٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
106
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} يعني يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم تكون وجوهُ المؤمنين مبيضّة ووجُوه الكافرين مسْوَدّة. ويقال: إن ذلك عند قراءة الكتاب، إذا قرأ المؤمن كتابه فرأى في كتابه حسناته ٱستبشر وٱبيَضّ وجهُه، وإذا قرأ الكافر والمنافق كتابه فرأى فيه سيئاته ٱسودّ وجهه. ويقال: إن ذلك عند الميزان إذا رجحت حسناته ٱبيضّ وجهه، وإذا رجحت سيئاته ٱسودّ وجهه. ويقال: ذلك عند قوله تعالى: {أية : وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ}تفسير : [يسۤ: 59]. ويقال: إذا كان يوم القيامة يُؤْمر كل فريق بأن يجتمع إلى معبوده، فإذا ٱنتهوا إليه حزِنوا وٱسودّت وجوههم، فيبقى المؤمنون وأهل الكتاب والمنافقون؛ فيقول الله تعالى للمؤمنين: «من ربكم»؟ فيقولون: ربنا الله عز وجل. فيقول لهم: «أتعرفونه إذا رأيتموه». فيقولون: سبحانهٰ إذا اعترف عرفناه. فيرونه كما شاء الله.فيخِرّ المؤمنون سُجَّدا لله تعالى، فتصير وجوههم مثل الثلج بياضاً، ويبقى المنافقون وأهل الكتاب لا يقدرون على السجود فيحزنوا وتسودّ وجوههم؛ وذلك قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}. ويجوز «تِبْيَضّ وتِسْوَدّ» بكسر التائين؛ لأنك تقول: ابيضت، فتكسر التاء كما تكسر الألف، وهي لغة تميم وبها قرأ يحيى بن وثاب. وقرأ الزهريّ «يوم تبياض وتسوادّ» ويجوز كسر التاء أيضاً، ويجوز «يوم يبيض وجوه» بالياء على تذكير الجمع، ويجوز «أجوه» مثل «أقتت». وٱبيِضَاض الوجوه إشراقها بالنّعيم. وٱسْوِدادها هو ما يرهقها من العذاب الأليم. الثانية: وٱختلفوا في التعيين؛ فقال ٱبن عباس: تبيضّ وجُوه أهلِ السنّة وتسودّ وجوه أهل البِدعة. قلت: وقول ٱبن عباس هذا رواه مالك بن سليمان الهرويّ أخو غسّان عن مالك بن أنس عن نافع عن ٱبن عمر قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} قال: «يعني تبيض وجوه أهل السنة وتسودّ وجوه أهل البدعة» تفسير : ذكره أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب. وقال فيه: منكر من حديث مالك. قال عطاء: تبيض وجوه المهاجرين والأنصار، وتسودّ وجوه بني قريظة والنضِير. وقال أُبيّ بن كعب: الذين ٱسودّت وجوههم هم الكفار، وقيل لهم: أكفرتم بعد إيمانكم لإقراركم حين أخْرِجتم من ظهر آدم كالذّرّ. هذا ٱختيار الطبري. الحسن: الآية في المنافقين. قتادة هي في المرتدِّين. عِكرمة: هم قوم من أهل الكتاب كانوا مصدِّقين بأنبيائهم مصدقين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث فلما بُعث عليه السلام كفروا به؛ فذلك قوله: {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}. وهو ٱختيار الزجاج. مالك بن أنس: هي في أهل الأهواء. أبو أمامة الباهِليّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: حديث : هي في الحرورِيةتفسير : . وفي خبر آخر أنه عليه السلام قال: «حديث : هي في القدرية»تفسير : . روى الترمذيّ عن أبي غالب قال: رأى أبو أمامة رؤوساً منصوبة على درج مسجد دمشق، فقال أبو أمَامة: حديث : كلابُ النار شرُّ قتلى تحت أَدِيم السماء، خيرُ قتلى من قتلوهـ ثم قرأ ـ {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} تفسير : إلى آخر الآية. قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً ـ حتى عدّ سبعاً ـ ما حدثتكموه. قال: هذا حديث حسن. وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنى فرطكم على الحوض من مرّ عليّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً لَيرِدنّ عليّ أقوام أعرِفهم ويعرِفوني ثم يحال بيني وبينهم»تفسير : . قال أبو حازم؛ فسمعني النُّعمان بن أبي عياش فقال: أهكذا سمعتَ من سهل بن سعد؟ فقلت نعم. فقال: أشهد على أبي سعيدٍ الخدرِيّ لسمعته وهو يزيد فيها: «حديث : فأقول إنهم منِّي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقاً سحقاً لمن غيَّر بعدي»تفسير : . وعن أبي هريرة أنه كان يحدّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يرِد عليَّ الحوضَ يوم القيامة رهْطٌ من أصحابي فيُجْلَون عن الحَوْض فأقول يا ربِّ أصحابي فيقول إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ٱرتدّوا على أدبارهم القهقري»تفسير : . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. فمن بدّل أو غيّر أو ٱبتدَعَ في دين الله ما لا يرضاه الله ولم يأذَنْ به الله فهو من المطْرُودين عن الحوض المبتَعِدين منه المسودِّي الوُجُوه، وأشدّهم طرداً وإبعاداً من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم؛ كالخوارج على ٱختلاف فِرَقها، والرَوافِض على تَباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها؛ فهؤلاء كلهم مبدِّلون ومبتدِعون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وطمس الحق وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستخِفُّون بالمعاصي، وجماعة أهل الزّيْع والأهْواء والبِدَع؛ كلٌّ يُخاف عليهم أن يكونوا عُنُوا بالآية، والخبر كما بيّنا، ولا يَخلُد في النار إلا كافر جاحِدٌ ليس في قلبه مثقالُ حبّةِ خرْدلٍ من إيمان. وقد قال ٱبن القاسم: وقد يكون من غير أهل الأهْواء من هو شرٌّ من أهل الأهواء. وكان يقول: تمام الإخلاص تَجنّب المعاصي. الثالثة: قوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} في الكلام حذف، أي فيقال لهم {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} يعني يوم الميثاق حين قالوا بلى. ويقال: هذا لليهود وكانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به. وقال أبو العالية: هذا للمنافقين، يقال: أكفرتم في السر بعد إقراركم في العلانية. وأجمع أهل العربية على أنه لا بدّ من الفاء في جواب «أما» لأن المعنى في قولك: «أما زيد فمنطلق، مهما يكن من شيء فزيد منطلق». وقوله تعالى: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ} هؤلاء أهل طاعة الله عز وجل والوفاءِ بعهده. {فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي في جنته ودار كرامته خالدون باقون. جعلنا الله منهم وجنّبنا طرق البِدَع والضّلالات، ووفقنا لطريق الذين آمنوا وعملوا الصالحات. آمين.
البيضاوي
تفسير : {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} نصب بما في لهم من معنى الفعل، أو بإضمار اذكر. وبياض الوجه وسواده كنايتان عن ظهور بهجة السرور وكآبة الخوف فيه. وقيل يوسم أهل الحق ببياض الوجه والصحيفة وإشراق البشرة وسعي النور بين يديه وبيمينه، وأهل الباطل بأضداد ذلك. {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ} على إرادة القول أي فيقال لهم أكفرتم، والهمزة للتوبيخ والتعجيب من حالهم، وهم المرتدون أو أهل الكتاب كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم به قبل مبعثه، أو جميع الكفار كفروا بعدما أقروا به حين أشهدهم على أنفسهم أو تمكنوا من الإِيمان بالنظر في الدلائل والآيات. {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} أمر إهانة. {بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} بسبب كفركم أو جزاء لكفركم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } أي يوم القيامة {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ } وهم الكافرون فَيُلْقَون في النار ويقال لهم توبيخاً {أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ } يوم أخذ الميثاق {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ }.
ابن عطية
تفسير : والعامل في قوله {يوم} الفعل الذي تتعلق به اللام، وفي قوله {أية : ولهم عذاب عظيم} تفسير : [آل عمران: 105] قال الزجاج: تقديره ويثبت لهم عذاب عظيم. قال القاضي: وذلك ضعيف من جهة المعنى، لأنه يقتضي أن عظم العذاب في ذلك اليوم، ولا يجوز أن يكون العامل قوله عذاب، لأنه مصدر قد وصف، "وبياض الوجوه": عبارة عن إشراقها واستنارتها وبشرها برحمة الله، قال الزجّاج -وغيره-: ويحتمل عندي أن يكون ذلك من آثار الوضوء كما قال النبي عليه السلام،حديث : أنتم الغر المحجلون من آثار الوضوءتفسير : ، وأما "سواد الوجوه"، فقال المفسرون هي عبارة عن اربدادها وإظلامها بغمم العذاب، ويحتمل أن يكون ذلك تسويداً ينزله الله بهم على جهة التشويه والتمثيل بهم، على نحو حشرهم زرقاً وهذه أقبح طلعة، ومن ذلك قول بشار: [البسيط] شعر : وَلِلْبَخِيلِ عَلى أَمْوالِهِ عِلَلٌ زُرْقٌ العُيونِ عَلَيْها أَوْجُهٌ سُودُ تفسير : وقرأ يحيى بن وثاب، "تِبيض وتِسود" بكسر التاء، وقرأ الزهري، "تبياض" وجوه، "وتسواد" وجوه بألف، وهي لغة، ولما كان صدر هذه الآية، إخباراً عن حال لا تخص أحداً معيناً، بدىء بذكر البياض لشرفه، وأنه الحالة المثلى، فلما فهم المعنى، وتعين له "الكفار والمؤمنون"، بدىء بذكر الذين اسودت وجوههم للاهتمام بالتحذير من حالهم، وقوله تعالى: {أكفرتم} تقرير وتوبيخ، متعلق بمحذوف، تقديره: فيقال لهم: أكفرتم؟ وفي هذا المحذوف هو جواب "أما"، وهذا هو فحوى الخطاب، وهو أن يكون في الكلام شيء مقدر لا يستغني المعنى عنه، كقوله تعالى: {أية : فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة} تفسير : [البقرة: 184] المعنى فأفطر فعدة وقوله تعالى: {بعد إيمانكم} يقتضي أن لهؤلاء الموقنين إيماناً متقدماً، فاختلف أهل التأويل في تعيينهم، فقال أبي بن كعب: الموقفون جميع الكفار، والإيمان الذي قيل لهم بسببه {بعد إيمانكم} هو الإيمان الذي أقروا به يوم قيل لهم - ألست بربكم؟ قالوا بلى- وقال أكثر المتأولين: إنما عني بالتوقيف في هذه الآية أهل القبلة من هذه الأمة، ثم اختلفوا، فقال الحسن: الآية في المنافقين، يؤمنون بألسنتهم ويكفرون بقلوبهم، فيقال لهم: {أكفرتم بعد إيمانكم}؟ أي ذلك الإيمان بألسنتهم، وقال السدي: هي فيمن كفر من أهل القبلة حين اقتتلوا، وقال أبو أمامة: الآية في الخوارج وقال قتادة: الآية في أهل الردة، ومنه الحديث: ليردن عليَّ الحوض رجال من أصحابي حتى إذا رفعوا إليّ اختلجوا فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: فسحقاً فسحقاً، وفي بعض طرقه: فأناديهم: ألا هلم، ألا هلم، وذكر النحاس قولاً: إن الآية في اليهود، وذلك أنهم آمنوا بصفة محمد واستفتحوا به، فلما جاءهم من غيرهم كفروا، فهذا كفر بعد إيمان، وروي عن مالك أنه قال: الآية في أهل الأهواء. قال القاضي: إن كان هذا ففي المجلحين منهم القائلين ما هو كفر، وروي حديث: أن الآية في القدرية وقال أبو أمامة: سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنها في الحرورية، وقد تقدم عنه أنها في الخوارج وهو قول واحد، وما في قوله {بما كنتم} مصدرية وقوله تعالى: {ففي رحمة الله} أي في النعيم الذي هو موجب رحمة الله وقوله بعد ذلك {هم فيها} تأكيد بجملتين، إذ كان الكلام يقوم دونها.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَبْيَضُّ وُجُوهٌ} المؤمنين لإسفارها بالثواب. {وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} أهل النار لانكسافها بالحزن. {أَكَفَرْتُم بَعْدَ} إظهار الإيمان بالنفاق، أو الذين ارتدوا بعد الإسلام، أو الذين كفروا من أهل الكتاب بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد بعثه، وكانوا قبل ذلك به مؤمنين، أو جميع من كفر بعد الإيمان يوم الذر.
ابن عادل
تفسير : في ناصب "يَوْمَ" أوجه: أحدها: أنه الاستقرار الذي تضمنه "لَهُمْ" والتقدير: وأولئك استقر لهم عذاب يوم تبيضُّ وجوه. وقيل: إن العامل فيه مضمر، تدل عليه الجملة السابقة، والتقدير: يُعَذَّبُونَ يوم تبيض وجوه. وقيل: إن العاملَ فيه "عَظِيمٌ" وضُعِّفَ هذا بأنه يلزم تقييد عِظَمِهِ بهذا اليوم. وهذا التضعيف ضعيف؛ لأنه إذا عظم في هذا اليوم ففي غيره أوْلَى. قال شهابُ الدين: "وهذا غير لازم"، قال: "وأيضاً فإنه مسكوت عنه فيما عدا هذا اليوم". وقيل: إن العامل "عَذَابٌ". وهذا ممتنع؛ لأن المصدر الموصوف لا يعمل بعد وصفه. وقيل: إنه منصوب بإضمار "اذكر". وقرأ يحيى بن وثاب، وأبو نُهَيك، وأبو رُزَيْن العقيليّ: "تِبْيَضُّ" و "تِسْوَدُّ" - بكسر التاء - وهي لغة تميم. وقرأ الحسن والزهري وابن مُحَيْصِن، وأبُو الجَوْزَاءِ: تِبياضّ وتسوادّ - بألف فيهما - وهي أبلغ؛ فإن البياض أدلُّ على اتصاف الشيء بالبياض من ابيضَّ، ويجوز كسر حرف المضارعة - أيضاً - مع الألف، إلا أنه لم ينقل قراءةً لأحدٍ. فصل نظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} تفسير : [الزمر: 60]، وقوله: {أية : وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ} تفسير : [يونس: 26]، وقوله: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} تفسير : [القيامة: 22-25]، وإذا عرفت هذا، ففي هذا البياض والسواد وجهان: الأول: قال أبو مسلم: إن البياض عبارة عن الاستبشار، و السواد عبارة عن الغم، وهذا مجاز مستعمل قال تعالى: {أية : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً} تفسير : [النحل: 58]. ويقال: لفلان عندي يَدٌ بيضاء. وقال بعضهم في الشيب: [الخفيف] شعر : 1563- يَا بَيَاضَ الْقُرُونِ سَوَّدْتَ وَجْهِي عِنْدَ بِيضِ الْوُجُوهِ سُودِ الْقُرُون فَلَعَمْرِي لأخْفِيَنَّكَ جَهْدِي عَنْ عَيَانِي، وعَنْ عَيَانِ الْعُيُونِ بِسَوَادٍ فِيهِ بَيَاضٌ لِوَجْهِي وَسَوَادٌ لِوَجْهِكَ المَلْعُونِ تفسير : وتقول العرب - لمن نال بغيته، وفاز بمطلوبه -: ابيضَّ وجهه، ومعناه: الاستبشار والتهلل، ويقال - لمن وصل إليه مكروه -: ارْبَدَّ وجهه، واغبرَّ لونُه، وتغيرت صورته، فعلى هذا معنى الآية: إن المؤمن مستبشر بحسناته، وبنعيم الله، والكافر على ضد ذلك. الثاني: أن البياض والسواد يحصلان حقيقة؛ لأن اللفظ حقيقة فيهما، ولا دليل يصرفه، فوجب المصير إليه، ولأبي مسلم أن يقول: بل معنا دليل يصرفه، وهو قوله تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} تفسير : [عبس: 38-41]، فجعل الغَبَرةَ والقَتَرَة في مقابلة الضحك والاستبشار فلو لم يكن المراد ما ذكرنا من المجاز لما صح جعله مقابلاً له. فصل احتجوا بهذه الآية على أن المكلَّف إما مؤمن، وإما كافر، وليس - هنا - قسم ثالث كما قاله المعتزلة - فلو كان ثَمَّ ثالث لذكره، قالوا: ويؤيده قوله تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ} تفسير : [عبس: 38-42]. وأجاب القاضي: بأن ترك القسم الثالث لا يدل على عدمه؛ لأنه تعالى قال: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}، فذكرهما منكرين، وذلك لا يفيد العموم، وأيضاً فالمذكور في الآية هم المؤمنون والذين كفروا بعد إيمانهم، ومعلوم أن الكافر الأصليَّ من أهل النار، مع أنه لم يدخل في هذا التقسيم، فكذلك الفساق. وأجيب بوجهين: الأول: أن المراد منه كل مَنْ أسلم وقت استخراج الذريَّة من صُلْب آدم، رواه الواحدي في البسيط بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل الكل فيه. الثاني: أنه قال: {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}، فجعل موجب العذاب هو الكفر، سواء كفر بعد الإيمان أو كان كافراً أصليًّا. قال الزمخشري: هم المنافقون، آمنوا بألسنتهم، وأنكروا بقلوبهم. وقال عكرمة: هم أهل الكتاب، آمنوا بأنبيائهم وبمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يُبْعَث، فلما بُعِثَ كفروا به. قوله: {أكَفَرْتُمْ} هذه الجملة في مَحَلِّ نصب بقول مُضْمَرٍ، وذلك القول المضمر - مع فاء مضمرة - أيضاً - هو جواب "أما"، وحذف الفاء مع القول مطرد، وذلك أن القول يُضْمَر كثيراً، كقوله تعالى: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم}تفسير : [الرعد: 23-24]. وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ} تفسير : [الزمر: 3]، وقوله: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ} تفسير : [البقرة: 127]، وأما حذفها دون إضمار القول فلا يجوز إلا في ضرورة. كقوله: [الطويل] شعر : 1564- فأمَّا الْقِتَالُ لا قَتالَ لَديْكُمُ وَلِكِنَّ سَيْراً في عِرَاضِ الْمَوَاكِبِ تفسير : أي: فلا قتال. وقال صاحب "أسرار التنزيل": إنّ النحاة اعترض عليهم - في قولهم: لما حذف يقال: حُذِفت الفاء؛ بقوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} تفسير : [الجاثية: 31]، فحذف يقال، ولم يحذف الفاء، فلما بطل هذا تعيَّن أن يكون الجواب في قوله: {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}، فوقع ذلك جواباً له، ولقوله: {أَكَفَرْتُم} ومن نظم العرب - إذا ذكروا حرفاً يقتضي جواباً له - أن يكتفوا عن جوابه حتى يذكروا حرفاً آخر يقتضي جواباً، ثم يجعلون له جواباً واحداً، كما في قوله: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [البقرة: 38]، فقوله: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} جواب للشرطين معاً، وليس {أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي} جواب "إما" بل الفاء عاطفة على مقدَّر، والتقدير: أأهملتكم، فلم أتل عليكم آياتي؟ قال أبو حيان: وهو كلام أديب لا كلام نحويّ، أما قوله: قد اعترض على النحاة، فيكفي في بُطْلان هذا الاعتراض أنه اعتراض على جميع النحاة؛ لأنه ما من نحويٍّ إلا خرَّج الآيةَ على إضمار: فيُقال لهم: أكفرتم، وقالوا: هذا هو فَحْوَى الخطابِ، وهو أن يكون في الكلام شيء مقدَّر لا يستغني المعنى عنه، فالقول بخلافه مخالف للإجماع، فلا التفات إليه. وأما ما اعترض به من قوله: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي} تفسير : [الجاثية: 31] وأنهم قدروه: فيقال لهم: أفلم تكن آياتي، فحذف فيقال ولم تحذف الفاء، فدل على بطلان هذا التقدير - فليس بصحيح، بل هذه الفاء التي بعد الهمزة في "أفَلَمْ" ليست فاء "فيقال" التي هي جواب "أما" - حتى يقال: حذف "يقال" وبقيت الفاء، بل الفاء التي هي جواب "أما" و "يقال" بعدها - محذوف، وفاء "أفلم" يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون زائدة. وقد أنشد النحويون على زيادة الفاء قول الشاعر: [الطويل] شعر : 1565- يَمُوتُ أناسٌ أوْ يَشِيبُ فَتَاهُمُ وَيَحْدُثُ نَاسٌ، والصَّغِيرُ فِيَكْبُرُ تفسير : أي: صغير يكبر، وقول الآخر: [الكامل] شعر : 1566- لَمَّا اتَّقَى بِيَدٍ عَظِيمٍ جِرْمُهَا فَتَرَكْتُ ضَاحِيَ جِلْدِهَا يَتَذَبْذَبُ تفسير : أي: تركت، وقول زُهير: [الطويل] شعر : 1567- أرَانِي إذَا ما بِتُّ بِتُّ عَلَى هَوًى فَثُمَّ إذَا أصْبَحْتُ أصْبَحْتُ غَادِيَا تفسير : يريد ثم إذا. وقال الأخفش: "وزعموا أنهم يقولون: أخوك فوجد، يريدون: أخوك وجد". والوجه الثاني: أن تكون الفاء تفسيرية، والتقدير: فيقال لهم ما يسوؤهم، "أفلم" تكن آياتي، ثم اعتني بحرف الاستفهام، فتقدمت على الفاء التفسيرية، كما تتقدم على الفاء التي للتعقيب في قوله: {أية : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [يوسف: 109] وهذا على رَأي من يثبت أن الفاء تفسيرية، نحو توضأ زيد فغسل وجهه ويديه.. إلى آخر أفعال الوضوء، فالفاء - هنا - ليت مرتِّبة، وإنما هي مفسِّرة للوضوء، كذلك تكون في {أفلم تكن آياتي تتلى عليكم} مفسرة للقول الذي يسوؤهم. وقوله: فلما بطل هذا تعين أن يكون الجواب: "تذوقوا"، أي: تعيَّن بطلان حذف ما قدَّره النحويون، من قوله: "فيقال لهم"؛ لوجود هذه الفاء في "أفلم تكن"، وقد بيَّنَّا أن ذلك التقدير لم يبطل؛ وأنه سواء في الآيتين، وإذا كان كذلك فجواب: "أما" هو فيقال - في الموضعين - ومعنى الكلام عليه، وأما تقديره: أأهملتكم فلم تكن آياتي تتلى عليكم؟ فهذه نزعة زمخشرية، وذلك أن الزمخشريَّ يقدِّر بين همزة الاستفهام وبين الفاء فِعْلاً يصح عطف ما بعدها عليه، ولا يعتقد أن الفاء والواو، و "ثم" إذا دخلت عليها الهمزة - أصلهن التقديم على الهمزة، لكن اعتني بالاستفهام، فقدم على حرف العطف - كما ذهب إليه سيبويه وغيره من النحويين - وقد رجع الزمخشريّ إلى مذهب الجماعة في ذلك، وبطلان قول الأول مذكور في النحو وقد تقدم - في هذا الكتاب - حكاية مذهب الجماعة في ذلك، وعلى تقدير قول هذا الرجل - أأهملتكم فلم تكن آياتي، لا بدّ من إضمار القول، وتقديره: فيقال: أاهملتكم؛ لأن هذا المقدَّر هو خبر المبتدأ، والفاء جواب "أما"، وهو الذي يدل عليه الكلام، ويقتضيه ضرورة. وقول هذا الرجل: فوقع ذلك جواباً له ولقوله: "أكفرتم" يعني: أن "فذوقوا العذاب" جواب لـ "أما" ولقوله: "أكفرتم" والاستفهام - هنا - لا جواب له إنما هو استفهام على طريق التوبيخ والإرذال بهم. وأما قول هذا الرجل: ومن نظم العرب إلى آخره، فليس كلام العرب على ما زعم، بل يُجْعَل لكُلٍّ جوابٌ، إن لا يكن ظاهراً فمقدَّر، ولا يجعلون لهما جواباً واحداً. وأما دعواه ذلك في قوله تعالى: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} تفسير : [البقرة: 38] وزعمه أن قوله تعالى: {أية : فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تفسير : [البقرة: 38]. جواب للشرطين فقول رُوي عن الكسائي, وزعم بعضُ الناس أن جواب الشرط الأول محذوف, تقديره: فاتبعُوه, والصحيح أن الشرط الثاني وجوابه جوال الشرط الأول وتقدمت هذه الأقوال عند قوله تعالى: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} تفسير : [البقرة: 38]. انتهى. والهمزة في "أكَفَرْتُمْ" للإنكار عليهم، والتوبيخ لهم، والتعجُّب من حالهم. وفي قوله: "أكَفَرْتُمْ" نوع من الالتفات، وهو المُسَمَّى عند علماء البيان بتلوين الخطاب، وذلك أن قوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} في حكم الغيبة، وقوله - بعد ذلك "أكَفَرْتُمْ" خطاب مواجهة. قوله: {فَذُوقُوا} من باب الاستعارة، جعل العذاب شيئاً يُدْرَك بحاسَّةِ الأكْل، والذوق؛ تصويراً له بصورة ما يُذَاق. وقوله: {بِمَا كُنْتُمْ} الباء سببية، و "ما" مصدرية، ولا تكون بمعنى: الذي؛ لاحتياجها إلى العائد، وتقديره غير جائز، لعدم الشروط المجوِّزة لحَذْفِه. فإن قيل: إنه - تعالى - قدَّم الذين ابيضَّت وجوهُهُمْ - في التقسيم - على الذين اسودَّت وجوهُهُم وكان حق الترتيب أن يقدِّمَهم في البيان. فالجواب: أن الواو للجمع لا للترتيب، وأيضاً فالمقصود إيصال الرحمة، لا ابتداء العذاب، فابتدأ بذكر أهل الثواب، لأنهم أشرف، ثم ختم بذكرهم، تنبيهاً على أن إرادة الرحمة أكثر من إرادة الغضب، كما قال: "حديث : سبقت رحمتي غضبي"تفسير : وأيضاً فالفصحاء والشعراء قالوا: يجب أن يكون مطلع الكلام ومقطعه شيئاً يسر الطبع، ويشرح الصدر - وذكر رحمة الله تعالى كذلك - فلا جرم ابتدأ بذكر أهل الثواب، وختم بذكرهم. قوله: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. قال ابنُ عباس: هي الجنة. قال المحققون: هذا إشارة إلى أن العبد - وإن كثرة طاعاتُه - لا يدخل الجنة إلا برحمة الله؛ وذلك لأن العبد ما دامت داعيته إلى الفعل، والترك سواء، يمتنع منه الفعل، فإذا لم يحصل رُجْحان داعية الطاعة، لم تحصل منه الطاعة، وذلك الرُّجْحان لا يكون إلا بخلق الله - تعالى - فإذن صدور تلك الطاعة من العبد نعمة من الله تعالى في حق العبد، فكيف يصير ذلك موجباً على الله شيئاً كما تقوله المعتزلة؟ فثبت أن دخول الجنة لا يكون إلا بفضل الله - تعالى - وبرحمته، وبكرمه، لا باستحقاقنا. قرأ أبو الجزاء، وابنُ يَعْمُرَ: اسْوَادَّتْ، وابياضَّتْ - بألف - وقد تقدمت قراءتهما: تبياض، وتسوادُّ، وهذا قياسها، وأصْل "افْعَلَّ" هذا أن يكون دالاً على عَيْبٍ حِسِّيٍّ - كـ "اعورَّ واسود واحْمَرَّ" - وأن لا يكون من مضعف كأجَمَّ، ولا معتل اللام كألْمَى، وأن يكون للمطاوعة، وندر نحو انقضَّ الحائط، وابْهَارَّ الليل، واشعارَّ الرجل - تفرَّق شَعْرُه - إذْ لا دلالةَ فيه على عَيْبٍ، ولا لون، وندر - أيضاً - ارْعَوَى، فإنه معتل اللام، مطاوع لرعوته - بمعنى، كففته - وليس دالاًّ على عيب، ولا لون، وأما دخول الألف في "افْعَلَّ" هذا - فدالٌّ على عُرُوضِ ذلك المعنى، وعدمها دالٌّ على ثبوته واستقراره، فإذا قلتَ: اسوادَّ وجْهُه، دلَّ على اتصافه بالسواد من غير عُروض فيه، وإذا قلت: اسوادَّ، دل على حدوثه، هذا هو الغالب، وقد يُعْكَس، قال تعالى: {أية : مُدْهَامَّتَانِ}تفسير : [الرحمن: 64] - فالقصد الدلالة على لزوم الوصف بذلك للجنتين - وقال: {أية : تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ} تفسير : [الكهف: 17] القصد به العروض لازورار الشمس، لا الثبوت والاستقرار - كذا قيل - وفيه نظر؛ لأن المقصود وَصْف الشمس بهذه الصفة الثابتة بالنسبة إلى هؤلاء القوم خاصَّة. فصل قال بعض المفسرين: بياض الوجوه وسوادها، إنما يحصل عند قيامهم من قبورهم للبعث، فتكون وجوه المؤمنين مبيضة، ووجوه الكافرين مسودة. وقيل: عند الميزان، إذا رجحت حسناته ابْيَضَّ وجهه، وإذا رجحت سيئاته اسوَدَّ وجهه. قيل: إن ذلك عند قراءة الكتاب، إذ قرأ المؤمن كتابه، فرأى حسناته استبشر، ابيضَّ وجْهُه، وإذا قرأ الكافر كتابَه، فرأى سيئاته اسوَدَّ وجهه. وقيل: إن ذلك عند قوله تعالى: {أية : وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} تفسير : [يس: 59]. قيل: يُؤمَرُ كلُّ فريق بأن يجتمع إلى معبوده، فإذا انتهَوا إليه حزنوا واسودَّتْ وجوهُهُمْ. قوله: {فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ} فيها وجهان: أحدهما: أن الجارَّ متعلق بـ "خالِدُونَ"، و "فِيهَا" تأكيد لفظي للحرف، و التقدير: فهم خالدون في رحمة الله فيها. وقد تقرر أنه لا يؤكد الحرف تأكيداً لفظياً، إلا بإعادة ما دخل عليه، أو بإعادة ضميره - كهذه الآية - ولا يجوز أن يعود - وحْدَه - إلا في ضرورةٍ. كقوله: [الرجز] شعر : 1568- حَتَّى تَرَاهَا وكَأنَّ وكأنْ أعْنَاقَهَا مُشَدَّدَاتٌ بِقَرَنْ تفسير : كذا ينشدون هذا البيت. وأصرح منه في الباب - قول الشاعر: [الوافر] شعر : 1569- فَلاَ وَاللهِ لا يُلْقَى لِمَا بِي وَلاَ لِلِمَا بِهِمْ أبَداً دَوَاءُ تفسير : ويحسن ذلك إذا اختلف لفظهما. كقوله: [الطويل] شعر : 1570- فَأصْبَحْنَ لا يَسْألْنني عَنْ بِمَا بِهِ أصَعَّدَ في عُلُوِ الْهَوَى أمْ تَصَوَّيَا تفسير : للهم إلا أن يكون ذلك الحرفُ قائماً مقام جملة، فيُكَرَّر - وحده - كحروف الجواب، مثل: نَعَمْ نَعَمْ، وبلى بلى، ولا لا. والثاني: أن قوله: {فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ}: خبر لمبتدأ مُضْمَر، والجملة - بأسْرها - جواب: "أما" والتقدير: فهم مستقرون في رحمة الله، وتكون الجملة - بعده - من قوله: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} جملة مستقلة من مبتدأ وخبر، دلت على أن الاستقرار في الرحمة على سبيل الخلود، فلا تعلُّق لها بالجملة قبلها من حيث الإعراب. قال الزمخشريُّ: فإن قلتَ: كيف موقع قوله: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} بعد قوله: {فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ}؟ قلت: موقع الاستئناف، كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟ فقيل: هم فيها خالدون، لا يظنعون عنها، ولا يموتون. فإن قيل: الكُفَّار مخلَّدون في النار، كما أن المؤمنين مخلَّدون في الجنة، فما الحكمة في ذكر خلود المؤمنين ولم يذكر خلود الكافرين؟ فالجواب: أن ذلك يُشْعِر بأنَّ جانبَ الرحمةِ أغْلَب؛ لأنه ابتدأ بذكر أهل الرحمة، وختم بهم، لمَّا ذكر العذابَ لم يُضِفْه إلى نفسه، بل قال: {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ}، وأضاف ذكر الرحمة إلى نفسه، فقال: {فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ}، ولما ذكر العذاب ما نصَّ على الخلود، ونصَّ عليه في جانب الرحمة، ولما ذكر العذاب علله بفعلهم، فقال: {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} ولما ذكر الثواب علَّلَه برحمته، فقال: {فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ} ثم قال - في آخر الآية -: {أية : وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [آل عمران: 108]، وكل ذلك يُشْعِر بأن جانبَ الرحمة مُغَلَّب.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد والترمذي وابن ماجة والطبراني وابن المنذر عن أبي غالب قال "رأى أبو أمامة رؤوس الأزارقة منصوبة على درج مسجد دمشق فقال أبو أمامة: كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه. ثم قرأ {يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه} الآية. قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لو لم أسمعه إلا مرة، أو مرتين، أو ثلاثاً، أو أربعاً، حتى عدَّ سبعاً ما حدثتكموه". وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نصر في الإبانة والخطيب في تاريخه واللالكائي في السنة عن ابن عباس في هذه الآية قال {تبيض وجوه وتسود وجوه} قال: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدع والضلالة. وأخرج الخطيب في رواة مالك والديلمي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} قال: "حديث : تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدع ". تفسير : وأخرج أبو نصر السجزي في الإبانة عن أبي سعيد الخدري "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} قال: تبيض وجوه أهل الجماعات والسنة، وتسود وجوه أهل البدع والأهواء ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي بن كعب في الآية قال: صاروا فرقتين يوم القيامة يقال لمن اسود وجهه {أكفرتم بعد إيمانكم} فهو الإيمان الذي كان في صلب آدم حيث كانوا أمة الذين ابيضت وجوههم فهم الذين استقاموا على إيمانهم، وأخلصوا له الدين، فبيَّض الله وجوههم، وأدخلهم في رضوانه وجنته. وأخرج الفريابي وابن المنذر عن عكرمة في الآية قال: هم من أهل الكتاب، كانوا مصدقين بأنبيائهم، مصدقين بمحمد، فلما بعثه الله كفروا. فذلك قوله {أكفرتم بعد إيمانكم}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي أمامة في قوله {فأما الذين اسودت وجوههم} قال: هم الخوارج. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير في الآية عن قتادة قال: لقد كفر أقوام بعد إيمانهم كما تسمعون {فأما الذين ابيضت وجوههم} فأهل طاعة الله والوفاء بعهد الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {فأما الذين اسودت وجوههم} قال: هم المنافقون كانوا أعطوا كلمة الإيمان بألسنتهم، وأنكروها بقلوبهم وأعمالهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {وتسود وجوه} قال: هم اليهود. وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} قال: هذا لأهل القبلة. وأخرج ابن المنذر عن السدي بسند فيه من لا يعرف {يوم تبيض وجوه وتسودُّ وجوه} قال: بالأعمال والأحداث. وأخرج ابن أبي حاتم بسند فيه من لا يعرف "حديث : عن عائشة قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تأتي عليك ساعة لا تملك فيها لأحد شفاعة؟ قال: نعم {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} حتى انظر ما يفعل بي. أو قال: بوجهي ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: "حديث : المصيبة تبيض وجه صاحبها يوم تسود الوجوه ". تفسير : وأخرج أبو نعيم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الغبار في سبيل الله إسفار الوجوه يوم القيامة ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ليس من عبد يقول لا إله إلا الله مرة إلا بعثه الله يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن وثاب أنه قرأ كل شيء في القرآن {وإلى الله ترجع الأمور} بنصب التاء وكسر الجيم.
ابو السعود
تفسير : {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ} أي وجوه كثيرةٌ وقرىء تبـياضُّ {وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} كثيرة وقرىء تسْوادُّ، وعن عطاءٍ تبـيضُّ وجوهُ المهاجرين والأنصارِ وتسْوَدّ وجوهُ بني قرَيظةَ والنَّضير. ويومَ منصوبٌ على أنه ظرفٌ للاستقرار في لهم أي لثبوت العذابِ العظيمِ لهم، أو على أنه مفعولٌ لمضمر خوطب به المؤمنون تحذيراً لهم عن عاقبة التفرقِ بعد مجيءِ البـيناتِ، وترغيباً في الاتفاق على التمسك بالدين أي اذكُروا يوم تبـيض الخ وبـياضُ الوجهِ وسوادُه كنايتان عن ظهور بهجةِ السرورِ وكآبةِ الخوفِ فيه، وقيل: يوسَمُ أهلُ الحقِّ ببـياض الوجهِ والصحيفةِ وإشراقِ البَشرَة وسعْيِ النورِ بـين يديه وبـيمينه، وأهلُ الباطلِ بأضداد ذلك {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} تفصيلٌ لأحوال الفريقين بعد الإشارةِ إليها إجمالاً، وتقديمُ بـيانِ هؤلاءِ لما أن المَقام مقامُ التحذيرِ عن التشبه بهم مع ما فيه من الجمع بـين الإجمال والتفصيلِ والإفضاءِ إلى ختم الكلامِ بحسن حالِ المؤمنين كما بُدىء بذلك عند الإجمالِ {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ} على إرادة القولِ أي فيقال لهم ذلك، والهمزةُ للتوبـيخ والتعجيبِ من حالهم، والظاهرُ أنهم أهلُ الكتابـين وكفرُهم بعد إيمانِهم كفرُهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إيمانِ أسلافِهم أو إيمانِ أنفسِهم به قبل مبعثِه عليه الصلاة والسلام، أو جميعُ الكفرة حيث كفروا بعد ما أقروا بالتوحيد يومَ الميثاقِ أو بعد ما تمكنوا من الإيمان بالنظر الصحيحِ والدلائلِ الواضحةِ والآياتِ البـينةِ، وقيل: المرتدون، وقيل: أهلُ البدعِ والأهواءِ والفاء في قوله عز وعلا: {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} أي العذابَ المعهودَ الموصوفَ بالعِظَم للدِلالة على أن الأمرَ بذَوْق العذابِ على طريق الإهانةِ مترتبٌ على كفرهم المذكورِ كما أن قوله تعالى: {بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} صريحٌ في أن نفسَ الذوْقِ معلَّلٌ بذلك، والجمعُ بـين صيغتي الماضي والمستقبلِ للدَلالةِ على استمرار كفرِهم أو على مُضيِّه في الدنيا {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ} أعني الجنةَ والنعيمَ المخلِّدَ، عُبِّر عنها بالرحمة تنبـيهاً على أن المؤمنَ وإن استغرق عمرَه في طاعة الله تعالى فإنه لا يدخُل الجنةَ إلا برحمته تعالى، وقرىء ابـياضَّتْ كما قرىء اسوادَّتْ {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ من السياق كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟ فقيل: هم فيها خالدون لا يظعَنون عنها ولا يموتون. وتقديمُ الظرفِ للمحافظة على رؤوس الآي {تِلْكَ} إشارةٌ إلى الآيات المشتملةِ على تنعيم الأبرارِ وتعذيبِ الكفارِ، ومعنى البُعدِ للإيذان بعلو شأنِها وسُمّو مكانِها في الشرف وهو مبتدأ وقوله تعالى: {آيات ٱللَّهِ} خبرُه وقوله تعالى: {نَتْلُوهَا} جملةٌ حالية من الآيات، والعاملُ فيها معنى الإشارةِ أو هي الخبرُ وآياتُ الله بدلٌ من اسم الإشارةِ، والالتفاتُ إلى التكلم بنون العظمةِ مع كون التلاوةِ على لسان جبريلَ عليه السلام لإبراز كمالِ العنايةِ بالتلاوة، وقرىء يتلوها على إسناد الفعلِ إلى ضميره تعالى وقوله تعالى: {عَلَيْكَ} متعلقٌ بنتلوها، وقوله تعالى: {بِٱلْحَقّ} حالٌ مؤكدةٌ من فاعل نتلوها أو من مفعوله أي ملتبسين، أو [التلاوةَ] ملتبسةً بالحق والعدل ليس في حكمها شائبةُ جَوْر بنقص ثوابِ المحسنِ أو بزيادة عقابِ المسيءِ، أو بالعقاب من غير جُرْم، بل كلُّ ذلك مُوفًّى لهم حسبَ استحقاقِهم بأعمالهم بموجب الوعدِ والوعيدِ، وقوله: {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعَـٰلَمِينَ} تذيـيلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه، فإن تنكيرَ الظلم وتوجيهَ النفي إلى إرادته بصيغة المضارعِ دون نفسِه وتعليقَ الحكمِ بآحاد الجمعِ المعروفِ، والالتفات إلى الاسم الجليلِ إشعارٌ بعلة الحكمِ وبـيانٌ لكمال نزاهتِه عز وجل عن الظلم بما لا مزيدَ عليه أي ما يريد فرداً من أفراد الظلم لفرد من أفراد العالمين في وقت من الأوقات فضلاً عن أن يظلِمَهم، فإن المضارعَ كما يفيد الاستمرارَ في الإثبات يفيده في النفي بحسب المقامِ كما أن الجملةَ الاسميةَ تدلُّ بمعرفة المقامِ على دوام الثبوتِ، وعند دخولِ حرفِ النفي تدل على دوامِ الانتفاءِ لا على انتفاء الدوامِ وفي سبك الجملةِ نوعُ إيماءٍ إلى التعريض بأن الكفرَةَ هم الظالمون ظلموا أنفسَهم بتعريضها للعذاب الخالد كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئًا وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [يونس، الآية 44]
التستري
تفسير : قوله: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}[106] يعني تبيض وجوه المؤمنين بنور إيمانهم، {وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}[106] الكافرين بظلم كفرهم. وسئل عن قوله: {أية : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ}تفسير : [البقرة:61] فقال: هذه الأجسام الغرض منها ما أودع الله فيها من الودائع، ابتلى الله الخليقة بها، فمنها ما هو اعتبار للطائعين وهو الكفر، ومنها ما هو حجة على الغافلين، وهو المعرفة والتصديق في الأقوال والأفعال، كما قال: {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ}تفسير : [الأنعام:1] فباطن هذه الآية: النور العلم، والظلمات الجهل، لقوله: {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}تفسير : [النور:40] أي ما يستبصر به القلب الإيمان بالله، فنور الإيمان من أعظم منن الله عزَّ وجلَّ وكراماته. والثاني الطيب من القول.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [الآية: 106]. قال محمد بن على: تبيض وجوهٌ بنظرهم إلى مولاهم وتسود وجوه باحتجابه عنهم. وقال الحسين بن الفضل: يوم تبيض وجوهٌ بالشهادة وتسود وجوه بالفرار من الزحف. وقال محمد بن الفضل: تبيض وجوهٌ بالقناعة وتسود وجوهٌ بالطمع.
القشيري
تفسير : أرباب الدَّعاوَى تسودُّ وجوههم، وأصحابَ المعاني تبيض وجوههم، وأهل الكشوفات غداً تبيضُّ بالإشراق وجوهُهُم، وأصحاب الحجاب تسودُّ بالحجبة وجوهُهُم، فتعلوها غَبَرة، وترهقها قَتَرَة. ويقال مَنْ ابيض - اليومَ - قلبُه ابيضَّ - غداً - وجهُه، ومَنْ كان بالضد فحاله العكس. ويقال مَنْ أعرض عن الخلق - عند سوانحه - ابيضَّ وجهه بروح التفويض، ومَنْ علَّق بالأغيار قلبَه عند الحوائج اسودّ محيَّاه بغبار الطمع؛ فأمّا الذين ابيضت وجوههم ففي أُنُسٍ وروح، وأمّا الذين اسودّت وجوههم ففي محن ونَوْح.
البقلي
تفسير : {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} اى تبيض وجوه الصادقين فى دعوى المحبة بنورا لمشاهدة حيث طلعت شمس مشرق الازل من مطالع القدم فانورت يتجلى الجمال وجوها مغفرة بتارب جناب الحضرة عشقا وشوقا والبستها نورا من نورها حتى رات بنور القدم جمال القدم وهى مشرفة يحلال ربها مسفرة بضياء قربه مستبشرة فى روية وصاله ناضرة بتبسم افواه الرضوان الاكبر فيها ناظرة من ربها الى ربها قال تعالى وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة واليوم تلك الانوار ظاهرة فى وجوه من تكون هذه النعوت والاوصاف لهم غدا قال الله تعالى سيماهم فى وجوههم من اثر السجود وقال تعرفهم بسمهم تلك سمات وجوه الاولياء الذين اذا رايتهم رايت نعيما وملكا كبيرا لانهم مراة الحق يتجلى منهم بدلاله للخلق قوله تعالى وتسود وجوه اى وجوه المدعين مقامات الاولياء باظهار التقشف بين الخلق وخروجهم بزى الصادقين وطلبهم به استحسان الخلق وصرف وجوههم اليهم وعداوتهم امناء الله فى الارض حين تخرج رجال الله من حضرة الله ركبانا على بجانب النور على رؤسهم يتجان الوقار فى ميادين السر وغاراتهم عصاة امة محمد صلى الله عليه وسلم من اسواق القيامة ويدخلون بهم الجنان بلا اذن الرضوان تسود وجوه السالوسين المدعين عند تلك الوجوه على رؤس الاشهاد باحتجابهم عن مشاهدة الله وصحبته اهل الحضرة قال تعالى {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} تفسير : قال محمد بن على تبيض وجوه بتطرهم الى مولاهم وتسود وجوه باحتجابهم منه.
اسماعيل حقي
تفسير : {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} اى اذكروا ايها المؤمنون يوم تبيض وجوه كثيرة وتسود وجوه كثيرة. وبياض الوجه وسواده كنايتان عن ظهور بهجة السرور وكمون الخوف فيه يقال لمن نال بغيته وفاز بمطلوبه ابيض وجهه اى استبشر ولمن وصل اليه مكروه اغبر لونه وتبدلت صورته. فمعنى الآية ان المؤمن يرد يوم القيامة على ما قدمت يداه فان كان ذلك من الحسنات استبشر بنعم الله وفضله واذا رأى الكافر اعماله القبيحة اشتد حزنه وغمه. وقيل بياض الوجه وسواده حقيقتان فيوسم اهل الحق ببياض الوجوه والصحيفة واشراق البشرة وسعى النور بين يديه ويمينه واهل الباطل باضداد ذلك والحكمة فى ظهورهما فى الوجوه حقيقة ان السعيد يفرح بان يعلم قومه انه من اهل السعادة قال تعالى مخبر عنه {أية : يا ليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين} تفسير : [يس: 26-27]. والشقى يغتم بعكس ذلك {فاما الذين اسودت وجوههم} فيقال لهم {أكفرتم بعد ايمانكم} الهمزة للتوبيخ والتعجب من حالهم والظاهر انهم اهل الكتابين وكفرهم بعد ايمانهم كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ايمانهم به قبل مبعثه عليه السلام او جميع الكفرة حيث كفروا بعد ما اقروا بالتوحيد يوم الميثاق {فذوقوا العذاب} المعهود الموصوف بالعظم {بما كنتم تكفرون} بالقرآن ومحمد عليه السلام {واما الذين ابيضت وجوههم ففى رحمة الله} اى الجنة والنعيم المقيم المخلد عبر عنها بالرحمة تنبيها على ان المؤمن وان استغرق عمره فى طاعة الله تعالى فانه لا يدخل الجنة الا برحمته تعالى {هم فيها خالدون} كانه قيل كيف يكونون فيها فقيل هم فيها خالدون ولا يظعنون عنها ولا يموتون. والاشارة ان الذين تبيض وجوههم يوم القيامة هم الذين ابيضت قلوبهم اليوم بنور الايمان والجمعية والوفاق مع الله والذين تسود وجوههم يومئذ هم الذين اسودت قلوبهم بالكفر والتفرق والاختلاف من الله وذلك لان الوجوه تحشر بلون القلوب كقوله تعالى {أية : يوم تبلى السرائر} تفسير : [الطارق: 9]. اى يجعل ما فى الضمائر على الظواهر شعر : زر اندود كانرا بآتش برند بديد آيد آنكه كه مس يازرند تفسير : {فاما الذين اسودت وجوههم} فيقال لهم {أكفرتم بعد ايمانكم} وهم ارباب الطلب السائرون الى الله الذين انقطعوا فى بادية النفس واتبعوا غول الهوى وارتدوا على اعقابهم القهقرى {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} تسترون الحق بالباطل وتعرضون عن الحق فى طلب الباطل وكنتم معذبين بنار الهجران والقطيعة فى الدنيا ولكن ما كنتم تذوقون عذابها لان الناس نيام والنائم لا يذوق ألم الجراحات حتى ينتبه فاذا ماتوا انتبهوا فيذوقوا ألم جراحات الانقطاع والاعراض عن الله {واما الذين ابيضت وجوههم فـ} ـهم {فى رحمة} الجمعية والوفاق مع {الله} فى الدنيا و{هم فيها خالدون} فى الآخرة لانه يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يبعث كل عبد على ما مات عليه " .تفسير : وقال "حديث : من مات سكران فانه يعاين ملك الموت سكران ويعاين منكر ونكير سكران ويبعث يوم القيامة سكران الى خندق فى وسط جهنم يسمى السكران فيه فيه عين يجرى ماؤها دما لا يكون له طعام ولا شراب الا منه " .تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اخبرنى جبريل عليه السلام ان لا اله الا الله انس للمسلم عند موته وفى قبره وحين يخرج من قبره يا محمد لو تراهم حين يمرقون من قبورهم وينفضون عن رؤسهم التراب هذا يقول لا اله الا الله والحمد لله فيبيض وجهه وهذا ينادى يا حسرتا على ما فرطت فى جنب الله مسودة وجوههم " .تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : النياحة على الميت من امر الجاهلية وان النائحة اذا لم تتب قبل ان تموت فانها تبعث يوم القيامة عليها سرابيل من قطران ثم يعلى عليها بدرع من لهب النار " .تفسير : وفى التنزيل {أية : الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان} تفسير : [البقرة: 275]. قال اهل التأويل كلهم يبعث كالمجنون عقوبة لهم وتمقيتا عند اهل الحشر فجعل الله هذه العلامة لاكلة الربا وذلك انه ارباه فى بطونهم فاثقلهم فهم اذا خرجو من قبورهم يقومون ويسقطون لعظم بطونهم وثقلها عليهم نسأل الله الستر فى الدنيا والآخرة وهو الموفق للصالحات من الاعمال والافعال.
الطوسي
تفسير : الاعراب: العامل في قوله: {يوم} قوله {عظيم} وتقديره عظيم عذابهم يوم تبيض وجوه. ولا يجوز أن يكون العامل فيه عذاب موصول، قد فصلت صفته بينه، وبين معموله، لكن يجوز أن تعمل فيه الجملة، لانها في معنى يعذبون يوم تبيض وجوه، كما تقول المال لزيد يوم الجمعة فالعامل الفعل والجملة خلف منه. المعنى: والمعني بهذه الآية الذين كفروا بعد إيمانهم. وقيل فيهم أربعة أقوال: أحدها - قال الحسن: الذين كفروا بعد اظهار الايمان بالنفاق. الثاني - قال قتادة الذين كفروا بالارتداد. الثالث - قال أبي بن كعب: إنهم جميع الكفار، لاعراضهم عما يوجبه الاقرار بالتوحيد حين أشهدهم الله على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا. الرابع - ذكره الزجاج وأبو علي الجبائي. الذين كفروا من أهل الكتاب بالنبي (صلى الله عليه وسلم) بعد إيمانهم به أي بنعته وصفته قبل مبعثه، وهذا الوجه، والوجه الأول يليق بمذهبنا في الموافاة، فأما الارتداد عن الايمان الحقيقي، فلا يجوز عندنا على ما مضى في غير موضع. فان قيل إذا كان {الذين اسودت وجوههم} كفاراً {والذين ابيضت وجوههم} مؤمنين هلاَّ دل ذلك على أنه لا واسطة بين الكفر، والايمان من الفسق؟ قلنا: لا يجب ذلك، لأن ذكر اسوداد الوجوه وابيضاضها لا يمنع أن يكون هناك وجوه أخر مغبرة أو نحوها من الألوان أو يكون أدخلوا في جملة الكفار الذين اسودت وجوههم على التغليب لاعظم الصفتين كما يغلب المذكر على المؤنث، وليس ذكر اليوم بأنه تسود فيه وجوه وتبيض وجوه بمانع من أن يكون فيه وجوه عليها الغبرة، كما أن القائل إذا قال هذا يوم يعفو فيه السلطان عن قوم ويعاقب فيه قوماً لا يدل على أنه ليس هناك من لا يستحق واحداً من الأمرين على أن الآية تدل على أن {الذين اسودت وجوههم} هم المرتدون، لأنه قال {أكفرتم بعد إيمانكم} وليس كل الكفار هذه صورتهم، جاز لنا إثبات فاسقين مثل ذلك، وليس قوله: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} يجري مجرى قوله: {أية : وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً}تفسير : لأن ذاك إنما ذكر على وجه المثل، كأنه قال حال الذي يبشر بالانثى بمنزلة حالة من اسود وجهه، لما حدث فيه من التغير: وإن لم يسود في الحقيقة. وعرفنا عن ذلك دليل، وليس في هذه الآية ما يدلنا على العدول عن ظاهرها. وجواب أما في قوله: {فأما الذين اسودت} محذوف وتقديره {فأما الذين اسودت وجوههم} فيقال لهم {أكفرتم بعد إيمانكم} فحذف لدلالة اسوداد الوجوه على حال التوبيخ حتى كأنه ناطق به، وقد يحذف القول في مواضع كثيرة استغناء بما قبله من البيان، كقوله: {أية : ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا}تفسير : أي يقولون ربنا لدلالة تنكيس الرأس من المجرم على سؤال الاقالة. وقيل في قوله تعالى {أية : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا}تفسير : معناه يقول {ربنا تقبل منا} ومثله {أية : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم}تفسير : أي يقولون { سلام عليكم} ونظائر ذلك كثيرة جداً.
الجنابذي
تفسير : {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} بياض الوجه وسواده كنايتان عن بشاشة السّرور ونضارته وكابة الحزن والخوف وكدورته، او يظهر البياض حقيقة فى وجوهٍ والسّواد فى وجوهٍ لانّ يوم القيامة يوم ظهور الباطن فيظهر نور هؤلاء وظلمة اولئك على ظاهرهم {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} فيقال لهم {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} فحذف فاء جواب امّا مع القول، ونزول الآية كما عن علىّ (ع) وغيره من الخاصّة والعامّة فى منافقى الامّة الّذين ارتدّوا على ادبارهم بعد ايمانهم بمحمّد (ص) او علىّ (ع) فانّه روى انّهم اهل البدع والاهواء من هذه الامّة وهذا التفسير يناسب الآيات السّابقة بحسب تعريضها {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} بعد ايمانكم.
فرات الكوفي
تفسير : {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجوهٌ106} فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: يحشر يوم القيامة شيعة علي رواء مرويين مبيضة وجوههم، ويحشر أعداء علي يوم القيامة [و. ر] وجوههم [مسودة. أ، ب] [ظامئين. أ، ر] ثم قرأ {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} مثله!.
الالوسي
تفسير : {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } نصب بما في {لَهُمْ } من معنى الاستقرار أو منصوب بأذكر مقدراً، وقيل: العامل فيه عذاب وضعف بأن المصدر الموصوف لا يعمل، وقيل: عظيم، وأورد عليه أنه يلزم تقييد عظمته بهذا ولا معنى له، ورد بأنه إذا عظم فيه وفيه كل عظيم ففي غيره أولى إلا أن يقال: إن التقييد ليس بمراد، والمراد بالبياض معناه الحقيقي أو لازمه من السرور والفرح وكذا يقال في السواد والجمهور على الأول قالوا: يوسم أهل الحق ببياض الوجه وإشراق البشرة تشريفاً لهم وإظهاراً لآثار أعمالهم في ذلك الجمع، ويوسم أهل الباطل بضد ذلك، والظاهر أن الابيضاض والاسوداد يكون لجميع الجسد إلا أنهما أسندا للوجوه لأن الوجه أول ما يلقاك من الشخص وتراه وهو أشرف أعضائه. واختلف في وقت ذلك فقيل: وقت البعث من القبور، وقيل: وقت قراءة الصحف، وقيل: وقت رجحان الحسنات والسيئات في الميزان، وقيل: عند قوله تعالى شأنه: {أية : وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ } تفسير : [يۤس: 59]، وقيل: وقت أن يؤمر كل فريق بأن يتبع معبوده، ولا يبعد أن يقال: إن في كل موقف من هذه المواقف يحصل شيء من ذلك إلى أن يصل إلى حدّ الله تعالى أعلم به إذ البياض والسواد من المشكك دون المتواطىء كما لا يخفى، وقرأ ـ تبيض وتسود ـ بكسر حرف المضارعة وهي لغة ـ وتبياض وتسواد ـ. {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ } تفصيل لأحوال الفريقين وابتدأ بحال الذين اسودت وجوههم لمجاورته {وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } وليكون الابتداء والاختتام بما يسر الطبع ويشرح الصدر {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ } على إرادة القول المقرون بالفاء أي فيقال لهم ذلك، وحذف القول واستتباع الفاء له في الحذف أكثر من أن يحصى، وإنما الممنوع حذفها وحدها في جواب أما، والاستفهام للتوبيخ والتعجيب من حالهم، والكلام حكاية لما يقال لهم فلا التفات فيه خلافاً للسمين، والظاهر من السياق والسباق أن هؤلاء أهل الكتاب وكفرهم بعد إيمانهم / كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الإيمان به قبل مبعثه ـ وإليه ذهب عكرمة ـ واختاره الزجاج والجبائي. وقيل: هم جميع الكفار لإعراضهم عما وجب عليهم من الإقرار بالتوحيد حين أشهدهم على أنفسهم {أية : أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } تفسير : [الأعراف: 172] وروي ذلك عن أبـيّ بن كعب، ويحتمل أن يراد بالإيمان الإيمان بالقوة والفطرة وكفر جميع الكفار كان بعد هذا الإيمان لتمكنهم بالنظر الصحيح والدلائل الواضحة والآيات البينة من الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعن الحسن أنهم المنافقون أعطوا كلمة الإيمان بألسنتهم وأنكروها بقلوبهم وأعمالهم فالإيمان على هذا مجازي، وقيل: إنهم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة، وروي ذلك عن عليّ كرم الله تعالى وجهه وأبـي أمامة وابن عباس وأبـي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه. {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } أي المعهود الموصوف بالعظم والأمر للإهانة لتقرر المأمور به وتحققه، وقيل: يحتمل أن يكون أمر تسخير بأن يذوق العذاب كل شعرة من أعضائهم نعوذ بالله تعالى من غضبه، والفاء للإيذان بأن الأمر بذوق العذاب مترتب على كفرهم المذكور كما يصرح به قوله سبحانه: {بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } فالباء للسببية، وقيل: للمقابلة من غير نظر إلى التسبب وليست بمعنى اللام ولعله سبحانه أراد {بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ } والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرار كفرهم أو على مضيه في الدنيا.
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن يكون {يوم تبيض وجوه} منصوباً على الظرف، متعلّقاً بما في قوله {لهم عذاب} من معنى كائننٍ أو مستقرّ: أي يكون عذاب لهم يوم تبيضّ وجوه وتسْودّ وجوه، وهذا هو الجاري على أكثر الاستعمال في إضافة أسماء الزمان إلى الجُمل. ويجوز أن يكون منصوباً على المفعول به لفعل اذْكر محذوفاً، وتكون جملة {تبيضّ وجوه} صفة لـ (يوم) على تقدير: تبيضّ فيهِ وجوه وتسودّ فيه وجوه. وفي تعريف هذا اليوم بحصول بياض وجوه وسواد وجوه فيه، تهويل لأمره، وتشويق لما يرِد بعده من تفصيل أصحاب الوجوه المبيضّة، والوجوه المسودّة: ترهيباً لفريق وترغيباً لفريق آخر. والأظهر أن عِلْم السامعين بوقوع تبييض وجوه وتسويد وجوه في ذلكَ اليوم حاصل من قبل: في الآيات النازلة قبل هذه الآية، مثل قوله تعالى: {أية : ويوم القيامة ترى الَّذين كذبوا على الله وجوههم مسودّة}تفسير : [الزمر: 60] وقوله: {أية : وجوه يومئذٍ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذٍ عليها غبرة ترهقها قترَة}تفسير : [عبس: 38 ـــ 41]. والبياض والسواد بياض وسواد حقيقيان يوسم بهما المؤمن والكافر يوم القيامة، وهما بياض وسواد خاصّان لأن هذا من أحوال الآخرة فلا داعي لصرفه عن حقيقته. وقوله تعالى: {فأما الذين اسودّت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم} تفصيل للإجمال السابق، سُلك فيه طريق النشَّر المعكوس، وفيه إيجاز لأنّ أصل الكلام، فأمّا الَّذين اسودّت وجوههم فهم الكافرون يقال لهم أكفرتم إلى آخر: وأمّا الَّذين ابيضّت وجوههم فهم المؤمنون وفي رحمة الله هم فيها خالدون. قدّم عند وصف اليوم ذكر البياض، الَّذي هو شعار أهل النَّعيم، تشريفاً لذلك اليوم بأنَّه يوم ظهور رحمة الله ونعمته، ولأنّ رحمة الله سبقت غضبه، ولأنّ في ذكر سمة أهل النَّعيم، عقب وعيد بالعذاب، حسرةً عليهم، إذ يعلم السَّامع أنّ لهم عذاباً عظيماً في يوم فيه نعيم عظيم، ثُمّ قُدّم في التفصيل ذكر سمة أهل العذاب تعجيلاً بمساءتهم. وقوله {أكفرتم} مقول قول محذوف يحذف مثله في الكلام لظهوره: لأنّ الاستفهام لا يصدر إلاّ من مستفهم، وذلك القول هو جواب أمَّا، ولذلك لم تدحل الفاء على {أكفرتم} ليظهر أن ليس هو الجواب وأن الجواب حذف برمَّته. وقائل هذا القول مجهول، إذ لم يتقدّم ما يدّل عليه، فيحتمل أنّ ذلك يقوله أهل المحشر لهم وهم الَّذين عرفوهم في الدّنيا مؤمنين، ثمّ رأوهم وعليهم سمة الكفر، كما ورد في حديث الحوض «حديث : فليَرِدنّ عليّ أقوام أعرفهم ثمّ يُخْتلجُون دوني، فأقولُ: أصَيْحَابي، فيقال: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك»تفسير : والمستفهِم سلَفُهم من قومهم أو رسولهم، فالاستفهام على حقيقته مع كنايته عن معنى التعجّب. ويحتمل أنَّه يقوله تعالى لهم، فالاستفهام مجاز عن الإنكار والتغليط. ثمّ إن كان المراد بالَّذين اسودّت وجوههم أهل الكتاب، فمعنى كفرهم بعدَ إيمانهم تغييرهم شريعة أنبيائهم وكتمانهم ما كتموه فيها، أو كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بموسى وعيسى، كما تقدّم في قوله {أية : إنّ الَّذين كفروا بعد إيمانهم}تفسير : [آل عمران: 90] وهذا هو المحمل البيّن، وسياق الكلام ولفظه يقتضيه، فإنَّه مسَوق لوعيد أولئك. ووقعت تأويلات من المسلمين وقعوا بها فيما حذّرهم منه القرآن، فتفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات: الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : فلا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»تفسير : مثل أهل الردة الذين ماتوا على ذلك، فمعنى الكفر بعد الإيمان حينئذٍ ظاهر، وعلى هذا المعنى تأوّل الآية مالك بن أنس فيما روى عنه ابن القاسم وهو في ثالثة المسائل من سماعه من كتاب المرتدّين والمحاربين من العتبية قال: «ما آية في كتاب الله أشدّ على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية» يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه» قال مالك: إنَّما هذه لأهل القبلة. يعني أنَّها ليست للَّذين تفرّقوا واختلفوا من الأمم قبلنا بدليل قوله {أكفرتم بعد إيمانكم} ورواه أبو غسّان مالك الهروي عن مالك عن ابن عمرَ، ورُوي مثل هذا عن ابن عبّاس، وعلى هذا الوجه فالمراد الَّذين أحدثوا بعد إيمانهم كفرا بالردّة أو بشنيع الأقوال الَّتي تفضي إلى الكفر ونقض الشَّريعة، مثل الغرابية من الشيعة الَّذين قالوا بأنّ النبوءة لعلي، ومثل غلاة الإسماعلية أتباع حمزة بن عليّ، وأتباع الحاكم العُبيدي، بخلاف من لم تبلغ به مقالته إلى الكفر تصريحاً ولا لزوماً بيّنا مثل الخوارج والقدرية كما هو مفصّل في كتب الفقه والكلام في حكم المتأوّلين ومن يؤول قولهم إلى لوازم سيّئة. وذوق العذاب مجاز للإحساس وهو مجاز مشهور علاقته التقييد.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}. بين في هذه الآية الكريمة أن من أسباب اسوداد الوجوه يوم القيامة الكفر بعد الإيمان وذلك في قوله {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [آل عمران: 106] الآية. وبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك الكذب على الله وهو قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} تفسير : [الزمر: 60]. وبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك اكتساب السيئات وهو قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ مُظْلِماً} تفسير : [يونس: 27] وبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك الكفر والفجور وهو قوله تعالى: {أية : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ} تفسير : [عبس: 40-42]. وهذه الأسباب في الحقيقة شيء واحد عبر عنه بعبارات مختلفة، وهو الكفر بالله تعالى، وبين في موضع آخر شدة تشويه وجوههم بزرقة العيون وهو قوله: {أية : وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً} تفسير : [طه: 102] وأقبح صورة أن تكون الوجوه مسوداً والعيون زرقاً، ألا ترى الشاعر لما أراد أن يصور علل البخيل في أقبح صورة وأشوهها اقترح لها زرقة العيون، واسوداد الوجوه في قوله: شعر : وللبخيل على أمواله علل زرق العيون عليها أوجه سود
القطان
تفسير : بياض الوجوه: سرورها وفرحها. سواد الوجوه: مساءتها وخزيها. متى يكون ذلك العذاب العظيم للذين تفرقوا واختلفوا؟ سيكون ذلك يوم القيامة عندئذٍ تبيضُّ بالسرور وجوه المؤمنين لما تعلم من حسن العاقبة، وتسودُّ بالكآبة والحزن وجوه الكافرين، ويقال لهم: أكفرتم بعد أن فُطرتم على الإيمان وجاءتكم البينات عليه! إذنْ ذوقوا العذاب الحق جزاءَ كفركم. أما الذين ابيضّت وجوههم سروراً فإنهم يدخلون الجنة التي أعدها الله لهم وجعلهم فيها خالدين.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِيمَانِكُمْ} (106) - وَفِي يَوْمِ القِيَامَةِ تَبْيَضُّ وُجُوهُ المُؤْمِنينَ، وَيُسَرُّونَ لِمَا يَعْلَمُونَهُ مِنْ حُسْنِ العَاقِبَةِ. وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أهْلِ الكُفْرِ وَالضَّلاَلَةِ وَالاخْتِلافِ، لِمَا يَرَوْنَهُ مِنْ سُوءِ العَاقِبَةِ، وَمَا يَحِلُّ بِهَا مِنَ النَّكَالِ وَالوَبَالِ. وَيُسْألُ الذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ أهْلِ النِّفَاقِ وَالاخْتِلاَفِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَكَفَرْتُمْ بِاللهِ، وَخَالَفْتُمْ مَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنَ الاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللهِ، وَبِالوِفَاقِ وَاتِّحَادِ الكَلِمَةِ؟ فَذُوقُوا العَذَابَ الذِي تَسْتَحِقُّونَهُ بِسَبَبِ كُفْرِكُمْ. اسْوِدَادُ الوَجْهِ - تَعْبِيرٌ يُقَصْدُ بِهِ المَسَاءَةُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهنا يجب أن نعلم أن الاسوداد والابيضاض هما من آثار اختلاف البيئات في الدنيا، فالشخص الأسود يزيد الله في تكوينه عن الشخص الأبيض بما يناسب البيئة، لأن المادة الملونة للبشرة في جسده موجودة بقوة، لتعطيه اللون المناسب لمعايشة ظروف البيئة، أما أبيض البشرة فلا يملك جسده القدر الكافي من المادة الملونة، لأن بيئته لا تحتاج مثل هذه المادة الملونة. إذن فالسواد في الدنيا لصالح المسود، أما في هذه الآية، فهي تتحدث عما سوف نراه في الآخرة حيث يكون السواد والبياض مختلفين، تماما كما تتبدل الأرض غير الأرض والسماوات غير السماوات، وكذلك يتبدل أمر السواد والبياض، إنه لن يكون سواداً أو بياضاً من أجل البيئات. ولذلك ستتعجب يوم القيامة؛ لأنك قد ترى إنساناً كان أسود في الدنيا، وتجده أبيض في الآخرة، وتجد إنساناً آخر كان لونه أبيض في الدنيا ثم صار أسود في الآخرة. فلا يظن ظان أن الإنسان الأسود في الدنيا مكروه من الله، لا، إن الله يعطي كل واحد ما يناسبه، بدليل أن الله قد أمده باللون الذي يقويه على البيئة التي يحيا فيها. وفي مجالنا البشري، نحن نعطي المصل لأي إنسان مسافر إلى مكان ما، حتى نحميه من شر مرض في المكان الذي يذهب إليه، كذلك خَلْقُ الله في الأرض فقد أعطى سبحانه لكل إنسان في تكوينه المناعة التي تحفظه؛ فالله لا يكره السواد لأنه حماية للإنسان من البيئة. وهذه المسألة ستتبدل يوم القيامة كما تتبدل الأرض غير الأرض، وتبيض الوجوه المؤمنة، وتسود الوجوه الكافرة. أو أن البياض والسواد كليهما، أمر اعتباري، بدليل أنك ترى واحداً أبيض ولكن وجهه عليه غبرة ترهقه قترة، وترى واحداً آخر أسود اللون، ولكن نور اليقين يملأ وجهه، وبريق الصلاح يشع منه، وأنت لا تقدر أن تمنع عينيك من أن تديم النظر إليه، ولذلك قال الحق: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}تفسير : [القيامة: 22-23]. أي أن ما في داخل النفس إنما ينضح على قالب الإنسان؛ وتظهره ملامحه، فقد يكون الأسود مضيء الوجه بالبشر والإشراق والتجلي بالجاذبية الآسرة، وقد يكون الإنسان أبيض الوجه لكنه مظلم الروح. وهكذا نفهم أن اسوداد بشرة إنسان في الدنيا، إنما هو لمساعدة الإنسان على التواؤم مع البيئة، ومثال ذلك سواد العين وبياضها، هل يستطيع أحد أن يقول: إن بياض العين أحسن من سوادها، أو العكس؟. لا؛ لأن كل شيء معد لمهمته. ومثال آخر: عندما يأتي عامل البناء ليثني عمود الحديد المستقيم؛ ويلويه، فهل يقال: إن هذا الإنسان قد عوج الحديد؟. لا؛ إنه يريد أن يشكل عود الحديد ليكون صالحاً لمهمة معينة. وكذلك الاسوداد أو الابيضاض في الدنيا، إنما أراده الله ليتناسب مع ظروف الحياة في البيئة، أما في الآخرة فالدنيا قد زالت وفنيت، والأرض لن تكون هي الأرض والسماء لن تكون هي السماء؛ فالحق يقول: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}تفسير : [إبراهيم: 48]. فالمؤمن حين يرى ما أعده الله له من النعيم المقيم يقابل عطاء الله باستشراف نفس وسرور وانبساط، أما الذي يرى مقعده من النار فلا بد أن يكون مظلم الوجه. والحق سبحانه يوجه سؤالاً لهؤلاء: "أكفرتم بعد إيمانكم" أو كأن هذا أمر يُفاجئ من كان يعرف هؤلاء الناس في الدنيا؛ فقد رأوهم في الدنيا بيض الوجوه، ولكن يرونهم يوم القيامة وعلى وجوههم غبرة سوداء وترهقهم قترة، فيقولون لهم: "أكفرتم بعد إيمانكم"؟. وكأن ذلك هو سمة من يكفر بعد الإيمان. هذه هي سمتهم وعلامتهم في الآخرة أي ما الذي صيركم إلى هذا اللون؟ إنه الكفر بعد الإيمان. فمن هم الذين كفروا بعد الإيمان؟ هذا يعني أن الإيمان قد سبق ثم طرأ على الإيمان كفر، وماتوا على ذلك الكفر، وهذا قول ينطبق على الذين ارتدوا عن الإسلام مثل ابن الأسلت وغيره، وهؤلاء كفروا بعد الإيمان. أو يكون "أكفرتم بعد إيمانكم" يجعلنا نقول: البعدية هنا لا بد أن يكون لها قبلية: ألم يأخذ الله على خلقه عهداً في عالم الذر حين استخرجهم من ظهر آدم؟ وقال سبحانه: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ ..} تفسير : [الأعراف: 172]. إنه إقرار إيماني موجود في عالم الذّر، فمن جاء في الواقع لينقض هذه المسألة فقد كفر بعد إيمان. أو أكفرتم بعد إيمانكم بمحمد، بعد أن جاءتكم به البشارات التي عرفتموها، وقرأتموها في التوراة والإنجيل، وقد تأكدتم أنه قادم لا محالة، وأنه رسول هذه الأمة وخاتم الرسل، وانطبق عليكم قول الحق: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 89]. إذن فهذا القول، إما أن يكون في المرتدين، وإما أن يكون الكفر في واقع الدنيا بعد الإيمان في عالم الذر عندما أخذ الله العهد على الناس جميعاً، أو يكون الكفر بعد الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جاءت به البشارة في التوراة والإنجيل، أو يكون ذلك من أهل الأهواء الذين أخذوا الدين وجعلوه شيعاً، كالفرق التي خرجت عن الإسلام، وهي تدعى الانتساب إليه كالبهائية والقاديانية وغيرها. إن الآية تحتمل كل هذا، وعندما نمعن النظر إلى النص القرآني نجده يستوعب كل هذه المعاني. وهنا نلاحظ أن الحق سبحانه أورد فقط: {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [آل عمران: 106] وهذا قول يختص بالكفار فقط يذوقون العذاب بسبب الكفر، وذلك يعني أن المؤمن بإيمانه سينال ثواب عمله. يقول تعالى: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا الربيع بن صبيح، والربيع بن بدر، عن علي بن أَبي طالب، عن أَبي أُمامة في قوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} [الآية: 106]. يعني الحرورية ثم قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غير مرة، ولا مرتين ولا ثلاثة ولا أَربعة ولا خمسة ولا ستة ولا سبعة. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [الآية: 110]. يقول: أَنتم خير الناس للناس. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم / 10ظ / {وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} [الآية: 110] قال: عن الشرك. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا إِبراهيم قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ} [الآية: 112] بعهد الله وعهد من الناس. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} [الآية: 113] قال: عادلة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن حال يوم القيامة وما فيه من آثار الجزاء بالعدل والفضل، ويتضمن ذلك الترغيب والترهيب الموجب للخوف والرجاء فقال: { يوم تبيض وجوه } وهي وجوه أهل السعادة والخير، أهل الائتلاف والاعتصام بحبل الله { وتسود وجوه } وهي وجوه أهل الشقاوة والشر، أهل الفرقة والاختلاف، هؤلاء اسودت وجوههم بما في قلوبهم من الخزي والهوان والذلة والفضيحة، وأولئك ابيضت وجوههم، لما في قلوبهم من البهجة والسرور والنعيم والحبور الذي ظهرت آثاره على وجوههم كما قال تعالى: {أية : ولقاهم نضرة وسرورا } تفسير : نضرة في وجوههم وسرورا في قلوبهم، وقال تعالى: {أية : والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } تفسير : { فأما الذين اسودت وجوههم } فيقال لهم على وجه التوبيخ والتقريع: { أكفرتم بعد إيمانكم } أي: كيف آثرتم الكفر والضلال على الإيمان والهدى؟ وكيف تركتم سبيل الرشاد وسلكتم طريق الغي؟ { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } فليس يليق بكم إلا النار، ولا تستحقون إلا الخزي والفضيحة والعار. { وأما الذين ابيضت وجوههم } فيهنئون أكمل تهنئة ويبشرون أعظم بشارة، وذلك أنهم يبشرون بدخول الجنات ورضى ربهم ورحمته { ففي رحمة الله هم فيها خالدون } وإذا كانوا خالدين في الرحمة، فالجنة أثر من آثار رحمته تعالى، فهم خالدون فيها بما فيها من النعيم المقيم والعيش السليم، في جوار أرحم الراحمين، لما بين الله لرسوله صلى الله عليه وسلم الأحكام الأمرية والأحكام الجزائية قال: { تلك آيات الله نتلوها } أي: نقصها { عليك بالحق } لأن أوامره ونواهيه مشتملة على الحكمة والرحمة وثوابها وعقابها، كذلك مشتمل على الحكمة والرحمة والعدل الخالي من الظلم، ولهذا قال: { وما الله يريد ظلما للعالمين } نفى إرادته ظلمهم فضلا عن كونه يفعل ذلك فلا ينقص أحدا شيئا من حسناته، ولا يزيد في ظلم الظالمين، بل يجازيهم بأعمالهم فقط، ثم قال تعالى: { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِلَى ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):