماني. وتوجد بينهم المودة وابتسامات الصفاء، هيَّج ذلك شاس بن قيس وقال: "والله لا بد أن نعيدها جذعة ونرجعهم إلى ما كانوا عليه من أحقاد وعداوات، فلا استقرار لنا ما دامو قد اجتمعوا". فأرسل فتى من اليهود وجلس بين الأوس والخزرج، ثم تطرق الحديث منه إلى يوم يسمى يوم "بعاث"، وهو اسم يوم من أيام العرب قبل الإسلام، وكان بين الأوس والخزرج، وكان النصر فيه للأوس على الخزرج، وجلس الفتى اليهودي يذكر ويأتي بالشعر الذي قيل في هذا اليوم فهيّج حمية الأوس والخزرج وحدث النزاع، وحصل التفاخر واستيقظ التباغض، وقالوا: "السلاح .. السلاح" وهكذا نجحت المكيدة، ونمى الخبر إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام صلى الله عليه وسلم ومعه صحابته، حتى انتهَوْا إلى اجتماع الأوس والخزرج، فوجدوا الحال على أشد درجات الهياج، نزاع، وتباغض، وسلاح محمول، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: أبِدَعْوَى الجاهلية وأنا بين أظهركم!! أي كان من الواجب أن تخجلوا من أنفسكم؛ لأن رسول الله بينكم وأضاف رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أكرمكم الله بالإسلام، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، وألف بين قلوبكم، فماذا كانت مواقع كلمات الرسول في نفوس القوم؟ لقد دفعتهم كلماته صلى الله عليه وسلم إلى إلقاء السلاح، وبكوا وعانق بعضهم بعضاً وانصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كان يوم أقبح أولاً وأحسن آخراً من ذلك اليوم. وعندما نتأمل ما فعله هؤلاء القوم من اليهود لإشعال الفتنة بين الأوس والخزرج نجد أنهم قد أدركوا طبيعة النزاع القديم بين الأوس والخزرج فأرادوا أن يهيجوا تلك العداوات والأحقاد القديمة، وكذلك نجد أن تهييج المشاعر بين الأوس والخزرج جعل للانفلات بابا فكاد القتال يشتعل، وعندما تكلم فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هدأت المواجيد، وألقوا السلاح، وندموا على ما فعلوا. وإذا أردنا أن نرى الأمر بعمق التصور لِمَا حدث فإننا نجد أن إدراك العداوة بين الأوس والخزرج من اليهود هو الذي دفع اليهود لتحريك هذا الإدراك الخاطئ وإحياء الثارات القديمة، ثم كان انفعال الأوس والخزرج بتلك الثارات القديمة قد فتح الباب لحمل السلاح للاقتتال. وهكذا نجد أن الإدراك للشيء، يمر بثلاث مراتب: أولاً: الإحساس بالشيء، ثانياً: انفعال النفس له، ثالثاً: النزوع السلوكي، وعندما تحدث الرسول صلى الله عليه وسلم، أدرك الأوس والخزرج الأمر بطريقة عكسية فألقوا السلاح، وهدأت مواجيد البغضاء، وتركوا الإدراكات الخاطئة. لقد ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشياء هي: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم وقد أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية. وألف بين قلوبكم". وقد استقبلوا ذلك بإلقاء السلاح أولاً، ثم البكاء ثانياً، وهو أمر حركته المواجيد فيهم ثم تعانقوا أي صححوا الإدراكات ثالثاً، وهكذا حدث النزوع بالعكس. ولما حدث ذلك أصاب اليهود الغيظ والخيبة والنكد. وقال المؤرخ لهذه القصة: فما كان يوم في الإسلام أسوأ أولاً وأحسن آخراً إلاّ ذلك اليوم. لقد بدأ اليوم بعبوس، وانتهى بإشراق الطمأنينة، وبعد ذلك وُجدت الخلية التي تكوّن المناعة في نفوس المؤمنين، بعد أن قال الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك القول: "حديث : أبِدَعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام، وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم ". تفسير : لقد صار هذا القول الكريم مستحضراً عند كل نزع لشيطان، أو كيد لعدو. لقد جعل الحق المناعة ضد فعل الكيد، ونزغ الشيطان عند المؤمنين من الأوس والخزرج، وهكذا نرى أن الله يسخر الكافر حتى في رفعة شأن الإيمان، فلو لم تحدث هذه المسألة ويأتي الرسول صلى الله عليه بمنطقه المؤثر وهو بين القوم ليقول ذلك القول لما أصبح لدى المسلمين هذه المناعة من الارتفاع عن البغضاء فيما بينهم، ولو كان أحد من أتباع الرسول قد قال مثل هذه الكلمة فقد كان من المحتمل أن يحدث هذا الأثر، لكن عندما قالها الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أوجدت المناعة لغيرها من الأحداث التي تأتي وقد لا يكون الرسول موجوداً. ولذلك فأنت أيها المؤمن إن نظرت إلى الكافرين. فإنك تجد عقولهم خائبة. لقد نشروا الإسلام - دون إرادتهم - بمواقفهم الحمقاء، فمثلاً حين قالوا: سيأتي نبي نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم، فما الذي حدث؟ إن الأنصار ساعة أن سمعوا بالدين الجديد قال بعضهم لبعض: اسمعوا يا قوم، إنه الدين الذي بشرتكم به يهود، فقبل أن يسبقونا إليه هيا بنا نسبق نحن اليهود إليه. لقد كان استعلاء اليهود وتفاخرهم على الأوس والخزرج دافعاً للأوس والخزرج على الدخول في الإسلام، وهكذا يجعل الحق سبحانه وتعالى كفر الكافر مؤثراً في تثبيت إيمان المؤمن. وحين يقول الحق سبحانه: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101] نفهم أنه استعظام وتعجيب يأتي من الحق. فساعة تسمع: "كيف تكفرون" فذلك أمر عجيب، لأنه من المستبعد أن يكفر المؤمنون وكتاب الله يتلى عليهم، ورسول الله فيهم. ويجيء من بعد ذلك الدعوة إلى الاعتصام بالله، ومعنى الاعتصام: التمسك، ولا يتأتى إلا في علو، فيقال: "اعتصمت بحبل الإيمان" لأن للإنسان ثقلاً ذاتياً، هذا الثقل الذاتي إن لم يرفعه سواه، فإنه يقع بالإنسان. وهذا لا ينشأ إلا إذا كان الإنسان معلقاً في الجو ويمسك بحبل ولا يوجد من يدفعه إلى أسفل، بل الإنسان بثقله الخاص يهبط إلى الأرض. فمن يعتصم بالله ويمسك بحبل الإيمان فإنه يمنع نفسه من الهُوِيِّ والسقوط. وهنا نشعر أن الاعتصام بالله هو أن نتبع ما تُلِيَ علينا من الآيات، وما سنه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن فباب الاعتصام هو كتاب الله وسنة رسوله، وكذلك كان وجود الرسول بين أظهرهم هو الأمر الضروري، لأنهم كانوا منغمسين في حمأة الجاهلية، فلا بد أن توجد إشراقة الرسول بينهم حتى تضيء لهم، فيروا أن الله قد أخرجهم من الظلمات إلى النور. ولم يقبض الحق رسوله إلا بعد أن أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام ديناً. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ". تفسير : هكذا نرى أن وجود آيات الله، وسنة رسول الله هي العاصم الذي يهدي إلى صراط مستقيم. والهدى كما نعرف هو ما يوصل إلى الغاية المرجوة، فهب أن غايتك أن تذهب إلى مكان معين فالذي يوصلك إلى ذلك المكان هو هدى، وكل ما يدل إنساناً على الموصل للغاية اسمه هدى. والحق سبحانه وتعالى خلق الخلق جميعاً، وجعل بعض الخلق مقهوراً، وبعض الخلق مخيراً. والمقهور من خلق الله هو كافة المخلوقات في الكون ما عدا الإنسان إلا في بعض أموره فإنه مقهور فيها أيضاً ولذلك قلنا: إن كل ما عدا الإنسان من خلق الله يؤدي مهمته كما طُلبت منه، فما امتنعت الشمس أن تشرق على الناس يوماً، ولا امتنعت الريح أن تهب، ولا امتنعت السماء عن أن تمطر، ولم تقل الأرض للإنسان إنك تعصي الله فلا أنبت لك، ولا جاء إنسان ليركب الدابة المسخرة فقالت: لا؛ إنك عاصٍ، ولذلك سأحرن فلا أمكنك من ركوب ظهري. هكذا نرى أن كل شيء ما عدا الإنسان مسخر مقهور للغاية المرجوة منه، وهو خدمة ذلك الإنسان. والإنسان وحده هو الذي له اختيار .. ولذلك يجب أن نتنبه دائماً إلى أن الله قد جعل للخلق تسخيراً وتسييراً، وجعل الإجماع في كل الأجناس، ولكن الانقسام جاء عند الإنسان فقال الحق سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ}تفسير : [الحج: 18]. إن الجمادات الساجدة المسخرة هي: "الشمس والقمر والنجوم"، والنبات الساجد المسخر هو "الشجر", وكذلك "الدواب" فهي ضمن الكائنات التي عليها حكم الحق بالإجماع، بأنها كلها تسجد خاضعة مسخرة. أما الإنسان فقد قال الحق عنه: "وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب". إذن فالانقسام جاء عند من؟ لقد جاء الانقسام عند الإنسان. لماذا؟ لأن الله خلق الإنسان مختاراً. ألم يكن من الممكن أن يخلق الإنسان مسخراً كبقية الكائنات؟ أليس التسخير دليلاً على قدرة المسخر، وأن شيئاً من خلقه لن يخرج من قدرته, هذا صحيح، لكن الحق سبحانه كما أراد أن يثبت القدرة والقهر بالتسخير، أراد أن يثبت المحبوبية بالاختيار. فمن كان مختاراً أن يؤمن أو يعصي، ثم اختار أن يؤمن، فهذا الاختيار إنما يثبت به الإنسان المحبوبية لله. هكذا صنف الله الخلق بين قسم قهري يثبت القدرة، وقسم اختياري يثبت المحبوبية، ولهذا أراد الله للإنسان أن يكون مختاراً أن يفعل أو لا يفعل. فلماذا - إذن - لا يفعل الإنسان كل أفعاله وهي منسجمة مع الإيمان؟ لأن للشهوة بريقاً سطحياً، وهذا البريق السطحي يجذب الإنسان كما تجذب النارُ الفَرَاش. عندما يوقد الإنسان ناراً ما في الخلاء فضوؤها يجذب الفَرَاش، ويحترق الفَراش بنيران الضوء؛ فقد جذبه النور وأغراه، ولكنه لم يعرف أن مصرعه في تلك النار. والحكمة العربية تقول: "رب نفس عشقت مصرعها" كذلك في الشهوات، تتزين الشهوة للإنسان، فتجذبه إليها فيكون فيها مصرع الإنسان. لكن ما الحماية للإنسان من ذلك؟ إن الحماية هي في منهج الله "افعل". و"لا تفعل" فمن يرد أن ينقذ نفسه من كيد الشيطان وكيد النفس فعليه أن يخضع لمنهج الله في "افعل" و"لا تفعل". وقد قلت قديماً: إنه من الحمق أن يصنع صانع صنعةً ما، ثم ينسى أن يضع لها قانون الصيانة. والإنسان في حدود صناعته لا ينسى ذلك، فما بالنا بالحق سبحانه بطلاقة قدرته؟ إن الخالق سبحانه وتعالى قد صنع الإنسان، ووضع الحق سبحانه وتعالى قانون صيانة صنعته في الإنسان فقال جل وعلا: افعل كذا ولا تفعل كذا، فمن أراد أن يعتصم بالحبل المتين فلا يأتي له نزغ شيطان أو كيد عدو ولا هوى نفس. فليعتصم بمنهج الله؛ لأن الله هو الذي خلقه وهو الذي وضع منهجه كقانون لصيانة صنعته، وهو قانون الموجز في "افعل ولا تفعل". ويقول الحق: {وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101] وكلمة الاعتصام أروع ما تكون عندما يكون الإنسان في الهواء معلقاً في الفراغ، وهو في أثناء وجوده في الفراغ فإن ثقله الذاتي هو الذي يوقعه ويسقطه، لكن عندما يتمسك الإنسان بمنهج الله فإنه ينقذ نفسه من السقوط والهوى (بضم الهاء وكسر الواو) ومهمة الشيطان أن يزيّن المعصية بالبريق، فتندفع شهوات النفس هائجة إلى المعصية, ولذلك يأتي الشيطان يوم القيامة ويأخذ الحجة علينا. يقول الحق: {أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}تفسير : [إبراهيم: 22]. والسلطان كما نعرف نوعان: النوع الأول هو أن يقهر الشيطانُ الإنسانَ، والشيطان لا قدرة له على ذلك. والنوع الثاني هو أن يقنع الشيطان الإنسان بأن يفعل ذلك الخطأ. ما الفرق بين الإقناع والقهر في هذا المجال؟ إن القهر هو أن يجبر الشيطان الإنسان على أن يفعل شيئاً لا يريده الإنسان. أما الإقناع فهو أن يزين الشيطان الأمر للإنسان فيفعله الإنسان بالاختيار ويعلن الشيطان يوم القيامة: لم يكن لي سلطان أقهرك به أيها الإنسان حتى تعصي الله، لقد زينت لك المعصية أيها الإنسان فاستجبت لي. إن الشيطان يوم القيامة يقول: "ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي" ما معنى "مصرخكم"؟ إنها مشتقة من "أصرخ"، أي سمع صراخك فأغاثك وأنجدك، فمصرخ: مغيث ومنجد، والشيطان يعلن أنه لن يستطيع نجدة الإنسان، ولا الإنسان بمستطيع أن ينجد الشيطان. إذن، فثقل النفس البشرية هو ما يوقع الإنسان في الهاوية دون أن يلقيه أحد فيها، ولا إنقاذ للإنسان من الهاوية إلا بالاعتصام بحبل الله. كأن منهج الله هو الحبل الممدود إلينا، فمن يعتصم به ينجو من الهاوية. وما دمنا نعتصم بحبل الله وهو القرآن المنزل من خالقنا والسنة النبوية المطهرة، وسبحانه يعلم كيد النفس لصاحبها - فلا بد أن يهدينا الله إلى الصراط المستقيم. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ...}.