Verse. 398 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

وَلَا تَكُوْنُوْا كَالَّذِيْنَ تَفَرَّقُوْا وَاخْتَلَفُوْا مِنْۢ بَعْدِ مَا جَاۗءَھُمُ الْبَيِّنٰتُ۝۰ۭ وَاُولٰۗىِٕكَ لَھُمْ عَذَابٌ عَظِيْمٌ۝۱۰۵ۙ
Wala takoonoo kaallatheena tafarraqoo waikhtalafoo min baAAdi ma jaahumu albayyinatu waolaika lahum AAathabun AAatheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولا تكونوا كالذين تفرقوا» عن دينهم «واختلفوا» فيه «من بعد ما جاءهم البينات» وهم اليهود والنصارى «وأولئك لهم عذاب عظيم».

105

Tafseer

القرطبي

تفسير : يعني اليهود والنصارى في قول جمهور المفسرين. وقال بعضهم: هم المبتدِعة من هذه الأمة. وقال أبو أمامة: هم الحَرُورِيّة؛ وتلا الآية. وقال جابر بن عبد الله: «الّذِينَ تَفَرّقُوا وٱخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّناتُ» اليهود والنصارى. «جاءهم» مذكر على الجمع، وجاءتهم على الجماعة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ } عن دينهم {وَٱخْتَلَفُواْ } فيه {مِن بَعْدِ مَا جآءهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ } وهم اليهود والنصارى {وَأُوْلَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} يعني ولا تكونوا يا معشر المؤمنين كالذين تفرقوا يعني أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى في قول أكثر المفسرين واختلفوا في دين الله وأمره ونهيه، وقيل تفرقوا واختلفوا بمعنى واحد وإنما ذكرهما للتأكيد وقيل تفرقوا بسبب العداوة واتباع الهوى واختلفوا في دين الله فصاروا فرقاً مختلفين قال الربيع في هذه الآية: هم أهل الكتاب نهى الله أهل الإسلام أن يتفرقوا أو يختلفوا كما تفرق واختلف أهل الكتاب. وقال ابن عباس: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في الدين. وقال بعضهم: هم المبتدعة من هذه الأمة وقال أبو أمامة: هم الحرورية: قال عبدالله بن شداد: وقف أبو أمامة وأنا معه على رؤوس الحرورية على درج جامع دمشق فذرفت عيناه ثم قال: كلاب أهل النار وكانوا مؤمنين فكفروا بعد إيمانهم، شر قتيل تحت أديم السماء، وخير قتيل تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء قلت فما شأنك دمعت عيناك قال رحمة لهم كانوا من أهل الإسلام فكفروا بعد إيمانهم ثم أخذ بيدي وقال: إن بأرضي منهم كثير وفي رواية ثم قرأ بعد قوله: {فكفروا بعد إيمانهم ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} إلى قوله: {أكفرتم بعد إيمانكم} ورواه الترمذي عن أبي غالب قال رأى أبو أمامة: رؤوساً منصوبة على درج دمشق فقال أبو أمامة كلاب أهل النار شر قتلي تحت أديم السماء خير قتلي من قتلوه ثم قرأ: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} إلى آخر الآية قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاث مرات أو أربع مرات حتى عد سبعاً ما حدثتكموه وقال فيه هذا حسن وقوله تعالى: {من بعد ما جاءهم البينات} يعني الحجج الواضحات فعلموها ثم خالفوها وإنما قال جاءهم ولم يقل جاءتهم لجواز حذف علامة التأنيث من الفعل في التقديم تشبيهاً بعلامة التثنية والجمع {وأولئك لهم عذاب عظيم} يعني لهؤلاء الذين تفرقوا واختلفوا لهم عذاب عظيم في الآخرة وفيه زجر عظيم للمؤمنين عن التفرق والخلاف عن أي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" تفسير : أخرجه ابو داود. أراد بربقة الإسلام عقد الإسلام وأصله أن الربق حبل فيه عدة عرا يشد بها الغنم الواحدة من العري ربقة. وروى البغوي بسنده عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة فإن الشيطان مع الفذ وهو من الاثنين أبعد" تفسير : بحبوحة الجنة وسطها والفذ هو الواحد. قوله عز وجل: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} يعني اذكروا يوم تبيض وجوه المؤمنين وتسود وجوه الكافرين، وقيل تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة، وقيل تبيض وجوه المخلصين وتسود وجوه المنافقين وفي بياض الوجوه وسوادها قولان: أحدهما، إن البياض كناية عن الفرح والسرور والسواد كناية عن الغم والحزن، وهذا مجاز مستعمل يقال لمن نال بغيته وظفر بمطلوبه ابيضّ وجهه يعني من السرور والفرح ولمن ناله مكروه اسود وجهه وأريد لونه يعني من الحزن والغم قال الله تعالى: {أية : وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً}تفسير : [النحل: 58] يعني من الحزن فعلى هذا بياض الوجوه إشراقها وسرورها واستبشارها بعملها، وذلك أن المؤمن إذا ورد القيامة على ما قدم من خير وعمل صالح استبشر بثواب الله ونعمه عليه فإذا كان كذلك وسم وجهه ببياض اللون وإشراقه واستنارته وابيضت صحيفته وأشرقت وسعى النور بين يديه وعن يمينه وشماله. وأما الكافر والظالم إذا ورد القيامة على ما قدم من قبيح عمل وسيئات حزن واغتم لعلمه بعذاب الله فإذا كان كذلك وسم وجهه بسواد اللون وكمودته واسودت صحيفته وأظلمت وأحاطت به الظلمة من كل جانب نعوذ بفضل الله وسعة رحمته من الظلمات يوم القيامة والقول الثاني بياض الوجوه وسوادها حقيقة تحصل في الوجه فيبيض وجه المؤمن ويكسى نوراً ويسود وجه الكافر ويكسى ظلمة لأن لفظ البياض والسواد حقيقة فيهما والحكمة في بياض الوجوه وسوادها أن أهل الموقف إذا رأوا بياض وجه المؤمن عرفوا أنه من أهل السعادة وإذا رأوا سواد وجه الكافر عرفوا أنه من أهل الشقاوة {فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} أي فيقال لهم أكفرتم والهمزة للتوبيخ والتقريع. فإن قلت كيف قال أكفرتم بعد إيمانكم وهم لم يكونوا مؤمنين فمن المراد بهؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم. قلت اختلف العلماء في ذلك فروى عن أبيّ بن كعب أنه قال: أراد به الإيمان يوم أخذ الميثاق حين قال لهم ألست بربكم؟ قالوا بلى فآمن الكل، فكل من كفر في الدنيا فقد كفر بعد الإيمان، وقال الحسن: هم المنافقون وذلك أنهم تكلموا بالإيمان بألسنتهم وأنكروه بقلوبهم. وقال عكرمة: هم أهل الكتاب وذلك أنهم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه فلما بعث أنكروه وكفروا به وقيل هم الذين ارتدوا زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهم أهل الردة (ق) عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا فرطكم على الحوض وليرفعن إليّ رجال منكم حتى إذا أهويت إليهم لأنا لهم اختلجوا دوني فأقول أي رب أصحابي فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" تفسير : (ق) عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليردنَّ عليَّ الحوض رجال ممن صاحبني حتى إذا رفعوا إليّ اختلجوا دوني فلأقولن أي رب أصحابي أصحابي فيقال لي لا تدري ما أحدثوا"تفسير : زاد في رواية فأقول: "حديث : سحقاً لمن بدل بعدي" تفسير : (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يرد على يوم القيامة رهط من أصحابي أو قال من أمتي فيجلون عن الحوض فأقول يا رب أصحابي فيقول: أنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقهرى" تفسير : وقيل هم الخوارج الذين خرجوا على عليّ بن أبي طالب وقتلهم وهم الحرورية. (م) عن زيد بن وهب أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي لما ساروا إلى الخوارج فقال عليّ: أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : "يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية" تفسير : وفي رواية سويد بن غفلة عنه "حديث : يقرؤون القرآن لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة تفسير : (ق) بشير بن عمرو. قال: قلت لسهل بن حنيف هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الخوارج شيئاً قال: سمعته يقول وأهوى بيده إلى العراق "حديث : يخرج منهم قوم يقرؤون القرآن لايجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية" تفسير : وقيل هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة كالقدرية ونحوهم ومن قال بهذا القول يقول كفرهم بعد إيمانهم هو خروجهم من الجماعة ومفارقتهم في الاعتقاد. (م) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا"تفسير : . وقال الحارث الأعور: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول على المنبر: إن الرجل ليخرج من أهله فما يؤوب إليهم حتى يعمل عملاً يستوجب به الجنة وإن الرجل ليخرج من أهله فما يعود إليهم حتى يعمل عملاً يستوجب به النار ثم قرأ {يوم تبيض وجوه} الآية ثم نادى هم الذين كفروا بعد الإيمان ورب الكعبة.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ...} الآية: قال ابن عبَّاس: هي إشارة إلى كلِّ مَنِ ٱفترَقَ من الأمَمِ في الدِّين، فأهلكهم الافتراقُ، وقال الحسنُ: هي إشارة إلى اليهودِ والنصارىٰ. قلتُ: وروى أبو داوُدَ في سُنَنِهِ، عن معاويةَ بْنِ أبي سُفْيَان، قال: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ ٱفْتَرَقُوا عَلَىٰ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَىٰ ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ، ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الجَنَّةِ، وَهِيَ الجَمَاعَةُ»تفسير : ، وروى أبو هريرة نحوه، ولم يَذْكُرِ النَّار اهـــ. وقوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} الآية: بياضُ الوُجُوهِ: عبارةٌ عن إشراقِها وٱستنارتِها وبِشْرِها برحمة اللَّهِ؛ قاله الزَّجَّاج وغيره. وقوله تعالى: {أَكْفَرْتُمْ}: تقريرٌ وتوبيخٌ متعلِّق بمحذوف، تقديره: فيقالُ لهم: أكفرتم، وفي هذا المَحْذُوفِ جوابُ «أمَّا»، وهذا هو فحوَى الخطَابِ، وهو أنْ يكون في الكلام شيْءٌ مقدَّر لا يستغنِي المَعْنَىٰ عنه؛ كقوله تعالى: {أية : فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ } تفسير : [البقرة:184] المعنى: فَأَفْطَرَ، فَعِدَّةٌ. وقوله تعالى: {بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ} يقتضي أنَّ لهؤلاء المذكورين إيماناً متقدِّماً، واختلف أهل التأويل في تَعْيِينِهِمْ، فقال أُبيُّ بْنُ كَعْبٍ: هم جميعُ الكُفَّارِ، وإيمانهم هو إقرارهم يَوْمَ قِيلَ لهم: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف:172] وقال أكثر المتأوِّلين: المراد أهل القبْلَة مِنْ هذه الأمة، ثم ٱختلفوا، فقال الحسَنُ: الآية في المنافقين، وقال قتادة: هي في أهْل الرَّدة، وقال أبو أُمَامة: هي في الخَوَارج. وقوله تعالى: {تِلْكَ آيَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ} الإشارة بـــ «تِلْكَ» إلى هذه الآياتِ المتضمِّنة تعذيبَ الكُفَّار، وتَنْعِيمَ المؤمنين، ولَمَّا كان في هذا ذكْرُ التعذيبِ، أخبر سبحانه؛ أنه لا يريدُ أنْ يقع منه ظُلْمٌ لأحدٍ من العبادِ، وإذا لم يردْ ذلك، فلا يوجد ألبتة؛ لأنه لا يَقَعُ من شيء إلاَّ ما يريده سُبْحانه، وقوله: {بِٱلْحَقِّ}: معناه بالإخبار الحَقِّ، ويحتمل أنْ يكون المَعْنَىٰ: نَتْلُوهَا عَلَيْكَ مضمَّنة الأفعال التي هِيَ حَقٌّ في نفسها من كرامةِ قومٍ، وتعذيبِ آخرينَ، ولما كان للذِّهْنِ أنْ يقف هنا في الوَجْه الذي به خَصَّ اللَّه قومًا بعملٍ يرحمهم مِنْ أجله، وآخرين بعملٍ يعذِّبهم عليه، ذكر سبحانه الحُجَّة القاطعة في مِلْكِهِ جميعَ المخلوقاتِ، وأنَّ الحَقَّ أَلاَّ يعترض علَيْه؛ وذلك في قوله: {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ...} الآية.

ابو السعود

تفسير : {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ} هم أهلُ الكتابـين حيث تفرقت اليهودُ فِرَقاً والنصارىٰ فِرَقاً {وَٱخْتَلَفُواْ} باستخراج التأويلاتِ الزائغةِ وكتمِ الآياتِ الناطقةِ وتحريفِها بما أخلدوا إليه من حُطام الدنيا الدنيئة {مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ} أي الآياتُ الواضحةُ المبـينةُ للحق للاتفاق عليه واتحادِ الكلمة، فالنهيُ متوجهٌ إلى االمتصدِّين للدعوة أصالةً وإلى أعقابهم تَبَعاً، ويجوز تعميمُ الموصولِ للمختلِفين من الأمم السالفةِ المشارِ إليهم بقوله عز وجل: {وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ} وقيل: هم المبتدِعة من هذه الأمة، وقيل: هم الحرَورية وعلى كل تقدير فالمنهيُّ عنه إنما هو الاختلافُ في الأصول دون الفروعِ إلا أن يكون مخالفاً للنصوص البـيِّنة أو الإجماعِ لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : اختلافُ أمتي رحمةٌ» تفسير : وقولِه عليه السلام: «حديث : من اجتهد فأصاب فله أجرانِ ومن أخطأ فله أجرٌ واحدٌ»تفسير : . {وَأُوْلـئِكَ} إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافِهم بما في حيز الصلة وهو مبتدأٌ وقولُه تعالى: {لَهُمْ} خبرُه وقوله تعالى: {عَذَابٌ عظِيمٌ} مرتفع بالظرف على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ، أو مبتدأٌ والظرفُ خبرُه والجملة خبر للمبتدأ الأول. وفيه من التأكيد والمبالغةِ في وعيد المتفرِّقين والتشديدِ في تهديدِ المشبَّهين بهم ما لا يخفى.

القشيري

تفسير : هؤلاء أقوام أظهر عليهم في الابتداء رقومَ الطلب، ثم وسمهم في الانتهاء بِكَيِّ الفُرقة، فباتوا في شق الأحباب، وأصبحوا في زمرة الأجانب.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولا تكونوا كالذين تفرقوا} هم اهل الكتابين حيث تفرقت اليهود فرقا والنصارى فرقا {واختلفوا} باستخراج التأليفات الزائغة وكتم الآيات الناطقة وتحريفها بما اخلدوا اليه من حطام الدنيا الدنية. قال الامام تفرقوا بابدانهم بان صار كل واحد من اولئك الاحبار رئيسا فى بلد ثم اختلفوا بان صار كل واحد منهم يدعى انه على الحق وان صاحبه على الباطل. واقول انك اذا أنصفت علمت ان اكثر علماء هذا الزمان صاروا موصوفين بهذه الصفة فنسأل الله العفو والرحمة انتهى {من بعد ما جاءهم البينات} اى الآيات الواضحة المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه واتحاد الكلمة {واولئك لهم عذاب عظيم} فى الآخرة بسبب تفرقهم فانه يدوم ولا ينقطع ولما امر الله هذه الامة بان يكونوا آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر وذلك لا يتم الا اذا كان الآمر بالمعروف قادرا على تنفيذ هذا التكليف على الظلمة والمتغلبين ولا تحصل هذه القدرة الا اذا حصلت الالفة والمحبة بين اهل الحق والدين فلا جرم حذرهم الله عن التفرقة والاختلاف لكيلا يصير ذلك سببا لعجزهم عن القيام بهذا التكليف. فعلى المؤمنين ان لا يكونوا ناشئين بمقتضى طباعهم غير متابعين لامام ولا متفقين على كلمة واحدة باتباع مقدم يجمعهم على طريقة واحدة فان لم يكن لهم مقتدى وامام تتحد عقائدهم وسيرهم وآراؤهم بمتابعته وتتفق كلمتهم فى الآخرة على محسوس اوضح من ظهوره فى الدنيا ممن دعا الى الله على بصيرة كالرسول واتباعه الذين الحقهم الله بدرجات الدنيا فى الدعاء اليه على بصيرة كلماتهم وعاداتهم واهوائهم لمحبته وطاعته كانوا مهملين متفرقين فرائس للشيطان كشريدة الغنم تكون للذئب ولهذا قال امير المؤمنين على رضى الله عنه لا بد للناس من امام بار او فاجر ولم يرسل نبى الله رجلين فصاعدا لشأن الاوامر احدهما على الآخر وامر الآخر بمتابعته وطاعته ليتحد الامر وينتظم والا وقع الهرج والمرج واضطرب امر الدين والدنيا واختل نظام المعاش والمعاد قال عليه السلام "حديث : من فارق الجماعة قيد شبر لم ير بحبوحة الجنة " .تفسير : وقال "حديث : يد الله مع الجماعة ". تفسير : فان الشيطان مع الفذ هو من الاثنين ابعد ألا يرى ان الجمعية الانسانية اذا لم تنضبط برياسة القلب وطاعة العقل كيف اختل نظامها وآلت الى الفساد والتفرق الموجب لخسار الدنيا والآخرة ولما نزل قوله تعالى {أية : وان هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} تفسير : [الأنعام: 153]. خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا فقال "حديث : هذا سبيل الرشد " .تفسير : ثم خط عن يمينه وشماله خطوطا فقال "حديث : هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعوا اليه " .تفسير : فعلى العاقل ان يسلك الى صراط التوحيد ولوازمه وحقوقه ويجتنب عن سبل الشيطان واسباب الدخول فيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : امرت ان اقاتل الناس" تفسير : الى ان قال "حديث : وحسابهم على الله " .تفسير : اراد بقوله وحسابهم على الله انه لا يعلم انهم قالوها معتقدين لها فالمشرك لا قدم له على صراط التوحيد وله قدم على صراط الوجود والمعطل لا قدم له على صراط الوجود فالمشرك ما وحد الله هنا فهو من الموقف الى النار مع المعطلة ومن هو من اهل النار الا المنافقين فلا بد لهم ان ينظروا الى الجنة وما فيها من النعيم فيطمعون فذلك نصيبهم من الجنان ثم يصرفون الى النار وهذا من عدل الله فقوبلوا باعمالهم فالشرع هنا هو الصراط المستقيم ولا تزال فى كل ركعة من الصلاة تقول اهدنا الصراط المستقيم فهو احدّ من السيف وادق من الشعر وظهوره على علم وكشف. قال على كرم الله وجهه لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا فمن تمسك بالشرع المتين والقرآن المبين واهتدى الى هذا الصراط المستقيم وتخلص من التفرق الموجب للعذاب الاليم فليس عليه حساب ولا صراط فى الآخرة بل هو مع الانبياء والاولياء فى النعيم المقيم ومن زلت قدمه عن الشرع فى الدنيا بارتكاب المحظورات زلت فى الآخرة ايضا اذ من كان فى الدنيا اعمى محجوبا غير واصل كان فى الآخرة ايضا كذلك والعياذ بالله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الزالون على الصراط كثير واكثر من يزل عنه النساء " .تفسير : وقال "حديث : رأيت النار واكثر اهلها النساء فانهن يكثرن اللعن ويكفرن العشير فلو احسنت الى احداهن الدهر كله ثم اذا رأت منك شيأ قالت ما رأيت منك خيرا قط " .تفسير : فانظر كيف زلت اقدامهن عن الصراط فى الآخرة وما ذلك الا لكونها زالة عن صراط الشرع فى الدنيا بالاعتقاد والاعمال: ونعم ما قال الجامى شعر : عقل زن ناقص است ودينش نيز هر كزش كامل اعتقاد مكن كر بدست ازوى اعتبار مكير ورنكو بروى اعتماد مكن تفسير : فاذا وقفت على هذا التفصيل فاجتهد ايها العبد الذليل فى طريق المتابعة والموافقة للانبياء والكاملين وتمسك بذيل شيخ واصل الى اليقين لعله يجمع باذن الله شملك بعدما تبدد وصلك وتفرق حالك فان الطريق المجهول لا بد له من مرشد والا فالهلاك عصمنا الله واياكم من الخلاف والاختلاف واسلكنا طريق الاخيار من الاسلاف وثبتنا فيه الى آخر الآجال وحشرنا باهل الفضل والكمال.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {يوم} متعلق بالاستقرار في خبر {أولئك}، أو باذكر؛ محذوفة، وقوله: {أكفرتم}: محكي بقول محذوف جواب {أما}، أي: فيقال لهم: أكفرتم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولا تكونوا} كاليهود والنصارى الذين {تفرقوا} في التوحيد والتنزيه، {واختلفوا} في أحوال الآخرة، قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : افْتَرقَتِ اليَهُودُ على إِحْدَى وسَبْعِين فرقَةً، وافْتَرقَت النَّصارَى عَلَى ثَنْتَيْنِ وسَبْعِين فِرقَةٌ، وستفترق أمتي على ثلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقةً، كلُّها في النَّارِ إلا وَاحِدةً. قيل: ومَنْ تلك الواحدة؟ قال: ما أَنَا وأَصْحابِي عَلَيْه"تفسير : . وهذا الحديث أصح مما تقدم، والصحابة يروْوُن الحديث بالمعنى، فلعلَّ الأول نسي بعض الحديث. والله أعلم. ثم إن النهي مخصوص بالتفرق في الأصول دون الفروع، لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : اخْتلاَفُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ"تفسير : ، ولقوله:"حديث : من اجْتَهَدَ وأصَابَ فله أجْرَانِ، ومن اجْتَهدَ وأخطَأَ فَلَهُ أجْرٌ وَاحد ". تفسير : ثم إن أهل الكتاب تفرقوا {من بعد ما جاءهم البينات} أي: الآيات والحجج المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه، {وأولئك لهم عذاب عظيم}، يستقر لهم هذا العذاب {يوم تبيض وجوه} المؤمنين المتقين على التوحيد، {وتسود وجوه} الكافرين المتفرقين فيه، أو تبيض وجوه المخلصين وتسود وجوه المنافقين، أو تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة. وبياض الوجوه وسوادها كِنَايتَان عن ظهور بهجة السرور وكآبة الخوف فيه، وقيل: يُوسَم أهل الحق ببياض الوجوه والصحيفة وإشراق البشرة وسعي النور بين يديه وبيمينه، وأهل الباطل بأضداد ذلك. {فأما الذين اسودت وجوههم} فيقال لهم يومئذ: {أكفرتم} بمحمد - عليه الصلاة والسلام - بعد ظهوره، {بعد إيمانكم} به قبل ظهوره، وهم اليهود أو أهل الردة، آمنوا في حياته صلى الله عليه وسلم وكفروا بعد موته. أو جميع الكفار، آمنوا في عالم الذر وأقروا على أنفسهم، ثم كفروا في عالم الشهادة، ويقال لهم أيضاً: {ذوقوا العذاب} بسبب ما كنتم {تكفرون}. {وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله} أي: جَنته، {هم فيها خالدون}. وعبَّر بالرحمة عن الجنة؛ تنبيهاً على أن المؤمن، وإنْ استغرق عمره في طاعة الله - تعالى -، لا يدخل الجنة إلا برحمة الله وفضله، وكان حق الترتيب أن يقدم حِلية المؤمنين لتقدُّم ذكرهم، لكن قصد أن يكون مطلعُ الكلام ومقطعُه حليةَ المؤمنين وثوابهم. {تلك آيات الله} الواردة في وَعْده وَوَعِيدِه، {نتلوها عليك} متلبسة {بالحق} لا شبهة فيها، فقد أعذر وأنذر، {وما الله يريد ظلماً للعالمين}؛ إذ لا يحق عليه شيء فيظلم بنقصه، ولا يُمنع من شيء فيظلم بفعله، كما بيَّنه بقوله: {ولله ما في السماوات وما في الأرض} ملكاً وخلقاً وعبيداً، فيجازي كلا بما وَعَدَه، وأوْعَدَه، {وإلى الله ترجع الأمور} كلها؛ فيتصرف على وفْقِ مراده وسَابق مشيئته،{أية : لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ}تفسير : [الأنبيَاء: 23]. الإشارة: قد نهى الله - تعالى - أهل الجمع عن التشبه بأهل الفرق، في اختلاف قلوبهم ووجوههم وآرائهم وأنظارهم، من بعد ما جاءتهم الدلائل الواضحات على طلب جمع القلب على الله، والتودد في الله، وصرف النظرة في شهود الله، وأولئك المفترقون لهم عذاب عظيم، وأيّ عذاب أعظم من الحجاب؟ يوم تبيض وجوه العارفين، فتكون كالشمس الضاحية، يسرحون في الجنان حيث شاءوا، وتسود وجوه الجاهلين؛ لما يعتريها من الندم، وسوادها باعتبار وجوه العارفين في النقص عنها، وإن كانت مُبْيَضَّةً بنور الإيمان، لكن فاتهم نور الإحسان، فيقال: أكفرتم بالخصوصية في زمانكم، بعد إيمانكم بها فيمن سلف قبلكم؟ فذوقوا عذاب القطيعة عن شهود الحبيب في كل حين، وأما الذين ابيضت وجوههم وأشرقت بنور البقاء، ففي رحمة الله، أي: جنة المعارف{أية : فِى مَقْعَدٍ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِر}تفسير : [القَمَر: 55]، فقد اتضحت الطريق، وظهرت أعلام التحقيق، لكن الهداية بيد الله، كما أنَّ الأمور كلها بيده، يهدي مَن يشاء ويضل من يشاء،{أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَمٍ لِّلْعَبِيدِ}تفسير : [فُصّلَت: 46]. وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : المعنى: قال الحسن، والربيع: المعني بهذا التفرق في الآية اليهود والنصارى، فكأنه قال يا أيها المؤمنون {لا تكونوا كالذين تفرقوا} يعني اليهود والنصارى. وقوله: {من بعد ما جاءهم البينات} معناه من بعد ما نصبت لهم الادلة ولا يدل ذلك على عناد الجميع، لأن قيام البينات إنما يعلم بها الحق إذا نظر فيها واستدل بها على الحق، فان قيل إذا كان التفرق في الدين هو الاختلاف فيه، فلم ذكر الوصفان؟ قلنا: لأن معنى {تفرقوا} يعني بالعداوة واختلفوا في الديانة، فمعنى الصفة الأولى مخالف لمعنى الصفة الثانية، وفيمن نفى القياس، والاجتهاد من استدل بهذه الآية على المنع من الاختلاف جملة في الاصول والفروع، واعترض من خالف في ذلك بأن قال لا يدل ذلك على فساد الاختلاف في مسائل الاجتهاد، كما لا يدل على فساد الاختلاف في المسائل المنصوص عليها، كاختلاف حكم المسافر والمقيم في الصلاة والصيام، وغير ذلك من الأحكام، لأن جميعه مدلول على صحته إما بالنص عليه وإما بالرضى به، وهذا ليس بشيء، لأن لمن خالف في ذلك أن يقول: الظاهر يمنع من الاختلاف على كل حال إلا ما أخرجه الدليل، وما ذكره أخرجناه بالاجماع فالاجود في الطعن أن يقال: وقد دل الدليل على وجوب التعبد بالقياس والاجتهاد! قلنا: إن يخص ذلك أيضاً ويصير الكلام في صحة ذلك أو فساده، فالاستدلال بالآية إذاً صحيح على نفي الاجتهاد. وقوله: {جاءهم البينات} إنما حذفت منه علامة التأنيث إذا تقدم، فكذلك لا يلحقه علامة التأنيث لشبهها علامة التثنية والجمع.

الجنابذي

تفسير : {وَلاَ تَكُونُواْ} يعنى فاجتمعوا على التّمسّك بتلك الامّة ولا تكونوا {كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ} كاليهود والنّصارى تركوا التّمسّك باوصياء موسى (ع) وعيسى (ع) وتفرّقوا غاية التفرّق واختلفوا غاية الاختلاف {مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} كما جاءتكم البيّنات والحجج الدّالاّت على وجوب التّمسّك وعلى معرفة من تتمسّكون به {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} توعيد للمتفرّقين وتهديد بليغ للمتشبّهين بهم من هذه الامّة ولهذا التهديد البليغ أكّد عذابهم باسميّة الجملة والاتيان بها ذات وجهين فانّه فى قوّة تكرار النّسبة والاتيان باسم الاشارة البعيدة وتأكيد العذاب بالعظيم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. هم أهل الكتاب. يقول: لا تفعلوا كفعلهم. ذكروا عن عطاء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لتتبعنّ سَنَنَ الذين من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. قيل: يا رسول الله، أهم اليهود والنصارى؟ قال: فمن إذاً؟ . تفسير : قوله: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} قد فسّرناه قبل هذا. {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} يعني الجنة، أي: لا يموتون ولا يخرجون منها. قوله: {تِلْكَ ءَايَاتُ اللهِ} أي هذه آيات الله {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} أي عواقبها في الآخرة. [قوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} يعني بتوحيد الله {وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ} يعني عن الشرك بالله {وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ} ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" حديث : أنتم توَفّون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله ". تفسير : وقال الكلبي: إن من كان قبل هذه الأمة من الأمم، كانوا يستحلون ظلم من دخل فيهم ممن هو على غير دينهم. فلما بعث الله هذه الأمة جعلهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وجعلهم خير الأمم. قوله: {وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم} يعني عامَّتهم. ثم قال: {مِّنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ}. يعني من آمن منهم هم المؤمنون، وأكثرهم الفاسقون وهو فسق دون فسق، وفسق فوق فسق. وكان فسق أهل الكتاب شركاً، يعني به الذين ثبتوا على اليهودية والنصرانية.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ}: قال الحسن والجمهور: هم اليهود والنصارى، تفرقوا عن دين الله الذى كان بأيديهم بأن زَلّوا عنه. واختلفوا فيه بعد ما جاءتهم التوراة والإنجيل، قالت اليهود: الدين الحق اليهودية، وقالت النصارى: النصرانية وقال: كل واحد من الفريقين لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا، وكذب اليهود عيسى، ومحمداً عليهما الصلاة والسلام، وقالوا عزير ابن الله وقالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة، وكذَّب النصارى محمداً صلى الله عليه وسلم، وقالوا: المسيح ابن الله، وأنه تبعث الأرواح دون الأجساد {فاختلفوا} كالتأكيد لـ {تفرقوا}. وقيل: تفرقوا بالعداوة، واتباع اليهود وعدم الألفة، والاجتماع، واختلفوا بسبب اختلافهم فى الأديان، وقد تفرقوا بسبب استخراج التأويلات الفاسدة من نصوص كتابهم، واختلفوا بأن حاول كل واحد منهم نصرة قوله، وقيل: تفرقوا بأبدانهم، بأن كان كل واحد منهم من أولئك الأحبار رئيساً فى بلد، ثم اختلفوا حتى صار كل واحد منهم يدعى أنه على الحق، وأن صاحبه على الباطل. قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن من قبلكم من أهل الكتاب يعنى النصارى، افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعون فى النار، وواحدة فى الجنة، وهى الجماعة"تفسير : هذا لفظ أبى داود فى سننه، عن معاوية بن أبى سفيان، ومثله لأبى هريرة ولم يذكر النار، بل قال: على وسبعين: واحدة فى الجنة. وعن ابن عباس: الذين تفرقوا واختلفوا كل من افترق من الأمم فى الدين فأهلكهم الافتراق. {وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}: وهو يوم القيامة وهو متعلق بقوله {لهم} لنيابته عن نحو ثابت أو ثبت أو بالمنوب عنه المحذوف أو مفعول لأذكر محذوفاً، ولا يخفى أن النهى عن التفرق، والاختلاف والوعيد عليه، إنما هما فى الأصول دون الفروع، لحديث: "حديث : اختلاف أمتى رحمة"تفسير : ولقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد"تفسير : وقرىء بكسر تاء {تبيض} وتسود، وقرىء تبياض وتسواد بفتحهما، وبألف قبل الضاد والدال، وتشديدهما، وابيضاض وجوه، واسوداد وجوه حقيقتان لا مجاز ولا كناية وذلك أن من كان من أهل الحق ولو يبدل ولو يغير، كان وجهه يوم القيامة أبيض مسفراً مشرقاً، وكذا سائر جسده، وكانت صحيفته بيضاء مشرقة، وسعى النور بين يديه وبيمينه، ومن لم يكن من أهل الحق أو بدل وغير كان وجهه يوم القيامة أسود كسفا كمداً وكذا سائر جسده، واسودت صحيفته وأظلمت، وأحاطت به الظلمة من كل جانب، والأصل الحقيقة، ولا يخرج عنها إلا لدليل صارف، وقال الزجاج: ابيضاضها واسودادها كناية عن فرح المؤمن وسروره وظهور بهجته، وحزن الكافر وكآبته وغمه، وحكمة ظهور البياض فى وجه السعيد، أنهُ يفرح بعلم قومه وعدوه، أنه سعيد، وحكمة ظهور السواد فى وجه الشقى أن يغتم بظهوره، ومثلهما الفرح والحزن ومن المجاز أو الكناية فى ذلك، قوله تعالى: {أية : وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا}تفسير : ومثل هذا كثير، ثم إن عبارة بعض: تبيض وجوه المؤمنين، وتسود وجوه الكافرين، وعبارة بعض: تبيض وجوه المخلصين، وتسود وجوه المنافقين، وعليه فيقاس على وجوه المنافقين، وجوه المشركين، أو ذلك من قائله تمثيل، وعن عطاء: تبيض وجوه المهاجرين والأنصار، وتسود وجوه بنى قريظة والنضير، وقيل: تبيض وجوه من أسلم وبقى على الإسلام، وتسود وجوه المرتدين، وقيل: تبيض وجوه من كان على السنة، وتسود وجوه أهل البدع، والأهواء كالصفرية وسائر الفرق المبطلة، ولعل التخصيص فى هذه الأقوال، تمثيل وإن كان تفسير أحمل عليه غيره ولا دليل لأصحاب التخصيص، فالأولى التعميم للمؤمنين والكفار، والوعيد إنما هو مخالفة دين الله، فعليها: الأسوداد، وعلى الموافقة الابيضاض. فمن خالف الجماعة، أعنى الحق الذى يجب على الناس أن يكونوا فيه جماعة واحدة، فهو الذى يسود وجهه، وهو المراد فى حديث أبى ذر من رواية أبى داود قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" تفسير : وربقة والإسلام: عقدة استعارة من ربقة الحبل، وهو عروة فيه، والجمع: ربق. وذلك أنهُ تجعل عدة عرى فى حبل واحد. وفى حديث عمر رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من سره بحبوحة الجنة، فعليه بالجماعة، فإن الشيطان مع الفذ، وهو من الإثنين أبعد" تفسير : البحبوحة: الوسط، والفذ: الواحد، والمراد: من خرج عن الجماعة المأمور بالكون معها، ولا تعتبر الكثرة، فإنهُ لو قيل لك كن مع الجماعة الذين يفعلون كذا، ورأيت واحداً يفعله، لفهمت أنك تكون معه فما تجد أحداً على السنة والقرآن تحقيقاً غير أهل الدعوة، وأنا أدركت ذلك، إدراكاً تاماً لا تقليداً، والحمد لله، ورأيت من قرب إلى ديانتنا من قومنا تارة، يؤولون ما تأويله تكلف بعيد لبعد أدلتهم، وتارة يبقون على الظاهر تحقيقاً ما وجب تأويله لتظاهر أدلته، وقربها جداً ولزومها، وتارة يبقونه على ظاهره نطقاً ما وجب تأويله، ويكلون تحقيقه إلى الله مع علمهم باستحالة الجرى على ظاهره، كالراجع عن علمه، وربما وجدنا كذباً كذبوه فى كتبهم منه قول بعض منهم: الذين تفرقوا واختلفوا هم من خرج عن على، عند قبوله التحكيم. فإن أمر الحكمين لم يكن حين نزلت الآية، بل فى إمارة على، وتفرقوا واختلفوا صيغتان ماضويتان، ولا دليل على صرفهما للاستقبال، ولا على التعيين لمن ذكر، بل دلت الأدلة على خلوصهم من ذلك، وعلى أنهم المحقون الذين تبيض وجوههم، فمن خالفهم فهو داخل فى قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}: وهو يعم كل من كفر بعد إيمانه واعلم أنه قد خرج عن على حين أذعن للحكومة، صحابة كثيرون، رضى الله عنهم وتابعون كثيرون، فترى المخالفين يذمون، ويشتمون من خرج عنه، ويلعنونه غير الصحابة الذين خرجوا عنه، والخروج واحد، إما حق فى حق الجميع، أو باطل فى حق الجميع، وسيأتيك إن شاء الله أن الخروج فى جنب الصحابة والتابعين معاً، فإذا كان حقاً فى جنب الكل فكيف يشتمون من خرج من غير الصحابة؟ وإن كان باطلا فى جنب الكل، فقد استحق الصحابة الشتم أيضاً - عافاهم الله - وترى المخالفين يروون أحاديث لم تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يصح الحديث ويزيدون فيه، وقد يصح الحديث ويأولونه فينا وليس فينا، ومن ذلك ما رواه الزمخشرى عن أبى أمامة: أن الذين اسودت وجوههم هم الخوارج، وأنه لما رآهم على درج دمشق دمعت عيناه، ثم قال كلاب النار هؤلاء شر قتلى تحت أديم السماء، وخير قتلى تحت أديم السماء، الذين قتلهم هؤلاء، فقال له أبو غالب: أشىء لقوله برأيك؟ أم شىء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة. قال: فما شأنك دمعت عيناك؟ قال: رحمة لهم كانوا من أهل الإسلام فكفروا. ثم قرأ هذه الآية ثم أخذ بيده، فقال: إن بأرضك منهم كثيراً فأعاذك الله منهم، فهذا الحديث: إنا أن يكون موضوعاً لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما قاله ابو أمامة عنه صلى الله عليه وسلم، وإما أن يكون قد قاله صلى الله عليه وسلم، وليس فيمن خرج عن على فى أمر الحكمين وإلا شمل الصحابة الخارجين عنه رضى الله عنهم، وقومنا هم لا يقولون بشتمهم، فكيف يشتم غير الصحابة بفعل فعله الصحابة، واقتدوا بالصحابة فيه مع أنهم قد اقتدوا بمن قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اقتدوا بهم وإنهم كالنجوم"تفسير : والحق مع فريق واحد له أدله تأتى إن شاء الله، فأخطأ أبو أمامة فى تأويله بمن خرج عن التحكيم، لأنهُ من أصحاب الدعوى والنزاع فى ذلك فيكون الحديث فى الصفرية وهم المبالغون فى العبادة جداً وهم شر قتيل، وقاتلهم خير قاتل، فأخطأ أبو إمامة فى تفسيره الحديث بمن رآهم على درج دمشق ممن نفى التحكيم، ومن ذلك ما رووه حديث : عن على بن أبى طالب أنه قال حين سار إلى الذين خرجوا عنه، أيها الناس..إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج قوم من أمتى يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشىء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشىء يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم، وهو عليهم، لاتجاوز صلاتهم، أو قال: قراءتهم تراقبهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرميةتفسير : . وفى رواية سويد بن علقمة:"حديث : يقرءون القرآن، ولا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم، فإن فى قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة"تفسير : ومثل هذا الحديث فى صحيح الربيع بن حبيب رحمه الله، فترى على بن أبى طالب، وهو خصم يتأول الحديث فى من خاصموه، أعنى غلبوه فى الخصومة فخصموه، والحمد لله رب العالمين، وهو مدع ويأتيك ما يبطل هذه الدعوى ولا يخفى بطلانها، فإن عباد قومنا فيما نرى، من اجتهادهم فى كتب القوم، أكثر عبادة، وقراءة، وهم المعروفون بذلك أكثر، وليس نافع لهم مع بعضهم المسلمين واعتقادهم الرؤية وغيرها مما يقدح فى توحيدهم وإسلامهم، فإذا كان الحديث صحيحاً فيمن أنكر التحكيم، فلم قصروه على غير الصحابة؟ مع أن ممن أنكره كثيراً من الصحابة، فلعل الحديث فيمن رضى بالتحكيم بعد زمان على من المخالفين الفائقين فى العبادة المصوبين للتحكيم الذى أخذوا به، وفى الصفرية ونحوهم ومن ذلك ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: حديث : وأهوى بيده إلى العراق يخرج منه قوم يقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية تفسير : ،هذا نفس الحديث، فأخطأ سهل بن حنيف فى تأويله هذا الحديث بمن لم يرض الحكومة، وإنما هو فى الصفرية ومن رضى الحكومة، أو فى أمر عثمان وهو الفتنة، التى يشير إليها أنها تأتى من المشرق وحديثها فى صحيح الربيع - رحمه الله - ومنها حديث مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً، ويمسى كافراً، ويمس مؤمناً، ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنياتفسير : ، فهذا الحديث لا يستطيع مخالف أن يكابر عقله، والأخبار الواصلة إليه أن يأوله فيمن أنكر الحكومة لاشتهار المنكرين لها بالزهد والورع، ولو عند قومنا، وإنما يبيع الدين بعرض من الدنيا فى قوم عثمان حين قاتله المسلمون، وفى قوم معاوية حين قاتل عليا، وهذا يقربه قومنا، أو يكادون، والدليل الأقوى على أن تلك الأحاديث ليست فينا ولا فيمن اقْتَدَيْنَا بهم، وإن الراضين بالتحكيم هم المبطلون، ما رواه أبو عمر، وعثمان بن خليفه: حديث : أن رجلا من تلاميذ أبى موسى الأشعرى عبد الله ابن قيس، لقيه بعد ما وقع من أمر التحكيم، فقال لهُ: قف يا عبد الله بن قيس أستفتيك، فوقف وكان التلميذ قد حفظ عنهُ أنه حكى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: سيكون فى هذه الأمة حكمان ضالان مضلان يضلان ويضل من اتبعهما، قال فلا تتبعهما، وإن كنت أحدهما، ثم قال لهُ التلميذ: إن صدقت، فعليك لعنة الله، وإن كذبت فعليك لعنة اللهتفسير : ، ومعنى ذلك إن كانت الرواية التى رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحة، ثم وقع فيها، فعليه لعنة الله وإن كان كاذباً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعليهِ لعنة الله لنقله الكذب عن رسول الله، لا محيص له عن الأمرين جميعاً، فهكذا يكون الرجوع عن العلم، يعنى فى المعنى، وأما لفظاً فليس أبو موسى راجعاً، لأنه قد ثبت على ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو عمرو: واسم الذى سأله سفعة. قلت: وقيل سماعة. قال: فليس هذا برجوع إنما هذا سابق شقاء وضلال، قاده إليه مخالفة المسلمين، نعوذ بالله، واسم أبيه عقيل الحجاب، فيما حكى أبو يحيى عبد السلام بن الشيخ عبد الكريم - رحمه الله - حدث بذلك أبو يعقوب، وهو من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قتل يوم اليمامة رحمه الله عليه يعنى والد سفعة أبا عقيل، وفى كتاب النووى من المخالفين، وغيره، وحكاه أبو القاسم البرادى بلغنا أن سماعة لما بلغه ما فعل الحكمان، تلقى أبا موسى فقال له "يا أبا موسى إن كنت كاذباً، فعليك لعنة الله، وإن كنت صادقاً فعليك غضب الله، ألم أسمعك تقول حكمان ضالان مضلان، يضلان ويضل من اتبعهما، وفيهِ أن نبى الله، صلى الله عليه وسلم، كان يقول: "حديث : حكمان يبعثان ضالان مضلان، يضلان ويضل من اتبعهما"تفسير : وذكر أبى موسى هذا الحديث لأهل البصرة فقال لهم: تتبعوهما، وإن كنت أحدهما.. حديث : وقال عمار بن ياسر رضى الله عنه، لما ذكر أمر الحكمين، وأمر أبى موسى: يا أبا موسى أذكرك بالله، هل سمعت نبى الله يقول من كان ذا وجهين، وذا لسانين فى الدنيا جعل الله له وجهين ولسانين فى النار. فقال أبو موسى: اللهم نعم. فقال عمار: فإنى سمعت رسول الله يقول: تكون فتنة يكون فيها أبو موسى ذا وجهين، وذا لسانينتفسير : ، ولقد ندم على بن أبى طالب على قتاله من خرج عنه، وبكى طويلا وقال: إنهم خيار الأمة وأسود النهار، ورهبان الليل، وقبل ذلك أرسل إليهم ابن عمه ابن عباس فخاصموه، فخصموه، وأقر ابن عباس أنهم على الحق، وأتى علياً وقال: أن القوم على الحق، والحق معهم، وذلك أن الله عز وعلا، قد حكم فى الفئة الباغية أن تقاتل حتى تفىء إلى أمر الله، فلا وجه للتحكيم فى أمر قد بين الله فيه الحكم ومعاوية ومن معه باغون، وإنما يكون التحكيم فى أمر لم يحكم الله فيه، وكذا أرسل ابنه الحسن، فرجع إليه، وقال: هم على الحق، قال ابن عباس رضى الله عنه للحسن بن على: إن كنتم لأهل بيت فى العرب أحق أن تتيهوا كما تاهت بنو إسرائيل قمتم بكتاب الله، وسنة نبيه، صلى الله عليه وسلم، وجاهدتم عدوكم، وجعلتم حكماً على كتاب الله، وقد استبان لكم حكم الله فى عدوكم، ثم عمدتم إلى فقهاء المسلمين وخيارهم، وقد أفنوا اللحم والمخ، وأجهدوا الجلد والعظم فى العبادة لله، وبذلوا بعد ذلك أموالهم وأنفسهم لله، والله لو كان الحكمان من المسلمين، ما حل لكم أن تقتلوا المسلمين، إن لم يرضوا برأيهما، فكيف وهما أعداؤكما وقد قتلا أولياءكم، ولما قدم على الكوفة بعد قتله من خرج عن الحكومة، قال له ابنه الحسن: يا أبت.. قل قتلت القوم؟ فقال: نعم. قال: لا جرم لا يرى قاتلهم الجنة، قال: أبيت أن أدخلها ولو حبوا، وقالت عائشة، رضى الله، عنها لمسعود ابن عبد الله بن شداد لما أخبرها بقتاله أباهم، أنهُ قد ظلمهم: إنا لله وإنا إليه راجعون، هل تسمى لى أحداً ممن قتل؟ قال: نعم.. حرقوص بن زهير السعدى فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، أشهد أن محمداً رسول الله فى بيتى، فقال: يا عائشة أول رجل يدخل من هذا الباب من أهل الجنة، فقلت فى نفسى: أبو بكر، عمر، فلان، فلان.. فبينما أنا كذلك إذ أقبل حرقوص ابن زهير، وقد توضأ، وإن لحيته لتقطر ماءً، ثم قال ذلك فى اليوم الثانى، فدخل حرقوص، ثم قال ذلك فى اليوم الثالث، فدخل حرقوص، ثم قالت: تسمى لى أحداً ممن قتل هنالك؟ قال: زيد بن حصن الطائى، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، قالت: وكيف قتل؟ قال: حمل فشد عليه رجل فوجأه فمشى إليه زيد وهو يقول: يا آل حم الحديث، فبكت عائشة حتى كادت نفسها تخرج. وفى كتاب سالم الهلالى، أن أبا موسى الأشعرى سأل عن حرقوص بن زهير، فقيل له: قد قتل يوم النهر، فقال: والذى نفسى بيده لو اجتمع أهل المشرق وأهل المغرب على الرمح الذى طعن به حرقوص لدَخَلوا النارَ جَمِيِعاً، وإذا كان الأمر على ما ذكرته من الأحاديث والآثار فكيف يجوز حمل أحاديث الذم على هؤلاء الممدوحين فى الأحاديث والآثار، فالأقرب حملها على خُصمائهم، وكذا الآية إنما هى فى الكفار كلهم، لأن كل أحد قد آمن بالله يوم آخذ الميثاق إذ خرجوا من آدم كالذر، وقال لهم الله جل وعلا: {أية : ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : قال أبى كعب: أراد الإيمان يوم أخذ المثاق وحين قال {أية : ألست بربكم قالوا بلَى}تفسير : فآمن الكل، فكل من كفر فى الدنيا فقد كفر بعد الإيمان. وقال الحسن: أراد المنافقين الذين تكلموا بالإيمان بألسنتهم، وأنكروه بقلوبهم. وقال عكرمة: أراد أهل الكتاب، وذلك أنهم آمنوا بمحمد، صلى الله عليه وسلم، قبل مبعثه، فلما بعث أنكروه وكفروا به، وقال قتادة: هم الذين ارتدوا فى زمان أبى بكر الصديق، رضى الله عنه، قال ابن مسعود، رضى الله عنه: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن إلى رجال منكم حتى إذا هويت إليهم لأناولهم، اختلجوا دونى، فأقول: أى ربى أصحابى، فيقول: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك!" تفسير : وعن أنس أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليردن على الحوض رجال من أصحابى حتى إذا رفعوا لى اختلجوا دونى، فلأقولن: أى ربى.. أصحابى. فيقال: لا تدرى ما أحدثوا بعدك؟ فاقول: سحقاً سحقاً"تفسير : . ويروى "حديث : فأقول سحقاً لمن بدل بعدى"تفسير : ، وعن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليهِ وسلم قال: "حديث : يرد على يوم القيامة رهط من أصحابى"تفسير : أو قال: "حديث : من أمتى فيميلون عن الحوض، فأقول: يا رب أصحابى، فيقول: إنهُ لا علم لك بما أحدثوا بعدك! إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى.."تفسير : وقال الحارث الأعور: سمعت على بن أبى طالب يقول على المنبر: إن الرجل يخرج من أهله ما يؤوب حتى يعمل عملا يستوحب الجنة، وإن الرجل ليخرج من أهله فما يعود إليهم حتى يعمل عملا يستوجب به النار، ثم قرأ {يَوْمَ تبيضُّ وجوهٌ وتسودّ وجوهٌ} الآية، ثم نادى: هم الذين كفروا بعد الإيمان، ورب الكعبة ويجوز أن يراد بالذين كفروا بعد إيمانهم كل كافر، وأن إيمان من لم يؤمن من الكفار، هو تمكنهم من الإيمان بالنظر فى الدلائل، والآيات، وقوله: {أكّفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ} مفعول لقول محذوف، والقول المحذوف جواب إما يقدر مع القلة، أى فيقال لهم: أكفرتم! هذا قول الجمهور، وهو مشهور وقيل: إن حذف الفاء مع القول، كحذفها بدونه فى القلة، أو الضرورة، فالأولى أن يقدر القول فى قوله تعالى: {فَذُوقُوا الْعَذَاب} أى فيقال لهم: ذوقوا العذاب، فيكون المحذوف القول وحده، دون الفاء، فيكون جواب {إما} هو جملة القول المقدرة بين الفاء و {ذوقوا} وجملة {أكفرتم بعد إيمانكم} مع قول مقدر معترضة، أو يقدر قول ناصب لها على أنه حال، أى قائلا لهم: ملائكتى أكفرتم، أو الأفعال، أى مقولا لهم: أكفرتم. وعلى الوجه الأول يكون {فذوقوا} جواب محذوف، أى إن كفرتم بعدما تبين لكم الحق، فذوقوا، ووجهه أنه لما حذف القول تبعته الفاء، ورب شىء يصح تبعاً لا استقلالا، والهمزة للتوبيخ والتعجيب. {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُم تَكْفُرُون}: أمر إهانة والباء للسببية، أى بسبب كفركم أو للمقابلة أى جزاء كفركم، وما مصدرية.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا} عما لا يحل لهم التفرق عنه،بأن فارقوه كلهم {وَاخْتَلَفُوا} فيما لا يحل الخلاف فيه، بأن خالف بعضهم الحق، والمراد الفريق المبطل الخالف للمحق، أو تفرقوا بالعداوة واختلفوا بالأديان، أو تفرقوا بالتأويلات الفاسدة، واختلفوا بنصر كل فريق مذهبه، وإبطال مذهب غيره، أو تفرقوا بأن رأس كل واحد فى بلد، واختلفوا بدعوى كل أنه المحق {مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ البَيِّنَاتُ} كاليهود والنصارى، خالفوا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن فخالفت اليهود النصارى بإثبات الجسمية لله عز وجل، وقولهم بالأربعين فى النار، وخالفتهم النصارى بدعوى أن المبعوث الأرواح وحدها، وقالوا: لن يدخل الجنة الآية، وكل خالف الآخر فى نبيه وكتابه، وكالقائلين من هذه الأمة الإجابية بما لا يجوز الخلاف فيه، كرؤية البارى، وكون صفاته غيره وإثبات الجوارح بلا كيف. وقد اختلف المجوس على سبعين فرقة، واليهود على إحدى وسبعين، والنصارى على اثنتين وسبعين، وهذه الأمة على ثلاث وسبعين كلهم فى النار إلا واحدة، قيل: من هى يا رسول الله؟ قال: حديث : من عَلَى ما أنا عليه اليوم وأصحابىتفسير : ، وروى أحمد عن معاوية، أن أهل الكتاب عَلَى اثنتين وسبعين وأمتى عَلَى ثلاث وسبعين. وعن أنس، بنو إسرائيل على إحدى وسبعين، وأمتى على اثنتين وسبعين، ويجمع بين الروايات بأ، الافتراق تارة على كذا وتارة على كذا، وأما الاختلاف فيما لا يجوز فيه من الفروع للمجتهدين من الصحابة ومن بعدهم فلا بأس به، بل هو رحمة، كما جاء الحديث بمعناه، أخرجه الطبرانى وغيره، وكما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد"تفسير : ، أخرجه الطبرانى أيضاً عن ابن عباس بسند ضعيف، ورواه البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه عن عمرو بن العاص، وذكر القاسم بن محمد، أن اختلاف أصحاب محمد رحمة لعباد الله تعالى، أخرجه البيهقى وابن سعد، وأخرج أيضاً عن عمر بن عبد العزيز: ما سرني لو أن أصحاب محمد لم يختلفوا، لو لم يختلفوا لم تكن رخصة {وَأُولَئِكَ} المتفرقون، والمختلفون {لَهُمْ عَذَابَ عَظِيمٌ} فكيف تكونون مثلهم، وعلق بلهم، أو باستقراره قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ} أو بعظيم على أنه قيد العظيم باليوم تلويحاً بأنه قبله كأنه غير عظيم، وذلك لأنهم يرون وجوه أعدائهم بيضاء وجوه أعدائهم فيغتاظون مع أن عذاب جهنم يستصغر إليه عذاب القبر وغيره، واذكر يوم تبيض وجوه {وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} وهو يوم القيامة، ابيضاضاً واسوداداً حقيقين، وأما الفرح والحزن فلا زمان لهما يوسم أهل الحق ببياض الوجه والبدن كله والصحيفة والنور بين أيديهم، وأهل الباطل بسواد الوجه والبدن كله، والصحيفة، والظلمة من كل جهة، والغبرة والقترة والبسور، وذلك هو الصحيح عندى، وعليه الجمهور، لأنه الواقع والحقيقة ولا دليل يصرف عن ذلك، لا ما رجح بعض من أن الابيضاض كناية عن البهجة والسرور والإسفار والضحك والاستبشار، والاسوداد كناية عن الحزن وأثره والخوف، ولو كانت الكناية فى الجملة أبلغ، وخص الوجه بالذكر لأنه أول ما يتلقى وأشرف الأعضاء، والابيضاض والاسوداد وقت البعث من القبور، أو وقت قراءة الصحف، أو وقت رجحان الحسنات والسيئات، أو عند قوله تعالى: وامتازوا، الآية، أو وقت يؤمر كل فريق باتباع معبوده أو فى كل ذلك شيئاً فشئياً حتى يتما {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ} فيقال لهم، أكفرتم، أو فيلقون فى النار ويقال لهم أكفرتم، والاستفهام توبيخ للكافرين وتعجيب للسامعين {بَعْدَ إيَمانِكُمْ} يعنى إيمانهم يوم السبت بربكم، والخطاب للكفار كلهم، أو جعل حالهم لظهور حجج الإيمان إيماناً، أو الخطاب لليهود والنصارى، كفروا به إذ بعث بعد اعترافهم به قبل بعثه، أو للمرتدين، أو لهم خصوصا، وللكفار عموماً، وقال الحسن، هم المنافقون بإضمار الشرك بعد الإيمان باللسان، وعن على أهل البدع {فَذُوقُوا العَذَابَ} أمر إهانة بالشروع فى أول العذاب، ولا يزال يزداد، أو أمر تسخير بأن تذوق العذاب كل شعرة وكل جزء من أبدانهم، شبه العذاب بشىء يذاق {بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} بسبب كونكم تكفرون، أو عوضه.

الالوسي

تفسير : {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ } وهم اليهود والنصارى قاله الحسن والربيع. وأخرج ابن ماجه عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وسبعون في النار وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة والذي نفسي بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: الجماعة» تفسير : وفي رواية أحمد عن معاوية مرفوعاً «حديث : إن أهل الكتاب تفرقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين كلها في النار إلا واحدة»تفسير : ، وفي رواية له أخرى عن أنس مرفوعاً أيضاً «حديث : إن بني إسرائيل تفرقت إحدى وسبعين فرقة فهلكت سبعون فرقة وخلصت فرقة واحدة وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة تهلك إحدى وسبعون فرقة وتخلص فرقة»تفسير : ولا تعارض بين هذه الروايات لأن الافتراق حصل لمن حصل على طبق ما وقع فيها في بعض الأوقات وهو يكفي للصدق وإن زاد العدد أو نقص في وقت آخر {وَٱخْتَلَفُواْ } في التوحيد والتنزيه وأحوال المعاد، قيل: وهذا معنى تفرقوا وكرره للتأكيد، وقيل: التفرق بالعداوة والاختلاف بالديانة. {مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ } أي الآيات والحجج المبينة للحق الموجبة لاتحاد الكلمة، وقال الحسن: التوراة، وقال قتادة. وأبو أمامة: القرآن {وَأُوْلـٰئِكَ } إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافهم بما في حيز الصلة {لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } لا يكتنه على تفرقهم واختلافهم المذكور، وفي ذلك وعيد لهم وتهديد للمتشبهين بهم لأن التشبيه بالمغضوب عليه يستدعي الغضب. ثم إن هذا الاختلاف المذموم محمول كما قيل على الاختلاف في الأصول دون الفروع ويؤخذ هذا التخصيص من التشبيه، وقيل: إنه شامل للأصول والفروع لما نرى من اختلاف أهل السنة فيها ـ كالماتريدي والأشعري ـ فالمراد حينئذٍ بالنهي عن الاختلاف النهي عن الاختلاف فيما ورد فيه نص من الشارع أو أجمع عليه وليس بالبعيد. واستدل على عدم المنع من الاختلاف في الفروع بقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : اختلاف أمتي رحمة»تفسير : . وبقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مهما أوتيتم من كتاب الله تعالى فالعمل به لا عذر لأحد في تركه فإن لم يكن في كتاب / الله تعالى فسنة مني ماضية فإن لم يكن سنة مني فما قال أصحابـي إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيما أخذتم به اهتديتم واختلاف أصحابـي لكم رحمة»تفسير : ، وأراد بهم صلى الله عليه وسلم خواصهم البالغين رتبة الاجتهاد والمقصود بالخطاب من دونهم فلا إشكال فيه خلافاً لمن وهم، والروايات عن السلف في هذا المعنى كثيرة. فقد أخرج البيهقي في «المدخل» عن القاسم بن محمد قال: اختلاف أصحاب محمد رحمة لعباد الله تعالى، وأخرجه ابن سعد في «طبقاته» بلفظ كان اختلاف أصحاب محمد رحمة للناس، وفي «المدخل» عن عمر بن عبد العزيز قال: ما سرني لو أن أصحاب محمد لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة، واعترض الإمام السبكي بأن اختلاف أمتي رحمة ليس معروفاً عند المحدثين ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع ولا أظن له أصلاً إلا أن يكون من كلام الناس بأن يكون أحد قال: اختلاف الأمة رحمة فأخذه بعضهم فظنه حديثاً فجعله من كلام النبوة وما زلت أعتقد أن هذا الحديث لا أصل له، واستدل على بطلانه بالآيات والأحاديث الصحيحة الناطقة بأن الرحمة تقتضي عدم الاختلاف والآيات أكثر من أن تحصى، ومن الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما هلكت بنو إسرائيل بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم»تفسير : وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» تفسير : وهو وإن كان وارداً في تسوية الصفوف إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ثم قال: والذي نقطع به أن الاتفاق خير من الاختلاف وأن الاختلاف على ثلاثة أقسام. أحدها: في الأصول ولا شك أنه ضلال وسبب كل فساد وهو المشار إليه في القرآن، والثاني: في الآراء والحروب ويشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبـي موسى لما بعثهما إلى اليمن: «حديث : تطاوعا ولا تختلفا» تفسير : ولا شك أيضاً أنه حرام لما فيه من تضييع المصالح الدينية والدنيوية، والثالث: في الفروع كالاختلاف في الحلال والحرام ونحوهما والذي نقطع به أن الاتفاق خير منه أيضاً لكن هل هو ضلال كالقسمين الأولين أم لا؟ فيه خلاف، فكلام ابن حزم ومن سلك مسلكه ممن يمنع التقليد يقتضي الأول، وأما نحن فإنا نجوز التقليد للجاهل والأخذ عند الحاجة بالرخصة من أقوال بعض العلماء من غير تتبع الرخص وهو يقتضي الثاني، ومن هذا الوجه قد يصح أن يقال: الاختلاف رحمة فإن الرخص منها بلا شبهة وهذا لا ينافي قطعاً القطع بأن الاتفاق خير من الاختلاف فلا تنافي بين الكلامين لأن جهة الخيرية تختلف وجهة الرحمة تختلف، فالخيرية في العلم بالدين الحق الذي كلف الله تعالى به عباده وهو الصواب عنده والرحمة في الرخصة له وإباحة الإقدام بالتقليد على ذلك، ورحمة نكرة في سياق الإثبات لا تقتضي العموم فيكتفي في صحته أن يحصل في الاختلاف رحمة مّا في وقت مّا في حالة مّا على وجه مّا فإن كان ذلك حديثاً فيخرج على هذا وكذا إن لم يكنه، وعلى كل تقدير لا نقول إن الاختلاف مأمور به، والقول بأن الاتفاق مأمور به يلتفت إلى أن المصيب واحد أم لا؟ فإن قلنا: إن المصيب واحد وهو الصحيح فالحق في نفس الأمر واحد والناس كلهم مأمورون بطلبه واتفاقهم عليه مطلوب والاختلاف حينئذٍ منهي عنه وإن عذر المخطىء وأثيب على اجتهاده وصرف وسعه لطلب الحق. فقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن العاص «حديث : إذا حكم الحاكم فاجتهد وأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر» تفسير : وكذلك إذا قلنا بالشبه كما هو قول بعض الأصوليين، وأما إذا قلنا: كل مجتهد مصيب فكل أحد مأمور بالاجتهاد وباتباع ما غلب على ظنه فلا يلزم أن يكونوا كلهم مأمورين بالاتفاق ولا أن لا يكون اختلافهم منهياً عنه، وإطلاق الرحمة على هذا التقدير / في الاختلاف أقوى من إطلاقها على قولنا: المصيب واحد، هذا كله إذا حملنا الاختلاف في الخبر على الاختلاف في الفروع، وأما إذا قلنا المراد الاختلاف في الصنائع والحرف فلا شك أن ذلك من نعم الله تعالى التي يطلب من العبد شكرها كما قال الحليمي في «شعب الإيمان»، لكن كان المناسب على هذا أن يقال اختلاف الناس رحمة إذ لا خصوصية للأمة بذلك فإن كل الأمم مختلفون في الصنائع والحرف لا هذه الأمة فقط فلا بد لتخصيص الأمة من وجه، ووجهه إمام الحرمين بأن المراتب والمناصب التي أعطيتها أمته صلى الله عليه وسلم لم تعطها أمة من الأمم فهي من رحمة الله تعالى لهم وفضله عليهم لكنه لا يسبق من لفظ الاختلاف إلى ذلك ولا إلى الصنائع والحرف، فالحرفة الإبقاء على الظاهر المتبادر وتأويل الخبر بما تقدم. هذه خلاصة كلامه ولا يخفى أنه مما لا بأس به، نعم كون الحديث ليس معروفاً عند المحدثين أصلاً لا يخلو عن شيء، فقد عزاه الزركشي في «الأحاديث المشتهرة» إلى كتاب «الحجة» لنصر المقدسي ولم يذكر سنده ولا صحته لكن ورد ما يقويه في الجملة مما نقل من كلام السلف، والحديث الذي أوردناه قبل وإن رواه الطبري والبيهقي في «المدخل» بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على أنه يكفي في هذا الباب الحديث الذي أخرجه الشيخان وغيرهما، فالحق الذي لا محيد عنه أن المراد اختلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن شاركهم في الاجتهاد كالمجتهدين المعتد بهم من علماء الدين الذين ليسوا بمبتدعين وكون ذلك رحمة لضعفاء الأمة، ومن ليس في درجتهم مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان ولا يتنازع فيه اثنان فليفهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْبَيِّنَاتُ} {وَأُوْلَـٰئِكَ} (105) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى المُسْلِمِينَ عَنْ أنْ يَكُونُوا كَأهْلِ الكِتَابِ الذِينَ تَفَرَّقُوا فِي الدِّينِ، وَكَانُوا شِيعاً تَذْهَبُ كُلُّ شِيعَةٍ مِنْهَا مَذْهَباً تَدْعُو إليهِ، وَتُخَطِّئُ غَيْرَها، وَلِذَلِكَ تَعَادَوْا وَاقْتَتَلُوا. وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ جَمَاعَةٌ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ، وَتَتَّجِهُ إلى غَايَةٍ وَاحِدَةٍ، لَمَا تَفَرَّقُوا، وَلَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ. وَهَؤُلاءِ المُخْتَلِفُونَ المُتَفَرِّقُونَ لَهُمْ عَذَابٌ وَخُسْرَانٌ فِي الدُّنيا، وَعَذَابٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ فِي الآخِرَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذا القول الحكيم ينهى عن اتباع الهوى الذي يؤدي إلى الفرقة. برغم وضوح آيات الحق سبحانه لهم، لأن لهؤلاء الذين يتبعون الهوى من بعد وضوح قضية الحق سيصليهم الله النار، ولهم عظيم العذاب. وبعد ذلك يقول الحق: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : قال تعالى: {أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} تفسير : [البقرة: 44]، وقال تعالى: {أية : لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 2-3]، {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ} [آل عمران: 105]، بعد ما اجتمعوا {وَٱخْتَلَفُواْ} [آل عمران: 105]، بعدما اتفقوا {مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} [آل عمران: 105]، الموجبة للجمعية والوفاق، {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105]، من التفرق والاختلاف بعد الجمعية والوفاق، {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106]، الذين اسودت قلوبهم بالكفر، والتفرق والاختلاف من الله تعالى وذلك؛ لأن الوجوه تحشر بلون القلوب كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ} تفسير : [الطارق: 9]؛ أي: يجعل ما في الضمائر على الظواهر، {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} [آل عمران: 106]، فيقال لهم: {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [آل عمران: 106]؛ وهم أرباب الطلب السائرون إلى الله، الذين انقطعوا في بادية النفس، واتبعوا الهوى وارتدوا على أدبارهم القهقري {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [آل عمران: 106]، تسترون الحق بالباطل، وتعرضون عن الحق في طلب الباطل، وكنتم معذبين بنار الهجران والقطيعة في الدنيا؛ ولكن ما كنتم تذوقون عذابها والناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا لا يذوقوا ألم جراحة الانقطاع والإعراض عن الله تعالى: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 107]، فكانوا في رحمة الجمعية والوفاق مع الله في الدنيا {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 107]، في الآخرة؛ لأنه يموت الإنسان على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه، {تِلْكَ} [آل عمران: 108]، الأحوال {آيَاتُ ٱللَّهِ} [آل عمران: 108] مع خواصه، {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ} [آل عمران: 108]، نظرها على قلبك بالحق، {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 108]، لا يظلم على أهل الدنيا والآخرة بأن يضع سواد الوجه وذوق العذاب في غير موضعه، ولا بياض الوجه وخلود الرحمة في غير موضعه، {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [آل عمران: 109]، مِلكاً ومُكاً، وخلقاً وقدرة، وحكماً وتصرفاً، وإيجاداً أو إعداماً، وقضاء وقدراً، {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} [آل عمران: 109]؛ يعني: كل أمر يصدر في السماوات والأرض والدنيا والآخرة فالله تعالى مصدره يرجع إليه عاقبته، وليس لأحد فيه حكم وتصرف حقيقي غيره سبحانه.