Verse. 396 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

وَاعْتَصِمُوْا بِحَبْلِ اللہِ جَمِيْعًا وَّلَا تَفَرَّقُوْا۝۰۠ وَاذْكُرُوْا نِعْمَتَ اللہِ عَلَيْكُمْ اِذْ كُنْتُمْ اَعْدَاۗءً فَاَلَّفَ بَيْنَ قُلُوْبِكُمْ فَاَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِہٖۗ اِخْوَانًا۝۰ۚ وَكُنْتُمْ عَلٰي شَفَا حُفْرَۃٍ مِّنَ النَّارِ فَاَنْقَذَكُمْ مِّنْھَا۝۰ۭ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اللہُ لَكُمْ اٰيٰتِہٖ لَعَلَّكُمْ تَھْتَدُوْنَ۝۱۰۳
WaiAAtasimoo bihabli Allahi jameeAAan wala tafarraqoo waothkuroo niAAmata Allahi AAalaykum ith kuntum aAAdaan faallafa bayna quloobikum faasbahtum biniAAmatihi ikhwanan wakuntum AAala shafa hufratin mina alnnari faanqathakum minha kathalika yubayyinu Allahu lakum ayatihi laAAallakum tahtadoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«واعتصموا» تمسكوا «بحبل الله» أي دينه «جميعا ولا تفرقوا» بعد الإسلام «واذكروا نعمة الله» إنعامه «عليكم» يا معشر الأوس والخزرج «إذ كنتم» قبل الإسلام «أعداء فألَّف» جمع «بين قلوبكم» بالإسلام «فأصبحتم» فصرتم «بنعمته إخوانا» في الدين والولاية «وكنتم على شفا» طرف «حفرة من النار» ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا كفارا «فأنقذكم منها» بالإيمان «كذلك» كما بيَّن لكم ما ذكر «يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون».

103

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى {وَٱعْتَصِمُواْ} العِصمة المَنْعة؛ ومنه يقال للبذْرَقَة: عِصْمةٌ. والبذرقة: الخَفَارَةُ للقافِلة، وذلك بأن يرسل معها من يحميها ممن يؤذيها. قال ٱبن خالوية: البذرقة ليست بعربية وإنما هي كلمة فارسية عرّبتها العرب؛ يقال: بعث السلطان بذرقة مع القافلة. والحَبْل لفظ مُشتَرك، وأصله في اللغة السَببُ الذي يوصل بِه إلى البغية والحاجة. والحبل: حبل العاتق. والحبل: مستطيل من الرمل، ومنه الحديث: والله ما تركتُ من حبل إلا وقفتُ عليه، فهل لي مِن حَجٍّ؛ والحبل الرسَنُ. والحبل العهد؛ قال الأعشى:شعر : وإذا تُجَوِّزُها حِبالُ قَبيلةٍ أخذتْ من الأخرى إليك حِبالِها تفسير : يريد الأمان. والحبل الداهية؛ قال كثير:شعر : فلا تعجَلي يا عَزُّ أن تتَفَهَّمِي بُنْصح أتى الواشُون أم بِحُبُولِ تفسير : والحِبَالة: حِبالة الصّائد. وكلها ليس مرادا في الآية إلا الذي بمعنى العهد؛ عن آبن عباس. وقال آبن مسعود: حبل الله القرآن. ورواه على وأبو سعيد الحدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن مجاهد وقتادة مثل ذلك. وأبو معاوية عن الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن هذا القرآن هو حبل الله»تفسير : . وروى تَقي بن مخلّد حُدّثنا يحيى بن عبد الحميد حدّثنا هشيم عن العوّام بن حوشب عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} قال: الجماعة؛ روي عنه و (عن غيره) من وجوه، والمعنى كله متقارب مُتَدَاخِل؛ فإن الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفُرْقة فإن الفرقة هلكة والجماعة نجاة. ورحم الله ٱبن المبارك حيث قال:شعر : إن الجماعة حَبْلُ الله فآعتَصِموا منه بِعُروته الوُثْقى لمن دَانا تفسير : الثانية: قوله تعالى: {وَلاَ تَفَرَّقُواْ} (يعني في دينكم) كما ٱفترقت اليهود والنصارى في أديانهم؛ عن ٱبن مسعود وغيره. ويجوز أن يكون معناه ولا تفرقوا متابعين للهوى والأغراض المختلفة، وكونوا في دِين الله إخوانا؛ فيكون ذلك منعا لهم عن التقاطع والتدابر؛ ودل عليه ما بعده وهو قوله تعالى {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً}. وليس فيه دليل على تحريم الاختلاف في الفروع: فإن ذلك ليس ٱختلافا إذ الآختلاف ما يتعذر معه الائتلاف والجمع، وأما حكم مسائل الاجتهاد فإن الاختلاف فيها بسبب آستخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع؛ وما زالت الصحابة يختلفون في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك متآلفون. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اختلاف أمّتي رحمة»تفسير : وإنما منع الله اختلافا هو سبب الفساد. روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فِرقة أو ٱثنتين وسبعين فِرقة والنصارى مثل ذلك وتفترق أمَّتي على ثلاث وسبعين فِرقة»تفسير : . قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وأخرجه أيضاً عن ٱبن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حَذْوَ النعل بالنعل حتى لو كان منهم من يأتي أمّة علانية لكان من أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرّقت آثنتين وسبعين مِلةً وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين مِلةً كلهم في النار إلا مِلة واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ «ما أنا عليه وأصحابي»تفسير : . أخرجه من حديث عبد الله بن زياد الأفريقي، عن عبد الله بن يزيد عن ٱبن عمرو، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه. قال أبو عمر: وعبد الله الأفريقي ثِقة وثقة قومه وأثنوا عليه، وضعّفه آخرون. وأخرجه أبو داود في سننه من حديث معاوية بن أبي سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال ألا إنّ مَن قبلكم مِن أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين مِلة وإن هذه المِلة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة وإنه سيخرج من أمتي أقوامٌ تجارى بهم تلك الأهْواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يَبْقَى منه عِرقٌ ولا مِفصَلٌ إلا دخله»تفسير : . وفي سنن ٱبن ماجه عن أنس ٱبن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة مات واللَّهُ عنه راض»تفسير : . قال أنس: وهو دِين الله الذي جاءت به الرسل وبلّغوه عن ربهم قبل هَرَج الأحاديث وآختلاف الآهْوَاء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما نزل، يقول الله: «فَإنْ تَابُوا» قال: خلعوا الأوثان وعبادتها {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاة}، وقال في آية أخرى: {أية : فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ}تفسير : . [التوبة: 11] أخرجه عن نصر بن علي الجَهْضَمي عن أبي أحمد عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس. قال أبو الفِرج الجَوْزي: فإن قيل هذه الفِرقَ معروفة؛ فالجواب أنا نعرف الافتراق وأصول الفِرق وأن كل طائفة من الفِرق ٱنقسمت إلى فِرَق، وإن لم نُحط بأسماء تلك الفرق ومذاهبها، فقد ظهر لنا من أصول الفِرق الحَرُوريّة والقَدَرِية والجَهْمِية والمَرجِئة والرافِضَة والجَبْرِية. وقال بعض أهل العلم: أصل الفِرق الضّالة هذه الفِرق السّتْ، وقد ٱنقسمت كل فِرقة منها آثنتي عشرة فِرقة، فصارت آثنتين وسبعين فِرقة. آنقسمت الحَرُوريّة آثنتي عشرة فرقة؛ فأولهم الأزْرَقِيَّةُ ـ قالوا: لا نعلم أحدا مؤمنا؛ وكفّروا أهل القِبْلة إلاَ من دان بقولهم. والأباضية ـ قالوا: من أخذ بقولنا فهو مؤمن، ومن أعرض عنه فهو منافق. والثعلبية ـ قالوا: إن الله عز وجل لم يقض ولم يُقَدَّر. والخازِمِيّة ـ قالوا: لا ندري ما الإيمان، والخلق كلهم معذورون. والخلَفِيَة ـ زعموا أن من ترك الجهاد من ذكر أو أنثى كفر. والكوزية ـ قالوا: ليس لأحد أن يَمسّ أحدا وأنه لا يعرف الطاهر من النّجس ولا أن يؤاكله حتى يتوب ويغتسل. والكَنزيّة ـ قالوا: لا يسع أحدا أن يعطي مالَه أحدا؛ لأنه ربما لم يكن مستحقا بل يكنزه في الأرض حتى يظهر أهل الحق. والشّمراخِيّة ـ قالوا: لا بأس بمسِّ النساء الأجانب لأنهن رياحين. والأخْنَسية ـ قالوا: لا يلحق الميت بعد موته خير ولا شر. والحكميّة ـ قالوا: مَن حاكم إلى مخلوق فهو كافر. والمعتزلة ـ قالوا: اشتبه علينا أمر علي ومعاوية فنحن نتبرأ من الفريقين. والميمونية ـ قالوا: لا إمام إلا برضا أهل محبتنا. وانقسمت القَدَرية ٱثنتى عشرة فرقة: الأحمرية ـ وهي التي زعمت أن في شرط العدل من الله أن يملّك عباده أمورَهم، ويحول بينهم وبين معاصيهم. والثَّنَويّة ـ وهي التي زعمت أن الخير من الله والشر من الشيطان. والمعتزلة ـ وهم الذين قالوا بخلق القرآن وجحدوا (صفات) الرّبوبيّة. والكَيْسانية ـ وهم الذين قالوا: لا ندري هذه الأفعال من الله أو من العباد، ولا نعلم أيثاب الناس بعدُ أو يعاقبون. والشيطانية ـ قالوا: إن الله تعالى لم يخلق الشيطان. والشّريكية ـ قالوا: إن السيئات كلها مقدّرة إلا الكفر. والوَهْميّة ـ قالوا: ليس لأفعال الخلق وكلامهم ذات، ولا للحسنة والسيئة ذات. والزِّبْرية ـ قالوا: كل كتاب نزل من عند ٱلله فالعمل به حق، ناسخاً كان أو منسوخاً. والمسعدية ـ زعموا أن من عصى ثم تاب لم تقبل توبته والناكِثية ـ زعموا أن من نكث بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا إثم عليه. والقاسِطية ـ تبعوا إبراهيم بن النظام في قوله: من زعم أن الله شيء فهو كافر. وٱنقسمت الْجَهميّة ٱثنتى عشرة فرقة: المعطّلة ـ زعموا أن كل ما يقع عليه وهم الإنسان فهو مخلوق، وأن من ٱدّعى أن الله يُرى فهو كافر. والمريسية - قالوا: أكثر صفات الله تعالى مخلوقة. والمَلْتَزِقَة ـ جعلوا الباري سبحانه في كل مكان. والوَارِدِيّة ـ قالوا لا يدخل النار من عرف ربه، ومن دخلها لم يخرج منها أبداً. والزنَادِقَة ـ قالوا: ليس لأحد أن يثبت لنفسه ربّاً؛ لأن الإثبات لا يكون إلا بعد إدراك الحواس، وما لا يُدرك لا يثبت. والحَرْقَيّة ـ زعموا أن الكافر تحرقه النار مرّة واحدة ثم يبقى محترقاً أبداً لا يجد حرّ النار. والمخْلُوقية ـ زعموا أن القرآن مخلوق. والفانية ـ زعموا أن الجنة والنّار يفنيان، ومنهم من قال لم يُخلقا. والعبدِية ـ جحدوا الرسل وقالوا إنما هم حكماء. والواقفية ـ قالوا: لا نقول إن القرآن مخلوق ولا غير مخلوق. والقَبْرية ـ ينكرون عذاب القبر والشفاعة. واللفْظية ـ قالوا: لفظنا بالقرآن مخلوق. وانقسمت المرجئة ٱثنتى عشرة فرقة: التّارِكيّة ـ قالوا ليس لله عز وجل على خلقه فريضة سوى الإيمان به، فمن آمن به فليفعل ما شاء. والسّائِبيّة ـ قالوا: إن الله تعالى سيب خلقه ليفعلوا ما شاءوا. والراجِيّة ـ قالوا: لا يُسمّى الطائع طائعاً ولا العاصي عاصياً، لأنَا لا ندري ما لَه عند الله تعالى. والسّالِبيّة ـ قالوا: الطاعة ليست من الإيمان. والبهيشية ـ قالوا: الإيمان عِلْمٌ ومن لا يعلم الحق من الباطل والحلال من الحرام فهو كافر. والعَمَلِيّة ـ قالوا: الإيمان عَمَلٌ. والمَنْقُوصيّة ـ قالوا: الإيمان لا يزيد ولا ينقص. والمسْتَثْنِية ـ قالوا: الاستثناء من الإيمان. والمشبِّهة ـ قالوا: بَصَرٌ كبصرٍ ويَدٌ كيدٍ. والحشوية ـ قالوا: حكم الأحاديث كلها واحد؛ فعندهم أن تارك النفل كتارك الفرض. والظاهِرِية ـ الذين نفوا القياس. والبِدْعية ـ أوّل من ابتدع هذه الأحداث في هذه الأُمة. وانقسمت الرافضة ٱثنتي عشرة فرقة: العلوية ـ قالوا: إن الرسالة كانت إلى عليّ وإن جبريل أخطأ. والأمِرِيّة ـ قالوا: إن عليّاً شريك محمد في أمره. والشِّيعة ـ قالوا: إن عليّاً رضي الله عنه وصِيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ووَليُّه من بعده، وإن الأمّة كفرت بمبايعة غيره. والإسحاقية ـ قالوا: إن النبوّة متصلة إلى يوم القيامة، وكلّ مَن يعلم علم أهل البيت فهو نبيّ. والناوُوسيّة ـ قالوا: عليّ أفضل الأمة، فمن فضّل غيره عليه فقد كفر. والإمامية ـ قالوا: لا يمكن أن تكون الدنيا بغير إمام من ولد الحسين، وإن الإمام يعلِّمه جبريل عليه السلام، فإذا مات بدّل غيره مكانه. والزيدِية ـ قالوا: ولد الحسين كلهم أئمة في الصلوات، فمتى وُجد منهم أحد لم تجز الصلاةُ خلف غيرهم، برّهم وفاجرهم. والعباسية ـ زعموا أن العباس كان أولى بالخلافة من غيره. والتناسخية ـ قالوا: الأرواح تتناسخ؛ فمن كان مُحسناً خرجت روحه فدخلت في خلق يسعد بعيشه. والرَّجعية ـ زعموا أن عليّاً وأصحابه يرجعون إلى الدنيا، وينتقمون من أعدائهم. واللاّعِنَة ـ يلعنون عثمان وطلحة والزبير ومعاوية وأبا موسى وعائشةَ وغيرَهم. والمتربّصة ـ تشبهوا بزيّ النُّساك ونصبوا في كل عصر رجلاً ينسُبون إليه الأمر، يزعمون أنه مَهدِيُّ هذه الأُمة، فإذا مات نصبوا آخر. ثم ٱنقسمت الجَبْرية اثنتى عشرة فرقة: فمنهم المضطرية ـ قالوا: لا فعل للآدميّ، بل الله يفعل الكل. والأفعالية ـ قالوا: لنا أفعال ولكن لا ٱستطاعة لنا فيها، وإنما نحن كالبهائم نقاد بالحبل. والمفروغية ـ قالوا: كل الأشياء قد خُلقت، والآن لا يُخلق شيء. والنجارية ـ زعمت أن الله تعالى يعذّب الناس على فعله لا على فعلهم. والمنّانيّة ـ قالوا: عليك بما يخطر بقلبك، فافعل ما توسّمت منه الخير. والكَسْبية ـ قالوا: لا يكتسب العبد ثواباً ولا عقاباً. والسّابقية ـ قالوا: من شاء فليعمل ومن شاء (فـ) ـلا يعمل، فإن السعيد لا تضرّه ذنوبه والشّقي لا ينفعه بِرّه. والحِبِّية ـ قالوا: من شرب كأس محبة الله تعالى سقطت عنه عبادة الأركان. والخوفية ـ قالوا: من أحبّ الله تعالى لم يسعه أن يخافه؛ لأن الحبيب لا يخاف حبيبه. والفكرية ـ قالوا: من ٱزداد علماً أسقط عنه بقدر ذلك من العبادة. والخشبية ـ قالوا: الدنيا بين العباد سواء، لا تفاضُل بينهم فيما ورَّثَهم أبوهم آدم. والمَنّيّه ـ قالوا: منا الفعل ولنا الاستطاعة. وسيأتي بيان الفرقة التي زادت في هذه الأُمة في آخر سورة «الأنعام» إن شاء الله تعالى. وقال ابن عباس لسماك الحنفي: يا حنفي، الجماعةَ الجماعةٰ فإنما هلكت الأُمم الخالية لتفرّقها؛ أما سمعت الله عز وجل يقول: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل ٱلله جميعاً ولا تفرقوا ويكره لكم ثلاثاً قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال»تفسير : . فأوجب تعالى علينا التمسك بكتابه وسنة نبيه والرجوع إليهما عند الاختلاف، وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسنة ٱعتقاداً وعملاً، وذلك سبب اتفاق الكلمة وٱنتظام الشتات الذي يتم به مصالح الدنيا والدين، والسلامة من الاختلاف، وأمر بالاجتماع ونهى عن الافتراق الذي حصل لأهل الكتابين. هذا معنى الآية على التمام، وفيها دليل على صحة الإجماع حسبما هو مذكور في موضعه من أُصول الفقه، وٱلله أعلم. قوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا}. أمر تعالى بتذكّر نعمه وأعظمها الإسلام وٱتباع نبيه محمد عليه السلام؛ فإن به زالت العداوة والفرقة وكانت المحبة والألفة. والمراد الأوْس والخزرج؛ والآية تَعُم. ومعنى {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} أي صرتم بنعمة الإسلام إخواناً في الدِّين. وكل ما في القرآن «أصبحتم» معناه صرتم؛ كقوله تعالى: {أية : إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً}تفسير : [الملك: 30] أي صار غائراً. والإخوان جمع أخ، وسُمِّي أخاً لأنه يتوخى مذهب أخيه، أي يقصده. وشَفا كلِّ شيء حرفهُ، وكذلك شفيره ومنه قوله تعالى: {أية : عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ}تفسير : [التوبة: 109]. قال الراجز:شعر : نحن حفرنا للحجيج سَجْلَهْ نابتة فوق شِفاها بَقْلَهْ تفسير : وأشْفَى على الشيء أشرف عليه؛ ومنه أشفى المريض على الموت. وما بقي منه إلا شَفاً أي قليل. قال ٱبن السّكّيت: يقال للرجل عند موته وللقمر عند ٱمحّاقه وللشمس عند غروبها: ما بقي منه إلا شفاً أي قليل. قال العجاج:شعر : ومَرْبَإ عالٍ لمن تشرّفَا أشرفْتُه بلا شفًى أو بشَفَى تفسير : قوله «بلا شفى» أي غابت الشمس. «أو بشفى» وقد بقيت منها بقيّة. وهو من ذوات الياء، وفيه لغة أنه من الواو. وقال النحاس: الأصل في شفا شَفَو، ولهذا يكتب بالألف ولا يمال. وقال الأخفش: لمّا لم تَجُز فيه الإمالة عُرف أنه من الواو؛ ولأن الإمالة بين الياء، وتثنيته شفوان. قال المَهْدَويّ: وهذا تمثيل يراد به خروجُهم من الكفر إلى الإيمان.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱعْتَصِمُواْ } تمسكوا {بِحَبْلِ ٱللَّهِ } أي دينه {جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ } بعد الإسلام {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَٱللَّهِ } إنعامه {عَلَيْكُمْ } يا معشر الأوس والخزرج {إِذْ كُنتُم } قبل الإسلام{ أعْدآءً فَأَلَّفَ } جمع {بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } بالإسلام {فَأَصْبَحْتُم } فصرتم {بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً } في الدين وَالولاية {وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا } طرف {حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ } ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا كفاراً {فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا } بالإيمان {كَذٰلِكَ } كما بيَّن لكم ما ذكر {يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِحَبْلِ اللَّهِ} القرآن، أو الإسلام، أو العهد، أو الإخلاص له بالتوحيد، أو الجماعة، سمي ذلك حبلاً؛ لنجاة المتمسك به كما ينجو المتمسك بالحبل من بئر أو نحوها. {وَلا تَفَرَّقُواْ} عن دين الله تعالى، أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم {كُنتُمْ أَعْدَآءً} للأوس والخزرج لحروب تطاولت بهم مائة وعشرين سنة إلى أن تآلفوا بالإسلام، أو لمشركي العرب لما كان بينهم من الطوائل.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {واعتصموا بحبل الله جميعاً} أي تمسكوا بحبل الله والحبل هو السبب الذي يتوصل به إلى البغية وسمي الإيمان حبلاً لأنه سبب يتوصل به إلى زوال الخوف وقيل حبل الله هو السبب الذي به يتوصل إليه فعلى هذا اختلفوا في معنى الآية فقال ابن عباس: معناه تمسكوا بدين الله لأنه سبب يوصل إليه، وقيل: حبل الله هو القرآن لأنه أيضاً سبب يتوصل إليه. وفي أفراد مسلم من حديث زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ألا وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة" تفسير : الحديث عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن هذا القرآن هو حبل الله المتين وهو النور المبين والشفاء النافع عصمة لمن تمسك به" تفسير : وذكره البغوي بغير سند وقال ابن مسعود: هو الجماعة قال عليكم بالجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة وقيل بحبل الله يعني بأمر الله وطاعته {ولا تفرقوا} يعني كما تفرقت اليهود والنصارى وقيل ولا تفرقوا يعني كما كنتم متفرقين في الجاهلية متدابرين يعادي بعضكم بعضاً ويقتل بعضكم بعضاً. قيل معناه لا تحدثوا ما يكون عنه التفرق ويزول معه الاجتماع والألفة التي أنتم عليها ففيه النهي عن التفرق والاختلاف والأمر بالاتفاق والاجتماع لأن الحق لا يكون إلا واحداً وما عداه يكوه جهلاً وضلالاً وإذا كان كذلك وجب النهي عن الاختلاف في الدين وعن الفرقة لأن كل ذلك كان عادة اهل الجاهلية فنهوا عنه وروى البغوي بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويسخط لكم ثلاثاً يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، وأن تناصحوا من ولى الله أمركم، ويسخط لكم ثلاثاً قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال ". تفسير : قوله تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً} قال محمد بن إسحاق وغيره من أهل الأخبار كان الأوس والخزرج أخوين لأب وأم فوقعت بينهما عداوة قتيل ثم تطاولت تلك العداوة والحروب بينهم مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام وألف بينهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وسبب ذلك أن سويد بن الصامت أخا بني عمرو بن عوف وكان شريفاً يسميه قومه الكامل لجلده ونسبه قدم مكة حاجاً أو معتمراً وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث وأمر بالدعوة فتصدى له النبي حين سمع به ودعاه إلى الله عز وجل وإلى الإسلام فقال له سويد فلعل الذي معك مثل الذي معي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وما الذي معك؟ قال مجلد لقمان يعني حكمة لقمان فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرضها علي فعرضها عليه فقال: إن هذا الكلام حسن ومعي أفضل من هذا قرآن أنزل الله عز وجل على نوراً وهدى فتلا عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه وقال: إن هذا القول قول حسن ثم انصرف إلى المدينة فلم يلبث أن قتله الخزرج يوم بعاث وإن قومه يقولون: قد قتل وهو مسلم. ثم قدم أبو الحيس أنس بن رافع ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم وجلس إليهم وقال لهم: هل لكم إلى خير مما جئتم له قالوا وما هو؟ قال أنا رسول الله قد بعثني الله إلى العباد أدعوهم إلى أن لا يشركوا بالله شيئاً وأنزل على الكتاب ثم ذكر الإسلام وتلا عليهم القرآن. قال إياس بن معاذ وكان غلاماً حدثاً أي قوم هذا والله خير مما جئتم له فأخذ أبو الحيس حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس وقال: دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا فصمت إياس وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وانصرفوا إلى المدينة فكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج فلم يلبث إياس بن معاذ أن هلك، فلما أراد الله عز وجل إظهار دينه وإعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار فعرض نفسه على القبائل من العرب كما كان يصنع في كل موسم فلقي عند العقبة رهطاً من الخزرج أراد الله بهم خيراً وهم ستة نفر أسعد بن زرارة وعوف بن الحارث وهو ابن عفراء ورافع بن مالك العجلاني وقطبة بن عامر بن خريدة وعقبة بن عامر بن بابي وجابر بن عبدالله رضي الله عنهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنتم قالوا نفر من الخزرج قال أمن موالي اليهود قالوا نعم قال: أفلا تجلسون حتى أكلمكم قالوا: بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن. قال: وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام ان يهود كانوا معهم ببلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم وهم أهل أوثان وشرك وكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا: إن نبيّاً الآن مبعوث قد أظل زمانه سنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله عز وجل قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله أنه النبي الذي توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه فأجابوه وصدقوه وأسلموا معه وقالوا إنا تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم فعسى الله أن يجمعهم بك وسنقدم عليهم وندعوهم إلى أمرك، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم فلما قدموا المدينة ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً وهم أسعد بن زرارة وعوف ومعاذ ابنا عفراء ورافع بن مالك العجلاني وذكوان بن عبدالقيس وعبادة بن الصامت وزيد بن ثعلبة وعباس بن عبادة وعقبة بن عامر وقطبة بن عامر فهؤلاء خزرجيون وأبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ساعدة من الأوس فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين بهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف الآية فإن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم شيئاً من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة وإن ستر عليكم فأمركم إلى الله عز وجل إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم قال وذلك قبل أن يفرض الحرب، قال: فلما انصرف القوم بعث معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين وكان يسمى مصعب بالمدينة المقرئ، وكان منزله على أسعد بن زرارة ثم إن أسعد بن زرارة خرج ومصعب فدخل به حائطاً من حوائط بني ظفر فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجال ممن أسلم فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير انطلق إلى هذين الرجلين اللذين أتيا دارنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما فإن أسعد بن خالتي ولولا ذلك لكفيتكه، وكان سعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيدي قومهما من بني عبد الأشهل وهما بعد مشركان فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إلى مصعب: وأسعد وهما جالسان في الحائط فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه قال مصعب إن يجلس أكلمه فلما وقف عليهما متشتماً وقال ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا اعتزلا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة قال له مصعب أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمراً قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره؟ قال: أنصفت ثم ركز حربته وجلس إليهما فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن قال والله لعرفنا الإسلام في وجهه قبل أن يتكلم من إشراقه وتسهله ثم قال ما أحسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين قالا تغتسل وتطهر ثوبك وتشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين فقام واغتسل وطهر ثوبه وشهد شهادة الحق ثم صلى ركعتين ثم قال: إن ورائي رجلاً إن تبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن سعد بن معاذ ثم أخذ حربته فانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم فلما نظر سعد إلى أسيد مقبلاً قال أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم فلما وقف أسيد على النادي قال له سعد ما فعلت قال كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأساً وقد نهيتهما فقال: لا نفعل إلا ما أحببت وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك فقام سعد مغضباً للذي ذكره من بني حارثة فأخذ الحربة ثم قال والله ما أراك أغنيت شيئاً فانصرف إليهما فلما رآها مطمئنين عرف أن أسيداً إنما أراد أن يسمع منهما فوقف عليهما متشتماً ثم قال لأسعد بن زرارة: لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني تغشانا في دارنا بما نكره وقد كان قال أسعد لمصعب: جاءك والله سيد قومه إن يتبعك لم يخالفك أحد منهم، فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمراً ورغبت فيه قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره فقال سعد: أنصفت ثم ركزا الحربة وجلس فعرض عليه مصعب الإسلام وقرأ عليه القرآن قالا فعرفنا والله الإسلام في وجهه قبل أن يتكلم من إشراق وجهه وتسهله ثم قال: كيف تصنعون إذا أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلّي ركعتين. فقام واغتسل وطهر ثوبه وشهد شهادة الحق وركع ركعتين ثم أخذ حربته وأقبل عامداً إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير فلما رأوه مقبلاً قالوا نحلف بالله لقد رجع سعد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم قالوا سيدنا وأفضلنا رأياً وأيمننا نقيبة. قال: فإن كان رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله قال فما أمسى في دار بني الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلم ومسلمة ورجع أسعد بن زرارة ومصعب بن عمير إلى منزل أسعد فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون ومسلمات إلاّ ما كان من دار أمية بن زيد وخطمة ووائل ووافق ذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت الشاعر وكانوا يسمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن الإسلام حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق قالوا ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج معه من الأنصار المسلمين سبعون رجلاً مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة فوعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق وهي بيعة العقبة الثانية قال كعب ابن مالك وكان قد شهد ذلك فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا عبدالله بن عمرو بن حرام أبو جابر أخبرناه كنا نكتم من معنا من المشركين من قومنا أمرنا فكلمناه وقلنا: يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطباً للنار غداً ودعوناه إلى الإسلام فأسلم فأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد معنا العقبة وكان نقيباً فبتنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل مستخفين تسلل القطا حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلاً ومعنا امرأتان من نسائنا نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني النجار وأسماء بنت عمرو بن عدي أم منيع إحدى نساء بني سلمة فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه عمه العباس ابن عبدالمطلب وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوقف له فلما جسلنا كان أول من تكلم العباس بن عبدالمطلب فقال: يا معشر الخزرج وكانت العرب يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها إن محمداً منا حيث حيث قد علمتم وقد منعناه عن قومنا ممن هو على مثل رأينا وهو في عز من قومه ومنعة في بلده وإنه قد أبى إلا الانقطاع إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم به من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة قال فقلنا: قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله وخذ لنفسك ولربك ما شئت فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله عز وجل ورغب في الإسلام ثم قالحديث : أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم ونساءكم وأبناءكم قال فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال والذي بعثك بالحق نبياً لنمعنك مما نمنع أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن أهل الحرب وأهل الحلقة ورثناهما كابراً عن كابر فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الناس حبالاً يعني عهوداً وإنا قاطعوها فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك أن ترجع إلى قومك وتدعنا فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم قال: "بل الدم الدم والهدم الهدم أنتم مني وأنا منكم أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم" تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أخرجوا إلى مننكم اثني عشر نقيباً كفلاء على قومهم بما فيهم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم فأخرجوا اثني عشر نقيباً تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس" تفسير : قال عاصم بن عمرو بن قتادة حديث : ان القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري: يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلاً أسلمتموه فمن الآن فهو والله خزي في الدنيا والآخرة وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة. قالوا فإنا نأخذ على مصيبة الأموال وقتل الأشراف فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا قال الجنة قالوا ابسط يدل فبسط يده فبايعوه وأول من ضرب على يده البراء بن معرور ثم تتابع القوم قال فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت ما سمعته قط يا أهل الحباحب هل لكم في مذمم والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا عدو الله هذا أزب العقبة يعني شيطان العقبة اسمع أي عدو الله أما والله لأفرغن لك" ثم قال رسول الله "انفضوا إلى رحالكم فقال العباس بن عبادة بن نضلة والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلن على أهل منى بأسيافنا" فقال رسول الله صلى الله: "لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاؤونا في منازلنا" تفسير : فقالوا: يا معشر الخزرج بلغنا أنكم جئتم صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا وإنه والله ماحي من العرب وأبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينه منكم فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه وصدقوا لم يعلموا به وبعضنا ينظر إلى بعض وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي وعليه نعلان جديدتان قال: فقلت له كلمة كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوه يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش قال فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ورمى بهما إليّ وقال والله لتنتعلنهما قال أبو جابر مه والله أحفظت الفتى فاردد إليه نعليه قال فقلت لا أردهما قال: والله يا أبا صالح لئن صدق الفأل لأسلبنه قال: ثم انصرف الأنصار إلى المدينة وقد شدوا العقد فلما قدموها أظهروا الإسلام بها وبلغ ذلك قريشاً فآذوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "حديث : إن الله قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون فيها" تفسير : فأمرهم بالهجرة إلى المدينة واللحوق بإخوانهم من الأنصار فأول من هاجر إلى المدينة أبو سلمة بن عبدالأسد المخزومي ثم عامر بن ربيعة ثم عبدالله بن جحش ثم تتابعوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالاً إلى المدينة ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجمع الله عز وجل أهل المدينة أوسها وخزرجها بالإسلام، وأصلح ذات بينهم بنبيه عليه الصلاة والسلام وأنزل الله عز وجل: {واذكروا} يعني يا معشر الأنصار {نعمة الله عليكم} يعني بالإسلام {إذ كنتم أعداء} يعني قبل الإسلام {فألف بين قلوبكم} يعني بالإسلام وبنبيّه عليه الصلاة والسلام فأصبحتم بنعمته إخواناً يعني فصرتم برحمته وبدينه الإسلام إخواناً في الدين والولاية بعد العداوة {وكنتم} يا معشر الأوس والخزرج {على شفا حفرة من النار} يعني على طرف حفرة مثل شفا البئر ليس بينكم وبين الوقوع في النار إلا أن تموتوا على كفركم {فأنقذكم منها} أي فخلصكم بالإيمان من الوقوع في النار {كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون}.

السيوطي

تفسير : أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود في قول الله {واعتصموا بحبل الله} قال: حبل الله القرآن. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن الضريس وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: إن هذا الصراط محتضر، تحضره الشياطين ينادون يا عبد الله هلمَّ هذا هو الطريق ليصدوا عن سبيل الله، فاعتصموا بحبل الله، فإن حبل الله القرآن. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي شريح الخزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن هذا القرآن سبب. طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا بعده أبداً ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني "حديث : عن زيد بن أرقم قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني تارك فيكم كتاب الله، هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة ". تفسير : وأخرج أحمد عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله عز وجل حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ". تفسير : وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني لكم فرط وإنكم واردون عليّ الحوض، فانظروا تخلفوني في الثقلين قيل: وما الثقلان يا رسول الله؟ قال: الأكبر كتاب الله عز وجل. سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به لن تزالوا ولا تضلوا، والأصغر عترتي وأنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض، وسألت لهما ذاك ربي فلا تقدموهما لتهلكوا، ولا تعلموهما فإنهما أعلم منكم ". تفسير : وأخرج ابن سعد وأحمد والطبراني عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيها الناس إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي أمرين. أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وأنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني من طريق الشعبي عن ابن مسعود {واعتصموا بحبل الله جميعاً} قال: حبل الله الجماعة". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق الشعبي عن ثابت بن فطنة المزني قال: سمعت ابن مسعود يخطب وهو يقول: أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنهما حبل الله الذي أمر به. وأخرج ابن أبي حاتم عن سماك بن الوليد الحنفي. أنه لقي ابن عباس فقال: ما تقول في سلاطين علينا يظلموننا، ويشتموننا، ويعتدون علينا في صدقاتنا، ألا نمنعهم؟ قال: لا. أعطهم الجماعة الجماعة، إنما هلكت الأمم الخالية بتفرقها، أما سمعت قول الله {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرَّقوا} . وأخرج ابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على إثنتين وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة قالوا: يا رسول الله ومن هذه الواحدة؟ قال: الجماعة. ثم قال {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} ". تفسير : وأخرج ابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وأن أمتي ستفترق على إثنتين وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة قالوا: يا رسول الله ومن هذه الواحدة؟ قال: الجماعة. ثم قال {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} ". تفسير : وأخرج ابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على إثنتين وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة قالوا: يا رسول الله ومن هذه الواحدة؟ قال: الجماعة. ثم قال {واعتصموا بحبل الله جميعاً} ". تفسير : وأخرج مسلم والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : أن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويسخط لكم ثلاثاً. يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وإن تناصحوا من ولاه الله أمركم. ويسخط لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود عن معاوية بن سفيان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على إثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة، ـ يعني الأهواء ـ كلها في النار إلا واحدة. وهي الجماعة ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه حتى يراجعه، ومن مات وليس عليه إمام جماعة فإن موتته ميتة جاهلية ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية {واعتصموا بحبل الله} قال: بالإخلاص لله وحده {ولا تفرقوا} يقول: لا تعادوا عليه ـ يقول على الإخلاص ـ وكونوا عليه إخواناً". وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن {واعتصموا بحبل الله} قال: بطاعته. وأخرج عن قتادة {واعتصموا بحبل الله} قال: بعهد الله وبأمره. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد {واعتصموا بحبل الله} قال: الإسلام. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء} يقتل بعضكم بعضاً، ويأكل شديدكم ضعيفكم حتى جاء الله بالإسلام، فألف به بينكم، وجمع جمعكم عليه، وجعلكم عليه إخواناً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال "لقي النبي صلى الله عليه وسلم نفراً من الأنصار فآمنوا به وصدقوا وأراد أن يذهب معهم فقالوا: يا رسول الله إن بين قومنا حرباً، وإنا نخاف إن جئت على حالك هذه أن لا يتهيأ الذي تريد. فوادوه العام المقبل فقالوا: نذهب برسول الله فلعل الله أن يصلح تلك الحرب. وكانوا يرون أنها لا تصلح ـ وهي يوم بعاث ـ فلقوه من العام المقبل سبعين رجلاً قد آمنوا به، فأخذ منهم النقباء إثني عشر رجلاً. فذلك حين يقول {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم} وفي لفظ لابن جرير، فلما كان من أمرعائشة ما كان، فتشاور الحيان قال بعضهم لبعض: موعدكم الحرة، فخرجوا إليها. فنزلت هذه الآية {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم} الآية". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله {إذ كنتم أعداء} قال: ما كان بين الأوس والخزرج في شأن عائشة. وأخرج ابن جرير عن ابن إسحق قال: كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومائة حتى قام الإسلام، فأطفأ الله ذلك، وألف بينهم. وأخرج ابن المنذر عن مقاتل بن حيان قال: بلغني أن هذه الآية أنزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار في رجلين؛ أحدهما من الخزرج، والآخر من الأوس، اقتتلوا في الجاهلية زماناً طويلاً، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فأصلح بينهم، فجرى الحديث بينهما في المجلس، فتفاخروا واستبوا حتى أشرع بعضهم الرماح إلى بعض. وأخرج ابن المنذر عن قتادة {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً} إذ كنتم تذابحون فيها يأكل شديدكم ضعيفكم حتى جاء الله بالإسلام، فآخى به بينكم، وألف به بينكم. أما والله الذي لا إله إلا هو أن الألفة لرحمة، وأن الفرقة لعذاب، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول "حديث : والذي نفس محمد بيده لا يتواد رجلان في الإسلام، فيفرق بينهما من أول ذنب يحدثه أحداهما، وإن أرادهما المحدث ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : يا معشر الأنصار بمَ تمنون عليَّ أليس جئتكم ضلاًلاً فهداكم الله بي، وجئتكم أعداء فألف الله بين قلوبكم بي؟ قالوا: بلى. يا رسول الله ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {وكنتم على شفا حفرة من النار} يقول كنتم على طرف النار، من مات منكم وقع في النار. فبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، فاستنقذكم به من تلك الحفرة. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس أنه قرأ {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} قال: أنقذنا منها فأرجو أن لا يعيدنا فيها. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} قال: أنقذكم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت عباس بن مرداس وهو يقول: شعر : يكب على شفا الأذقان كبا كما زلق التحتم عن جفاف

ابو السعود

تفسير : وقوله عز وجل: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ} أي بدين الإسلامِ أو بكتابه لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : القرآنُ حبلُ الله المتينُ لا تنقضي عجائبُه ولا يخلَقُ من كثرة الردِّ، مَنْ قال به صدَقَ، ومن عمِل به رَشَد، ومن اعتصم به هُديَ إلى صراط مستقيم» تفسير : إما تمثيلٌ للحالة الحاصلةِ من استظهارهم به ووثوقِهم بحمايته بالحالة الحاصلةِ من تمسك المتدلي من مكان رفيعٍ بحبل وثيقٍ مأمونِ الانقطاعِ من غير اعتبار مجازٍ في المفردات، وإما استعارةٌ للحبل لما ذُكر من الدين أو الكتابِ أو الاعتصامِ ترشيحٌ لها أو مستعارٌ للوثوق به والاعتمادِ عليه {جَمِيعاً} حال من فاعل اعتصموا أي مجتمعين في الاعتصام {وَلاَ تَفَرَّقُواْ} أي لا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلافِ بـينكم كأهل الكتابِ أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية يحارب بعضُكم بعضاً أو لا تُحدِثوا ما يوجب التفرقَ ويُزيل الأُلفةَ التي أنتم عليها {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ} مصدر مضافٌ إلى الفاعل، وقولُه تعالى: {عَلَيْكُمْ} متعلق به أو بمحذوف وقع حالاً منه وقوله تعالى: {إِذْ كُنتُم} ظرفٌ له أو للاستقرار في عليكم أي اذكروا إنعامَه عليكم أوِ اذْكُروا إنعامَه مستقِراً عليكم وقت كونِكم {أَعْدَاء} في الجاهلية بـينكم الإحَنُ والعداواتُ والحروبُ المتواصلة، وقيل: هم الأوسُ والخزرجُ كانا أخوَين لأب وأمٍ فوقعت بـين أولادِهما العداوةُ والبغضاءُ وتطاولت الحروبُ فيما بـينهم مائةً وعشرين سنةً {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} بتوفيقكم للإسلام {فَأَصْبَحْتُم} أي فصِرْتم {بِنِعْمَتِهِ} التي هي ذلك التأليفُ {إِخْوَانًا} خبرُ أصبحتم أي إخواناً متحابّـين مجتمعين على الأُخوّة في الله متراحمين متناصحين متفقين على كلمة الحقِّ وقيل: معنى فأصبحتم فدخلتم في الصباح فالباء حينئذ متعلقةٌ بمحذوف وقع حالاً من الفاعل وكذا إخواناً أي فأصبحتم ملتبسين حالَ كونِكم إخواناً. {وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ ٱلنَّارِ} شفا الحفرةِ وشفَتُها حَرْفها أي كنتم مشرفين على الوقوع في نار جهنَّم لكفركم إذ لو أدرككم الموتُ على تلك الحالةِ لوقعتم فيها {فَأَنقَذَكُمْ} بأن هداكم للإسلام {مِنْهَا} الضميرُ للحفرة أو للنار أو للشَفا والتأنيثُ للمضاف إليه كما في قوله: [الطويل] شعر : [وتَشْرَقُ بالقولِ الذي أذعْتُهُ] كما شرِقَتْ صدرُ القناةِ من الدمِ تفسير : أو لأنه بمعنى الشَّفة فإن شَفا البئرِ وشفَتَها جانبُها كالجانب والجانبة، وأصلُه شَفَوٌ قلبت الواوُ ألفاً في المذكر وحذفت في المؤنث {كَذٰلِكَ} إشارةٌ إلى مصدر الفعل الذي بعده، وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلوّ درجةِ المشارِ إليه وبُعدِ منزلتِه في الفضل وكمالِ تميُّزِه به عما عداه وانتظامِه بسببه في سلك الأمور المشاهَدة، والكافُ مقحمةٌ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارةِ من الفخامة ومحلُّها النصبُ على أنها صفةٌ لمصدر محذوف أي مثلَ ذلك التبـيـينِ الواضحِ {يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَـٰتِهِ} أي دلائلَه {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} طلباً لثباتكم على الهدى وازديادِكم فيه.

التستري

تفسير : قوله: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}[103] أي تمسكوا بعهده وهو التوحيد، كما قال تعالى: {أية : أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً}تفسير : [مريم:78] أي توحيداً وتمسكوا بما ملككم من تأدية فرضه وسنة نبيه.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [الآية: 103]. قال أبو يزيد: ما لم تفقد نفسك ولا تعتصم بخالقك لا يُستجاب لك ومتى كنت وسط الأمور والمخلوق لا يهتدى إلى الخالق، فإذا طرحت عنك كنت معتصمًا به. وقيل: الاعتصام إليه هو ميل القلب بالوفاء وأداء الفرائض بغير تقصير. قال ابن عطاء: حبل اللهِ متصل بعبده يتوقع منه المزيد والفوائد فى كل وقت، وحبلهُ عهده وكتابه فمن اعتصم به وصل. سُئل الجنيد رحمة الله عليه عن قوله: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ} معناه قالت المتصوفة: هو خصوص وعموم أما قوله: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ} معناه: اعتصموا بالله عن الاعتصام بحبل الله. وقال أبو عثمان: الاعتصام بالله والامتناع به من الغفلة والكفر والشرك والمعاصى والبدع والضلالات وسائر المخالفات. وقيل: اعتصموا بحبل الله: اجتمعوا على موافقة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه الحبل الأوثق، ولا تفرقوا عنه ظاهرًا وباطنًا وسرًا وعلانية. قال الواسطى رحمة الله عليه: اعتصموا بحبل الله ومن يعتصم بالله فقد هدى خطاب الخاص وخطاب العام: { أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } تفسير : [يونس: 58]. قوله عز وجل: {إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ}. قيل: كنتم أعداء بملازمة حظوظ أنفسكم فألف بين قلوبكم فأزال عنكم حظوظ الأنفس وردّكم منها إلى حظ الحق فيكم. وقال بعضهم: خصّ اللهُ الأنبياء والأولياء والمؤمنين بخاصيته فأزال {إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} بعلمه. قال: عطاياه لا تحمل إلا خطاياه فألف بين قلوب المرسلين بالرسالة، وقلوب الأنبياء بالنبوة، وقلوب الصادقين بالولاية، وقلوب الشهداء بالمشاهدة، وقلوب الصالحين بالخدمة، وقلوب عامة الخلق بالهداية، فجعل المرسلين رحمة على الأنبياء، والأنبياء رحمة على الصديقين، والصديقين رحمة على الشهداء، والشهداء رحمة على الصالحين، والصالحين رحمة على عباده المؤمنين، والمؤمنين رحمة على الكافرين. قوله تعالى: {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً}. قال ابن عطاء فى هذه الآية: فأثر فيكم عنايتُهُ وحسن نظره، فألف بين قلوبكم وأرواحكم، وجعل الحظين فيها حظًا واحدًا. قوله عز وعلا: {وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا}. قيل: برؤية النجاة بأعمالكم فأنقذكم منها برؤية الفضل.

القشيري

تفسير : الاعتصامُ بحبله - سبحانه - التمسك بآثار الواسطة - العزيز صلوات الله عليه - وذلك بالتحقق والتعلُّق بالكتاب والسُّنَّة. ويصح أن يقال: الخواص يُقال لهم {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ}، وخاص الخاص قيل لهم {وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ}، ولِمَنْ رجع عند سوانحه إلى اختياره واحتياله، أو فكرته واستدلاله، أو معارفه وأشكاله، والتجأ إلى ظل تدبيره، واستضاء بنور عقله وتفكيره - فمرفوع عنه ظل العناية، وموكول إلى سوء حاله. وقوله: {وَلاَ تَفَرَّقُواْ}: التفرقة أشد العقوبات وهي قرينة الشِرْك. وقوله: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً}. وكانوا أعداء حين كانوا قائمين بحظوظهم، مُعَرِّجِين على ضيق البشرية، متزاحمين بمقتضى شُحِّ النفوس. {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ}: بالخلاص من أسْرِ المكونات، ودَفَعَ الأخطار عن أسرارهم، فصار مقصودُهم جميعاً واحداً؛ فلو ألَّفَ ألْفَ شخص في طلبٍ واحدٍ - فهم في الحقيقة واحد. {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} نعمته التي هي عصمته إياكم، إخواناً مُتَّفقِي القصدَ والهمة، متفانين عن حظوظ النَّفْس وخفايا البخل والشحُّ. {وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ}: بكونكم تحت أسْرِ مُنَاكم، ورباط حظوظكم وهواكم. {فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا}: بنور الرضاء، والخمود عند جريان القضاء، وتلك حقاً هي المكانة العُظمى والدرجة الكبرى، ويدخل في هذه الجملة تَرْكُ السكون إلى ما مِنْك من المناقب والتُّقى، والعقل والحجا، والتحصيل والنُّهى، والفرار إلى الله - عزَّ وجلَّ - عن كل غَيْر وسوى.

البقلي

تفسير : {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} حبل الله الهداية والكفاية والرعاية والعبودية والمعرفة والمحبة والخدمة والادب والحرمة والحشمة والنبى صلى الله عليه وسلم والكتاب والسنة وجب على الجمهور الاعتصام بهذه الوثائق حتى وصولا اليه ولا تفرقوا عنه لا من رجع عنه الى رايه وتدبيره وعقله ومعاملته ومجادته وحليلته وفكرته واستدلاله فهو بمعزل عن ظل العناية وكيف الكفاية والاعتصام بالله وبحبل الله من باب المعرفة ارشد طائفة الى نفسه بلا وسائط واغرقوا فى بحار وجوده حتى يلتجئوا من قعر بحر الذات الى سفن الصفات لنفذهم من ظلمات النكرة انوار المعرفة وهذا حال خاص الخاص واشهد طائفة على مراتب المقامات والحالات حتى وصلوا اليه بانوار كراماته والطاف نواله وهذا حال اهل الخاص والام بالاعتصام شفقة على عجزا لعارفين فى معرفته وادراك حقيقة عظمته وفى مشهد التوحيد والاعتصام للمحبين وجهل بعلم القدم والعارفين مكر وحجاب برسوم المعرفة عن حقائق الاسرار للموحدين كفر لان حق التوحيد حالان حمود السر عن الارادة عند ارادات الحق وفناء الموحد عن الموحد لان من التفت عنه بعد شهوده من القدم الا رسم الربوبية والعبودية فهو مشرك فى حقيقة هذا من غرائب شطحياتى وايضا عرفهم مفر الارواح وهو محل الكواشف والمعارف لكى ينطقوا عن المخاصمة فى الاخوة لان من بلغ محل مشاهدة الحق بنعت روية الوحدانية اسقط الواسطات وسلم من العداوات هناك حبال الاعتصام التى انعقدت بها رهن المواخاة وتعارفت العاشقات لان وحشة التفرقة يكون الغيبة وحقيقة الجمعية يكون فى مشهد المشاهدة قال سهل تمسكوا حمده وعهده التوحيد وقال ابو يزيد ما لم تفقد نفسك ولا تعتصم بخالقك لايستجاب لك ومتى كنت وسط الامور فالمخلوق لا يهتدى الى الخالق فاذا طرحت عنك كنت معتصما به وقيل الاعتصام اليه هو ميل القلب بالوفاء واداء الفرائض بغير تقصير قال ابن عطا حبل الله متصل بعبده يتوقع منه المزيد والفوائد فى كل وقت وحبله عهدة وكناية فمن اعتصم به وصل سئل الجنيد عن قوله اعتصموا بحبل الله قال قالت المتصوفة هو خصوص وعموم اما قوله اعتصموا بالله معناه اعتصموا بالله عن الاعتصام بحبل الله وقيل اعتصموا بحبل الله اجتمعوا على موافقة الرسول صلى الله عليه وسلم انه الحب الاوثق ولا تفرقوا عنه ظاهر وباطنا سر او علانية قوله تعالى {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} بان هداكم الى نفسه بنعت المعرفة والمحبة {إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً} اى اذا كنتم من مشاهدة التوحيد فى حجاب النكرة تحت غمام البشرية عن رؤية القرب المشاهدة وحين كنتم تحت ذل الكفر تبضييعكم حق الله وحق الاخولة وطلبكم حظوظ انفسكم بترك حظوظ الاخوان سبب كون العداوة بنيهم عراهم عن لبسا المعرفة فاذا اكسى الله اسرارهم خلع انوار قربه وباشرت قلوبهم حقائق الوصلة راى بعضهم على بعض اثر جمال الحق عشقت اروحهم بعضا على بعض كما قال تعالى حببت اليكم الايمان وزينة فى قلوبكم وما شرحت فهو معنى قوله تعالى {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} وايضا فالف بين قلوبكم بنود عصمته وكشف جمال حضرته حتى وصولوا باجمعهم حقائق مكاشفات والوصال فذاقوا كاس المنة شراب الالفة وطابوا بجمال الحبيب وارتفعت عن بواطن قلبهم غشاوة الوحشة فاصر عيشهم عيشا واحدا ومذهبهم مذهبا واحدا وجمعهم الله على عيون الاخلاص حتى يطهروا فا من دنس الاخلاق واوساخ الطبائع ولبسوا منها اثواب التالف واخلاصهم تخلصهم عن اسرار المكونات ورفع عن اسرارهم اخطار التفرقة فجمعهم فى عين الجمع كنفس واحدة فاحاولهم اروثهم الوفاء واخلاصهم البس اسرارهم الصفا فبين الوفاء والصفا وصاروا فى الاخوة صادقين وفى المحبة مخلصين وفى الصحبة منصفين وفي المصادفة موقنين وفى الجملة الالفة بين قلوب الاصفياء وبالتفاوت على مرسوم الماقامات ومراتب الحالات وافهم ان الله تعالى اذا جمع الارواح فى مشاهدة قربه بعد انشائها فاكرمها عضا بادراك مقام التوحيد وبعضا بقمام المعرفة وبعضا بمقام المحبة وبعضا بمقام المكاشفة وبعضا بمقام المشاهدة وبعضا بمقام الانس والوجد والحالات والالفة بينهم على قدر قران مقاماتهم بعضها بعضا وجعل الجميع على بعض رحمة وهداية وعصمة كما قال عليه السلام المرء كبير باخيه قال عليه السلام المؤمنون كالبنيان نشد بعضهم بعضا فمن وافق فى مشهد الازل على مدارج جميع المقامات صابرين لاقران محبوبا ومعشوقا واماما بما وجد اصول حقائق الوقم وادراك حقيقة مقاماتهم ومن لم يبلغ جميع المقامات صار حاله بخلاف ذلك فالتالف اوصاف الاولين والتناكر نعوت الاخرين لان ارواحهم احتجبت بعضهم بعضا كما قال صغير الصفات الصفات وسفير مشاهد اسرارا الذات سيد البريات وقائم قوائم مهاد الازليات صلوات الرحمن عليه الارواح جنود مجندة فما تعارف منها ايتلف وما تناكر منها اختلف قيل كنتم اعداء بملازمة حظوظ انفسكم فالف بني قلوبكم وازال عنكم حظوظ النفس وردكم الى حظ الحق فيكم قوله تعالى {وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا} اى كنتم فى قعر بحار غضب الازل امتحانا لا حقيقة فانقذكم منها عصمة رضى القدم المنعوت بعناية شرفكم واصطفاء نيتكم بالمعارف والكواشف وذاك قوله سبقت رحمتى غضبى وايضا اى كنتم محجونين بعوارض بشريتكم محترقين بنيران شهواتكم فانقذكم منها انوار المعرفة وسنا الازلية وضياء القربة واذاقكم طعم شراب وصلته حتى صرتم فى طلب مزيد الوصال اخوان كل عائق مب صادق فى طلب رضاه وقيل فى قوله وكنتم على شفا حفرة من النار رويته النجاة باعمالكم فانقذكم منها بروية الفضل.

اسماعيل حقي

تفسير : {واعتصموا بحبل الله} اى بدين الاسلام او بكتابه فلفظ الحبل مستعار لاحد هذين المعنيين فان كل واحد منهما يشبه الحبل فى كونه سببا للنجاة من الردى والوصول الى المطلوب فان من سلك طريقا صعبا يخاف ان تزلق رجله فيه فاذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبى ذلك الطريق امن من الخوف كذلك طريق السعادة الابدية ومرضاة الرب طريق زلق ودواعى الضلال عنها متكثرة زلق رجل اكثر الخلق فيها. فمن اعتصم بالقرآن العظيم وبقوانين الشرع القويم وبينات الرب الكريم فقد هدى الى صراط مستقيم وامن من الغواية المؤدية الى نار الجحيم كما يأمن المتمسك بالحبل من العذاب الاليم {جميعا} حال من فاعل اعتصموا اى مجتمعين فى الاعتصام {ولا تفرقوا} اى لا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كأهل الكتاب {واذكروا نعمة الله عليكم} متعلق بنعمة {اذ كنتم} ظرف له اى اذكروا انعامه عليكم وقت كونكم {اعداء} فى الجاهلية بينكم الاحن والعداوة والحروب المتواصلة. وقيل هم الاوس والخزرج كانوا اخوين لاب وام فوقعت بين اولادهما العداوة والبغضاء وتطاولت الحروب مائة وعشرين سنة {فالف بين قلوبكم} بتوفيقكم للاسلام {فاصبحتم} اى فصرتم {بنعمته} التى هى ذلك التألف {اخوانا} خبر اصبحتم اى اخوانا متحابين مجتمعين على الاخوة فى الله متراحمين متناصحين متفقين على كلمة الحق {وكنتم على شفا حفرة من النار} شفا الحفرة وشفتها حرفها وجانبها اى كنتم مشرفين على الوقوع فى نار جهنم لكفركم اذ لو ادرككم الموت على تلك الحالة لوقعتم فيها تمثيل لحياتهم التى تتوقع بعد الوقوع فى النار بالقعود على حرفها مشرفين على الوقوع فيها {فانقذكم} اى خلصكم ونجاكم بان هداكم للاسلام {منها} اى الحفرة {كذلك} اشارة الى مصدر الفعل الذى بعده اى مثل ذلك التبيين الواضح {يبين الله لكم آياته} اى دلائله {لعلكم تهتدون} طلبا لثباتكم على الهدى وازديادكم فيه. والاشارة ان اهل الاعتصام طائفتان. احداهما اهل الصورة وهم المتعلقون بالاسباب لان مشربهم الاعمال. والثانية اهل المعنى وهم المنقطعون عن الاسباب لان مشربهم الاحوال فقال تعالى لهم {أية : واعتصموا بالله هو مولاكم} تفسير : [الحج: 78]. اى مقصودكم. وقال للمتعلقين بالاسباب {واعتصموا بحبل الله جميعا} وهو كل سبب يتوسل به الى الله فالمعتصم بحبل الله هو المتقرب الى الله باعمال البر ووسائط القربة واذا وجد الاعتصام وجد عدم التفرق بخلاف عدم الاعتصام فانه سبب للتفرق فى الظاهر والباطن. فاما فى الظاهر فيلزم منه مفارقة الجماعة فاقتلوه كائنا من كان. واما فى الباطن فيظهر منه الاهواء المختلفة التى توجب تفرق الامة كما قال عليه السلام "حديث : ستفترق امتى اثنتين وسبعين فرقة الناجية منهم واحدة ". تفسير : قالوا يا رسول الله ومن الفرقة الناجية قال "حديث : من كانوا على ما انا عليه واصحابى " .تفسير : واعلم انه تعالى امر المؤمنين اولا بالتقوى وثانيا بالاعتصام وثالثا بتذكر النعمة لان فعل الانسان لا بد وان يكون معللا اما بالرهبة واما بالرغبة والرهبة متقدمة على الرغبة لان دفع الضرر مقدم على جلب النفع كما ان التخلية قبل التحلية فقوله {أية : اتقوا الله حق تقاته} تفسير : [آل عمران: 102]. اشارة الى التخفيف من عقاب الله ثم جعله سببا للامر بالتمسك بدين الله ثم اردفه بالرغبة وهى قوله تعالى {واذكروا نعمة الله عليكم} فعلى العاقل الانقياد لامر الله والطاعة لحكمه والاعتصام بحبله وعدم التفرق فى الدين والتقوى حق التقى من الله سبحانه قيل ونعم ما قيل شعر : متقى را بود جهار نشان حفظ احكام شرع اول دان ثانيا انجه دست رس باشد بر فقيران و بيكسان بخشد عهدرا با وفا كند بيوند هرجه باشد ازان شود خرسند تفسير : وهذا معنى قول الشيخ النصر آبادى علامة المتقى اربعة. حفظ الحدود. وبذل المجهود. والوفاء بالعهود. والقناعة بالموجود. قال القشيرى رحمه الله حق التقوى ان يكون على وفق الامر لا يزيد من قبل نفسه ولا ينقص. وحى التقوى اولا اجتناب الزلة. ثم اجتناب الفضلة. ثم التوقى عن كل خلة. ثم التنقى عن كل علة فاذا اتقيت عن شهود تقواك بعد اتصافك بتقواك فقد اتقيت حق تقواك انتهى. فمن بقى فيه شىء من اثر الوجود فقد اشرك شركا خفيا ولم يصل الى حقيقة الشهود شعر : حضورى كرهمى خواهى ازوغائب مشو حافظ متى ماتلق من تهوى دع الدنيا واهملها تفسير : قال ابو مدين رحمه الله شتان بين من همته الحور والقصور ومن همته رفع الستور ودوام الحضور فطوبى لمن سار اليه بالجذبات الالهية على قدم التحقيق وطار بتجلى الصفات الربانية وجناح التوفيق. قال سهل رضى الله عنه ليس للعبد الا مولاه واحسن احواله ان يرجع الى مولاه اذا عصى قال يا رب استر على فاذا ستر عليه قال يا رب تب على فاذا تاب قال يا رب وفقنى حتى اعمل فاذا عمل قال يا رب وفقنى حتى اخلص فاذا اخلص قال يا رب تقبل منى. فعلى العاقل ان يتمسك بهذا الحبل المتين.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: أصل الحبل في اللغة: السبب المُوصِّل إلى البغية، سمى به الإيمان أو القرآن؛ لأنه يُوصل إلى السعادة السرمدية، و {شفا حفرة}، وأصله: (شفو)، فقلبت ألفاً في المذكر، وحذفت في المؤنث، فقالوا: شفة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {واعتصموا} أي: تمسكوا يا معشر المسلمين {بحبل الله} أي: الإيمان، أو كتاب الله، لقوله عليه الصلاة والسلام:{حديث : إنَّ هذا القرآن هو حَبْلُ الله المّتِين، وهو النورُ المُبِينُ، والشِّفَاءُ النافِعُ، عِصْمَةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ به..."تفسير : . الحديث. حال كونكم {جميعاً} أي: مجتمعين عليه، {ولا تفرقوا} تفرقكم الجاهلي، أو لا تفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كأهل الكتاب. قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : إنَّ بَني إسْرائيلَ افتَرقَتْ على إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقةً، وإنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ على ثِنتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلّها في النَّارِ إلا واحِدَةً، فقيل: يا رسول الله، ما هذه الواحدة؟ فقبض يده وقال: الجَمَاعَةُ، ثمَّ قرأ:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} . تفسير : {واذكروا نعمت الله عليكم}، التي من جملتها الهداية للإسلام المؤدِّي إلى التآلف وزوال الغِلِّ، {إذ كنتم أعداء} في الجاهلية، يقتل بعضُكم بعضاً، {فألّف بين قلوبكم} بالإسلام، {فأصبحتم بنعمته إخواناً} متحابين مجتمعين على الأخوة في الله. قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : لا تَحَاسَدُوا، ولا تَبَاغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا، وكُونُوا عبادَ الله إخْواناً، المسلمُ أَخُوا المسلمُ لا يَظْلِمُه ولا يَخْذُلُه"تفسير : . الحديث. رُوي أن الأوس والخزرج كانوا أخَوَيْن، فوقع بين أولادهما العداوة، وتطاولت الحرب بينهما مائة وعشرين سنة، حتى أطفأها الله بالإسلام، وألف بينهم برسول الله عليه الصلاة والسلام - فنزلت فيهم هذه الآية. ثم قال لهم: {وكنتم على شفا حفرة من النار} أي: مُشرفين على نار جهنم، إذ لو أدرككم الموت لوقعتم في النار، {فأنقذكم} الله {منها} برسوله - عليه الصلاة والسلام -: رُوِيَ أن أعرابيّاً سمع ابن عباس يقرأ هذه الآية، فقال الأعرابي: والله ما أنقذهم منها وهو يريد أن يوقعهم فيها، فقال ابن عباس رضي الله عنه خذوها من غير فقيه. هـ. {كذلك يبين الله لكم آياته} أي: مثل هذا النبيين {يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} إلى الخير، وتزيدون ثباتاً فيه. الإشارة: المذاهب كلها وقع فيها الاختلاف والتفرق في الأصول والفروع، إلا مذاهب الصوفية فكلها متفقة بداية ونهاية، إذ بدايتهم مجاهدة، ونهايتهم مشاهدة، وإلى ذلك أشار في المباحث، حث قال: شعر : مذاهبُ الناسِ على اخْتلاف ومَذْهَبُ القَوْمِ على ائْتِلاَف تفسير : وإن وقع الاختلاف في بعض الطرق الموصلة إلى المقصود، فقد اتفقت في النهاية، بخلاف أهل الظاهر، لا تجدهم يتفقون إلا في مسائل قليلة، لأن مذهبهم مبني على غلبة الظن، ومذهب القوم مبني على التحقيق ذوقاً وكشفاً، وكذلك ائتلفت أيضاً قلوبهم وأرواحهم، إذ كلهم متخلقون بالشفقة والرأفة والمودة والألفة والصفا؛ لأنهم دخلوا الجنة - أعني جنة المعارف - فتخلقوا بأخلاق أهل الجنة، قال تعالى:{أية : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ }تفسير : [الحِجر: 47]، فيقال لهم بعد الفتح: واذكروا نعمة الله عليكم، إذ كنتم أعداء قبل اتصالكم بالطبيب، فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته أخواناً متحابين، وكنتم على شفا حفرة من نار القطيعة والحجاب {فأنقذكم منها}. مثل هذا البيان يوضح الله آياته، أي: تجلياته، لعلكم تهتدون إلى مشاهدة ذاته في أنوار صفاته. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : المعنى، واللغة، والاعراب: ومعنى قوله: {واعتصموا} امتنعوا بحبل الله واستمسكوا به أي بعهد الله، لأنه سبب النجاة كالحبل الذي يتمسك به للنجاة من بئر أو نحوها. ومنه الحبل الأمان، لأنه سبب النجاة. ومنه قوله: {أية : إلا بحبل من الله وحبل من الناس}تفسير : ومعناه بأمان، قال الاعشى: شعر : وإذا تجوزها حبال قبيلة أخذت من الأخرى إليك حبالها تفسير : ومنه الحبل الحمل في البطن وأصله الحبل المفتول قال ذو الرمة: شعر : هل حبل خرقاء بعد اليوم مرموم أم هل لها آخر الايام تكليم تفسير : وفي معنى قوله: {بحبل الله} قولان قال أبو سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه كتاب الله. وبه قال ابن مسعود, وقتادة والسدي. وقال ابن زيد {حبل الله} دين الله أي دين الاسلام. وقوله: {جميعاً} منصوب على الحال. والمعنى اعتصموا بحبل الله مجتمعين على الاعتصام به. وقوله: {ولا تفرقوا} أصله ولا تتفرقوا، فحذفت احدى التائين، لاجتماع المثلين. والمحذوفة الثانية، لأن الأولى علامة الاستقبال، وهو مجزوم بالنهي وعلامة الجزم سقوط النون. وقال ابن مسعود وقتادة: معناه ولا تفرقوا عن دين الله الذي أمر فيه بلزوم الجماعة والائتلاف على الطاعة. وقال الحسن: معناه ولا تفرقوا عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وقوله: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء} معناه ما كان بين الأوس والخزرج من الحروب التي تطاولت مئة وعشرين سنة إلى أن ألف بين قلوبهم بالاسلام، وزالت تلك الاحقاد، هذا قول ابن اسحاق. وقال الحسن: هو ما كان من مشركي العرب من الطوائل. وقوله: {وكنتم على شفا حفرة من النار} معنى الشفا الحرف، لأن شفا الشيء حرفه، ويثنى شفوان، لأنه من الواو، وجمعه اشفاء. ولا يجوز فيه الامالة. وإنما قال: {فأنقذكم منها} وإن لم يكونوا فيها، لأنهم كانوا بمنزلة من هو فيها من حيث كانوا مستحقين لدخولها. وإنما أنقذهم النبي (صلى الله عليه وسلم) بدعائهم إلى الاسلام، ودخولهم فيه، فصاروا بمنزلة الخارج منها. وأصل الاخ أن الاخ مقصده مقصد أخيه، وكذلك في الصداقة أن تكون إرادة كل واحد منهما موافقة الاخر يقولون: يتوخى فلان شأن فلان أي يقصده في سيره، ويقولون: خذ على هذا الوخي أي على هذا القصد. وقوله: {كذلك يبين الله لكم آياته} الكاف في موضع نصب، والمعنى مثل البيان الذي تلي عليكم {يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} معناه لتهتدوا وتكونوا على رجاء هداية. والهاء في قوله فأنقذكم منها كناية عن الحفرة فترك شفا، وردت الكناية على الحفرة. ومثل ذلك قول العجاج. شعر : طول الليالي أسرعت في نقضي طوين طولي وطوين عرضي تفسير : فترك الطول وأخبر عن الليالي. فان قالوا إذا كان الله هو الذي ألف بين قلوبهم وأنقذهم من النار، فقد صح أن أفعال الخلق فعل له وخلق من خلقه؟ قيل: لا يجب ذلك، لأنا نقول أن النبي (صلى الله عليه وسلم) ألف بين قلوب العرب وأنقذهم من النار، ولا يجب من ذلك أن تكون أفعالهم أفعالا للنبي (صلى الله عليه وسلم)، ولا مشاركا لهم. ومعنى ألف بين قلوبهم وأنقذهم من النار أنه دعاهم إلى الايمان وبين لهم وهداهم، ورغبهم وحذرهم، فلما كان إسلامهم ونجاتهم بمعونته ودعائه، كان هو المؤلف لقلوبهم، والمنقذ لهم من النار على هذا المعنى، لا أنه صنع أفعالهم، وأحدثها. فان قيل: فقد فعل الله مثل ذلك بالكافرين هلا قلتم أنه ألف بينهم؟ قلنا: لا نقول ذلك وإن كان فعل بهم في الابتداء مثل الذي فعل بالمؤمن، لأنه لم يوجد منهم إيمان، فلا يجوز إطلاق ذلك عليهم، ولما وجد من المؤمن ذلك جاز إضافة ذلك إلى الله تعالى وجرى ذلك مجرى قوله {هدى للمتقين} أنه اضيف إلى المتقين من حيث اهتدوا به. وان كان هداية للكافرين أيضاً. ويجوز أن يقال: ألف الله بين الكفار، فلم يأتلفوا وانقذهم، فلم يستنقذوا، فيقيد ذلك، كما قال: {أية : وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} تفسير : ولا يجوز أن يقال: هدى الله ثمود ويسكت. ومثل ذلك لو أن إنساناً اعطى ولدين له مالا وأمرهما بالتجارة وبين لهما وجوه المكاسب فكسب أحدهما مالا واستغنى، وضيع الآخر، فافتقر جاز أن يقال أن فلاناً أغنى ولده الغني، ولا يجوز أن يقال اغنى ولده الفقير على أنا لا نقول ان الله تعالى فعل بالكافر جميع ما فعل بالمؤمن، لأن الذي سوى بينهما ما يتعلق بازاحة العلة في التكليف من الاقدار والاعلام والدلالة، وما به يتمكن من فعل الايمان، فأما الالطاف التي يفعلها الله بالمؤمن بعد إيمانه التي علمها له بعد الايمان ولم يعلمها للكافر، فلا نقول أنه فعل بالكافر مثلها، ولا يمتنع أن تكون هذه الزيادة من الالطاف مشروطة بحال الايمان، فالاطلاق لا يصح على كل حال.

الجنابذي

تفسير : تحقيق حبل الله وحبل النّاس {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ} يطلق حبل الله على القرآن لانّه كالحبل المحسوس الممدود من الله الى الخلق طرفه الّذى هو مقام المشيئة وعلويّة علىّ (ع) بيد الله، وطرفه الآخر بيد النّاس وهو نقشه وكتابته ولفظه وعبارته ويطلق على الكامل من النّبىّ (ص) او الولىّ (ع) فانّه ايضاً حبل ممدود من الله الى الخلق طرفه المشيئة كالقرآن وطرفه الآخر بشريّته، ويطلق على الولاية التكوينيّة والولاية التّكليفيّة فانّها ايضاً حبل ممدود طرفه المشيئة لانّ الكلّ متّحدة فى المقامات العالية، والتّفرقة انّما هى فى عالم الفرق وطرفه الآخر بشريّة الكامل وصدر قابل الولاية وبشريّته، وهكذا الحال فى النّبوّة والرّسالة والشّريعة المقرّرة منهما وقوله تعالى بُعيد هذا: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ} اشارة الى الولايتين او الى القرآن والولاية التّكليفيّة كما فى الخبر انّ الحبل من الله القرآن والحبل من النّاس علىّ بن ابي طالب (ع)، ونسب الى النّبىّ (ص) انّه قال فى مقام وصف الكتاب والعترة: "حديث : حبلين ممدودين طرف منهما بيد الله وطرف بايديكم وانّهما لن يفترقا"تفسير : ؛ لكن بعد ما سبق فى اوّل سورة البقرة من تحقيق معنى الكتاب وتعميمه يعلم انّ الولاية التّكوينيّة كتاب من الله كما انّ الولاية التّكليفيّة ايضاً كتاب من الله والمراد به هاهنا محمّد (ص) بنبوّته او رسالته او ولايته، او المراد شريعته ودينه الّذى هو الاسلام، او المراد علىّ (ع) بولايته؛ فانّ المقصود من تلك الآيات التّعريض بالامّة فى اتّباع الولاية، وعلى تعميم الامر بالاعتصام يراد جميع معانى الحبل بالنّسبة الى مراتب الخلق فكأنّه قال: اعتصموا ايّها المسلمون بمحمّد (ص) وشريعته وكتابه واعتصموا ايّها المؤمنون بعلىّ (ع) وولايته {جَمِيعاً} اى مجتمعين على الاعتصام {وَلاَ تَفَرَّقُواْ} فى الاعتصام بان تمسّك بعضكم بحبل الله وبعضكم بحبل الشّيطان من الاديان المنسوخة والباطلة ومن ولاية المنافقين، نسب الى الباقر (ع) انّه قال فى بيان انّ الآية تعريض بالامّة واختلافهم فى الولاية بعد نبيّهم (ص) انّ الله تبارك وتعالى علم انّهم سيفترقون بعد نبيّهم ويختلفون فنهاهم عن التفرّق كما نهى من كان قبلهم فامرهم ان يجتمعوا على ولاية آل محمّد (ص) ولا يتفرّقوا {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} بالاسلام {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} فى الدّين متحابّين متّفقين، لمّا كان العداوة بين النّاس بلاء عظيماً لهم والالفة نعمة عظيمة فى الدّنيا ومورثاً للنّعمة فى الآخرة ذكر من بين النّعم الّتى انعم الله تعالى بها عليهم دفع هذا البلاء واعطاء هذه النّعمة، قيل: كان الاوس والخزرج اخوين لابوين فوقع بين اولادهم العداوة وتطاولت الحروب مائة وعشرين سنة حتّى أطفأها الله بالاسلام والّف بينهم، وقيل: افتخر رجلان من الاوس والخزرج فقال الاوسىّ: منّا خزيمة بن ثابت ذو الشّهادتين، ومنّا حنظلة غسيل الملائكة، ومنّا عاصم بن ثابت حمىّ الدّين، ومنّا سعد بن معاذ الّذى اهتزّ عرش الرّحمن له ورضى الله بحكمه فى بنى قريظة، وقال الخزرجىّ: منّا اربعة احكموا القرآن؛ ابىّ بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وابو زيدٍ، ومنّا سعد بن عبادة خطيب الانصار ورئيسهم؛ فجرى الحديث بينهما فغضبا وتفاخرا وناديا فجاء الاوس الى الاوسىّ والخزرج الى الخزرجىّ ومعهم السّلاح فبلغ ذلك النّبىّ (ص) فركب حماراً وأتاهم فانزل الله الآيات فقرأ عليهم فاصطلحوا {وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا} ذكر نعمة اخرى اخرويّة هى دفع بلاء الوقوع فى النّار والنّجاة منها وبيان لما يورثه العداوة والالفة {كَذٰلِكَ} التّبيين لآياته المودعة فى البيت والمقام واحكامه المقرّرة فى باب حجّ البيت وآياته المذكورة فى مواعظكم {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} الاخر التّكليفيّة والوعظيّة والتّكوينيّة {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} الى مصالحكم ومضارّكم او الى ولاية ولىّ امركم فانّها غاية كلّ هداية وتلويح كلّ آية كما انّ قوله تعالى {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ}.

فرات الكوفي

تفسير : {وَاعْتَصِموا بَحَبْلِ اللهِ جَميعاً ولا تَفَرَّقوا103} فرات قال: حدثني الحسين بن محمد قال: حدثنا محمد بن مروان قال: حدثنا أبو حفص الأعشى عن أبي الجارود: عن أبي جعفر عن أبيه عن جدّه عليهم السلام قال: جاء رجلٌ في هيئة أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما معنى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} فقال له النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب]: حديث : أنا نبي الله وعلي [بن أبي طالب.ر] حبله. تفسير : فخرج الأعرابي وهو يقول: آمنت بالله وبرسوله و[اعتصمت.أ، ب، ح] بحبله. فرات قال: حدثني محمد بن الحسن بن إبراهيم معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديث : فأقبل أعرابي فقال: يا رسول الله [ما. ر] [قول الله. ر، أ] في كتابه: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} فما حبل الله؟ فقال النبي:"يا أعرابي أنا نبيّه وعلي [بن أبي طالب. ر] حبله" تفسير : فخرج الأعرابي وهو يقول: آمنت بالله وبرسوله واعتصمت بحبله. فرات قال: حدثني الحسن بن العباس البجلي معنعناً: عن أبان بن تغلب قال: قال [أبو. ب] جعفر [عليه السلام. أ، ب]: ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام الحبل الذي قال الله [تعالى. ر] [فيه. أ] {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} فمن تمسك به كان مؤمناً ومن تركه خرج من الإيمان. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد بن سعيد الأحمسي معنعناً: عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: نحن حبل الله الذي قال: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} وولاية علي البر فمن استمسك به كان مؤمناً ومن تركه [ا:تركها] خرج من الإيمان. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: حديث : بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس في جماعة من أصحابه إذ ورد عليه أعرابي فبرك بين يديه فقال: يا رسول الله إني سمعت [الله تعالى. ب] يقول [الله. ر] في كتابه: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} فهذا الحبل الذي أمرنا بالاعتصام به ما هو.؟ قال: فضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يده على كتف علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] فقال: ولاية هذا . تفسير : قال: فقال [أ، ب: فقام] الأعرابي وضبط بكفيه [(خ ل): باصبعيه. باصبعه] جميعاً ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله واعتصم [ب: واعتصمت] بحبل الله. قال: وشد أصابعه.

اطفيش

تفسير : {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً} كونوا على دين الله بالاتباع بالإسلام والاعتقاد والطاعة والإخلاص، وعن ابن مسعود بالطاعة والجماعة، فينجو من النار إلى الجنة، كمن يمسك بحبل يطلع به، من مضرة، أو يرتفع به إلى منفعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : القرآن حبل الله المتين"تفسير : رواه الحاكم، وعنه صلى الله عليه وسلم " حديث : القرآن حبل الله المتين لا تنقضى عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد، من قال به صدق، ومن عمل به رشد، ومن اعتصم به هدى إلى صراط مستقيم" تفسير : أى لا يبلى من كثرة التردد بقراءته، بل هو أبداً طري، قال الشاطبى: وبعد فحمل الله فينا كتابه. عن ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : حبل الله القرآن"تفسير : ، وعن زيد بن ثابت عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : القرآن وأهل بيتى لن يفترقا حتى يردا على الحوض" تفسير : ، شبه قبول دين الله أو القرآن والعمل به والانتفاع بإحضار حبل وثيق، والارتباط له، والتوصل به إلى خير، فذلك استعارة تمثيلية،وهى أولى من استعارة الإفراد، كاستعارة الحبل للعهد، تصريحية أصلية، والقرينة الإضافة، واستعارة الاعتصام للوثوق بالعهد تصريحية، أصلية، واشتقاق اعتصم تصريحية تبعية، وكاستعارة الحبل، وإبقاء اعتصموا ترشيحاً، أو فى الحبل مكنية وفى الاعتصام تخييلية، ويجوز اسعتمال الاعتصام مع أنه تمسك مخصوص بجسم فى مطلق التوثق، فمنه التوثق بعهد الله، فذلك مجاز مرسل أصلى لعلاقة الإطلاق والتقييد، واشتق منه اعتصم مجازاً مرسلاً تبعياً {وَلاَ تَفرَّقُوا} لا تتفرقوا عن الإسلام بالاختلاف فيه، ولا بذكر ما يزيل الألفة، كتفرق الجاهلية بالحروب، وتفرق أهل الكتاب بعد كونهم معه، اولا تتفرقوا فيما بينكم أو فيما بينكم وبين الرسول {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَليْكُمْ} يا أيها الأنصار بالتوفيق للإسلام وتوابعه، أو بالتاليف بين قلوبكم المذكور بعد {إذ} متعلق بنعمة بمعنى الإنعام أى إنعام الله عليكم وقت {كُنتُمْ أَعْدَآءً} تقتتلون وتتحاقدون وتتشائمون مائة وعشرين سنة قبل الإسلام، ولا يتعلق باذكروا، لأن وقت الأمر بالذكر متأخر عن وقت كونهم أعداء، او نعمة الله نعمه، فيتعلق إذ بمحذوف حال، والأول أولى، لأن فيه الحمد على الفعل، وهو الإنعام وهو أبلغ من الحمد على أثره، وهو النعم {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} بهدايته لكم للأسلام {فَأَصْبَحْتُمْ} صرتم، واختار لفظ الصباح لأنه أفضل من الليل ولأنه أول النهار، لأأو لأنه بعد الظلمة كالإسلام بعد شرك، مع احتمال أن ذلك وقع صبحاً تحقيقاً {بِنِعْمَتِهِ} بالإسلام أو بالتأليف به أو بنبيه صلى الله عليه وسلم {إخْوَاناً} فى الدين والتناصر كأخوين من أب وأم تناصراً لنسبهما، وكان الأوس والخزرج لأب واحد وأم واحدة، وتناصرهم للإسلام، لا لاتحاد الأبوين، فالمؤمنون من حيث إنهم منتسبون إلى أصل واحد، وهو الإيمان، كالإخوة المنتسبين إلى أب واحد وأم واحدة، والأول سبب للحياة الأبدية والثانى سبب للحياة الفانية، وآخر الحرب بين الأوس والخزرج يوم بعاث، وقيل الخطاب لمشركى العرب، ولعل المراد بعد إسلامهم، لقوله: فأصبحتم إخواناً بالإسلام {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ} طرف الحفرة الأسفل، إذ كانوا فى الكفر والفتن الموجبة للنار، كما قال {مَّنَ النَّارِ} التى هى جهنم، ما بينكم وبينها إلا الموت على الشرك، أوتمثيل للخسران {فَأَنْقَذَكُمْ} خلصكم {مِّنْهَا} من الحفرة أو من النار، أو من شفا، وأنث لإضافته لمؤنث يصلح الاستغناء به عنه، أو لاعتبار معنى شفة البئر، والمراد من موجبات النار، بتوفيقه إياكم إلى الإسلام، أو بمحمد صلى الله عليه وسلم، أو الشفا الطرف الأعلى من الحفرة ونحوها، كقوله تعالى: {أية : على شفا جرف} تفسير : [التوبة: 109]، بمعنى أنهم أشرفوا على النار بكفرهم وفتنهم، فنجاهم الله منها بالإسلام، فلو ماتوا قبل الإسلام لدخلوها، شبه الموت على المعصية بالكون على شفا حفرة من النار بجامع ترتب المضرة، ومضرة المعصية الخسران والعذاب قبل جهنم، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم حديث : الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيهتفسير : ، ومعنى إنجائهم من الشفا إنجاؤهم من مظنة الهلاك {كَذَلِكَ} مثل تبينه لك حال الأنصار قبل الإسلام وحالهم بعده {يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ ءَايآتِهِ} أى سائر دلائله على سائر دينه {لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ} إلى ما لم تهتدوا إليه قبل، أو تبقون على الاهتداء، ومر معانى صيغة الترجى من الله، أو أراد بالترجى الإرادة المتشابهة أواللزوم إلى التسبب.

الالوسي

تفسير : {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ } أي القرآن وروى ذلك بسند صحيح عن ابن مسعود. وأخرج غير واحد عن أبـي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض»تفسير : . وأخرج أحمد عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله عز وجل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض»تفسير : وورد بمعنى ذلك أخبار كثيرة وقيل: المراد بحبل الله الطاعة والجماعة، وروي ذلك عن ابن مسعود أيضاً. أخرج ابن أبـي حاتم من طريق الشعبـي عن ثابت بن قطنة المزني قال: سمعت ابن مسعود يخطب وهو يقول: أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنهما حبل الله تعالى الذي أمر به، وفي رواية عنه حبل الله تعالى الجماعة، وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأبـي العالية أنه الإخلاص لله تعالى وحده وعن الحسن / أنه طاعه الله عز وجل وعن ابن زيد أنه الإسلام، وعن قتادة أنه عهد الله تعالى وأمره وكلها متقاربة. وفي الكلام استعارة تمثيلية بأن شبهت الحالة الحاصلة للمؤمنين من استظهارهم بأحد ما ذكر ووثوقهم بحمايته بالحالة الحاصلة من تمسك المتدلي من مكان رفيع بحبل وثيق مأمون الانقطاع من غير اعتبار مجاز في المفردات، واستعير ما يستعمل في المشبه به من الألفاظ للمشبه، وقد يكون في الكلام استعارتان مترادفتان بأن يستعار الحبل للعهد مثلاً استعارة مصرحة أصلية والقرينة الإضافة، ويستعار الاعتصام للوثوق بالعهد والتمسك به على طريق الاستعارة المصرحة التبعية والقرينة اقترانها بالاستعارة الثانية، وقد يكون في {اعتصموا} مجاز مرسل تبعي بعلاقة الإطلاق والتقييد، وقد يكون مجازاً بمرتبتين لأجل إرسال المجاز وقد تكون الاستعارة في الحبل فقط ويكون الاعتصام باقياً على معناه ترشيحاً لها على أتم وجه، والقرينة قد تختلف بالتصرف فباعتبار قد تكون مانعة وباعتبار آخر قد لا تكون، فلا يرد أن احتمال المجازية يتوقف على قرينة مانعة عن إرادة الموضع له فمع وجودها كيف يتأتى إرادة الحقيقة ليصح الأمران في {اعتصموا} وقد تكون الاستعارتان غير مستقلتين بأن تكون الاستعارة في الحبل مكنية وفي الاعتصام تخييلية لأن المكنية مستلزمة للتخييلية قاله الطيبـي، ولا يخفى أنه أبعد من العيوق. وقد ذكرنا في «حواشينا على رسالة ابن عصام» ما يردّ على بعض هذه الوجوه مع الجواب عن ذلك فارجع إليه إن أردته. { جَمِيعاً } حال من فاعل {اعتصموا} كما هو الظاهر المتبادر أي مجتمعين عليه فيكون قوله تعالى: {وَلاَ تَفَرَّقُواْ } تأكيداً بناءاً على أن المعنى ولا تتفرقوا عن الحق الذي أمرتم بالاعتصام به، وقيل: المعنى لا يقع بينكم شقاق وحروب كما هو مراد المذكرين لكم بأيام الجاهلية الماكرين بكم، وقيل: المعنى لا تتفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وروي ذلك عن الحسن. {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } أي جنسها ومن ذلك الهداية والتوفيق للإسلام المؤدي إلى التآلف وزوال الأضغان، ويحتمل أن يكون المراد بها ما بينه سبحانه بقوله: {إِذْ كُنتُم أَعْدَآءً } أي في الجاهلية {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } بالإسلام، و نعمة مصدر مضاف إلى الفاعل، و {عَلَيْكُمْ } إما متعلق به أو حال منه، و {إِذْ } إما ظرف للنعمة أو للاستقرار في {عَلَيْكُمْ } إذا جعلته حالاً، قيل: وأراد سبحانه بما ذكر ما كان بين الأوس والخزرج من الحروب التي تطاولت مائة وعشرين سنة إلى أن ألف سبحانه بينهم بالإسلام فزالت الأحقاد ـ قاله ابن إسحق ـ وكان يوم بعاث آخر الحروب التي جرت بينهم وقد فصل ذلك في «الكامل»، وقيل: أراد ما كان بين مشركي العرب من التنازع الطويل والقتال العريض ومنه حرب البسوس، ونقل ذلك عن الحسن رضي الله تعالى عنه {فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً } أي فصرتم بسبب نعمته التي هي ذلك التأليف متحابين ـ فأصبح ـ ناقصة، و {إِخْوَانًا } خبره، وقيل: {أصبحتم} أي دخلتم في الصباح فالباء حينئذ متعلقة بمحذوف وقع حالاً من الفاعل وكذا إخواناً أي فأصبحتم متلبسين بنعمته حال كونكم إخواناً، والإخوان جمع أخ وأكثر ما يجمع أخو الصداقة على ذلك على الصحيح، وفي «الاتقان» الأخ في النسب جمعه إخوة وفي الصداقة إخوان، قاله ابن فارس ـ وخالفه غيره ـ وأورد في الصداقة {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }تفسير : [الحجرات: 10] وفي النسب {أية : أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى إِخْوَانِهِنَّ } تفسير : [النور: 31] {أية : أَوْ بُيُوتِ إِخْوٰنِكُمْ }تفسير : [النور: 61]. {وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ ٱلنَّارِ } أي وكنتم على طرف حفرة من جهنم إذ لم يكن بينكم وبينها إلا الموت وتفسير الشفا بالطرف مأثور عن السدي في الآية ووارد عن العرب ويثنىٱ على شفوان ويجمع على أشفاء ويضاف إلى الأعلى كـ {أية : شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} تفسير : [التوبة: 109] وإلى الأسفل قيل: كما هنا وكون المراد من النار ما ذكرنا هو الظاهر وحملها على نار الحرب بعيد {فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا } أي بمحمد صلى الله عليه وسلم ـ قاله ابن عباس ـ والضمير المجرور عائد إما على {ٱلنَّارِ}، أو على حفرة أو على شفا لأنه بمعنى الشفة، أو لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه كما في قوله:شعر : وتشرق بالقول الذي قد أذعته كما شرقت صدر القناة من الدم تفسير : فإن المضاف يكتسب التأنيث من المضاف إليه إذا كان بعضاً منه أو فعلاً له أو صفة كما صرحوا به وما نحن فيه من الأول، ومن أطلق لزمه جواز قامت غلام هند، واختار الزمخشري الاحتمال الأخير، وقال ابن المنير: «وعود الضمير إلى الحفرة أتم لأنها التي يمتن بالانقاذ منها حقيقة، وأما الامتنان بالانقاذ من الشفا قلما يستلزمه الكون على الشفا غالباً من الهوي إلى الحفرة فيكون الانقاذ من الشفا إنقاذاً من الحفرة التي يتوقع الهوي فيها فإضافة المنة إلى الإنقاذ من الحفرة [تكون] أبلغ وأوقع مع أن اكتساب التأنيث من المضاف إليه قد عده أبو علي في «التعاليق» من ضرورة الشعر خلاف رأيه في «الإيضاح»، وما حمل الزمخشري على إعادة الضمير إلى الشفا إلا أنه هو الذي كانوا عليه ولم يكونوا في الحفرة حتى يمتن عليهم بالإنقاذ من الحفرة، وقد علم أنهم كانوا صائرين إليها [غالباً] لولا الانقاذ الرباني (فبولغ في الامتنان بذلك) ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه» تفسير : وإلى قوله تعالى: {أية : أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَٱنْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} تفسير : [التوبة: 109] فانظر كيف جعل تعالى كون البنيان على الشفا سبياً مؤدياً إلى انهياره في نار جهنم مع تأكيد ذلك بقوله سبحانه: {هَارٍ }» انتهى، ومنه يعلم ما في قول أبـي حيان [في البحر» 3/91]: من ((أنه لا يحسن عوده إلا إلى الشفا لأن كينونتهم عليه هو أحد جزأي الإسناد فالضمير لا يعود إلا إليه لا على الحفرة لأنها غير محدث عنها ولا على النار لأنه إنما جيء بها لتخصيص الحفرة. وأيضاً فالإنقاذ من الشفا أبلغ من الإنقاذ من الحفرة ومن النار [لأن الإنقاد منه يستلزم الإنقاد من الحفرة ومن النار]، والإنقاذ منهما لا يستلزم الانقاذ من الشفا فعوده على الشفا هو الظاهر من حيث اللفظ ومن حيث المعنى)) نعم ما ذكره من أن عوده على الشفا هو الظاهر من حيث اللفظ ظاهر بناءاً على أن الأصل أن يعود الضمير على المضاف دون المضاف إليه إذا صلح لكل منهما ولو بتأويل إلا أنه قد يترك ذلك فيعود على المضاف إليه إما مطلقاً ـ كما هو قول ابن المنير ـ أو بشرط كونه بعضه أو كبعضه كقول جرير:شعر : أرى مرّ السنين (أخذن) مني تفسير : فإن مرّ السنين من جنسها، وإليه ذهب الواحدي والشرط موجود فيما نحن فيه. {كَذٰلِكَ } أي مثل ذلك التبيين الواضح {يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءايَـٰتِهِ } أي دلائله فيما أمركم به ونهاكم عنه {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } أي لكي تدوموا على الهدى وازديادكم فيه كما يشعر به كون الخطاب للمؤمنين أو صيغة المضارع من الافتعال.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً}. لم يبين هنا ما بلغته معاداتهم من الشدة ولكنه بين في موضع آخر أن معاداتهم بلغت من الشدة أمراً عظيماً حتى لو أنفق ما في الأرض كله. لإزالتها وللتأليف بين قلوبهم لم يفد ذلك شيئاً وذلك في قوله: {أية : وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} تفسير : [الأنفال: 62-63].

د. أسعد حومد

تفسير : {نِعْمَتَ} {إِخْوَاناً} {آيَاتِهِ} (103) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِالتَّمَسُّكِ بِحَبْلِ اللهِ، أيْ بِعَهْدِهِ وَدِينِهِ وَذِمَّتِهِ وَقُرْآنِهِ، وَمَا أمَرَهُمْ بِهِ مِنَ الإِلْفَةِ وَالمَحَبَّةِ وَالاجْتِمَاعِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ التَّفَرُّقِ، وَيَطْلُبُ إلَيْهِمْ أنْ يَذْكُرُوا نِعْمَتَهُ عَلَيهِمْ إذْ ألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَآخَى بَيْنَهُم بَعْدَ العَدَاوَةِ المُسْتَحْكِمَةِ، وَالفُرْقَةِ التِي كَانَتْ بَيْنَ الأوْسِ وَالخَزْرَجِ، فَقَدْ كَانُوا عَلَى مِثْلِ شَفِيرِ النَّارِ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَضَلاَلِهِمْ وَاقْتِتَالِهِمْ، فَهَدَاهُمُ اللهُ وَأَنْقَذَهُمْ. وَكَمَا بَيَّنَ لَهُمْ رَبُّهُمْ، فِي هَذِهِ الآيَاتِ، مَا يُضْمِرُهُ لَهُمُ اليَهُودُ مِنْ شَرٍّ وَخِدَاعٍ وَغِشٍّ، وَمَا كَانُوا عَلَيهِ فِي حَالِ جَاهِلِيَّتِهِمْ مِنْ كُفْرٍ وَفُرْقَةٍ وَاقْتِتَالٍ، وَمَا صَارُوا إليهِ بِفَضْلِ الإِسْلاَمِ مِنْ وَحْدَةٍ وَإخَاءٍ، كَذَلِكَ يُبَيِّن سَائِرَ حُجَجِهِ فِي تَنْزِيلِهِ على رَسُولِهِ، لِيُعِدَّهُمْ لِلاهْتِدَاءِ الدَّائِمِ، حَتَّى لاَ يَعُودُوا إلى عَمَلِ أهْلِ الجَاهِلِيَّةِ مِنَ التَّفَرُّقِ وَالعَدَاوَةِ وَالاقْتِتَالِ. حَبْلُ اللهِ - يَعْنِي هُنَا كِتَابَهُ. شَفَا الحُفْرَةِ وَشَفِيرُهَا - طَرَفُهَا وَحَافَّتُهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : جاء هذا القول الكريم لينبه كل المؤمنين، من خلال التنبيه للأوس والخزرج، وكأنه يقول: اعلموا أن التفاخر قبل الإسلام كان لأشياء وبأشياء ليست من الإسلام في شيء. لكن حين يجيء الإسلام فالتفاخر يكون بالإسلام وحده فإذا ما تغاضى إنسان بما قبل الإسلام بقوله: منا كذا .. ومنا كذا. فهنا يأتي الردّ: لا؛ إن ذلك قبل الإسلام. وقد حدث أن قال الأوس من بعد الإسلام: "منا خزيمة" فقال واحد من الخزرج: ومنا أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت فقال واحد من الأوس: منا حنظلة ابن الراهب وحنظلة هذا هو غسيل الملائكة، وخزيمة بن ثابت صحابي جليل جعل الرسول صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادتين؛ لأن خزيمة صاحب إيمان نوراني. ونورانية اليقين هدته إلى الحكم الصواب؛ حديث : فقد اشترى النبي صلى الله عليه وسلم فرساً من أعرابي وذهب ليحضر له الثمن، ولكن الأعرابي أنكر البيع لأن بعض الناس زاده في ثمن الفرس دون علم أن الرسول قد اشتراه فنادى الأعرابي الرسول وقال له إن كنت مبتاعاً هذا الفرس فابتعه وإلا بعته. فقال النبي للرجل: "ألست قد ابتعته منك". فقال الرجل هات شاهداً يشهد بذلك. لقد انتهز الرجل فرصة أن النبي ابتاع منه دون وجود أحد في هذا الوقت، وكان سيدنا خزيمة جالساً لحظة مطالبته للنبي بشاهد. فقال سيدنا خزيمة: أنا أشهد يا رسول الله أنك قد بايعته. ولأن الرجل كاذب، قال لنفسه: لعل خزيمة رآنا وأنا أبيع الفرس للنبّي فسكت الرجل وانصرف، وبعد أن انصرف الرجل نادى الرسول خزيمة. وقال له: "يا خزيمة بم تشهد ولم تكن معنا؟" فقال: أنا أصدقك في خبر السماء ولا أصدقك بما تقول؟ أعلم أنك لا تقول إلا حقاً قد آمناك على أفضل من ذلك، على ديننا. فعلم الرسول أن لخزيمة نورانية التصديق وحسن الاستنباط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شهد له خزيمة فحسبه" . تفسير : فالأمر الذي يحتاج شاهدين تكفي فيه شهادة خزيمة، وبذلك أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم الوسام لخزيمة وجعل شهادته شهادة رجلين، ولنر كيف جمع الله بين الأوس والخزرج في جمع القرآن، قال زيد بن ثابت: فآليت على نفسي ألاَّ أكتب آية إلاَّ إذا وجدتها مكتوبة وشهد عليها اثنان، إلاّ آخر التوبة فوجدتها مكتوبة ولم يشهد عليها إلاّ خزيمة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال في خزيمة: "من شهد له خزيمة فحسبه" ولنا أن نعرف أن زيد بن ثابت من الخزرج وأن خزيمة من الأوس. لقد جمعهما الله في جمع القرآن، فنفع الأوسي الخزرجي، وذلك ليدلنا الحق سبحانه دلالة جديدة، وهي أن التفاخر قبل الإسلام كان بغير الإسلام، لكن ساعة يجيء الإسلام فأي واحد من أي جنس ما دام قد أحسن الإسلام، فله أن يفخر به، فإياك يا أوسيّ أن تقول: "منا خزيمة"؛ فالخزرجي له الفخر بخزيمة أيضاً، وليس للخزرجي أن يقول: "منا زيد بن ثابت" فللأوسي أيضاً أن يفخر به، لأن كُلاً منهما قد جمعه الله بالآخر في القرآن، والإسلام، وهكذا يكون الاعتصام بحبل الله. يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} [آل عمران: 103] إنّ الحرب ظلت مستعرة بين الأوس والخزرج مائة وعشرين عاماً مع أن أصل القبيلتين واحد، هما أخوان لأب وأم وعندما جاء الإسلام أَلَّف الله بين قلوبهم وأصبحوا بنعمته إخواناً. وهذا يدلنا على أن كل نزْغةٍ جارحةٍ من الجوارح لا بد أن يكون وراءها هبّة قلب وثورته وهياجه، فاليد لا تصفع أحداً من فراغ، ولكن الصفعة توجد في القلب أولاً {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} [آل عمران: 103]، إن الحق سبحانه يقول: {وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا} [آل عمران: 103] والشفا هي الحافة. ومرة يقال: "شفا" ومرة يقال: "شفة". لقد كانوا على حافة النار، ومن كان على الحافة فهو يوشك أن يقع، فكأن الله يقول: لقد تداركتم بالإسلام، ولولا الإسلام لهويتم في النار. ويقول سبحانه: {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103] وهكذا نرى نعمة الإسلام في الدنيا، فقدرة الإيمان على إنقاذ الإنسان من النار لا تحتاج إلى انتظار بل يستطيع المؤمن أن يراها في الدنيا. ولقد كان العرب قبل الإسلام مؤرقين بالاختلافات، وموزعين بالعصبية، وكل يوم في شقاق. ولما جاء الإسلام صاروا إخواناً، وهذه نعمة عاجلة في الدنيا, والدنيا كما نعرف ليست دار جزاء، فما بالك بما يكون في الآخرة وهي دار الجزاء والبقاء. وقوله الحق: {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103] المقصود به أن تظلوا على هدايتكم. لقد خاطبهم الحق: {إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} [آل عمران: 103] وساعة يطلب التشريع منك ما أنت عليه، فاعلم أن التشريع يريد منك استدامته، فعندما يقول الحق (يا أيها الذين آمنوا) أي مع الإيمان الذي معكم قبل كلامي، جددوا إيماناً بعد كلامي ليستمر لكم الإيمان دائماً. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً} فالاعْتِصَامُ: التَمسّكُ بِهِ والحَبْلُ: القُرآنُ. والحَبْلُ: الجَمَاعَةُ.