Verse. 397 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ اُمَّۃٌ يَّدْعُوْنَ اِلَى الْخَيْرِ وَيَاْمُرُوْنَ بِالْمَعْرُوْفِ وَيَنْہَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِۭ وَاُولٰۗىِٕكَ ھُمُ الْمُفْلِحُوْنَ۝۱۰۴
Waltakun minkum ommatun yadAAoona ila alkhayri wayamuroona bialmaAAroofi wayanhawna AAani almunkari waolaika humu almuflihoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير» الإسلام «ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك» الداعون الآمرون الناهون «هم المفلحون» الفائزون ومن للتبغيض لأن ما ذكر فرض كفاية لا يلزم كل الأمة ولا يليق بكل أحد كالجاهل وقيل زائدة أي لتكونوا أمه.

104

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى في الآيات المتقدمة عاب أهل الكتاب على شيئين أحدهما: أنه عابهم على الكفر، فقال: {أية : قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ } تفسير : [آل عمران: 70] ثم بعد ذلك عابهم على سعيهم في إلقاء الغير في الكفر، فقال: {أية : قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 99] فلما انتقل منه إلى مخاطبة المؤمنين أمرهم أولاً بالتقوى والإيمان، فقال:{أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً } تفسير : [آل عمران: 102، 103] ثم أمرهم بالسعي في إلقاء الغير في الإيمان والطاعة، فقال: {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ } وهذا هو الترتيب الحسن الموافق للعقل، وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: في قوله {مّنكُمْ } قولان أحدهما: أن {مِنْ } ههنا ليست للتبعيض لدليلين الأول: أن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة في قوله {أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } تفسير : [آل عمران: 110] والثاني: هو أنه لا مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إما بيده، أو بلسانه، أو بقلبه، ويجب على كل أحد دفع الضرر عن النفس إذا ثبت هذا فنقول: معنى هذه الآية كونوا أمة دعاة إلى الخير آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، وأما كلمة {مِنْ } فهي هنا للتبيين لا للتبعيض كقوله تعالى: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ} تفسير : [الحج: 30] ويقال أيضاً: لفلان من أولاده جند وللأمير من غلمانه عسكر يريد بذلك جميع أولاده وغلمانه لا بعضهم، كذا ههنا، ثم قالوا: إن ذلك وإن كان واجباً على الكل إلا أنه متى قام به قوم سقط التكليف عن الباقين، ونظيره قوله تعالى: {أية : ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً }تفسير : [التوبة: 41] وقوله {أية : إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } تفسير : [التوبة: 39] فالأمر عام، ثم إذا قامت به طائفة وقعت الكفاية وزال التكليف عن الباقين. والقول الثاني: أن {مِنْ } ههنا للتبعيض، والقائلون بهذا القول اختلفوا أيضاً على قولين أحدهما: أن فائدة كلمة {مِنْ } هي أن في القوم من لا يقدر على الدعوة ولا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل النساء والمرضى والعاجزين والثاني: أن هذا التكليف مختص بالعلماء ويدل عليه وجهان الأول: أن هذه الآية مشتملة على الأمر بثلاثة أشياء: الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومعلوم أن الدعوة إلى الخير مشروطة بالعلم بالخير وبالمعروف وبالمنكر، فإن الجاهل ربما عاد إلى الباطل وأمر بالمنكر ونهى عن المعروف، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تمادياً، فثبت أن هذا التكليف متوجه على العلماء، ولا شك أنهم بعض الأمة، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ لّيَتَفَقَّهُواْ فِى ٱلدّينِ } تفسير : [التوبة: 122] والثاني: أنا جمعنا على أن ذلك واجب على سبيل الكفاية بمعنى أنه متى قام به البعض سقط عن الباقين، وإذا كان كذلك كان المعنى ليقم بذلك بعضكم، فكان في الحقيقة هذا إيجاباً على البعض لا على الكل، والله أعلم. وفيه قول رابع: وهو قول الضحاك: إن المراد من هذه الآية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يتعلمون من الرسول عليه السلام ويعلمون الناس، والتأويل على هذا الوجه كونوا أمة مجتمعين على حفظ سنن الرسول صلى الله عليه وسلم وتعلم الدين. المسألة الثانية: هذه الآية اشتملت على التكليف بثلاثة أشياء، أولها: الدعوة إلى الخير ثم الأمر بالمعروف، ثم النهي عن المنكر، ولأجل العطف يجب كون هذه الثلاثة متغايرة، فنقول: أما الدعوة إلى الخير فأفضلها الدعوة إلى إثبات ذات الله وصفاته وتقديسه عن مشابهة الممكنات وإنما قلنا إن الدعوة إلى الخير تشتمل على ما ذكرنا لقوله تعالى: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ بِٱلْحِكْمَةِ } تفسير : [النحل: 125] وقوله تعالى: {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِى ٱدْعُواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى } تفسير : [يوسف: 108]. إذا عرفت هذا فنقول: الدعوة إلى الخير جنس تحته نوعان أحدهما: الترغيب في فعل ما ينبغي وهو بالمعروف والثاني: الترغيب في ترك ما لا ينبغي وهو النهي عن المنكر فذكر الجنس أولاً ثم أتبعه بنوعية مبالغة في البيان، وأما شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمذكورة في كتب الكلام. ثم قال تعالى: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } وقد سبق تفسيره وفيه مسائل: المسألة الأولى: منهم من تمسك بهذه الآية في أن الفاسق ليس له أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قال لأن هذه الآية تدل على أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من المفلحين، والفاسق ليس من المفلحين، فوجب أن يكون الآمر بالمعروف ليس بفاسق، وأجيب عنه بأن هذا ورد على سبيل الغالب فإن الظاهر أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر لم يشرع فيه إلا بعد صلاح أحوال نفسه، لأن العاقل يقدم مهم نفسه على مهم الغير، ثم إنهم أكدوا هذا بقوله تعالى: {أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُم} تفسير : [التوبة: 44] قوله {أية : لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 2، 3] ولأنه لو جاز ذلك لجاز لمن يزني بامرأة أن يأمرها بالمعروف في أنها لم كشفت وجهها؟ ومعلوم أن ذلك في غاية القبح، والعلماء قالوا: الفاسق له أن يأمر بالمعروف لأنه وجب عليه ترك ذلك المنكر ووجب عليه النهي عن ذلك المنكر، فبأن ترك أحد الواجبين لا يلزمه ترك الواجب الآخر، وعن السلف: مروا بالخير وإن لم تفعلوا، وعن الحسن أنه سمع مطرف بن عبد الله يقول: لا أقول ما لا أفعل، فقال: وأينا يفعل ما يقول؟ ودَّ الشيطان لو ظفر بهذه الكلمة منكم فلا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى عن المنكر. المسألة الثانية: عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر كان خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه» تفسير : وعن علي رضي الله عنه: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال أيضاً: من لم يعرف بقلبه معروفاً ولم ينكر منكراً نكس وجعل أعلاه أسفله، وروى الحسن عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس ائتمروا بالمعروف وانتهوا عن المنكر تعيشوا بخير، وعن الثوري: إذا كان الرجل محبباً في جيرانه محموداً عند إخوانه فاعلم أنه مداهن. المسألة الثالثة: قال الله سبحانه وتعالى: {أية : وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَـٰتِلُواْ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِىء إِلَىٰ أَمْرِ الله } تفسير : [الحجرات: 9] قدم الإصلاح على القتال، وهذا يقتضي أن يبدأ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأرفق مترقياً إلى الأغلظ فالأغلظ، وكذا قوله تعالى: {أية : وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ } تفسير : [النساء: 34] يدل على ما ذكرناه، ثم إذا لم يتم الأمر بالتغليظ والتشديد وجب عليه القهر باليد، فإن عجز فباللسان، فإن عجز فبالقلب، وأحوال الناس مختلفة في هذا الباب. ثم قال تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ }. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في النظم وجهان الأول: أنه تعالى ذكر في الآيات المتقدمة أنه بيّن في التوراة والإنجيل ما يدل على صحة دين الإسلام وصحة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر أن أهل الكتاب حسدوا محمداً صلى الله عليه وسلم واحتالوا في إلقاء الشكوك والشبهات في تلك النصوص الظاهرة، ثم إنه تعالى أمر المؤمنين بالإيمان بالله والدعوة إلى الله، ثم ختم ذلك بأن حذر المؤمنين من مثل فعل أهل الكتاب، وهو إلقاء الشبهات في هذه النصوص واستخراج التأويلات الفاسدة الرافعة لدلالة هذه النصوص فقال: {وَلاَ تَكُونُواْ } أيها المؤمنون عند سماع هذه البينات {كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ } من أهل الكتاب {مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ } في التوراة والإنجيل تلك النصوص الظاهرة، فعلى هذا الوجه تكون الآية من تتمة جملة الآيات المتقدمة والثاني: وهو أنه تعالى لما أمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك مما لا يتم إلا إذا كان الآمر بالمعروف قادراً على تنفيذ هذا التكليف على الظلمة والمتغالين، ولا تحصل هذه القدرة إلا إذا حصلت الإلفة والمحبة بين أهل الحق والدين، لا جرم حذرهم تعالى من الفرقة والاختلاف لكي لا يصير ذلك سبباً لعجزهم عن القيام بهذا التكليف، وعلى هذا الوجه تكون هذه الآية من تتمة الآية السابقة فقط. المسألة الثانية: قوله {تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ } فيه وجوه الأول: تفرقوا واختلفوا بسبب اتباع الهوى وطاعة النفس والحسد، كما أن إبليس ترك نص الله تعالى بسبب حسده لآدم الثاني: تفرقوا حتى صار كل فريق منهم يصدق من الأنبياء بعضاً دون بعض، فصاروا بذلك إلى العداوة والفرقة الثالث: صاروا مثل مبتدعة هذه الأمة، مثل المشبهة والقدرية والحشوية. المسألة الثالثة: قال بعضهم {تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ } معناهما واحد وذكرهما للتأكيد وقيل: بل معناهما مختلف، ثم اختلفوا فقيل: تفرقوا بالعداوة واختلفوا في الدين، وقيل: تفرقوا بسبب استخراج التأويلات الفاسدة من تلك النصوص، ثم اختلفوا بأن حاول كل واحد منهم نصرة قوله ومذهبه والثالث: تفرقوا بأبدانهم بأن صار كل واحد من أولئك الأحبار رئيساً في بلد، ثم اختلفوا بأن صار كل واحد منهم يدعي أنه على الحق وأن صاحبه على الباطل، وأقول: إنك إذا أنصفت علمت أن أكثر علماء هذا الزمان صاروا موصوفين بهذه الصفة فنسأل الله العفو والرحمة. المسألة الرابعة: إنما قال: {مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ } ولم يقل {جَاءتْهُمْ } لجواز حذف علامة من الفعل إذا كان فعل المؤنث متقدماً. ثم قال تعالى: {وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } يعني الذين تفرقوا لهم عذاب عظيم في الآخرة بسبب تفرقهم، فكان ذلك زجراً للمؤمنين عن التفرق. ثم قال تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } اعلم أنه تعالى لما أمر اليهود ببعض الأشياء ونهاهم عن بعض، ثم أمر المسلمين بالبعض ونهاهم عن البعض أتبع ذلك بذكر أحوال الآخرة، تأكيداً للأمر، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في نصب {يَوْمٍ } وجهان الأول: أنه نصب على الظرف، والتقدير: ولهم عذابٌ عظيم في هذا اليوم، وعلى هذا التقدير ففيه فائدتان إحداهما: أن ذلك العذاب في هذا اليوم، والأخرى أن من حكم هذا اليوم أن تبيض فيه وجوه وتسود وجوه والثاني: أنه منصوب بإضمار (اذكر). المسألة الثانية: هذه الآية لها نظائر منها قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ } تفسير : [الزمر: 60] ومنها قوله {أية : وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ } تفسير : [يونس: 26] ومنها قوله {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَـٰحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ } تفسير : [عبسى: 38 ـ 41] ومنها قوله {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } تفسير : [القيامة: 22 ـ 25] ومنها قوله {أية : تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ } تفسير : [المطففين: 24] ومنها قوله {أية : يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـٰهُمْ } تفسير : [الرحمٰن: 41]. إذا عرفت هذا فنقول: في هذا البياض والسواد والغبرة والقترة والنضرة للمفسرين قولان أحدهما: أن البياض مجاز عن الفرح والسرور، والسواد عن الغم، وهذا مجاز مستعمل، قال تعالى: {أية : وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ } تفسير : [النحل: 58] ويقال: لفلان عندي يد بيضاء، أي جلية سارة، ولما سلم الحسن بن علي رضي الله عنه الأمر لمعاوية قال له بعضهم: يا مسود وجوه المؤمنين، ولبعضهم في الشيب.شعر : يا بياض القرون سودت وجهي عند بيض الوجوه سود القرون فلعمري لأخفينك جهدي عن عياني وعن عيان العيون بسواد فيه بياض لوجهي وسواد لوجهك الملعون تفسير : وتقول العرب لمن نال بغيته وفاز بمطلوبه: ابيض وجهه ومعناه الاستبشار والتهلل وعند التهنئة بالسرور يقولون: الحمد لله الذي بيض وجهك، ويقال لمن وصل إليه مكروه: إربد وجهه واغبر لونه وتبدلت صورته، فعلى هذا معنى الآية أن المؤمن يرد يوم القيامة على ما قدمت يداه فإن كان ذلك من الحسنات ابيض وجهه بمعنى استبشر بنعم الله وفضله، وعلى ضد ذلك إذا رأى الكافر أعماله القبيحة محصاة اسود وجهه بمعنى شدة الحزن والغم وهذا قول أبي مسلم الأصفهاني. والقول الثاني: إن هذا البياض والسواد يحصلان في وجوه المؤمنين والكافرين، وذلك لأن اللفظ حقيقة فيهما، ولا دليل يوجب ترك الحقيقة، فوجب المصير إليه، قلت: ولأبي مسلم أن يقول: الدليل دل على ما قلناه، وذلك لأنه تعالى قال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَـٰحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ } فجعل الغبرة والقترة في مقابلة الضحك والاستبشار، فلو لم يكن المراد بالغبرة والقترة ما ذكرنا من المجاز لما صح جعله مقابلاً، فعلمنا أن المراد من هذه الغبرة والقترة الغم والحزن حتى يصح هذا التقابل، ثم قال القائلون بهذا القول: الحكمة في ذلك أن أهل الموقف إذا رأوا البياض في وجه إنسان عرفوا أنه من أهل الثواب فزادوا في تعظيمه فيحصل له الفرح بذلك من وجهين أحدهما: أن السعيد يفرح بأن يعلم قومه أنه من أهل السعادة، قال تعالى مخبراً عنهم {أية : يٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِى رَبّى وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ } تفسير : [يس: 26، 27] الثاني: أنهم إذا عرفوا ذلك خصوه بمزيد التعظيم فثبت أن ظهور البياض في وجه المكلف سبب لمزيد سروره في الآخرة وبهذا الطريق يكون ظهور السواد في وجه الكفار سبباً لمزيد غمهم في الآخرة، فهذا وجه الحكمة في الآخرة، وأما في الدنيا فالمكلف حين يكون في الدنيا إذا عرف حصول هذه الحالة في الآخرة صار ذلك مرغباً له في الطاعات وترك المحرمات لكي يكون في الآخرة من قبيل من يبيض وجهه لا من قبيل من يسود وجهه، فهذا تقرير هذين القولين. المسألة الثالثة: احتج أصحابُنا بهذه الآية على أن المُكلَّف إما مؤمن وإما كافر، وأنه ليس ههنا منزلة بين المنزلتين كما يذهب إليه المعتزِلة، فقالوا: إنه تعالى قسم أهل القيامة إلى قسمين منهم من يبيض وجهه وهم المؤمنون، ومنهم من يسود وجهه وهم الكافرون ولم يذكر الثالث، فلو كان ههنا قسم ثالث لذكره الله تعالى قالوا وهذا أيضاً متأكد بقوله تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَـٰحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ } تفسير : [عبس: 38 ـ 42]. أجاب القاضي عنه بأن عدم ذكر القسم الثالث لا يدل على عدمه، يبين ذلك أنه تعالى إنما قال: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } فذكرهما على سبيل التنكير، وذلك لا يفيد العموم، وأيضاً المذكور في الآية المؤمنون والذين كفروا بعد الإيمان ولا شبهة أن الكافر الأصلي من أهل النار مع أنه غير داخل تحت هذين القسمين، فكذا القول في الفساق. واعلم أن وجه الاستدلال بالآية هو أنا نقول: الآيات المتقدمة ما كانت إلا في الترغيب في الإيمان بالتوحيد والنبوّة وفي الزجر عن الكفر بهما ثم إنه تعالى اتبع ذلك بهذه الآية فظاهرها يقتضي أن يكون ابيضاض الوجه نصيباً لمن آمن بالتوحيد والنبوّة، واسوداد الوجه يكون نصيباً لمن أنكر ذلك، ثم دل ما بعد هذه الآية على أن صاحب البياض من أهل الجنة، وصاحب السواد من أهل النار، فحينئذ يلزم نفي المنزلة بين المنزلتين، وأما قوله يشكل هذا بالكافر الأصلي فجوابنا عنه من وجهين الأول: أن نقول لم لا يجوز أن يكون المراد منه أن كل أحد أسلم وقت استخراج الذرية من صلب آدم؟ وإذا كان كذلك كان الكل داخلاً فيه والثاني: وهو أنه تعالى قال في آخر الآية {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } فجعل موجب العذاب هو الكفر من حيث إنه كفر لا الكفر من حيث أنه بعد الإيمان، وإذا وقع التعليل بمطلق الكفر دخل كل الكفار فيه سواء كفر بعد الإيمان، أو كان كافراً أصلياً والله أعلم. ثم قال: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ } وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: أنه تعالى ذكر القسمين أولاً فقال: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } فقدم البياض على السواد في اللفظ، ثم لما شرع في حكم هذين القسمين قدم حكم السواد، وكان حق الترتيب أن يقدم حكم البياض. والجواب عنه من وجوه: أحدها: أن الواو للجمع المطلق لا للترتيب وثانيها: أن المقصود من الخلق إيصال الرحمة لا إيصال العذاب، قال عليه الصَّلاة والسَّلام حاكياً عن رَبِّ العزة سبحانه: «حديث : خلقتهم ليربحوا علي لا لأربح عليهم» تفسير : وإذا كان كذلك فهو تعالى ابتدأ بذكر أهل الثواب وهم أهل البياض، لأن تقديم الأشرف على الأخس في الذكر أحسن، ثم ختم بذكرهم أيضاً تنبيهاً على أن إرادة الرحمة أكثر من إرادة الغضب كما قال: «حديث : سبقت رحمتي غضبي» تفسير : وثالثها: أن الفصحاء والشعراء قالوا: يجب أن يكون مطلع الكلام ومقطعه شيئاً يسر الطبع ويشرح الصدر ولا شك أن ذكر رحمة الله هو الذي يكون كذلك فلا جرم وقع الابتداء بذكر أهل الثواب والاختتام بذكرهم. السؤال الثاني: أين جواب (أما)؟. والجواب: هو محذوف، والتقدير فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم، وإنما حسن الحذف لدلالة الكلام عليه ومثله في التنزيل كثير قال تعالى: {أية : وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ * سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ }تفسير : [الرعد: 23، 24] وقال: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا } تفسير : [البقرة: 127] وقال: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُؤُوسَهُمْ عِندَ رَبّهِمْ رَبَّنَا } تفسير : [السجدة: 12]. السؤال الثالث: من المراد بهؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم؟. والجواب: للمفسرين فيه أقوال أحدها: قال أُبيُّ بن كَعْب: الكل آمنوا حال ما استخرجهم من صلب آدم عليه السلام، فكل من كفر في الدنيا، فقد كفر بعد الإيمان، ورواه الواحدي في «البسيط» بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم وثانيها: أن المراد: أكفرتم بعد ما ظهر لكم ما يوجب الإيمان وهو الدلائل التي نصبها الله تعالى على التوحيد والنبوّة، والدليل على صحة هذا التأويل، قوله تعالى فيما قبل هذه الآية {أية : يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَـٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } تفسير : [آل عمران: 70] فذمهم على الكفر بعد وضوح الآيات، وقال للمؤمنين {أية : وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ } تفسير : [آل عمران: 105]. ثم قال ههنا {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ } فكان ذلك محمولاً على ما ذكرناه حتى تصير هذه الآية مقررة لما قبلها، وعلى هذين الوجهين تكون الآية عامة في حق كل الكفار، وأما الذين خصصوا هذه الآية ببعض الكفار فلهم وجوه الأول: قال عكرمة والأصم والزجاج المراد أهل الكتاب فإنهم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين به، فلما بعث صلى الله عليه وسلم كفروا به الثاني: قال قتادة: المراد الذين كفروا بعد الإيمان بسبب الارتداد الثالث: قال الحسن: الذين كفروا بعد الإيمان بالنفاق الرابع: قيل هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة الخامس: قيل هم الخوارج، فإنه عليه الصلاة والسلام قال فيهم: «حديث : إنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» تفسير : وهذان الوجهان الأخيران في غاية البعد لأنهما لا يليقان بما قبل هذه الآية، ولأنه تخصيص لغير دليل، ولأن الخروج على الإمام لا يوجب الكفر ألبتة. السؤال الرابع: ما الفائدة في همزة الاستفهام في قوله {أَكْفَرْتُمْ }؟. الجواب: هذا استفهام بمعنى الإنكار، وهو مؤكد لما ذكر قبل هذه الآية وهو قوله {أية : قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـآياتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 98، 99]. ثم قال تعالى: {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ }. وفيه فوائد الأولى: أنه لو لم يذكر ذلك لكان الوعيد مختصاً بمن كفر بعد إيمانه، فلما ذكر هذا ثبت الوعيد لمن كفر بعد إيمانه ولمن كان كافراً أصلياً الثانية: قال القاضي قوله {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ } يدل على أن الكفر منه لا من الله وكذا قوله {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } الثالثة: قالت المرجئة: الآية تدل على أن كل نوع من أنواع العذاب وقع معللاً بالكفر، وهذا ينفي حصول العذاب لغير الكافر. ثم قال تعالى: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } وفيه سؤالات: السؤال الأول: ما المراد برحمة الله؟. الجواب: قال ابن عباس: المراد الجنة، وقال المحققون من أصحابنا: هذا إشارة إلى أن العبد وإن كثرت طاعته فإنه لا يدخل الجنة إلا برحمة الله، وكيف لا نقول ذلك والعبد ما دامت داعيته إلى الفعل وإلى الترك على السوية يمتنع منه الفعل؟ فإذن ما لم يحصل رجحان داعية الطاعة امتنع أن يحصل منه الطاعة وذلك الرجحان لا يكون إلا بخلق الله تعالى، فإذن صدور تلك الطاعة من العبد نعمة من الله في حق العبد فكيف يصير ذلك موجباً على الله شيئاً، فثبت أن دخول الجنة لا يكون إلا بفضل الله وبرحمته وبكرمه لا باستحقاقنا. السؤال الثاني: كيف موقع قوله {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } بعد قوله {فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ }. الجواب: كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟ فقيل هم فيها خالدون لا يظعنون عنها ولا يموتون. السؤال الثالث: الكفار مخلدون في النار كما أن المؤمنين مخلدون في الجنة، ثم إنه تعالى لم ينص على خلود أهل النار في هذه الآية مع أنه نص على خلود أهل الجنة فيها فما الفائدة؟. والجواب: كل ذلك إشعارات بأن جانب الرحمة أغلب، وذلك لأنه ابتدأ في الذكر بأهل الرحمة وختم بأهل الرحمة، ولما ذكر العذاب ما أضافه إلى نفسه، بل قال: {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } مع أنه ذكر الرحمة مضافة إلى نفسه حيث قال: {فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ } ولما ذكر العذاب ما نص على الخلود مع أنه نص على الخلود في جانب الثواب، ولما ذكر العذاب علله بفعلهم فقال: {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } ولما ذكر الثواب علله برحمته فقال: {فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ } ثم قال في آخر الآية {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعَـٰلَمِينَ } وهذا جار مجرى الاعتذار عن الوعيد بالعقاب، وكل ذلك مما يشعر بأن جانب الرحمة مغلب، يا أرحم الراحمين لا تحرمنا من برد رحمتك ومن كرامة غفرانك وإحسانك. ثم قال تعالى: {تِلْكَ آيَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقّ } فقوله {تِلْكَ } فيه وجهان الأول: المراد أن هذه الآيات التي ذكرناها هي دلائل الله، وإنما جاز إقامة {تِلْكَ } مقام {هَـٰذِهِ } لأن هذه الآيات المذكورة قد انقضت بعد الذكر، فصار كأنها بعدت فقيل فيها {تِلْكَ } والثاني: إن الله تعالى وعده أن ينزل عليه كتاباً مشتملاً على كل ما لابد منه في الدين، فلما أنزل هذه الآيات قال: تلك الآيات الموعودة هي التي نتلوها عليك بالحق، وتمام الكلام في هذه المسألة قد تقدم في سورة البقرة في تفسير قوله {أية : ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } تفسير : [البقرة: 2] وقوله {بِٱلْحَقّ } فيه وجهان الأول: أي ملتبسة بالحق والعدل من إجزاء المحسن والمسيء بما يستوجبانه الثاني: بالحق، أي بالمعنى الحق، لأن معنى التلو حق. ثم قال تعالى: {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعَـٰلَمِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: إنما حسن ذكر الظلم ههنا لأنه تقدم ذكر العقوبة الشديدة وهو سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين، فكأنه تعالى يعتذر عن ذلك وقال إنهم ما وقعوا فيه إلا بسبب أفعالهم المنكرة، فإن مصالح العالم لا تستقيم إلا بتهديد المذنبين، وإذا حصل هذا التهديد فلا بد من التحقيق دفعاً للكذب، فصار هذا الاعتذار من أدل الدلائل، على أن جانب الرحمة غالب، ونظيره قوله تعالى في سورة (عم) بعد أن ذكر وعيد الكفار {أية : إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا كِذَّاباً } تفسير : [النبأ: 27، 28] أي هذا الوعيد الشديد إنما حصل بسبب هذه الأفعال المنكرة. المسألة الثانية: قال الجُبّائي: هذه الآية تدل على أنه سبحانه لا يريد شيئاً من القبائح لا من أفعاله ولا من أفعال عباده، ولا يفعل شيئاً من ذلك، وبيانه: وهو أن الظلم إما أن يفرض صدوره من الله تعالى، أو من العبد، وبتقدير صدوره من العبد، فإما أن يظلم نفسه وذلك بسبب إقدامه على المعاصي أو يظلم غيره، فأقسام الظلم هي هذه الثلاثة، وقوله تعالى: {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعَـٰلَمِينَ } نكرةٌ في سياق النَّفي، فوجب أن لا يريد شيئاً مما يكون ظلماً، سواء كان ذلك صادراً عنه أو صادراً عن غيره، فثبت أن هذه الآية تدل على أنه لا يريد شيئاً من هذه الأقسام الثلاثة، وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يكون فاعلاً لشيء من هذه الأقسام، ويلزم منه أن لا يكون فاعلاً للظلم أصلاً ويلزم أن لا يكون فاعلاً لأعمال العباد، لأن من جملة أعمالهم ظلمهم لأنفسهم وظلم بعضهم بعضاً، وإنما قلنا: إن الآية تدل على كونه تعالى غير فاعل للظلم ألبتة لأنها دلت على أنه غير مريد لشيء منها، ولو كان فاعلاً لشيء من أقسام الظلم لكان مريداً لها، وقد بطل ذلك، قالوا: فثبت بهذه الآية أنه تعالى غير فاعل للظلم، وغير فاعل لأعمال العباد، وغير مريد للقبائح من أفعال العباد، ثم قالوا: إنه تعالى تمدح بأنه لا يريد ذلك، والتمدح إنما يصح لو صح منه فعل ذلك الشيء وصح منه كونه مريداً له، فدلت هذه الآية على كونه تعالى قادراً على الظلم وعند هذا تبجحوا وقالوا: هذه الآية الواحدة وافية بتقرير جميع أصول المعتزلة في مسائل العدل، ثم قالوا: ولما ذكر تعالى أنه لا يريد الظلم ولا يفعل الظلم قال بعده {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } وإنما ذكر هذه الآية عقيب ما تقدم لوجهين الأول: أنه تعالى لما ذكر أنه لا يريد الظلم والقبائح استدل عليه بأن فاعل القبيح إنما يفعل القبيح إما للجهل، أو العجز، أو الحاجة، وكل ذلك على الله محال لأنه مالك لكل ما في السمٰوات وما في الأرض، وهذه المالكية تنافي الجهل والعجز والحاجة، وإذا امتنع ثبوت هذه الصفات في حقه تعالى امتنع كونه فاعلاً للقبيح والثاني: أنه تعالى لما ذكر أنه لا يريد الظلم بوجه من الوجوه كان لقائل أن يقول: إنا نشاهد وجود الظلم في العالم، فإذا لم يكن وقوعه بإرادته كان على خلاف إرادته، فيلزم كونه ضعيفاً عاجزاً مغلوباً وذلك محال. فأجاب الله تعالى عنه بقوله {وَللَّهِ مَا فِى * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } أي أنه تعالى قادر على أن يمنع الظلمة من الظلم على سبيل الإلجاء والقهر، ولما كان قادراً على ذلك خرج عن كونه عاجزاً ضعيفاً لا أنه تعالى أراد منهم ترك المعصية اختياراً وطوعاً ليصيروا بسبب ذلك مستحقين للثواب فلو قهرهم على ترك المعصية لبطلت هذه الفائدة، فهذا تلخيص كلام المعتزلة في هذه الآية، وربما أوردوا هذا الكلام من وجه آخر، فقالوا: المراد من قوله {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعَـٰلَمِينَ } إما أن يكون هو لا يريد أن يظلمهم أو أنه لا يريد منهم أن يظلم بعضهم بعضاً فإن كان الأول فهذا لا يستقيم على قولكم، لأن مذهبكم أنه تعالى لو عذب البريء عن الذنب بأشد العذاب لم يكن ظلماً، بل كان عادلاً، لأن الظلم تصرف في ملك الغير، وهو تعالى إنما يتصرف في ملك نفسه فاستحال كونه ظالماً وإذا كان كذلك لم يكن حمل الآية على أنه لا يريد أن يظلم الخلق وإن حملتم الآية على أنه لا يريد أن يظلم بعض العباد بعضاً، فهذا أيضاً لا يتم على قولكم لأن كل ذلك بإرادة الله وتكوينه على قولكم، فثبت أن على مذهبكم لا يمكن حمل الآية على وجه صحيح والجواب: لم لا يجوز أن يكون المراد أنه تعالى لا يريد أن يظلم أحداً من عباده؟ قوله الظلم منه محال على مذهبكم فامتنع التمدح به قلنا: الكلام عليه من وجهين الأول: أنه تعالى تمدح بقوله {أية : لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } تفسير : [البقرة: 255] وبقوله {أية : وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } تفسير : [الأنعام: 14] ولا يلزم من ذلك صحة النوم والأكل عليه فكذا ههنا الثاني: أنه تعالى إن عذب من لم يكن مستحقاً للعذاب فهو وإن لم يكن ظلماً في نفسه لكنه في صور الظلم، وقد يطلق اسم أحد المتشابهين على الآخر كقوله {أية : وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40] ونظائره كثيرة في القرآن هذا تمام الكلام في هذه المناظرة. المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بقوله {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } على كونه خالقاً لأعمال العباد، فقالوا لا شك أن أفعال العباد من جملة ما في السمٰوات والأرض، فوجب كونها له بقوله {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } وإنما يصح قولنا: إنها له لو كانت مخلوقة له فدلت هذه الآية على أنه خالق لأفعال العباد. أجاب الجبائي عنه بأن قوله {لِلَّهِ } إضافة ملك لا إضافة فعل، ألا ترى أنه يقال: هذا البناء لفلان فيريدون أنه مملوكه لا أنه مفعوله، وأيضاً المقصود من الآية تعظيم الله لنفسه ومدحه لإلٰهية نفسه، ولا يجوز أن يتمدح بأن ينسب إلى نفسه الفواحش والقبائح، وأيضاً فقوله {مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } إنما يتناول ما كان مظروفاً في السمٰوات والأرض وذلك من صفات الأجسام لا من صفات الأفعال التي هي أعراض. أجاب أصحابنا عنه بأن هذه الإضافة إضافة الفعل بدليل أن القادر على القبيح والحسن لا يرجح الحسن على القبيح إلا إذا حصل في قلبه ما يدعوه إلى فعل الحسن، وتلك الداعية حاصلة بتخليق الله تعالى دفعاً للتسلسل، وإذا كان المؤثر في حصول فعل العبد هو مجموع القدرة والداعية، وثبت أن مجموع القدرة والداعية بخلق الله تعالى ثبت أن فعل العبد مستند إلى الله تعالى خلقاً وتكويناً بواسطة فعل السبب، فهذا تمام القول في هذه المناظرة. المسألة الرابعة: قوله تعالى {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } زعمت الفلاسفة أنه إنما قدم ذكر ما في السمٰوات على ذكر ما في الأرض لأن الأحوال السماوية أسباب للأحوال الأرضية، فقدم السبب على المسبب، وهذا يدل على أن جميع الأحوال الأرضية مستندة إلى الأحوال السماوية، ولا شك أن الأحوال السماوية مستندة إلى خلق الله وتكوينه فيكون الجبر لازماً أيضاً من هذا الوجه. المسألة الخامسة: قال تعالى: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } فأعاد ذكر الله في أول الآيتين والغرض منه تأكيد التعظيم، والمقصود أن منه مبدأ المخلوقات وإليه معادهم، فقوله {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } إشارة إلى أنه سبحانه هو الأول وقوله {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } إشارة إلى أنه هو الآخر، وذلك يدل إحاطة حكمه وتصرفه وتدبيره بأولهم وآخرهم، وأن الأسباب منتسبة إليه وأن الحاجات منقطعة عنده. المسألة السادسة: كلمة {إِلَىٰ } في قوله {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } لا تدل على كونه تعالى في مكان وجهة، بل المراد أن رجوع الخلق إلى موضع لا ينفذ فيه حكم أحد إلا حكمه ولا يجري فيه قضاء أحد إلا قضاؤه.

القرطبي

تفسير : قد مضى القولُ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه السورة. و «مِن» في قوله «مِنكم» للتبعيض، ومعناه أن الآمِرِين يجب أن يكونوا علماء وليس كل الناس علماء. وقيل: لبيان الجنس، والمعنى لتكونوا كلكم كذلك. قلت: القول الأوّل أصح؛ فإنه يدل على أن الأمر بالمعروف والنهيّ عن المنكر فرض على الكفاية، وقد عيّنهم الله تعالى بقوله: {أية : ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} تفسير : [الحج: 41] الآية. وليس كل الناس مُكِّنُوا. وقرأ ٱبن الزبير: «وَلْتَكُنَ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ويَستَعينونَ اللَّهَ على ما أصابهم». قال أبو بكر الأنباري: وهذه الزيادة تفسير من ٱبن الزبير، وكلام من كلامه غَلِط فيه بعض الناقلين فألحقه بألفاظ القرآن؛ يدلّ على صحة ما أصِفُ الحديثُ الذي حدّثنيه أبي حدّثنا (حسن) بن عرفة حدّثنا وكيع عن أبي عاصم عن أبي عون عن صبيح قال: سمعت عثمان بن عفّان يقرأ «ويأمرون بِالمعروفِ وَيَنْهَوْنَ عن المنكرِ ويستعينون الله على ما أصابهم» فما يشكّ عاقل في أن عثمان لا يعتقد هذه الزيادة من القرآن؛ إذ لم يكتبها في مصحفه الذي هو إمام المسلمين، وإنما ذكرها واعظاً بها ومؤكِّداً ما تقدمها من كلام رب العالمين جل وعلا.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ} منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}، قال الضحاك: هم خاصة الصحابة وخاصة الرواة، يعني: المجاهدين والعلماء. وقال أبو جعفر الباقر: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ} ثم قال: «حديث : الخير اتباع القرآن وسنتي»تفسير : رواه ابن مردويه. والمقصود من هذه الآية، أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من رأى منكم منكراً فيلغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان تفسير : وفي رواية: حديث : وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل.تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان الهاشمي، أنبأنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي، عن حذيفة بن اليمان، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم تفسير : ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث عمرو بن أبي عمرو، به، وقال الترمذي: حسن، والأحاديث في هذا الباب كثيرة، مع الآيات الكريمة، كما سيأتي تفسيرها في أماكنها. ثم قال تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ} الآية، ينهى تبارك وتعالى هذه الأمة أن يكونوا كالأمم الماضين؛ في افتراقهم واختلافهم، وتركهم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع قيام الحجة عليهم. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثني أزهر بن عبد الله الحرازي، عن أبي عامر عبد الله بن الهوزني، قال: حججنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكة، قام حين صلى الظهر، فقال: إن رسول الله قال: حديث : إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاثة وسبعين ملة يعني الأهواء كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله تفسير : والله يا معشر العرب، لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم صلى الله عليه وسلم، لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به، وهكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى، كلاهما عن أبي المغيرة، واسمه عبد القدوس بن الحجاج الشامي، به، وقد روي هذا الحديث من طرق. وقوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} يعني: يوم القيامة، حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة، قاله ابن عباس رضي الله عنهما، {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ} قال الحسن البصري: وهم المنافقون {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} وهذا الوصف يعم كل كافر {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} يعني: الجنة، ماكثون فيها أبداً، لا يبغون عنها حولاً، وقد قال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن ربيع بن صبيح وحماد بن سلمة، عن أبي غالب، قال: رأى أبو أمامة رؤوساً منصوبة على درج مسجد دمشق، فقال أبو أمامة، كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه، ثم قرأ: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} إلى آخر الأية، قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟: قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً أو أربعاً حتى عد سبعاً ما حدثتكموه، ثم قال: هذا حديث حسن، وقد رواه ابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة عن أبي غالب، وأخرجه أحمد في مسنده عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي غالب بنحوه. وقد روى ابن مردويه عند تفسير هذه الآية عن أبي ذر حديثاً مطولاً غريباً عجيباً جداً. ثم قال تعالى: {تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ} أي: هذه آيات الله وحججه وبيناته نتلوها عليك يا محمد (بِٱلْحَقِّ) أي: نكشف ما الأمر عليه في الدنيا والآخرة {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَـٰلَمِينَ} أي: ليس بظالم لهم، بل هو الحاكم، العدل الذي لا يجور؛ لأنه القادر على كل شيء، العالم بكل شيء، فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم أحداً من خلقه، ولهذا قال تعالى: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ} أي: الجميع ملك له، وعبيد له {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} أي: هو الحاكم المتصرف في الدنيا والآخرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ } الإسلام {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَأُوْلَٰئِكَ } الداعون الآمرون الناهون {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } الفائزون، و(من) للتبعيض لأن ما ذكر فرض كفاية لا يلزم كل الأمة ولا يليق بكل أحد كالجاهل وقيل زائدة أي لتكونوا أمّة.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَلْتَكُن } قرأه الجمهور بإسكان اللام، وقرىء بكسر اللام على الأصل، و"من" في قوله: {مّنكُمْ } للتبعيض، وقيل: لبيان الجنس. ورجح الأوّل بأن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من فروض الكفايات يختص بأهل العلم الذين يعرفون كون ما يأمرون به معروفاً، وينهون عنه منكراً. قال القرطبي: الأوّل أصح، فإنه يدل على أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فرض على الكفاية، وقد عينهم الله سبحانه بقوله: {أية : ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلاْرْضِ }تفسير : الآية [الحج: 41]. وقرأ ابن الزبير: "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم" قال أبو بكر بن الأنباري: وهذه الزيادة تفسير من ابن الزبير، وكلام من كلامه غلط فيه بعض الناقلين، فألحقه بألفاظ القرآن. وقد روى أن عثمان قرأها كذلك، ولكن لم يكتبها في مصحفه، فدل على أنها ليست بقرآن. وفي الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ووجوبه ثابت بالكتاب، والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها. وقوله: {يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } من باب عطف الخاص على العام، إظهاراً لشرفهما، وأنهما الفردان الكاملان من الخير الذي أمر الله عباده بالدعاء إليه، كما قيل في عطف جبريل وميكائيل على الملائكة، وحذف متعلق الأفعال الثلاثة، أي: يدعون، ويأمرون، وينهون لقصد التعميم، أي: كل من وقع منه سبب يقتضي ذلك، والإشارة في قوله: {وَأُوْلـئِكَ } ترجع إلى الأمة باعتبار اتصافها بما ذكر بعدها {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } أي: المختصون بالفلاح، وتعريف المفلحين للعهد، أو للحقيقة التي يعرفها كل أحد. قوله: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ } هم: اليهود والنصارى عند جمهور المفسرين، وقيل: هم المبتدعة من هذه الأمة، وقيل: الحرورية، والظاهر الأول. والبينات الآيات الواضحة المبينة للحق الموجبة لعدم الاختلاف. قيل: وهذا النهي عن التفرق، والاختلاف يختص بالمسائل الأصولية، وأما المسائل الفروعية الاجتهادية، فالاختلاف فيها جائز، وما زال الصحابة، فمن بعدهم من التابعين، وتابعيهم مختلفين في أحكام الحوادث، وفيه نظر، فإنه ما زال في تلك العصور المنكر للاختلاف موجوداً وتخصيص بعض مسائل الدين بجواز الاختلاف فيها دون البعض الآخر ليس بصواب، فالمسائل الشرعية متساوية الاقدام في انتسابها إلى الشرع. وقوله: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ } منتصب بفعل مضمر أي: اذكر، وقيل: بما يدل عليه قوله: {لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } فإن تقديره استقر لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه، أي: يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم تكون وجوه المؤمنين مبيضة، ووجوه الكافرين مسودة. ويقال إن ذلك عند قراءة الكتاب إذا قرأ المؤمن كتابه رأى حسناته، فاستبشر وابيض وجهه، وإذا قرأ الكافر كتابه رأى سيئاته، فحزن واسودّ وجهه، والتنكير في وجوه للتكثير، أي: وجوه كثيرة. وقرأ يحيـى بن وثاب "تبيض"، و"تسود" بكسر التاءين. وقرأ الزهري تبياض، وتسواد. قوله: {أَكْفَرْتُمْ } أي: فيقال لهم: أكفرتم، والهمزة للتوبيخ، والتعجيب من حالهم، وهذا تفصيل لأحوال الفريقين بعد الإجمال، وقدم بيان حال الكافرين لكون المقام مقام تحذير وترهيب، قيل: هم أهل الكتاب، وقيل: المرتدون، وقيل: المنافقون، وقيل: المبتدعون. قوله: {فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ } أي: في جنته ودار كرامته، عبر عن ذلك بالرحمة إشارة إلى أن العمل لا يستقل بدخول صاحبه الجنة، بل لا بد من الرحمة، ومنه حديث: «حديث : لن يدخل أحد الجنة بعمله» تفسير : وهو في الصحيح. وقوله: {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } جملة استئنافية جواب سؤال مقدر. وتلك إشارة إلى ما تقدم من تعذيب الكافرين، وتنعيم المؤمنين. وقوله: {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقّ } جملة حالية، وبالحق متعلق بمحذوف، أي: متلبسة بالحق، وهو العدل. وقوله: {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعَـٰلَمِينَ } جملة تذييلية مقررة لمضمون ما قبلها، وفي توجه النفي إلى الإرادة الواقعة على النكرة دليل على أنه سبحانه لا يريد فرداً من أفراد الظلم الواقعة على فرد من أفراد العالم. والمراد بما في السموات، وما في الأرض مخلوقاته سبحانه، أي: له ذلك يتصرف فيه كيف يشاء، وعلى ما يريد، وعبر بـ"ما" تغليباً لغير العقلاء على العقلاء لكثرتهم، أو لتنزيل العقلاء منزلة غيرهم. قال المهدوي: وجه اتصال هذا بما قبله أنه لما ذكر أحوال المؤمنين، والكافرين، وأنه لا يريد ظلماً للعالمين، وصله بذكر اتساع قدرته، وغناه عن الظلم لكون ما في السموات، وما في الأرض في قبضته، وقيل: هو ابتداء كلام يتضمن البيان لعباده بأن جميع ما في السموات، وما في الأرض له حتى يسألوه، ويعبدوه، ولا يعبدوا غيره. وقوله: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلامُورُ } أي: لا إلى غيره، لا شركة، ولا استقلالاً. وقد أخرج ابن مردويه، عن أبي جعفر الباقر قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ } قال: حديث : الخير اتباع القرآن وسنتي»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال: كل آية ذكرها الله في القرآن في الأمر بالمعروف، فهو الإسلام، والنهي عن المنكر، فهو عبادة الأوثان، والشيطان. انتهى. وهو تخصيص بغير مخصص، فليس في لغة العرب، ولا في عرف الشرع ما يدل على ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيان قال: {يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ } أي: الإسلام: {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } بطاعة ربهم {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } عن معصية ربهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن الضحاك في الآية قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وهم: الرواة. انتهى. ولا أدري ما وجه هذا التخصيص، فالخطاب في هذه الآية، كالخطاب بسائر الأمور التي شرعها الله لعباده، وكلفهم بها. انتهى. وأخرج أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة»تفسير : . وأخرج أحمد، وأبو داود، والحاكم، عن معاوية، مرفوعاً نحوه، وزاد: «حديث : كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة»تفسير : . وأخرج الحاكم، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعاً نحوه أيضاً، وزاد: «حديث : كلها في النار إلا ملة واحدة، تفسير : فقيل له: ما الواحدة؟ قال: حديث : ما أنا عليه اليوم، وأصحابي»تفسير : . وأخرج ابن ماجه عن عوف بن مالك، مرفوعاً نحوه، وفيه: «فواحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار، قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: الجماعة» وأخرجه أحمد من حديث أنس، وفيه: «قيل يا رسول الله من تلك الفرقة؟ قال: الجماعة». وقد وردت آيات، وأحاديث كثيرة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفي الأمر بالكون في الجماعة، والنهي عن الفرقة. وأخرج ابن أبي حاتم، والخطيب، عن ابن عباس في قوله: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ } قال: تبيض وجوه أهل السنة، والجماعة، وتسود وجوه أهل البدع، والضلالة. وأخرجه الخطيب، والديلمي، عن ابن عمر مرفوعاً وأخرجه أيضاً مرفوعاً أبو نصر السَّجْزي في الإبانة عن أبي سعيد. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي بن كعب في الآية قال: صاروا فرقتين يوم القيامة، يقال لمن اسود وجهه أكفرتم بعد إيمانكم؟ فهو الإيمان الذي كان في صلب آدم حيث كانوا أمة واحدة، وأما الذين ابيضت وجوههم فهم الذين استقاموا على إيمانهم، وأخلصوا له الدين فبيض الله وجوههم، وأدخلهم في رضوانه، وجنته، وقد روى غير ذلك.

الماوردي

تفسير : {يَومَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} يعني به يوم القيامة، لأن الناس فيه بين مُثَابٌ بالجنة ومُعاقَبٌ بالنار فوصِف وجه المُثَاب بالبياض لإسفاره بالسرور، ووصف وجه المُعَاقَب بالسواد لإنكسافه بالحزن. {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُم تَكْفُرُونَ} وفي هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم أربعة أقاويل: الأول: أنهم الذين كفرواْ بعد إظهار الإيمان بالنفاق، وهو قول الحسن. والثاني: أنهم الذين كفروا بالارتداد بعد إسلامهم، وهو قول مجاهد. والثالث: هم الذين كفروا من أهل الكتاب بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بِنَعْتِهِ ووصفه، وهو قول الزجاج. والرابع: هم جميع الكفار لإعراضهم عما يوجبه الإقرار بالتوحيد حين أَشْهَدَهُم الله تعالى على أنفسهم {أية : أَلسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا} تفسير : [الأعراف: 172] وهو قول أبي بن كعب.

ابن عطية

تفسير : قرأ الحسن والزهري وأبو عبد الرحمن وعيسى بن عمر وأبو حيوة: "ولِتكن" بكسر اللام على الأصل، إذ أصلها الكسر، وكذلك قرؤوا لام الأمر في جميع القرآن، قال الضحاك والطبري وغيرهما: أمر المؤمنون أن تكون منهم جماعة بهذه الصفة، فهم خاصة أصحاب الرسول، وهم خاصة الرواة. قال القاضي: فعلى هذا القول "من" للتبعيض، وأمر الله الأمة بأن يكون منها علماء يفعلون هذه الأفاعيل على وجوهها ويحفظون قوانينها على الكمال، ويكون سائر الأمة متبعين لأولئك، إذ هذه الأفعال لا تكون إلا بعلم واسع، وقد علم تعالى أن الكل لا يكون عالماً، وذهب الزجّاج وغير واحد من المفسرين، إلى أن المعنى: ولتكونوا كلكم أمة يدعون، "ومن" لبيان الجنس قال: ومثله من كتاب الله، {أية : فاجتنبوا الرجس من الأوثان} تفسير : [الحج: 30] ومثله من الشعر قول القائل: [البسيط] شعر : أَخُوا رَغَائِبَ يُعْطِيها وَيسْأَلُها يأبى الظُّلامةَ مِنْهُ النُّوفَل الزّفرُ تفسير : قال القاضي: وهذه الآية على هذا التأويل إنما هي عندي بمنزلة قولك: ليكن منك رجل صالح، ففيها المعنى الذي يسميه النحويون، التجريد، وانظر أن المعنى الذي هو ابتداء الغاية يدخلها، وكذلك يدخل قوله تعالى: {من الأوثان} ذاتها ولا تجده يدخل قول الشاعر: منه النوفل الزفر، ولا تجده يدخل في "من" التي هي صريح بيان الجنس، كقولك ثوب من خز، وخاتم من فضة، بل هذه يعارضها معنى التبعيض، ومعنى الآية على هذا التأويل: أمر الأمة بأن يكونوا يدعون جميع العالم إلى الخير، الكفار إلى الإسلام، والعصاة إلى الطاعة، ويكون كل واحد من هذه الأمور على منزلته من العلم والقدرة، قال أهل العلم: وفرض الله بهذه الآية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من فروض الكفاية إذا قام به قائم سقط عن الغير، وللزوم الأمر بالمعروف شروط، منها أن يكون بمعروف لا بتخرق، فقد قال صلى الله عليه وسلم: من كان آمراً بمعروف، فليكن أمره ذلك بمعروف، ومنها أن لا يخاف الآمر أذى يصيبه، فإن فعل مع ذلك فهو أعظم لأجره، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان . تفسير : قال القاضي: والناس في تغيير المنكر والأمر بالمعروف على مراتب، ففرض العلماء فيه تنبيه الحكام والولاة، وحملهم على جادة العلم، وفرض الولاة تغييره بقوتهم وسلطانهم، ولهم هي اليد، وفرض سائر الناس رفعه إلى الحكام والولاة بعد النهي عنه قولاً، وهذا في المنكر الذي له دوام، وأما إن رأى أحد نازلة بديهة من المنكر، كالسلب والزنى ونحوه، فيغيرها بنفسه بحسب الحال والقدرة، ويحسن لكل مؤمن أن يحتمل في تغيير المنكر، وإن ناله بعض الأذى، ويؤيد هذا المنزع أن في قراءة عثمان بن عفان وابن مسعود وابن الزبير "يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويستعينون بالله على ما أصابهم"، فهذا وإن كان لم يثبت في المصحف، ففيه إشارة إلى التعرض لما يصيب عقب الأمر والنهي، كما هي في قوله تعالى: {أية : وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، واصبر على ما أصابك} تفسير : [لقمان: 17] وقوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} تفسير : [المائدة: 105] معناه إذا لم يقبل منكم ولم تقدروا على تغيير منكره، وقال بعض العلماء: "المعروف" التوحيد، و {المنكر} الكفر، والآية نزلت في الجهاد. قال الفقيه القاضي: ولا محالة أن التوحيد والكفر هما رأس الأمرين، ولكن ما نزل عن قدر التوحيد والكفر، يدخل في الآية ولا بد، {المفلحون} الظافرون ببغيتهم، وهذا وعد كريم. ثم نهى الله تعالى هذه الأمة عن أن يكونوا كالمتفرقين من الأمم، واختلفت عبارة المفسرين في المشار إليهم، فقال ابن عباس: هي إشارة إلى كل من افترق في الأمم في الدين فأهلكهم الافتراق، وقال الحسن: هي إشارة إلى اليهود والنصارى، وقال الزجاج: يحتمل أن تكون الإشارة أيضاً إلى فرق اليهود وفرق النصارى، ومجيء {البينات} هو ببعث الرسل، وإنزال الكتب، وأسند الفعل دون علامة إلى {البينات}، من حيث نزلت منزلة البيان، ومن حيث لا حقيقة لتأنيثها، وباقي الآية وعيد، وقوله: {عذاب عظيم} يعني أنه أعظم من سواه، ويتفاضل هذان العرضان بأن أحدهما يتخلله فتور، وأما الجزء الفرد من هذا وذلك فسواء، هذا تحرير مذهب أصحابنا الأصوليين رحمهم الله.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} اللام في قوله ولتكن لام الأمر أي لتكن منكم أمة دعاة إلى الخير، وقيل إن كلمة من في قوله منكم للتبيين لا للتبعيض وذلك لأن الله عز وجل أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة في قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} فيجب على كل مكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إما بيده أو بلسانه أو بقلبه (م) عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" تفسير : فعلى هذا يكون معنى الآية كونوا أمة دعاة إلى الخير آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر ومن قال بهذا القول يقول: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به واحد سقط الفرض عن الباقين، وقيل إن من هنا للتبعيض وذلك لأن في الأمة من لا يقدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعجز وضعف فحسن إدخال لفظ من في قوله ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير وقيل إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما يختص بالعلماء ولاة الأمر فعلى هذا يكون المعنى ليكن بعضكم آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر. (خ) عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسلفها فكان الذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً" تفسير : والخير المذكور في الآية هو كل شيء يرغب فيه من الأفعال الحسنة وقيل: هو هنا كناية عن الإسلام والمعنى لتكن أمة أي جماعة دعاة إلى الإسلام وإلى كل فعل حسن يستحسن في الشرع والعقل وقيل الدعوة إلى فعل الخير يندرج تحتها نوعان: أحدهما: الترغيب في فعل ما ينبغي وهو الأمر بالمعروف. والثاني: الترغيب في ترك ما لا ينبغي وهو النهي عن المنكر فذكر الحسن أولاً وهو الخير ثم أتبعه بنوعيه مبالغة في البيان والمعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل والشرع حسنه والمنكر ضد ذلك وهو ما عرف بالعقل والشرع قبحه وقوله تعالى: {وأولئك هم المفلحون} تقدم تفسيره.

البقاعي

تفسير : ولما عاب سبحانه وتعالى الكفار بالضلال ثم بالإضلال أمر المؤمنين بالهدى في أنفسهم، وأتبعه الأمر بهداية الغير بالاجتماع، وكان الأمر بالاجتماع المؤكد بالنهي عن التفرق ربما أفهم الوجوب لتفرد الجميع في كل جزئية من جزئيات العبادة في كل وقت على سبيل الاجتماع مع الإعراض عن كل عائق عن ذلك سواء كان وسيلة أو لا بالنسبة إلى كل فرد فرد؛ أتبعه بقوله - منبهاً على الرضى بإيقاع ذلك في الجملة سواء كان بالبعض أو الكل كما هو شأن فروض الكفايات -: {ولتكن منك أمة} أي جماعة تصلح لأن يقصدها غيرها، ويكون بعضها قاصداً بعضاً، حتى تكون أشد شيء ائتلافاً واجتماعاً في كل وقت من الأوقات على البدل {يدعون} مجددين لذلك في كل وقت {إلى الخير} أي بالجهاد والتعليم والوعظ والتذكير. ولما عم كل خير خص ليكون المخصوص مأموراً به مرتين دلالة على جليل أمره وعليّ قدره فقال: {ويأمرون بالمعروف} أي من الدين {وينهون عن المنكر} فيه بحيث لا يخلو وقت من الأوقات عن قوم قائمين بذلك، وهو تنبيه لهم على أن يلازموا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من أصحابه رضي الله تعالى عنهم من أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر حين استفزهم الشيطان بمكر شأس بن قيس في التذكير بالأحقاد والأضغان والأنكاد، وإعلام بأن الذكرى تنفع المؤمنين. ولما كان هذا السياق مفهماً لأن التقدير: فإنهم ينالون بذلك خيراً كثيراً، ولهم نعيم مقيم؛ عطف عليه مرغباً: {وأولئك} أي العالون الرتبة العظيمو النفع {هم المفلحون *} حق الإفلاح، فبين سبحانه وتعالى أن الاجتماع المأمور به إنما هو بالقلوب الجاعلة لهم كالجسد الواحد، ولا يضر فيه صرف بعض الأوقات إلى المعاش وتنعيم البدن ببعض المباحات، وإن كان الأكمل صرف الكل بالنية إلى العبادة. ولما أمر بذلك أكده بالنهي عما يضاده معرضاً بمن نزلت هذه الآيات فيهم من أهل الكتاب مبكتاً لهم بضلالهم واختلافهم في دينهم على أنبيائهم فقال: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا} بما ابتدعوه في أصول دينهم وبما ارتكبوه من المعاصي، فقادهم ذلك ولا بد إلى التخاذل والتواكل والمداهنة التي قصدوا بها المسالمة فجرتهم إلى المصارمة. ولما كان التفرق ربما كان بالأبدان فقط مع الاتفاق في الآراء بيَّن أن الأمر ليس كذلك فقال: {واختلفوا} بما أثمر لهم الحقد الحامل على الاتصاف بحالة من يظن أنهم جميع وقلوبهم شتى. ولما ذمهم بالاختلاف الذي دل العقل على ذمه زاد في تقبيحه بأنهم خالفوا فيه بعد نهي العقل واضح النقل فقال: {من} أي وابتدأ اختلافهم من الزمان الذي هو من {بعد ما جاءهم} وعظمه بإعرائه عن التأنيث {البينات} أي بما يجمعهم ويعليهم ويرفعهم ويوجب اتفاقهم وينفعهم، فأرداهم ذلك الافتراق وأهلكهم. ولما كان التقدير: فأولئك قد تعجلوا الهلاك في الدنيا فهم الخائبون، عطف عليه قوله: {وأولئك} أي البعداء البغضاء {لهم عذاب عظيم *} أي في الدار الآخرة بعد عذاب الدنيا باختلافهم منابذين لما من شأنه الجمع، والآية من الاحتباك: إثبات "المفلحون" أولاً يدل على "الخاسرون" ثانياً، والعذاب العظيم ثانياً يدل على النعيم المقيم أولاً. ولما قدم ما لأهل الكتاب المقدمين على الكفر على علم يوم القيامة في قوله {أية : إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم}تفسير : [آل عمران: 77] وختم تلك الآية بأنهم لهم عذاب أليم واستمر حتى ختم هذه الآية بأنه مع ذلك عظيم؛ بين ذلك اليوم بقوله - بادئاً بما هو أنكى لهم من تنعيم أضدادهم -: {يوم تبيض وجوه} أي بما لها من المآثر الحسنة {وتسود وجوه} بما عليها من الجرائر السيئة {فأما الذين اسودت وجوههم} بدأ بهم لأن النشر المشوش أفصح، ولأن المقام للترهيب وزيادة النكاية لأهله، فيقال لهم توبيخاً وتقريعاً: {أكفرتم} يا سود الوجوه وعبيد الشهوات! {بعد إيمانكم} بما جبلتم عليه من الفطر السليمة ومكنتم به من العقول المستقيمة من النظر في الدلائل، ثم بما أخذ عليكم أنبياؤكم من العهود {فذوقوا العذاب} أي الأليم العظيم {بما كنتم تكفرون *} وأنتم تعلمون، فإنكم في لعنة الله ماكثون {وأما الذين ابيضت وجوهم} إشراقاً وبهاء لأنهم آمنوا فأمنوا من العذاب {ففي رحمة الله} أي ثمرة فعل ذي الجلال والإكرام الذي هو فعل الراحم. لا في غير رحمته. ثم أجاب عن سؤال من كأنه قال: هل تزول عنهم كما هو حال النعم في الدنيا؟ بقوله - على وجه يفهم لزومها لهم في الدنيا والآخرة -: {هم} أي خاصة {فيها خالدون} فلذا كانوا يؤمنون، فالآية من الاحتباك: إثبات الكفر أولاً دل على إرادة الإيمان ثانياً، وإثبات الرحمة ثانياً دل على حذف اللعنة أولاً. ولما حازت هذه الآيات من التهذيب وإحكام الترتيب وحسن السياق قصب السباق أشار إليها مع قربها بأداة البعد وأضافها إلى أعظم أسمائه فقال: {تلك آيات الله} أي هذه دلائل الملك الأعظم العالية الرتب البعيدة المتناول، ثم استأنف الخبر عنها في مظهر العظمة قائلاً: {نتلوها} أي نلازم قصها، وزاد في تعظيمها بعد المبتدأ بالمنتهي فقال: {عليك} ثم أكد ذلك بقوله: {بالحق} أي ثابتة المعاني راسخة المقاصد صادقة الأقوال في كل مما أخبرت به من فوزكم وهلاكهم من غير أن نظلم أحداً منهم {وما الله} أي الحائز لجميع الكمال {يريد ظلماً} قلَّ أو جلَّ {للعالمين *} أي ما ظلمهم ولا يريد ظلم أحد منهم، لأنه سبحانه وتعالى متعالٍ عن ذلك، لا يتصور منه وهو غني عنه، لأن له كل شيء. ولما كان أمرهم بالإقبال عليه ونهيهم عن الإعراض عنه ربما أوقع في وهم أنه غير قادر على ضبطهم أو محتاج إلى ربطهم أزال ذلك دالاً على أنه غني عن الظلم بقوله: {ولله} الملك الأعلى {ما} أي كل شيء {في السماوات و} كل {ما في الأرض} من جوهر وعرض مِلكاً ومُلكاً. ولما كان المقصود سعة الملك لم يضمر لئلا يظن تخصيص الثاني بما في حيز الأول فقال: {وإلى الله} الذي لا أمر لأحد معه {ترجع الأمور} أي كلها، التي فيهما والتي في غيرهما، فلا داعي له إلى الظلم، لأنه غني عن كل شيء وقادر على كل شيء. ولما كان من رجوع الأمور إليه هدايته من يشاء وإضلاله من يشاء قال - مادحاً لهذه الأمة ليمعنوا في رضاه حمداً وشكراً ومؤيساً لأهل الكتاب عن إضلالهم ليزدادوا حيرة وسكراً: {كنتم خير أمة} أي وجدتم على هذا الوصف الثابت لكم جبلة وطبعاً. ثم وصف الأمة بما يدل على عموم الرسالة وأنهم سيقهرون أهل الكتاب فقال: {أخرجت للناس} ثم بين وجه الخيرية بما لم يحصل مجموعة لغيرهم على ما هم عليه من المكنة بقوله: {تأمرون} أي على سبيل التجدد والاستمرار {بالمعروف} أي كل ما عرفه الشرع وأجازه {وتنهون عن المنكر} وهو ما خالف ذلك، ولو وصل الأمر إلى القتال، مبشراً لهم بأنه قضى في ألأزل أنهم يمتثلون ما أمرهم به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قوله: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} إراحة لهم من كلفة النظر في أنهم هل يمتثلون فيفلحوا، وإزاحة لحملهم أعباء الخطر بكونهم يعانون عليه ليفوزوا ويربحوا، فصارت فائدة الأمر كثيرة الثواب بقصد امتثال الواجب، وللترمذي - وقال: حسن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع النبي صلى الله عليه يقول في هذه الآية: "حديث : أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله سبحانه وتعالى" تفسير : وللبخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: "حديث : أنتم خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام ". تفسير : ولما أخبر عنهم بهذا الوصف الشريف في نفسه أتبعه ما زاده شرفاً، وهو أنهم فعلوه في حال إيمانهم فهو معتبر به لوجود شرطه الذي هو أساس كل خير فقال {وتؤمنون} أي تفعلون ذلك والحال أنكم تؤمنون {بالله} أي الملك الأعلى الذي تاهت الأفكار في معرفة كنه ذاته، وارتدت نوافذ أبصار البصائر خاسئة عن حصر صفاته، أي تصدقون أنبياءه ورسله بسببه في كل ما أخبروا به قولاً وفعلاً ظاهراً وباطناً، وتفعلون جميع أوامره وتنهون عن جميع مناهيه؛ وهذا يفهم أن من لم يؤمن كإيمانهم فليس من هذه الأمة أصلاً، لأن الكون المذكور لا يحصل إلا بجميع ما ذكر، وكرر الاسم الأعظم زيادة في تعظيمهم، وقد صدق الله ومن أصدق من الله حديثاً! قاال الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري في خطبة كتاب الاستيعاب: روى ابن القاسم عن مالك أنه سمعه يقول: لما دخل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الشام نظر إليهم رجل من أهل الكتاب فقال: ما كان أصحاب عيسى ابن مريم الذين قطعوا بالمناشير وصلبوا على الخشب بأشد اجتهاداً من هؤلاء - انتهى. ولما كان من المعلوم أن التقدير: وذلك خير لكم، عطف عليه قوله: {ولو آمن أهل الكتاب} أي أوقعوا الإيمان كما آمنتم بجميع الرسل وجميع ما أنزل عليهم في كتابهم وغيره، ولم يفرقوا بين شيء من ذلك {لكان} أي الإيمان {خيراً لهم} إشارة إلى تسفيه أحلامهم في وقوفهم مع ما منعهم عن الإيمان من العرض القليل الفاني والرئاسة التافهة، وتركهم الغنى الدائم والعز الباهر الثابت. ولما كان هذا ربما أوهم أنه لم يؤمن منهم أحد قال مستأنفاً: {منهم المؤمنون} أي الثابتون في الإيمان، ولكنهم قليل {وأكثرهم الفاسقون *} أي الخارجون من رتبة الأوامر والنواهي خروجاً يضمحل معه خروج غيرهم. ولما كانت مخالفة الأكثر قاصمة خفف عن أوليائه بقوله: {لن يضروكم} ولما كان الضر- كما تقدم عن الحرالي - إيلام الجسم وما يتبعه من الحواس، والأذى إيلام النفس وما يتبعها من الأحوال، أطلق الضر هنا على جزء معناه وهو مطلق الإيلام، ثم استثنى منه فقال: {إلا أذى} أي بألسنتهم، وعبر بذلك لتصوير مفهومي الأذى والضر ليستحضر في الذهن، فيكون الاستثناء أدل على نفي وصولهم إلى المواجهة {وإن يقاتلوكم} أي يوماً من الأيام {يولوكم} صرح بضمير المخاطبين نصاً في المطلوب {الأدبار} أي انهزاماً ذلاً وجبناً. ولما كان المولي قد تعود له كرة بعد فرة قال - عادلاً عن حكم الجزاء لئلا يفهم التقييد بالشرط مشيراً بحرف التراخي إلى عظيم رتبة خذلانهم -: {ثم لا ينصرون *} أي لا يكون لهم ناصر من غيرهم أبداً وإن طال المدى، فلا تهتموا بهم ولا بأحد يمالئهم من المنافقين، وقد صدق الله ومن أصدق من الله قيلاً! لم يقاتلوا في موطن إلا كانوا كذلك. ولما أخبر عنهم سبحانه وتعالى بهذا الذل أتبعه الإخبار بأنه في كل زمان وكل مكان معاملة منه لهم بضد ما أرادوا، فعوضهم عن الحرص على الرئاسة إلزامهم الذلة، وعن الإخلاد إلى المال إسكانهم المسكنة، وأخبر أن ذلك لهم طوق الحمامة غير مزائلهم إلى آخر الدهر باقٍ في أعقابهم بأفعالهم هذه التي لم ينابذهم فيها الأعقاب فقال سبحانه وتعالى مستأنفاً: {ضربت عليهم الذلة} وهي الانقياد كرهاً، وأحاطت بهم كما يحيط البيت المضروب بساكنه {أين ما ثقفوا} أي وجدهم من هو حاذق خفيف فطن في كل مكان وعلى كل حال {إلا} حال كونهم معتصمين {بحبل} أي عهد وثيق مسبب للأمان، وهو عهد الجزية وما شاكله {من الله} أي الحائز لجميع العظمة {وحبل من الناس} أي قاطبة: الذي آمنوا وغيرهم، موافقٍ لذلك الحبل الذي من الله سبحانه وتعالى. ولما كان الذل ربما كان مع الرضى ولو من وجه قال: {وبآءو} أي رجعوا عما كانوا فيه من الحال الصالح {بغضب من الله} الملك الأعظم، ملازمٍ لهم، ولما كان الوصفان قد يصحبهما اليسار قال: {وضربت} أي مع ذلك {عليهم} أي كما يضرب البيت {المسكنة} أي الفقر ليكونوا بهذه الأوصاف أعرق شيء في الذل، فكأنه قيل: لم استحقوا ذلك؟ فقيل: {ذلك} أي الإلزام لهم بما ذكر {بأنهم} أي أسلافهم الذي رضوا هم فعلهم {كانوا يكفرون} أي يجددون الكفر مع الاستمرار {بآيات الله} اي الملك الأعظم الذي له الكمال كله، وذلك أعظم الكفر لمشاهدتهم لها مع اشتمالها من العظم على ما يليق بالاسم الأعظم {ويقتلون الأنبياء} أي الآتين من عند الله سبحانه وتعالى حقاً على كثرتهم بما دل عليه جمع التكسير، فهو أبلغ مما في أولها الأبلغ مما في البقرة ليكون ذمهم على سبيل الترقي كما هي قاعدة الحكمة. ولما كانوا معصومين ديناً ودنيا قال: {بغير حق} أي يبيح قتلهم؛ ثم علل إقدامهم على هذا الكفر بقوله: {ذلك} أي الكفر والقتل العظيمان {بما عصوا وكانوا} أي جبلة وطبعاً {يعتدون *} أي يجددون تكليف أنفسهم الاعتداء، فإن الإقدام على المعاصي والاستهانة بمجاوزة الحدود يهوّن الكفر، فقال الأصفهاني: قال أرباب المعاملات: من ابتلى بترك الآداب وقع في ترك السنن، ومن ابتلى بترك السنن وقع في ترك الفرائض، ومن ابتلى بترك الفرائض وقع في استحقار الشريعة، ومن ابتلى بذلك وقع في الكفر، والآية دليل على مؤاخذة الابن الراضي بذنب الأب وإن علا، وذلك طبق ما رأيته في ترجمة التوراة التي بين أيديهم الآن، قال في السفر الثاني: وقال الله سبحانه وتعالى جميع هذه الآيات كلها: أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق، لا تكون لك آلهة أخرى، لا تعملن شيئاً من الأصنام والتماثيل التي مما في السماء فوق وفي الأرض من تحت، ومما في الماء أسفل الأرض، لا تسجدن لها ولا تعبدنها، لأني أنا الرب إلهك إله غيور، أجازي الأبناء بذنوب الآباء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة خلوف، وأثبت النعمة إلى ألف حقب لأحبائي وحافظي وصاياي.

السيوطي

تفسير : أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن عمرو بن دينار أنه سمع ابن الزبير يقرأ {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} ويستعينون بالله على ما أصابهم. فما أدري أكانت قراءته أو فسَّر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي داود في المصاحف وابن الأنباري عن عثمان أنه قرأ "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابهم وأولئك هم المفلحون". وأخرج ابن مردويه عن أبي جعفر الباقر قال: حديث : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} ثم قال "الخير أتباع القرآن وسُنَّتي" . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: كل آية ذكرها الله في القرآن في الأمر بالمعروف فهو الإسلام، والنهي عن المنكر فهو عبادة الشيطان. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله {ولتكن منكم أمة} يقول: ليكن منكم قوم. يعني واحداً، أو إثنين، أو ثلاثة نفر فما فوق، ذلك أمة يقول: إماماً يقتدى به يدعون إلى الخير قال: إلى الخير قال: إلى الإسلام، ويأمرون بالمعروف بطاعة ربهم، وينهون عن المنكر عن معصية ربهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} قال: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة. وهم الرواة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنما هلك من كان قبلكم بالمراء والخصومات في دين الله. وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} قال: هم أهل الكتاب. نهى الله أهل الإسلام أن يتفرقوا ويختلفوا كما تفرق واختلف أهل الكتاب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} قال: من اليهود والنصارى. وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: كيف يصنع أهل هذه الأهواء الخبيثة بهذه الآية في آل عمران {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} قال: نبذوها ورب الكعبة وراء ظهورهم. وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أهل الكتاب تفرقوا في دينهم على إثنتين وسبعين ملة، وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، ويخرج في أمتي أقوام تتجارى تلك الأهواء بهم كما يتجارى الكلب بصاحبه، فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله ". تفسير : وأخرج الحاكم عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يأتي على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى لو كان فيهم من نكح أمة علانية كان في أمتي مثله، إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا ملة واحدة فقيل له: ما الواحدة؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي ". تفسير : وأخرج الحاكم عن كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : لتسلكن سنن من قبلكم. إن بني إسرائيل افترقت"تفسير : الحديث. وأخرج ابن ماجة عن عوف بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على إثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة. والذي نفس محمد لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وإثنتان وسبعون في النار. قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: الجماعة ". تفسير : وأخرج أحمد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن بني إسرائيل تفرقت إحدى وسبعين فرقة، فهلكت سبعون فرقة وخلصت فرقة واحدة، وأن أمتي ستفترق على إثنتين وسبعين فرقة، تهلك إحدى وسبعون فرقة وتخلص فرقة قيل: يا رسول الله من تلك الفرقة؟ قال: الجماعة الجماعة ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إثنان خير من واحد، وثلاثة خير من إثنين، وأربعة من ثلاثة، فعليكم بالجماعة فإن الله لم يجمع أمتي إلا على هدى ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ادخلوا عليَّ، ولا يدخل عليَّ إلا قرشي فقال: يا معشر قريش أنتم الولاة بعدي لهذا الدين، فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات}، {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} [البينة: 5] ".

ابو السعود

تفسير : {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ} أمرهم الله سبحانه بتكميل الغير وإرشادِه إثرَ أمرِهم بتكميل النفس وتهذيبِها بما قبله من الأوامر والنواهي تثبـيتاً للكل على مراعاة ما فيها من الأحكام بأن يقومَ بعضُهم بمواجبها ويحافظَ على حقوقها وحدودِها ويذكرَها الناسَ كافةً ويردَعَهم عن الإخلال بها، والجمهورُ على إسكان لامِ الأمرِ، وقرىء بكسرها على الأصل وهو من كان التامة ومِنْ تبعيضيةٌ متعلقةٌ بالأمر أو بمحذوف وقع حالاً من الفاعل وهو {أُمَّةٍ} ويدْعون صفتُها أي لِتوجَدْ منكم أمةٌ داعيةٌ إلى الخير، والأمةُ هي الجماعةُ التي يؤُمُّها فِرَقُ الناسِ أي يقصِدونها ويقتدون بها، أو من الناقصة وأمةٌ اسمُها ويدْعون خبرُها، أي لتكن منكم أمةٌ داعين إلى الخير وأياً ما كان فتوجيهُ الخطابِ إلى الكل مع إسناد الدعوةِ إلى البعض لتحقيق معنى فرضيّتِها على الكفاية وأنها واجبةٌ على الكل لكن بحيث إنْ أقامها البعضُ سقطت عن الباقين، ولو أخل بها الكلُّ أثِموا جميعاً لا بحيث يتحتّم على الكل إقامتُها على ما يُنبىء عنه قولُه عز وجل: {أية : وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً } تفسير : [التوبة، الآية 122] الآية، ولأنها من عظائم الأمورِ وعزائمِها التي لا يتولاها إلا العلماءُ بأحكامه تعالى ومراتبِ الاحتساب وكيفية إقامتِها، فإن من لا يعلمُها يوشِكُ أن يأمرَ بمنكر وينهىٰ عن معروف ويُغلِظَ في مقام اللينِ ويُلينَ في مقام الغِلْظة وينكِرَ على من لا يزيده الإنكارُ إلا التماديَ والإصرارَ، وقيل: مِنْ بـيانية كما في قوله تعالى: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنْهُم } تفسير : [الفتح، الآية 29] الآية، والأمرُ من كان الناقصة والمعنى كونوا أمةً تدعون الآية كقوله تعالى: {أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } تفسير : [آل عمران، الآية 110] الآية، ولا يقتضي ذلك كونَ الدعوةِ فرضَ عينٍ، فإن الجهادَ من فروض الكفايةِ مع ثبوته بالخطاب العامِّ، والدعاءُ إلى الخير عبارةٌ عن الدعاء إلى ما فيه صلاحٌ دينيٌّ أو دنيويٌّ، فعطفُ الأمرِ بالمعروف والنهْيِ عن المنكر عليه بقوله تعالى: {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} مع اندراجهما فيه من باب عطفِ الخاصِّ على العامّ لإظهار فضلِهما وعلوِّهما على سائر الخيراتِ كعطف جبريلَ وميكالَ على الملائكة عليهم السلام، وحذْفُ المفعولِ الصريحِ من الأفعال الثلاثة إما للإيذان بظهوره أي يدْعون الناسَ ويأمُرونهم وينهَوُنهم وإما القصدِ إلى إيجاد نفسِ الفعل كما في قولك: فلان يعطي ويمنع أي يفعلون الدعاءَ إلى الخير والأمرَ بالمعروف والنهْيَ عن المنكر {وَأُوْلـئِكَ} إشارةٌ إلى الأمة المذكورة باعتبار اتصافِهم بما ذُكر من النعوت الفاضلةِ وكمالِ تميُّزِهم بذلك عمنْ عداهم وانتظامِهم بسببه في سلك الأمور المشاهَدة، وما فيه من معنى البُعد للإشعار بعلو طبقتِهم وبُعدِ منزلتِهم في الفضل، والإفرادُ في كاف الخطابِ إما لأن المخاطَب كلُّ من يصلُح للخطاب وإما لأن التعيـينَ غيرُ مقصودٍ، أي أولئك الموصوفون بتلك الصفاتِ الكاملة {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي هم الأحِقاءُ بكمال الفلاحِ، وهم ضميرُ فصلٍ يفصِلُ بـين الخبر والصفةِ ويؤكد النسبةَ ويفيد اختصاصَ المسندِ بالمسنَد إليه أو مبتدأٌ خبرُه المفلحون والجملةُ خبرٌ لأولئك، وتعريفُ {ٱلْمُفْلِحُونَ} إما للعهد أو للإشارة إلى ما يعرِفُه كلُّ أحدٍ من حقيقة المفلحين. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أنه سُئل عن خير الناسِ فقال: "آمَرُهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلُهم للرحم"» تفسير : وعنه عليه السلام: «حديث : مَنْ أمر بالمعروف ونهىٰ عن المنكر فهو خليفةُ الله في أرضه وخليفةُ رسولِه وخليفةُ كتابِه» تفسير : وعنه عليه السلام: «حديث : والذي نفسي بِـيَدِهِ لتأمُرُنّ بالمعروفِ ولتنهَوُنَّ عن المُنْكَرِ أو لَيُوشِكَنَّ الله أن يَبْعَثَ عَلَيْكُم عذاباً من عنده ثم لتَدْعُنَّه فلا يُستجاب لكم» تفسير : وعن علي رضي الله عنه: «أفضلُ الجهادِ الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، ومن شنَأَ الفاسقين وغضِب لله غضِبَ الله له» والأمرُ بالمعروف في الوجوب والندبِ تابعٌ للمأمور به، وأما النهيُ عن المنكر فواجبٌ كلُّه فإن جميعَ ما أنكره الشرعُ حرامٌ والعاصي يجب عليه النهيُ عما ارتكبه إذ يجب عليه تركُه وإنكارُه فلا يسقط بترك أحدِهما وجوبُ شيءٍ منهما، والتوبـيخُ في قوله تعالى: {أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [البقرة، الآية 44] إنما هو على نسيان أنفسِهم لا على أمرهم بالبر، وعن السلف مُروا بالخير وإن لم تفعلوا.

القشيري

تفسير : هذه إشارة إلى أقوامٍ قاموا بالله لله، لا تأخذهم لومة لائم، ولا تقطعهم عن الله استنامة إلى علة، وقفوا جملتهم على دلالات أمره، وقصَرُوا أنفاسَهم واستغرقوا أعمارَهم على تحصيل رضاه، عملوا لله، ونصحوا الدين لله، ودَعَوْا خَلْقَ الله إلى الله، فَرَبِحَتْ تجارتُهم، وما خَسِرتْ صفقتهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولتكن منكم} اى لتوجد منكم {امة يدعون الى الخير} جماعة داعية الى الخير اى الى ما فيه صلاح دينى ودنيوى فالدعاء الى الخير عام فى التكليف من الافعال والتروك ثم عطف عليه الخاص ايذانا بفضله فقال {ويأمرون بالمعروف} وهو ما استحسنه الشرع والعقل وهو الموافقة {وينهون عن المنكر} وهو ما استقبحه الشرع والعقل وهو المخالفة {واولئك} الموصوفون بتلك الصفات الكاملة والافراد فى كاف الخطاب لان المخاطب كل من يصلح للخطاب {هم المفلحون} اى هم الاخصاء بكمال الفلاح. وهم ضمير فصل يفيد اختصاص المسند بالمسند اليه ثم ان من فى قوله منكم للتبعيض وتوجيه الخطاب الى الكل مع اسناد الدعوة الى البعض لتحقيق معنى فرضيتها على الكفاية وانها واجبة على الكل لكن بحيث ان اقامها البعض سقطت عن الباقين ولو اخل بها الكل اثموا جميعا لا بحيث يتحتم على الكل اقامتها ولانها من عظائم الامور وعزائمها التى لا يتولاها الا العلماء باحكامه تعالى ومراتب الاحتساب وكيفية اقامتها فان الجاهل ربما نهى عن معروف وامر بمنكر وربما عرف الحكم فى مذهبه وجهله فى مذهب صاحبه فنهاه عن منكر وقد يغلظ فى موضع اللين ويلين فى موضع الغلظة وينكر على من لا يزيده انكاره الا تماديا او على من الانكار عليه عبث كالانكار على اصحاب المآصر والجلادين واضرابهم. وقيل من للتبيين وكان ناقصة اى كونوا امة يدعون الآية ولا يقتضى ذلك كون الدعوة فرض عين فان الجهاد من فروض الكفاية مع ثبوته بالخطاب للعامة. "حديث : عن النبى عليه السلام انه سئل وهو على المنبر من خير الناس قال آمرهم بالمعروف وانهاهم عن المنكر واتقاهم لله واوصلهم للرحم ". تفسير : وقال عليه السلام "حديث : من امر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله فى ارضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه ".تفسير : وعن حذيفة يأتى على الناس زمان يكون فيهم جيفة الحمار احب اليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. وعن سفيان الثورى اذا كان الرجل محبا فى جيرانه محمودا عند اخوانه فاعلم انه مداهن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مثل المداهن فى حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم فى اسفلها وصار بعضهم فى اعلاها فكان الذى فى اسفلها يمر بالماء على الذين فى اعلاها فتأذوا به فأخذ فاسا فجعل ينقر اسفل السفينة فأتوه فقالوا مالك قال تأذيتم بى ولا بد لى من الماء فان اخذوا على يديه انجوه وانجوا انفسهم وان تركوه اهلكوه واهلكوا انفسهم ". تفسير : قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الناس اذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك ان يعمهم الله بعذابه " .تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يحشر يوم القيامة ناس من امتى من قبورهم الى الله على صورة القردة والخنازير بما داهنوا اهل المعاصى وكفوا عن نهيهم وهم يستطيعون " .تفسير : فلا بد من توطين النفس على الصبر وتقليل العلائق وقطع الطمع عن الخلائق حتى تزول عنه المداهنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : "عذب اهل قرية فيها ثمانية عشر الفا عملهم عمل الانبياء عليهم السلام" قالوا يا رسول الله كيف قال "لم يكونوا يغضبون لله ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر" " .تفسير : ثم الامر بالمعروف تابع للمأمور به ان كان واجبا فواجب وان كان ندبا فندب. واما النهى عن المنكر فواجب كله لان جميع المنكر تركه واجب لاتصافه بالقبح وطريق الوجوب السمع والعقل وعند البعض السمع وحده وشرط النهى بعد معرفة المنهى عنه ان لا يكون ما ينهى عنه واقعا لان الواقع لا يحسن النهى عنه وانما يحسن الذم عليه والنهى عن المعاودة الى مثله وان يغلب على ظنه وقوع المعصية نحو ان يرى الشارب قد تهيأ لشرب الخمر باعداد آلاته وان لا يغلب على ظنه ان انكر لحقته مضرة عظيمة. فان قلت كيف يباشر الانكار. قلت يبدأ بالسهل فان لم ينفع ترقى الى الصعب لان الغرض كف المنكر قال تعالى {أية : فأصلحوا بينهما} تفسير : [الحجرات: 9]. ثم قال {أية : فقاتلوا} تفسير : [الحجرات: 9]. والمباشر كل مسلم تمكن منه واختص بشرائطه وقد اجمعوا ان من رأى غيره تاركا للصلاة وجب عليه الانكار لانه معلوم قبحه لكل احد. واما الانكار الذى بالقتال فالامام وخلفاؤه اولى لانهم اعلم بالسياسة ومعهم عدتها. فان قلت فمن يؤمر وينهى. قلت كل مكلف وغير المكلف اذا هم بضرر غيره منع كالصبيان والمجانين وينهى الصبيان عن المحرامات حتى لا يتعودوها كما يؤمرون بالصلاة ليمرنوا عليها والعاصى يجب عليه النهى عما ارتكبه اذ يجب عليه تركه والانكار لا يجب فلا يسقط بترك احدهما وجوب شىء منهما قال النبى عليه السلام "حديث : ان الله ليؤيد هذا الدين باهل الفسوق " .تفسير : والتوبيخ فى قوله تعالى {أية : أتأمرون الناس بالبر وتنسون انفسكم} تفسير : [البقرة: 44]. انما هو على نسيان انفسهم لا على امرهم بالبر. وعن السلف مروا بالخير وان لم تفعلوا. وعن بعض الصحابة ان الرجل اذا لم يستطع الانكار على منكر رآه فليقل ثلاث مرات اللهم ان هذا منكر واذا فعل ذلك فقد فعل ما عليه شعر : كرت نهى منكر بر آيد زدست نشايد جوبى دست وبايان نشست جودست وزبانرا نماند مجال بهمت نمايند مردى رجال تفسير : يعنى اذا لم يستطع ان يغير المنكر بلسانه ويده فلينكره بقلبه فان الرجال يرون الرجولية بالهمة ويتضرعون الى الله فى دفع ما لا يقدرون على دفعه. والاشارة فى الآية ان الامة التى يدعون الى الخير بالافعال دون الاقوال هم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون من وعيد من يأمر بالمعروف ولا يأتيه والذى يدل عليه ما روى اسامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سمعته يقول "حديث : يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى فى النار فتزلق اقتابه فى النار فيدور بها كما يدور الحمار برحاه فيجتمع اهل النار عليه فيقولون اى فلان ما شأنك ألست تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر فيقول كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه" تفسير : والداعى الى الخير فى الحقيقة شيوخ الطريقة فان من لم يعرف الله لم يعرف الخير اذا الخير المطلق هو الكمال المطلق الذى يكون للانسان بحسب النوع من معرفة الحق والوصول اليه كما كان للنبى عليه السلام والاضافى ما يتوصل به الى المطلق فالخير المدعو اليه اما الحق واما طريق الوصول اليه والمعروف كل ما يقرب اليه والمنكر كل ما يبعد عنه فمن لم يكن له التوحيد والاستقامة لم يكن له مقام الدعوة فغير المستقيم وان كان موحدا ربما امر بما هو معروف عنده منكر فى نفس الامر وربما نهى عما هو منكر عنده معروف فى نفس الامر كمن بلغ فى مقام الجمع واحتجب بالحق عن الخلق فكثيرا ما يستحل محرما ويحرم حلالا فهم اهل الحجاب واهل الفلاح المطلق هم الذين لم يبق لهم حجاب وهم خلفاء الله فى ارضه اوصلنا الله واياكم الى معرفة حقيقة الحال وشرفنا بالوصول الى جنابه المتعال.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (مِنْ): للتبعيض؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فُروض الكفاية؛ إذ لا يصلح له كُلُّ أحد، أو للبيان، أي؛ كونوا أمة تأمرون بالمعروف، كقوله:{أية : كُنتُمْ خَيْرُ أُمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرونَ بِالْمَعْرُوفِ}تفسير : [آل عِمرَان: 110] الخ، و {يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} عطف على الخبر، من عطف الخاص على العام؛ للإيذان بفضله. {يقول الحقّ جلّ جلاله}: {ولتكن منكم} يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم {أمة} أي: طائفةً {يدعون إلى الخير}، وهو كل ما فيه صلاحٌ ديني، أو دنيوي إذ كان يؤول إلى الديني، أو صلاح قلبي أو روحاني، {ويأمرون بالمعروف} وهو ما يستحسنه الطبع ويرتضيه الشرع، {وينهون عن المنكر} وهو كل ما ينكره الطبعُ السليم والشرع المستقيم، فمن فعل ذلك فأولئك {هم المفلحون} المخصوصون بكمال الفلاح. رُوِيَ عنه عليه الصلاة والسلام: أنه سئل مَنْ خير الناس؟ فقال:"حديث : آمرُهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأتقاهم الله، وأوصلهم للرحم"تفسير : . وقال أيضاً:"حديث : مَنْ أمَرَ بالمَعْروفِ ونَهَى عَنِ المُنْكَرِ كان خَلِيفَةَ اللّهِ في أرْضِهِ وخَلِيفَةَ رَسُولِه وخَلِيفَةَ كِتَابِه"تفسير : . وقال عليّ رضي الله عنه: (أفضل الجهاد: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشنئان الفاسقين - أي بغضهم - فمن أمر بالمعروف شدَّ ظهرَ المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرْغَمَ أنف المنافق، ومن شَنَأَ الفاسقين وغَضب لله غَضبَ الله له). وقال أبو الدرداء: (لتأمُرُن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليُسلطن الله عليكم سلطاناً ظالماً، لا يُجِلُّ كبيركم، ولا يرحم صغيركم، ويدعو عليه خيارُكم فلا يستجاب لهم، ويَسْتنصِرون فلا يُنصرون، ويستغفرون فلا يغفر لهم). وقال حذيفة: (يأتي على الناس زمان لأن تكون فيه جيفة حمار، أحب إليهم من مؤمنٍ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر). وللمتصدِّي له شروط: العلم بالأحكام، ومراتب الاحْتِسَاب وكيفية إقامتها، والتمكن من القيام بها، ولذلك خاطب الحق تعالى الجميع، وطلب فعل بعضهم، إذ لا يصلح للقيام به إلا البعض، كما هو شأن فرض الكفاية، إذ هو واجب على الكل، بحيث لو تركوه لعوقبوا جميعاً، لكنه يسقط بفعل البعض. والأمر بالمعروف يكون واجباً ومندوباً، على حسب ما يأمر به، والنهي عن المنكر واجب كله؛ لأن جميع ما أنكره الشرع حرام. وأما المكروه فليس بمنكر، فيستحب الإرشاد إلى تركه. والأظهر أن العاصي يجب أن ينهى عما يرتكبه هو؛ لأنه يجب عليه تركه، فلا يسقط بترك أحدهما وجوب الآخر. وقد قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : مُرُوا بالمَعْرُوفِ وإن لَمْ تَعمَلُوا بِكُلِّهِ، وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وإنْ لم تَنْتَهُوا عنه كُلهُ ". تفسير : الإشارة: {ولتكن منكم أمة} أي: طائفة ينهض حالهم ويدلُّ على الله مقالهم، يدعون إلى الخير العظيم، وهو شهود ذات السميع العليم، ويأمرون بالمعروف بالهمة العلية، وينهون عن المنكر بالحال القوية، فكلُّ من رآهم بالصفا ائتمر وانتهى، وكل من صحبهم بالوفاء أخذ حظه من الغنى بالمكيال الأوفى، إن لله رجالاً من نظر إليهم سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً، فهؤلاء يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بالحال دون المقال. يُحكى أن بعض الشيوخ مرَّ مع أصحابه بقوم يشربون الخمر تحت شجرة فأراد أصحابه أن يُغيروا عليهم، فقال لهم: إن كنتم رجالاً فَغِيرُوا عليهم بحالكم دون مقالكم، فتوجهوا إلى الله بهممهم، فإذا القوم قد كسروا الأواني، وجاءوا إلى الشيخ تائبين. وكذلك قضية معروف الكرخي مع أصحاب السفينة، الذي كانوا مشتغلين باللهو واللعب، فقال له أصحابه: ادع عليهم، فقال: اللهم كما فرَّحتَهم في الدنيا ففرِّحْهُم في الآخرة، فتابوا على يده جميعاً. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

الطوسي

تفسير : الاعراب، والمعنى: قوله: {ولتكن} أمر واللام لام الأمر وإنما سكنت مع الواو ولم يكن لام الاضافة لأن تسكين لام الامر يؤذن بعملها أنه الجزم، وليس كذلك لام الاضافة. ولم يسكن مع ثم، لأن ثم بمنزلة كلمة منفصلة. وقوله: {منكم أمة} "من" ها هنا للتبعيض على قول أكثر المفسرين، لأن الأمر بانكار المنكر، والامر بالمعروف متوجه إلى فرقة منهم غير معينة، لأنه فرض على الكفاية فأي فرقة قامت به سقط عن الباقين. وقال الزجاج التقدير "وليكن" جميعكم و (من) دخلت لتخص المخاطبين من بين سائر الاجناس، كما قال: {أية : فاجتنبوا الرجس من الأوثان} تفسير : وقال الشاعر: شعر : أخو رغائب يعطيها ويسلبها يأبى الظلامة منه النوفل الزفر تفسير : لانه وصفه باعطاء الرغائب، والنوفل الكثير الاعطاء للنوافل. والزفر: الذي يحمل الأثقال، فعلى هذا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من فرض الاعيان لا يسقط بقيام البعض عن الباقين. وهو الذي اختاره الزجاج، وبه قال الجبائي، واختاره. اللغة: والأمة في اللغة تقسم خمسة أقسام: أحدها - الجماعة. والثاني - القامة. والثالث - الاستقامة. والرابع - النعمة والخامس القدوة. والأصل في ذلك كله القصد من قولهم: أمه يؤمه. أماً إذا قصده، فالجماعة سميت أمة لاجتماعها على مقصد واحد. والأمة: القدوة، لأنه تأتم به الجماعة. والأمة النعمة، لأنها المقصد الذي هو البغية. والامة القامة، لاستمرارها في العلو على مقصد واحد. والمعروف هو الفعل الحسن الذي له صفة زائدة على حسنه. وربما كان واجباً أو ندباً، فان كان واجباً فالأمر به واجب. وان كان ندباً فالامر به ندب. والمنكر هو القبيح فالنهي عنه كله واجب. والانكار هو إظهار كراهة الشيء لما فيه من وجه القبح، ونقيضه الاقرار وهو إظهار تقبل الشيء من حيث هو صواب حسن. المعنى: والامر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان بلا خلاف وأكثر المتكلمين يذهبون إلى أنه من فروض الكفايات. ومنهم من قال من فروض الاعيان، وهو الصحيح على ما بيناه. واختلفوا، فقال جماعة ان طريق وجوب انكار المنكر العقل، لأنه كما تجب كراهته وجب المنع منه إذا لم يمكن قيام الدلالة على الكراهة. وإلا كان تاركه بمنزلة الراضي به. وقال آخرون وهو الصحيح عندنا: إن طريق وجوبه السمع وأجمعت الأمة على ذلك، ويكفي المكلف الدلالة على كراهته من جهة الخير وما جرى مجراه وقد استوفينا ما يتعلق بذلك في شرح جمل العلم. فان قيل هل يجب في إنكار المنكر حمل السلاح؟ قلنا: نعم إذا احتيج إليه بحسب الامكان، لأن الله تعالى قد أمر به، فاذا لم ينجح فيه الوعظ والتخويف، ولا التناول باليد وجب حمل السلاح، لأن الفريضة لا تسقط مع الامكان إلا بزوال المنكر الذي لزم به الجهاد إلا أنه لا يجوز أن يقصد القتال إلا وغرضه إنكار المنكر. وأكثر أصحابنا على أن هذا النوع من إنكار المنكر لا يجوز الاقدام عليه إلا باذن سلطان الوقت. ومن خالفنا جوز ذلك من غير الاذن مثل الدفاع عن النفس سواء. وقال البلخي: إنما يجوز لسائر الناس ذلك إذا لم يكن إمام، ولا من نصبه، فأما مع وجوده، فلا ينبغي، لأحد أن يفعل ذلك إلا عند الضرورة. وقوله: {وأولئك هم المفلحون} معناه هم الفائزون بثواب الله، والخلاص من عقابه.

الجنابذي

تفسير : {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ} تعريض بالامر بطلب الولاية وبالاجابة لولىّ الامر فانّ المقصود انّ كون امّة منكم داعية الى الخير امر حتم فاطلبوهم واجيبوا دعوتهم، وقرء فى قراءة اهل البيت ائمّة، وعن الباقر (ع) فى هذه الآية قال: فهذه لآل محمّد (ص) ومن تابعهم يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} الكاملون فى الفلاح فانّ كمال الفلاح بالبقاء بعد الفناء فى الله وهو مقام الدّعوة الى الخير والامر بالمعروف والنّهى عن المنكر، وعن الصّادق (ع): الامر بالمعروف والنّهى عن المنكر خلقان من خلق الله تعالى فمن نصرهما أعزّه الله ومن خذلهما خذله الله، وعن النّبىّ (ص) انّه قال: "حديث : لا يزال النّاس بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البرّ فاذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات وسلّط بعضهم على بعضٍ ولم يكن لهم ناصر فى الارض ولا فى السّماء"تفسير : ، ونسب الى الباقر (ع) انّه قال: يكون فى آخر الزّمان قومٌ يُتبع فيهم قوم مراؤن يتقرّؤن ويتنسّكون حدثاء سفهاء لا يوجبون امراً بمعروف ولا نهياً عن منكر الاّ اذا امنوا الضّرر يطلبون لأنفسهم الرّخص والمعاذير يتّبعون زلاّت العلماء وفساد علمهم يقبلون على الصّلاة والصّيام وما لا يكلّهم فى نفس ولا مال، ولو اضرّت الصّلاة بسائر ما يعملون بأموالهم وأبدانهم لرفضوها كما رفضوا َاسْمى الفرائض واشرفها؛ انّ الامر بالمعروف والنّهى عن المنكر فريضة عظيمة بها تقام الفرائض هنالك يتمّ غضب الله عليهم فيعمّهم بعقابه فيهلك الابرار فى دار الفجّار والصّغار فى دار الكبار، انّ الامر بالمعروف والنّهى عن المنكر سبيل الانبياء ومنهاج الصّالحين، فريضة عظيمة بها تقام الفرائض وتؤمن المذاهب وتحلّ المكاسب وتردّ المظالم وتعمر الارض وينتصف من الاعداء ويستقيم الامر فأنكروا بقلوبكم والفظوا بالسنتكم وصكّوا بها جباههم ولا تخافوا فى الله لومة لائم فان اتّعظوا والى الحق رجعوا فلا سبيل عليهم {أية : إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [الشورى:42] هنالك فجاهدوهم بابدانكم وابغضوهم بقلوبكم غير طالبين سلطاناً ولا باغين مالاً ولا مريدين بالظّلم ظفراً حتّى يفيئوا الى امر الله ويمضوا الى طاعته. وقد مضى تحقيق واف فى اوّل البقرة عند قوله تعالى: {حديث : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : [البقرة: 44] للامر بالمعروف والنّهى عن المنكر.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة} للتبعيض لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات، وقيل: من للتبيين، يعني كونوا أمة تأمرون، قوله تعالى: {وأولئك هم المفلحون} هم الأخصاء بالفلاح دون غيرهم، حديث : وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه سُئِل وهو على المنبر: من خير الناس؟ قال: "آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر" تفسير : وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله" تفسير : وعن علي (عليه السلام): "أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" قوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} هم اليهود والنصارى {من بعد ما جاءهم البينات} الموجبة للاتفاق، وقيل: هم مبتدعو هذه الأمَّة، وهم المحبرة والمشبهة والحشوية، قوله تعالى: {يوم تبيض وجوه} البياض من النور، والسواد من الظلمة، فمن كان من أهل نور الحق وُسِمَ ببياض اللون وابيضّت صحيفته وأشرقت، ويسعى النور بين يديه وبيمينه، ومن كان من أهل الظلمة وُسِمَ بسواد اللون وأحاطت به الظلمة من كل جانب، قيل: هم بنو قريظة والنضير، وقيل: هم أهل البدع والأهواء {أكفرتم بعد إيمانكم} فيقال لهم: أكفرتم والهمزة للتوبيخ والتعجيب من حالهم، والظاهر أنهم أهل الكتاب وكفرهم بعد الإِيمان تكذيبهم لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد اعترافهم به قبل مجيئه، وعن عطا: تبيّض وجوه المهاجرين والأنصار وتسوّد وجوه بني قريظة والنضير، وقيل: هم المرتدون، وقيل: هم أهل البدع والأهواء، وقيل: هم الخوارج، قوله تعالى: {ففي رحمة الله هم فيها خالدون} أي ففي نعمة الله وهي الثواب المخلد، قوله تعالى: {تلك آيات الله} الواردة في الوعد والوعيد {نتلوها عليك} بما يستوجبانه المحسن والمسيء {وما الله يريد ظلماً للعالمين} على معنى ما يريد شيئاً من الظلم لأحد من خلقه، فسبحان من يحلم على من يصفه بإِرادة القبائح والرضى بها، قوله تعالى: {كنتم خير أمة} قيل: كنتم في علم الله خير أُمةٍ، وقيل: كنتم في أمم من قبلكم مذكورين بأنكم خير أمةٍ، والآية نزلت في المهاجرين، وقيل: في أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله تعالى: {لن يضروكم إلا أذى} الآية نزلت في اليهود يقول لمن طعن في دين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار} منهزمين ولا يضرونكم {ثم لا ينصرون} لا نصر لهم، وعاقبة أمرهم إلى الذل والخذلان، قوله تعالى: {ضربت عليهم الذلّة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس} المعنى: ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس يعني: ذمة الله وذمة المسلمين {وباءو بغضب من الله} أي رجعوا بغضب من الله استوجبوه، قوله تعالى: {وضربت عليهم المسكنة} كما تضرب البيت على أهله فهم ساكنون في المسكنة غير ضاعنين عنها، وهم اليهود عليهم لعنة الله وغضبُه لأنهم كفروا بنبي الحق، قوله تعالى: {ذلك بأنهم} أي ذلك {كانوا} بسبب عصيانهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} أي بتوحيد الله وطاعته. {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} أي عن الشرك بالله ومعصيته {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي السعداء. ذكروا أن عمر بن الخطاب قال في حجّةٍ حجّها ورأى من الناس رِعَةً سيئة فقرأ هذه الآية: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} فقال: يا أيها الناس من سَرَّه منكم أن يَكُون من تلكم الأمّة فليؤد شرط الله فيها. وتفسير عمرو عن الحسن في قوله: (أية : وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ) تفسير : [التوبة:71] أي: يأمرون بالإِيمان بالله وينهون عن كفر به. ذكروا عن الحسن أنه قيل له: ألا تخرج إلى الامام فتأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر فقال: إنما يُعَلَّم من يُرجى أو جاهل لا يَعْلم، وأما من هو أقرأ منك وأعلم منك، قد وضع سيفه حده وَرَهَفَه يقول: اتَّقِني اتَّقِني، فما يوقفك فيه؟. ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا يحل لمسلم أن يُذِلّ نفسه. قيل: يا رسول الله، وكيف يُذِل نفسه؟ قال: يتعرّض من البلاء لما لا يقوى عليه. ولا يقوم به . تفسير : ذكر أبو خمصة قال: قال لي أبو هريرة: هل تخشى أن تعيش في قوم لا ينكر خيارهم المنكر؟ قال: قلت: ما أولئك بخيار. قال: بلى، ولكنَّ أحدَهم يكره أن يُشتَم عرضُه ويُضرَب بَشَرُه.

اطفيش

تفسير : {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}: "من" للتبعيض، لأن الدعاء إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر يجزى فيهن البعض، لأنهن فروض كفاية، ويجوز أن تكون للبيان، لأنه يجب فرض الكفاية، على الكل، فإذا فعل البعض أجزأ، كأنه قيل: كونوا داعين إلى الخير، على أنه نسبة إنشائية كلية، لا كل، ويناسبه قوله تعالى {أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر..}تفسير : إلخ إذ نسب الأمر للكل، إلا أنه لا ينافى التبعيض، لأن هذه الآية حكم على المجموع لا على الجميع، بدليل أن ذلك فرض كفاية، ولو كان مدح الشىء بلا قرينة يدل على الوجوب، لكن الوجوب ثابت كفاية، و{الخير}: الإسلام أو مطلق الخير ولو دنيوياً، والدعاء إلى ذلك يشمل الدعاء بالفعل، فإن فاعل الخير يقتدى به، وبذكره، أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقراءة القرآن بحضرة السامع، والأمر أن يقول: افعل كذا، والنهى أن يقول: لا تفعل كذا، أو ما أشبه ذلك والخير يحسب لفظه أعم، فالعطف للخاص بعده للمزية وذلك ان الأمر بالمعروف، والترغيب فى ترك المنكر، دعاء إلى الخير، وإنما كان ذلك فرض كفاية، لأنه لا يصلح كل أحد له إذ قد لا يقوى هذا على الأمر والنهى لضعفه، ويقوى ذاك، وقد لا يدرى كيف يأمر وينهى، فعند وجود غيره، يحسن تقديم غيره ممن يحسن، وقد يعرف هذا إن فعل كذا معروف، أو تركه منكراً، فهذا لا واجب عليه ما لم يقارف بشىء، إذا كان ذلك علمه موسعاً، فيجب على من عرف ذلك فلزم أن يكون العلم فى الناس، لئلا يجهلوا كلهم، فلا يكون آمر أو ناه، ومن جهل فقد يأمر بمنكر وينهى عن معروف، واللام للأمر وتكون {لا} خبر له، ومنكم متعلق به أو بمحذوف حال من أمة، ولو كان أمة نكرة لتأخرها، ولنعتها بجملة يدعون، وأمة فاعل، أو تكون لهُ خبر، فأمة اسمه ومنكم خبره، أو منكم إعرابه على ما مر، ويدعون خبر لما بقى على الكفار، كفرهم وإضلالهم، أمر المؤمنين بالإسلام والتقوى وهداية غيرهم بالدعاء إلى الخير، والأمر والنهى. قال أبو سعيد الخدرى: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، وإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"تفسير : . وعن نعمان بن بشير عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : مثل القائم فى حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين فى أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا نرى أن نخرق فى نصيبنا خرقاً فلا نؤدى من فوقها، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً"تفسير : . وهكذا لفظ الحديث فى صحيح البخارى ولفظهُ فى كتب الفقه والوعظ غير هذا، وليس الأمر والنهى مختصين بالعلماء، كما قال بعض: بل يجبان على من علم أن هذا معروف وذاك منكر، والأمر بالمعروف الذى لم يجب غير واجب. قال أنس بن مالك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "ليؤتين برجال يوم القيامة، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء لمنازلهم من الله، يكونون على منابر من نور، قالوا: ومن هم يا رسول الله. قال: هم الذين يحببون الله إلى الناس ويحببون الناس إلى الله، ويمشون لله فى الأرض نصحاً" قلنا: يا رسول الله كيف يحببون الناس إلى الله؟ قال: "يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، فإذا أطاعوا أحبهم الله تعالى"تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله فى أرضه، وخليفة رسوله وخليفة كتابه"تفسير : ، وعن على: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ومن شتىء الفاسقين وغضب لله غضب الله له، وعن حذيفة: يأتى على الناس زمان تكون فيهم جيفة الحمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر. قال أبو حمصة، قال لى أبو هريرة: هل تخشى أن تعيش فى قوم لا ينكر خيارهم المنكر، قلت: ما أولئك بخيار، قال: بلى، ولكن أحدهم يكره أن يشتم عرضهُ، ويضرب بشره، وذم الله عز وجل من ترك النهى بقوله: {أية : كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوه لَبِئْس مَا كَانُوا يَفْعَلُون}تفسير : قال عكرمة: قال لى ابن عباس رضى الله عنهما: قد أعيانى أن أعلم ما فعل بمن أمسك عن الوعظ، فقلت: أنا أعلمك ذلك اقرأ قولهُ تعالى {أية : أنجينا الذين ينهون عن السوء}تفسير : فقال: أصبت، فقد جعل ابن عباس وعكرمة من أمسك عن النهى مع الفاعلين للمنكر بالآية، وعن حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لتأمرن بالمعروف، ولتنهن عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذاباً من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم"تفسير : {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}: الفائزون فوزاً كاملا، حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: من خير الناس؟ قال: آمَرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأتقاهم لله، وأوصلهم للرحم، ولا بد للفلاح من شرط العمل الصالح، وترك المنكر، ولو كان لا يسقط الأمر والنهى من الفاسق"تفسير : . قال بعض السلف: مروا بالخير وإن لم تفعلوه، وانهوا عن المنكر ولو فعلتموه. سمع الحسن مطرف بن عبد الله يقول: لا أقول ما لا أفعل. فقال: وأينا يفعل ما يقول؟ ود الشيطان لو ظفر بهذه منكم فلا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى عن منكر، وحج عمر رضى الله عنه، ورأى للناس رغبة فى الأمر والنهى، فقرأ هذه الآية {أية : كُنْتُم خَيْرَ أمَّةٍ...} تفسير : إلخ فقال: يا أيها الناس من سره منكم أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها. وليأمر وينه بحسب ما ينال، أو يطمع فى الانقياد، لا بما يضره ولا يفيد، مثل أن يرجع إلى العاصى بلين يعد ضعفاً فى الدين، ومثل أن يزيد العاصى فى عصيانه بالنهى، وقد تعرض لحبار فنهاه فقد أفاد إظهار شعار الإسلام. وعن الحسن قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "لا يحل للمسلم أن يذل نفسه". قيل: يا رسول الله وكيف يذل نفسه؟ قال: "يتعرض لما لا يقوى عليه من البلاء ولا يقوم به" .

اطفيش

تفسير : {وَلْتَكُن مَّنكُمْ أمَّةٌ} جماعة قاصدة فى أمر يجتمع عليه {يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ} دين الإسلام، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الخير القرآن وسنتى"تفسير : ، رواه ابن مردوية عن الباقر، وقيل: الإيمان كما أخرجه ابن أبى حاتم عن مقاتل، وقيل: ما فيه صلاح دين أو دنيا، فالمعروف والمنكر تخصيص بعد تعميم فى قوله {وَيأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَونَ عَنِ المُنكَرِ} أى يدعون الناس، ويأمرونهم وينهونهم، حذف لظهوره، أو لم يتعلق بما حذف، بل المراد استعمال الدعاء، والأمر والنهى وعدم الخلو منهن. كقولك، فلان يعطى،تريد نفى البخل عنه،، لا إثبات أنه يعطى فلانا ديناراً مثلا، والأمر والنهى من جملة الخير، وخصهما بالذكر لعظم شأنهما جدا، وهما فرض كفاية، لا يصلح للجاهل، إذ ربما يأمر بالمنكر يحسبه معروفا، أو يعكس، وقد يكون الشىء منكراً فى مذهبه، معروفاً أو مباحا أو نحو ذلك فى مذهب غيره، وبالعكس، ولا أمر ولا نهى، نعم الإرشاد إلى الراجح، وقد قال أصحابنا لا أمر ولا نهى بيننا وبين قومنا، أى فيما كان مذهباً أو ديناً مخالفاً لنا، وفرض الكفاية واجب على الكل،وسقط بفعل البعض، هذا مذهبنا ومذهب جمهور قومنا، وهو الصحيح، لا على بعض منهم على الصحيح، ألا ترى أ،هم ياثمون كلهم، إذا لم يفعل واحد، وذلك فى الآية، إذا خاطب الكل وطلب فعل البعض {وَأُوْلَئِكَ} الداعون إلى الخير الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر {هُمُ المُفْلِحُونَ} الكاملون فلاحا، لأن الأمر والنهى مما يجر الضر إلى الآمر الناهى، ويوجب العلم والتشديد فى محله، واللين فى محله، والمتصف بهذا ذو شأن عظيم، وذلك حصر، فمن لم يأمر ولم ينه لم يغن عنه غيره، فليس مفلحا، وفاعل الذنب لا يسقط عنه فعله وجوب النهى عنه، وتارك المعروف لا يسقط عنه تركه وجوب الأمر به، وأما قوله تعالى: {أية : لم تقولون ما لا تفعلون} تفسير : [الصف: 2]، وقوله تعالى: {أية : أتأمرون الناس} تفسير : [البقرة: 44] الخ فنهى عن عدم الفعل لا عن القول وعن نسيان أنفسهم لا عن أمرهم بالمعروف، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير الناس آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله تعالى وأوصلهم للرحم"تفسير : . رواه أحمد وأبو يعلى عن درة بنت أبى لهب، وروى الحسن: من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله تعالى وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفة كتابه.

الالوسي

تفسير : {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ } أمرهم سبحانه بتكميل الغير إثر أمرهم بتكميل النفس ليكونوا هادين مهديين على ضد أعدائهم فإن ما قص الله تعالى من حالهم فيما سبق يدل على أنهم ضالون مضلون، والجمهور على إسكان لام الأمر، وقرىء بكسرها على الأصل، و (تكن) إما من كان التامة فتكون أمة فاعلاً وجملة يدعون صفته و منكم متعلق ـ بتكن ـ أو بمحذوف على أن يكون صفة ـ لأمة ـ قدم / عليها فصار حالاً. وإما من كان الناقصة فتكون أمة اسمها ويدعون خبرها و منكم إما حال من أمة أو متعلق بكان الناقصة، والأمة الجماعة التي تؤم أي تقصد لأمر مّا، وتطلق على أتباع الأنبياء لاجتماعهم على مقصد واحد وعلى القدوة؛ ومنه {أية : إِنَّ إِبْرٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً } تفسير : [النحل: 120] وعلى الدين والملة، ومنه {أية : إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ } تفسير : [الزخرف: 22] وعلى الزمان، ومنه {أية : وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ } تفسير : [يوسف: 54] إلى غير ذلك من معانيها. والمراد من الدعاء إلى الخير الدعاء إلى ما فيه صلاح ديني أو دنيوي فعطف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه في قوله سبحانه: {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } من باب عطف الخاص على العام إيذاناً بمزيد فضلهما على سائر الخيرات كذا قيل: وقال ابن المنير: ((إن هذا ليس من تلك الباب لأنه ذكر بعد العام جميع ما يتناوله إذ الخير المدعو إليه إما فعل مأمور أو ترك منهي لا يعدو واحداً من هذين حتى يكون تخصيصهما بتميزهما عن بقية المتناولات، فالأولى أن يقال فائدة هذا التخصيص ذكر الدعاء إلى الخير عاماً ثم مفصلاً، وفي تثنية الذكر على وجهين ما لا يخفى من العناية إلا إن ثبت عرف يخص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ببعض أنواع الخير وحينئذ يتم ما ذكر، وما أرى هذا العرف ثابتاً)) انتهى، وله وجه وجيه لأن الدعاء إلى الخير لو فسر بما يشمل أمور الدنيا وإن لم يتعلق بها أمر أو نهي كان أعم من فرض الكفاية ولا يخفى ما فيه، على أنه قد أخرج ابن مردويه عن الباقر رضي الله تعالى عنه قال: «حديث : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ } ثم قال: الخير اتباع القرآن وسنتي» تفسير : وهذا يدل أن الدعاء إلى الخير لا يشمل الدعاء إلى أمور الدنيا. ومن الناس من فسر الخير بمعروف خاص وهو الإيمان بالله تعالى وجعل المعروف في الآية ما عداه من الطاعات فحينئذ لا يتأتى ما قاله ابن المنير أيضاً، ويؤيده ما أخرجه ابن أبـي حاتم عن مقاتل أن الخير الإسلام والمعروف طاعة الله والمنكر معصيته، وحذف المفعول الصريح من الأفعال الثلاثة إما للإعلام بظهوره أي يدعون الناس ولو غير مكلفين ويأمرونهم وينهونهم، وإما للقصد إلى إيجاد نفس الفعل على حدّ فلان يعطي أي يفعلون الدعاء والأمر والنهي ويوقعونها، والخطاب قيل متوجه إلى من توجه الخطاب الأول إليه في رأي وهم الأوس والخزرج، وأخرج ابن المنذر عن الضحاك أنه متوجه إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وهم الرواة، والأكثرون على جعله عاماً ويدخل فيه من ذكر دخولاً أولياً، و (من) هنا قيل: للتبعيض، وقيل: للتبيين وهي تجريدية كما يقال لفلان من أولاده جند وللأمير من غلمانه عسكر يراد بذلك جميع الأولاد والغلمان. ومنشأ الخلاف في ذلك أن العلماء اتفقوا على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات ولم يخالف في ذلك إلا النزر، ومنهم الشيخ أبو جعفر من الإمامية قالوا: إنها من فروض الأعيان، واختلفوا في أن الواجب على الكفاية هل هو واجب على جميع المكلفين ويسقط عنهم بفعل بعضهم أو هو واجب على البعض؟ ذهب الإمام الرازي وأتباعه إلى الثاني للاكتفاء بحصوله من البعض ولو وجب على الكل لم يكتف بفعل البعض إذ يستبعد سقوط الواجب على المكلف بفعل غيره، وذهب إلى الأول الجمهور وهو ظاهر نص الإمام الشافعي في «الأم»، واستدلوا على ذلك بإثم الجميع بتركه ولو لم يكن واجباً عليهم كلهم لما أثموا بالترك. وأجاب الأولون عن هذا بأن إثمهم بالترك لتفويتهم ما قصد حصوله من جهتهم في الجملة لا للوجوب عليهم، واعترض عليه من طرف الجمهور بأن هذا هو الحقيق بالاستبعاد أعني إثم طائفة بترك أخرى فعلاً كلفت به./ والجواب عنه بأنه ليس الإسقاط عن غيرهم بفعلهم أولى من تأثيم غيرهم بتركهم يقال فيه: بل هو أولى لأنه قد ثبت نظيره شرعاً من إسقاط ما على زيد بأداء عمرو ولم يثبت تأثيم إنسان بترك آخر فيتم ما قاله الجمهور. واعترض القول بأن هذا هو الحقيق بالاستبعاد بأنه إنما يتأتى لو ارتبط التكليف في الظاهر بتلك الطائفة الأخرى بعينها وحدها لكنه ليس كذلك بل كلتا الطائفتين متساويتان في احتمال الأمر لهما وتعلقه بهما من غير مزية لإحداهما على الأخرى فليس في التأثيم المذكور تأثيم طائفة بترك أخرى فعلا كلفت به إذ كون الأخرى كلفت به غير معلوم بل كلتا الطائفتين متساويتان في احتمال كل أن تكون مكلفة به فالاستبعاد المذكور ليس في محله على أنه إذا قلنا بما اختاره جماعة من أصحاب المذهب الثاني من أن البعض مبهم آل الحال إلى أن المكلف طائفة لا بعينها فيكون المكلف القدر المشترك بين الطوائف الصادق بكل طائفة فجميع الطوائف مستوية في تعلق الخطاب بها بواسطة تعلقه بالقدر المشترك المستوي فيها فلا إشكال في اسم الجميع ولا يصير النزاع بهذا بين الطائفتين لفظياً حيث إن الخطاب حينئذ عم الجميع على القولين وكذا الإثم عند الترك لما أن في أحدهما دعوى التعليق بكل واحد بعينه، وفي الآخر دعوى تعلقه بكل بطريق السراية من تعلقه بالمشترك، وثمرة ذلك أن من شك أن غيره هل فعل ذلك الواجب لا يلزمه على القول بالسراية ويلزمه على القول بالابتداء ولا يسقط عنه إلا إذا ظن فعل الغير، ومن هنا يستغنى عن الجواب عما اعترض به من طرف الجمهور فلا يضرنا ما قيل فيه على أنه يقال على ما قيل: ليس الدين نظير ما نحن فيه كلياً لأن دين زيد واجب عليه وحده بحسب الظاهر ولا تعلق له بغيره فلذا صح أن يسقط عنه بأداء غيره ولم يصح أن يأثم غيره بترك أدائه بخلاف ما نحن فيه فإن نسبة الواجب في الظاهر إلى كلتا الطائفتين على السواء فيه فجاز أن يأثم كل طائفة بترك غيرها لتعلق الوجوب بها بحسب الظاهر واستوائها مع غيرها في التعلق. وأما قولهم: ولم يثبت تأثيم إنسان بأداء آخر فهو لا يطابق البحث إذ ليس المدعي تأثيم أحد بأداء غيره بل تأثيمه بترك فالمطابق ولم يثبت تأثيم إنسان بترك أداء آخر ويتخلص منه حينئذ بأن التعلق في الظاهر مشترك في سائر الطوائف فيتم ما ذهب إليه الإمام الرازي وأتباعه ـ وهو مختار ابن السبكي ـ خلافاً لأبيه، إذا تحقق هذا فاعلم أن القائلين بأن المكلف البعض قالوا: إن من للتبعيض، وأن القائلين بأن المكلف الكل قالوا: إنها للتبيين، وأيدوا ذلك بأن الله تعالى أثبت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكل الأمة في قوله سبحانه: {أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } تفسير : [آل عمران: 110] ولا يقتضي ذلك كون الدعاء فرض عين فإن الجهاد من فروض الكفاية بالاجماع مع ثبوته بالخطابات العامة فتأمل. {وَأُوْلَـٰئِكَ } أي الموصوفون بتلك الصفات الكاملة. {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } أي الكاملون في الفلاح وبهذا صح الحصر المستفاد من الفصل وتعريف الطرفين، أخرج الإمام أحمد وأبو يعلى عن درة بنت أبـي لهب قالت:حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خير الناس؟ قال: «آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله تعالى وأوصلهم للرحم»تفسير : . وروى الحسن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله تعالى وخليفة رسوله الله صلى الله عليه وسلم وخليفة كتابه، وروى ـ حديث : لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله تعالى عليكم سلطاناً ظالماً لا يجل كبيركم ولا يرحم صغيركم ويدعو خياركم فلا يستجاب لهم وتستنصرون فلا تنصرون تفسير : ـ والأمر بالمعروف يكون واجباً ومندوباً على حسب ما يؤمر به والنهي عن المنكر كذلك أيضاً إن قلنا إن المكروه منكر شرعاً، وأما إن فسر / بما يستحق العقاب عليه كما أن المعروف ما يستحق الثواب عليه فلا يكون إلا واجباً، وبه قال بعضهم إلا أنه يرد أنهما ليسا على طرفي نقيض والأظهر أن العاصي يجب عليه أن ينهى عما يرتكبه لأنه يجب عليه نهي كل فاعل وترك نهي بعض وهو نفسه لا يسقط عنه وجوب نهي الباقي وكذا يقال في جانب الأمر ولا يعكر على ذلك قوله تعالى: {أية : لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } تفسير : [الصف: 2] لأنه مؤل بأن المراد نهيه عن عدم الفعل لا عن القول ولا قوله سبحانه: {أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [البقرة: 44] لأن التوبيخ إنما هو على نسيان أنفسهم لا على أمرهم بالبر، وعن بعض السلف مروا بالخير وإن لم تفعلوا، نعم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروط معروفة محلها والأصل فيهما افعل كذا ولا تفعل كذا، والقتال ليمتثل المأمور والمنهي أمر وراء ذلك وليس داخلاً في حقيقتهما وإن وجب على بعض كالأمراء في بعض الأحيان لأن ذلك حكم آخر كما يشعر به قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع».

ابن عاشور

تفسير : هذا مفرّع عن الكلام السَّابق: لأنَّه لمّا أظهر لهم نعمة نقلهم من حالتي شقاء وشناعة إلى حالتي نعيم وكَمال، وكانوا قد ذاقوا بين الحالتين الأمَرّيْن ثُمّ الأَحْلَوَيْن، فحلبوا الدّهر أشطريه، كانوا أحرياء بأن يَسعوا بكل عزمهم إلى انتشال غيرهم من سُوء ما هو فيه إلى حُسنى ما هُم عليه حتَّى يكون النَّاس أمَّة واحدة خيِّرة. وفي غريزة البشر حبّ المشاركة في الخير لذلك تجد الصّبي إذا رأى شيئاً أعجبه نادى من هو حوله ليراه معه. ولذلك كان هذا الكلام حرياً بأن يعطف بالفاء، ولو عطف بها لكان أسلوباً عربياً إلاّ أنّه عُدل عن العطف بالفاء تنبيهاً على أن مضمون هذا الكلام مقصود لذاته بحيث لو لم يسبقه الكلام السابق لكان هو حريّاً بأن يؤمر به، فلا يكونُ مذكوراً لأجل التفرّع عن غيره والتبع. وفيه من حسن المقابلة في التَّقسيم ضرب من ضروب الخطابة: وذلك أنَّه أنكر على أهل الكتاب كفرهم وصدّهم النَّاس عن الإيمان، فقال: {أية : قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله}تفسير : [آل عمران: 98، 99] الآية. وقابل ذلك بأن أمر المؤمنين بالإيمان والدعاء إليه إذ قال: {أية : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته}تفسير : [آل عمران: 102] وقوله: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} الآية. وصيغة {ولتكن منكم أمَّة} صيغة وجوب لأنَّها أصرح في الأمر من صيغة افعلوا لأنَّها أصلها. فإذا كان الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر غير معلوم بينهم من قبل نزوللِ هذه الآية، فالأمرُ لتشريع الوجوب، وإذا كان ذلك حاصلاً بينهم من قبل كما يدلّ عليه قوله: {أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}تفسير : [آل عمران: 110] فالأمر لتأكيد ما كانوا يفعلونه ووجوبه، وفيه زيادة الأمر بالدّعوة إلى الخير وقد كان الوجوب مقرّراً من قبل بآيات أخرى مثل: {أية : وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}تفسير : [العصر: 3]، أو بأوامر نبويَّة. فالأمر لتأكيد الوجوب أيضا للدلالة على الدّوام والثبات عليه، مثل {أية : يأيها الذين آمنوا آمنوا باللَّه}تفسير : [النساء: 136]. والأمَّة الجماعة والطائفة كقوله تعالى: {أية : كلما دخلت أمة لعنت أختها}تفسير : [الأعراف: 38]. وأصل الأمَّة في كلام العرب الطَّائفة من النَّاس الَّتي تؤمّ قصداً واحداً: من نسب أو موطن أو دين، أو مجموع ذلك، ويتعيّن ما يجمعها بالإضافة أو الوصف كقولهم: أمَّة العرب وأمّة غسان وأمّة النصارى. والمخاطب بضمير (منكم) إن كان هم أصحابَ رسول الله كما هو ظاهر الخطابات السابقة آنِفاً جاز أن تكون (مِن) بَيانيَّة وَقُدّم البيانُ على المبيَّن ويكون ما صْدق الأمّة نفس الصّحابة، وهم أهل العصر الأول من المسلمين فيكون المعنى: ولتكونوا أمَّة يدعون إلى الخير فهذه الأمَّة أصحاب هذا الوصف قد أمروا بأن يكوِّنوا من مجموعهم الأمَّة الموصوفة بأنهم يدعون إلى الخير، والمقصود تكوين هذا الوصف، لأنّ الواجب عليهم هو التَّخلق بهذا الخلق فإذا تخلّقوا به تكوّنت الأمَّة المطلوبة. وهي أفضل الأمم. وهي أهل المدينة الفاضلة المنشود للحكماء من قبل، فجَاءت الآية بهذا الأمر على هذا الأسلوب البليغ الموجز. وفي هذا محسِّن التجريد: جُرّدت من المخاطبين أمَّة أخرى للمبالغة في هذا الحكم كما يقال: لِفلان من بنيه أنصار. والمقصود: ولتكونوا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر حتَّى تكونوا أمَّة هذه صفتها، وهذا هو الأظهر فيكون جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خوطبوا بأن يكونوا دعاة إلى الخير، ولا جرم فهم الَّذين تلقوا الشَّريعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، فهم أولى النَّاس بتبليغها. وأعلم بمشَاهِدها وأحوالها، ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة: «حديث : ليبلغ الشاهد الغائب أَلاَ هل بلّغت»تفسير : وإلى هذا المحمل مال الزجاج وغير واحد من المفسّرين، كما قاله ابن عطية. ويجوز أيضاً على اعتبار الضّمير خطابا لأصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم أن تكون (من) للتبعيض، والمراد من الأمّة الجماعة والفريق، أي: وليكن بعضكم فريقاً يدعون إلى الخير فيكون الوجوب على جماعة من الصّحابة فقد قال ابن عطية: قال الضّحاك، والطبري: أمر المؤمنين أن تكون منهم جماعة بهذه الصّفة. فهم خاصّة أصحاب الرسول وهم خاصّة الرواة. وأقول: على هذا يثبت حكم الوجوب على كلّ جيل بعدهم بطريق القياس لئلا يتعطّل الهدى. ومن النَّاس من لا يستطيع الدّعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر قال تعالى: {أية : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم}تفسير : [التوبة: 122] الآية. وإن كان الخطاب بالضّمير لجميع المؤمنين تبعاً لكون المخاطب بيَأيها الّذين آمنوا إيَّاهم أيضاً، كانت (مِنْ) للتبعيض لا محالة، وكان المراد بالأمّة الطائفة إذ لا يكون المؤمنون كُلّهم مأمورين بالدعاء إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بل يكون الواجب على الكفاية وإلى هذا المعنى ذهب ابن عطية، والطبري، ومن تبعهم، وعلى هذا فيكون المأمور جماعة غير معيّنة وإنما المقصود حصول هذا الفعل الَّذى فُرض على الأمَّة وقُوعُه. على أنّ هذا الاعتبار لا يمنع من أن تكون (مِن) بيانية بمعنى أن يكونوا هم الأمّة ويكون المراد بكونهم يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، إقامة ذلك فيهم وأن لا يخلُوا عن ذلك على حسب الحاجة ومقدار الكفاءة للقيام بذلك، ويكون هذا جارياً على المعتاد عند العرب من وصف القبيلة بالصّفات الشائعة فيها الغالبة على أفرادها كقولهم: بَاهِلَة لِئَام، وعُذْرةُ عُشَّاق. وعلى هذه الاعتبارات تجري الاعتبارات في قوله: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا} كما سيأتي. إنّ الدعوة إلى الخير تتفاوت: فمنها ما هو بيّن يقوم به كلّ مسلم، ومنها ما يحْتاج إلى علم فيقوم به أهله، وهذا هو المسمّى بفرض الكفاية، يعني إذا قام به بعض النَّاس كفَى عن قيام الباقين، وتتعيَّن الطائفة الَّتي تقوم بها بتوفّر شروط القيام بمثل ذلك الفعل فيها. كالقوة على السلاح في الحرب، وكالسباحة في إنقاذ الغريق، والعلم بأمور الدّين في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وكذلك تَعيّن العدد الَّذي يكفي للقيام بذلك الفعل مثل كون الجيش نصفَ عدد جيش العدوّ، ولمَّا كان الأمر يستلزم متعلِّقاً فالمأمور في فرض الكفاية الفريق الّذين فيهم الشروط، ومجموعُ أهل البلد، أو القبيلة، لتنفيذ ذلك، فإذا قام به العدد الكافي ممّن فيهم الشروط سقط التكليف عن الباقين، وإذا لم يقوموا به كان الإثم على البلد أو القبيلة، لسكوت جميعهم، ولتقاعس الصَّالحين للقيام بذلك، مع سكوتهم أيضا ثمّ إذا قام به البعض فإنَّما يُثاب البعض خاصّة. ومعنى الدعاء إلى الخير الدعاء إلى الإسلام، وبثّ دعوة النّبي صلى الله عليه وسلم فإنّ الخير اسم يجمع خصال الإسلام: ففي حديث حذيفة بن اليَمان «حديث : قلت: يا رسول الله، إنّا كنّا في جاهلية وشَرّ فجاءَنا الله بهذا الخيْرِ فهل بعد هذا الخير من شرّ»تفسير : الحديث، ولذلك يكون عطف الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر عليه من عطف الشيء على مغايره، وهو أصل العطف.وقيل: أريد بالخير ما يشمل جميع الخيرات، ومنها الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، فيكون العطف من عطف الخاصّ على العامّ للاهتمام به. وحذفت مفاعيل يَدعون ويأمرون وَيَنهَوْن لقصد التَّعميم أي يَدعون كلّ أحد كما في قوله تعالى: {أية : واللَّهُ يدعو إلى دار السَّلام}تفسير : [يونس: 25]. والمعروف هو ما يعرف وهو مجاز في المقبول المرضي به، لأنّ الشيء إذا كان معروفاً كان مألوفاً مقبولاً مرضيّاً به، وأريد به هنا ما يُقبل عند أهل العقول، وفي الشَّرائع، وهو الحقّ والصلاح، لأنّ ذلك مقبول عند انتفاء العوارض. والمنكر مجاز في المكروه، والكُرْه لازم للإنكار لأنّ النكر في أصل اللِّسان هو الجهل ومنه تسمية غير المألوف نكرة، وأريد به هنا الباطل والفساد، لأنَّهما من المكروه في الجبلّة عند انتفاء العوارض. والتَّعريف في (الخير ـــ والمعروف ـــ والمنكر) تعريف الاستغراق، فيفيد العموم في المعاملات بحسب ما ينتهي إليه العلم والمقدرة فيُشبه الاستغراق العرفي. ومن المفسّرين من عيّن جعل (مِن) في قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة} للبيان، وتأوّل الكلام بتقدير تقديمِ البيان على المبيَّن فيَصِير المعنى: ولتكن أمَّة هي أنتم أي ولتكونوا أمَّة يدعون محاولة للتسويَّة بين مضمون هذه الآية، ومضمون قوله تعالى: {أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف}تفسير : [آل عمران: 110] الآية. ومساواة معنيي الآيتين غير متعيّنة لِجواز أن يكون المراد من خير أمَّة هاته الأمَّة، الَّتي قامت بالأمر بالمعروف، على ما سنبيِّنه هنالك. والآية أوجبت أن تقوم طائفة من المسلمين بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ولا شكّ أن الأمر والنَّهي من أقسام القول والكلام، فالمكلّف به هو بيان المعروف، والأمر به، وبيان المنكر، والنَّهي عنه، وأمَّا امتثال المأمورين والمنهيين لذلك، فموكول إليهم أو إلى ولاة الأمور الَّذين يحملونهم على فعل ما أمروا به، وأمَّا ما وقع في الحديث: «حديث : من رأى منكم منكراً فَلْيُغَيِّرْه بيدِه، فإنْ لم يَسْتَطِعْ فبِلِسانه فإن لم يستطع فبقلبه»تفسير : فذلك مرتبةُ التغيير، والتَّغييرُ يكون باليد، ويكون بالقلب، أي تمنّى التَّغيير، وأمَّا الأمر والنَّهي فلا يكونان بهما. والمعروف والمنكر إن كانا ضروريين كان لكلّ مسلم أن يأمر وينهى فيهما، وإن كانا نظريَّيْن، فإنَّما يقوم بالأمر والنَّهي فيهما أهل العلم. وللأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر شروط مبيّنة في الفقه والآداب الشرعية، إلاّ أنِّي أنبِّه إلى شرط ساء فهم بعض النَّاس فيه وهو قول بعض الفقهاء: يشترط أن لا يجرّ النَّهي إلى منكر أعظم. وهذا شرط قد خرم مزيّة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، واتّخذه المسلمون ذريعة لترك هذا الواجب. ولقد ساء فهمهم فيه إذا مراد مشترطِه أن يتحقَّق الآمر أنّ أمره يجرّ إلى منكر أعظم لاَ أن يخاف أو يتوهّم إذ الوجوب قطعي لا يعارضه إلاّ ظنّ أقوى. ولمّا كان تعيين الكفاءة للقيام بهذا الفرض، في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، لتوقّفه على مراتب العلم بالمعروف والمنكر، ومراتب القدرة على التَّغيير، وإفهام النَّاس ذلك، رأَى أيمة المسلمين تعيين ولاة للبحث عن المناكر وتعيين كيفية القيام بتغييرها، وسمّوا تلك الولاية بالحسبة، وقد أولى عمر بن الخطَّاب في هاته الولاية أم الشَفاء، وأشهر من وليها في الدولة العبَّاسيَّة ابن عائشة، وكان رجلاً صلباً في الحق، وتسمّى هذه الولاية في المغرب ولاية السوق وقد وليها في قرطبة الإمام محمَّد بن خالد بن مَرْتَنِيل القرطبي المعروف بالأشجّ من أصحاب ابن القاسم توفِّي سنة 220. وكانت في الدولة الحفصيَّة ولاية الحسبة من الولايات النبيهة وربَّما ضمّت إلى القضاء كما كان الحال في تونس بعد الدولة الحفصيَّة. وجملة {وأولئك هم المفلحون} معطوفة على صفات أمَّة وهي الَّتي تضمّنتها جُمَلُ {يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} والتقدير: وهم مفلحون: لأن الفلاح لمّا كان مسبّباً على تلك الصفّات الثلاث جعل بمنزلة صفة لهم، ويجوز جعل جملة {وأولئك هم المفلحون} حالاً من أمَّة، والواو للحال. والمقصود بشارتهم بالفلاح الكامل إن فعلوا ذلك. وكان مقتضى الظاهر فصل هذه الجملة عمّا قبلها بدون عطف، مثل فصل جملة {أية : أولئك على هدى من ربِّهم}تفسير : [البقرة: 5] لكن هذه عُطفت أو جاءت حالاً لأن مضمونها جزاء عن الجمل الَّتي قبلها، فهي أجدر بأن تُلحق بها. ومفاد هذه الجملة قصر صفة الفلاح عليهم، فهو إمّا قصر إضافي بالنّسبة لمن لم يقم بذلك مع المقدرة عليه وإمّا قصر أريد به المبالغة لعدم الاعتداد في هذا المقام بفلاح غيرهم، وهو معنى قصد الدّلالة على معنى الكمال. وقوله: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا} معطوف على قوله: {ولتكن منكم أمة} وهو يرجع إلى قوله ـــ قبلُ ـــ: {أية : ولا تفرقوا}تفسير : [آل عمران: 103] لما فيه من تمثيل حال التفرّق في أبشع صوره المعروفة لديهم من مطالعة أحوال اليهود. وفيه إشارة إلى أن ترك الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر يفضي إلى التفرّق والاختلاف إذ تكثر النزعات والنزغات وتنشقّ الأمَّة بذلك انشقاقاً شديداً. والمخاطب به يجري على الاحتمالين المذكورين في المخاطب بقوله: {ولتكن منكم أمة} مع أنّه لا شكّ في أن حكم هذه الآية يعمّ سائر المسلمين: إمَّا بطريق اللَّفظ، وإمَّا بطريق لَحْن الخطاب، لأن المنهي عنه هو الحالة الشبيهة بحال الَّذين تفرّقوا واختلفوا. وأريد بالّذين تفرّقوا واختلفوا الَّذين اختلفوا في أصول الدّين، من اليهود والنَّصارى، من بعد ما جاءهم من الدلائل المانعة من الاختلاف والافتراق. وقدّم الافتراق على الاختلاف للإيذان بأن الاختلاف علّة التفرّق وهذا من المفادات الحاصلة من ترتيب الكلام وذكر الأشياء مع مقارناتها، وفي عكسه قوله تعالى: {أية : واتقوا اللَّه ويعلمكم اللَّه}تفسير : [البقرة: 282]. وفيه إشارة إلى أنّ الاختلاف المذموم والَّذي يؤدّي إلى الافتراق، وهو الاختلاف في أصول الدّيانة الَّذي يفضي إلى تكفير بعض الأمَّة بعضاً، أو تفسيقه، دون الاختلاف في الفروع المبنيّة على اختلاف مصالح الأمَّة في الأقطار والأعصار، وهو المعبّر عنه بالاجتهاد. ونحن إذا تقصّينا تاريخ المذاهب الإسلاميَّة لا نجد افتراقاً نشأ بين المسلمين إلا عن اختلاف في العقائد والأصول، دون الاختلاف في الاجتهاد في فروع الشَّريعة. والبيِّنات: الدلائل الَّتي فيها عصمة من الوقوع في الاختلاف لو قيضت لها أفهام. وقوله: {وأولئك لهم عذاب عظيم} مقابل قوله في الفريق الآخر: {وأولئك هم المفلحون} فالقول فيه كالقول في نظيره، وهذا جزاء لهم على التفرّق والاختلاف وعلى تفريطهم في تجنّب أسبابه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الأمة: أفراد من البشر أو غيرهم تربطهم رابطة جنس أو لغة أو دين ويكون أمرهم واحداً والمراد بالأمة هنا المجاهدون وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الخير: الإِسلام وكل ما ينفع الإِنسان في حياته الأولى والآخرة من الإِيمان والعمل الصالح. المعروف: المعروف كل ما عرفه الشرع فأمر به لنفعه وصلاحه للفرد أو الجماعة. المنكر: ضد المعروف، وهو ما نهى عنه الشرع لضرر وإفساد، للفرد أو الجماعة. الذين تفرقوا: هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى. يوم تبيض وجوه: هذا يوم القيامة. ففي رحمة الله: رحمة الله هنا: الجنّة جعلنا الله تعالى من أهلها، آمين. تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق: هذه آياتنا نقرأها عليك متلبسة بالحق، لا باطل أبداً. وإلى الله ترجع الأمور: إلى الله تصير الأمور فيقضي فيها بما يشاء ويحكم ما يريد فضلاً وعدلاً. معنى الآيات: بعدما أمر الحق تبارك وتعالى عباده المؤمنين بتقواه والتمسك بدينه ونهاهم عن الفرقة والاختلاف وحضهم على ذكر نعمه ليشكروها بطاعته أمرهم في هذه الآية [104] بأن يوجدوا من أنفسهم جماعة تدعو إلى الإِسلام وذلك بعرضه على الأمم والشعوب ودعوتهم إلى الدخول فيه، كما تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر في ديار الإِسلام وبين أهله فقال تعالى مخاطباً إياهم، ولتكن منكم أي يجب أن تكون منكم طائفة يدعون إلى الخير أي الإِسلام، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وبشرهم بأن الأمة التي تنهض بهذا الواجب هي الفائزة بسعادة الدنيا والآخرة فقال: فأولئك هم المفلحون الفائزون بالنجاة من العار والنار، وبدخول الجنة مع الأبرار. وفي الآيات [105] [106] [107] نهاهم أن يسلكوا طريق أهل الكتاب في التفرق في السياسة والاختلاف في الدين فيهلكوا هلاكهم فقال تعالى: مخاطباً إياهم: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} فلا ينبغي أن يكون العلم والمعرفة بشرائع الله سبباً في الفرقة والخلاف، وهما أداة الواحدة والائتلاف، وأعلمهم بجزاء المختلفين من أهل الكتاب ليعتبروا فلا يختلفوا ولا يتفرقوا فقال تعالى: وأولئك لهم عذاب عظيم لا يقادر قدره ولا يعرف مداه، وأخبرهم عن موعد حلول هذا العذاب العظيم بهم وأنه يوم القيامة حينما تبيض وجوه المؤمنين المؤتلفين القائمين على الكتاب والسنة، وتسود وجوه الكافرين المختلفين القائمين على البدع والأهواء، فقال تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} وبيّن جزاء الفريقين فقال: فأما الذين اسودت وجوههم من سوء ما عاينوه من أهوال الموقف وما أيقنوا أنهم صائرون إليه من عذاب النار فيقال لهم تقريعاً وتوبيخاً: أكفرتم بعد إيمانكم؟ إذ هذه وجوه من تلك حالهم، فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون بالله وشرائعه. وأما الذين ابيضت وجوههم فلم يطل في الهول موقفهم حتى يدخلوا جنة ربهم قال تعالى: {فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. وفي الآية [108] شرف الله تعالى نبيّه محمداً صلى الله عليه وسلم بخطابه والوحي إليه فقال: {تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ} أي هذه الآيات المتضمنة للهدى والخير نقرأها عليك بالحق الثابت الذي لا مرية فيه، ولا شك يعترية فبلغها عنا وادع بها إلينا فمن استجاب لك نجا ومن أعرض هلك، وما الله يريد ظلماً للعالمين. فلا يعذب إلا بعد الإِعلام والإِنذار. وفي الآية الأخيرة [109] يخبر تعالى أنه له ملك السماوات والأرض خلقاً وتصرفاً وتدبيراً، وأن مصير الأمور إليه وسيجزي المحسن بالحسنى والمسيء بالسُّوأى. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب وجود طائفة من أمة الإِسلام تدعو الأمم والشعوب إلى الإِسلام وتعرضه عليهم وتقاتلهم إن قاتلوها عليه، ووجوب وجود هيآت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل مدن وقرى المسلمين. 2- حرمة الفرقة بين المسلمين والاختلاف في دين الله. 3- أهل البدع والأهواء يعرفون في عرصات القيامة باسوداد وجوههم. 4- أهل السنة والجماعة وهم الذين يعيشون عقيدة وعبادة على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعرفون يوم العرض بابيضاض وجوههم. 5- كرامة الرسول على ربّه وتقرير نبوّته. وشرف من آمن به واتبع ما جاء به. 6- مرد الأمور إلى الله تعالى في الدنيا والآخرة فيجب على عقلاء العباد أن يتخذوا لهم عند الله عهداً بالإِيمان به وتوحيده في عبادته بتحقيق لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

القطان

تفسير : الأمة: الجماعة. الخير: ما فيه صلاح الناس في الدين والدنيا وهنا هو الإسلام. المعروف: ما استحسنه الشرع والعقل. بعد أن أرشد الكتاب المؤمنين الى صلاح أنفسهم، وتزكيتها بالعمل بتقوى الله والتمسك بحبله المتين - بين لهم واجبهم الذي يقوم على القاعدتين اللتين مر ذكرهما: الإيمان بالله، والأُخوة في الله. وهذا واجب ضروري لإقامة دين الله على الأرض، وتغليب الحق على الباطل. لذلك وجب على المسلمين ان تكون فيهم جماعة متميِّزة تقوم بالدعوة الى الخير وصلاح البشرية. ويجب ان تكون هذه الطائفة معيّنة من قبل الحاكم وان تتمتع بالسلطة الكافية لإنجاز ذلك، وان يقوم كل واحدٍ منها باختصاصه حتى لا تحدث الفوضى وتضطرب الأمور. هذا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكليف عسير يتطلب القيامُ به مؤمنين حقا، متحلّين بالخُلق العظيم والصبر والفهم والمرونة، لأنهم سوف يصطدمون بأصحاب المصالح وذوي النفوذ والكبرياء والغرور. وعلى هذا فلا بد من اختيار جماعة يكون عملها خالصاً لوجه الله ويؤتي ثمره على أحسن الوجوه، حتى يصدق على افرادها قوله تعالى {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}. وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه "أفضلُ الجهاد الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن غضِب لله غضب الله له". قال تعالى {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} تفسير : [المائدة: 105]. "والمراد بالخير هنا الإسلام، وبالمعروف طاعة الله، وبالمنكر معصيته، ومحصل المعنى أنه لا بد من وجود جماعة تدعو غير المسلمين الى الإسلام، وتدعو المسلمين الى ما يرضي الله، ويثيب عليه، وترك ما يغضبه، ويعاقب عليه. ولفظ (منكم) في الآية قرينة على ان وجوب الأمر بالمعروف على سبيل الكفاية، دون العين، إذا قام به البعض سقط عن الكل. وليس من الضروري أن يكون القائم بهذه المهمة عادلاً، بحيث لا يجوز للفاسق أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر.. كلا، لأمرين: الأول ان شرط الحكم تماماً كالحكم لا يثبت الا بدليل، ولا دليل على شرط العدالة هنا لا من الكتاب، ولا من السنة، ولا من العقل. الثاني ان حكم الآمر بالمعروف لا يناط بطاعة أو معصية غيره من الأحكام. وكثير من الفقهاء اشترطوا لوجوب الأمر بالمعروف أن يكون الآمر آمناً على نفسه، بحيث لا يصيبه أي ضرر اذا أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر. ولكن هذا الشرط لا يطّرد في جميع الموارد، فإن قتال من يحاربنا من أجل ديننا وبلادنا واجب، مع العلم بأن القتال يستدعي الضرر بطبعه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ} تفسير : [التوبة: 111]. ويجوز لكل انسان أن يضحي بحياته إذا تيقن ان في هذه التضحية مصلحة عامة، وفائدة للعباد والبلاد أهم وأعظم من حياته، بل هو مشكور عند الله والناس، وفي الحديث: "حديث : أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ". تفسير : وخلاصة القول: يجب دفع الضرر حتى لو كانت له فائدة في الأصل، كما يجوز للانسان أن يقدم على قطع عضو سقيم من أعضائه، حرصاً على حياته، وخوفاً على نفسه من الهلاك. هذا، الى ان للأسلوب أثره البالغ، فبعض الأساليب تُنفّر من الحق، وتجر على صاحبها المتاعب والويلات، وبعضها تفرض الفكرة على سامعها فرضاً من حيث لا يشعر.. والعاقل الحكيم يعطي لكل مقام ما يناسبه من القسوة واللين. وقد كان فرعون في أوج سلطانه وطغيانه، ولم يكن لموسى وهارون ناصر ولا معين، ومع ذلك أمرهما ان يدعواه الى الحق، ولكن بأسلوب هين لين.. حتى خالق الكون جلّت كلمته يخاطب عباده تارة بأسلوب التهديد والوعيد، ويقول لهم: {أية : إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 65]. وتارة يقول لهم برفق: {أية : أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النور: 22]. وبالجملة ان اعلان الدعوة الإسلامية على الملأ، وتآمر المسلمين فيما بينهم بالمعروف، وتناهيهم عن المنكر - ان هذا ركيزة من ركائز الإسلام، ومن ثم يحتم وجود فئة معينة تقوم بهذه المهمة، تماماً كما يحتم وجود سلطة تحافظ على الأمن والنظام، وفئة تختص بالصناعة، وأخرى بالزراعة، وما إلى ذاك مما لا تتم الحياة إلا به. وهذا الأصل من الأصول الأساسية لكل دين، ولكل مذهب، وكل مبتدأ، ولو كان زمنياً، لأنه الوسيلة المجدية لبث الدعوة وانتصارها، وردع أعدائها.. ولا شيء أدل على ذلك من اهتمام أصحاب المذاهب السياسية والاقتصادية بوسائل الاعلام، وتطورها وبذل الملايين في سبيلها، ومن وقوف الدعاية بشتى أساليبها مع المدفع جنباً الى جنب، وما ذاك إلا لأنهم أدركوا بتجاربهم ان الرأي العام أمضى سلاحاً، وأقوى أثراً من الصواريخ والقنابل. وقد اشتهر عن أحد أقطاب الحلفاء بعد انتصارهم في الحرب العالمية انه قال: "لقد انتصرنا في المعرفة بقنابل من ورق". يعني الصحف والنشرات. وتسأل: كيف تجمع بين قوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} وبين قوله سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} تفسير : [المائدة: 105]، حيث أفادت الأولى وجوب الأمر بالمعروف، ودلت الثانية على عدم وجوبه بقرينة (عليكم أنفسكم)؟ الجواب: المقصود بالآية الثانية ان من قام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه المطلوب فلا يضره ضلال من ضل، واعراض من أعرض، ما دام قد ادى ما عليه: {أية : فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} تفسير : [الرعد: 40]. سؤال ثانٍ: لقد اشتهر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) انه قال: "حديث : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"تفسير : . وهذا الترتيب يتنافى مع ما هو معروف شرعاً وعقلاً وعرفاً من أن تغيير المنكر انما يبتدئ أولاً باللسان، فإن لم يُجدِ فبالحرب، فما هو الوجه لقول الرسول الأعظم؟. الجواب: فرق بعيد بين تغيير المنكر، وبين النهي عن المنكر، فإن النهي عن المنكر يكون قبل وقوعه - في الغالب - فهو أشبه بالوقاية، كما لو احتملت ان شخصاً يفكر بالسرقة، فتنهاه عنها. أما تغيير المنكر فيكون بعد وقوعه، كما لو علمت ان شخصاً سرق محفظة الغير، فان كنت قادراً على انتزاعها من السارق، وردها الى صاحبها وجب عليك أن تباشر ذلك بنفسك إذا انحصر الرد بفعلك خاصة، ولم يلحقك أي ضرر، فإن لم تستطع وجب عليك ان تأمر السارق برد المحفظة الى صاحبها، وتنهاه عن امساكها، فإن لم تستطع مقتَّ السارق، ولم ترض بفعله بينك وبين ربك.. وموضوع الحديث النبوي تغيير المنكر، لا النهي عن المنكر".

د. أسعد حومد

تفسير : {وَأُوْلَـٰئِكَ} (104) - لِتَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ جَمَاعَةٌ مُتَخَصِّصَةٌ مُتَمَيِّزَةٌ تَعْرِفُ أسْرَارَ الأحْكَامِ، وَحِكْمَةَ التَّشْرِيعِ وَفِقْهَهُ، تَتَولَّى القِيَامَ بِالدَّعْوَةِ إلى الدِّين، وَتَأمُرُ بِالمَعْروفِ، وَتُحَارِبُ المُنْكَرَ، وَتَنْهَى عَنْهُ، وَمِنْ وَاجِبِ كُلِّ مُسْلِمِ أنْ يُحَارِبَ المُنْكَرَ مَا اسْتَطَاعَ إلى ذَلِكَ. وَهَؤُلاءِ هُمُ الفَائِزُونَ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ. الأمَّةُ - الجَمَاعَةُ. المَعْرُوفُ - مَا اسْتَحْسَنَهُ الشَّرْعُ وَالعَقْلُ. المُنْكَرِ - مَا تُنْكِرُهُ النُّفُوسُ.

الثعلبي

تفسير : {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ} أي ولتكونوا أُمة من صلة، كقوله {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ}تفسير : ، [الحج: 30] ولم يرد اجتناب رجس الأوثان وإنما فاجتنبوا الأوثان وإنها رجس. واللام في قوله {وَلْتَكُن} لام الأمر. {يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ}: الإسلام {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}، وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: سمعنا ابن الزبير يقرأ: (ولتكن منكم أُمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون على ما أصابهم). وروي مثله عن عثمان [..........]. فصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر روى حسان بن سليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه ". تفسير : وعن عبد الله بن عمر عن درة بنت أبي لهب قالت: حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال: يا رسول الله من خير الناس؟ قال: "أَأْمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأتقاهم لله تعالى، وأوصلهم لأرحامه" . تفسير : عن ابن عباس قال: قلنا: حديث : يا رسول الله، ما نعمل نأتمر بالمعروف حتى لا يبقى من المعروف شيء إلاّ ائتمرنا به، وننتهي عن المنكر حتى لا يبقى من المنكر شيء إلاّ انتهينا عنه، ولم نأمر بالمعروف ولم ننه عن المنكر، فقال: "مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه كله" . تفسير : الشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مثل الفاسق في القوم كمثل قوم ركبوا سفينة فاقتسموها فصار لكل إنسان منها نصيب فأخذ رجل منهم فأساً فجعل ينقر في موضعه، وقال له أصحابه: أي شيء تصنع، تريد أن تغرق وتغرقنا؟ قال: هو مكاني، فإن أخذوا على يده نجوا ونجا وإن تركوه غرق وغرقوا ". تفسير : وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "حديث : أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشنآن الفاسقين؛ فمن أمر بالمعروف شدّ ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق، ومن شنأ المنافقين وغضب لله عز وجل غضب الله تعالى له ". تفسير : وقال أبو الدرداء: لتأمرنّ بالمعروف ولتنهوُنّ عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم سلطاناً ظالماً لا يجلّ كبيركم ولا يرحم صغيركم ويدعو خياركم فلا يستجاب لهم، ويستنصرون فلا ينصرون، ويستغفرون فلا يغفر لهم. وقال حذيفة اليماني: يأتي على الناس زمان لئن يكون فيهم جيفة حمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. وقال الثوري: إذا كان الرجل مُحبّباً في جيرانه محموداً عند القوم فاعلم أنه مداهن. {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ} الآية قال أكثر المفسرين: هم اليهود والنصارى. وقال بعضهم: هم المبتدعة من هذه الأُمّة. عن عبد الله بن شدّاد قال: وقف أبو أُمامة وأنا معه على رؤوس الحرورية بالشام عند باب حمص أو دمشق فقال لهم كلاب النار، كلاب النار مرتين أو ثلاثة شرّ قتلى تظل السماء وخير قتلى قتلاهم. [قيل]: أشيء من قبل رأي رأيته أو شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن هو من جل رأي رأيته، إني إذن لجريء إن لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ مرة أو مرتين حتى عدّ سبع مرات ما حدثت به. فقال رجل فإني رأيتك دمعت عيناك. قال: هي رحمة رحمتهم إنهم كانوا مؤمنين فكفروا بعد إيمانهم، ثم قرأ {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ} إلى قوله {بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} ثم قال: هم الحرورية. وروى قبيصة عن جابر أن عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) لما نزل بباب من أبواب دمشق يقال له الجابية، حمد الله فأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كمقامي فيكم ثم قال: "حديث : من سرّه بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الفذ وهو من الاثنين أبعد ". تفسير : {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}، {يَوْمَ} نصب على الظرف، أي في يوم، وانتصاب الظرف على التشبيه بالمفعول وقرأ يحيى بن وثّاب (تِبيض وتِسود) بكسر التاءين على لغة تميم. وقرأ الزهري: (تبياض وتسواد). فأما الذين [اسوادت]. و(المعنى) تبيض وجوه المؤمنين، وتسود وجوه الكافرين. وقيل: يوم تبيض وجوه المخلصين، وتسود وجوه المنافقين. وقال عطاء: تبيض وجوه المهاجرين والأنصار، وتسود وجوه قريظة والنضير. سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} قال: تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدعة. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: إذا كان يوم القيامة رفع لكل قوم مما كانوا يعبدونه فيسعى كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، وهو قوله تعالى: {أية : نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ} تفسير : [النساء: 115]، فإذا انتهوا إليه حزنوا فيسود وجوههم من الحزن. ويبقى أهل القبلة واليهود والنصارى لم يعرفوا شيئاً مما رفع لهم، فيأتهم الله عز وجل فيسجد له من كان سجد في دار الدنيا مطيعاً مؤمناً، ويبقى أهل الكتاب والمنافقون كأنهم لا يستطيعون السجود ثم يؤذن لهم فيرفعون رؤوسهم ووجوه المؤمنين مثل الثلج بياضاً، والمنافقون وأهل الكتاب قيام كأن في ظهورهم السفافيد فإذا نظروا إلى وجوه المؤمنين وبياضها حزنوا حزناً شديداً واسودت وجوههم فيقولون: ربنا سوّدت وجوه من يعبد غيرك فما لنا مسودة وجوهنا فوالله ربنا ما كنا مشركين؟ فيقول الله للملائكة: انظروا كيف كذبوا على أنفسهم. وقال أهل المعاني: ابيضاض الوجوه: إشراقها واستبشارها وسرورها بعملها وثواب الله عز وجل، واسودادها حزنها وكآبتها وكسوفها بعملها وبعذاب الله تعالى يدل عليه: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} تفسير : [يونس: 26] الآية وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} تفسير : [يونس: 27]، وقوله: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ} تفسير : [القيامة: 22]، {أية : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ} تفسير : [القيامة: 24]. ثم بين حالهم ومآلهم فقال {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ}، فيه اختصار يعني: فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم؟ واختلفوا فيه؛ فروى الربيع عن أبي العالية عن أُبيّ بن كعب أنهم كل من كفر بعد إيمانه بالله يوم الميثاق حين أخرجهم من صلب آدم(عليه السلام) وقال لهم: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172]، فيعرفهم الله عز وجل يوم القيامة بكفرهم فيقول: {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} يوم الميثاق. قال الحسن: هم المنافقون أعطوا كلمة الإيمان بألسنتهم، وأنكروها بقلوبهم وأعمالهم. وقال يونس بن أبي مسلم: سألت عكرمة عن هذه الآية فقال: لو فسرتها لم أخرج من تفسيرها ثلاثة أيام، ولكني سأُجمل لك: هؤلاء قوم من أهل الكتاب كانوا مصدقين بأنبيائهم، مصدقين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، ولما بعث كفروا به، فذلك قوله {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}. وقال الآخرون: هم من أهل ملتنا. قال الحارث الأعور: سمعت علياً (رضي الله عنه) على المنبر يقول: "إن الرجل ليخرج من أهله فما يؤوب إليهم حتى يعمل عملاً يستوجب به الجنة، وإنّ الرجل ليخرج من أهله فما يعود إليهم حتى يعمل عملاً يستوجب به النار". ثمّ قرأ {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} الآية. ثم نادى الذين كفروا بعد الإيمان [أكفرتم]، يدل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يأتي على أُمتي زمان يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً يبيع دينه بعرض يسير من الدنيا ". تفسير : وقال أبو أُمامة الباهلي: هم الخوارج. وقال قتادة: هم أهل البدع كلهم. ودليل هذه التأويلات قوله: {أية : وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} تفسير : [الزمر: 60] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليردنّ الحوض من صحبتي أقوام حتى إذا رأيتهم اختلجوا دوني، فلأقولن: أصحابي، أصحابي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى ". تفسير : {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ} هؤلاء أهل طاعته والوفاء بعهده، {فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ}: جنّة الله {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} إلى {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ} فيعاقبهم بلا جرم. {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ * كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ} الآية قال عكرمة ومقاتل: نزلت في ابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ وسالم مولى أبي حذيفة، وذلك أن ابن الصيف ووهب بن يهود اليهوديين قالا لهم: إن ديننا خير مما تدعوننا إليه ونحن خير وأفضل منكم. فأنزل الله تعالى هذه الآية. سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} هم الذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. وروى جويبر عن الضحاك قال: هم أصحاب محمد خاصة الرواة الدعاة الذين أمر الله عز وجل بطاعتهم. يدل عليه ما روى السدي أن عمر الخطاب قال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}، قال: تكون لأولنا ولا تكون لآخرنا. وعن عمر بن الحصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : طوبى لمن رآني ولمن رأى من رآني ولمن رأى من رأى من رأى من رآني ". تفسير : الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهباً ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه ". تفسير : وقال آخرون: هم جمع المؤمنين من هذه الأُمة وقوله: {كُنْتُمْ} يعني أنتم كقوله: {أية : مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} تفسير : [مريم: 29] أي من هو في المهد. وإدخال (كان) واسقاطه في مثل هذا المعنى واحد، كقوله: {أية : وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً} تفسير : [الأعراف: 86] وقال في موضع آخر: {أية : وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ} تفسير : [الأنفال: 26]. وقال محمد بن جرير: هذا بمعنى التمام، وتأويله: خلقتم ووجدتم خير أُمة. وقال: معنا {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} عند الله في اللوح المحفوظ، {أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال قوم: للناس من صلة قوله: {خَيْرَ أُمَّةٍ}: يعني أنتم خير الناس للناس. قال أبو هريرة: معناه كنتم خير الناس للناس يجيئون بهم في السلاسل فيدخلونهم في الإسلام. قتادة هم أُمة محمد صلى الله عليه وسلم لم يؤمر نبي قبله بالقتال فيسبون من سبي الروم والترك والعجم فيدخلونهم في دينهم، فهم خير أُمة أُخرجت للناس. مقاتل بن حيان: ليس خلق من أهل الأديان ولا يأمرون من سواهم بالخير وهذه الآية يأمرون كل أهل دين وأنفسهم لا يظلم بعضهم بعضاً، بل يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر؛ فأُمّة محمد صلى الله عليه وسلم خير أُمم الناس. وقال آخرون: قوله: {لِلنَّاسِ} من صلة قوله: {أُخْرِجَتْ} ومعناه ما أخرج الله للناس أُمّة خيراً من أُمة محمد صلى الله عليه وسلم فهم خير أُمة أقامت وأُخرجت للناس، وعلى هذا تتابعت الأخبار. روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنّه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال: "حديث : إنكم تتمّون سبعين أُمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل ". تفسير : وروى عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أهل الجنة عشرون ومئة صف، منها ثمانون من هذه الأُمة ". تفسير : نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من أُمة إلاّ وبعضها في النار، وبعضها في الجنّة، وأُمتي كلّها في الجنة ". تفسير : ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مثل أُمتي مثل المطر؛ لا يُدرى أوله خير أم آخره ". تفسير : وعن أنس قال: حديث : أتى رسولَ الله أسقف فذكر أنه رأى في منامه الأُمم كانوا يمنعون على الصراط [..........] حتى أتت أُمة محمد صلى الله عليه وسلم غرّاً محجلين قال: فقلت: من هؤلاء الأنبياء؟ قالوا: لا، قلت: مرسلون؟ قالوا: لا، فقلت: ملائكة؟ قالوا: لا، فقلت: من هؤلاء؟ قالوا: أُمة محمد صلى الله عليه وسلم غرّاً محجلين عليهم أثر الطهور، فلما أصبح الأسقف أسلم . تفسير : عن سعيد بن المسيب، عن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحرمت على الأُمم حتى تدخلها أُمتي ". تفسير : وروى أبو بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أُمتي أُمة مرحومة، إذا كان يوم القيامة أعطى الله كل رجل من هذه الأُمة رجلا من الكفّار فيقول: هذا فداؤك من النار ". تفسير : وعن أنس قال: حديث : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا بصوت يجيء من شعب، قال: "يا أنس، انطلق فانظر ما هذا الصوت"، قال: فانطلقت فإذا برجل يصلي إلى شجرة فيقول: "اللهم اجعلني من أُمة محمد المرحومة، المغفور لها، المستجاب لها، المتاب عليها". فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعلمته ذلك فقال: "انطلق فقل له إن رسول الله يقرئك السلام ويقول: من أنت؟ ". فأتيته فأعلمته ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "أقرئ منّي رسول الله السلام وقل له: أخوك الخضر يقول [أسألك] أن يجعلني من أُمتك المرحومة المغفور لها المستجاب لها المتاب عليها" . تفسير : وقيل لعيسى (عليه السلام): يا روح الله، هل بعد هذه الأُمة أُمة؟ قال: "علماء حلماء حكماء، أبرار أتقياء، كأنهم من العلم أنبياء يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل يدخلهم الجنة بشهادة أن لا اله إلاّ الله". وبلغنا أن كعب الأحبار قيل له: لِم لم تسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وأسلمت على عهد عمر؟ فقال: لأن أبي دفع إلي كتاباً مختوماً، وقال: لا تفكّ ختمه. فرأيت في المنام أيام عمر (رضي الله عنه) قائلا قال لي: إن أبي خانك في تلك الصحيفة، ففككتها فإذا فيها نعت أُمة محمد صلى الله عليه وسلم سالوما وعالوما وحاكوما وصافوحا وخاروجا، فسألوه عن تفسيرها، فقال: هو أن شعارهم أن يسلم بعضهم على بعض، وعلماؤهم مثل أنبياء بني إسرائيل، وحكم الله لهم بالجنّة، ويتصافحون فيغفر لهم ويخرجون من ذنوبهم كيوم ولدتهم أُمّهاتهم. وقال يحيى بن معاذ: هذه الآية مدحة لأُمة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يكن ليمدح قوماً ثم يعذبهم. ثم ذكر مناقبهم فقال: {تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} إلى {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} الآية قال مقاتل: إنّ رؤوس اليهود كعباً وعدياً والنعمان وأبا رافع وأبا ياسر وكنانة وأبو صوريا عمدوا إلى مؤمنيهم عبد الله بن سلام وأصحابه: فآذوهم لإسلامهم، فأنزل الله تعالى {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} يعني لن يضركم أيها المؤمنون هؤلاء اليهود إلاّ أذى باللسان يعني وعيداً وطعناً. وقيل: دعاء إلى الضلالة. وقيل: كلمة الكفر إن يسمعوها منهم يتأذّوا بها {يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدْبَارَ} منهزمين، وهو جزم بجواب الجزاء، {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} استأنف لأجل رؤوس الآي لأنها على النون، كقوله {أية : وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} تفسير : [المرسلات: 36]. تقديرها: ثم هم لا ينصرون. وقال في موضع آخر: و {أية : لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ} تفسير : [فاطر: 36] ؛ إذ لم يكن رأس آية. قال الشاعر: شعر : ألم تسأل الربع القديم فينطق تفسير : أي فهو ينطق. قال الأخفش: قوله {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} استثناء خارج من أول الكلام، كقول العرب: ما اشتكى شيئاً إلاّ خيراً، قال الله تعالى {أية : لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً * إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً} تفسير : [النبأ: 25] ولأن هذا الأذى لا يضرهم. ومعناه لكن آذىً. {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ}: حيثما وجدوا ولقوا، يعني: حيث ما لقوا غلبوا واستضعفوا وقتلوا فلا يؤمنون {إِلاَّ بِحَبْلٍ}: عهد من الله {وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ}: محمد والمؤمنين يردون إليهم الخراج فيؤمنونهم. وفي الكلام اختصار، يعني: إلاّ أن يعتصموا بحبل، كقول الشاعر: شعر : رأتني بحبليها فصدّت مخافة وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق تفسير : أي أقبلت بحبليها. وقال آخر: شعر : حنتني حانيات الدهر حتى كأني خامل أدنو لصيد قريب الخطو يحسب من رآني ولست مقيداً أني بقيد تفسير : يعني: رآني مقيد [بقيد]. {وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} إلى {لَيْسُواْ سَوَآءً} الآية: قال ابن عباس ومقاتل: لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعيد وأسيد بن سعيد وأسد بن عبيد ومن أسلم من اليهود قالت رؤوس اليهود: ما آمن بمحمد إلاّ شرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم، وقالوا لهم: لقد خسرتم حيث استبدلتم بدينكم ديناً غيره، فأنزل الله تعالى {لَيْسُوا سَوَآءً} وسواء يقتضي شيئين اثنين فصاعداً، واختلفوا في وجه هذه الآية فقال قوم: في الكلام إضمار تقديره: ليسوا سواء. {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} وأخرى غير قائمة فتزلّ الأخرى لاكتفائه بذكر أحد الفريقين كقول أبي ذؤيب: شعر : عصيت إليها القلب إني لأمرها مطيع فما أدري أرشد طلابها تفسير : أراد: أرشد أم غيّ، فحذفه لدلالة الكلام عليه. وهذا قول مجموع مقدم كقولهم: (أكلوني البراغيث) و(ذهبوا أصحابك). وقال: تمام القول عند قوله: {لَيْسُواْ سَوَآءً} وهو وقف لأن ذكر الفريقين من أهل الكتاب قد جرى في قولهم {مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} ثم قال {لَيْسُواْ سَوَآءً} يعني المؤمنين والفاسقين، ثم وصف الفاسقين فقال: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى}، ثم وصف المؤمنين فقال: {أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} الآية فهو مردود على أول الكلام، وهو مختار محمد بن جرير والزجاج، قال: وإن شئت جعلت قوله: {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} ابتداءً لكلام آخر؛ لأنّ ذكر الفريقين قد جرى، ثمّ قال: ليس هذان الفريقان سواءً وهم، ثمّ ابتدأ فقال: {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ}. قال ابن مسعود: معناها لا يستوي اليهود وأُمة محمد القائمة بأمر الله تعالى يعني الثابتة على الحقّ المستقيم. ابن عباس: أُمّة قائمة مهتدية قائمة على أمر الله لن تنزع عنه ولم تتركه كما تركه الآخرون وضيّعوه. مجاهد: عادلة، السدي: مطيعة قائمة على كتاب الله وفرائضه وحدوده. وقيل: قائمة في الصلاة. قال الأخفس أُمة قائمة أي ذو أُمّة قائمة، والأُمّة: الطريقة، من قولهم: أممت الشيء أي قصدته. قال النابغة: وهل يأتمن ذو أُمّة وهو طائع. أي ذو طريقة. ومعنى الآية ذوا طريقة مستقيمة. {يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ} يقرؤون كتاب الله. قال مجاهد: يتبعون، يقال: تلاه، أي اتّبعه. قال الشاعر: شعر : قد جعلت دلويَ تسيلينني ولا أريد تبع القرين تفسير : إني لم أُردهما [...]. أي تستتبعني. {آنَآءَ ٱللَّيْلِ}، أي ساعاته، وإحداها إنْيٌ مثل نحْي وأنحاء وإنىً مثل معىً. قال الشاعر: شعر : حلو ومر كعطف القدح شيمته في كل إنْي قضاء الليل ينتعل تفسير : أي تسليه آناء الليل بأمر مضى فيه ولم يتأخر. قال الراجز في اللغة الأخرى: شعر : لله درّ جعفر أي فتى مشمّر عن ساقه كلّ إنى تفسير : وقال السدي: آناء الليل جوفه. الأوزاعي عن حسان عطية قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ركعتان يركعهما العبد في جوف الليل خير له من الدنيا وما فيها، ولولا أن يشق على أمّتي لفرضتهما عليهم ". تفسير : {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} أي يصلون؛ لأنّ التلاوة لا تكون في الركوع والسجود، نظيره قوله: {أية : وَلَهُ يَسْجُدُونَ} تفسير : [الأعراف: 206] أي يصلّون وفي القرآن: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ} تفسير : [الفرقان: 60] أي صلوا، وقوله: {أية : فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ} تفسير : [النجم: 62]. واختلفوا في نزول الآية ومعناها؛ فقال بعضهم: هي قيام الليل عن مجمع بن يحيى الأنصاري عن رجل من بني شيبة كان يدرس الكتب فقال: إنا نجد كلاماً من كلام [الرب] أيحسب راعي إبل وغنم، إذا جنه الليل انخذل بكن وهو قائم وساجد آناء الليل. ابن مسعود: هو في صلاة العتمة، يصلونها ومن حولهم من أهل الكتاب لا يصلونها. عاصم عن رزين عن ابن مسعود قال: أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة، قال: "حديث : أما إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله عز وجل هذه الساعة غيركم"تفسير : ، فأنزل الله هذه الآية: {لَيْسُواْ سَوَآءً} حتى بلغ قوله {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ}. وروى الثوري عن منصور قال: بلغنا أنها نزلت في قوم كانوا يصلون فيما بين المغرب والعشاء. وقال عطاء في قوله: {لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} الآية تزيد أربعين رجلا من أهل نجران من العرب، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى (عليه السلام) وصدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وكان من الأنصار منهم عدة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم منهم أسعد ابن زرارة والبراء بن معرور ومحمّد بن مسلمة وأبو قيس هرمة بن أنس، وكانوا موحدين يغتسلون من الجنابة ويقرّون بما عرفوا من شرائع الحنيفية حتى جاءهم الله عز وجل بالنبي صلى الله عليه وسلم فصدقوه ونصروه. {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ}، قرأ الأعمش وحمزة ويحيى والكسائي وحفص وخلف: بالياء فيهما، اخبار عن الأُمة القائمة. وهي قراءة ابن عباس واختيار أبي عبيدة. وقرأ الآخرون بالتاء فيهما على الخطاب كقوله {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ}، وهي اختيار أبي حاتم. وكان أبو عمرو يرى القراءتين جميعاً: الياء والتاء. ومعنى الآية {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ}: فلن يقدروا ثوابه، ولن يُجحدوا جزاءه بل يُشكر [لهم] ويجازون عليه، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ}: المؤمنين.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكلمة "أمة" تطلق مرة، ويراد بها الجماعة التي تنتسب إلى جنس، كأمة العرب، أو أمة الفرس، أو أمة الروم، ومرة تطلق كلمة "أمة" ويراد بها الملة أي الدين، ومرة ثالثة تطلق كلمة "أمة" ويراد بها الفترة الزمنية كقول الحق: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ}تفسير : [يوسف: 45]. إن الرجل الذي فسر له سيدنا يوسف الرؤيا تذكر سيدنا يوسف بعد أمة أي بعد فترة من الزمن، ومرة تطلق كلمة "أمة" على الرجل الجامع لصفات الخير. {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [النحل: 120]. لأن خصال الخير ليس من الضروري أن تجتمع في واحد، ولكنها قد تجتمع في عدد من الأفراد فيكون هناك فلان المتميز بالصفة الطيبة، وغيره متصف بصفة أخرى طيبة، وثالث فيه صفة طيبة ثالثة، ومن مجموع الأمة تظهر صورة الكمال، لكن إبراهيم عليه السلام اجتمعت فيه كل خصال الخير المكتمل. وساعة أن تأتي لإنسان وتقول له: ليكن منك شجاع فما معنى ذلك؟ إن معناه، أن يجرد الإنسان من نفسه ويخرج منها شخصاً شجاعاً، وذلك بتدريبها وتعويدها على ذلك حتى يكون الإنسان شجاعاً، أو تقول لآخر: ليكن منك كريم، أي أخرج من نفسك رجلاً كريماً. وقوله الحق سبحانه: {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ} [آل عمران: 104]. هذا القول يعني أن يكون منكم أيها المخاطبون أمة تدعو إلى الخير، ومعناه أيضاً أن تكونوا جميعاً أمة تدعو إلى الخير، وبعض العلماء يرى أن هذا القول يعني: أن تكون منكم جماعة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ولكنّ هناك فهما أعمق من هذا، وهو أن هذه الآية تأمر بأن تكون كل جماعة المسلمين أمة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، أي أن هذه الآية تطالب كُلَّ أمة المسلمين بذلك، فلا تختص جماعة منها فقط بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل الواجب أن تكون أمة المسلمين كلها آمرة بالمعروف، وناهية عن المنكر، فمن يعرف حكماً من الأحكام عليه أن يأمر به. وهناك من العلماء من قال: إن الذي يأتي المنكر له حكم آخر أيضاً وهو أن ينهى غيره عن المنكر، أي أن الإنسان المؤمن مطالب بأمرين: الأول: ألاّ يصنع المنكر، والثاني: أن ينهى عن المنكر. ولذلك إن جاء نصح من إنسان ينهاك عن المنكر، وهو قد فعله، فلا تقل له: أصلح نفسك واتبع أنت ما تنصح به أولاً، لا تقل له ذلك حتى لا يقول لك ما قاله الشاعر: شعر : خذ بعلمي ولا تركن إلى عملي واجن الثمار وخل العود للنار تفسير : لكن الأجدر بمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون أول العاملين بقوله حتى لا يدخل في زمرة من قال الله فيهم: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}تفسير : [الصف: 2-3]. إذن فقوله الحق: {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ} [آل عمران: 104] أي جردوا من أنفسكم أمة مجتمعة على أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، واستمعوا إلى قوله تعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}تفسير : [العصر: 1-3]. إن السورة الكريمة توضح العقيدة ومطلوبها وهو الإيمان والعمل الصالح. وبعد ذلك قال الحق: "وتواصوا" ولم يقل "ووصوا" ما معنى "تواصوا"؟ أي أن يعرف كل مؤمن أنه من الأغيار، وكذلك أخوه المؤمن، وقد يضعف أحَدهما أمام معصية فيصنعها، لكن الآخر غير ضعيف أمام تلك المعصية، لذلك يكون على غير الضعيف توصية الضعيف، وعلى الضعيف أيضاً ضرورة الانتباه حتى يتواصى مع غيره. فالإسلام لم يجعل جماعة يوصون غيرهم، وجماعة أخرى تتلقى الوصاية، بل كلنا موص - بكسر الصاد - حينما نجد مَنْ من يضعف أمام معصية. وكلنا موصىً، - بفتح الصاد - حين يكون ضعيفاً أمام المعصية؛ فالتواصي يقتضي التفاعل بين جانبين .. فمرة تكون موصياً، ومرة تكون موصىً، وكذلك التواصي بالصبر. فساعة تحدث كارثة لواحد من المسلمين يأتي أخوه ليصبره، وكذلك إن حدثت كارثة للأخ المسلم يصبره أخوه المسلم، فعندما يحتاج مسلم في وقت ما إلى أن يُصَبَّر، يجد من إخوته من يصبره, فالأمة كلها مطالبة: "وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر". هكذا نفهم معنى قول الحق: {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]. والدعوة إلى الخير يفسرها الحق بأن يأمر الإنسان بالمعروف، وأن ينهى عن المنكر. ويقول الحق: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] أن كلمة "المفلحون" هي كلمة معها دليلها، فالمفلح هو الذي أخذ الصفقة الرابحة. والكلمة مأخوذة، من فلح الأرض. فالذي يفلح الأرض ويحرثها ثم يزرعها يجد الثمرة تجيئه في النهاية، وقد جاء الحق بالمسألة المعنوية من أمر محس. وبعد ذلك يريد الحق أن يعطينا شيئاً آخر فيقول: إياك أن تظن أن المشقة التي تصيبك حين تفعل خيراً لا تعود عليك بالراحة، أو أن النقص الذي تفعل به الخير لا يعود عليك بالكمال، فمثلاً الإنسان الذي فلح الأرض وأخرج "كيلة" من القمح وبذرها فيها. هذا الإنسان قد تكون له زوجة حمقاء تقول له: إننا لا نملك إلا أربع "كيلات" من القمح فكيف تأخذ "كيلة" لترميها في الأرض، إن هذه المرأة لا تعرف أن "الكيلة" التي أخذها الزوج هي التي ستأتي بعدد من الأرادب من القمح. فإياك أن تفهم أن الإسلام يأخذ منك شيئاً إلا وهو يريد أن يعطيك أشياء. إن الفلاح الذي يشقى بالحرث وبالري، وتراه وقد علا جبهته العرق وتراب الأرض وتغوص أقدامه في الطين والمياه، إنك تراه يوم الحصاد وهو فرح مسرور بِغَلَّته. أما غيره الذي لم يشْقَ بالحرث ولم تعل جبهته حبات العرق، فيأتي في هذا اليوم وهو حزين ونادم. فإياك أن تنظر إلى تكاليف الدين على أنها أمور تحرمك النفع، إنَّها أمور تربّب لك النفع أي تكثر لك النفع. وإياك أن تظن أن حكماً من أحكام الله قد جاء ليجور على حريتك بل جاء ليمنع عنك اعتداء الآخرين. وقلنا من قبل: إن الشرع حين كلف كل إنسان ألا يسرق مال أحد، فهو تقييد من أجل حفظ أموال الملايين، وهو أمر ضمني لكل الناس ألاَّ يسرقوا شيئاً من هذا الإنسان، وهنا نجد الأمان ينتشر بالإيمان بين الجميع. ولو نظرت إلى ما منع الدين الناس أن يمارسوه معك لعرفت قيمة التكاليف الإيمانية. إن التكليف حين يأمر ألا يمد أحد عيونه إلى محارم جاره، هذا التكليف صادر للناس جميعاً حتى يحمي الله لك محارمك من عيون الناس، لقد قَيَّد التكليف حرية الآخرين من أجلك وهم كثيرون، وقيد حريتك من أجل الآخرين وأنت واحد.. إذن فيجب أن نذكر أن كل تكليف يعطي صلاحاً وفلاحاً، فالأرض تأخذ الحبة, وتعطيك سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، فلا تنظر إلى ما أخذه التكليف من حريتك، لأنه أخذ لك من حريات الآخرين أيضاً. ولا تقل: إن التكليف قد نقص حركتي لنفسي، لأنه سيعطيك ثمرات أكثر مما أفقدك. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما حذّر تعالى من مكايد أهل الكتاب، وأمر بالاعتصام بحبل الله والتمسك بشرعه القويم، دعا المؤمنين إلى القيام بواجب الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمر بالائتلاف وعدم الاختلاف، ثم ذكر ما حلَّ باليهود من الذل والصَّغار بسبب البغي والعدوان. اللغَة: {أُمَّةٌ} طائفة وجماعة {ٱلْبَيِّنَاتُ} الآيات الواضحات {ٱلْمَعْرُوفِ} ما أمر به الشرع واستحسنه العقل السليم {ٱلْمُنْكَرِ} ما نهى عنه الشرع واستقبحه العقل السليم {ٱلأَدْبَارَ} جمع دبر وهو مؤخر كل شيء يقال: ولاه دبره أي هرب من وجهه {ثُقِفُوۤاْ} وجدوا وصودفوا {حَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ} الحبل معروف والمراد به هنا: العهد وسمي حبلاً لأنه سبب يحصل به الأمن وزوال الخوف {بَآءُوا} رجعوا {ٱلْمَسْكَنَةُ} الفقر. التفسِير: {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ} أي ولتقم منكم طائفة للدعوة إلى الله {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} أي للأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي هم الفائزون {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} أي لا تكونوا كاليهود والنصارى الذين تفرقوا في الدين واختلفوا فيه بسبب اتباع الهوى من بعد ما جاءتهم الآيات الواضحات {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي لهم بسبب الاختلاف عذاب شديد يوم القيامة {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} أي يوم القيامة تبيض وجوه المؤمنين بالإِيمان والطاعة، وتسود وجوه الكافرين بالكفر والمعاصي {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} هذا تفصيل لأحوال الفريقين بعد الإِجمال والمعنى أما أهل النار الذين اسودت وجوههم فيقال لهم على سبيل التوبيخ: أكفرتم بعد إيمانكم أي بعد ما وضحت لكم الآيات والدلائل {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} أي ذوقوا العذاب الشديد بسبب كفركم {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ} أي وأما السعداء الأبرار الذين ابيضت وجوههم بأعمالهم الصالحات {فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي فهم في الجنة مخلدون لا يخرجون منها أبداً {تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ} أي هذه آيات الله نتلوها عليك يا محمد حال كونها متلبسة بالحق {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ} أي وما كان الله ليظلم أحداً ولكنَّ الناس أنفسهم يظلمون {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي الجميع ملكٌ له وعبيد {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} أي هو الحاكم المتصرف في الدنيا والآخرة {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس} أي أنتم يا أمة محمد خير الأمم لأنكم أنفع الناس للناس ولهذا قال {أُخْرِجَتْ لِلنَّاس} أي أخرجت لأجلهم ومصلحتهم، روى البخاري عن أبي هريرة {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال: خير الناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإِسلام {تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} وهذا بيان لوجه الخيرية كأنه قيل السبب في كونكم خير أمة هذه الخصال الحميدة روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال "من سرَّه أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط الله فيها" ثم قال تعالى {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} أي لو آمنوا بما أنزل على محمد وصدّقوا بما جاء به لكان ذلك خيراً لهم في الدنيا والآخرة {مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} أي منهم فئة قليلة مؤمنة كالنجاشي وعبد الله بن سلام، والكثرةُ الكثيرة فاسقة خارجة عن طاعة الله، {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} أي لن يضروكم إلا ضرراً يسيراً بألسنتهم من سبٍّ وطعن {وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدْبَارَ} أي ينهزمون من غير أن ينالوا منكم شيئاً {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} أي ثم شأنهم الذي أبشركم به أنهم مخذولون لا ينصرون والجملة استئنافية {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ} أي لزمهم الذل والهوان أينما وجدوا وأحاط بهم كما يحيط البيت المضروب بساكنه {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ} أي إِلا إذا اعتصموا بذمة الله وذمة المسلمين قال ابن عباس: بعهدٍ من الله وعهدٍ من الناس {وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي رجعوا مستوجبين للغضب الشديد من الله {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ} أي لزمتهم الفاقة والخشوع فهي محيطة بهم من جميع جوانبهم {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} أي ذلك الذل والصغار والغضب والدمار، بسبب جحودهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء ظلماً وطغياناً {ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} أي بسبب تمردهم وعصيانهم أوامر الله تعالى. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} فيه من المحسنات البديعية ما يسمى بالمقابلة. 2- {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} فيه قصر صفة على موصوف حيث قصر الفلاح عليهم. 3- {تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} بين كلمتي {تَبْيَضُّ} و {تَسْوَدُّ} طباق. 4- {فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ} مجاز مرسل أطلق الحالُّ وأريد المحل أي ففي الجنة لأنها مكان تنزل الرحمة. 5- {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ} فيه استعارة حيث شبه الذل بالخباء المضروب على أصحابه وقد تقدمت في البقرة. 6- {وَبَآءُوا بِغَضَبٍ} التنكير للتفخيم والتهويل. فَائِدَة: قوله تعالى {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} جملة مستأنفة ولهذا ثبتت فيها النون قال الزمخشري: "وعدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الإِخبار ابتداءً كأنه قيل: ثم أخبركم أنهم مخذولون منتفٍ عنهم النصر، ولو جزم لكان نفي النصر مقيداً لقتالهم بينما النصر وعدٌ مطلق". تنبيهْ: الاختلاف الذي أشارت إليه الآية {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ} إنما يراد به الاختلاف في العقيدة وفي أصول الدين وأما الاختلاف في الفروع كما اختلف الأئمة المجتهدون فذلك من اليسر في الشريعة كما نبه على ذلك العلماء ولابن تيمية رحمه الله رسالة قيمة اسماها "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" فارجع إليها فإنها رائعة ومفيدة.

الأندلسي

تفسير : {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ} الظاهر أنه خطاب للمخاطبين قبله ومنكم يقتضي التبعيض ويندرج في الخطاب جميع المؤمنين والمراد بالأمة الآمرة والناهية من يتعين لصلاحية ذلك ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يكون إلا لمن علم المعروف والمنكر وكيف يترتب الأمر في إقامته وكيف يباشره فإِن الجاهل ربما أمر بمنكر ونهى عن معروف. وقد رأينا من ينتمي للصلاح يأمر أصحابه بالاجتماع لمغن شاب يغني لهم بالتغزلات والمحون وينافخ في قصبة يخرج منها أصوات فيتلذذون بذلك ويرقصون ويدور أحدهم مائة دورة وأكثر منها ويجعل أذنه عند القصبة والمغني ويتفتل في رقصه ويمشي على جنبه ملاصقاً إلى الأرض من أول الإِيوان إلى آخره ويشهد ذلك الجم الغفير والجمع الكثير ممن ينتمي إلى الإِسلام فلا ينكر أحد منهم شيئاً من ذلك وهو من أعظم المنكرات. {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ} قال ابن عباس: هم الأمم السالفة التي تفرقت في الدين و: {ٱلْبَيِّنَاتُ} قال ابن عباس: آيات الله التي أنزلت على أهل كل ملة. {وَأُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى الذين تفرقوا. {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ} البياض عبارة عن إشراقها ونورها وبشرها برحمة الله والسواد عبارة عن ظلمتها وكمدها وخص الوجه لأنه أشرف ما في الإِنسان وإن كان البياض والسواد يعمان جميع البدن ويجوز أن يراد بالبياض والسواد حقيقتهما ويوم ظرف والعامل فيه العامل في لهم أي كائن لهم عذاب عظيم يوم تبيض. {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} هذا تفصيل لأحكام من تبيض وجوههم وتسود وابتدأ بالذين اسودت للاهتمام بالتحذير من حالهم ولمجاورة قوله وتسود وجوه والابتداء بالمؤمنين والاختتام بحكمهم وللعرب في مثل هذا طريقان أحدهما: انه إذا فصل شيء بشيء أو حكم بحكم وإن لم يكن تفصيلياً يجعل الآخر للأول والآخر أن يجعل الأول من السابقين للأول من الآخرين، والثاني للثاني كقوله تعالى: {أية : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ}تفسير : [هود: 105] ثم قال: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ}تفسير : [هود: 106] وقال بعد: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ}تفسير : [هود: 108] وفي البحر فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم الخبر محذوف للعلم به والتقدير فيقال لهم. {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} تقديره فيقال لهم: أكفرتم كما حذف القول في مواضع كثيرة كقوله تعالى: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم}تفسير : [الرعد: 23ـ24] ولما حذف الخبر حذفت الفاء وإن كان حذفها في غير هذا لا يجوز، إلا في الشعر، وقال الشيخ كمال الدين عبد الواحد بن عبد الله بن خلف الأنصاري في كتابه الموسوم "نهاية التأميل في أسرار التنزيل": قد اعترض على النحاة في قولهم لما حذف يقال: حذفت الفاء بقوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ}تفسير : [الجاثية: 31] تقديره فيقال لهم أفلم تكن آياته تتلى عليكم فحذف فيقال ولم تحذف الفاء فلما بطل هذا تعين أن يكون الجواب. {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} فوقع ذلك جواباً له ولقوله: أكفرتم؟ ومن نظم العرب إذا ذكروا حرفاً يقتضي جواباً له أن يكتفوا عن جوابه حتى يذكروا حرفاً آخر يقتضي جواباً ثم يجعلون لهما جواباً واحداً كما في قوله تعالى: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [البقرة: 38]. فقوله: فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. جواب الشرطين معاً وليس أفلم جواب أما بل الفاء عاطفية على مقدر والتقدير أأهملتكم فلم أتل عليكم آياتي، "انتهى" ما نقل عن هذا الرجل وهو كلام أديب لا كلام نحوي. أما قوله: قد اعترض. على النحاة فيكفي في بطلان هذا اعتراض على جميع النحاة لأنه ما في نحوي إلا خرج الآية على إضمار، فيقال لهم: أكفرتم؟ وقالوا: لا يستغني المعنى عنه، والقول بخلافه مخالف للإِجماع فلا التفات إليه فأما ما اعترض به من قوله: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} تفسير : [الجاثية: 31] وان تقديره فيقال لهم: أفلم تكن آيات فحذف فيقال ولهم ولم تحذف الفاء مذل على بطلان هذا التقدير فليس بصحيح، بل هذه الفاء التي بعد الهمزة في أفلم ليست فاء فيقال: التي هي جواب. أما حتى يقال: حذف. فيقال: وبقيت الفاء بل الفاء هي جواب، أما ويقال بعدها محذوف، وفاء أفلم تحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون زائدة وقد أنشد النحويون على زيادة الفاء قول الشاعر: شعر : يموت أناس أو يشيب فتاهم ويحدث ناس والصغير فيكبر تفسير : وقول الآخر: شعر : لما اتقى بيد عظيم جرمها فتركت ضاحي جلدها يتذبذب تفسير : يريد تركت. وقال الزهر: شعر : أراني إذ ما بت على هوى فثم إذا أصبحت غاديا تفسير : يريد ثم وقال الأخفش: وزعموا أنهم يقولون: أخوك فوجد يريد أخوك وجد والثاني أن تكون الفاء تفسيرية وتقدير الكلام فيقال لهم ما يسؤهم فألم تكن آياتي، ثم اعتنى بهمزة الاستفهام فقدمت على الفاء التفسيرية كما تقدم على الفاء التي للتعقيب في نحو قوله تعالى: {أية : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [يوسف: 109، الحج: 46] وهذا على مذهب من يثبت ان الفاء تكون تفسيرية نحو توضأ زيد فغسل وجهه ويديه إلى آخر أفعال الوضوء فالفاء هنا ليست مرتبة. وإنما هي مفسرة للوضوء وكذلك تكون في أفلم تكن آياتي تتلى عليكم، مفسرة للقول الذي يسؤهم وقول هذا الرجل فلما بطل هذا تعين أن يكون الجواب فذوقوا أي تعين بطلان ما قدره النحويون من قوله: فيقال لهم لوجود هذه الفاء في أفلم تكن وقد بينا أن ذلك التقدير لم يبطل وأنه سواء في الآيتين، وإذا كان كذلك فالجواب: اما هو فيقال ومعنى الكلام عليه وأما تقديره أأهملتكم فلم تكن آياتي فهذه نزعة زمخشرية تقدر بين همزة الاستفهام وبين الفاء فعلاً يصح عطف ما بعدها عليه ولا يعتقدان الفاء والواو وثم إذا دخلت عليها الهمزة أصلهن التقديم على لكن اعتنى بالاستفهام فقد على حروف العطف كما ذهب إليه سيبويه وغيره من النحويين وقد رجع الزمخشري أخيراً إلى مذهب الجماعة في ذلك وبطلان قوله الأول مذكور في النحو. وقد تقدم في هذا الكتاب حكاية مذهبه في ذلك وعلى تقدير قول هذا الرجل أأهملتكم فلا بد من إضمار القول وتقديره، فيقال: أأهملتكم لأن هذا المقدر هو خبر المبتدأ والفاء جواب أما، وهو الذي يدل عليه الكلام ويقتضيه ضرورة. وقول هذا للرجل فوقع ذلك جواباً له ولقوله: "أكفرتم" يعني: ان فذوقوا العذاب جواب لا ما ولقوله: "أكفرتم". والاستفهام هنا لا جواب له إنما هو استفهام على طريق التوبيخ والارذال بهم، وأما قول هذا الرجل ومن نظم العرب إلى آخره فليس كلام العرب على ما زعم بل يجعل لكل جواب ان لا يكن ظاهر أفمقل ولا يجعلون لهما جواباً واحداً. وأما دعواه ذلك في قوله تعالى: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى}تفسير : [البقرة: 38]، الآية، وزعمه أن قوله تعالى: {أية : فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} تفسير : [البقرة: 38] جواب للشرطين فقول روي عن الكسائي وذهب بعض الناس إلى أن جواب الشرط الأول محذوف تقديره فاتبعوه والصحيح أن الشرط الثاني وجوابه هو جواب الشرط الأول وتقدمت هذه الأقوال الثلاثة عند الكلام على قوله تعالى: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم}تفسير : [البقرة: 38] الآية، وهذا سؤال توبيخ وتعنيف بعد إيمانكم ظاهره ان كفرهم كان بعد حصول إيمانهم وليس كل كافر كذلك والمراد والله أعلم، بعد أن ولدتم على الفطرة المتهيئة لقبول الإِيمان أو الإِيمان المراد به في قوله: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف: 172]. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ} أنظر تفاوت ما بين القسمين هناك جمع لمن اسودت وجوههم بين التعنيف بالقول والعذاب، وهنا جعلهم مستقرين في الرحمة، فالرحمة ظرف لهم وهي شاملتهم ولما أخبر تعالى أنهم مستقرون في رحمة الله بين أن ذلك الاستقرار هو على سبيل الخلود لا زوال منه ولا انتقال، وأشار بلفظ الرحمة إلى سابق عناية بهم وان العبد وإن كثرت طاعته لا يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالى. وقال ابن عباس: المراد بالرحمة هنا الجنة وذكر الخلود للمؤمن ولم يذكر ذلك للكافر إشعاراً بأن جانب الرحمة أغلب وأضاف الرحمة هنا إليه ولم يضف العذاب إلى نفسه بل قال: فذوقوا العذاب، ولما ذكر العذاب علله بفعلهم ولم ينص هنا على سبب كونهم في الرحمة وهو توكيد لقوله: الذين، وفيها توكيد لقوله: ففي رحمة الله. وقرىء: اسوادت وابياضت بألف. {تِلْكَ} إشارة إلى الآية التي نزلت في أمر الأوس والخزرج وما قبلها. و{نَتْلُوهَا} خبر ثان أو جملة في موضع الحال وقرىء: يتلوها بالياء. {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ} فما وقع منه تعالى من تنعيم قوم وتعذيب آخرين ليس من باب الظلم، والظلم وضع الشيء في غير موضعه ونكر ظلماً وهو في سياق النفي يعم وهو مصدر حذف تقديره ظلمه للعالمين وللعالمين في موضع المفعول.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بعدما وفقتم للإيمان، ونبهتم للتوحيد والعرفان {لْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ} ملتزمة للإرشاد والتكميل {يَدْعُونَ} الناس {إِلَى ٱلْخَيْرِ} أي: إلى التوحيد وإسقاط الإضافات {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} المستحسن في طريق التوحيد {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} المستقبح فيه، المناسع عن الوصول إليه {وَأُوْلَـٰئِكَ} الراشدون، المهديون، المرشدون، الهادون {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] الفائزون من عنده بالمثوبة العظمى، والدرجة العليا التي هي طريق مقام الجمعية والرضا. {وَلاَ تَكُونُواْ} أيها المحمديون المتحققون بمقام الجمعية {كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} الدالة على الجمعية والاتفاق، ولم ينتبهوا منها إلى التوحيد الذاتي {وَأُوْلَـٰئِكَ} الأشقياء الهاكلون في تيه الخذلان والحرمان {لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105] في جهنم البعد والإمكان وسعير الشرك والطغيان. اذكر لهم يا أكمل الرسل: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ} بقبول النور من الوجه الباقي {وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} ببقائها في سواد الإمكان {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} ولم يرتفع غشاوة هوايتهم، وكثافة ماهياتهم عن أعينهم وأبصارهم، ولم تصف مرآت قلوبهم عن صداء الكثرة وشوب التنويه لذلك قيل تقريعاً وتوبيخاً: {أَكْفَرْتُمْ} أيها الهالكون في بقعة الإمكان من {بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} بوجوب الوجود، ووجوب الرجوع إليه {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} أي: الطرد والحرمان {بِمَا} أي: بأنانيتكم {كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [آل عمران: 106] وتسترونن، وتستبلدون به نور الوجود وصفاء التوحيد الخالص عن الكدورات مطلقاً. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ} عن دنس التعليقات ورين الإضافات، واضمحلت هوياتهم في هوية الحق، وارتفعت الحجب والأستار المانعة عن الوصول إلى دار القرار عن عيون بصائرهم وأبصارهم {فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ} التي وسعت كل شيء، مستغرقون في بحر توحيده، غائصون، سابحون لا يخرجون منها أبداً {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 107] دائمون، مستمرون ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. {تِلْكَ} المواعيد والوعيدات المذكورة للأولياء والأعداء {آيَاتُ ٱللَّهِ} الدالة على كمال قدرته وتفرده في ألوهيته، واستقلاله في ربوبيته {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ} يا أكمل الرسل؛ تفضلاً وامتناناً ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} لا شك في وقوعها {وَمَا ٱللَّهُ} الممنتقم في يوم الميعاد {يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 108] بل يجازيهم على مقتضى ما صدر عنهم في النشأة الأولى، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً فيها يره فيها، ومن يعمل مثقال ذرة شراً فيها يره فيها.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: وليكن منكم أيها المؤمنون الذين مَنَّ الله عليهم بالإيمان والاعتصام بحبله { أمة } أي: جماعة { يدعون إلى الخير } وهو اسم جامع لكل ما يقرب إلى الله ويبعد من سخطه { ويأمرون بالمعروف } وهو ما عرف بالعقل والشرع حسنه { وينهون عن المنكر } وهو ما عرف بالشرع والعقل قبحه، وهذا إرشاد من الله للمؤمنين أن يكون منهم جماعة متصدية للدعوة إلى سبيله وإرشاد الخلق إلى دينه، ويدخل في ذلك العلماء المعلمون للدين، والوعاظ الذين يدعون أهل الأديان إلى الدخول في دين الإسلام، ويدعون المنحرفين إلى الاستقامة، والمجاهدون في سبيل الله، والمتصدون لتفقد أحوال الناس وإلزامهم بالشرع كالصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج وغير ذلك من شرائع الإسلام، وكتفقد المكاييل والموازين وتفقد أهل الأسواق ومنعهم من الغش والمعاملات الباطلة، وكل هذه الأمور من فروض الكفايات كما تدل عليه الآية الكريمة في قوله { ولتكن منكم أمة } إلخ أي: لتكن منكم جماعة يحصل المقصود بهم في هذه الأشياء المذكورة، ومن المعلوم المتقرر أن الأمر بالشيء أمر به وبما لا يتم إلا به فكل ما تتوقف هذه الأشياء عليه فهو مأمور به، كالاستعداد للجهاد بأنواع العدد التي يحصل بها نكاية الأعداء وعز الإسلام، وتعلم العلم الذي يحصل به الدعوة إلى الخير وسائلها ومقاصدها، وبناء المدارس للإرشاد والعلم، ومساعدة النواب ومعاونتهم على تنفيذ الشرع في الناس بالقول والفعل والمال، وغير ذلك مما تتوقف هذه الأمور عليه، وهذه الطائفة المستعدة للدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هم خواص المؤمنين، ولهذا قال تعالى عنهم: { وأولئك هم المفلحون } الفائزون بالمطلوب، الناجون من المرهوب، ثم نهاهم عن التشبه بأهل الكتاب في تفرقهم واختلافهم، فقال: { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا } ومن العجائب أن اختلافهم { من بعد ما جاءهم البينات } الموجبة لعدم التفرق والاختلاف، فهم أولى من غيرهم بالاعتصام بالدين، فعكسوا القضية مع علمهم بمخالفتهم أمر الله، فاستحقوا العقاب البليغ، ولهذا قال تعالى: { وأولئك لهم عذاب عظيم } .