Verse. 395 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

يٰۗاَيُّھَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوا اتَّقُوا اللہَ حَقَّ تُقٰتِہٖ وَلَا تَمُوْتُنَّ اِلَّا وَاَنْتُمْ مُّسْلِمُوْنَ۝۱۰۲
Ya ayyuha allatheena amanoo ittaqoo Allaha haqqa tuqatihi wala tamootunna illa waantum muslimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته) بأن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى فقالوا يا رسول الله ومن يقوى على هذا فنسخ بقوله تعالى "" فاتقوا الله ما استطتعم "" (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) موحدون.

102

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما حذر المؤمنين من إضلال الكفار ومن تلبيساتهم في الآية الأولى أمر المؤمنين في هذه الآيات بمجامع الطاعات، ومعاقد الخيرات، فأمرهم أولاً: بتقوى الله وهو قوله {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } وثانياً: بالاعتصام بحبل الله، وهو قوله {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ } وثالثاً: بذكر نعم الله وهو قوله {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } والسبب في هذا الترتيب أن فعل الإنسان لا بد وأن يكون معللاً، إما بالرهبة وإما بالرغبة، والرهبة مقدمة على الرغبة، لأن دفع الضرر مقدم على جلب النفع، فقوله {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } إشارة إلى التخويف من عقاب الله تعالى، ثم جعله سبباً للأمر بالتمسك بدين الله والاعتصام بحبل الله، ثم أردفه بالرغبة، وهي قوله {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } فكأنه قال: خوف عقاب الله يوجب ذلك، وكثرة نعم الله توجب ذلك فلم تبق جهة من الجهات الموجبة للفعل إلا وهي حاصلة في وجوب انقيادكم لأمر الله ووجوب طاعتكم لحكم الله، فظهر بما ذكرناه أن الأمور الثلاثة المذكورة في هذه الآية مرتبة على أحسن الوجوه، ولنرجع إلى التفسير: أما قوله تعالى: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال بعضهم هذه الآية منسوخة وذلك لما يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين لأن حق تقاته: أن يطاع فلا يعصى طرفة عين، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى، والعباد لا طاقة لهم بذلك، فأنزل الله تعالى بعد هذه {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } ونسخت هذه الآية أولها ولم ينسخ آخرها وهو قوله {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } وزعم جمهور المحققين أن القول بهذا النسخ باطل واحتجوا عليه من وجوه الأول: ما روي عن معاذ أنه عليه السلام قال له: «حديث : هل تدري ما حق الله على العباد؟ قال الله ورسوله أعلم، قال: هو أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً» تفسير : وهذا لا يجوز أن ينسخ الثاني: أن معنى قوله {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } أي كما يحق أن يتقى، وذلك بأن يجتنب جميع معاصيه، ومثل هذا لا يجوز أن ينسخ لأنه إباحة لبعض المعاصي، وإذا كان كذلك صار معنى هذا ومعنى قوله تعالى: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } تفسير : [التغابن: 16] واحداً لأن من اتقى الله ما استطاع فقد اتقاه حق تقاته، ولا يجوز أن يكون المراد بقوله {حَقَّ تُقَاتِهِ } ما لا يستطاع من التقوى، لأن الله سبحانه أخبر أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها والوسع دون الطاقة ونظير هذه الآية قوله {أية : وَجَـٰهِدُوا فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَـٰدِهِ } تفسير : [الحج: 78]. فإن قيل: أليس أنه تعالى قال: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } تفسير : [الأنعام: 91]. قلنا: سنبين في تفسير هذه الآية أنها جاءت في القرآن في ثلاثة مواضع وكلها في صفة الكفار لا في صفة المسلمين؛ أما الذين قالوا: إن المراد هو أن يطاع فلا يعصى فهذا صحيح والذي يصدر عن الإنسان على سبيل السهو والنسيان فغير قادح فيه لأن التكليف مرفوع في هذه الأوقات، وكذلك قوله: أن يشكر فلا يكفر، لأن ذلك واجب عليه عند خطور نعم الله بالبال، فأما عند السهو فلا يجب، وكذلك قوله: أن يذكر فلا ينسى، فإن هذا إنما يجب عند الدعاء والعبادة وكل ذلك مما لا يطاق، فلا وجه لما ظنوه أنه منسوخ. قال المصنف رضي الله تعالى عنه، أقول: للأولين أن يقرروا قولهم من وجهين الأول: أن كنه الإلٰهية غير معلوم للخلق، فلا يكون كمال قهره وقدرته وعزته معلوماً للخلق، وإذا لم يحصل العلم بذلك لم يحصل الخوف اللائق بذلك فلم يحصل الاتقاء اللائق به الثاني: أنهم أمروا بالاتقاء المغلظ والمخفف معاً فنسخ المغلظ وبقي المخفف، وقيل: إن هذا باطل، لأن الواجب عليه أن يتقي ما أمكن والنسخ إنما يدخل في الواجبات لا في النفي، لأنه يوجب رفع الحجر عما يقتضي أن يكون الإنسان محجوراً عنه وإنه غير جائز. المسألة الثانية: قوله تعالى: {حَقَّ تُقَاتِهِ } أي كما يجب أن يتقى يدل عليه قوله تعالى: {أية : حَقُّ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [الواقعة: 95] ويقال: هو الرجل حقاً، ومنه قوله عليه السلام: «حديث : أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» تفسير : وعن علي رضي الله عنه أنه قال: أنا علي لا كذب أنا ابن عبد المطلب، والتقى اسم الفعل من قولك اتقيت، كما أن الهدى اسم الفعل من قولك اهتديت. أما قوله تعالى: {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } فلفظ النهي واقع على الموت، لكن المقصود الأمر بالإقامة على الإسلام، وذلك لأنه لما كان يمكنهم الثبات على الإسلام حتى إذا أتاهم الموت أتاهم وهم على الإسلام، صار الموت على الإسلام بمنزلة ما قد دخل في إمكانهم، ومضى الكلام في هذا عند قوله {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }تفسير : [البقرة: 132]. ثم قال تعالى: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً }. واعلم أنه تعالى لما أمرهم بالاتقاء عن المحظورات أمرهم بالتمسك بالاعتصام بما هو كالأصل لجميع الخيرات والطاعات، وهو الاعتصام بحبل الله. واعلم أن كل من يمشي على طريق دقيق يخاف أن تزلق رجله، فإذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن من الخوف، ولا شك أن طريق الحق طريق دقيق، وقد انزلق رجل الكثير من الخَلْق عنه، فمن اعتصم بدليل الله وبيناته فإنه يأمن من ذلك الخوف، فكان المراد من الحبل ههنا كل شيء يمكن التوصل به إلى الحق في طريق الدين، وهو أنواع كثيرة، فذكر كل واحد من المفسرين واحداً من تلك الأشياء، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بالحبل ههنا العهد المذكور في قوله {أية : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ }تفسير : [البقرة: 40] وقال: {أية : إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مّنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [آل عمران: 112] أي بعهد، وإنما سمي العهد حبلاً لأنه يزيل عنه الخوف من الذهاب إلى أي موضع شاء، وكان كالحبل الذي من تمسك به زال عنه الخوف، وقيل: إنه القرآن، روي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أما إنها ستكون فتنة» تفسير : قيل: فما المخرج منها؟ قال: «حديث : كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم وحكم ما بينكم وهو حبل الله المتين» تفسير : وروي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : هذا القرآن حبل الله» تفسير : وروي عن أبي سعيد الخُدْريّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله تعالى حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي» تفسير : وقيل: إنه دين الله، وقيل: هو طاعة الله، وقيل: هو إخلاص التوبة، وقيل: الجماعة، لأنه تعالى ذكر عقيب ذلك قوله {وَلاَ تَفَرَّقُواْ } وهذه الأقوال كلها متقاربة، والتحقيق ما ذكرنا أنه لما كان النازل في البئر يعتصم بحبل تحرزاً من السقوط فيها، وكان كتاب الله وعهده ودينه وطاعته وموافقته لجماعة المؤمنين حرزاً لصاحبه من السقوط في قعر جهنم جعل ذلك حبلاً لله، وأمروا بالاعتصام به. ثم قال تعالى: {وَلاَ تَفَرَّقُواْ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في التأويل وجوه الأول: أنه نهى عن الاختلاف في الدين وذلك لأن الحق لا يكون إلا واحداً، وما عداه يكون جهلاً وضلالاً، فلما كان كذلك وجب أن يكون النهي عن الاختلاف في الدين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ } تفسير : [يونس: 32] والثاني: أنه نهى عن المعاداة والمخاصمة، فإنهم كانوا في الجاهلية مواظبين على المحاربة والمنازعة فنهاهم الله عنها الثالث: أنه نهى عما يوجب الفرقة ويزيل الألفة والمحبة. واعلم أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة الناجي منهم واحد والباقي في النار فقيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال الجماعة» تفسير : وروي «حديث : السواد الأعظم» تفسير : وروي «حديث : ما أنا عليه وأصحابي» تفسير : والوجه المعقول فيه: أن النهي عن الاختلاف والأمر بالاتفاق يدل على أن الحق لا يكون إلا واحداً، وإذا كان كذلك كان الناجي واحداً. المسألة الثانية: استدلت نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا: الأحكام الشرعية إما أن يقال: إنه سبحانه نصب عليها دلائل يقينية أو نصب عليها دلائل ظنية، فإن كان الأول امتنع الاكتفاء فيها بالقياس الذي يفيد الظن، لأن الدليل الظني لا يكتفى به في الموضع اليقيني، وإن كان الثاني كان الأمر بالرجوع إلى تلك الدلائل الظنية يتضمن وقوع الاختلاف ووقوع النزاع، فكان ينبغي أن لا يكون التفرق والتنازع منهياً عنه، لكنه منهي عنه لقوله تعالى: {وَلاَ تَفَرَّقُواْ } وقوله {وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ } ولقائل أن يقول: الدلائل الدالة على العمل بالقياس تكون مخصصة لعموم قوله {وَلاَ تَفَرَّقُواْ } ولعموم قوله {وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ } والله أعلم. ثم قال تعالى: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } واعلم أن نعم الله على الخلق إما دنيوية وإما أُخروية وإنه تعالى ذكرهما في هذه الآية، أما النعمة الدنيوية فهي قوله تعالى: {إِذْ كُنتُم أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قيل إن ذلك اليهودي لما ألقى الفتنة بين الأوس والخَزْرَج وهَمَّ كلُّ واحد منهما بمحاربة صاحبه، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يزل يرفق بهم حتى سكنت الفتنة وكان الأوس والخزرج أخوين لأب وأم، فوقعت بينهما العداوة، وتطاولت الحروب مئة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام، فالآية إشارة إليهم وإلى أحوالهم، فإنهم قبل الإسلام كان يحارب بعضهم بعضاً ويبغض بعضهم بعضاً، فلما أكرمهم الله تعالى بالإسلام صاروا إخواناً متراحمين متناصحين وصاروا إخوة في الله: ونظير هذه الآية قوله {أية : لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ }تفسير : [الأنفال: 63]. واعلم أن كل من كان وجهه إلى الدنيا كان معادياً لأكثر الخلق، ومن كان وجهه إلى خدمة الله تعالى لم يكن معادياً لأحد، والسبب فيه أنه ينظر من الحق إلى الخلق فيرى الكل أسيراً في قبضة القضاء والقدر فلا يعادي أحداً، ولهذا قيل: إن العارف إذا أمر أمر برفق ويكون ناصحاً لا يعنف ويعير فهو مستبصر بسر الله في القدر. المسألة الثانية: قال الزَّجّاج: أصل الأخ في اللُّغة من التوخي وهو الطلب، فالأخ مقصده مقصد أخيه، والصديق مأخوذ من أن يصدق كل واحد من الصديقين صاحبه ما في قلبه، ولا يخفي عنه شيئاً وقال أبو حاتم قال أهل البصرة: الاخوة في النسب والإخوان في الصداقة، قال وهذا غلط، قال الله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } تفسير : [الحجرات: 10] ولم يعن النسب، وقال: {أية : أَوْ بُيُوتِ إِخْوٰنِكُمْ } تفسير : [النور: 61] وهذا في النسب. المسألة الثالثة: قوله {فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً } يدل على أن المعاملات الحسنة الجارية بينهم بعد الإسلام إنما حصلت من الله، لأنه تعالى خلق تلك الداعية في قلوبهم وكانت تلك الداعية نعمة من الله مستلزمة لحصول الفعل، وذلك يبطل قول المعتزلة في خلق الأفعال، قال الكعبي: إن ذلك بالهداية والبيان والتحذير والمعرفة والألطاف. قلنا: كل هذا كان حاصلاً في زمان حصول المحاربات والمقاتلات، فاختصاص أحد الزمانين بحصول الألفة والمحبة لا بد أن يكون لأمر زائد على ما ذكرتم. ثم قال تعالى: {وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا }. واعلم أنه تعالى لما شرح النعمة الدنيوية ذكر بعدها النعمة الأخروية، وهي ما ذكره في آخر هذه الآية، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: المعنى أنكم كنتم مشرفين بكفركم على جهنم، لأن جهنم مشبهة بالحفرة التي فيها النار فجعل استحقاقهم للنار بكفرهم كالإشراف منهم على النار، والمصير منهم إلى حفرتها، فبيّن تعالى أنه أنقذهم من هذه الحفرة، وقد قربوا من الوقوع فيها. قالت المعتزلة: ومعنى ذلك أنه تعالى لطف بهم بالرسول عليه السلام وسائر ألطافه حتى آمنوا قال أصحابنا: جميع الألطاف مشترك فيه بين المؤمن والكافر، فلو كان فاعل الإيمان وموجده هو العبد لكان العبد هو الذي أنقذ نفسه من النار، والله تعالى حكم بأنه هو الذي أنقذهم من النار، فدل هذا على أن خالق أفعال العباد هو الله سبحانه وتعالى. المسألة الثانية: شفا الشيء حرفه مقصور، مثل شفا البئر والجمع الإشفاء، ومنه يقال: أشفى على الشيء إذا أشرف عليه كأنه بلغ شفاه، أي حده وحرفه وقوله {فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا } قال الأزهري: يقال نقذته وأنقذته واستنقذته، أي خلصته ونجيته. وفي قوله {فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا } سؤال وهو: أنه تعالى إنما ينقذهم من الموضع الذي كانوا فيه وهم كانوا على شفا حفرة، وشفا الحفرة مذكر فكيف قال منها؟. وأجابوا عنه من وجوه الأول: الضمير عائد إلى الحفرة ولما أنقذهم من الحفرة فقد أنقذهم من شفا الحفرة لأن شفاها منها والثاني: أنها راجعة إلى النار، لأن القصد الإنجاء من النار لا من شفا الحفرة، وهذا قول الزجاج الثالث: أن شفا الحفرة، وشفتها طرفها، فجاز أن يخبر عنه بالتذكير والتأنيث. المسألة الثالثة: أنهم لو ماتوا على الكفر لوقعوا في النار، فمثلت حياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار بالقعود على حرفها، وهذا فيه تنبيه على تحقير مدة الحياة، فإنه ليس بين الحياة وبين الموت المستلزم للوقوع في الحفرة إلا ما بين طرف الشيء، وبين ذلك الشيء، ثم قال: {كَذٰلِكَ يُبَيّنُ ٱللَّهُ } الكاف في موضع نصب، أي مثل البيان المذكور يبين الله لكم سائر الآيات لكي تهتدوا بها، قال الجبائي: الآية تدل على أنه تعالى يريد منهم الاهتداء، أجاب الواحدي عنه في «البسيط» فقال: بل المعنى لتكونوا على رجاء هداية. وأقول: وهذا الجواب ضعيف لأن على هذا التقدير يلزم أن يريد الله منهم ذلك الرجاء ومن المعلوم أن على مذهبنا قد لا يريد ذلك الرجاء، فالجواب الصحيح أن يقال كلمة (لعلّ) للترجي، والمعنى أنا فعلنا فعلاً يشبه فعل من يترجى ذلك، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه مسألة واحدة: روى البخاري عن مُرة عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : حقّ تقاته أن يطاع فلا يُعصَى وأن يُذكَر فلا يُنْسى وأن يُشكر فلا يُكفر»تفسير : . وقال ٱبن عباس: هو ألاّ يُعصَى طَرْفة عَيْن. وذكر المفسرون أنه لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله، من يَقْوى على هذا؟ وشق عليهم فأنزل الله عز وجل {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ}تفسير : [التغابن: 16] فنسخت هذه الآيةَ؛ عن قَتادة والرّبيع وٱبن زيد. قال مقاتل: وليس في آل عمران من المنسوخ شيء إلا هذه الآية. وقيل: إن قوله {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} بيانٌ لهذه الآية. والمعنى: فاتّقوا الله حق تُقاته ما ٱستطعتم، وهذا أصوب؛ لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع والجمع ممكن فهو أوْلىَ. وقد روى علي بن أبي طلحة عن ٱبن عباس قال: قول الله عز وجل {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} تفسير : [آل عمران: 102] لم تُنسخ، ولكن «حقّ تُقاته» أن يُجاهد في سبيل الله حق جهاده، ولا تأخذكم في الله لَوْمةُ لائم، وتقوموا بالقسط ولو على أنفسكم وأبنائكم. قال النحاس: وكلما ذكر في الآية واجبٌ على المسلمين أن يستعملوه ولا يقع فيه نسخ. وقد مضى في البقرة معنى قوله تعالى: {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ}.

ابن كثير

تفسير : قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن عن سفيان وشعبة عن زبيد اليامي، عن مرة، عن عبد الله، هو ابن مسعود: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} قال: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، وهذا إسناد صحيح موقوف، وقد تابع مرة عليه عمرو بن ميمون عن ابن مسعود، وقد رواه ابن مردويه من حديث يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب، عن سفيان الثوري، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}: أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى»تفسير : ، وكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث مسعر عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود مرفوعاً، فذكره، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، كذا قال، والأظهر أنه موقوف، والله أعلم. ثم قال ابن أبي حاتم: وروي نحوه عن مرة الهمداني والربيع بن خُثيم وعمرو بن ميمون وإبراهيم النخعي وطاوس والحسن وقتادة وأبي سنان والسدي، نحو ذلك. وروي عن أنس أنه قال: لا يتقي العبدُ اللّهَ حق تقاته حتى يخزن لسانه. وقد ذهب سعيد بن جبير وأبو العالية، والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم والسدي وغيرهم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} قال: لم تنسخ، ولكن {حَقَّ تُقَاتِهِ} أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. وقوله تعالى: {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} أي: حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، فعياذاً بالله من خلاف ذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا شعبة، قال: سمعت سليمان عن مجاهد: أن الناس كانوا يطوفون بالبيت، وابن عباس جالس معه محجن، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}، ولو أن قطرة من الزقوم قُطِرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن ليس له طعام إلا الزقوم؟»تفسير : وهكذا رواه الترمذي والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، من طرق عن شعبة، به، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن با لله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه».تفسير : وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن أبي سفيان، عن جابر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث: «حديث : لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل»تفسير : ورواه مسلم من طريق الأعمش به. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الله قال: أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظن بي خيراً فله، وإن ظن شراً فله»تفسير : ، وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من وجه آخر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي».تفسير : وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت، وأحسبه عن أنس، قال: كان رجل من الأنصار مريضاً، فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فوافقه في السوق، فسلم عليه، فقال له: «حديث : كيف أنت يا فلان» تفسير : ؟ قال: بخير يا رسول الله، أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف»تفسير : ، ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت غير جعفر بن سليمان، وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديثه، ثم قال الترمذي: غريب، وقد رواه بعضهم عن ثابت مرسلاً، فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا محمد ابن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام، قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا أخر إلا قائماً، ورواه النسائي في سننه عن إسماعيل بن مسعود عن خالد بن الحارث عن شعبة به، وترجم عليه فقال: (باب كيف يخر للسجود)، ثم ساقه مثله، فقيل: معناه: على أن لا أموت إلا مسلماً، وقيل: معناه: أن لا أقتل إلا مقبلاً غير مدبر، وهو يرجع إلى الأول. وقوله تعالى: وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} قيل: {بِحَبْلِ ٱللَّهِ} أي: بعهد الله، كما قال في الآية بعدها: {أية : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران: 112] أي: بعهد وذمة، وقيل: {بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ} يعني: القرآن؛ كما في حديث الحارث الأعور عن علي مرفوعاً في صفة القرآن: "هو حبل الله المتين، وصراطه المستقيم". وقد ورد في ذلك حديث خاص بهذا المعنى، فقال الإمام الحافظ أبو جعفر الطبري: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أسباط بن محمد، عن عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزَمي، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض".تفسير : وروى ابن مردويه من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري عن أبي الأحوص، عن عبد الله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله: حديث : إن هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعهتفسير : ، وروى من حديث حذيفة وزيد بن أرقم نحو ذلك. وقال وكيع: حدثنا الأعمش عن أبي وائل قال: قال عبد الله: إن هذا الصراط محتضر يحضره الشياطين، يا عبد الله هذا الطريق، هلم إلى الطريق، فاعتصموا بحبل الله؛ فإن حبل الله القرآن. وقوله: {وَلاَ تَفَرَّقُواْ} أمرهم بالجماعة، ونهاهم عن التفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع والائتلاف، كما في صحيح مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويسخط لكم ثلاثاً، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال تفسير : وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ؛ كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضاً، وخيف عليهم الافتراق والاختلاف، وقد وقع ذلك في هذه الأمة، فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنة ومسلمة من عذاب النار، وهم الذين على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقوله تعالى: وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} إلى آخر الآية، وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج، فإنه قد كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، وعدواة شديدة، وضغائن وإحن وذحول، طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام، فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخواناً متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله، متعاونين على البر والتقوى، قال الله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِىۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الأنفال: 62 ـ63] إلى آخر الآية، وكانوا على شفا حفرة من النار بسبب كفرهم، فأنقذهم الله منها أن هداهم للإيمان، وقد امتن عليهم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قسم غنائم حنين، فعتب من عتب منهم؛ بما فضل عليهم في القسمة، بما أراه الله، فخطبهم فقال: حديث : يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي. وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بيتفسير : ؟ فكلما قال شيئاً قالوا: الله ورسوله أمنّ. وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره: أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلاً من اليهود مَرَّ بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة، فبعث رجلاً معه أمره أن يجلس بينهم، ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بعاث وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبه، حتى حميت نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا، ونادوا بشعارهم، وطلبوا أسلحتهم، وتوعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاهم، فجعل يسكنهم ويقول: حديث : أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم تفسير : ؟ وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا، وألقوا السلاح، رضي الله عنهم. وذكر عكرمة أن ذلك نزل فيهم حين تثاوروا في قضية الإفك، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } (بأن يُطاع فلا يُعصى ويُشكر فلا يُكفر ويُذكر فلا يُنسى) فقالوا يا رسول الله ومن يقوى على هذا؟ فنسخ بقوله تعالى { أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } تفسير : [16:64] {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } موحدون.

الماوردي

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} فيه أربع أقاويل: أحدها: هو أن يُطَاع فلا يُعْصى، ويُشْكَر فلا يكفر ويُذْكَر فلا يُنْسى، وهو قول ابن مسعود، والحسن، وقتادة. والثاني: هو اتقاء جميع المعاصي، وهو قول بعض المتصوفين. والثالث: هو أن يعترفواْ بالحق في الأمن والخوف. والرابع: هو أن يُطَاع، ولا يُتَّقى في ترك طاعته أحدٌ سواه. واختلفواْ في نسخها على قولين: أحدهما: هي محكمة، وهو قول ابن عباس، وطاووس. والثاني: هي منسوخة بقوله تعالى: {أية : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم} تفسير : [التغابن:16] وهو قول قتادة، والربيع، والسدي، وابن زيد. {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْل اللَّهِ جَمِيعاً} فيه خمسة تأويلات: أحدها: الحبل: كتاب الله تعالى، وهو قول ابن مسعود، وقتادة، والسدي، روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كِتَابُ اللهِ هُوَ حَبْلُ اللهِ المَمْدُودُ مِنَ السَّماءِ إَلى الأرْضِ ". تفسير : والثاني: أنه دين الله وهو الإسلام، وهذا قول ابن زيد. والثالث: أنه عهد الله، وهو قول عطاء. والرابع: هو الإخلاص لله والتوحيد، وهو قول أبي العالية. والخامس: هو الجماعة، وهو مروي عن ابن مسعود. وسُمَّي ذلك حبلاً لأن المُمْسِكَ به ينجو مثل المتمسك بالحبل ينجو من بئر أو غيرها. {وَلاَ تَفَرَّقُواْ} فيه قولان: أحدهما: عن دين الله الذي أمر فيه بلزوم الجماعة، وهذا قول ابن مسعود، وقتادة. والثاني: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُمْ} وفيمن أريد بهذه الآية قولان: أحدهما: أنهم مشركو العرب لِمَا كان بينهم من الصوائل، وهذا قول الحسن. والثاني: أنهم الأوس والخزرج لِمَا كان بينهم من الحروب في الجاهلية حتى تطاولت مائة وعشرين سنة إلى أن ألَّفَ الله بين قلوبهم بالإسلام فتركت تلك الأحقاد، وهذا قول ابن إسحاق.

ابن عطية

تفسير : {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ } الخطاب بهذه الآية يعم جميع المؤمنين، والمقصود به وقت نزولها الأوس والخزرج الذين شجر بينهم بسعاية شاس بن قيس ما شجر، و"تقاة" مصدر وزنة فعلة، أصله تقية، وقد تقدم قوله: إلا أن تتقوا منهم تقاة، ويصح أن تكون التقاة في هذه الآية جمع فاعل وإن كان لم يتصرف منه فيكون كرماة ورام، أو يكون جمع تقي إذ فعيل وفاعل بمنزلة، والمعنى على هذا: اتقوا الله كما يحق أن يكون متقوه المختصون به، ولذلك أضيفوا إلى ضمير الله تعالى، واختلف العلماء في قوله: {حق تقاته} فقالت فرقة: نزلت الآية على عموم لفظها، وألزمت الأمة أن تتقي الله غاية التقوى حتى لا يقع إخلال في شيء من الأشياء، ثم إن الله نسخ ذلك عن الأمة بقوله تعالى: {أية : فاتقوا الله ما استطعتم} تفسير : [التغابن: 16] وبقوله: {أية : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} تفسير : [البقرة: 286] قال ذلك قتادة والسدي والربيع بن أنس وابن زيد وغيرهم، وقالت جماعة من أهل العلم: لا نسخ في شيء من هذا، وهذه الآيات متفقات، فمعنى هذه: اتقوا الله حقَّ تقاته فيما استطعتم، وذلك أن {حق تقاته} هو بحسب أوامره ونواهيه، وقد جعل تعالى الدين يسراً، وهذا هو القول الصحيح، وألا يعصي ابن آدم جملة لا في صغيرة ولا في كبيرة، وألا يفتر في العبادة أمر متعذر في جبلة البشر، ولو كلف الله هذا لكان تكليف ما لا يطاق، ولم يلتزم ذلك أحد في تأويل هذه الآية، وإنما عبروا في تفسير هذه الآية بأن قال ابن مسعود رضي الله عنه: {حق تقاته}: هو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى، وكذلك عبر الربيع بن خيثم وقتادة والحسن، وقال ابن عباس رضي عنهما: معنى قوله، {واتقوا الله حق تقاته}: جاهدوا في الله حق جهاده ولا نسخ في الآية، وقال طاوس في معنى قوله تعالى: {اتقوا الله حق تقاته}: يقول تعالى، إن لم تتقوه ولم تستطيعوا ذلك فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، وقوله تعالى: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} معناه: دوموا على الإسلام حتى يوافيكم الموت وأنتم عليه. هكذا هو وجه الأمر في المعنى، وجاءت العبارة على هذا النظم الرائق الوجيز، ونظيره ما حكى سيبويه من قولهم: لا أرينك هاهنا، وإنما المراد: لا تكن هاهنا فتكون رؤيتي لك، و {مسلمون} في هذه الآية، هو المعنى الجامع التصديق والأعمال، وهو الدين عند الله وهو الذي بني على خمس. وقوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً} معناه تمنعوا وتحصنوا به، فقد يكون الاعتصام بالتمسك باليد، وبارتقاء القنن، وبغير ذلك ما هو منعة، ومنه الأعصم في الجبل، ومنه عصمة النكاح، و "الحبل" في هذه الآية مستعار لما كان السبب الذي يعصم به، وصلة ممتدة بين العاصم والمعصوم، ونسبة بينهما، شبه ذلك بالحبل الذي شأنه أن يصل شيئاً بشيء، وتسمى العهود والمواثيق حبالاً، ومنه قول الأعشى: شعر : وإذَا تَجَوَّزَها حِبالُ قَبِيلَةٍ أَخَذَتْ مِنَ الأَدْنَى إِلَيْكَ حِبَالهَا تفسير : ومنه قول الآخر: [الكامل] شعر : (إني بحبلِكِ واصلٌ حبلي) تفسير : ومنه قول الله تعالى: {أية : إلا بحبل من الله وحبل من الناس} تفسير : [آل عمران: 112] واختلفت عبارة المفسرين في المراد في هذه الآية {بحبل الله}، فقال ابن مسعود: "حبل الله" الجماعة، وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبيعن فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قال فقيل يا رسول الله: وما هذه الواحدة؟ قال فقبض يده وقال: الجماعة وقرأ، {واعتصموا بحبل الله جميعاً} تفسير : ، وقال ابن مسعود في خطبة: عليكم جميعاً بالطاعة والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به، وقال قتادة رحمه الله: "حبل الله" الذي أمر بالاعتصام به هوا لقرآن، وقال السدي: "حبل الله" كتاب الله، وقاله أيضاً ابن مسعود والضحاك، وروى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض تفسير : ، وقال أبو العالية: "حبل الله" في هذه الآية هو الإخلاص في التوحيد وقال ابن زيد: "حبل الله" هو الإسلام. قال القاضي أبو محمد: وقيل غير هذا مما هو كله قريب بعضه من بعض، وقوله تعالى: {جميعاً} حال من الضمير في قوله، {اعتصموا}، فالمعنى: كونوا في اعتصامكم مجتمعين: {ولا تفرقوا} يريد التفرق الذي لا يتأتى معه الائتلاف على الجهاد وحماية الدين وكلمة الله تعالى، وهذا هو الافتراق بالفتن والافتراق في العقائد، وأما الافتراق في مسائل الفروع والفقه فليس يدخل في هذه الآية، بل ذلك، هو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : خلاف أمتي رحمة تفسير : ، وقد اختلف الصحابة في الفروع أشد اختلاف، وهم يد واحدة على كل كافر، وأما الفتنة على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فمن التفرق المنهي عنه، أما أن التأويل هو الذي أدخل في ذلك أكثر من دخله من الصحابة رضي الله عن جميعهم. قوله تعالى: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءَ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} هذه الآية تدل على أن الخطاب بهذه الآية إنما هو للأوس والخزرج، وذلك أن العرب وإن كان هذا اللفظ يصلح في جميعها فإنها لم تكن في وقت نزول هذه الآية اجتمعت على الإسلام ولا تألفت قلوبها، وإنما كانت في قصة شاس بن قيس في صدر الهجرة، وحينئذ نزلت هذه الآية، فهي في الأوس والخزرج، كانت بينهم عداوة وحروب، منها يوم بعاث وغيره، وكانت تلك الحروب والعداوة قد دامت بين الحيين مائة وعشرين سنة، حتى رفعها الله بالإسلام، فجاء النفر الستة من الأنصار إلى مكة حجاجاً، فعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه عليهم، وتلا عليهم القرآن، كما كان يصنع مع قبائل العرب، فآمنوا به وأراد الخروج معهم، فقالوا يا رسول الله: إن قدمت بلادنا على ما بيننا من العداوة والحرب، خفنا أن لا يتم ما نريده منك، ولكن نمضي نحن ونشيع أمرك، ونداخل الناس، وموعدنا وإياك العام القابل، فمضوا وفعلوا، وجاءت الأنصار في العام القابل، فكانت العقبة الثانية وكانوا اثني عشر رجلاً، فيهم خسمة من الستة الأولين، ثم جاؤوا من العام الثالث، فكانت بيعة العقبة، الكبرى، حضرها سبعون وفيهم اثنا عشر نقيباً، ووصف هذه القصة مستوعب في سيرة ابن هشام، ويسر الله تعالى الأنصار للإسلام بوجهين، أحدهما أن بني إسرائيل كانوا مجاورين لهم وكانوا يقولون لمن يتوعدونه من العرب، يبعث لنا نبي الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما رأى النفر من الأنصار محمداً صلى الله عليه وسلم، قال بعضهم لبعض: هذا والله النبي الذي تذكره بنو إسرائيل فلا تسبقن إليه، والوجه الآخر، الحرب التي كانت ضربتهم وأفنت سراتهم، فرجوا أن يجمع الله به كلمتهم كالذي كان، فعدد الله تعالى عليهم نعمته في تأليفهم بعد العداوة، وذكرهم بها، وقوله تعالى: {فأصبحتم} عبارة عن الاستمرار وإن كانت اللفظة مخصوصة بوقت ما، وإنما خصت هذه اللفظة بهذا المعنى من حيث هي مبدأ النهار، وفيها مبدأ الأعمال، فالحال التي يحسها المرء من نفسه فيها هي حاله التي يستمر عليها يومه في الأغلب، ومنه قول الربيع بن ضبع: [المنسرح] شعر : أصبحت لا أحمل السلاح ولا أَمْلِكُ رَأْسَ البعيرِ إنْ نَفَرا تفسير : و "الإخوان" جمع أخ، ويجمع إخوة، وهذان أشهر الجمع فيه، على أن سيبويه رحمه الله يرى أن إخوة اسم جمع، وليس ببناء جمع لأن فعلاً لا يجمع على فعلة، قال بعض الناس: الأخ في الدين يجمع إخواناً، والأخ في النسب يجمع إخوة: هكذا كثر استعمالهم. قال القاضي أبو محمد: وفي كتاب الله تعالى: {أية : إنما المؤمنون إخوة} تفسير : [الحجرات: 10] وفيه، {أية : أو بني إخوانهن} تفسير : [النور: 31]، فالصحيح أنهما يقالان في النسب، ويقالان في الدين، و"الشفا" حرف كل جرم له مهوى، كالحفرة والبئر والجرف والسقف والجدار ونحوه، ويضاف في الاستعمال إلى الأعلى، كقوله {أية : شفا جرف} تفسير : [التوبة: 109] وإلى الأسفل كقوله {شفا حفرة}، ويثنى شفوان، فشبه تعالى كفرهم الذي كانوا عليه وحربهم المدنية من الموت بالشفا، لأنهم كانوا يسقطون في جهنم دأباً، فأنقذهم الله بالإسلام، والضمير في {منها} عائد على النار، أو على "الحفرة"، والعود على الأقرب أحسن، وقال بعض الناس حكاه الطبري: إن الضمير عائد على "الشفا"، وأنث الضمير من حيث كان الشفا مضافاً إلى مؤنث، فالآية كقول جرير: شعر : رَأَتْ مَرَّ السنينِ أَخَذْنَ مِنّي كَمَا أَخذَ السّرارُ مِنَ الهِلاَلِ تفسير : إلى غير ذلك من الأمثلة. قال القاضي: وليس الأمر كما ذكر، والآية لا يحتاج فيها إلى هذه الصناعة، إلا لو لم تجد معاداً للضمير إلا "الشفا"، وأما ومعنا لفظ مؤنث يعود الضمير عليه، ويعضده المعنى المتكلم فيه، فلا يحتاج إلى تلك الصناعة وقوله تعالى: {كذلك يبين لكم آياته} إشارة إلى ما بين في هذه الآيات، أي فكذلك يبين لكم غيرها، وقوله، {لعلكم} ترجٍّ في حق البشر، أي من تأمل منكم الحال رجا الاهتداء.

ابن عبد السلام

تفسير : {حَقَّ تُقَاتِهِ} أن يطاع فلا يُعصى، ويُذكر ولا يُنسى، ويشكر ولا يكفر، أو اتقاء جميع المعاصي، أو الاعتراف بالحق في الأمن والخوف، أو طاعته فلا يُتَّقَى في تركها أحد سواه، وهي محكمة، أو منسوخة بقوله تعالى {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} تفسير : [التغابن: 16].

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {حق تقاته} بالإمالة: علي {ولا تفرقوا} بتشديد الراء: البزي وابن / فليح. الوقوف: {مسلمون} ه {ولا تفرقوا} ص لعطف المتفقتين {إخواناً} ج لاحتمال الواو وللحال والاستئناف {منها} ط {يهتدون} ه {المنكر} ط للعدول {المفلحون} ه {البينات} ط {عظيم} ه (لا) لتعلق الظرف بلهم على الأصح. وقيل: مصنوب بإضمار "اذكر". {وتسود وجوه} ج {اسودت وجوههم} (لا) لأن التقدير: فيقال لهم: أكفرتم؟ {تكفرون} 5 {ففي رحمة الله} ط {خالدون} 5 {بالحق} ط {للعالمين} 5 {ما في الأرض} ط {الأمور} ه {وتؤمنون بالله} ط {خيراً لهم} ط {الفاسقون} ه قيل: لا وقف عليه وعليه وقف لأن المعرف لا يتصف بالجملة {إلا أذى} ط و {الأدبار} وقفة لأن "ثم" لترتيب الإخبار أي ثم هم لا ينصرون، ولو كان عطفاً لكان ثم لا ينصروا. {لا ينصرون} ه. التفسير: إنه سبحانه لما حذر المؤمنين إضلال الكفار أمرهم في هذه الآيات بمجامع الطاعات ومعاقد الخيرات، فأولها لزوم سيرة التقوى. عن ابن عباس: لما نزلت {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} وهو أن يطاع فلا يعصى طرفة عين، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى. أو هو القيام بالمواجب كلها والاجتناب عن المحارم بأسرها، وأن لا يأخذه في الله لومة لائم، ويقول بالقسط ولو على نفسه أو الوالدين والأقربين، شق ذلك على المسلمين فنزلت {أية : فاتقوا الله ما استطعتم} تفسير : [التغابن:16] والجمهور على أنها منسوخة لأن معنى {حق تقاته} واجب تقواه وكما يحق أن يتقى وهو أن يجتنب جميع معاصيه، ومثل هذا لا يجوز أن ينسخ وإلا كان إباحة لبعض المعاصي. ولا يجوز أن يراد بقوله: {حق تقاته} ما لا يستطاع من التكاليف كالصادر على سبيل الخطأ والسهو والنسيان لقوله: {أية : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} تفسير : [البقرة:286] فعلى هذا لم يبق فرق بين الآيتين. ولناصر القول الأول أن يقول: إن كنه الإلهية غير معلوم للخلق، فلا يكون كمال قهره وقدرته وعزته معلوماً فلا يحصل الخوف اللائق بذلك فلا يحصل حق الاتقاء، وإذا كان كذلك فيجوز أن يؤمر بالاتقاء الأغلظ والأخف، ثم ينسخ الأغلظ ويبقى الأخف، ونزول هذه الآية بعد قوله: {أية : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} تفسير : [البقرة:286] ممنوع {ولا تموتن إلا وانتم مسلمون} ليس نهياً عن الموت وإنما هو نهي عن أن يدركهم الموت على خلاف حال الإسلام وقد مر في البقرة مثله. ثم إنه تعالى أمرهم بما هو كالأصل لجميع الخيرات وإصلاح المعاش والمعاد وهو الاجتماع على التمسك بدين الله واتفاق الآراء على إعلاء كلمته فقال: {واعتصموا بحبل الله جميعاً} حال كونهم مجموعين. وقولهم: اعتصمت بحبله يجوز أن يكون تمثيلاً لاستظهاره به ووثوقه بعنايته باستمساك المتدلي من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه، / لأن وجه الشبه وصف غير حقيقي ومنتزع من عدة أمور. ويجوز أن يكون الحبل استعارة للعهد والاعتصام لوثوقه بالعهد بناء على أن في الكلام تشبيهين، ويجوز أن تفرض الاستعارة في الحبل فقط ويكون الاعتصام ترشيحاً لها. والحاصل أن طريق الحق دقيق والسائر عليه غير مأمون أن تزل قدمه عن الجادة، فيراد بالحبل ههنا ما يتوصل به إلى الثبات على الحق وإن كانت عبارات المفسرين متخالفة. فعن ابن عباس: هو العهد كما يجيء {أية : إلا بحبل من الله وحبل من الناس} تفسير : [آل عمران:112] وقيل: إنه القرآن كما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: " حديث : أما إنها ستكون فتنة. قيل: فما المخرج منها؟ قال صلى الله عليه وسلم: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو حبل الله المتين" تفسير : وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : هذا القرآن حبل الله " تفسير : وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله حبل متين ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي "تفسير : وقيل: إنه دين الله. وقيل: إنه طاعة الله. وقيل: إخلاص التوبة. وقيل: الجماعة لقوله تعالى عقيب ذلك:{ولا تفرقوا} لأن الحق لا يكون إلا واحداً، وما بعد الحق إلا الضلال. ويد الله مع الجماعة. قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة الناجي منهم واحد فقيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: الجماعة " تفسير : وروي "السواد الأعظم" وروي "حديث : ما أنا عليه وأصحابي "تفسير : قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تجتمع أمتي على الضلالة "تفسير : وقد يتمسك بالآية نفاة القياس قالوا: الأحكام الشرعية إن احتيج فيها إلى الدلائل اليقينية امتنع الاكتفاء فيها بالقياس، وإن اقتصر فيها على الدلائل الظنية فالقول بجواز القياس لكل أحد يوجب التفرق والاختلاف وهو منهي عنه. وأجيب بأن الدلائل الدالة على وجوب العمل بالقياس مخصصه لعموم قوله: {ولا تفرقوا}. ثم إنه تعالى ذكرهم نعمته عليهم وذلك أنهم كانوا في الجاهلية بينهم إلا حن والبغضاء والحروب المتطاولة، فألف الله بين قلوبهم ببركة الإسلام فصاروا إخواناً في الله متراحمين متناصحين، وذلك أن من كان وجهه إلى الدنيا فقلما يخلو من معاداة ومناقشة بسبب الأغراض الدنيوية، أما العارف الناظر من الحق إلى الخلق فإنه يرى الكل اسيراً في قبضة القضاء فلا يعادي أحداً ألبتة لأنه مستبصر بسر الله في القدر. فإذا أمر أمر برفق ناصح لا بعنف معير وكان حبه لحزب الله ونظرائه في الدين ورفقائه في طلب / اليقين أشد من حب الوالد لولده، فكانوا كالأقربين والإخوان بل كجسد واحد وكنفس واحدة, وقيل: يريد الإخوان في النسب. وذلك أن الأوس والخزرج كانا أخوين لأب وأم، وكان بينهما العداوة والحروب، وبقيا على ذلك مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام، وألف بينهم برسول الله، فذكر الله تعالى تلك النعمة. وفيه دليل على أن المعاملات الحسنة الجارية فيما بينهم بعد الإسلام إنما حصلت من الله تعالى حيث خلق فيهم تلك الداعية المستلزمة لحصول الفعل. قال الكعبي: إن ذلك بالهداية والبيان والتحذير والمعونة والألطاف لا بخلق الفعل. وأجيب بأن كل هذا كان حاصلاً قبل ذلك. فاختصاص أحد الزمانين بحصول الألفة والمحبة لا بد أن يكون لأمر زائد على ما ذكرتم. هذا شرح النعم الدنيوية عليهم، ثم ذكرهم النعم الأخروية بقوله: {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} وشفا الحفرة وشفتها حرفها بالتذكير والتأنيث، ومنه يقال: أشفى على الشيء إذا أشرف عليه كأنه بلغ شفاه أي حده وطرفه. وأنقذه واستنقذه خلصه ونجاه. والضمير في {منها} للحفرة أو النار أو للشفاء إما لأنه في معنى الشفة وإما لإضافته إلى الحفرة وهو بعضها وهو كقوله: شعر : كما شرقت صدر القناة من الدم تفسير : قال بعضهم: الشفة أصغر من الشفا وكذلك الضلالة والضلال لذلك قال نوح عليه السلام: {أية : ليس بي ضلالة} تفسير : [الأعراف:61] حين قال له قومه {أية : إنا لنراك في ضلال مبين} تفسير : [الأعراف:60] أي ليس بي صغير من الضلال فكيف الكبير منه؟ ومعنى الآية إنكم كنتم مشرفين بكفركم على جهنم تشبيهاً لها بالحفر التي فيها النار وتمثيلاً بحياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار بالقعود على حرفها. وفيه تنبيه على تحقير مدة الحياة وإن طالت كأنه ليس بين الحياة وبين الموت المستلزم للوقوع في الحفرة إلا ما بين طرف الشيء وبين ذلك الشيء. قالت المعتزلة: معنى الإنقاذ أنه تعالى لطف بهم بالرسول صلى الله عليه وسلم وبسائر ألطفاه حتى آمنوا. وقال أهل السنة: جميع الألطاف مشتركة بين المؤمن والكافر، فلو كان فاعل الإيمان هو العبد لكان العبد هو الذي أنقذ نفسه من النار، لكن الآية دلت على أن الله تعالى هو المنقذ فعلم أن خالق أفعال العباد هو الله تعالى. {كذلك} مثل ذلك البيان البليغ {يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} إرادة أن تزدادوا هدى أو لتكونوا على رجاء هداية. فالأول قول المعتزلة والثاني لأهل السنة، وقد مر في أوائل سورة البقرة. ثم رغب المؤمنين الكاملين في تكميل غيرهم فقال: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} وهو جنس تحته نوعان: الترغيب في فعل ما / ينبغي من واجبات الشرع ومندوباته والكف عما لا ينبغي من محرماته ومكروهاته، فلا جرم أتبعه النوعين زيادة في البيان فقال: {ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} واختلفوا في أن كلمة "من" في قوله: {منكم} للتبيين أو للتبيعض. فذهب طائفة إلى أنها للتبيين لأنه ما من مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إما بيده أو بلسانه أو بقلبه، وكيف لا وقد وصفهم الله تعالى بذك في قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} فهذا كقولك: لفلان من أولاده جند وللأمير من غلمانه عسكر. وتريد جميع الأولاد والغلمان لا بعضهم. ثم قالوا: إن ذلك وإن كان واجباً على الكل إلا أنه متى قام به بعض سقط عن الباقين كسائر فروض الكفايات. وقال آخرون: إنها للتبعيض إما لأن في القوم من لا يقدر على الدعوة وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنساء والمرضى والعاجزين، وإما لأن هذا التكليف مختص بالعماء الذين يعرفون الخير ما هو والمعروف والمنكر ما هما، ويعلمون كيف يرتب الأمر في إقامتهما، وكيف يباشر فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تمادياً. وأيضاً قد أجمعنا على أن ذلك واجب على الكفاية، فكان هذا بالحقيقة إيجاباً على البعض الذي يقوم به. ثم إن نصب لذلك رجل تعين عليه بحكم الولاية وهو المحتسب. واعلم أن الأمر بالمعروف على ثلاثة أضرب: أحدها ما يتعلق بحقوق الله تعالى وهو نوعان: أحدهما ما يؤمر به الجمع دون الأفراد كإقامة الجمعة حيث تجتمع شرائطها، فإن كانوا عدداً يرون انعقاد الجمعة بهم والمحتسب لا يراه فلا يأمرهم بما لا يجوّزه ولا ينهاهم عما يرونه فرضاً عليهم ويأمرهم بصلاة العيد. والثاني ما يؤمر به الأفراد كما إذا أخر بعض الناس الصلاة عن الوقت. فإن قال: نسيتها. حثه على المراقبة. ولا يعترض على من أخرها والوقت باق. وثانيها ما يتعلق بحقوق الآدميين وينقسم إلى عام كالبلد إذا تعطل شربه أو انهدم سوره أو طرقه أبناء السبيل المحتاجون وتركوا معونتهم. فإن كان في بيت المال مال لم يؤمر الناس بذلك، وإن لم يكن أمر ذوو المكنة برعايتها والي خاص كمطل المديون الموسر بالدين. فالمحتسب يأمره بالخروج عنه إذا استعداه رب الدين وليس له الحبس. وثالثها الحقوق المشتركة كأمر الأولياء بإنكاح الأكفاء، وإلزام النساء أحكام العدد، وأخذ السادة بحقوق الأرقاء، وأرباب البهائم بتعهدها وأن لا يستعملون فيما لا تطيق، ومن يغير هيئات العبادات كالجهر في الصلاة السرية وبالعكس، أو يزيد في الأذان يمنعه وينكر عليه، / من تصدى للتدريس والوعظ وهو ليس من أهله ولم يؤمن اغترار الناس به في تأويل أو تحريف، فينكر المحتسب عليه ويظهر أمره لئلا يغتر به. وإذا رأى رجلاً واقفاً مع امرأة في شارع يطرقه الناس لم ينكر عليه، وإن كان في طريق خال فهو موضع ريبة فينكر ويقول: إن كانت ذات محرم فصنها عن مواضيع الريب، وإن كانت أجنبية فخف الله معها في الخلوة. ولا ينكر في حقوق الآدميين كتعدي الجار في جدار الجار إلا باستعداء صاحب الحق، وينكر على من يطيل الصلاة من أئمة المساجد المطروقة، وعلى القضاة إذا حجبوا الخصوم وقصروا في النظر في الخصومات. والسوقي المختص بمعاملة النساء يختبر أمانته فإن ظهرت منه خيانة منع من معاملتهن. وبالجملة: "حديث : الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" تفسير : فلينظر الداعي إلى الخير في حال كل مكلف وغير مكلف حتى الصبيان، ليتمرنوا والمجانين كيلا يضروا ويدعوه إلى ما يليق به متدرجاً من الأسهل إلى الأصعب في الأمر والإنكار كل ذلك إيماناً واحتساباً لا سمعة ورياء، ولا لغرض من الأغراض النفسانية والجسمانية، وذلك أنّ هذه الدعوة منصب النبي وخلفائه الراشدين بعده، ومن ههنا ذهب الضحاك إلى أن المراد من المذكورين في هذه الآية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يتعلمون من الرسول ويعلمون الناس. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسول الله وخليفة كتابه" تفسير : وعن علي: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن شنأ الفاسقين وغضب لله غضب الله له وكفى بقوله تعالى: {وأولئك هم المفلحون} أي الأخصاء بالفالح مدحاً لهم. وقد يتمسك بهذا في أن الفاسق ليس له أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لأنه ليس من أهل الفلاح. وأجيب بأن هذا ورد على سبيل الغالب، فإن الظاهر أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا يشرع فيه إلا بعد إصلاح أحوال نفسه، لأن العاقل يقدم مهم نفسه على مهم الغير وقلما يتفق ممن يزني بامرأة أن يأمرها بالمعروف في أنها لم كشفت عن وجهها. قال بعض العلماء: إن ترك ارتكاب المنهي عنه والنهي عن ارتكاب المنهي واجبان على الفاسق، فبتركه أحد الواجبين لا يسقط عنه الواجب الآخر, وعن بعض السلف: مروا بالخير وإن لم تفعلوا. وعن الحسن أنه سمع مطرف بن عبد الله يقول: لا أقول ما لا أفعل فقال: وأينا يفعل ما يقول؟ ود الشيطان لو ظفر بهذه منكم فلا يأمر أحد بمعروف ولا ينهي عن منكر. والحق في هذه القضية ما قيل:/ شعر : وغير تقيّ يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو مريض تفسير : والقرآن ينعي عليه بقوله: {أية : لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} تفسير : [الصف:2ـ3] {أية : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} تفسير : [البقرة: 44] وقد سلف تقريره في البقرة. وعن داود الطائي أنه سمع صوتاً من قبر: ألم أزكِ ألم أصلِ ألم أصم ألم أفعل كذا وكذا؟ أجيب بلى يا عدو الله ولكن إنك إذا خلوت بارزته بالمعاصي ولم تراقبه. قوله سبحانه: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا} في النظم وجهان: أحدهما أنه تعالى ذكر في الآيات المتقدمة أنه بين في التوراة والإنجيل ما يدل على صحة دين الإسلام، ثم إن أهل الكتاب حسدوا محمداً فاحتالوا لإلقاء الشكوك في تلك النصوص، ثم انجز الكلام إلى أنه أمر المؤمنين بالدعاء إلى الخير، فختم الكلام بتحذير المؤمنين من مثل فعل أهل الكتاب من إلقائ الشبهات في النصوص واستخراج التأويلات الفاسدة، فعلى هذا تكون الآية من تتمة الآيات المتقدمة. وثانيهما أنه لما أمر الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن ضده وكان ذلك مما لا يتم إلا بالقدرة على تنفيذه، كيف وفي الناس ظلمة ومتغلبون، فلا جرم حذر أهل الحق أن يتفرقوا ويختلفوا كيلا يصير ذلك سبباً لعجزهم عن القيام بهذا التكليف، وعلى هذا تكون الآية من تتمة الآية السابقة فقط. قال بعضهم: تفرقوا واختلفوا مؤداهما واحد والتكرير للتأكيد. وقيل: معناهما مختلف. تفرقوا بالعداوة واختلفوا في الدين. أو تفرقوا بسبب التأويلات الفاسدة للنصوص، واختلفوا كل منهم نصرة قوله. أو تفرقوا بأبدانهم بأن صار كل من الأحبار رئيسا في بلد، واختلفوا بأن صار كل منهم يدعي أنه على الحق وصاحبه على الباطل. ولعل الإنصاف أن أكثر علماء الزمان بهذه الصفة فنسأل الله العصمة والسداد.{وأولئك} اليهود والنصارى الذين اختلفوا من بعد ما جاءهم الدلالات الواضحة والنصوص الظاهرة، أو أولئك الذين اقتفوا آثارهم من مبتدعه هذه الأمة {لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} وفي تعليق الظرف بقوله {لهم} فائدتان: إحداهما أن ذلك العذاب في هذا اليوم، والأخرى أن من حكم هذا اليوم أن يبيض بعض الوجوه ويسود بعضها ونظير ذلك في القرآن: {أية : وجوه يومئذٍ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة} تفسير : [عبس:38-41] وفي أمثال هذه الألوان للمفسرين قولان: أحدهما - وإليه ميل أبي مسلم -: أن البياض مجاز عن الفرح والسواد عن الغم وهذا مجاز مستعمل قال تعالى: {أية : وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودّاً} تفسير : [النحل:58] ولما سلم الحسن بن علي الأمر على معاوية قال له رجل: يا مسوّد وجوه المؤمنين. وتمام الخبر سوف يجيء إن شاء الله في تفسير سورة القدر، ولبعض الشعراء في الشيب: / شعر : يا بياض القرون سودت وجهي عند بيض الوجوه سود القرون. تفسير : وثانيهما: أن السواد والبياض محمولان على ظاهرهما وهما النور والظلمة، إذ الأصل في الإطلاق الحقيقة. فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وابيضت صحيفته وسعى النور بين يديه وبيمينه، ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكمده واسودت صحيفته وأحاطبت به الظلمة من كل جانب. قالوا: والحكمة في ذلك أن يعرف أهل الموقف كل صنف فيعظمونهم أو يصغرون بحسب ذلك ويحصل لهم بسببه مزيد بهجة وسرور أو ويل وثبور. وأيضاً إذا عرف المكلف في الدنيا أنه يحصل له في الآخرة إحدى الحالتين ازدادت رغبته في الطاعات وترك المحرمات. قلت: والتحقيق فيه أن الهيئات والأخلاق الحميدة أنوار، والملكات والعادات الذميمة ظلمات، وكل منهما لا يظهر آثارهما كما هي إلا بعد المفارقة إلى الآخرة {أية : انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً} تفسير : [الحديد:13] واحتج أهل السنة بالآية على أن المكلف إما مؤمن وإما كافر وإنه ليس ههنا منزلة بين المنزلتين، لأنه قسم أهل القيامة إلى قسمين: مبيض الوجوه وهم المؤمنون، ومسودها وهم الكافرون لقوله تعالى في آخر الآية {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} واعترض القاضي عليه بأن عدم ذكر القسم الثالث لا يدل على عدمه، وأيضاً لفظ وجوه نكرة فلا يفيد العموم. وأيضاً المذكور في الآية هم المؤمنون والذين كفروا بعد الإيمان، ولا شبهة أن الكافر الأصلي من أهل النار مع أنه غير داخل تحت هذين القسمين فكذا القول في الفساق. والجواب لم لا يجوز أن يكون المراد أن كل أحد أسلم وقت استخراج الذرية من صلب آدم، فيكون الخطاب لجميع الكفار؟ وأنه أيضاً جعل موجب العذاب في آخر الآية هو الكفر من حيث إنه كفر لا الكفر من حيث إنه بعد الإيمان. فإن قيل: لم قدم البياض على السواد أوّلاً وعكس آخراً؟ فالجواب بعد تسليم إفادة الواو الترتيب، أنه بدأ بذكر أهل الثواب وختم بها أيضاً تنبيهاً على أن إرادة الرحمة أكثر من إرادة الغضب كما قال: " حديث : سبقت رحمتي غضبي" تفسير : ولما في ذلك من رعاية حسن المطلع والمقطع وأنه فن بديع في الفصاحة. ومن المراد بهؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم؟ قال أبي بن كعب: هم جميع الكفار لأنهم آمنوا وقت الميثاق، ورواه الواحدي في البسيط بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: المراد أكفرتم بعدما ظهر لكم ما يوجب الإيمان وهو ما نصبه الله من دلائل التوحيد والنبوة؟ وقال عكرمة والأصم والزجاج: إنهم أهل الكتاب آمنوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وكفروا به بعد بعثه. وقال قتادة: إنهم المرتدون. وقال الحسن: هم المنافقون. وقيل: هم الخوارج الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يمرقون من الدين كما يمرق السهم من / الرمية"تفسير : ولما رأى أبو أمامة رؤوساً منصوبة على درج مسجد دمشق دمعت عنياه ثم قال: كلاب النار هؤلاء شر قتلى تحت أديم السماء، وخير قتلى تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء. فقال له أبو غالب: أشيء تقوله برأيك أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو لم أسمعه، إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً حتى عد سبعاً ما حدثتكموه. قال: فما شأنك دمعت عيناك؟ قال: رحمة لهم. كانوا من أهل الإسلام فكفروا ثم قرأ هذه الآية. ثم أخذ بيده فقال: إن بأرضك منهم كثيراً فأعاذ الله منهم. هذا مما أخرجه الإمام أبو عيسى الترمذي في جامعة. ولكن المشهور من مذهب أهل السنة أنّ الخروج على الإمام لا يوجب الكفر ألبتة، والاستفهام في قوله تعالى: {أكفرتم} بمعنى الإنكار. قال القاضي: وفيه وكذا في قوله: {ما كنتم تكفرون} دليل على أن الكفر منهم لا من الله. وقالت المرجئة: فيه دلالة على أن العذاب لا يكون إلا للكفار. أما قوله: {ففي رحمة الله} فالمراد بها الجنة التي هي محل الرحمة. وموقع قوله: {هم فيها خالدون} موقع الاستئناف كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟ فأجيب بذلك أي لا يظعنون عنها ولا يموتون. وفي إقامة الرحمة مقام الجنة دليل على أن العبد وإن كثرت طاعته فإنه لا يدخل الجنة إلا بفضل الله وبرحمته. وفي إضافة الرحمة إلى نفسه وتعليل العذاب بكفرهم والنص على خلود أهل الثواب دون أهل النار وإن كانوا مخلدين أيضاً دلائل وإشارات إلى أن جانب العفو والمغفرة والرحمة مغلب، وكيف لا وقد أردفه بقوله: {تلك} الأحكام التي وردت في حيز الوعيد والوعد وانقضى ذكرها {آيات الله نتلوها عليك} متلبسة {بالحق} العدل من جزاء المحسن بإحسانه وجزاء المسيء بإساءته، أو ملتبسه بالمعنى الحق لأن معنى المتلو حق {وما الله يريد ظلما للعالمين} ولكن مصالح الخلق لا نتتظم إلا بتهديد المذنبين، وإذا حصل التهديد فلا بد من التحقيق دفعاً للكذب عمن هو أصدق القائلين. قال الجبائي: قوله: {ظلماً} نكرة في سياق النفي فوجب أن لا يريد شيئاً مما يكون ظلماً سواء فرض منه أو من العبد على نفسه أو على غيره، وإذا لم يرد لم يفعل إذ لو كان فاعلاً لشيء من الأقسام الثلاثة كان مريداً له هذا خلف، فثبت بهذه الآية أنه تعالى غير فاعل للظلم وغير فاعل لأعمال العباد، إذ من جملتها القبائح، وقد بينا أنه لا يريدها. ثم إنه تعالى تمدح بأنه لا يريد ذلك، والتمدح إنما يصح لو صح منه فعل ذلك الشيء وصح منه كونه مريداً له، فدلت الآية على أنه قادر على الظلم وعلى أن يمنع الظلمة من الظلم على سبيل الإلجاء والقهر فلهذا قال: {ولله ما في السموات وما في الأرض} وأيضاً لما ذكر أنه لا يريد الظلم والقبائح استدل عليه بأن فاعل القبيح إنما يفعل القبيح للجهل أو العجز أو الحاجة. وكل ذلك على / الله تعالى محال لأنه مالك لكل ما في السموات وما في الأرض بل لكل ما في الوجود. وربما يقال: معنى الآية إما أن يكون أنه لا يريد أن يظلمهم، أو أنه لا يريد أن يظلم بعضهم بعضاً. والأول لا يستقيم على مذهبكم لأن من مذهبكم أنه تعالى لو عذب البريء من الذنب أشد العذاب لم يكن ظالماً بل كان عادلاً لأن الظلم تصرف في ملك الغير وهو تعالى إنما يتصرف في ملك نفسه، فتصور الظلم منه محال عندكم، فلا يلزم منه مدح. والثاني أيضاً محال على قولكم لأن كلاً بإرادة الله وبتكوينه عندكم، فثبت أنه لا يمكن حمل الآية على وجه صحيح في مذهبكم. أجاب أهل السنة من وجهين: الأول أنه يتوقف التمدح بنفي صفة على إمكان تصور ذلك الشيء منه بدليل قوله: {أية : لا تأخذه سنة ولا نوم} تفسير : [البقرة:255] {أية : وهو يطعم ولا يطعم} تفسير : [الأنعام:14] ولا يتوقف التمدح بذلك على صحة النوم والأكل عليه. الثاني أنه تعالى إن عذب من ليس بمستحق للظلم لم يكن ظالماً لكنه في صورة الظلم. وقد يطلق اسم أحد المتشابهين على الآخر كقوله: {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها} تفسير : [الشورى:40] والحق في هذا المقام أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه. وإذا كان اللطف والقهر من ضرورات صفات الكمال، فوضع كل منهما في مظهره يكون وضع الشيء في موضعه فلا يكون ظلماً. واحتجت الأشاعرة بقوله: {ولله ما في السموات وما في الأرض} على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى لأنها من جملة ما في السموات وما في الأرض. أجابت المعتزلة بأن قوله: {لله} إضافة ملك لا إضافة فعل كما يقال: هذا البناء لفلان. يراد أنه مملوكه لا أنه مفعوله. وأيضاً الآية مسوقة في معرض المدح ولا مدح في نسبة الفواحش والقبائح إلى نفسه. وأيضاً قوله: {ما في السموات وما في الأرض} يتناول ما كان مظروفاً لهما وذلك من صفات الأجسام لا من صفات الأفعال التي هي أعراض، والداعية المنتهية إلى تخليق الله دفعاً للتسلسل أو لترجيح من غير مرجح، قالت الحكماء: تقديم السموات في الذكر على الأرض دليل على أن جميع الأحوال الأرضية مستندة إلى الأسباب السموية، ولا شك أن الأحوال السموية مستندة إلى خلقه وتكوينه تعالى فيكون الجبر أيضاً لازماً من هذا الوجه. {وإلى الله} أي إلى حيث لا مالك سواه {ترجع الأمور} فالأول إشارة إلى أنه تعالى مبدأ المخلوقات كلها، وهذا إشارة إلى أن معاد الكل إليه. قوله عز من قائل: {كنتم خير أمة} في النظم وجهان: أحدهما أنه لما أمر المؤمنين بما أمر ونهاهم عما نهى، عدل إلى طريق آخر يقتضي حملهم على الانقياد والطاعة لأن كونهم خير الأمم مما يقوّي داعتيهم في أن لا يبطلوا على أنفسهم هذه المزية، وذلك إنما / يكون بالتزام التكاليف الشرعية، وثانيهما أنه لما ذكر حال الاشقياء وحال السعداء نبه أوّلاً على ما هو السبب لوعيد الأشقياء بقوله: {وما الله يريد ظلماً للعالمين} بمعنى أنهم استحقوا ذلك بأفعالهم القبيحة. ثم نبه على سبب وعد السعداء بقوله: {كنتم خير أمة} أي تلك الكرامات والسعادات إنما فازوا بها في الآخرة لأنهم كانوا في الدنيا خير أمة، وأقول: لما انجز الكلام في مخاطبة المؤمنين الى بيان أن كل ما في الوجود ملكه وملكه إبداعاً واختراعاً وأن منتهى الكل إليه، أتبع ذلك مزية هذه الأمة ليعلم أنها بسابقة العناية الأزلية إذ جعلهم مظهر الألطاف، وذكر بعدها رذيلة أهل الكتاب ليعرف أنها لوقوعهم في طريق القهر ولا اعتراض لأحد على ما يفعله المالك في ملكه. عن عكرمة ومقاتل حديث : أن مالك بن الصيف ووهب بن يهوديا اليهوديين قالا لابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى حذيفة: إن ديننا خير مما تدعوننا إليه، ونحن خير وأفضل منكم, فأنزل الله هذه الآيةتفسير : . قال بعض المفسرين: "كان" ههنا تامة، وانتصاب {خير أمة} على الحال حدثتم ووجدتم خير أمة. والأكثرون على أنها ناقصة، فجاء إيهام أنهم كانوا موصوفين بالخيرية في الزمان الماضي دون ما يستقبل. فأجيب بأن "كان" لا تدل على عدم سابق ولا انقطاع طارىء بدليل قوله: {أية : وكان الله غفوراً رحيماً} تفسير : {النساء: 96] وقيل: المراد كنتم في علم الله أو في اللوح المحفوظ خير أمة، أو كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة كقوله: {أية : ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل} تفسير : [الفتح:29] وقال أبو مسلم: هذا تابع لقوله: {وأما الذين ابيضت وجوههم} وما بينهما اعتراض والتقدير: أنه يقال لهم عند الخلود في الجنة: كنتم في دنياكم خير أمة فلهذا نلتم من الرحمة وبياض الوجه ما نلتم. وقال بعضهم: لو شاء الله لقال: أنتم. فكان هذا التشريف حاصلاً لكلنا، ولكنه مخصوص بقوم معينين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم السابقون الأولون ومن صنع مثل صنيعهم. وقيل: إنها زائدة والمعنى: أنتم خير أمة. وزيفه ابن الأنباري بأن الزائدة لا تقع في أول الكلام ولا تعمل كقول العرب "عبد الله كان قائم وعبد الله قائم كان" ولا يقولون: "كان عبد الله قائم" على أن "كان" زائدة. لأن البداءة بها دليل شدة العناية، والملغى لا يكون في محل العناية. وقيل: إنها بمعنى صار أي صرتم خير أمة. وأصل الأمة الطائفة المجتمعة على الشيء الواحد، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم هي الطائفة الموصوفة بالإيمان به والإقرار بنبوته. وإذا أطقلت الأمة في نحو قول العلماء "اجتمعت الأمة" وقعت عليهم. وقد يقال لكل من جمعتهم دعوته إنهم أمة الدعوة ولا يطلق عليهم لفظ الأمة إلا بهذا القيد. قال الزجاج: ظاهر الخطاب في {كنتم} مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه عام في حق لكل الأمة. ونظيره {أية : كتب عليكم القصاص} تفسير : [البقرة:178] {أية : كتب عليكم القصاص} تفسير : [البقرة:183] وقوله:{للناس} إما أن يتعلق بـ {أخرجت} / والمعنى: كنتم خير الأمم المخرجة للناس في جميع الأعصار. ومعنى إخراجها أنها أظهرت للناس حتى تميزت وعرفت وفصل بينها وبين غيرها. وإما أن يتعلق بـ {كنتم} أي كنتم للناس خير أمة. ثم بين سبب الخيرية على سبيل الاستئناف بقوله: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} كما تقول: زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بمصالحهم. وقد يستدل بالآية على أن إجماع هذه الأمة حجة لأنها لو لم تحكم بالحق لم تكن خيراً من المبطل، ولأن اللام في {المعروف} وفي {المنكر} للاستغراق فيقتضي كونهم آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر فيكون إجماعهم حقاً , وأما أنه من أي وجه يقتضي ذلك كون هذه الأمة خير الأمم مع أن الصفات الثلاثة كانت حاصلة لسائر الأمم فذلك أن الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب وباللسان وباليد، وأقواها ما يكون بالقتال لأنه إلقاء النفس في خطر القتل. وأعرف المعروفات الدين الحق والإيمان بالتوحيد والنبوة، وأنكر المنكرات الكفر بالله، فكان الجهاد في الدين تحملاً لأعظم المضارّ لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع وتخليصه من أعظم المضار، فكان من أعظم العبادات. ولما كان أمر الجهاد في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " حديث : أنا نبي السيف أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " تفسير : فلا جرم صار لك موجباً لفضل هذه الأمة على سائر الأمم، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس في تفسير قوله: {كنتم خير أمة} تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقروا بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه، ولا إله إلا الله أعظم المعروف والتكذيب أنكر المنكر. وفائدة القتل على الدين لا ينكره منصف فإن أكثر الناس يحبون ما ألفوه من الأديان الباطلة ولا يتأملون في الدلائل التي تورد عليهم، فإذا خوف بالقتل دخل في دين الحق مكرهاً إلى أن يألفه متدرجاً. وأما الإيمان بالله فلا شك أنه في هذه الأمة أكمل لأنهم آمنوا بكل ما يجب الإيمان به من رسول أو كتاب أو بعث أو حساب أو ثواب أو عقاب إلى غير ذلك، ولا يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض. وإنما اقتصر في وصف الأمة على الإيمان بالله لأنه يستلزم الإيمان بالنبوة وبسائر ما عددنا وإلا لم يكن في الحقيقة إيمانأ، ولهذا نفى عن أهل الكتاب في قوله: {ولو آمن أهل الكتاب} وإنما قدم الأمر بالمعروف على الإيمان بالله في الذكر مع أن الإيمان مقدم على كل الطاعات، لأن الآية سيقت لبيان فضل الأمر بالمعروف وتأكد القيام به ولهذا كرر بعد قوله: {ولتكن منكم / أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف} فكانت العناية به أشد فكان تقديمه أهم. وليعلم أن التكميل أفضل من الكمال نفسه ولهذا استلزم الأول الثاني دون العكس، ولأن التكميل يتضمن الكمال فكان في تأخير الإيمان بالله تكريراً له مرة بالتضمن وأخرى بالمطابقة على أن الواو لا تفيد الترتيب، وأيضاً أراد أن يبني عليه قوله: {ولو آمن} وفي التفسير الكبير: إن أصل الإيمان مشترك فيه بين الأديان فلا تتبين فيه الخيرية، لكن الآية سيقت لبيان الخيرية وليس ذلك إلا لأن هذه الأمة أقوى في باب الأمر بالمعروف فلهذا قدم، ثم أتبع ذكر الإيمان بالله ليعلم أن شرط تأثير الأمر بالمعروف في الخيرية حاصل. ولا يخفى أن هذا الجواب مبني على أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وعلى أن إيمان أهل الكتاب معتد به وليس كذلك، ولهذا قال تعالى: {ولو آمن أهل الكتاب} يعني إيماناً متعتبراً وهو الإيمان بالله وبسائر ما لا بد منه من الأمور المعدودة {كان خيرا لهم} لحصلت لهم صفة الخيرية أيضاً لانضمامهم في زمرة هذه الأمة، أو لحصل لهم من الرياسة وحظوظ الدنيا ما هو خير مما تركوا هذا الدين لأجله، لأن الحاصل على هذا التقدير عزة الإسلام مع الفوز بما وعدوا من إيتاء الأجر في الآخرة مرتين، وعلى ما هم فيه ليس إلا استتباع بعض الجهلة من العوام وشيء نزر من الرشا، وبعد ذلك خلود في النار، ثم فصل أهل الكتاب على سبيل الاستئناف فقال: {منهم المؤمنون} كعبد الله بن سلام ورهطه وكالنجاشي وأصحابه، فاللام للمعهود السابق {وأكثرهم الفاسقون} الخارجون عن طاعة الله تعالى وعن دينه فيقارب الكفر أو يرادفه، أو المراد أنهم ليسوا بعدول في دينهم أيضاُ فهم مردودون باتفاق الطوائف كلهم، فلا ينبغي أن يقتدى بهم ألبتة. ثم أخبر عن حالهم وكان كما قال وهو آية الإعجاز بجملة مستأنفة هي {لن يضروكم إلا أذى} الإضرار ألا يجاوز أذى بقول كطعن في الدين أو تهديد أو تحريف نص أو إلقاء شبهة أو إظهار كلمة الكفر بإشراكهم عزيراً والمسيح. والأذى مصدر كالأسى يقال: يفعلون أذاه يؤذيه أذى وأذاة وأذية. والأذى نوع من الضر فصح انصابه به والتقدير: لن يضروكم شيئاً من أنواع الضرر إلا ضرراً يسيراً. ومن هذا تبين أن الاستثناء ليس بمنقطع على ما ظن {وإن قاتلوكم بولوكم الأدبار} منهزمين {ثم لا ينصرون} وإنما لم يجزم بالعطف على {يولوكم} لئلا يصير نفي النصر مقيداً بمقاتلتهم بل يرفع ليكون نفي النصر وعداً مطلقاً، وتكون هذه الجملة معطوفة على جملة الشرط والجزاء كأنه قيل: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا، ثم أخبركم وأبشركم أن النصر والقوة منتفٍ عنهم رأساً فلن يستقيم لهم أمر ألبتة. ومعنى "ثم" إفادة التراخي في الرتبة لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أينما كانوا أعظم من الإخبار بانهزامهم عند القتال. فإن قيل: هب أن اليهود كذلك، لكن النصارى قد يوجد لهم قوى وشوكة في ديارهم. قلنا: هذه الآيات مخصوصة باليهود وأسباب النزول تدل على ذلك، فكان كما أخبر من حال بني قريظة والنضير وبني قينقاع وأهل خيبر، أو لعل نفي النصرة عنهم بعد القتال ولم يوجد نصراني بهذه الحالة. وفي الآية تشجيع للمؤمن وتثبيت لمن آمن من أهل الكتاب كيلا يلتفتوا إلى تضليلاتهم وتحريفاتهم. التأويل: {اتقوا الله حق تقاته} لأهل العزائم وقوله: {أية : فاتقوا الله ما استطعتم} تفسير : [التغابن:16] لأهل الرخص. والمعنى: اتقوا عن وجودكم بالله وبوجوده {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} لا ينتف وجودكم المجازي إلا وقد سلمتم لتصرفات الأحكام الإلهية والجذبات الربانية، واستفدتم الوجود الحقيقي وهو البقاء بالله {واعتصموا} أهل الاعتصام طائفتان: أهل الصورة وهم المتعلقون بالأسباب لأن مشربهم الأعمال فقيل لهم اعتصموا بحبل الله وهو كل سبب يتوصل به إلى الله من أعمال البر، وأهل المعنى وهم المنقطعون عن الأسباب إذ مشربهم الأحوال فقيل لهم: واعتصموا بالله هو مولاكم مقصودكم أو ناصركم، ولا تفرقوا في الظاهر وهو مفارقة الجماعة، وفي الباطن وهو الميل إلى البدع والأهواء. {وكنتم على شفا حفرة} وهي عداوة بعضكم لبعض وعداوتكم لله ولأنفسكم {فأنقذكم منها} بالهداية والإيمان وتأليف القلوب {كذلك} مثل ما بين آياته للأوس والخزرج حتى صاروا إخواناً {يبين لكم} أيها الطلاب {آياته} وهي الجذبة الإلهية وتجلي صفات الربوبية {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} بالأفعال دون الأقوال {وأولئك هم المفلحون} من وعيد من يأمر بالمعروف ولا يأتيه {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} لأن الوجوه تحشر بلون القلوب كقوله: {أية : يوم تبلى السرائر} تفسير : [الطارق:9] أي يجعل ما في الضمائر على الظواهر {أكفرتم بعد إيمانكم} هم أرباب الطلب السائرون إلى الله انقطعوا في بادية النفس واتبعوا غول الهوى وارتدوا على أعقابهم القهقرى. {فذوقوا العذاب} لأن الناس نيام لا يذوقون ألم جراحات الانقطاع والإعراض عن الله، فإذا ماتوا انتبوا وذاقوا {ففي رحمة الله} في الدنيا بالجمعية والوفاق مع أهل الله {هم فيها خالدون} في الآخرة، ولأنه يموت على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه {تلك} الأحوال {آيات الله} مع خواصه {نتلوها عليك بالحق} نظهرها على قلبك بالتحقيق {وما الله يريد ظلماً للعالمين} بأن يضع السواد والبياض في غير موضعهما {كنتم خير أمة أخرجت} من العدم إلى الوجود مستعدة لقبول كمالية الإنسان من جملة الخيرية تخفيف التكليف وضمان التضعيف، ومنها عاقب مطيعهم بشؤم عصيانهم، وغفر لعصاة هذه الأمة ببركة مطيعهم، ومنها زلاتهم لعنة وزلاتنا رحمة، ومنها شكا منهم إلينا وشكر منا إليهم قبل وجودنا {ولو آمن أهل الكتاب} يعني علماء السوء {لن يضروكم} أيها المحققون {إلا أذى} من طريق الإنكار والحسد {وإن يقاتلوكم} ينازعوكم ويخاصموكم {يولوكم الأدبار} من صدق نياتكم {لا ينصرون} لأنكم أهل الحق وحزب الله وإن حزب الله هم الغالبون.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}، قال ابن مسعود: «حَقَّ تُقَاتِهِ»: هو أنْ يُطَاع فلا يعصَىٰ، وأنْ يُذْكَر فلا يُنْسَىٰ، وأنْ يُشْكَر فلا يُكْفَر، وكذلك عَبَّر الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَم، وقتادةُ، والحَسَنُ، قالتْ فرقة: نزلَتِ الآيةُ علَىٰ عمومِ لفظها؛ مِنْ لزومِ غاية التقْوَىٰ؛ حتَّىٰ لا يقع الإخْلاَلُ في شَيْء من الأشياءِ، ثم نُسِخَ ذلك؛ بقوله تعالَىٰ: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} تفسير : [التغابن:16]، وبقوله: {أية : لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا }تفسير : [البقرة:286] وقالت جماعة: لاَ نَسْخَ هنا، وإنَّما المعنَىٰ: ٱتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تقاته فِي ما ٱستطعتمْ، وهذا هو الصحيحُ، وخرَّج الترمذيُّ، عن ٱبْنِ عَبَّاس؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ، وهي: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي الدُّنْيَا، لأفْسَدَتْ عَلَىٰ أَهْلِ الدُّنْيَا مَعَايِشَهُمْ، فَكيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ؟» تفسير : قال أبو عيسَىٰ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وخرَّجه ابنُ ماجة أيضاً اهـــ. وقوله تعالى: {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}: معناه: دُومُوا على الإسلام؛ حتَّىٰ يوافيكم المَوْتُ، وأنتم علَيْه، والحَبْلُ في هذه الآيةِ مستعارٌ، قال ابنُ مسعودٍ: حبْلُ اللَّهِ الجماعةُ، وروى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قَالَ: «حديث : إنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ ٱفْتَرَقُوا عَلَىٰ إحْدَىٰ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وإنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى ٱثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إلاَّ وَاحِدَةٌ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هَذِهِ الوَاحِدَةُ؟ قَالَ: فَقَبَضَ يَدَهُ، وَقَالَ: الجَمَاعَةُ، وقرأ: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً }»تفسير : ، وقال قتادةُ وغيره: حبْلُ اللَّهِ الَّذي أمر بالاعتصام به: هو القُرآن، ورواه أبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقال ابنُ زَيْدٍ: هو الإسلام، وقيل غير هذا ممَّا هو كلُّه قريبٌ بعضُهُ مِنْ بعض. وقوله تعالى: {وَلاَ تَفَرَّقُواْ}: يريد: التفرُّقَ الَّذي لا يتأتَّىٰ معه الائُتلافُ، كالتفرُّقِ بالفتن، والافتراقِ في العقائد، وأما الافتراقُ في مسائل الفروعِ والفِقْه، فلَيْسَ بداخلٍ في هذه الآيةِ، بل ذلك هو الذي قَالَ فيه صلى الله عليه وسلم: «حديث : خَلاَفُ أُمَّتِي رَحْمَةً»تفسير : ، وقد اختلفتِ الصَّحابةُ في الفُرُوع أشَدَّ اختلافٍ، وهم يَدٌ واحدةٌ علَىٰ كُلِّ كافرٍ. وقوله سبحانه: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ...} الآية: هذه الآيةُ تدُلُّ علَىٰ أنَّ الخطاب إنما هو للأوس والخَزْرَج؛ كما تقدَّم، وكانَتِ العداوةُ قد دامَتْ بين الحَيَّيْنِ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً؛ حتى رفَعَها اللَّه بالإسلام، فجاء النَّفَر الستَّةُ من الأنْصَارِ إلى مكَّة حُجَّاجاً، فعرض النبيُّ صلى الله عليه وسلم نَفْسَهُ علَيْهم، وتَلاَ عَلَيْهِمْ شَيْئاً مِنَ القُرآنِ؛ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ مَعَ قَبَائِلِ العَرَبِ، فَآمَنُوا بِهِ، وَأَرَادَ الخُرُوجَ مَعَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ قَدِمْتَ بَلَدَنَا عَلَىٰ مَا بَيْنَنَا مِنَ العَدَاوَةِ وَالحَرْبِ، خِفْنَا أَلاَّ يَتِمَّ مَا نُرِيدُهُ بِكَ، وَلَكِنْ نَمْضِي نَحُنُ، وَنُشِيعُ أَمْرَكَ، وَنُدَاخِلُ النَّاسَ، وَمَوْعِدُنَا وَإيَّاكَ العَامُ القَابِلُ، فَمَضَوْا، وَفَعَلُوا، وَجَاءَتِ الأَنْصَارُ فِي العَامِ القَابِلِ، فَكَانَتِ العَقَبَةُ الثَّانِيَةُ، وَكَانُوا ٱثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً فِيهِمْ خَمْسَةٌ مِنَ السِّتَّةِ الأَوَّلِينَ، ثُمَّ جَاءُوا مِنَ العَامِ الثَّالِثِ، فَكَانَتْ بَيْعَةُ العَقَبة الكُبْرَىٰ، حَضَرَهَا سَبْعُونَ، وَفِيهِمُ ٱثْنَا عَشَرَ نَقِيباً. ووصْفُ القصَّة مستوعبٌ في السِّيرِ، ويسَّر اللَّه تعالَىٰ الأنصار للإسلام بوجْهَيْن: أحدهما: أنَّ بني إسرائيل كانُوا مجاوِرِينَ لهم، وكانوا يقولُونَ لِمَنْ يتوعَّدونه من العَرَبِ: يُبْعَثُ لَنَا الآنَ نَبِيٌّ نَقْتُلُكُمْ معه قَتْلَ عَادٍ وإرَمَ، فلمَّا رأَى النَّفَر من الأنْصَارِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال بعضُهم لبعضٍ: هذا، واللَّهِ، النَّبيُّ الَّذِي تَذْكُرُه بَنُو إسرائيل، فلا تُسْبَقَنَّ إلَيْهِ. والوجْهُ الآخرُ: الحَرْبُ الَّتي كَانَتْ ضرَّسَتْهم، وأفْنَتْ سراتهم، فَرَجوْا أنْ يجمع اللَّه به كلمتهم، فكان الأمر كما رَجَوْا، فعدَّد اللَّه سبحانَهُ علَيْهم نعمَتَهُ في تأليفهم بعد العَدَاوة، وذَكَّرهم بها قال الفَخْر: كانَتِ الأنصارُ قَبْلَ الإسلام أعداءً، فلما أكرمهم اللَّه [سبحانه] بالإسلام، صاروا إخواناً في اللَّه متراحِمِينَ. وٱعْلَمْ أنَّ كلَّ مَنْ كان وجهه إلى الدنيا، كان معادياً لأكثر الخَلْق، ومَنْ كان وجهه إلى خدمة المَوْلَىٰ سبحانه، لَمْ يكُنْ معادِياً لأحدٍ؛ لأنه يَرَى الكُلَّ أسيراً في قبضة القَضَاء والقَدَر، ولهذا قيل: إن العارف، إذا أَمَرَ، أَمَرَ برفْقٍ، ونَصَحَ لاَ بِعُنْفٍ وعُسْر، وكيف، وهو مُسْتَبْصِرٌ باللَّه في القَدَر. اهـــ. وقوله تعالى: {فَأَصْبَحْتُم} عبارةٌ عن الاستمرار. قال * ص *: «أصْبَحَ»: يستعملُ لاتصافِ الموصوفِ بصفَتِهِ وقْتَ الصَّباحِ، وبمعنى «صَارَ»، فلا يلحظ فيها وقْت الصباح، بل مطْلَق الانتقال والصيرورةِ مِنْ حالٍ إلى حالٍ، وأَصْبَحَ: هنا بمعنَىٰ صَارَ، وما ذكره ابنُ عطية مِنْ أنَّ «أَصْبَحَ» لِلاستمرارِ، لم يذهَبْ إليه أحَدٌ من النَّحْوِيِّين. اهـــ. قلْتُ: وفيما ادَّعاه نَظَرٌ، وهي شهادةٌ علَىٰ نَفْيٍ وكلامٍ. * ع *: واضحٍ من جهة المعنَىٰ، والشَّفَا: حَرْفُ كلِّ جِرْمٍ له مَهْوَىٰ؛ كالحفرة، والبِئْر، والجُرُفِ، والسَّقْفِ، والجِدَار، ونحوه، ويضافُ في الاستعمالِ إلى الأعلَىٰ؛ كقوله: {أية : شَفَا جُرُفٍ} تفسير : [التوبة:109]، وإلى الأسفلِ؛ كقوله: {شَفَا حُفْرَةٍ} فشبَّه اللَّه كفرهم الذي كانوا عليه بالشَّفَا، لأنهم كانوا يَسْقُطُون في جهنَّم دَأَباً، فأنقدهم اللَّه منها بالإسلام. وقوله تعالى: {فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا}، أي: مِنَ النَّار، ويحتمل من الحُفْرة، والأول أحسنُ، قال العِرَاقِيُّ: أَنْقَذَكُمْ، أي: خلَّصكم. اهـــ. وقوله تعالَىٰ: {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ}: أَمْرَ اللَّه سبحانه الأمَّةَ؛ بأنْ يكونَ منْها علماءُ يَفْعَلُونَ هذه الأفعالَ علَىٰ وجوهها، ويحْفَظُونَ قوانينَها، ويكون سائِرُ الأمَّة مُتَّبِعِينَ لأولئك، إذ هذه الأفعالُ لا تكُونُ إلاَّ بعلْمٍ واسعٍ، وقد عَلِمَ اللَّه سبحانه؛ أنَّ الكُلَّ لا يكُونونَ علماء، فـــ «مِنْ» هنا: للتبعيضِ، وهو تأويلُ الطبريِّ وغيره. وذهب الزَّجَّاج وغيرُ واحدٍ؛ إلى أنَّ المعنَىٰ: ولتكونوا كلُّكم أمةً يدْعُونَ، و «مِنْ»: لبيانِ الجنْس، ومعنى الآية علَىٰ هذا: أمر الأمة بأنْ يَدْعُوا جميعَ العَالَمِ إلى الخَيْر، فيَدْعُون الكُفَّار إلى الإسلامِ، والعُصَاةَ إلى الطاعةِ، ويكونُ كلُّ واحدٍ في هذه الأمور علَىٰ منزلته من العلْمِ والقدرةِ، وروى الليثُ بْنُ سَعْدٍ، قال: حدَّثني محمَّدُ بْنُ عَجْلاَن، أنَّ وَافِداً النَّضْرِيَّ أَخْبَرَهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : لَيُؤْتَيَنَّ بِرِجَالٍ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ، وَلاَ شُهَدَاءَ، يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ؛ لِمَنَازِلِهِمْ مِنَ اللَّهِ؛ يَكُونُونَ عَلَىٰ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، قَالُوا: وَمَنْ هُمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ يُحَبِّبُونَ اللَّهَ إلَى النَّاسِ، وَيُحَبِّبُونَ النَّاسَ إلَى اللَّهِ، وَيَمْشُونَ فِي الأَرْضِ نُصْحاً، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا يُحَبِّبُونَ اللَّهَ إلَى النَّاسِ، فَكَيْفَ يُحَبِّبُونَ النَّاسَ إلَى اللَّهِ؟! قَالَ: يَأْمُرُونَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَهُمْ عَنِ المُنْكَرِ، فَإذَا أَطَاعُوهُمْ، أَحَبَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَىٰ» تفسير : اهـــ من «التذكرة» للقرطبيِّ. قال * ع *: قال أهْلُ العلْمِ: وفَرَضَ اللَّه سبحانه بهذه الآية الأَمْرَ بالمَعْرُوفِ، والنَّهْيَ عن المُنْكَر، وهو مِنْ فروضِ الكفاية، إذا قام به قائمٌ، سقَطَ عن الغَيْر، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ رَأَىٰ مِنْكُمْ مُنْكَراً، فَلْيُغَيِّرهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيمَان» تفسير : والناسُ في الأمر بالمعروفِ وتغْييرِ المُنْكَرِ علَىٰ مراتِبَ، فَفَرْضُ العلماءِ فيه تنبيهُ الولاةِ، وحَمْلُهُمْ على جَادَّة العلْمِ، وفرضُ الولاةِ تَغْييره بقوَّتهم وسلطانِهِمْ، ولهم هي اليَدُ، وفَرْضُ سائر الناسِ رَفْعُهُ إلى الولاةِ والحُكَّام بعد النَّهْيِ عنه قولاً، وهذا في المُنْكَرِ الذي له دَوَامٌ، وأما إنْ رَأَىٰ أحَدٌ نازلةٌ بديهيَّةً مِنَ المُنْكَرِ كالسَّلْبِ والزِّنَا ونحوه، فيغيِّرها بنَفْسِهِ، بحَسَب الحالِ والقدرةِ، ويَحْسُنُ لكلِّ مؤمن أنْ يعتمل في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ، وإنْ ناله بَعْضُ الأذَىٰ؛ ويؤيِّد هذا المَنْزَعَ أنَّ في قراءة عثمانَ وابْنِ مسْعودٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ: «يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، وَيَسْتَعِينونَ اللَّهَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ»، فهذا وإنْ لم يثبتْ في المُصْحَفِ، ففيه إشارةٌ إلى التعرُّض لما يصيبِ عَقِيبَ الأمْر والنهْيِ؛ كما هو في قوله: {أية : وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ } تفسير : [لقمان:17].

ابن عادل

تفسير : لما حذر المؤمنين من إضْلال الكفَّارِ، أمرهم في هذه الآياتِ بمجامع الطاعات، فأمرهم - أولاً - بتقوى الله، وثانياً - بالاعتصام بحبل الله، وثالثاً - بالاجتماع والتأليف، ورابعاً - بالترغيب بقوله: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}. والسبب في هذا الترتيب أن فِعْلَ الإنسان، لا بد وأن يكون مُعَلَّلاً إما بالرهبة، وإما بالرغبة، والرهبة مقدمة على الرغبة؛ لأن دَفْع الضرر مقدَّمٌ على جَلْب النَّفْع، فقوله: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} إشارة إلى التخويف من عقاب الله، ثم جعله سبباً للتمسك بدين الله والاعتصام بحبله، ثم أرْدَفَه بالرغبة، فقال: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} فكأنه قال: خَوْف الله يوجب ذلك، وكثرة نعم الله توجب ذلك، فلم تَبْقَ جهة من الجهات الموجبة للفعل إلا وهي حاصلة في وجوب انقيادكم لأمر الله تعالى، ووجوب طاعتكم لحكمه. فصل قال بعض العلماء: هذه الآية منسوخة؛ لما روي عن ابن عباس أنه لمَّا نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين؛ لأن حقَّ تقاته أن يُطَاعَ فلا يُعْصَى طرفة عين، وأن يُشْكَر فلا يُكفر، وأن يذكر فلا ينسى - والعباد لا طاقة لهم بذلك، فنزل: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} تفسير : [التغابن: 16]، فنسخت أول هذه الآيةِ، ولم ينسخ آخرها، وهو قوله: {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} وقال جمهور المحقِّقين: إن القول بهذا النسخ باطلٌ؛ لما روي عن معاذ أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : "أتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ على الله"؟ فقلت: اللهُ ورسولُه أعْلَمُ. قال: "حَقُّ الله على العِبَادِ أن يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وحَقُّ العِبَادِ على اللهِ ألا يُعَذِّبَ مَنْ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً" قلت: يا رسول الله، أفلا أبَشر الناسَ؟ قال: "لا تبشرهم فيتَّكلوا""تفسير : . وهذا لا يجوز أن يُنْسخَ؛ ولأن معنى قوله: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} أي: كما يحق أن يتقى، وذلك بأن تُجْتَنَبَ جميع معاصيه، ومثل هذا لا يجوز أن يُنْسخ؛ لأنه إباحة لبعض المعاصي، وإذا كان كذلك صار معنى هذه الآية ومعنى قوله: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} تفسير : [التغابن: 16] واحداً؛ لأن من اتقى الله ما استطاع فقد اتقاه حق تقاته؛ ولأن حق تقاته ما استطاع من التقوى؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها والوسع دون الطاقة، ونظير هذه الآية قوله: {أية : وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} تفسير : [الحج: 78]. فإن قيل: أليس قد قال تعالى: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} تفسير : [الأنعام: 91]؟ فالجواب: أن هذه الآية وردت في ثلاثة مواضع في القرآن، وكلها في صفة الكفار، لا في صفة المسلمين، وأما الذين قالوا: إن المراد هو أن يُطاع فلا يُعصى فهذا صحيح، والذي يصدر عن الإنسان كان سَهْواً، أو نِسْيَاناً فغير قادح فيه؛ لأن التكليف مرفوع عنه في هذه الأحوال، وكذلك قوله: أن يشكر فلا يكفر؛ لأن ذلك واجب عليه عند حضور نعم الله بالبال، فأما عند السهو فلا يجب، وكذلك قوله: أن يذكر فلا يُنْسَى، فإن ذلك واجب عند الدعاء والعبادة، وكل ذلك مما يطاق، فلا وَجْهَ للقول بالنسخ. وقوله: {حَقَّ تُقَاتِهِ} أي: كما يجب أن يُتَّقَى، والتقى اسم للفعل - من قولك: اتقيت - كما أن الهُدَى اسم الفعل من قولك: اهتديت. قوله: {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} نَهْي في الصورة عن موتهم إلا على هذه الحالة، والمراد: دوامهم على الإسلام؛ وذلك أن الموت لا بدّ منه، فكأنه قال: دوموا على الإسلام إلى الموت، وقريب منه ما حَكَى سيبويه: لا أرَيَنَّكَ هَاهُنا، أي: لا تكن بالحضرة، فتقع عليك رؤيتي، والجملة من قوله: {وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} في محل نصب على الحال، والاستثناء مُفَرَّغ من الأحوال العامة، أي: لا تموتن على حالة من سائر الأحوال إلا على هذه الحال الحسنةِ، وجاء بها جملةً اسميةً؛ لأنها أبلغ وآكد؛ إذْ فيها ضمير متكرر، ولو قيل: إلا مسلمين لم يُفِدْ هذا التأكيد وتقدم إيضاح هذا التركيب في البقرة عند قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ} تفسير : [البقرة: 132] بل دل على الاقتران بالموت لا متقدِّماً ولا متأخراً. قوله: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً} الحبل - في الأصل - هو: السبب، وكل ما وصلك إلى شيء فهو حبل، وأصله في الأجرام واستعماله في المعانِي من باب المجاز. ويجوز أن يكون - حينئذٍ - من باب الاستعارة، ويجوز أن يكون من باب التمثيل، ومن كلام الأنصار رضي الله عنهم: يا رسولَ الله، إنَّ بيننا وبَيْنَ القوم حبالاً ونحن قاطعوها - يعْنُون العهود والحِلْف. قال الأعشى: [الكامل] شعر : 1554- وَإذَا تُجَوِّزُهَا حِبَالُ قَبِيلَةٍ أخَذَتْ مِنَ الأخْرَى إلَيْكَ حِبَالَهَا تفسير : يعني العهود. قيل: والسبب فيه أن الرجل كان إذا سافر خاف، فيأخذ من القبيلة عَهداً إلى الأخرى، ويُعْطَى سَهْماً وحَبْلاً، ويكون معه كالعلامة، فسُمِّيَ العهدُ حَبْلاً لذلك، وهذا المعنى غير طائل، بل سُمِّي العهد حبلاً للتوصُّل به إلى الغرض. وقال آخر: [الكامل] شعر : 1555- مَا زِلْتُ مُعْتَصِماً بِحَبْلٍ مِنْكُمُ مَنْ حَلَّ سَاحَتَكُمْ بِأسْبَابٍ نَجَا تفسير : قال القرطبي: العِصْمة: المَنَعَة، ومنه يقال للبَذْرَقة: عصمة، والبذرقة: الخفارة للقافلة، وهو من يُرسَلُ معها يحميها ممن يؤذيها، قال ابنُ خالويه: "البذرقة ليست بعربيةٍ، وإنَّما هي كلمة فارسية عرَّبتها العرب، يقال: بعث السلطان بَذْرَقَةً مع القافلة". والحبل لفظ مشترك، وأصله - في اللغة: السبب الذي يُوصل به إلى البغية والحاجة، والحبل: المستطيل من الرمل، ومنه الحديث: "حديث : واللهَ مَا تَرَكَتُ مِنْ حَبْلٍ إلاَّ وَقَفْتُ عَلَيْه، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ"؟تفسير : والحبل: الرَّسَن، والحبل: الداهية. قال كثير: [الطويل] شعر : 1556- فَلاَ تَعْجَلِي يَا عَزَّ أنْ تتفهمي بنُصْحٍ أتَى الوَاشُونَ أمْ بِحُبُولٍ تفسير : والحبالة: حبالة الصائد، وكلها ليس مراداً في الآية إلا الذي بمعنى العَهْد. والمراد بالحبل - هنا -: القرآن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم - في الحديث الطويل -: "حديث : هو حَبْلُ الله المتين ". تفسير : وقال ابن عباس: هو العهد المذكور في قوله: {أية : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} تفسير : [البقرة: 40] لقوله تعالى: {أية : إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران: 112] أي: بعهد، وسُمِّيَ العَهْدُ حبلاً لما تقدم من إزالة الخوف. وقيل: دين الله. وقيل: طاعة الله، وقيل: هو الإخلاص. وقيل: الجماعة؛ لأنه عقبه بقوله: {وَلاَ تَفَرَّقُوا}. وتحقيقه: أن النازل في البئر لما كان يعتصم بالحبل، تحرُّزاً من السقوط فيها، وكان كتاب الله وعهده ودينه وطاعته، وموافقة جماعة المؤمنين حِرزاً لصاحبه من السقوط في جهنم - جعل ذلك حبلاً لله، وأمروا بالاعتصام به. وقوله: {جَمِيعًا} أي: مجتمعين عليه، فهو حال من الفاعل. قوله: {وَلاَ تَفَرَّقُوا} قراءة البَزِّيِّ بتشديد التاء وصلاً وقد تقدم توجيهه في البقرة عند قوله "ولا تيمموا" والباقون بتخفيفها على الحذف. فصل في التأويل وجوه: الأول: أنه نَهْي عن الاختلاف في الدين؛ لأن الحق لا يكون إلا واحداً، وما عداه جهلٌ وضلال، قال تعالى: {أية : فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} تفسير : [يونس: 32]. الثاني: أنه نَهْي عن المعاداةِ والمخاصمةِ؛ فإنهم كانوا في الجاهلية مواظبين على ذلك، فنهوا عنه. الثالث: أنه نَهْي عما يوجب الفُرقة، ويزيل الألفة، قال صلى الله عليه وسلم "حديث : "سَتَفْتَرِقُ أمَّتِي عَلَى نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً الناجِي مِنْهُمْ وَاحِدَةٌ" قيل: ومن هي يا رسول الله؟ قال: "الجَمَاعَةَ" ". تفسير : وروي: "حديث : السواد الأعظم ". تفسير : ويروى: "حديث : مَا أنَا عَلَيْهِ وَأصْحَابِي ". تفسير : واعلم أن النهْيَ عن الاختلاف، والأمر بالاتفاق، يدل على أن الحق لا يكون إلا واحداً. فصل استدلت نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا: الأحكام الشرعية إما أن يقال: إن الله سبحانه - نصب عليها دلائل يقينية، أو ظنية، فإن كانت يقينية فلا يكتفى فيها بالقياس الذي يفيد الظن؛ لأن الدليل لا يكتفى به في موضع اليقين، وإن كانت ظنيّة أدى الرجوع إليها إلى الاختلاف والنزاع وقد نهى الله عنه بقوله: {وَلاَ تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] وقوله: {أية : وَلاَ تَنَازَعُواْ} تفسير : [الأنفال: 46]. والجواب بأن هذا العموم مخصوص بالأدلة الدالة على العمل بالقياس. قال القرطبي: وليس في الآية دليل على تحريم الاختلاف في الفروع؛ فإن ذلك ليس اختلافاً؛ إذ الاختلاف يتعذر معه الائتلاف والجمع، وأما حكم مسائل الاجتهاد، فإن الاختلاف فيها بسبب استخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع، وما زالت الصحابة مختلفين في أحكام الحوادث، وهم - مع ذلك - متآلفون وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اخْتِلاَفُ أمَّتِي رَحْمَةٌ" تفسير : وإنما منع الله الاختلاف الذي هو سبب الفساد، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : تَفَرَّقَت اليَهُودُ عَلَى إحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً - أوْ اثنتين وَسَبْعِينَ فِرْقَةً - وَالنَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ، وَتَفْتَرِقُ أمَّتِي ثلاثاً وسبعين فرْقَةً ". تفسير : قوله: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}. {نِعْمَتَ ٱللَّهِ} مصدر مضاف لفاعله؛ إذ هو المُنْعِم، {عَلَيْكُمْ}، ويجوز أن يكون متعلقاً بنفس {نِعْمَتَ}؛ لأن هذه المادةَ تتعدى بـ "على" قال تعالى: {أية : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} تفسير : [الأحزاب: 37]. ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه حال من "نِعْمَةَ"، فيتعلق بمحذوف، أي: مستقرة، وكائنة عليكم. قوله: {إِذْ كُنْتُمْ} "إذْ" منصوبة - بـ "نِعْمَةَ" ظرفاً لها ويجوز أن يكون متعلِّقاً بالاستقرار الذي تضمنه {عَلَيْكُمْ} إذا قلنا: إن "عَلَيْكُمْ" حال من النعمة، وأما إذا علقنا "عَلَيْكُمْ" بـ "نِعْمَةَ" تعيَّن الوجه الأول. وجوز الحوفي أن يكون منصوباً بـ "اذْكُروا" يعني: مفعولاً به، لا أنه ظرف له؛ لفساد المعنى؛ إذْ "اذْكُرُوا" مستقبل، و "إذْ" ماضٍ. فصل {كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ}. قال محمد بن إسحاق وغيره من أهل الأخبار: كان الوس والخزرج أخوين لأب وأمٍّ، فوقعت بينهما عداوةٌ - بسبب قتيل - فتطاولت تلك العداوة والحرب بينهم مائة وعشرين سنة، إلى أن أطفأ الله تعالى، ذلك بالإسلام، وألَّف بينهم برسوله - عليه السلام - وكان سبب ألفتهِمْ أن سويدَ بن الصامت - أخا بني عمرو بن عوف - كان شريفاً، تُسمِّيه قومه: الكامل، لجلده ونسبه، قدم "مكة" حاجًّا أو معتمراً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بُعِثَ وأمِرَ بالدعوة، فتصدَّى له حين سمع به، فدعاه إلى الله وإلى الإسلام، فقال له سُوَيْدٌ: فلعلَّ الذي معك مثل الذي معي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَمَا الَّذِي مَعَكَ؟ قال: حِكْمَةُ لقمان فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعْرِضْهَا عَلِيَّ" فعرضها عليه، فقال: إنَّ هذا الكلام حَسَنٌ معي أفْضَلُ مِنْ هَذَا - قُرْآنٌ أنْزَلَهُ اللهُ عَلَيَّ نُوراً وهُدًى، فَتَلاَ عليهِ القرآنَ، وَدَعَاهُ إلَى الإسْلام، فَلَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ، وقال: إنَّ هَذَا القولَ أحْسَنُ، ثُمَّ انْصرَفَ إلى المدينةِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ قَتَلَهُ الخَزْرَجُ يَوْمَ بُعَاث؛ فإن قومه يقولون: قد قتل وهو مسلم، ثم قدم أبو الجيسر أنس بن رافع معه فتية من بني الأشهل - فيهم إياس بن معاذ - يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، فلما سمع بهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أتاهم، فجلس إليهم، فقال: هَلْ لَكُمْ إلَى خير مما جِئْتُمْ لَهُ؟ قالوا: ومَا ذَاكَ؟ قال: أنَا رَسُولُ اللهِ بَعَثَنِيَ اللهُ إلى العِبَادِ، أدْعُوهُمْ إلى ألاَّ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وأنْزَلَ عَليَّ الكِتَابَ، ثُمَّ ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ وكان غلاماً حدثاً: أي قوم، هذا والله خير مما جئتم له، فأخذ أبو الجيسر حَفنَةً من البطحاء، فضرب بها وجه إياس، وقال: دَعْنا منك؛ فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت إياس، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم ثم انصرفوا إلى "المدينة"، فكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك فلما أراد الله - عز وجل - إظْهارَ دينهِ، وإعزازَ نبيه، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار، يعرض نفسه على قبائل العرب - كما كان يصنع في كل موسم - فلقي عند العقبة رَهْطاً من الخزرج - أراد الله بهم خيراً - وهم أسعد بن زرارة، وعوف ابن الحارث - وهو ابن عفراء - ورافع بن مالك العجلاني وقطبة بن عامر بن خريدة، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مَنْ أنْتُمْ؟ قالوا: نفر من الخزرج فقال: أمِنْ مَوَالِي يَهُود؟ قالوا: نعم، قال أفَلاَ تَجْلُسوا حَتَّى أكلِّمَكُمْ؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام أنّ يهود كانوا معهم ببلادهم، وكانوا أهل كتاب وعِلْم، وهم كانوا أهل أوثان وشِرْك، وكانوا - إذا كان بينهم شيء - يقولون: إن نبيًّا الآن مبعوثاً قد أظَلَّ زمانه نتبعه، ونقتلكم معه قتل عاد وإرمَ، فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر، ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلمون - والله - أنه النبي الذي توعَّدَكم به اليهود، فلا تسبقنكم إليه، فأجابوه وصدقوه، وأسلموا، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العَدَاوةِ والشر ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم بك، وسنقدم عليهم، وندعوهم إلى أمرك، فإن يجمعهم الله عليك فلا رَجُلَ أعزُّ منك، ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم - قد آمنوا - فلما قَدِمُوا "المدينة" ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فَشَا فيهم، فلم تَبْقَ دار من الأنصار إلا وفيها ذِكْرٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان العام المقبل وافَى الموسم من الأنصار اثنا عشر رَجُلاً: أسعد بن زرارة، وعوف ومعاذ - ابنا عفراء، ورافع بن مالك بن العجلاني، وذكوان بن عبد القيس، وعبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة، وعباس بن عبادة، وعقبة بن عامر، وقُطْبَةُ بن عامر - وهؤلاء خزرجيُّون - وأبو الهيثم بن التَّيِّهَانِ، وعويم بن ساعدة - من الأوس - فلَقَوْه في "العقبة" - وهي العقبة الأولى - فبايعوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، على ألا يُشْركوا بالله شيئاً، ولا يسرقوا ولا يزنوا.. إلى آخر الآية، فإن وفَّيْتُم فلكم الجنة، وإن غشيتم شيئاً من ذلك، فَأخِذتم بِحدِّهِ في الدنيا فهو كَفَّارة له، وإن سَتَرهُ الله عليكم فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم، وإن شاء غفر لكم، قال: وذلك قبل أن يفرض عليهم الحرب، قال: فلما انصرف القوم بعث معهم رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف وأمره أن يُقْرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويُفقههم في الدين، فنزل مصعب على أسعد بن زرارة، ثم إن أسعد بن زرارة خرج بمصعب، فدخل به حائطاً من حوائط بني ظفر، فجلسا في الحَائِطِ، واجتمع إليهما رجال من أسلم، فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دَارَنَا - لِيُسَفِّهَا ضعفاءنا - فازجرهما وانْهَهما عن أن يأتيا دارَنا، فإن أسعد ابن خالتي، ولولا ذلك لكفيتك، وكان سعد بن معاذ وأسيد بن حضير سَيِّدَي قومهما من بني عبد الأشهل وهما مشركان، فأخذ أسيد بن حضير حَرْبَتَهُ، ثم أقبل إلى مصعب وأسعد - وهما جالسان في الحائط - فلما رآه أسعد بن زرارَةَ قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك، فاصدق الله فيه. قال مصعب: إن يجلس أكَلِّمْهُ، فوقف عليهما متشتماً، فقال: ما جاء بكما إلينا، تسفِّهان ضعفاءَنا؟ اعتزلا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة. فقال مصعب: أو تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كفّ عنك ما كرهت. قال: أنصفت، ثم ركز حريته وجلس إليهما، فكلَّمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن نتكلم في إشراق وجهه وتسهُّله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله، كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قال: تغتسل، وتُطهِّر ثوبك، ثم تشهد شهادةَ الحق، ثم تصلي ركعتين. فقالم واغتسل، وغسل ثوبه، وتشهد شهادة الحق، وصلى ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلاً إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن، ثم أخَذَ حَرْبَتَهُ، وانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلوس في ناديهم - فلما نظر إليه بن معاذ مُقْبِلاً قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسَيْدٌ بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النَّادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأساً، وقد نهيتهما، فقالا: تفعل ما أحببت، وقد حدثت أن من بني حارثة أناساً خرجوا إلى أسعد بن زرارة، ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك، ليخفروك. فقام سعد مُغْضَباً مبادراً تخوُّفاً للذي ذُكِرَ له من بني حارثة، فأخذ الحربة، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئاً، فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيداً إنما أراد أن يَسْمَعَ منهما، فوقف عليهما متشتماً، فقال لأسعد بن زرارة: والله لولا ما بيني وبينك من القَرَابة، ما رمت هذا مني، أتغشانا في دارنا بما نَكْرَهُ؟ فقال أسعد بن زرارة لمصعب بن عمير: أي مصعب، جاءك - والله - سيد مَنْ وراءَه من قومه، إن يتبعك لم يتخلف عنك منهم أحد. فقال له مصعب: أفتقعد وتسمع؟ فإن رضيت أمراً، ورغبت فيه، قبلته، وإن كرهته، عَزَلْنَا عنك ما تكره. قال سعد: أنْصَفْتَ، ثم ركز الحَرْبَةَ، فجلس، فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن. قالا: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يَتَكَلَّمَ به، ثم قال: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل وتطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين، فقام واغتسل وطهر ثوبه وتشهد شهادة الحق وركع ركعتين، ثم أخذ حربته، فأقبل عامداً إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير. فلما رآه قومه مُقْبِلاً، قالوا: نحلف بالله لقد رَجَعَ سعد إليكم، بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم. فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأياً، وأيمننا نقيبة. قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرامٌ، حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فما أمسى في دار عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلم أو مسلمة، ورجع أسعد بن زرارة ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام، حتى لم تَبْقَ دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد، وخطمة، ووائل، وواقف؛ وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت الشاعر، وكانوا يسمعونه ويطيعونه، فوقف بهم عن الإسلام، حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى "المدينة" ومضى بدر وأحد والخندق. قال: ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى "مكة" وخرج معه من الأنصار سبعون رجلاً مع حُجَّاج قومهم من أهل الشرك، حتى قدموا "مكة"، فواعدوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق، وهي بيعة العقبة الثانية. قال كَعْبُ بْنُ مَالِك: فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر أخبرناه، وكنا نكتم على مَنْ معنا من المشركين أمرنا - وكلمناه، وقلنا له، يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا، شريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حَطَباً للنار غداً، ودعوناه إلى الإسلام، فأسلم، وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد معنا العَقَبَة - وكان نقيباً فيها - فَبِتْنَا تلك الليلة مع قومنا في رِحَالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نَتَسَلَّلُ مُسْتَخْفِين تَسَلُّلَ القَطَا، حتى إذا اجتمعنا في الشِّعْب عند "العقبة"، ونحن سبعون رجلاً ومعنا امرأتان من نسائنا، نسيبة بنت كعب، أم عمارة إحدى نساء بني النجَّار، وأسماء بنت عمرو بن عَدِيِّ، أم منيع، إحدى نساء بني سلمة، فاجتمعنا في الشِّعْب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه عمه العَبَّاسُ بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثّق له، فلما جلسنا كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب. فقال: يا معشر الخزرج - وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من أنصار خزرجها وأوسها - إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، وهو في عِزٍّ من قومه، ومَنَعَةٍ في بلده، وإنه قد أبَى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم فإن كنتم ترون أنكم وَافُونَ له بما دَعوْتُمُوهُ إليهِ، ومَانِعُوهُ ممن خالفه، فأنتم وما تَحَمَّلْتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مُسْلِموه، وخاذلوه - بعد الخروج إليكم - فمن الآن فَدَعُوهُ؛ فإنه في عِزٍّ ومَنَعةٍ. قال: فقلنا: قد سمعنا ما قلتَ، فَتَكَلَّمْ يا رسولَ الله، وخُذْ لنفسك ولربك ما شِئْتَ. قال: فتكلَّم رسولُ الله، فتلا القرآن ودعانا إلى الله - عز وجل - ورَغَّبَ في الإسلام، ثم قال: حديث : أبايِعُكُمْ عَلَى أنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَآبْنَاءَكُمْ -. فأخذ البراء بن مَعْرُورٍ بيده، ثم قال: والذي بعثك بالحق نبيًّا، لنمنعنَّك مما نمنع منه أَزْرَنا، فبايِعْنا يا رسول الله، فنحن أهل الحرب، وأهل الحلقة، ورثناها كابراً عن كابرٍ، قال: فاعترض القول - والبراء يُكَلِّم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم - أبو الهيثم بن التَّيْهان. فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الناس حبالاً - يعني العهود - وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله، أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسَّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "لا، بل الأبدَ الأبدَ، الدَّمَ الدَّمَ، الهدمَ الهدمَ، أنْتُمْ مِنِّي وَأنَا مِنْكُمْ، أحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمُ، وأسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمُ"تفسير : ثم قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أخْرِجُوا إليَّ منكم اثني عَشَرَ نَقِيْباً، كُفلاء على قومهم بما فيهم ككفالة الحَوَاريينَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَتفسير : فأخرجوا تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس. قال عاصم بن عمرو بن قتادة: إن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاريّ: يا معشرَ الخزرج، فهل تدرون عَلاَمَ تبايعون هذا الرجل إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود، فإن كنتم تَرَونَ أنكم إذا أنْهِكَتْ أموالكم مصيبةً، وأشرافكم قتلى أسلمتموه فمن الآن، فهو والله خِزْيٌ في الدنيا والآخرةِ، وإن كنتم تَرَوْنَ أنكم وافون له بما دَعوتُمُوه إليه على تهلكة الأموال، وقَتْلِ الأشْراف فخُذوه، فهو - والله - خير الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال، وَقَتْل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وَفَّيْنَا؟ قال: الجَنَّةُ. قالوا: ابْسُطْ يدك، فبسط يده، فبايعوه، وأول مَنْ ضَرَبَ على يده: البَرَاءُ بن معرور، ثم بايع القومُ. قال: فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشَّيْطان من أعلى رأس العَقَبة بأنفذ صوت ما سمعته قط: يا أهل الجباجب، هل لكم في مُذَمَّم والصُّبَاة معه، قد اجتمعوا على حَرْبكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : هَذَا عَدُوُّ اللهِ، أزَبُّ العَقَبَة، اسمعْ أيْ عَدُوَّ اللهِ - أمَا وَاللهِ لأفْرُغَنَّ لَكَ.تفسير : ثم قال صلى الله عليه وسلم: حديث : ارْفَضُّوا إلَى رِحَالِكُمْ. فقال العباس بن عبادة بن نَضْلة: والذي بعثك بالحق، لئن شئتَ لنميلن غداً على أهل مِنًى بأسيافنا، فقال صلى الله عليه وسلم: "لَمْ نُؤْمَرْ بذلك، وَلِكِنْ ارْجِعُوا إلَى رِحَالِكُمْ"تفسير : فرجعنا إلى مضاجعنا، فنمنا عليها، حتى أصبحنا، فلما أصبحنا، غدت علينا جُلَّةُ قريش، حتى جاءونا في منازلنا، فقالوا: يا معشرَ الخزرج، بلغنا أنكم جئتم صاحبنا هذا، تستخرجونه من بين أظْهُرنا، وتبايعونه على حَرْبِنَا، وإنه - والله - ما حي من العرب أبغض إلينا، أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم. قال: فانبعث مَنْ هناك من مشركي قَوْمِنَا، يحلفون لهم بالله، ما كان من هذا شيء وما علمناه - وصَدَقُوا، لم يعلموا - وبعضنا ينظر إلى بَعْضٍ، وقام القوم، وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ - وعليه نَعْلاَن جديدان - فقُلت له كلمة - كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا - يا أبا جابر، أما تستطيع أن تتخذ - وأنت سيد من سادتنا - مثل نَعْلَيْ هذا الفتى من قُرَيش؟ قال فسمعها الحارثُ، فخلعهما من رِجْلَيْه، ثم رمى بهما إليَّ، وقال: والله لتنتعلنّهما. قال: فقال أبو جابر: مَهْ والله لقد أحفظت الفتى، فاردد إليه نعليه، قال: والله لا أردُّهما، قال: والله يا أبا صالحٍ، لئن صَدَق الفال لأسلبنَّه. قال: ثم انصرف الأنصار إلى "المدينة" - وقد شدوا العَقْد - فلما قدموها أظهر الله الإسلام بهم وبلغ ذلك قريشاً، فآذوا أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: إن الله قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون فيها، فأمرهم بالهجرة إلى "المدينة"، واللحوق بإخوانهم من الأنصار، فأول من هاجر إلى "المدينة": أبو سلمة بن عبد الأسد المخزوميّ، ثم عامر بن ربيعة، ثُم عبد الله بن جحش، ثم تابع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرْسَالاً إلى "المدينة"، فجمع الله أهْلَ "المدينة" - أوْسَهَا وخَزْرَجَها - بالإسلام، وأصلح الله ذات بينهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا معنى قوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً} [آل عمران: 103] يا معشر الأنصار قبل الإسلام {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} بالإسلام {فَأَصْبَحْتُمْ} أي: فصرتم. و "أصبح" من أخوات "كان" فإذا كانت ناقصة، كانت مثل "كان" في رفع الاسم ونَصْب الخبر، وإذا كانت تامة رفعت فاعلاً، واستغنت به، فإن وجد منصوب بعدها فهي حال، وتكون تامة إذا كانت بمعنى دخل في الصباح، تقول: أصبح زيد، أي دخل في الصباح، ومثلها - في ذلك - "أمسى" قال تعالى {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} تفسير : [الروم: 17] وقال: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ} تفسير : [الصافات: 137]. وفي أمثالهم: "إذا سمعت بسرى القين فاعلم أنه مصبح"؛ لأن القين - وهو الحداد - ربما قلَّت صناعته في أحياء العرب، فيقول: أنا غداً مسافر، فيأتيه الناس بحوائجهم، ويقيم، ويترك السفر، فأخرجوه مثلاً لمن يقول قولاً ويخالفه. والمعنى: فاعلم أنه مقيم في الصباح. ويكون بمعنى "صار" عملاً ومعنًى. كقوله: [الخفيف] شعر : 1557- فَأصْبَحُوا كَأنَّهُمْ وَرَقٌ جَفْـ فَ فَألْوَتْ بِهِ الصَّبَا وَالدَّبُورُ تفسير : أي: صاروا. و"إخواناً" خبرها، وجوَّزوا فيها - هنا - أن تكون على بابها - من دلالتها على اتصاف الموصوف بالصفة في وقت الصباح، وتكون بمعنى: "صار" - وأن تكون تامة، أي: دخلتم في الصباح، فإذا كانت ناقصة على بابها - فالأظهر أن يكون "إخْناناً" خبرها، و "بنعمته" متعلق به لما فيه من معنى الفعل، أي: تآخيتم بنعمته، والباء للسببية. وجوَّز أبو حيان أن تتعلق بـ "أصْبَحْتم"، وقد عُرف ما فيه من خلاف. وجوّز غيره أن تتعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل "أصْبَحْتُمْ"، أي: فأصبحتم إخواناً ملتبسين بنعمته، أو حال من "إخواناً"؛ لأنه في الأصل - صفة له. وجوَّزوا أن تكون "بِنِعْمَتِهِ" هو الخبر، و "إخواناً" حال والباء بمعنى الظرفية، وإذا كانت بمعنى: "صار" جرى فيها ما تقدم من جميع هذه الأوجه، وإذا كانت تامة، فإخواناً حال، و "بِنِعْمَتِهِ" فيه ما تقدم من الأوجه خلا الخبرية. قال ابن عطية: "فأصْبَحْتُمْ" عبارة عن الاستمرار - وإن كانت اللفظة مخصوصة بوقت - وإنما خُصَّت هذه اللفظة بهذا المعنى من حيث مبدأ النهار، وفيه مبدأ الأعمال، فالحال التي يحبها المرء من نفسه فيها هي التي يستمر عليها يومَه في الأغلب. ومنه قول الربيع بن ضَبع: [المنسرح] شعر : 1558- أصْبَحْتُ لاَ أحْمِلُ السِّلاَحَ وَلاَ أمْلِكُ رَأسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرَا تفسير : قال أبو حيان: وهذا الذي ذكره - من أن "أصبح" للاستمرار وعلله بما ذكره - لم أر أحداً من النحويين ذهب إليه، إنما ذكروا أنها تُسْتَعْمَل بالوجهين اللذين ذكرناهما. قال شهاب الدين: وهذا - الذي ذكره ابن عطية - معنى حَسَنٌ، وإذا لم يَنُصّ عليه النحويون لا يُدْفَع؛ لأن النحاة - غالباً - إنما يتحدثون بما يتعلق بالألفاظ، وأما المعاني المفهومة من فَحْوى الكلام، فلا حاجة إلى الكلام عليها غالباً. والإخوان: جمع أخ، وإخوة اسم جمع عند سيبويه، وعند غيره هي جمع. وقال بعضهم: إن الأخ في النسب - يُجْمَع على: "إخوة"، وفي الدين يُجْمَع على: "إخوان"، هذا أغلب استعمالهم، وقال تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} تفسير : [الحجرات: 10] ونفس هذه الآية تَرُدُّ ما قاله؛ لأن المراد - هنا - ليس أخُوَّة النسب إنما المراد أخوة الدين والصداقة. قال أبو حاتم: قال أهل البصرة: الإخوة في النسب، والإخوان في الصداقة، قال: وهذا غلط؛ يقال للأصدقاء والأنسباء: إخوة، وإخوان، قال تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} تفسير : [الحجرات: 10] ولم يَعْنِ النسب، وقال تعالى: {أية : أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ} تفسير : [النور: 61] وهذا في النسب. وهذا الرد من أبي حاتم إنما يتّجِه على هذا النقل المُطْلق، ولا يرد على النقل الأول؛ لأنهم قيدوه بالأغلب في الاستعمال. قال الزجاج: أصل الأخ - في اللغة - من التوخي - وهو الطلب؛ فإن الأخ مقصده مقصد أخيه، والصديق مأخوذ من أن يصدق كل واحد من الصديقين ما في قلبه، ولا يُخْفِي عنه شيئاً. قوله: {وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ} شَفَا الشيء: طرفه وحرفه، وهو مقصور من ذوات الواو، ويُثَنَّى بالواو نحو: شَفَوَيْن ويكتب بالألف، ويُجْمَع على أشفاء، ويُسْتَعْمَل مضافاً إلى أعلى الشيء وإلى أسفله، فمن الأول: {أية : شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} تفسير : [التوبة: 109] ومن الثاني: هذه الآية. وأشْفَى على كذا: قاربه، ومنه: أشفى المريض على الموت. قال يعقوب: يقال للرجل عند موته، وللقمر عند محاقه، وللشمس عند غروبها: ما بقي منه، أو منها، إلا شَفاً، أي: إلا قليل. وقال بعضهم: يقال لما بين الليل والنهار، وعند غروب الشمس إذا غاب بعضها: شَفاً. وأنشد: [الرجز] شعر : 1559- أدْرَكْتُهُ بِلاَ شَفاً، أوْ بِشَفَا وَالشَّمْسُ قَدْ كَادَتْ تكونُ دَنفَا تفسير : قوله بلا بشفا: أي: غابت الشمسُ، وقوله: أو بشفا، أي: بقيت منه بقية. قال الراغب: والشفاء من المرض: موافاة شفا السلامة، وصار اسماً للبُرْء والشفاء. قال البخاري: قال النحاس: "الأصل في شفا - شَفَوٌ، ولهذا يُكْتَب بالألف، ولا يمال". وقال الأخفش: "لما لم تَجُز فيه الإمالة عُرِفَ أنه من الواو"؛ لأن الإمالةَ من الياء. قال المهدويّ: "وهذا تمثيل يُراد به خروجُهم من الكفر إلى الإيمان". قوله: {فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا} في عَود هذا الضمير وجوه: أحدها: أنه عائد على "حُفْرَةٍ". والثاني: أنه عائد على "النَّارِ". قال الطبريّ: إن بعض الناس يُعيده على الشفا، وأنث من حيث كان الشفا مضافاً إلى مؤنث، كما قال جرير: [الوافر] شعر : 1560- أرَى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي كَمَا أخَذَ السِّرَارُ مِنَ الْهِلاَلِ تفسير : قال ابن عطية: "وليس الأمر كما ذكروا؛ لأنه لا يُحتاج - في الآية - إلى مثل هذه الصناعة، إلا لو لم يجد للضمير مُعَاداً إلا الشفا، أما ومعنا لفظ مؤنث يعود الضميرُ عليه، ويُعَضِّده المعنى المتكلَّم فيه، فلا يحتاج إلى تلك الصناعة". قال أبو حيان: "وأقول: لا يحسن عَوْدُه إلا على الشفا؛ لأن كينونتهم على الشفا هو أحد جزأي الإسناد، فالضمير لا يعود إلا عليه، وأما ذِكْرُ الحفرة، فإنما جاءت على سبيل الإضافة إليها، ألا ترى أنك إذا قلت: كان زَيْدٌ غلامَ جَعْفَر، لم يكن جعفر محدِّثاً عنه، وليس أحد جُزْأي الإسناد، وكذا لو قلتَ: زيد ضرب غلامَ هند، لم تُحَدِّث عن هند بشيء، وإنما ذكرت جعفراً وهنداً؛ تخصيصاً للمحدَّث عنه، وأما ذكر: "النَّارِ" فإنما ذُكِرَ لتخصيص الحُفْرة، وليست - أيضاً - أحد جزأي الإسناد، وليست أيضاً محدَّثاً عنها، فالإنقاذ من الشفا أبلغ من الإنقاذ من الحفرة من النار؛ لأن الإنقاذ منه يستلزم من الحُفْرة ومن النار، والإنقاذ منهما لا يستلزم الإنقاذ من الشفا، فعَوْدُه على الشفا هو الظاهر من حيث اللفظ ومن حيث المعنى". قال الزجَّاج: "وقوله: "مِنْهَا" الكناية راجعة إلى النار، لا إلى الشَّفَا؛ لأنَّ القصد الإنجاء من النار لا من شفا الحفرة". وقال غيره: "الضمير عائد إلى الحُفْرَةِ؛ ولما أنقذهم من الحُفْرَةِ فقد أنقذهم من شَفَا الحفرة؛ لأن شفاها منها". قال الواحديّ: على أنه يجوز أن يذكر المضاف إليه، ثم تعود الكناية إلى المضاف إليه - دون المضاف، كقول جرير: [الوافر] شعر : 1561- أرَى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي كَمَا أخَذَ السِّرَارُ مِنَ الْهِلاَلِ تفسير : كذلك قول العجاج: [الرجز] شعر : 1562- طُولُ اللَّيَالِي أسْرَعَتْ فِي نَقْضِي طَوَيْنَ طُولِي وَطَوَيْنَ عَرضِي تفسير : قال: وهذا إذا كان المضاف من جنس المضاف إليه، فإن مَرَّ السنين هو المسنون، وكذلك شفا الحُفْرة من الحفرة، فذكَّر الشَّفَا، وعادت الكناية إلى الحفرة. وهذان القولان نَصٌّ في رَدِّ ما قاله أبو حيان، إلا أن المعنى الذي ذكره أولَى؛ لأنه إذا أنقذهم من طَرف الحفرة فهو أبلغ من إنقاذهم من الحفرة، وما ذكره - أيضاً - من الصناعة واضح. قال بعضهم: "شَفَا الحُفْرة، وشفتها: طرفها، فجاز أن يخبر عنها بالتذكير والتأنيث". والإنقاذ: التخليص والتنحِية. قال الأزهَريُّ: "يقال: أنقذته، ونقذته، واستنقذته، وتنقَّذْتُه بمعنًى ويقال: فرس نقيذ، إذا كان مأخوذاً من قوم آخرين؛ لأنه استُنْقِذَ منهم". والحفرة: فُعْلَة بمعنى: مفعولة، كغُرْفة بمعنى: مغروفة. فصل قيل معناه: إنكم كنتم مُشْرِفين على جهنمَ بكُفْركم؛ لأن جهنم مشبهة بالحُفْرة التي فيها النار، فجعل استحقاقهم النار بكفرهم، كالإشراف منهم على النار، والمصير منهم إلى حَرْفها، فبيَّن - تعالى - أنه أنقذهم من هذه الحُفرة، بعد أن قربوا من الوقوع فيها. قالت المعتزلة: ومعنى ذلك أن الله - تعالى - لطف بهم بالرسول صلى الله عليه وسلم وسائر ألطافه حتى آمنوا. وقال أهل السنة: جميع الألطاف مشترك بين المؤمن والكافر، فلو كان فاعل الإيمان وموجده هو العبد لكان العبد هو الذي أنقذ نفسه من النار، والله - تعالى - حكم بأنه هو الذي أنقذهم من النار، فدل هذا على أنه خالق أفعال العباد. قوله تعالى: {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ} نعت لمصدر محذوف، أو حال من ضميره، أي: يبين الله لكم تَبْييناً مثل تبيينه لكم الآيات الواضحة، لكي تهتدوا بها. قال الجبائي: "الآية تدل على أنه - تعالى - يُريد منهم الاهتداء". قال الواحدي: إن المعنى: لتكونوا على رَجاء هدايته. وهذا فيه ضَعْفٌ؛ لأن على هذا التقدير يلزم أن يريد الله منهم ذلك الرجاء، وعلى مذهبنا قد لا يريده. وأجاب غيره بأن كلمة "لَعَلَّ" للترجي، والمعنى: أنا فعلنا فعلاً يشبه فعل من يترجى ذلك. قوله: {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ} اعلم أنه - تعالى - لما عاب على أهل الكتاب كفرهم وسعيهم في تكفير الغير خاطب المؤمنين بتقوى الله والإيمان به، فقال: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ} ثم أمرهم بالسعي في إلقاء الغير في الإيمان والطاعة، فقال: {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ} يجوز أن تكون التامة، أي: ولتوجد منكم أمة، فتكون "أمَّةٌ": فاعلاً، و "يَدْعُونَ": جملة في محل رفع صفة لـ "أمة"، و "مِنْكُمْ" متعلق بـ "تكن" على أنها تبعيضية. ويجوز أن يكون: "مِنْكُمْ" متعلِّقاً بمحذوف على أنه حال من "أمَّةٌ" إذْ كان يجوز جعله صفةً لها لو تأخر عنها. ويجوز أن تكون "مِنْ" للبيان؛ لأن المبيَّن - وإن تأخر لفظاً - فهو متقدم رتبة. ويجوز أن تكون الناقصة، فـ "أمةٌ" اسمها، و "يَدْعُونَ" خبرها، و "مِنْكُمْ" متعلق إمَّا بالكون، وإمَّا بمحذوف على الحال من "أمةٌ". ويجوز أن يكون "مِنْكُمْ" هو الخبر، و "يَدْعُونَ" صفة لـ "أمة"، وفيه بُعد. وقرأ العامة: "وَلْتَكُنْ" بسكون اللام. وقرأ الحسن والزهريّ والسلميّ بكسرها، وهو الأصل. وقوله: {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} من باب ذكر الخاص بعد العام؛ اعتناء به - كقوله: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} تفسير : [البقرة: 98] -؛ لأن اسم "الْخَيْر" يقع عليهما، بل هما أعظم الخيور. فصل قال بعض العلماء: "مِنْ" - هنا - ليست للتبعيض، لوجهين: الأول: أنه أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كُل الأمة. الثاني: أنه يجب على كل مكلَّف الأمر بالمعروف والنَّهْي عن المنكر - إما بيده، أو لسانه، أو بقلبه - فيكون معنى الآية: كونوا أمةً دُعاةً إلى الخير، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر. وكلمة: "مِنْ": إنما هي للتبيين، كقوله: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} تفسير : [الحج: 30] ويقال: لفلان من أولاده جند، وللأمير من غِلْمانه عَسْكَر، والمراد: جميع الأولاد والغلمان لا بعضهم - فكذا هنا. ثم إذا قلنا بأنه يجب على الكُلِّ، فيسقط بفعل البعض، كقوله تعالى: {أية : ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} تفسير : [التوبة: 41]، وقوله: {أية : إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} تفسير : [التوبة: 39] فالأمر عامٌّ، ثم إذا قام به مَنْ يكفي، سقط التكليف عن الباقين والقائلون بالتبعيض اختلفوا على قولين: أحدهما: أن في القوم مَنْ لا يقدر على الدعوة، والأمر بالمعروف، والنَّهْي عن المنكر - كالمرضى والعاجزين. الثاني: أن هذا التكليف مختصّ بالعلماء؛ لأن الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر مشروطة بالعلم بهم، ونظيره قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} تفسير : [الحج: 41] وليس كل الناس يُمَكنون. وقوله: {أية : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ} تفسير : [التوبة: 122]، وأيضاً الإجماع على أن ذلك واجب على الكفاية، وإذا كان كذلك كان المعنى: ليقُمْ بذلك بعضُكم. وقال الضَّحَّاك: المراد بهذه الآية: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم كاوا يتعلمون من الرسول صلى الله عليه وسلم ويعلّمون الناس. قال القُرْطُبِيُّ: "وقرأ ابنُ الزبير: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم". قال ابن الأنباري: "هذه الزيادة تفسير من ابن الزبير، وكلام من كلامه، غلط فيه بعض الناقلين، فألحقه بألفاظ القرآن، يدل على ذلك أن عثمان بن عفان قرأ: ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم. فما يشك عاقل في أن عثمان لا يعتد هذه الزيادة من القرآن؛ إذْ لم يكتبها في مصحفه الذي هو إمام المسلمين". فصل قال المفسرون: الدعوة إلى الخير - أي: إلا الإسلام - والأمر بالمعروف، وهو الترغيب في فعل ما ينبغي، والنهي عن المنكر هو الترغيب في تَرْك ما لا ينبغي، {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي: العاملون بهذه الأعمال هم المفلحون الفائزون، وقد تقدم تفسيره. قال - عليه السلام -: "حديث : مَنْ أمَرَ بالْمَعْرُوفِ، وَنَهَى عَنِ المُنْكَرِ، كَانَ خَلِيفَةَ اللهِ، وَخلِيفَةَ رَسُولِهِ، وَخَلِيْفَةَ كِتَابِهِ" تفسير : وقال - أيضاً -: "حديث : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأمُرنَّ بِالْمَعْرُوفِ، ولتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ لَتدْعُنَّهُ فَلاَ يُسْتَجَابَ لَكُمْ ". تفسير : قوله: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ}. قال أكثر المفسرين: هم اليهود والنصارى، وقال بعضهم: هم المُبْتَدِعَةُ من هذه الأمة. وقال أبو أمامةُ: هم الحرورية بالشام. وقال عبد الله بن شداد: وقف أبو أمامة - وأنا معه - على رؤوس الحرورية بالشام فقال: كلاب النار كانوا مؤمنين، فكفروا بعد إيمانهم، ثُمَّ قرأ: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ} الآية. وروى عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَنْ سرَّه بَحْبُوحَةُ الجَنَّةِ فَعَلَيْهِ بِالْجَمَاعَةِ؛ فإنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الواحِدِ، وَهُوَ مِنَ الاثْنينِ أبْعَدُ ". تفسير : وذكر الفعلَ في قوله: {وجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} للفصل ولكونه غيرَ حقيقيِّ؛ لأنه بمعنى الدلائل. وقيل: لجواز حذف علامة التأنيث من الفعل - إذا كان فعل المؤنث متقدِّماً. والتفرق والافتراق واحد، ملا رَوَى أبو برزة - في حديث بيع الفرس -، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : البَيْعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَإنِّي لأرَاكُما قَدِ افْتَرَقْتُمَا" تفسير : فجعل التفرُّقَ والافتراقَ بمعنًى واحدٍ، وهو أعلم بلغة الصحابة، وبكلام النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال القرطبي: وأهل اللغة فرَّقوا بين فَرَقْت - مخففاً - وفرَّقت مشدداً، فجعلوه - بالتخفيف - في الكلام، وبالتثقيل في الأبدان". قال ثعلب: "أخبَرَني ابن الأعرابيّ، قال: يقال: فرَقْتُ بين الكلامين - مخففاً - فافترقا، وفرَّقْت بين الاثنين بالتشديد فتفرقا". فجعل الافتراق في القول، والتفرق في الأبدان، وكلام أبي برزة يرد هذا. وقال بعضهم: {تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ} معناهما مختلف. فقيل: تفرقوا بالعداوة، واختلفوا في الدين. وقيل: تفرقوا بسبب استخراج التأويلاتِ الفاسدةِ لتلك النصوصِ، واختلفوا في أن حاول كلُّ واحدٍ منهم نُصْرَةَ مَذْهَبِهِ. وقيل: تفرقوا بأبدانهم - بأن صار كل واحد من أولئك الأخيار رئيساً في بلدٍ. قوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} يعني: بسبب تفرُّقهم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في الناسخ والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله {اتقوا الله حق تقاته} قال: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر. وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه من وجه آخر عن ابن مسعود قال: "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {اتقوا الله حق تقاته} أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة {اتقوا الله حق تقاته} قال: أن يطاع فلا يعصى، وان يذكر فلا ينسى. قال عكرمة: قال ابن عباس: فشق ذلك على المسلمين، فأنزل الله بعد ذلك {أية : فاتقوا الله ما استطعتم} تفسير : [التغابن: 16]. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله {اتقوا الله حق تقاته} أن يطاع فلا يعصى. فلم يستطيعوا قال الله {فاتقوا الله ما استطعتم}. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت هذه الآية اشتد على القوم العمل، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم، وتقرحت جباههم، فأنزل الله تخفيفاً على المسلمين {فاتقوا الله ما استطعتم} فنسخت الآية الأولى. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود {اتقوا الله حق تقاته} قال: نسختها {فاتقوا الله ما استطعتم}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه من طريق علي عن ابن عباس في قوله {اتقوا الله حق تقاته} قال: لم تنسخ ولكن {حق تقاته} أن يجاهدوا في الله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم. وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس قال: لما نزلت {اتقوا الله حق تقاته} ثم نزل بعدها {فاتقوا الله ما استطعتم} نسخت هذه الآية التي في آل عمران. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن قتادة في قوله {اتقوا الله حق تقاته} قال: نسختها الآية التي في التغابن {فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا} وعليها بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فيما استطاعوا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {اتقوا الله حق تقاته} قال: نزلت هذه الآية في الأوس والخزرج وكان بينهم قتال يوم بعاث قبيل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهم، فأنزل هذه الآيات. وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال: لا يتقي اللَّهَ العبدُ حق تقاته حتى يخزن من لسانه. وأخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وصححاه والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ولو أن قطرة من الزقوم قطرت لأمرت على أهل الأرض عيشهم، فكيف ممن ليس له طعام إلا الزقوم؟ ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن طاوس {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} وهو أن يطاع فلا يعصى، فإن لم تفعلوا ولم تستطيعوا {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} قال: على الإسلام، وعلى حرمة الإسلام". وأخرج الخطيب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يتقي الله عبد {حق تقاته} حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ".

التستري

تفسير : كقوله: {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ}[102] أي مفوضون.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [الآية: 102]. تلف النفس فى مواجبه. قال القاسم: بذل المجهود واستعمال الطاعة وترك الرجوع إلى الراحة، ولا سبيل إليه لأن أوائل طرق الوصول التلف. قال الواسطى رحمة الله عليه: هو إتلاف النفس فى مواجبه. قال ابن عطاء: حق تقاتهِ: هو صدق قول لا إله إلا الله وليس فى قلبك سواه. وقال بعضهم: أراد به أن يُعرّفنا مواضع فضله فيما رفهنا فيه من استعمال مواجبه، لأن واجب الحق لا يتناهى والعمل به لا يتناهى. سمعت أبا الحسين الفارسى يقول: سمعت ابن عطاء يقول: حقيقة التقوى كل التقوى من إذا قال قال لله، وإذا عمل عمل لله، وإذا نوى نوى لله، ويكون بالله ولله، وقيل أيضًا إنه التورع عن جميع الشبهات. قال النصرآباذى: حق تقاته أن يتقى كل ما سواه. قال جعفر: التقوى: أن لا ترى فى قلبك شيئًا سواه. قال الواسطى رحمة الله عليه: الأكوان كلها أقدار فى ميدان الحق، وميدان الحق لا يطأه إلا من اتقى ما سواه؛ قال الله تعالى: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}. قال بعضهم: ما اتقى الله حق تقاته من سكن إلى شئ سواه. قوله تعالى: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} [الآية: 64]. قال الواسطى رحمه الله: صفَّى النبى أصحابه وخاصّهم فاختار منهم سبعين رجلاً الذين بايعوا ليلة العقبة ثم صفاهم ثانيًا فاختار منهم عشرةً، فقال: هؤلاء فى الجنة، ومدح كل واحدٍ منهم بمدحةٍ وحلاه بحليةٍ ثم صفاهم فاختار منهم أربعة جعلهم خلفاء من بعده ثم صفَّى واختار اثنين، وقال: " حديث : اقتدوا بالَّذَيْن من بعدى أبى بكر وعمر - رضى الله عنهما - " تفسير : ثم صفى فاختار واحدًا، فقال: " حديث : لو وزن إيمانُ أبى بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم ". تفسير : ثم نقاه من الأصل فقال: " حديث : لو كنت متخذًا خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ". تفسير : وأصل هذا كله. انقطاع الرؤية عن المكتوبات لقوله: ولا يتخذ بعضُنا بعضًا أربابًا من دون الله.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}. حقُّ التقوى أن يكون على وفق الأمر لا يزيد من قِبَلِ نَفْسِه ولا ينقص. هذا هو المعتمد من الأقاويل فيه، وأمره على وجهين: على وجه الحَتْم وعلى وجه النَدْب وكذلك القول في النهي على قسمين: تحريم وتنزيه، فيدخل في جملة هذا أن يكون حق تقاته أولاً اجتناب الزلة ثم اجتناب الغفلة ثم التوقي عن كل خلة ثم التنقي من كل عِلَّة، فإذا تَقِيتَ عن شهود تقواك بعد اتصافك بتقواك فقد اتَّقَيْت حقَّ تقواك. وحق التقوى رفض العصيان ونفي النسيان، وصون العهود، وحفظ الحدود، وشهود الإلهية، والانسلاخ عن أحكام البشرية، والخمود تحت جريان الحكم بعد اجتناب كل جُرْم وظلم، واستشعار الأنفة عن التوسل إليه بشيء من طاعتك دون صرف كرمه، والتحقق بأنه لا يَقْبل أحداً بعِلَّة ولا يَرُدُّ أحداً بعلة. قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ}. لا تُصَادِفَنَّكم الوفاة إلا وأنتم بشرط الوفاء.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} حق التقوى الفناء تحت سلطان الهيبة والتحير بنعت الحياء فى مقام المعرفة وذوبان القلب فى روية العظمة من سطوة جلال المشاهدة وايضا حق التقوى صون المعهود وحفظ الحدود والخمود تحت جريان القضاء بنعت الرضا وايضا حق التقوى ترك الاكوان والحدثان لمشاهدة الرحمن وايضا الاصفياء بركضه تعريفه حقيقة عين القدم بهم ليعرفوا حق الربوبية بأداء حقيقة المعبودية والزمهم الاستقامة عليها اى عرفوا فى بحق المعرفة ولا تاتونى الا بشرط الاستقامة الا يصادقكم الوفاة الا وانتم بشرط الوفا وهو معنى قوله {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} وقال سهل امروا ان يعبدوا بالتوكل عليه والتفويض اليه اى لا يعرجون فى الدارين على من سواه قال الشيخ ابو عبد الرحمن حق تقاته تلف النفس فى مواجبه وقال القسم بدل المجهود واستعمال الطاعة وترك الرجوع الى الراحة ولا سبيل اليه لان اوابل طرف الوصف التلف وقال الواسطى هو اتلاف النفس فى مواجبه وقال ابن عطا حق تقاته هو صدق قول لا اله الا الله وليس فى قلبك شئ سواه وقال بعضهم ارادته ان يعرفنا مواضع فضله فيمار فهنا فيه من استعمال مواجبه لان واحب الحق لا يتناهى والعمل لا يتناهى وايضا قال ابن عكا حقيقة التقوى فى الظاهر محافظة الحدود وباطنه النية والاخلاص وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم ان سئل عن هذه الاية قال ان يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر قال ابو يزيد التقوى كل التقوى من اذا قال قال لله واذا عمل عمل الله واذا انوى نوى لله ويكون بالله ولله وقيل ايضا من تورع عن جميع الشبهات وقال النصر ابادى حق تقاته ان يتقى كل ما سواه وقال جعفر التقوى ان لا يرى فى قلبك شيئا سواه وقال الواسطى الاكوان كلها اقدار فى ميدان الحق لا يطؤه الا من اتقى سواه قال الله تعالى اتقوا الله حق تقاته.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله} الاتقاء افتعال من الوقاية وهى فرط الصيانة {حق تقاته} اى حق تقواه وما يجب منها وهو استفراغ الوسع فى القيام بالواجب والاجتناب عن المحارم ونحوها فاتقوا الله ما استطعتم يريد بالغوا فى التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئاً {ولا تموتن الا وانتم مسلمون} اى مخلصون نفوسكم لله عز وجل لا تجعلون فيها شركة لما سواه اصلا وهو استثناء مفرغ من اعم الاحوال اى لا تموتن على حال من الاحوال الا حال تحقق اسلامكم وثباتكم عليه فهو فى الصورة نهى عن موتهم على غير هذه الحالة والمراد دوامهم على الاسلام.

الطوسي

تفسير : المعنى: ذكر ابن عباس وطاوس أن هذه الآية محكمة غير منسوخة. وقال قتادة، والربيع، والسدي، وابن زيد: هي منسوخة بقوله. {أية : فاتقوا الله ما استطعتم}تفسير : وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) لأنهم ذهبوا إلى أنه يدخل فيه القيام بالقسط في حال الخوف، والامن، وأنكر أبو علي الجبائي نسخ الآية وذلك، لأن من اتقى جميع معاصيه، فقد اتقى الله حق تقاته. ومثل هذا لا يجوز أن ينسخ، لأنه إباحة لبعض المعاصي. قال الرماني: والذي عندي أنه إذا وجه على {اتقوا الله حق تقاته} بأن تقوموا له بالحق في الخوف والامن لم يدخل عليه ما ذكره أبو علي. وهذا صحيح، لأنه لا يمتنع أن يكون أوجب عليهم أن يتقوا الله على كل حال ثم أباح ترك الواجب عند الخوف على النفس، كما قال {أية : إلا من أكره وقلبه مطمئن الإيمان}تفسير : وأنكر البلخي أيضاً نسخ الآية وقال: لأن في ذلك ايجاب الأمر بما لا يستطاع. قال الرماني: وهذا أيضاً لا يلزم، لأن {ما استطعتم} إنما هو من غير تحمل مشقة بتحريم التقية. وقيل في معنى قوله: {حق تقاته} قولان: أحدهما - قال ابن مسعود، والحسن، وقتادة: إن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى، وهو المروي عن أبي عبد الله (ع). وقال الجبائي: هو أن يتقى جميع معاصيه. وظاهر الآية يقتضي أنه خطاب للمؤمنين خاصة، ويجوز أن يحمل من جهة المعنى على جميع المكلفين على التغليب، لأنه معلوم أنه يجب عليهم من ذلك مثل ما يجب على المؤمنين من اتقاء جميع معاصي الله. اللغة: وقوله: {تقاته} هو من وقيت. قال الزجاج: يجوز فيه ثلاثة أوجه تقاة ووقاة واقاة وحمله على قياس وجوه وأجوه وإن كان هذا المثال لم يجىء منه شيء على الأصل نحو تخمة ونكاة ونقاة غير أنه حمله على الاكثر من نظائره وجعل اختصاص هذا البناء في الاستعمال، لا يمنع من حمله على نظيره في القياس، لأن بازاء قوة الاستعمال قوة النظير في الباب. المعنى، واللغة: وقوله: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} معناه لا تتركوا الاسلام وإنما قال: {فلا تموتن} بلفظ النهي عن الموت من حيث أن الموت لا بد منه، فكأنه قال كونوا على الاسلام، فاذا ورد عليكم الموت صادفكم على الاسلام، فالنهي في الحقيقة عن ترك الاسلام، لئلا يهلكوا بالاقتطاع عن التمكين منه بالموت إلا أنه وضع كلام موضع كلام على جهة تصرف الابدال، لحسن الاستعارة، وزوال اللبس، لأنه لما كان يمكنهم أن يفارقوه بالاسلام فترك الاسلام صار بمنزلة ما قد دخل في إمكانهم. ومثله قولهم لا أراك ها هنا أي لا تكونن ها هنا، فان من كان ها هنا رأيته إلا أن هذا خرج مخرج النهي لغير المنهي عنه فتباعد عن الأصل، فالاول أحسن. لأنه أعدل. وروي عن أبي عبد الله (ع) {وأنتم مسلمون} بالتشديد، ومعناه إلا وأنتم مستسلمون لما أتى به النبي (صلى الله عليه وسلم) ومنقادون له.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} كرّر النّداء لتشريفهم وتهييجهم على الثّبات على الايمان والارتداع عن الكفر ولان يجبر كلفة التكليف بالتّقوى بلذّة النّداء {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} اتّقوا سخطه {حَقَّ تُقَاتِهِ} قد مضى تحقيق معنى التّقوى ومراتبها فى اوّل سورة البقرة وحقّ التّقوى على الاطلاق ان لا يبقى من المتّقى عين ولا اثر بطىّ جميع مراتب التّقوى والانتهاء الى التّقوى عن ذاته وعن تقواه فى جنب ذات الله ولمّا كان التّقوى بهذا المعنى لا تتيسّر الاّ لقليل قالوا: انّ هذه الآية منسوخة بقوله تعالى فى سورة التغابن {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} تفسير : [التغابن:16] لكنّ الحقّ انّ حقّ التّقوى تختلف بحسب اختلاف الاشخاص وبحسب اختلاف مراتب الشّخص الواحد فانّ حقّ التّقوى بالنّسبة الى اصحاب النّفوس الامّارة وبالنّسبة الى من لم يدخل بعد فى دين ولم يبايع البيعة العامّة مع نبىٍّ او خليفته ان يحتاط فى عمله ويطلب من يأخذ منه دينه ويترك ما ينافى طلبه وحقّ التّقوى بالنّسبة الى من دخل فى دين ان يمتثل ما أمر به، ويترك ما نهى عنه، ويطلب من يدلّه على حقّ دينه وروح اعماله، ويترك ما ينافى هذا الطّلب، وحقّ التّقوى بالنّسبة الى من دخل فى الايمان ودخل بذر الايمان فى قلبه ان يمتثل ما امر به وينتهى عمّا نهى عنه بحسب ايمانه، ومراتب التّقوى للدّاخل فى الايمان كثيرة بحسب مراتب المؤمنين ودرجاتهم كما سبق مفصّلاً، وهكذا الحال فى التّقوى بحسب مراتب الشخص الواحد من بشريّته الى فنائه فانّ حقّ التّقوى بحسب البشريّة غيرها بحسب الصّدر والقلب والرّوح وهكذا؛ فالآية على هذا امر للجميع بالاتيان بحقّ التّقوى وكانت موافقة لقوله تعالى: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} تفسير : [التغابن:16] لانّ حقّ التّقوى من كلّ احد ما استطاعه لانّ الله لا يكلّف نفساً الاّ وسعها، وعن الصّادق (ع) انّه سئل عن هذه الآية فقال: يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، ولعلّك تفطّنت بصحّة تعميم الطّاعة والذّكر والشّكر والعصيان والنّسيان والكفر بحسب مراتب المؤمنين {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} يعنى اديموا الاسلام الى حال الموت فالنّهى وارد على القيد لا المقيّد ولا المجموع وقرء فى قراءة اهل البيت (مسلّمون) بالتّشديد يعنى لا تموتنّ الاّ وانتم مسلّمون لرسول الله (ص) ثمّ للامام من بعده، ونسب الى الكاظم (ع) انّه قال لبعض اصحابه: كيف تقرأ هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ} ماذا؟ - قال: {مُّسْلِمُونَ} يعنى بتخفيف الّلام فقال: سبحان الله يوقع عليهم الايمان فيسمّيهم مؤمنين ثمّ يسألهم الاسلام؛ والايمان فوق الاسلام؟! قال: هكذا يقرأ فى قراءة زيد قال: انّما فى قراءة علىّ (ع) وهو التّنزيل الّذى نزل به جبرئيل على محمّد (ص) الاّ وانتم (مسلّمون) لرسول الله (ص) ثمّ الامام من بعده.

الهواري

تفسير : قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: حق تقاته أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر. [قال قتادة: نزلت هذه الآية فثقلت عليهم، ثم أنزل الله اليسر والتخفيف فقال]: (أية : فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا) تفسير : [التَّغابن:16]، وعليها بايع رسول الله على السَّمع والطَّاعَةِ فِيما استطاعوا. قوله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا}. قال الحسن: إنما قال واعتصموا بحبل الله لأنه حبل نزل من السماء هبط عليهم، وهو القرآن. قال علي بن أبي طالب: حبل الله القرآن. قوله: {ولا تفرّقوا}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : افترقت بنو إسرائيل على سبعين فرقة واحدة في الجنة وسائرهم في النار، ولتفترقن هذه الأمة على إحدى وسبعين فرقة واحدة في الجنة وسائرهم في النار . تفسير : قال: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ} أي احفظوا واشكروا نعمة الله عليكم {إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} بالإِيمان، إذ كانت العرب يقتل بعضهم بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً. {فَأَصْبَحْتُم} أي فصرتم {بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا} بالإِسلام {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي لكي تهتدوا. ذكر بعضهم قال: كنتم تذابحون فيها؛ يأكل شديدُكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإِسلام، فآخى به بينكم، وأَلَّف به بينكم. ذكر لنا أن ابن مسعود قيل له: كيف أصبحتم؟ قال أصبحنا بنعمة الله إخواناً. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أتيتكم وأنتم تهافتون في النار، فأخذت بحُجَزِكم فأخرجتكم منها . تفسير : وقال الحسن: وكنتم على شفا حفرة النار. أي: من مات مات إلى النار ومن كان حياً كان على ضلالة وشفا، فأنقذكم منها برسوله وبكتابه.

اطفيش

تفسير : {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}: قال ابن مسعود وابن عباس {حَقَّ تُقَاتِه} هو أن يطاع لا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر. ورواه بعض مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد قدر الاستطاعة، فهو مفسر بقوله تعالى {أية : فاتقوا الله ما استطعتم} تفسير : وقوله {أية : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاَّ وسْعَهَا}تفسير : وذلك فى كميات الطاعات، وكيفيتها، وحالها. وقيل: الآية فى تنزيه الطاعة عن الالتفات إليها وتوقع المجازاة عليها، وقال مجاهد: حق تقاته أن لا تأخذه فى الله لومة لائم، ويقوم بالقسط ولو على نفسه أو ابنه أو أبيه، وقيل: لا يتقى الله عبد حق تقاته حتى يخزن لسانه، ونسب هذا القول إلى ابن عباس، والنسيان والغلط خارجان عن الاستطاعة، وقد يعنف عليهما إذ كان سببهما اشتغال القلب بالفرض، وترك المعصية جداً، وقال ابن عباس فى رواية أخرى عنه، وسعيد بن جبير، وقتادة وابن زيد، والسدى: الآية على عموم لفظها، من لزوم غاية التقوى، حتى لا يقع الإخلال فى شىء من الأشياء، ثم نسخ بقوله تعالى {أية : فاتقوا الله ما استطعتم}تفسير : وقوله {أية : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}تفسير : والصحيح القول بأن الآيتين تفسير لها، وأنهما المراد فيها لا ناسختان لها، وهذا مذهبنا، ويدل له ما رواه معاذ من أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "هل تدرى ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟" قال: الله ورسوله أعلم. قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن يدخلهم الجنة إذا عبدوه ولم يشركوا به أحداً"تفسير : وأما ما روى من أنه لما نزل قولهُ تعالى {أية : اتقوا الله حق تقاته}تفسير : شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله من يقوى على ذلك؟ ثم نزلت تخفيفا بقوله تعالى: {أية : فاتقوا اللهَ ما اسْتَطعْتُم} {أية : ولاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إلا وسعها}تفسير : فمعناه أنهم ظنوا أن الآية على ظاهرها من أنها أمر بما لا يستطاع من حق الله، فنزل ما بين لهم فيه أن المراد بحق التقاة هو ما استطاعوه، وأصل التقاة: وقيه قلبت الواو تاء، أو الياء ألفاً لتحركها بعد فتح، وهو مصدر، وفى صار اسم مصدر لاتقى، وكان بين الأوس والخزرج عداوة فى الجاهلية وقتال ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أصلح بينهم فافتخر منهم بعد ذلك رجلان: ثعلبة بن غنم من الأوس، وسعد بن زرارة من الخزرج، فقال ثعلبة: منا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، ومنا حنظلة غسيل الملائكة، ومنا عاصم بن ثابت بن أفلح حمى الدبر - أى حماه الذباب اللاسع عن أن يمسه مشرك بعدما قتله المشركون - وكان قد عاهد ألا يمس مشركاً، ومنا سعد بن معاذ الذى اهتز عرش الرحمن لموته، ورضى الله بحكمه فى بنى قريظة بقتل مقاتلهم، وسبى غيرهم. وقال سعد بن زرارة: منا أربعة كلهم جمعوا القرآن كله، أبىّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد ومنا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم، فجرى الحديث بينهما حتى غضبا وأنشدا الأشعار وتفاخرا وجاء الأوس والخزرج ومعم السلاح، فأتاهم النبى صلى الله عليه وسلم، فأصلح بينهم، فنزل قوله تعالى {يا أيُّهَا الَّذِيِن آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقّ تُقَاتِهِ}. {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ. وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} إلى قوله تعالى {لعلكم تهتدون} نزل ذلك كله فى شأن افتخار ثعلبة وسعد، ومعنى {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُون} لا تكونوا حال الموت إلا مسلمين، ليس المراد حصر الإسلام بحال الموت ولفظ الآية: نَهْيهم عن أن يصدر موتهم بحال غير الإسلام مع أن الموت ليس بأيديهم، والمراد: الأمر بالسبب أى دوموا على الإسلام، حتى إذا جاءكم الموت ألفاكم مسلمين، فالنهى راجع إلى القيد، أى لا تكونوا غير مسلمين، فإذا متم كنتم موتىعلى غير الإسلام، والمراد بالإسلام: التوحيد والعمل الصالح، واجتناب الكبائر، وقيل: مسلمون، مفوضون إلى الله أموركم محسنون الظن به عز وجل. قال ابن عباس رضى الله عنهما: حديث : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُون}، فقال: "لو أن قطرة من الزقوم قطرت فى دار الدنيا، لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه؟"تفسير : رواه أبو عيسى الترمذى، وقال حسن صحيح، وأخرجه ابن ماجه، ومعنى: {اعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً} تثبتوا بقلوبكم واستعمال جوارحكم فى دين الإسلام، أو فى القرآن، فحبل الله دينه أو قرآنه. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : القرآن حبل الله المتين"تفسير : . ولذلك قال الشاطبى: وبعد فَحَبْلُ الله فِينَا كِتَابُهُ، شبه الدين أو القرآن بالحبل لجامع النجاة بهما من الردى، فاستعار لهُ لفظ الحبل، و{واعتصموا} ترشيح أو شبه الدوام على الدين، أو العمل بالقرآن، بالتمسك بالحبل، فاسم الدوام أو العمل بالاعتصام، فاشتق اعتصم، واستعاره فيكون حبل ترشيحاً، و{جميعاً} حال من الواو، فى اعتصموا، أى مجتمعين. قال أبو سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حبل الله القرآن المتين، لا تنقضى عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد من قال به صدق، ومن عمل به أشد، ومن اعتصم به هدى إلى صراط مستقيم" تفسير : وكذا قال: على حبل الله القرآن وكذلك روى عن قتادة، وقال ابن زيد: هو الإسلام، وقال ابن مسعود: حبل الله الجماعة، قال أنس بن مالك عن النبى صلى الله عليه وسلم: حديث : "إن بنى إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتى ستفترق على اثنين وسبعين فرقة، كلها فى النار إلا واحدة" فقيل: يا رسول الله وما هذه الواحدة؟ فقبض يديه، وقال "الجماعة"، وقرأ {واعتصموا بحبل الله جميعاً}تفسير : . قال ابن مسعود: هى الجماعة وعليكم بالجماعة فإنها حبل الله الذى أمره به، وإنما تكرهون فى الجماعة، والطاعة خير مما تحبون فى الفرقة، وفى رواية عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به ". تفسير : {ولاتَفَرَّقُوا}: عن الحق، بعد أن جمعكم الإسلام عليه، كما تفرق أهل الكتاب، باختلافهم، أو كما تفرقتم فى الجاهلية، يعادى بعضكم بعضاً أو لا تفعلوا أو تذكروا ما يكون به التفرق، وتزول له الألفة، أو لا تكونوا فرقاً بالباطل، بل فرقة واحدة على الحق. قال أبو هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويسخط لكم ثلاثاً: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، وأن تناصحوا من ولى الله أمركم، ويسخط لكم قيل، وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال"تفسير : . والآية ناهية عن التفرق بالفتن، والتفرق بالعقائد فى أم الديانة، وأما التفرق فى مسائل الفروع، فذلك فى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خلاف أمتى رحمة ولكن ينبغى للمقلدين ألا يتفرقوا على أقوال المجتهدين خوف الفتنة، بل يختار لهم قول" تفسير : وقد اختلف الصحابة فى الفروع أشد اختلاف، وهم يد واحدة على الكفار. {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}: معشر الأوس والخزرج وهو الإيمان الجامع لكم، المزيل للغل، المنجى من مضار الدنيا والآخرة، واذكروا إنعام الله عليكم به، فنعمة بمعنى المصدر، أو بمعنى المنعم به، وعلى كل حال تعلق به، إذ من قوله تعالى: {إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً}: لأن فى لفظه دلالة على معنى الحديث، ولو كان بمعنى المنعم به، ويجوز تعليقه بمحذوف حال من نعمة، بمعنى المنعم به، ولا يعلق باذكروا، لأن زمان الأمر بالذكر متأخر عن زمان كونهم أعداءً، والمعنى: اذكروا الآن ما أنعم الله به عليكم فيما مضى من الزمان، زمان الجاهلية، كونكم متعادين بعضكم لبعض. {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ}: بالإسلام. {فَأَصْبَحْتُم}: أى صرتم. {بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً}: متحابين فى الله، وكان الأوس والخزرج، رجلين أخوين لأب وأم، وسميت ذريتهما باسميهما، ووقع بين أولادهما العداوة، وتطاولت الحروب مائة وعشرين سنة، حتى أطفأها الله بالإسلام وألف بينهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، كذلك قال محمد بن اسحاق وغيره ولم يكن الأنصار إسما لهم إلا فى الإسلام، سماهم الله به، وأمهم قيلة، وهى أم الرجلين، والأوس العطية أو العوض فى الأصل، والخزرج الريح الباردة، وقيل: الجنوب خاصة فى الأصل، وقيل: من الخزرج بمعنى الوسط، حديث : وكان صلى الله عليه وسلم كلما اجتمع الناس فى موسم، أتاهم فدعاهم إلى الله عز وجل، ولا يسمع بقادم له اسم وشرف إلا تصدى له ودعاه إلى الله عز وجل، وعرض عليه ما عنده فقدم سويد بن صامت حاجاً أو معتمراً فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاه إلى الله عز وجل، وإلى الإسلام، فقال له سويد: فلعل الذى معك مثل الذى معى. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما الذى معك؟ قال: مجلة لقمان يعنى حكمة لقمان. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعرضها على فعرضها عليهِ فقال لهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الكلام حسن والذى معى أفضل من هذا، قرآن أنزله الله علىَّ هدى ونوراً" فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه. وقال: إن هذا لقول حسن، ثم انصرف عنه فقدم المدينة على قومه، فلم يلبث أن قتلته الخزرجتفسير : ، فكان قومه يقولون بعد ذلك: قد قتل وهو مسلم. وقال السهيلى: المجلة الصحيفة. قال ابن اسحاق: فلما فلما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه، وإنجاز موعده، حديث : خرج صلى الله عليه وسلم فى الموسم الذى لقى فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب، كما يصنع فى كل موسم، فبينما هو عند العقبة، لقى رهطاً من الخزرج أراد الله بهم خيراً، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج. فقال: مِنْ موالى يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفتجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن تفسير : وكان مما صنع الله بهم الإسلام أن يهودا كانوا معهم فى بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان فإذا أصابوا من اليهود قالت اليهود: إن نبيا مبعوثا الآن قد ظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر، ودعاهم إلى الله سبحانه، قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله أنه النبى الذى توعدكم به اليهود، فلا يسبقنكم إليه. فأجابوه فيما دعاهم وصدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا: إنا قد تركنا قوماً بينهم من العداوة والشر مما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك، فستقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك وتعرض عليهم الذى أجبناك فيه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك، فلا رجل أغر منك، ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلدهم قد آمنوا وصدقوا. قال ابن إسحاق: وهم فيما ذكر لى ستة نفر، فمن بنى النجار أسعد بن زرارة، وأبو إمامة وعوف بن الحارث، وهو ابن عفراء، وبنوا النجار هم من الخزرج، وكان من بنى زريق رافع بن مالك ومن بنى سلمة قطبة بن عامر بن نابى، وجابر بن عبد الله بن زياد، رضى الله عنهم، ولما قدموا المدينة، ذكروا لقومهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوهم إلى الإسلام، حتى فشا فيهم، فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا، فيهم الستة غير جابر، فلقوه بالعقبة، وهى العقبة الثانية، وتلك هى العقبة الأولى، فبايعوه بيعة النساء، قبل أن تفرض الحرب، قال ابن إسحاق عن الزهرى عن ابن إدريس الخولانى: أن عبادة بن الصامت - رحمه الله - قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الأولى، ألا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق ولا نزنى، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتى ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه فى معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئاً، فأخذتم بحده فى الدنيا فهو كفارة لكم، وإن ستر عليكم فى الدنيا إلى يوم القيامة، فأمركم إلى الله سبحانه وتعالى، إن شاء عذب، وإن شاء غفر، بأن يوفقكم للتوبة النصوح، ولما انصرف عنه القوم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير، وأمره ان يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقهم فى الدين، فكان يسمى فى المدينة المقرىء. قال ابن إسحاق: حديث : ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة، وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين، مع حجاج قومهم من المشركين حتى قدموا مكة فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أواسط أيام التشريق حين أراد الله بهم ما أراد من كرامته والنصر لدينه، وإعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله، قال كعب بن مالك: فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التى واعدنا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، بتنا مع قومنا فى رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل مستخفين حتى اجتمعنا فى الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان، ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له، فلما جلس كان أول متكلم العباس ابن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج - قال وكانت العرب يسمون هذا الحى من الأنصار الخزرج، خزرجها أوسطها -: إن محمداً منى حيث علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو فى عز من قومه، ومنعة فى بلده، وأنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم له من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه، وخاذلوه بعد خروجه إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه فى عزة ومنعة من قومه وفى بلده، فقلنا: قد سمعنا ما قلت، فتلكم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلا القرآن، ودعا إلى الله ورغب فى الإسلام ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعونى مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم" فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم فوالذى بعثك بالحق لنمنعك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحروب وأهل الخلقة ورثناها كابراً عن كابر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخرجوا إلى منكم اثنى عشر نقيباً يكونون على قومهم"، فأخرجوا منهم اثنى عشر نقيباً تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، فمن الخزرج: أبو أمامة أسعد ابن زرارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك العجلانى، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمير بن حزام، وعبادة ابن الصامت، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمر، ومن الأوس: أسيد بن حضير، وسعيد بن خثيمه، ورفاعة بن عبد المنذر، وذكر بعض زيد بن ثعلبةتفسير : . قال ابن هشام صاحب السيرة: أهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان ولا يعدون رفاعة. قال عبد الله بن أبى بكر حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنقباء: "أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، كفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومى". قالوا: نعم. فلما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، صرخ الشيطان من رأس العقبة، بأنفذ صوت ما سمعته قط، يا أهل الجباجب - الجباجب المنازل - هل لكم فى محمد والصباة معه قد أجمعوا على حربكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أزيب العقبة - هذا أزيب يعنى شيطان العقبة، أى عدو الله - أما والله لأفزعن لك، ثم قال صلى الله عليه وسلم: ارفضوا إلى رحالكم فرجعنا إلى مضاجعنا فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش فى منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، فابعث من هناك من مشركى الأوس والخزرج يحلفون بالله ما كان من هذا شىء، وما علمناه وصدقوا أنهم لم يعلمواتفسير : . وروى أن أبا لجيش أنس بن رافع ومعه فتية من بنى عبد الأشهل فيهم إياس ابن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتاهم وجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "هل لكم إلى خير مما جئتم إليه؟" قالوا: وما هو؟ قال: "أنا رسول الله، بعثنى الله إلى العباد أدعوهم ألا يشركوا به شيئاً وأنزل على الكتاب"، ثم ذكر الإسلام وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ وكان غلاماً حدثاً: أى قومى.. والله هذا خير مما جئتم إليه. فأخذ أبة الجيش حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس فقال: دعنا منك فلعمرى لقد جئنا لغير هذا فصمت إياس وانصرفوا إلى المدينة، فكانت وقعة بغات بين الأوس والخزرج ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك وهذا ما مر فى سويد بن الصامت، وسويد هذا أخو بنى عمرو بن عوف، وكان شريفاً يسميه قومه الكامل، لجلده ونسبه، قال ابن اسحاق عمن سمى من شيوخه: أن أسعد بن زراة خرج بمصعب بن عمير، يريد به دار بنى عبد الأشهل ودار بن ظفر، وذلك فى المدينة، فدخل به حائطاً من حوائط بنى ظفر، فجلس به واجتمع إليهما رجال ممن أسلموا، فلما سمع بذلك سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وهما يومئذ سيدا قومهما: بنى عبد الأشهل وكلاهما مشرك على دين قومه. قال سعد لأسيد: لا أبالك انطلق إلى هذين الرجلين الذين أتيا ديارنا ليسمعهما ضعفاؤنا، فازجرهما وانْهَاهُما عن أن يأتيا ديارنا، فإنه لو لاسعد بن زرارة منى حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتى ولا أجد عليه مقدماً، فأخذ أسيد حربته ثم أقبل إليهما فلما رآه سعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه. فوقف عليهما مشتما، فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة. فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته أكف عنك ما تكره. قال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا فيما ذكر عنهما: والله لعرفنا فى وجهه الإسلام قبل أن يتكلم فى إشراقه وتهلله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا فى هذا الدين؟ قالا له: تغتسل، وتطهر ثيابك، ثم تشهد شهاد الحق، ثم تصلى. ففعل ذلك ثم قام فركع ركعتين، وقال لهما: إن ورائى رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن: سعد بن معاذ، ثم أخذ حربته فانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلوس فى ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا، قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم، ولما وقف على النادى قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأساً وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت. وقد حدثت أن بنى حارثة قد خرجوا إلى سعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك فقال سعد مغضياً مبادراً تخوفاً للذى ذكر له من بنى حارثة، فأخذ الحربة من يده فقال: والله ما أراك أغنيت شيئاً، ثم خرج إليهما فلما رآهما سعد مطمئنين عرف سعد أن أسيد إنما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما مشتما، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة أما والله لولا ما بينى وبينك من القرابة ما رمت منى هذا، أتغشانا فى ديارنا بما نكره، فقال مصعب: أو تقد فتسمع؟ فإن رضيت أمراً ورغبت فيه قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره. فقال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن. قال: فعرفنا والله فى وجهه الإسلام قبل أن يتكلم لإشراقه وتهلله قال لهما: كيف تفعلون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم فى هذا الدين؟ قالا: تغتسل وتطهر ثيابك ثم تتشهد شهادة الحق ثم تصلى ركعتين. فقام واغتسل وطهر ثوبه، وتشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين ثم خذ حربته ثم أقبل عامداً إلى نادى قومه، ومعه أسيد بن حضير فلما رآه قومه مقبلا، قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذى ذهب من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بنى عبد الأشهل كيف تعلمون أمرى فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأياً وأميننا نقيبة. قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم على حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فوالله ما أمسى فى دار بنى عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلماً ومسلمة، ورجع مصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بنى أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقب وهم من الأوس، فإنه تأخر إسلامهم. وهنا انتهت الرواية فى سير الغزوات. وفى بعض الكتب زيادة: أنه كان فى هؤلاء الذين تأخر إسلامهم أبو قيس ابن الأشلت الشاعر وكانوا يسمعون منه ويطيعونه، فوقف بهم عن الإسلام حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بَدْر، وأحُد، والخندق، وبعد ذلك رجع مصعب المذكور إلى مكة وكان أمر العقبة الثالثة، وخرج معه من الأنصار من المسلمين سبعون رجلا مع حجاج قومهم من المشركين حتى قدموا مكة، فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق. قال كعب بن مالك وقد شهدها: فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التى واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنا عبد الله ابن عمرو بن خزام، وأبو جابر، أخبرناه وكنا نكتم عمن معنا من المشركين من قومنا أمرنا، فكلمناه وقلنا يا جابر إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطب النار غداً، ودعوناه إلى الإسلام فأسلم، فأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد معنا العقبة، وكان نقيباً، فبتنا تلك الليلة مع قومنا فى رحالنا، حتى مضى ثلثا الليل، خرجنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفاء، حتى اجتمعنا فى الشعب عند العقبة، ونحن سبعون رجلاً، ومعنا امرأتان من نسائنا: سمية بنت كعب أم عامرة إحدى نساء بنى النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدى أم منيع، إحدى نساء بنى سلمة، فاجتمعنا بالشعب، ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه عمه العباس، وجرى ما مر ذكره من الكلام والبيعة، وروى حديث : أن البراء كان يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما مر فاعترض أبو الهيثم بن التيهان فى كلامه. فقال يا رسول الله إن بيننا وبين الناس حبا، لا يعنى عهوداً، وإنا قاطعوها. فهل عسيت إن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "بل الدم بالدم، والهدم بالهدم، أنتم منى وأنا منكم أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم"تفسير : . وقال عاصم بن عمرو ابن قتادة: حديث : إن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصارى: يا معشر الخزرج أتدرون على ما تبايعون هذا الرجل؟ إنكم تبايعونه على حرب الأسود والأحمر فإن كنتم تخذلونه فى إصابة أموالكم وقتل أشرافكم، فمن الآن فهو والله خزى الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على إصابة الأموال قتل الأشراف، فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة، قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف، فما لنا بذلك إن نحن وفينا؟.. قال الجنة، قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه، وأول من ضرب على يده البراء بن معزوز، ثم تتابع القوم، ولما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصرخ الشيطان على حد ما مر، قال العباس بن عبادة بن نضلة والذى بعثك بالحق، لئن شئت لنملينَّ على أهل منى بأسيافنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رجالكمتفسير : ، وكان فى القوم الذين جاءوا من قريش إلى الخزرج صباحاً، لما سمعوا من الصراخ الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومى، لبس نعلين جديدتين، قال بعض الخزرج: وهو كعب بن مالك. قلت: با أبا جابر، أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ساداتنا مثل نعلى هذا الفتى من قريش؟ فسمعها الحارث فخلعهما من رجله ورمى بهما إلىَّ وقال: والله لا انتعلتهما. قال أبو جابر: مَهْ والله أخفظت الفتى - أى اغتبته - فاردد إليه نعليه. قال: قلت لا أرددهما. وانصرف الأنصار إلى المدينة فأظهروا الإسلام، واجتمع على الإسلام أوسها وخزرجها بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصبحوا بنعمة الله إخواناً، ونجاهم من الهلاك، بعد أن أشرفوا عليه، كما قال الله جل وعلا: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِّنْهَا}: أى استوجبتم بكفركم ومعاصيكم الإلقاء فى النار، فكنتم كمن حضر فى طرف حفرة من النار الأخروية، أى فى طرف دركة منها، ليلقى فيها، فأنجاكم الله بتوفيقه إياكم إلى الإسلام. ويجوز أن يكون ذلك تمثيلا بنار الدنيا، ويناسبه لفظ حفرة. وشفا الشىء: طرفه، وألفه عن واو، والإنقاذ: التنجية منها والمضمرة فى {منها} للنار، أو للحفرة، ويجوز عوده للشفا، وعليه فإنما أنت ضميره لإضافته إلى المؤنث وهو {حفرة} مع صحة أن يقال: وكنتم على حفرة أو لتضمينه معنى الشفة، فإن {شفا} البئر، وشفتها: طرفها، كالجانب والجانبة، أصله: شفو قلبت الواو ألفاً لتحركها بعد فتح فى المذكر، وحذفت فى المؤنث، وعوض عنها التاء. ومن النار بيان لحفرة نعت لها، أى حفرة: هى النار أو تبعيض، أى حفرة من حفر النار، على حذف مضاف وهو نعت كذلك قال بعضهم كنتم تأكلون بعضكم بعضاً، شديدكم ضعيفكم حتى جاء الله بالإسلام فآخى بينكم، قيل لابن مسعود: كيف أصبحت؟ قال: أصحبحنا بنعمة الله إخواناً. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : أتيتكم وأنتم تتهافتون فى النار فأخذت بحجزكم، فأخرجتكم منهاتفسير : . شبه الكفر بالوقوع فى النار. {كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}: يبين الله لكم سائر آياته، مثل تبيينه هذه الآية، ويبين الله لكم دلائله، مثل تبيين هذه الآية لتهتدوا، أو ليزيد المهتدى هدى ليحملكم على رجاء هدايته، او ليقرب اهتداءكم أو ازدياده، حتى أن من رآكم ورأى ما يتبن لكم يرجو لكم ذلك

اطفيش

تفسير : {يَا آيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} التاء الأولى عن واو والثانية عن ياء لأنه من وقاه يقيه، أى اتقوا عقاب الله تقاته الحقة أى الثابتة، فأضيفت الصفة للموصوف، وذكر لتغليب الاسمية، أو لأن المراد النوع الشديد من التقاة، والمراد غاية ما قدرتم، فقاموا حتى تورمت أقدامهم وتقرحت جباههم، قال ابن مسعود: أن يطاع فلا يعصى طرفة عين، الخ ما مر، ولا طاقة للعباد بذلك فنسخ بقوله تعالى: {أية : فاتقوا الله ما استطعتم} تفسير : [التغابن: 16]، ووجهه أن المعنى ما استطعتم بلا تكلف، والمنسوخ فيه تكلف ممكن، لا تكليف بما لا يطاق، وأما إن فسر بما لا يطاق فلا نسلم ذلك، بل نمنع التكليف بما لا يطاق، لأنه على الفور، لا تكليف بما لا يطاق مما ليس فيختلف فيه، وأولى من ذلك أنه يقال، لا نسخ، بل معنى الآيتين التقوى بلا حرج، {أية : فاتقوا الله ما استطعتم} تفسير : [التغابن: 16] بيان لقوله، {اتقوا الله حق تقاته}، لا نسخ، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : هل تدرى ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله، قال الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن يدخلهم الجنة إذا عبدوه ولم يشركوا به شيئاً"تفسير : ، ويدخل فى العبادة ترك المعاصى، لقوله تعالى، {أية : هو أهل التقوى} تفسير : [المدثر: 6]، والآيتين. وعن ابن عباس حق تقاته أن يجاهدوا فى الله حق جهاده ولا تأخذهم فى الله لومة لائم، ويقوموا الله سبحانه بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم {وَلاَ تَمُوتُنَّ إلاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} احذروا أن يأتيكم الموت على غير الإسلام، وذلك هو استعداد الإسلام للموت والدوام عليه، لا النهى عن الموت، إذ لا طاقة على دفع الموت بألا يعقلوا الموت إلا حال إسلامهم، ولكن عبر بذلك مبالغة، كما أن الموت لا بد أن يأتيكم، لا بد أن تستعدوا قبل أن يأتيكم، كما أكد يقوله إلا وأنتم مسلمون عن إلا مسلمين.

الالوسي

تفسير : {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } كرر الخطاب بهذا العنوان تشريفاً لهم ولا يخفى ما في تكراره من اللطف بعد تكرار خطاب الذين أوتوا الكتاب {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } أي حق تقواه، روى غير واحد عن ابن مسعود موقوفاً ومرفوعاً هو أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويُشكر فلا يكفر، وادعى كثير نسخ هذه الآية وروي ذلك عن ابن مسعود. وأخرج ابن أبـي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت اشتد على القوم العمل فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم فأنزل الله تعالى تخفيفاً على المسلمين {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } تفسير : [التغابن: 16] فنسخت الآية الأولى، ومثله عن أنس وقتادة وإحدى الروايتين عن ابن عباس، روى ابن جرير من بعض الطرق عنه أنه قال: لم تنسخ ولكن {حَقَّ تُقَاتِهِ } أن يجاهدوا في الله حق جهاده ولا تأخذهم في الله تعالى لومة لائم ويقوموا لله سبحانه بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم، ومن قال بالنسخ جنح إلى أن المراد من {حَقَّ تُقَاتِهِ } ما يحق له ويليق بجلاله وعظمته وذلك غير ممكن وما قدروا الله حق قدره، ومن قال بعدم النسخ جنح إلى أن {حَقّ } من حق الشيء بمعنى وجب وثبت، والإضافة من باب إضافة الصفة إلى موصوفها وأن الأصل اتقوا الله اتقاءاً حقاً أي / ثابتاً وواجباً على حد ضربت زيد شديد الضرب تريد الضرب الشديد فيكون قوله تعالى: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } تفسير : [التغابن: 16] بياناً لقوله تعالى: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ }. وادعى أبو علي الجبائي أن القول بالنسخ باطل لما يلزم عليه من إباحة بعض المعاصي، وتعقبه الرماني بأنه إذا وجه قوله تعالى: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } على أن يقوموا بالحق في الخوف والأمن لم يدخل عليه ما ذكره لأنه لا يمتنع أن يكون أوجب عليهم أن يتقوا الله سبحانه وتعالى على كل حال، ثم أباح ترك الواجب عند الخوف على النفس كما قال سبحانه: {أية : إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ }تفسير : [النحل: 106] وأنت تعلم أن ما ذكره الجبائي إنما يخطر بالبال حتى يجاب عنه إذا فسر {حَقَّ تُقَاتِهِ } على تقدير النسخ بما فسره هو به من ترك جميع المعاصي ونحوه وإن لم يفسر بذلك بل فسر بما جنح إليه القائل بالنسخ فلا يكاد يخطر ما ذكره ببال ليحتاج إلى الجواب، نعم يكون القول بإنكار النسخ حينئذ مبنياً على ما ذهب إليه المعتزلة من امتناع التكليف بما لا يطاق ابتداءاً كما لا يخفى، وأصل تقاة وقية قلبت واوها المضمومة تاءاً كما في تهمة وتخمة وياؤها المفتوحة ألفاً، وأجاز فيها الزجاج ثلاثة أوجه: تقاة، ووقاة، وإقاة. {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } أي مخلصون نفوسكم لله عز وجل لا تجعلون فيها شركة لسواه أصلاً، وذكر بعض المحققين أن الإسلام في مثل هذا الموضع لا يراد به الأعمال بل الإيمان القلبـي لأن الأعمال حال الموت مما لا تكاد تتأتى ولذا ورد في دعاء صلاة الجنازة اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن أمته منا فأمته على الإيمان فأخذ الإسلام أولاً والإيمان ثانياً لما أن لكل مقام مقالاً، والاستثناء [مفرغ] من أعم الأحوال أي لا تموتن على حال من الأحوال إلا على حال تحقق إسلامكم وثباتكم عليه كما تفيده الجملة الاسمية، ولو قيل: إلا مسلمين لم يقع هذا الموقع والعامل في الحال ما قبل {إِلا } بعد النقض والمقصود النهي عن الكون على حال غير حال الإسلام عند الموت، ويؤل إلى إيجاب الثبات على الإسلام إلى الموت إلا أنه وجه النهي إلى الموت للمبالغة في النهي عن قيده المذكور وليس المقصود النهي عنه أصلاً لأنه ليس بمقدور لهم حتى ينهوا عنه، وفي "التحبير" للإمام السيوطي: ومن عجيب ما اشتهر في تفسير {مُّسْلِمُونَ } قول العوام: أي متزوجون وهو قول لا يعرف له أصل ولا يجوز الإقدام على تفسير كلام الله تعالى بمجرد ما يحدث في النفس أو يسمع ممن لا عهدة عليه انتهى، وقرأ أبو عبد الله رضي الله تعالى عنه {مُّسْلِمُونَ } بالتشديد ومعناه مستسلمون لما أتى به النبـي صلى الله عليه وسلم منقادون له؛ وفي هذه الآية تأكيد للنهي عن إطاعة أهل الكتاب.

ابن عاشور

تفسير : انتقل مِن تحذير المخاطبين من الانخداع لوساوس بعض أهل الكتاب، إلى تحريضهم على تمام التَّقوى، لأنّ في ذلك زيادة صلاح لهم ورسوخاً لإيمانهم، وهو خطاب لأصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم ويَسري إلى جميع من يكون بعدهم. وهذه الآية أصل عظيم من أصول الأخلاق الإسلامية. والتَّقوى تقدّم تفسيرها عند قوله تعالى: {هدى للمتقين}. وحاصلها امتثال الأمر، واجتناب المنهي عنه، في الأعمال الظَّاهرة، والنَّوايا الباطنة. وحقّ التقوى هو أن لا يكون فيها تقصير، وتظاهر بما ليس من عمله، وذلك هو معنى قوله تعالى: {أية : فاتَّقوا الله ما استطعتم}تفسير : [التغابن: 16] لأنّ الاستطاعة هي القدرة، والتَّقوى مقدورة للنَّاس. وبذلك لم يكن تعارض بين الآيتين، ولا نسخ، وقيل: هاته منسوخة بقوله تعالى: {فاتقوا اللَّه ما استطعتم} لأنّ هاته دلّت على تقوى كاملة كما فسَّرها ابن مسعود: أن يطاع فلا يعصى، ويُشكر فلا يكفر، ويذكر فلا يُنْسى، ورووا أنّ هذه الآية لمَّا نزلت قالوا: «يا رسول الله من يَقوىَ لهذا» فنزلت قوله تعالى: {فاتَّقوا الله ما استطعتم} فنسَخَ هذه بناء على أنّ الأمر في الآيتين للوجوب، وعلى اختلاف المراد من التقويين. والحقّ أنّ هذا بيان لا نسخ، كما حقَّقه المحقِّقون، ولكن شا عند المتقدّمين إطلاق النَّسخ على ما يشمل البيان. والتُّقاة اسمُ مصدر. اتَّقى وأصله وُقَيَة ثمّ وُقَاة ثُمّ أبدلت الواو تاء تبعاً لإبدالها في الافتعال إبدالاً قصدوا منه الإدغام. كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : إلا أن تتقوا منهم تقاة}تفسير : [آل عمران: 28]. وقوله: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} نهي عن أن يموتوا على حالة في الدِّين إلاّ على حالة الإسلام فمحطّ النَّهي هو القيد: أعني المستثنى منه المحذوفَ والمستثنى وهو جملة الحال، لأنَّها استثناء من أحوال، وهذا المركّب مستعمل في غير معناه لأنَّه مستعمل في النَّهي عن مفارقة الدّين بالإسلام مدّة الحياة، وهو مجاز تمثيلي علاقته اللزوم، لما شاع بين النَّاس من أنّ ساعة الموت أمر غير معلوم كما قال الصدّيق: شعر : كُلّ امرىءٍ مصبَّح في أهلِهِ والموتُ أدنى من شراك نَعْلِه تفسير : فالنهي عن الموت على غير الإسلام يستلزم النَّهي عن مفارقة الإسلام في سائر أحيان الحياة، ولو كان المراد به معناه الأصلي، لكان ترخيصاً في مفارقة الإسلام إلاّ عند حضور الموت،وهو معنى فاسد وقد تقدّم ذلك في قوله تعالى: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}. وقوله: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} ثَنَّى أمرهم بما فيه صلاح أنفسهم لأخراهم، بأمرهم بما فيه صلاح حالهم في دنياهم، وذلك بالاجتماع على هذا الدّين وعدم التَّفرّق ليكتسبوا باتّحادهم قوّة ونماء. والاعتصام افتعال من عَصَم وهو طلب ما يعصم أي يمنع. والحَبْل: ما يشدّ به للارتقاء، أو التدلّي، أو للنَّجاة من غَرَق، أو نحوه، والكلام تمثيل لهيئة اجتماعهم والتفافهم على دين الله ووصاياه وعهوده بهيئة استمساك جماعة بحبل ألقى إليهم من مُنقذ لهم من غرق أو سقوط، وإضافة الحبل إلى الله قرينة هذا التَّمثيل. وقوله: {جميعاً} حال وهو الّذي رجّح إرادة التَّمثيل، إذ ليس المقصود الأمر باعتصام كُلّ مسلم في حال انفراده اعتصاماً بهذا الدّين، بل المقصود الأمر باعتصام الأمَّة كُلّها، ويحصل في ضِمن ذلك أمرُ كُلّ واحد بالتَّمسك بهذا الدّين، فالكلام أمر لهم بأن يكونوا على هاته الهيئة، وهذا هو الوجه المناسب لتمام البلاغة لكثرة ما فيه من المعاني، ويجوز أن يستعار الاعتصام للتَّوثيق بالدّين وعهوده، وعدم الانفصال عنه، ويستعار الحبل للدّين والعهود كقوله: {أية : إلاّ بحَبْل من الله وحبْل من النَّاس} تفسير : [آل عمران: 112] ويكون كُلّ من الاستعارتين ترشيحاً للأخرى، لأنّ مبنى التَّرشيح على اعتبار تقوية التَّشبيه في نفس السامع، وذلك يحصل له بمجرد سماع لفظ ما هو من ملائمات المستعار، بقطع النَّظر عن كون ذلك الملائم معتبرة فيه استعارة أخرى، إذ لا يزيده ذلك الاعتبار إلاّ قُوّة. وليست الاستعارة بوضع اللَّفظ في معنى جديد حتَّى يَتَوهّم متوهّم أنّ تلك الدّلالة الجديدة، الحاصلة في الاستعارة الثَّانية، صارت غير ملائمة لِمعنى المستعار في الاستعارة الأخرى، وإنَّما هي اعتبارات لطيفة تزيد كثرتها الكلام حسناً. وقريب من هذا التوريةُ، فإنّ فيها حُسناً بإيهام أحد المعنيين مع إرادة غيره، ولا شكّ أنَّه عند إرادة غيره لا يكون المعنى الآخَر مقصوداً، وفي هذا الوجه لا يكون الكلام صريحاً في الأمر بالاجتماع على الدّين بل ظاهره أنّه أمر للمؤمنين بالتمسّك بالدّين فيؤول إلى أمر كُلّ واحد منهم بذلك على ما هو الأصل في معنى مثل هذه الصّيغة ويصير قوله: {جميعاً} محتملاً لتأكيد العموم المستفاد من واو الجماعة. وقوله: {ولا تفرقوا} تأكيد لمضمون اعتصموا جميعاً كقولهم: ذممت ولم تُحْمَد. على الوجه الأول في تفسير {واعتصموا بحبل الله جميعاً}. وأمّا على الوجه الثَّاني فيكون قوله: {ولا تفرّقوا} أمراً ثانياً للدلالة على طلب الاتّحاد في الدّين، وقد ذكرنا أنّ الشيء قد يؤكّد بنفي ضدّه عند قوله تعالى: {أية : قد ضلوا وما كانوا مهتدين}تفسير : في سورة [الأنعام:140] وفي الآية دليل على أنّ الأمر بالشيء يستلزم النَّهي عن ضدّه. وقوله: {واذكروا نعمت الله عليكم} تصوير لحالهم الَّتي كانوا عليها ليحصل من استفظاعها انكشاف فائدة الحالة الَّتي أمروا بأن يكونوا عليها وهي الاعتصام جميعاً بجامعة الإسلام الَّذي كان سبب نجاتهم من تلك الحالة، وفي ضمن ذلك تذكير بنعمة الله تعالى، الّذي اختار لهم هذا الدّين، وفي ذلك تحريض على إجابة أمره تعالى إياهم بالاتِّفاق. والتَّذكيرُ بنعمة الله تعالى طريق من طُرق مواعظ الرّسل. قال تعالى حكاية عن هود: {أية : واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح}تفسير : [الأعراف: 69] وقال عن شعيب: {أية : واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثَّركم}تفسير : [الأعراف: 86] وقال الله لموسى: {أية : وذكرهم بأيام الله}تفسير : [إبراهيم: 5]. وهذا التَّذكير خاصّ بمن أسلم من المسلمين بعد أن كان في الجاهلية، لأنّ الآية خطاب للصّحابة ولكن المنّة به مستمرة على سائر المسلمين، لأن كُلّ جيل يُقَدّر أن لو لم يَسبق إسلام الجيل الَّذي قبله لكانوا هم أعداء وكانوا على شفا حفرة من النَّار. والظرفية في قوله: {إذ كنتم أعداء} معتبر فيها التَّعقيب من قوله: {فألف بين قلوبكم} إذ النعمة لم تكن عند العداوة، ولكن عند حصول التأليف عقب تلك العداوة. والخطاب للمؤمنين وهم يومئذ المهاجرون والأنصار وأفراد قليلون من بعض القبائل القريبة، وكان جميعهم قبل الإسلام في عداوة وحروب، فالأوس والخزرج كانت بينهم حروب دامت مائة وعشرين سنة قبل الهجرة، ومنها كان يوم بعاث، والعرب كانوا في حروب وغارات بل وسائر الأمم الَّتي دعاها الإسلام كانوا في تفرّق وتخاذل فصار الّذين دخلوا في الإسلام إخواناً وأولياء بعضهم لبعض، لا يصدّهم عن ذلك اختلاف أنساب، ولا تباعد مواطن، ولقد حاولت حكماؤهم وأولو الرأي منهم التأليف بينهم، وإصلاح ذات بينهم، بأفانين الدّعاية من خطابة وجاه وشعر فلم يصلوا إلى ما ابتغوا حتَّى ألَّف الله بين قلوبهم بالإسلام فصاروا بذلك التَّأليف بمنزلة الإخوان. والإخوان جمع الأخ، مثل الإخوة، وقيل: يختصّ الإخوان بالأخ المجازي والإخوة بالأخِ الحقيقي، وليس بصحيح قال تعالى: {أية : أو بيوت إخوانكم}تفسير : [النور: 61] وقال: {أية : إنَّما المؤمنون إخوة}تفسير : [الحجرات: 10] وليس يصحّ أن يكون للمعنى المجازي صيغة خاصّة في الجمع أو المفرد وإلا لبطل كون اللَّفظ مجازاً وصار مشتركاً، لكن للاستعمال أن يُغلّب إطلاق إحدى الصيغتين الموضوعتين لمعنى واحد فيغلّبها في المعنى المجازي والأخرى في الحقيقي. وقد امتنّ الله عليهم بتغيير أحوالهم من أشنع حالة إلى أحسنها: فحالة كانوا عليها هي حالة العداوة والتَّفاني والتقاتل، وحالة أصبحوا عليها وهي حالة الأخُوّة ولا يدرِك الفرقَ بين الحالتين إلا من كانوا في السُّوأى فأصبحوا في الحُسنى، والنَّاس إذا كانوا في حالة بُؤس وضنك واعتادوها صار الشقاء دأبهم، وذلّت له نفوسهم فلم يشعروا بما هم فيه، ولا يتفطّنوا لوخيم عواقبه، حتَّى إذا هُيّىء لهم الصّلاح، وأخذ يتطرّق إليهم استفاقوا من شقوتهم، وعلموا سوء حالتهم، ولأجل هذا المعنى جمعت لهم هذه الآية في الامتنان بين ذكر الحالتين وما بينهما فقالت: {إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً}. وقوله: {بنعمته} الباء فيه للملابسة بمعنى (مع) أي أصبحتم إخواناً مصاحبين نعمة من الله وهي نعمة الأخوَّة، كقول الفضل بن عبَّاس بن عتبة اللهبي: شعر : كُلُّ له نية في بغض صاحبه بنعمة الله نَقْلِيكُم وتَقْلُونَا تفسير : وقوله: {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} عطف على {كنتم أعداء} فهو نعمة أخرى وهي نعمة الإنقاذ من حالة أخرى بئيسة وهي حالة الإشراف على المهلكات. والشَّفا مثل الشَّفَة هو حرف القليب وَطرفه، وألِفُه مبدلة من واو. وأما واو شفة فقد حذفت وعوضت عنها الهاء مثل سنة وعِزّة إلاّ أنهم لم يجمعوه على شفوات ولا على شَفِينَ بل قالوا شفاه كأنَّهم اعتدوا بالهاء كالأصل. فأرى أن شَفا حفرة النَّار هنا تمثيل لحالهم في الجاهلية حين كانوا على وشك الهلاك والتَّفاني الَّذي عبَّر عنه زهير بقوله:شعر : تفانَوا ودَقُّوا بينَهم عِطْر مَنْشَم تفسير : بحال قوم بلغ بهم المشي إلى شفا حفير من النَّار كالأُخدُود فليس بينهم وبين الهلاك السَّريع التَّام إلا خطوة قصيرة، واختيار الحالة المشبَّه بها هنا لأن النَّار أشدّ المهلكات إهلاكاً، وأسرعُها، وهذا هو المناسب في حمل الآية ليكون الامتنان بنعمتين محسوستين هما: نعمة الأخوة بعد العداوة، ونعمة السلامة بعد الخطر، كما قال أبو الطيب: شعر : نَجاة من البأساءِ بعدَ وقوع تفسير : والإنقاذ من حالتين شنيعتين. وقال جمهور المفسرين: أراد نار جهنَّم. وعلى قولهم هذا يكون قوله: {شفا حفرة} مستعاراً للاقتراب استعارة المحسوس للمعقول. والنَّارُ حقيقة، ويبعد هذا المحمل قوله تعالى: {حفرة} إذ ليست جهنّم حفرة بل هي عالم عظيم للعذاب. وورد في الحديث «حديث : فإذا هي مطوية كطي البئر وإذا لها قرنان»تفسير : لكن ذلك رؤيا جاءت على وجه التمثيل وإلا فهي لا يحيط بها النّظر. ويكون الامتنان على هذا امتناناً عليهم بالإيمان بعد الكفر وهم ليقينهم بدخول الكفرة النَّارَ علموا أنَّهم كانوا على شفاها. وقيل: أراد نار الحرب وهو بعيد جداً لأنّ نار الحرب لا توقد في حُفرة بل توقد في العلياء ليراها من كان بعيداً كما قال الحارث:شعر : وبعينيك أوقدَتْ هند النَّارَ عِشاء تُلْوي بها العَليَاء فتنورتَ نَارها من بعيد بخَزَازَى أيَّان منك الصِلاء تفسير : ولأنهم كانوا ملابسين لها ولم يكونوا على مقاربتها. والضّمير في {منها} للنَّار على التَّقادير الثَّلاثة. ويجوز على التَّقدير الأول أن يكون لشَفا حفرة وعاد عليه بالتأنيث لاكتسابه التَّأنيث من المضاف إليه كقول الأعشى: شعر : وتَشْرَقَ بالقَوْلِ الذي قد أذعتَه كما شَرِقَتْ صَدْرُ القناة من الدم تفسير : وقوله: {كذلك يبين الله لكم آياته} نعمة أخرى وهي نعمة التَّعليم والإرشاد، وإيضاح الحقائق حتَّى تكمل عقولهم، ويَتَبَيَّنوا مَا فيه صلاحهم. والبيان هنا بمعنى الإظهار والإيضاح. والآيات يجوز أن يكون المراد بها النعم، كقول الحرث بن حلزة: شعر : مَنْ لنا عنده من الخَيْر آيا تٌ ثلاث في كلّهن القضاء تفسير : ويجوز أن يراد بها دلائل عنايته تعالى بهم وتثقيف عقولهم وقلوبهم بأنوار المعارف الإلهية. وأن يراد بها آيات القرآن فإنها غاية في الإفصاح عن المقاصد وإبلاغ المعاني إلى الأذهان.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} الآية. أكثر العلماء على أنها منسوخة بقوله: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} تفسير : [التغابن: 16]. وقال بعضهم: هي مبينة للمراد منها فقوله حق تقاته. أي: بقدر الطاقة والله تعالى أعلم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 102- وإن باب النار مفتوح إذا لم تتقوا الله، فيا أيها الذين آمنوا خافوا الله الخوف الواجب بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات، ودوموا على الإسلام حتى تلقوا الله. 103- وتمسكوا بدين الله مجتمعين عليه، ولا تفعلوا ما يؤدى إلى فرقتكم، وتذكروا نعمة الله عليكم حين كنتم فى الجاهلية متعادين، فَألَّف بين قلوبكم بالإسلام فصرتم متحابين، وكنتم - بسبب كفركم وتفرقكم - على طرف حفرة من النار فخلصكم منها بالإسلام، بمثل ذلك البيان البديع يبين الله لكم دائماً طرق الخير لتدوموا على الهدى. 104- وإن السبيل للاجتماع الكامل على الحق فى ظل كتاب الله ورسوله أن تكونوا أمة يدعون إلى كل ما فيه صلاح دينى أو دنيوى، ويأمرون بالطاعة، وينهون عن المعصية، وأولئك هم الفائزون فوزاً كاملاً. 105- ولا تكونوا بإهمالكم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر اللذين يجمعانكم على الخير والدين الحق، كأولئك الذين أهملوا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فتفرقوا شيعاً، واختلفوا فى دينهم من بعد ما جاءتهم الحُجج الواضحة المبينة للحق، وأولئك المتفرقون المختلفون لهم عذاب عظيم. 106- ذلك العذاب العظيم فى اليوم الذى تبيض بالسرور فيه وجوه المؤمنين، وتسود بالكآبة والحزن وجوه الكافرين، ويقال لهم توبيخاً: أكفرتم بعد أن فطرتم على الإيمان والإذعان للحق وجاءتكم البينات عليه؟، فذوقوا العذاب بسبب كفركم.

القطان

تفسير : بعد ان حذّر الله المؤمنين ان لا يتأثروا بخطة أهل الكتاب في أفانين حِيلهم والاعتزاز بمتاع الحياة - وجه اليهم النداء كي يلتزموا قاعدتين من أهم الدعائم التي يقوم عليها المجتمع السليم وهما: الإيمان بالله وتقواه في كل لحظة، والوحدة على سبيل الحق، فهي الميزة التي تجعل من المسلمين قوة تصنع العجائب. يا أيها الذين آمنوا خافوا الله كما يجب، بأداء فروضه وتجنُّب مناهيه. فسّر عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل تقوى الله بقوله: "تقوى الله أن يُطاع فلا يعصى، ويُشكر فلا يُكفر، ويُذكر فلا ينسى". ولا تموتن أيها المسلمون الا ونفوسكم خالصة لله. إن عليكم ان تحافظوا على أداء الواجبات، وتتمسكوا بدين الله وكتابه الكريم مجتمعين. إياكم والفُرقة، فإنها أكبر داء يهدم مجتمعكم، وتذكّروا نعمة الله عليكم حين كنتم في الجاهلية أعداء متفرقين فَجَمَعَكم على الإسلام وآلف بين قلوبكم فصرتم بنعمته إخوانا متحابين. لقد كنتم من جراء جاهليتكم العمياء وتفرّقكم على طرف حفرة من النار يوشك ان ينهار في جهنم، فخلّصكم الله من ذلك بالإسلام، وهو يبين لكم آياته لطُرق الخير لعلكم تهتدون.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَا أَيُّهَا} {آمَنُوۤاْ} (102) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِأنْ يَتَّقُوهُ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَذَلِكَ بِأنْ يُطاعَ فَلاَ يُعْصَى، وَأنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرَ، وَأنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسَى، وَيَقُولُ لَهُمْ: حَافِظُوا عَلَى الإِسْلاَمِ في حَيَاتِكُمْ لِتَمُوتُوا عَلَيهِ، فَمَنْ مَاتَ عَلَى شَيءٍ بُعِثَ عَلَيهِ. التُّقَاةُ - التَّقْوى. وَحَقَّ تُقَاتِهِ يَعْنِي اتِّقَاءً حَقاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن الله قد أعطى المؤمنين المناعة أولاً بألا يسمعوا كلام أعداء الدين. وحين نسمع كلمة "اتقوا" فلنفهم أن هناك أشياء تسبب لك التعب والأذى، فعليك أن تجعل بينك وبينها وقاية، ولذلك قال الحق: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 131]. إنه الحق يطلب من الإنسان أن يجعل بينه وبين النار وقاية وحجاباً يقيه منها. والحق سبحانه وتعالى حين يقول على سبيل المثال: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [المائدة: 4]. أي اجعل بينك وبين الله حجاباً يقيك من غضبه. وقد يقول قائل: كيف يكون ذلك وأنا كمؤمن أريد أن إعيش في معية الله؟ نقول: إنك تجعل الوقاية لنفسك من صفات جلال الله، وأنت تستظل بصفات الجمال، فالمؤمن الحق هو من يجعل لنفسه وقاية من صفات الجلال، وهي القهر والجبروت وغيرها، وكذلك النار إنّها من جنود صفات جلال الله. فحين يقول الحق: "اتقوا النار" أو "اتقوا الله" فالمعنى واحد. وعندما يسمع إنسان قول الحق سبحانه: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] ماذا تعني (حق تقاته)؟ إن كلمة "حق" - كما نعرف - تعني الشيء الثابت الذي لا يزول ولا يتزحزح، أي لا ينتهي ولا يتذبذب، هذا هو الحق. إذن ما حق التقى؟ هو أن يكون إيمانك أيها المؤمن إيماناً راسخاً لا يغادرك ولا تتذبذب معه، واتقاء الله حق تقاته هو اتباع منهجه، فيطاع الله باتباع المنهج فلا يعصي، ويُذكر فلا ينسى، ويُشكر ولا يُكفر. وطريق الطاعة يوجد في اتباع المنهج بـ "افعل" و"لا تفعل" ويذكر ولا ينسى؛ لأن العبد قد يطيع الله، وينفذ منهج الله، ولكن النعم التي خلقها الله قد تشغل العبد عن الله، والمنهج يدعوك أن تتذكر في كل نعمة من أنعم بها، وإياك أن تنسيك النعمة المنعم. ويشكر العبد الله ولا يكفر بالنعم التي وهبها له الله. وما دمت أيها العبد تستقبل كل نعمة وتردها إلى الله وتقول: "ما شاء الله، لا قوة إلا بالله" ولا تكفر بالنعم أي أنك تؤدي حق النعمة، وكل نعمة يؤدي العبد حقها تعني أنها نعمة شكر العبد ربه عليها، ولم يكفر بها. وقيل في معنى: "حق تقاته" أي أَنه لا تأخذك في الله لومة لائم، أو أن تقول الحق ولو على نفسك. هذا ما يقال عنه "حق التقى"، أي التقى الحق الذي يعتبر تقى بحق وصدق. وقال العلماء: إن هذه الآية عندما نزلت وسمعها الصحابة، استضعف الصحابة نفوسهم أمام مطلوبها، فقال بعضهم: من يقدر على حق التقى؟ ويقال: إن الله أنزل بعد ذلك: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ..}تفسير : [التغابن: 16]. فهل معنى هذا أن الله كلف الناس أولاً ما لا يستطيعون، ثم قال من بعد ذلك: "فاتقوا الله ما استطعتم"؟ لا، إنه الحق سبحانه لا يكلف إلا بما في الوسع، والناس قد تخطئ الفهم لقوله تعالى: "فاتقوا الله ما استطعتم" فيقول العبد: أنا غير مستطيع أن أقوم بذلك التكليف، ويظن هذا العبد أن التكليف يسقط عنه. لا، إن هذا فهم خاطئ؛ إن قوله الحق: "فاتقوا الله ما استطعتم" أي إنك تتقي الله بما كان في استطاعتك من الوسع، فما باستطاعتك أن تقوم به عليك أن تقوم به. فلا يهرب أحد إلى المعنى المناقض ويقول: أنا غير مستطيع؛ لأن الله يعلم حدود استطاعتك. وساعة تكون غير مستطيع فهو - سبحانه - الذي يخفف .. إنك لا تخفف أنت على نفسك أيها العبد، فالخالق الحق هو الذي يعلم إذا كان الأمر خارجاً عن استطاعتك أو لا، وساعة يكون الأمر خارجاً عن استطاعتك فالله هو الذي يخفف عنك. ولذلك فعلى الإنسان ألا يستخدم القول الحق: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ..}تفسير : [البقرة: 286]. في غير موضعه؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يقدر الوسع، ثم يبني التكليف على الوسع. بل عليك أن تفهم أيها الإنسان أن الله هو الذي خلق النفس، وهو الذي أنزل التكليف لوسع النفس، وما دام الخالق للنفس هو الله فهو العليم بوسع النفس حينما قرر لها المنهج. إنه سبحانه الذي كلف، وهو العليم بأن النفس قد وسعت، ولذلك فهو لا يكلف نفسا إلا وسعها. فإن كان سبحانه قد كلف فاعلم أيها العبد أنه سبحانه قد كلف بما في وسعك، وعندما يحدث للإنسان ما يشق عليه أو يمنعه من أداء ما كلف به تاماً فهو - سبحانه - يضع لنا التخفيف وينزل لنا الرخص. مثال ذلك: المريض أو الذي على سفر، له رخصة الإفطار في رمضان، والمسافر له أن يقصر الصلاة. إذن فالله سبحانه هو الذي علم حدود وسع النفس التي خلقها، ولذلك لا تقدر وسعك أولاً ثم تقدر التكليف عليه، ولكن قدّر التكليف أولاً، وقل: ما دام الحق قد كلف فذلك في الوسع. وفي تذييل الآية الكريمة بقوله: {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] نجد أنفسنا أمام نهي عن فعل وهو: عدم الموت إلا والإنسان مسلم. كيف ذلك؟ أيقول لك أحد: لا تمت؟ إن ذلك الأمر ليس لك فيه اختيار؛ لأنه أمر نازل عليك. فإذا قيل لك: لا تمت، فإنك تتعجب؛ لأن أحداً لا يملك ذلك، ولكن إذا قيل لك: لا تمت إلا وأنت مسلم، فأنت تفكر، وتصل بالتفكير إلى أن الفعل المنهي عنه: لا تمت ليس في قدرة الإنسان؛ ولكن الحال الذي يقع عليه الفعل وهو: إلا وأنت مسلم، في قدرة الإنسان؛ لذلك تقول لنفسك: إن الموت يأتي بغير عمل مني، ولكن كلمة: إلا وأنت مسلم، فهي باستطاعتي، لأن الإسلام يكون باختياري. صحيح أنك لا تعرف متى يقع عليك الموت؟ ولذلك تحتاط والاحتياط يكون بأن تظل مسلماً حتى يصادفك الموت في أي لحظة وأنت مسلم. إذن.. فقول الله: {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] هو نهي عن الفعل الأول وهو ليس باختيارنا. والحال الذي لنا فيه اختيار هو {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] فكيف نوفق بين الأمرين؟ إن الموت لا اختيار لأحد فيه، ولا يعلم أحد منا متى يقع عليه، ولذلك نأتي إلى الأمر الذي لنا فيه اختيار، وهو أن نحرص على أن نكون مسلمين، ويظل كل منا متمسكاً بأهداب الإسلام، فإن صادف الموت في أي لحظة يكون مسلماً وكأن الحق سبحانه يقول لنا: تمسكوا بإسلامكم؛ لأنكم لا تدرون متى يقع عليكم الموت. وإخفاء الموت عن الإنسان ليس إبهاما كما يظن البعض، لا؛ إنه منتهي البيان الواسع؛ لأن إخفاء الموت، وميعاده عن الإنسان زمناً وحالاً، وسنا وسببا، كل ذلك يوضح الموت أوضح بيان. لماذا؟ لأن الله حين استأثر بعلم الموت فالإنسان منا يترقب الموت في أي لحظة وما دام الإنسان مترقباً للموت في أي لحظة فهذا بيان واسع بل هو أوسع بيان. ويقول الحق بعد ذلك: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} معناهُ بأَنْ يُطَاعَ فَلاَ يُعْصى، ويُشكَرَ فَلاَ يُكْفرَ، ويُذْكَرُ فَلاَ يُنْسَى.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا أمر من الله لعباده المؤمنين أن يتقوه حق تقواه، وأن يستمروا على ذلك ويثبتوا عليه ويستقيموا إلى الممات، فإن من عاش على شيء مات عليه، فمن كان في حال صحته ونشاطه وإمكانه مداوما لتقوى ربه وطاعته، منيبا إليه على الدوام، ثبته الله عند موته ورزقه حسن الخاتمة، وتقوى الله حق تقواه كما قال ابن مسعود: وهو أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وهذه الآية بيان لما يستحقه تعالى من التقوى، وأما ما يجب على العبد منها، فكما قال تعالى: {أية : فاتقوا الله ما استطعتم } تفسير : وتفاصيل التقوى المتعلقة بالقلب والجوارح كثيرة جدا، يجمعها فعل ما أمر الله به وترك كل ما نهى الله عنه، ثم أمرهم تعالى بما يعينهم على التقوى وهو الاجتماع والاعتصام بدين الله، وكون دعوى المؤمنين واحدة مؤتلفين غير مختلفين، فإن في اجتماع المسلمين على دينهم، وائتلاف قلوبهم يصلح دينهم وتصلح دنياهم وبالاجتماع يتمكنون من كل أمر من الأمور، ويحصل لهم من المصالح التي تتوقف على الائتلاف ما لا يمكن عدها، من التعاون على البر والتقوى، كما أن بالافتراق والتعادي يختل نظامهم وتنقطع روابطهم ويصير كل واحد يعمل ويسعى في شهوة نفسه، ولو أدى إلى الضرر العام، ثم ذكرهم تعالى نعمته وأمرهم بذكرها فقال: { واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء } يقتل بعضكم بعضا، ويأخذ بعضكم مال بعض، حتى إن القبيلة يعادي بعضهم بعضا، وأهل البلد الواحد يقع بينهم التعادي والاقتتال، وكانوا في شر عظيم، وهذه حالة العرب قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فلما بعثه الله وآمنوا به واجتمعوا على الإسلام وتآلفت قلوبهم على الإيمان كانوا كالشخص الواحد، من تآلف قلوبهم وموالاة بعضهم لبعض، ولهذا قال: { فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار } أي: قد استحقيتم النار ولم يبق بينكم وبينها إلا أن تموتوا فتدخلوها { فأنقذكم منها } بما مَنَّ عليكم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم { كذلك يبين الله لكم آياته } أي: يوضحها ويفسرها، ويبين لكم الحق من الباطل، والهدى من الضلال { لعلكم تهتدون } بمعرفة الحق والعمل به، وفي هذه الآية ما يدل أن الله يحب من عباده أن يذكروا نعمته بقلوبهم وألسنتهم ليزدادوا شكرا له ومحبة، وليزيدهم من فضله وإحسانه، وإن من أعظم ما يذكر من نعمه نعمة الهداية إلى الإسلام، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم واجتماع كلمة المسلمين وعدم تفرقها.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 156 : 20 : 1 - حدثنا أبو حذيفة ثنا سفين عن زبيد الايامي عن مرة الهمداني قال، سألت عبد الله في قوله جل وعز {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} قال؛ حق تقاته أن يطاع فلا يعصا، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسا. [الآية 102].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [102] 90- أنا بشر بن خالد، أنا غُنْدر، عن شعبة، عن سليمان، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} لو أن قطرة من الزَّقوم قُطِرت على الأرض لأمرَّت على أهل الأرض معيشتهم، فكيف من هو طعامه أو ليس له طعام غيره؟ ".