٣٧ - ٱلصَّافَّات
37 - As-Saffat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
114
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة، واعلم أن وجوه الأنعام وإن كانت كثيرة إلا أنها محصورة في نوعين إيصال المنافع إليه ودفع المضار عنه والله تعالى ذكر القسمين ههنا، فقوله: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ } إشارة إلى إيصال المنافع إليهما، وقوله: {وَنَجَّيْنَـٰهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ } إشارة إلى دفع المضار عنهما. أما القسم الأول: وهو إيصال المنافع، فلا شك أن المنافع على قسمين: منافع الدنيا ومنافع الدين، أما منافع الدنيا فالوجود والحياة والعقل والتربية والصحة وتحصيل صفات الكمال في ذات كل واحد منهما، وأما منافع الدين فالعلم والطاعة، وأعلى هذه الدرجات النبوة الرفيعة المقرونة بالمعجزات الباهرة القاهرة، ولما ذكر الله تعالى هذه التفاصيل في سائر السور، لا جرم اكتفى ههنا بهذا الرمز. وأما القسم الثاني: وهو دفع الضرر فهو المراد من قوله: {وَنَجَّيْنَـٰهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ } وفيه قولان: قيل إنه الغرق، أغرق الله فرعون وقومه، ونجى الله بني إسرائيل، وقيل المراد أنه تعالى نجاهم من إيذاء فرعون حيث كان يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم. واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه منَّ على موسى وهارون، فصل أقسام تلك المنة. والهاء في قوله: {وَنَصَرْنَـٰهُمْ } أي نصرنا موسى وهارون وقومهما: {فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَـٰلِبِينَ } في كل الأحوال بظهور الحجة وفي آخر الأمر بالدولة والرفعة وثانيهما: قوله تعالى: {وَءاتَيْنَـٰهُمَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلْمُسْتَبِينَ } والمراد منه التوراة، وهو الكتاب المشتمل على جميع العلوم التي يحتاج إليها في مصالح الدين والدنيا، كما قال: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ } تفسير : [المائدة: 44]، وثالثها: قوله تعالى: {وَهَدَيْنَـٰهُمَا ٱلصّرٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } أي دللناهما على طريق الحق عقلاً وسمعاً، وأمددناهما بالتوفيق والعصمة، وتشبيه الدلائل الحقة بالطريق المستقيم واضح ورابعها: قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى ٱلأَخِرِينَ } وفيه قولان الأول: أن المراد {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى ٱلأَخِرِينَ } وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم قولهم: {سَلَـٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ } والثاني: أن المراد {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى ٱلأَخِرِينَ } وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم الثناء الحسن والذكر الجميل، وعلى هذا التقدير فقوله بعد ذلك: {سَلَـٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ } هو كلام الله تعالى، ولما ذكر تعالى هذه الأقسام الأربعة من أبواب التعظيم والتفضيل قال: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } وقد سبق تفسيره، ثم قال تعالى: {إِنَّهمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ } والمقصود التنبيه، على أن الفضيلة الحاصلة بسبب الإيمان أشرف وأعلى وأكمل من كل الفضائل، ولولا ذلك لما حسن ختم فضائل موسى وهارون بكونهما من المؤمنين، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ } لما ذكر إنجاء إسحاق من الذبح، وما منّ به عليه بعد النبوّة، ذكر ما منّ به أيضاً على موسى وهارون من ذلك. وقوله: {مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} قيل: من الرق الذي لحق بني إسرائيل. وقيل من الغرق الذي لحق فرعون. {وَنَصَرْنَاهُمْ} قال الفراء: الضمير لموسى وهارون وحدهما؛ وهذا على أن الاثنين جمع؛ دليله قوله: {وَآتَيْنَاهُمَا} {وَهَدَيْنَاهُمَا}. وقيل: الضمير لموسى وهارون وقومهما وهذا هو الصواب؛ لأن قبله «وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا». و{ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ} التوراة؛ يقال ٱستبان كذا أي صار بيِّناً؛ واستبانه فلان مثل تبيّن الشيء بنفسه وتبيّنه فلانٌ. و{ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} الدين القويم الذي لا ٱعوجاج فيه وهو دين الإسلام. {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ } يريد الثناء الجميل. {سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ } تقدّم.
ابن كثير
تفسير : يذكر تعالى ما أنعم به على موسى وهارون من النبوة والنجاة بمن آمن معهما من قوم فرعون وقومه، وما كان يعتمد في حقهم من الإساءة العظيمة؛ من قتل الأبناء، واستحياء النساء، واستعمالهم في أخس الأشياء، ثم بعد هذا كله نصرهم عليهم، وأقر أعينهم منهم، فغلبوهم وأخذوا أرضهم وأموالهم، وما كانوا جمعوه طول حياتهم، ثم أنزل الله عز وجل على موسى الكتاب العظيم الواضح الجلي المستبين، وهو التوراة؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً} تفسير : [الأنبياء: 48] وقال عز وجل ههنا: { وَءَاتَيْنَـٰهُمَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلْمُسْتَبِينَ وَهَدَيْنَـٰهُمَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } أي: في الأقوال والأفعال { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى ٱلأَخِرِينَ} أي: أبقينا لهما من بعدهما ذكراً جميلاً، وثناء حسناً، ثم فسره بقوله تعالى: { سَلَـٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ }.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ } بالنبوّة.
الشوكاني
تفسير : لما فرغ سبحانه من ذكر إنجاء الذبيح من الذبح، وما منّ عليه بعد ذلك من النبوّة ذكر ما منّ به على موسى، وهارون، فقال: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ } يعني: بالنبوّة، وغيرها من النعم العظيمة التي أنعم الله بها عليهما {وَنَجَّيْنَـٰهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ } المراد بقومهما هم: المؤمنون من بني إسرائيل، والمراد بالكرب العظيم هو: ما كانوا فيه من استعباد فرعون إياهم، وما كان يصيبهم من جهته من البلاء، وقيل: هو الغرق الذي أهلك فرعون، وقومه، والأوّل أولى {وَنَصَرْنَـٰهُمْ } جاء بضمير الجماعة. قال الفراء: الضمير لموسى، وهارون، وقومهما، لأن قبله، {نجيناهما، وقومهما} والمراد بالنصر: التأييد لهم على عدوّهم {فَكَانُواْ } بسبب ذلك {هُمُ ٱلْغَـٰلِبِينَ } على عدوّهم بعد أن كانوا تحت أسرهم، وقهرهم، وقيل: الضمير في {نصرناهم} عائد على الاثنين موسى، وهارون تعظيماً لهما، والأوّل أولى {وَءاتَيْنَـٰهُمَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلْمُسْتَبِينَ } المراد بالكتاب: التوراة، والمستبين: البين الظاهر، يقال: استبان كذا. أي: صار بيناً {وَهَدَيْنَـٰهُمَا ٱلصّرٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } أي: القيم لا اعوجاج فيه، وهو دين الإسلام، فإنه الطريق الموصلة إلى المطلوب {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى ٱلآخِرِينَ * سَلَـٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ } أي: أبقينا عليهما في الأمم المتأخرة الثناء الجميل، وقد قدّمنا الكلام في السلام، وفي وجه إعرابه بالرفع، وكذلك تقدّم تفسير {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ } في هذه السورة. {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } قال المفسرون: هو نبيّ من أنبياء بني إسرائيل، وقصته مشهورة مع قومه، قيل: وهو إلياس بن يۤس من سبط هارون أخي موسى. قال ابن إسحاق، وغيره: كان إلياس هو القيم بأمر بني إسرائيل بعد يوشع، وقيل: هو إدريس، والأوّل أولى. قرأ الجمهور {إلياس} بهمزة مكسورة مقطوعة، وقرأ ابن ذكوان بوصلها، ورويت هذه القراءة عن ابن عامر، وقرأ ابن مسعود، والأعمش، ويحيـى بن وثاب "وإن إدريس لمن المرسلين"، وقرأ أبيّ "وإن إبليس" بهمزة مكسورة، ثم تحتية ساكنة، ثم لام مكسورة، ثم تحتية ساكنة، ثم سين مهملة مفتوحة {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ } هو ظرف لقوله {من المرسلين}، أو متعلق بمحذوف، أي: اذكر يا محمد إذ قال، والمعنى: ألا تتقون عذاب الله؟ ثم أنكر عليهم بقوله: {أَتَدْعُونَ بَعْلاً } هو: اسم لصنم كانوا يعبدونه، أي: أتعبدون صنماً، وتطلبون الخير منه. قال ثعلب: اختلف الناس في قوله سبحانه: {بَعْلاً } فقالت طائفة: البعل هنا الصنم، وقالت طائفة: البعل هنا ملك، وقال ابن إسحاق: امرأة كانوا يعبدونها. قال الواحدي: والمفسرون يقولون: رباً، وهو بلغة اليمن، يقولون للسيد، والربّ: البعل. قال النحاس: القولان صحيحان، أي: أتدعون صنماً عملتوه رباً؟ {وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ } أي: وتتركون عبادة أحسن من يقال له خالق، وانتصاب الاسم الشريف في قوله: {ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءابَائِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ } على أنه بدل من {أحسن}، هذا على قراءة حمزة، والكسائي، والربيع بن خثيم، وابن أبي إسحاق، ويحيـى بن وثاب، والأعمش، فإنهم قرؤوا بنصب الثلاثة الأسماء. وقيل: النصب على المدح، وقيل: على عطف البيان، وحكى أبو عبيد: أن النصب على النعت. قال النحاس: وهو غلط، وإنما هو بدل، ولا يجوز النعت. لأنه ليس بتحلية، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وأبو جعفر، وشيبة، ونافع بالرفع. قال أبو حاتم: بمعنى: هو الله ربكم. قال النحاس: وأولى ما قيل: إنه مبتدأ، وخبر بغير إضمار، ولا حذف. وحكي عن الأخفش: أن الرفع أولى وأحسن. قال ابن الأنباري: من رفع، أو نصب لم يقف على {أحسن الخالقين} على جهة التمام؛ لأن الله مترجم عن أحسن الخالقين على الوجهين جميعاً، والمعنى أنه خالقكم، وخالق من قبلكم، فهو الذي تحقّ له العبادة. {فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } أي: فإنهم بسبب تكذيبه لمحضرون في العذاب، وقد تقدّم أن الإحضار المطلق، مخصوص بالشرّ {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } أي: من كان مؤمناً به من قومه، قرىء بكسر اللام، وفتحها كما تقدّم، والمعنى على قراءة الكسر: أنهم أخلصوا لله؛ وعلى قراءة الفتح: أن الله استخلصهم من عباده. وقد تقدّم تفسير {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلآخِرِينَ سَلَـٰمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ } قرأ نافع، وابن عامر، والأعرج، وشيبة على {آل ياسين} بإضافة آل بمعنى: آل ياسين، وقرأ الباقون بكسر الهمزة، وسكون اللام موصولة بياسين إلا الحسن، فإنه قرأ "الياسين" بإدخال آلة التعريف على ياسين. قيل: المراد على هذه القراءات كلها إلياس، وعليه وقع التسليم، ولكنه اسم أعجمي، والعرب تضطرب في هذه الأسماء الأعجمية، ويكثر تغييرهم لها. قال ابن جني: العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية تلاعباً؛ فياسين، وإلياس، وإلياسين شيء واحد. قال الأخفش: العرب تسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالبة، على أنهم سموا كل رجل منهم بالمهلب. قال: فعلى هذا إنه سمي كل رجل منهم بالياسين. قال الفراء: يذهب بالياسين إلى أن يجعله جمعاً، فيجعل أصحابه داخلين معه في اسمه. قال أبو عليّ الفارسي: تقديره: الياسيين، إلا أن الياءين للنسبة حذفتا كما حذفتا في الأشعرين، والأعجمين. ورجح الفرّاء، وأبو عبيدة قراءة الجمهور قالا: لأنه لم يقل في شيء من السور على آل فلان، إنما جاء بالاسم كذلك الياسين؛ لأنه إنما هو بمعنى: إلياس، أو بمعنى: إلياس، وأتباعه. وقال الكلبي: المراد بآل ياسين: آل محمد. قال الواحدي: وهذا بعيد؛ لأن ما بعده من الكلام، وما قبله لا يدلّ عليه، وقد تقدّم تفسير {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ } مستوفى. {وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } قد تقدّم ذكر قصة لوط مستوفاة {إِذْ نَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ } الظرف متعلق بمحذوف هو اذكر، ولا يصح تعلقه بالمرسلين، لأنه لم يرسل وقت تنجيته {إِلاَّ عَجُوزاً فِى ٱلْغَـٰبِرِينَ } قد تقدم أن الغابر يكون بمعنى: الماضي، ويكون بمعنى: الباقي، فالمعنى: إلا عجوزاً في الباقين في العذاب، أو الماضين الذين قد هلكوا {ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ } أي: أهلكناهم بالعقوبة، والمعنى: أن في نجاته، وأهله جميعاً إلا العجوز، وتدمير الباقين من قومه الذين لم يؤمنوا به دلالة بينة على ثبوت كونه من المرسلين {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ } خاطب بهذا العرب، أو أهل مكة على الخصوص، أي: تمرون على منازلهم التي فيها آثار العذاب وقت الصباح {وَبِٱلَّيْلِ }، والمعنى: تمرون على منازلهم في ذهابكم إلى الشام، ورجوعكم منه نهاراً، وليلاً {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } ما تشاهدونه في ديارهم من آثار عقوبة الله النازلة بهم، فإن في ذلك عبرة للمعتبرين، وموعظة للمتدبرين {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } يونس هو: ذو النون، وهو: ابن متى. قال المفسرون: وكان يونس قد وعد قومه العذاب، فلما تأخر عنهم العذاب خرج عنهم، وقصد البحر، وركب السفينة، فكان بذهابه إلى البحر كالفار من مولاه، فوصف بالإباق، وهو معنى قوله: {إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } وأصل الإباق: الهرب من السيد، لكن لما كان هربه من قومه بغير إذن ربه وصف به. وقال المبرد: تأويل أبق بباعد، أي: ذهب إليه، ومن ذلك قولهم: عبد آبق. وقد اختلف أهل العلم هل كانت رسالته قبل التقام الحوت إياه، أو بعده؟ ومعنى المشحون: المملوء {فَسَـٰهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ } المساهمة أصلها: المغالبة، وهي: الاقتراع، وهو: أن يخرج السهم على من غلب. قال المبرد: أي: فقارع. قال: وأصله من السهام التي تجال، ومعنى {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ }: فصار من المغلوبين. قال: يقال: دحضت حجته، وأدحضها الله، وأصله من الزلق عن مقام الظفر، ومنه قول الشاعر:شعر : قتلنا المدحضين بكل فج فقد قرت بقتلهم العيون تفسير : أي: المغلوبين {فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ } يقال: لقمت اللقمة، والتقمتها: إذا ابتلعتها، أي: فابتلعه الحوت، ومعنى {وَهُوَ مُلِيمٌ }: وهو مستحق للوم، يقال: رجل مليم: إذا أتى بما يلام عليه، وأما الملوم، فهو: الذي يلام سواء أتى بما يستحق أن يلام عليه أم لا، وقيل: المليم: المعيب، يقال: ألام الرجل: إذا عمل شيئاً صار به معيباً. ومعنى هذه المساهمة: أن يونس لما ركب السفينة احتبست. فقال الملاحون: ها هنا عبد أبق من سيده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري، فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقال: أنا الآبق، وزج نفسه في الماء. قال سعيد بن جبير: لما استهموا جاء حوت إلى السفينة فاغراً فاه ينتظر أمر ربه حتى إذا ألقى نفسه في الماء أخذه الحوت {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبّحِينَ } أي: الذاكرين لله، أو المصلين له {لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أي: لصار بطن الحوت له قبراً إلى يوم البعث. وقيل: للبث في بطنه حياً. واختلف المفسرون: كم أقام في بطن الحوت؟ فقال السدي، والكلبي، ومقاتل بن سليمان: أربعين يوماً. وقال الضحاك: عشرين يوماً. وقال عطاء: سبعة أيام. وقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام، وقيل: ساعة واحدة. وفي هذه الآية ترغيب في ذكر الله، وتنشيط للذاكرين له. {فَنَبَذْنَـٰهُ بِٱلْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ } النبذ: الطرح، والعراء. قال ابن الأعرابي: هو: الصحراء، وقال الأخفش: الفضاء، وقال أبو عبيدة: الواسع من الأرض، وقال الفراء: المكان الخالي. وروي عن أبي عبيدة أيضاً أنه قال: هو وجه الأرض، وأنشد لرجل من خزاعة:شعر : ورفعت رجلاً لا أخاف عثارها ونبذت بالبلد العراء ثيابي تفسير : والمعنى: أن الله طرحه من بطن الحوت في الصحراء الواسعة التي لا نبات فيها، وهو عند إلقائه سقيم لما ناله في بطن الحوت من الضرر، قيل: صار بدنه كبدن الطفل حين يولد. وقد استشكل بعض المفسرين الجمع بين ما وقع هنا من قوله: {فَنَبَذْنَـٰهُ بِٱلْعَرَاء }، وقوله في موضع آخر: {أية : لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مّن رَّبّهِ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ } تفسير : [القلم: 49] فإن هذه الآية تدل على أنه لم ينبذ بالعراء. وأجاب النحاس، وغيره بأن الله سبحانه أخبر ها هنا: أنه نبذ بالعراء، وهو غير مذموم، ولولا رحمته عزّ وجلّ لنبذ بالعراء، وهو مذموم. {وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مّن يَقْطِينٍ } أي: شجرة فوقه تظلل عليه، وقيل: معنى {عليه}: عنده. وقيل: معنى عليه: له. واليقطين: هي شجرة الدباء. وقال المبرد: اليقطين يقال: لكل شجرة ليس لها ساق، بل تمتد على وجه الأرض نحو الدباء، والبطيخ، والحنظل، فإن كان لها ساق يقلها، فيقال لها: شجرة فقط، وهذا قول الحسن، ومقاتل، وغيرهما. وقال سعيد بن جبير: هو كل شيء ينبت، ثم يموت من عامه. قال الجوهري: اليقطين: ما لا ساق له من شجر كشجر القرع، ونحوه. قال الزجاج: اشتقاق اليقطين من قطن بالمكان، أي: أقام به، فهو يفعيل، وقيل: هو: اسم أعجمي. قال المفسرون: كان يستظل بظلها من الشمس، وقيض الله له أروية من الوحش تروح عليه بكرة، وعشية، فكان يشرب من لبنها حتى اشتد لحمه، ونبت شعره، ثم أرسله الله بعد ذلك. وهو معنى قوله: {وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } هم قومه الذين هرب منهم إلى البحر، وجرى له ما جرى بعد هربه، كما قصه الله علينا في هذه السورة، وهم: أهل نينوى. قال قتادة: أرسل إلى أهل نينوى من أرض الموصل. وقد مر الكلام على قصته في سورة يونس مستوفى، و «أو» في {أو يزيدون} قيل: هي بمعنى: الواو، والمعنى: ويزيدون. وقال الفراء: أو ها هنا بمعنى: بل، وهو قول مقاتل، والكلبي. وقال المبرد، والزجاج، والأخفش: أو هنا على أصله، والمعنى: أو يزيدون في تقديركم إذا رآهم الرائي قال: هؤلاء مائة ألف، أو يزيدون، فالشك إنما دخل على حكاية قول المخلوقين. قال مقاتل، والكلبي: كانوا يزيدون عشرين ألفاً. وقال الحسن: بضعاً وثلاثين ألفاً. وقال سعيد بن جبير: سبعين ألفاً. وقرأ جعفر بن محمد، "ويزيدون" بدون ألف الشك. وقد وقع الخلاف بين المفسرين: هل هذا الإرسال المذكور هو الذي كان قبل التقام الحوت له، وتكون الواو في: {وأرسلناه} لمجرد الجمع بين ما وقع له مع الحوت، وبين إرساله إلى قومه، من غير اعتبار تقديم ما تقدم في السياق، وتأخير ما تأخر، أو هو إرسال له بعد ما وقع له مع الحوت ما وقع على قولين؟ وقد قدمنا الإشارة إلى الاختلاف بين أهل العلم هل كان قد أرسل قبل أن يهرب من قومه إلى البحر، أو لم يرسل إلا بعد ذلك؟ والراجح: أنه كان رسولاً قبل أن يذهب إلى البحر كما يدل عليه ما قدمنا في سورة يونس، وبقي مستمراً على الرسالة، وهذا الإرسال المذكور هنا هو بعد تقدم نبوته، ورسالته. {فَـئَامَنُواْ فَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ } أي: وقع منهم الإيمان بعد ما شاهدوا أعلام نبوته، فمتعهم الله في الدنيا إلى حين انقضاء آجالهم، ومنتهى أعمارهم. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن ابن مسعود قال: إلياس هو: إدريس. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة مثله. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : الخضر هو: إلياس»تفسير : . وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل، وضعفه عن أنس قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فنزل منزلاً، فإذا رجل في الوادي يقول: اللَّهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم المرحومة المغفور المثاب لها، فأشرفت على الوادي، فإذا طوله ثمانون ذراعاً وأكثر، فقال: من أنت؟ فقلت: أنس خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أين هو؟ فقلت: هو ذا يسمع كلامك، قال: فأته، وأقرئه مني السلام، وقل له: أخوك إلياس يقرئك السلام، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فجاء حتى عانقه، وقعدا يتحدّثان، فقال له: يا رسول الله إني إنما آكل في كلّ سنة يوماً، وهذا يوم فطري، فآكل أنا وأنت، فنزلت عليهما المائدة من السماء خبز، وحوت، وكرفس، فأكلا، وأطعماني، وصليا العصر، ثم ودّعه، ثم رأيته مرّ على السحاب نحو السماء». قال الذهبي متعقباً لتصحيح الحاكم له: بل موضوع قبح الله من وضعه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن ابن عباس في قوله: {أَتَدْعُونَ بَعْلاً } قال: صنماً. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عنه في قوله: {سَلَـٰمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ} قال: نحن آل محمد آل ياسين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: بعث الله يونس إلى أهل قريته، فردّوا عليه ما جاءهم به، فامتنعوا منه، فلما فعلوا ذلك أوحى الله إليهم إني مرسل عليهم العذاب في يوم كذا، وكذا. فأخرج من بين أظهرهم، فأعلم قومه الذي وعد الله من عذابه إياهم، فقالوا: ارمقوه، فإن خرج من بين أظهركم، فهو والله كائن ما وعدكم، فلما كانت الليلة التي وعدوا بالعذاب في صبيحتها أدلج، فرآه القوم، فحذروا، فخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم، وفرّقوا بين كلّ دابة، وولدها، ثم عجوا إلى الله، وأنابوا، واستقالوا، فأقالهم الله، وانتظر يونس الخبر عن القرية، وأهلها حتى مرّ به مارّ، فقال: ما فعل أهل القرية؟ قال: إن نبيهم لما خرج من بين أظهرهم عرفوا أنه قد صدقهم ما وعدهم من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض، ثم فرقوا بين كلّ ذات ولد وولدها، ثم عجوا إلى الله، وتابوا إليه، فتقبل منهم، وأخرّ عنهم العذاب، فقال يونس عند ذلك: لا أرجع إليهم كذاباً أبداً، ومضى على وجهه، وقد قدّمنا الكلام على قصته، وما روي فيها في سورة يونس، فلا نكرره. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس في قوله: {فَسَـٰهَمَ } قال: اقترع {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ } قال: المقروعين. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَهُوَ مُلِيمٌ } قال: مسيء. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وأحمد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبّحِينَ } قال: من المصلين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً {فَنَبَذْنَـٰهُ بِٱلْعَرَاء } قال: ألقيناه بالساحل. وأخرج هؤلاء عنه أيضاً {شَجَرَةً مّن يَقْطِينٍ } قال: القرع. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير عنه أيضاً قال: اليقطين: كلّ شيء يذهب على وجه الأرض. وأخرج أحمد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه عنه أيضاً قال: إنما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت، ثم تلا: {فَنَبَذْنَـٰهُ بِٱلْعَرَاء } إلى قوله: {وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ } وقد تقدّم عنه ما يدلّ على أن رسالته كانت من قبل ذلك، وليس في الآية: ما يدلّ على ما ذكره كما قدّمنا. وأخرج الترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبيّ بن كعب قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: {وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } قال: يزيدون عشرين ألفاً. قال الترمذي: غريب. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: يزيدون ثلاثين ألفاً. وروي عنه أنهم يزيدون بضعة وثلاثين ألفاً. وروي عنه: أنهم يزيدون بضعة وأربعين ألفاً، ولا يتعلق بالخلاف في هذا كثير فائدة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ولقد مننا على موسى وهارون} فيه قولان: أحدهما: بالنبوة، قاله مقاتل. الثاني: بالنجاة من فرعون، قاله الكلبي. {ونجيناهما} الآية. فيه قولان: أحدهما: من الغرق. الثاني: من الرق.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} أنعمنا عليهما بالنبوة {وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} الذي كانوا فيه من استعباد فرعون إياهم. (قوله: "وَنَصَرْنَاهُمْ") قيل: الضمير يعود على "موسى وهارون وقومهما"، وقيل: عائد على الاثنين بلفظ الجمع تعظيماً كقوله: شعر : 4220- فَإنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ ...................... {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} تفسير : [الطلاق:1]. قوله: "فَكَانُواْ هُمُ" يجوز في "هم" أن تكون تأكيداً، وأن تكون بدلاً، وأن تكون فصلاً، وهو الأظهر. فصل المعنى: فكانوا هم الغالبين على القِبطِ في كُلِّ الأَحْوَال، أما في أول الأمر فبظهور الحجة، وما في آخر الأمر فبالدولة والرفعة {وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ} المستنير المشتمل على جميع العلوم المحتاج إليها في مصالح الدين والدنيا كما قال تعالى: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} تفسير : [المائدة:44]. {وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} دللناهما على طريق الحق عقلاً وسمعاً {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ} تقدم الكلام عليه في آخر القصة.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر هؤلاء السادة الذين لهم من رتبة التجرد والنزاهة ما تقدم بيانه، وختمهم بأخوين ما اجتمعا قط، وكان من أعظم المقاصد بذكرهم المنة على من اتصف بمثل صفاتهم بالقرب والنصرة تسلية وترجية للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن اتبعه من المؤمنين ممن قارب - من شدة البلاء والقهر - اليأس من النصر، أتبعهم بأمثالهم في التجرد وابتدأهما بأخوين افترقا حين ولادة الثاني على حالة لا يمكن الاجتماع معها عادة، ثم اجتمعا في الباطن مع الافتراق في الظاهر ثم افترقا على حالة يبعد الاجتماع معها عادة ثم اجتمعا اجتماعاً لم يفترقا منه إلا بالموت وبدأهما بأول من تجرد منهما من حين ولادته إلى أوان هجرته، ثم من حين رجعته إلى أن جرد آله - وهم بعض ذرية إبراهيم عليه السلام - وأنقذهم من علائق الكفرة، ثم تجرد معهم هو وأخوه عن المدن والقرى وأكثر علائق البشر، ملازمين البراري والفلوات حيث يكثر ظهور الكلمة مع إرسال الله إليهما بمعادن الحكمة إلى أن ماتا عليهما الصلاة والسلام والتحية والإكرام، فقال مؤكداً تنبيهاً لمن يعد نصر المؤمنين محالاً، عاطفاً على ما تقديره: فلقد أنشأنا منهما من الأمم ما يعجز الوصف ويفوت الحصر، ومننا على كثير منهم بالإحسان من ولد إسماعيل عليه السلام إلى أن غير دينه عمرو بن لحي، ومن ولد إسحاق يعقوب والأسباط عليهم السلام ومن شاء الله من أولادهم: {ولقد مننا} أي أنعمنا إنعاماً مقطوعاً به بما لنا من العظمة، على أول من أظهر لسان الصدق لإبراهيم عليه السلام وذريته اظهاراً تاماً. وبدأهما بأعرقهما - كما تقدم - في التجرد وأحقها بالتقدم فقال: {على موسى} أحد أعيان المتجردين، ومن له القدم الراسخ في ذلك {وهارون*} أي عين من تجرد مع أخيه ووافقه أتم موافقة، ووازره أعظم موازرة، بما أتيا به من النبوة والكتاب وغير ذلك من أنواع الخطاب. ولما كان جل المقصود - كما مضى - مقام التجرد، والإعلام بنصر المستضعفين من المؤمنين، قال: {ونجيناهما وقومهما} أي بني إسرائيل وقد كانوا مرت لهم دهور في ذل لا يقاربه ذل المؤمنين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في أول أمرهم {من الكرب العظيم *} أي الاستبعاد، وما يتبعه من عظائم الأنكاد، وكان ذلك بهلاك القبط الذين استمروا على الضلال، وهم أضعاف أضعاف بني إسرائيل، إلى أن أهلكناهم فلم يفلت منهم إنسان، فصح لبني إسرائيل حينئذ التجرد وزال عنهم ذل التجبر والتمرد. ولما بين نعمة النجاة من الأسر، أتبعها نعمة الالتذاذ بالنصر، فقال: {ونصرناهم} أي موسى وهارون عليهما السلام وقومهما على كل من نازعهم في ذلك الزمان من فرعون وغيره {فكانوا هم} أي خاصة {الغالبين *} أي على كل من يسومهم سوء العذاب، وهو فرعون وآله وعلى جميع من ناووه أو ناواهم، فاحذروا يا معشر قريش والعرب من مثل ذلك، ولقد كان ما حذرهم منه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعظم ما يمكن أن يكون إلا نبينا صلى الله عليه وسلم لما كان نبي الرحمة لين الله قلوبهم حتى ردهم إلى ما اغتبطوا به من متابعته، فصاروا به ملوك الدنيا والآخرة. ولما كانت فائدة النصرة التمكن من إقامة الدين قال: {وآتيناهما} أي بعظمتنا بعد إهلاك عدوهم {الكتاب المستبين *} أي الجامع البين الذي هو لشدة بيانه طالب لأن يكون بيناً وهو كذلك فإنه ليس شيء من الكتب مثل التوراة في سهولة مأخذها، وجمع هارون عليه السلام معه في الضمير لأنه مثله في تقبل الكتاب والعمل بجميع ما فيه والثبات على ما يدعو إليه وإن كان نزوله خاصاً بموسى عليه السلام: {وهديناهما الصراط} أي الطريق الواضح في الإيصال إلى المقصود {المستقيم *} أي الذي هو لعظيم تقومه كأنه طالب لأن يكون قويماً، فهو في غاية المحافظة على القوم فلا يزيغ أصلاً، ولذلك هو شرائع الدين القيم. ولما كان الذكر الجميل عند ذوي الهمم العالية والعزائم الوافية هو الشرف قال: {وتركنا عليهما} أي ما تعرفون من الثناء الحسن {في الآخرين *} أي كل من يجيء بعدهما إلى يوم الدين. ولما ظهر بهذا أن لهما من الشرف والسؤدد أمراً عظيماً كانت نتيجته: {سلام} أي عظيم {على موسى} صاحب الشريعة العريق في الاتصاف بمقصود السورة {وهارون *} وزيره وأخيه. ولما كان نصر النبي صلى الله عليه وسلم بمن معه من الضعفاء على قريش وسائر العرب عند قريش في غاية البعد، وكان التقدير: فعلنا معهما ذلك لإحسانهما، علله بما يقطع قلوب قريش في مظهر التأكيد فقال: {إنا كذلك} أي مثل هذا الجزاء {نجزي} أي دائماً في كل عصر {المحسنين *} أي العريقين في هذا الوصف؛ ثم علل إحسانهما وبينه وأكده ترغيباً في مضمونه، وتكذيباً لمن يقول: إن المؤمنين لا ينصرون، بقوله: {إنهما من عبادنا} أي الذين محضوا العبودية والخضوع لنا {المؤمنين *} أي الثابتين في وصف الإيمان.
القشيري
تفسير : مَنَّ عليهما بالنبوة، وبالنجاة من فرعون وقومه، وبنصرته عليهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد مننا على موسى وهرون} المنان فى صفة الله تعالى المعطى ابتداء من غير ان يطلب عوضا يقال منّ عليه منا اذا اعطاه شيئا ومنّ عليه منة اذا اعد نعمته عليه وامتن وهو مذموم من الخلق لا من الحق كما قال تعالى {أية : بل الله يمن عليكم} تفسير : والمعنى وبالله لقد انعمنا على موسى واخيه هارون بالنبوة وغيرها من النعم الدينية والدنيوية
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ولقد منَنَّا} أنعمنا {على موسى وهارونَ} بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية، {ونجَّيناهما وقومَهُما} بني إسرائيل، {من الكربِ العظيم} من الغرق والدهش الذي أصابهم، حين طلعت خيل فرعون عليهم، أو: من سلطان فرعون وقومه وعنتهم. {ونصرناهمْ} أي: موسى وهارون وقومهما؛ {فكانوا هم الغالبين} على فرعون وقومه. {وآتيناهما الكتابَ المستبينَ} البليغ في بيانه، وهو التوراة، {وهديناهما الصراط المستقيمَ} صراط أهل الإسلام، وهو الطريق الذي يُوصل إلى الحق، {وتركنا عليهما} الثناء الحسن {في الآخِرِين} الآتين بعدهما، {سلامٌ على موسى وهارونَ إِنَّا كذلكَ نجزي المحسنين إِنهما من عبادنا المؤمنين} الكاملين في الإيمان. الإشارة: منّ عليهما أولاً بالخصوصية، ثم امتحنهما عليها بالكرب العظيم، كما هي عادته في أهل الخصوصية، ثم مَنَّ عليهم بالفرج ولانصر والعز، ثم هداهما إلى طريق السير إليه، في الظاهر والباطن، بإنزال الكتاب، وبيان طريق الرشد والصواب، فالطريق المستقيم هي طريق الوصول إلى الحضرة، وشهود عين التوحيد الخاص، ثم ينشر الصيت والذكر الحسن في الحياة والممات. والله تعالى أعلم. ثم ذكر إلياس، فقال: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ...}
الجنابذي
تفسير : بانجائهما وانجاء قومهما من شدّة الاستعباد ونصرهما واعطاء الكتاب والنّبوّة وبقاء لسان الصّدق فى الآخرين وغير ذلك وعلى هذا فقوله تعالى {وَنَجَّيْنَاهُمَا...}.
الأعقم
تفسير : {ولقد مننا على موسى} أي أنعمنا على موسى {وهارون} {ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم} وهو استعباد فرعون إياهم {ونصرناهم} على أعدائهم {فكانوا هم الغالبين} {وآتيناهم الكتاب المستبين} الواضح يعني التوراة {وهديناهما الصراط المستقيم} وهو دين الإِسلام {وتركنا عليهما في الآخرين}، قيل: أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {سلام على موسى وهارون} {إنا كذلك نجزي المحسنين} {إنهما من عبادنا المؤمنين} {وإن الياس لمن المرسلين} وهو إدريس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقرأ ابن مسعود: وإن إدريس مكان الياس، وقيل: هو الياس بن ياسين من ولد هارون أخ موسى {إذ قال لقومه ألا تتقون} عذاب الله {أتدعون بعلاً} وهو اسم الصنم الذي كان لهم، وروي أنه كان من ذهب طوله عشرون ذراعاً وله أربعة أوجه، وروي أن الشيطان كان يدخل في جوفه ويتكلم بشريعة الضلالة، وبه سميت مدينتهم في بلاد الاسلام {وتذرون أحسن الخالقين} فلا تعبدونه {الله ربكم ورب آبائكم الأولين} {فكذبوه فإنهم لمحضرون إلا عباد الله المخلصين} من قومه {وتركنا عليه في الآخرين} الأمم الآخرة {سلام على إل ياسين}، قيل: هو اسم لإِدريس، وقيل: آل محمد روي في الحاكم، وقيل: ياسين اسم القرآن كأنه قيل: سلام على من آمن بالكتاب {إنا كذلك نجزي المحسنين} {إنه من عبادنا المؤمنين} {وإن لوطا لمن المرسلين} أي أرسلناه رسولاً كسائر الرسل {إذ نجيناه وأهله أجمعين} أي من آمن {إلا عجوزاً} امرأته {في الغابرين} في الباقين في العذاب {ثم دمّرنا الآخرين} أهلكناهم {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين} أي في وقت الصباح {وبالليل} أيضاً تمرون قيل: كان منازلهم في الأحقاف على طريق الشام {أفلا تعقلون} تستعملون عقولكم، يعني تمرون على منازلهم في متاجرهم إلى الشام ليلاً ونهاراً فما لكم عقول تعتبرون بها.
اطفيش
تفسير : بالنبوة والرسالة وقال الشيخ هنا بالنبوة وقيل بهما وبغيرهما من منافع الدنيا والآخرة.
اطفيش
تفسير : بالرياسة، والدين والدنيا، وذلك تخصيص بعد تعميم.
الالوسي
تفسير : أنعمنا عليهما بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية.
ابن عاشور
تفسير : عطف على قوله: {أية : ولقد نادانا نوحٌ}تفسير : [الصافات: 75]، والمناسبة هي ما ذكر هنالك. وذكر هنا ما كان منة على موسى وهارون وهو النبوءة فإنها أعظم درجة يُرفَع إليها الإِنسان، ولذلك اكتفي عن تعيين الممنون به لحمل الفعل على أكمل معناه. وجعلت منة من الله عليهما لأن موسى لم يسأل النبوءة إذ ليست النبوءة بمكتسبة وكانت منّة على هارون أيضاً لأنه إنما سأل له موسى ذلك ولم يسأله هارون، فهي منة عليه وإرضاء لموسى، والمنة عليهما من قبيل إيصال المنافع فَإن الله أرسل موسى لإِنقاذ بني إسرائيل من استعباد القبط لإِبراهيم وإسرائيل. وفي اختلاف مبادىء القصص الثلاث إشارة إلى أن الله يغضب لأوليائه؛ إما باستجابة دعوة، وإما لجزاء على سلامة طوية وقلب سليم، وإما لرحمة منه ومنّة على عباده المستضعفين. وإنجاء موسى وهارون وقومهما كرامة أخرى لهما ولقومهما بسببهما، وهذه نعمة إزالة الضر، فحصل لموسى وهارون نوعا الإِنعام وهما: إعطاء المنافع، ودفع المضار. و {الكرب العظيم}: هو ما كانوا فيه من المذلة تحت سلطة الفراعنة ومن اتّباع فرعون إياهم في خروجهم حين تراءى الجمعان فقال أصحاب موسى {أية : إنّا لمدرَكون}تفسير : [الشعراء: 61] فأوحى الله إليه أن يضرب بعصاه البحر فضربه فانفلق واجتاز منه بنو إسرائيل، ثم مد البحرُ أمواجه على فرعون وجنده، على أن الكرب العظيم أطلق على الغرق في قصة نوح السابقة وفي سورة الأنبياء على الأمم التي مرّوا ببلادها من العمالقة والأموريين فكان بنو إسرائيل منتصرين في كل موقعة قاتلوا فيها عن أمر موسى وما انهزموا إلا حين أقدموا على قتال العمالقة والكنعانيين في سهول وادي (شكول) لأن موسى نهاهم عن قتالهم هنالك كما هو مسطور في تاريخهم. و {هم} من قوله: {فكانوا هُمُ الغالِبينَ} ضمير فصل وهو يفيد قصراً، أي هم الغالبين لغيرهم وغيرهم لم يغلبوهم، أي لم يغلبوا ولو مرة واحدة فإن المنتصر قد ينتصر بعد أن يُغلب في مواقع.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا منته عليهما في غير هذا الموضع، كقوله في طه: {أية : قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ} تفسير : [طه: 36ـ37] لأن من سؤاله الذي أوتيه إجابة دعوته في رسالة أخيه هارون معه، ومعلوم أن الرسالة من أعظم المنن.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولقد مننا على موسى وهارون: أي بالنبوة والرسالة. ونجيناهم وقومهما: أي بني إسرائيل. من الكرب العظيم: أي استعباد فرعون إياهم واضطهاده لهم. ونصرناهم: على فرعون وجنوده. الكتاب المستبين: أي التوراة الموضحة الأحكام والشرائع. وهديناهما الصراط المستقيم: أي الإِسلام لله ربّ العالمين. وتركنا عليهما في الآخرين: أي أبقينا عليهما في الآخرين ثناء حسنا. سلام على موسى وهارون: أي سلام منا على موسى وهارون. إنا كذلك: أي كما جزيناهما نجزي المحسنين من عبادنا المؤمنين. إنهما من عبادنا المؤمنين: أي جزيناهما بما جزيناهما به لإِيمانهما. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر إفضال الله وإنعامه على من يشاء من عباده فبعد ذكر إنعامه على إبراهيم وولده إسحاق ذكر من ذريّتهما المحسنين موسى وهارون فقال تعالى {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} أي بالنبوة والرسالة، {وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا} أي بني إسرائيل {مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} الذي هو استعباد فرعون والأقباط لهم واضطهادهم زمنا طويلا {وَنَصَرْنَاهُمْ} أي على فرعون وملائه {فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ} {وَآتَيْنَاهُمَا} أي أعطيناهما {ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ} وهو التوراة الواضحة الأحكام البيّن الشرائع لا خفاء فيها ولا غموض. {وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} وهو الدين الصحيح الذي هو الإسلام دين الله الذي بعث به كافة رسله {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ} أي وأبقينا عليهما الذكر الحسن والثناء العطر فيمن بعدهما {سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} أي كما جزيناهما لإِحسانهما نجزي المحسنين {إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ} فيه بيان لعلة ما وهبهما من الإنعام والإِفصال وهو الإِيمان المقتضي للإِسلام والإِحسان. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان إكرام الله تعالى لرسوليه موسى وهارون عليهما السلام. 2- بيان إنعام الله تعالى على بني إسرائيل بإِنجائهم من آل فرعون ونصرته لهم عليهم. 3- بيان أن الإِسلام دين سائر الأنبياء وليس خاصاً بأمة الإِسلام. 4- بيان فضل الإِحسان والإِيمان.
القطان
تفسير : الكرب: الشدة. المستبين: الواضح. بعلاً: اسم الصنم الذي كانوا يعبدونه. في هذه الآيات الكريمة يتحدّث القرآن الكريم عن سيدنا موسى وهارون وإلياس. وقد تقدّم الكلام عن موسى اكثر من مرة، وهنا ذُكر باختصار. اما الياس فقد ذكر مرة في سورة الانعام بقوله تعالى: {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} وهنا في عشر آيات. والمعنى: ولقد تفضلنا على موسى وهارون، ونجّيناهما وقومهما من فرعون وقومه بعد ان كانوا في كرب عظيم من الظلم والاضطهاد، ثم نصرناهم على الكافرين. وآتينا موسى وهارون التوراة ذات البيان العظيم {وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} وأبقينا لهما الذكر الحسن والثناء الجميل. {سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} اننا على هذا النحو نكافىء المحسنين، انهما من عبادنا المؤمنين. قال ابن جرير: ان الياس من انبياء بني اسرائيل، ويقول بعضهم: إنه إدريس الذي جاء ذكره في سورة مريم والأنبياء، فنصح قومه ان يتركوا عبادة صنمهم بعل، ويعبدوا الله، فكذّبوه، فجزاؤهم جهنم يوم القيامة الا قوما منهم أخلصوا العمل لله وأنابوا اليه. إل ياسين: لغة في الياس. قراءات: قرأ حمزة والكسائي ويعقوب وحفص: الله ربكم ورب بالنصب، والباقون بالرفع. وقرأ نافع ويعقوب وابن عامر: سلام على آل ياسين بمد همزة آل والاضافة. والباقون: إلْ ياسين. فمن قرأ آل ياسين: يكون معناه آل محمد، وقال بعضهم آل القرآن.
د. أسعد حومد
تفسير : {هَارُونَ} (114) - وَأَنْعَمَ اللهُ تَعَالَى عَلَى عَبْدَيْهِ مُوسَى وَهَارُونَ بِالنُّبُوَّةِ والنَّصْرِ والخَيْرِ الكَثِيرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا موكب أُولِي العزم من الرسل، فبعد أنْ حدَّثنا القرآنُ عن سيدنا إبراهيم، يحدثنا عن سيدنا موسى {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} [الصافات: 114] منَّ الله على موسى وهارون مِنَّةَ عطاء، بأنْ جعلهما رسولين إلى بني إسرائيل، ومنةَ نَصْر بأنْ نصرهما على فرعون وجنوده {وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} [الصافات: 115] والمراد فرعون، ووصفه الله بالكرب العظيم، لأن فرعون لم يكُنْ رجلاً متسلطاً على الناس كملك، إنما متسلط عليهم كإله، وقد أراد الكيد بموسى عليه السلام، وأراد الكيد لقومه في مصر، حيث أخذ منهم الخدم والفعلة والسحرة. وكلمة فرعون تُطلق على ملوك مصر القدماء، فكل واحد منهم يسمى (فرعون)، لكن في سورة يوسف سُمِّي حاكم مصر العزيز والملك ولم يقُلْ فرعون، لماذا؟ قالوا: لأنه بعد أنْ فُكَّ حجر رشيد علمنا أن الهكسوس حينما أغاروا على مصر كانوا ملوكاً في مصر لا فراعنة، فلما عاد الأمر إلى فرعون كان بنو إسرائيل في خدمة الفرعون بسبب وقوفهم إلى جوار المحتلين الهكسوس، فاضطهدهم الفرعون وأعوانه. فمعنى {وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} [الصافات: 115] أي: من فرعون ومن الاستعباد، حيث خرج بهم موسى - عليه السلام - فأدركه فرعون بجنوده حتى حاصرهم عند البحر، فكأن البحر من أمامهم، وجيش فرعون من خلفهم. وما أشبه هذا الموقف بموقف طارق بن زياد في فتح الأندلس، حين قال لجنوده: إن البحر من أمامكم، والعدو من ورائكم. وعندها أيقن بنو إسرائيل أن فرعون سيلحق بهم ويدركهم فقالوا لموسى عليه السلام: {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} تفسير : [الشعراء: 61] لأن شواهد الواقع تدل على ذلك؛ فهم لا محالة مُدْركون بقوانين البشر، لكِنْ لموسى مع ربه قانونٌ آخرُ، جعل موسى عليه السلام يقول بملء فيه (كلا) كلا لن نُدْرَكَ، قالها بما لديه من ثقة بربه، وبما لديه من الرصيد الإيماني: {أية : قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 62] وفعلاً، جاءه الفرج لِتوِّه، وأمره ربه أنْ يضرب بعصاه البحر، وكان ما تعلمون من القصة. ثم يقول سبحانه {وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ} [الصافات: 116] نعم، وأيّ غَلَبة؟ لأن هناك فرقاً بين أنْ تغلبَ عدوك ويظل المغلوبُ حياً يُرزَق، وبين أنْ تغلبه غلبة تُبيده من الوجود، والذي حدث في قصة موسى وفرعون أن الله قضى على فرعون وجنوده قضاءً مُبْرماً. ثم {وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ} [الصافات: 117] المستبين الذي بلغ النهاية في البيان، والمراد بالكتاب التوراة، وقد وصف الحق سبحانه وتعالى - التوراة في موضع آخر، فقال: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الأنبياء: 48]. وقوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} [الصافات: 118] أي: المنهج القويم الموصِّل إلى الله من أقرب طريق {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} [الصافات: 119-120] يعني تركنا لهما الذكْر الحسن فيمَنْ يأتي مِنْ بعدهم، فكلُّ مَنْ يسمع قصة موسى وهارون ومواقفهما وثباتهما في الحق يقول سلام عليهما {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 121] أي: موسى وهارون. ومعلوم أن هارون جاء بطلب من موسى لما قال لربه: {أية : وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} تفسير : [القصص: 34] فاستجاب الله لطلب موسى وأيَّده بأخيه هارون، وجعلهما معاً رسولاً واحداً إلى بني إسرائيل. والقرآن يُبيِّن لنا هذه المسألة، وأنهما كانا كرسول واحد في قوله تعالى: {أية : وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} تفسير : [يونس: 88]. فيردّ الحق سبحانه: {أية : قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} تفسير : [يونس: 89]، مع أن الداعي موسى وحده، لكن في الجواب قال {أية : قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} تفسير : [يونس: 89] أي: موسى وهارون؛ لأنهما في مجال الرسالة واحد، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، فدعوة موسى هي دعوة هارون. وقد حاول بعض العلماء أن يُقرِّبوا لنا هذه المسألة، فقالوا: أجاب الله موسى بقوله: {أية : قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} تفسير : [يونس: 89] لأن موسى دعا، وهارون أمَّنَ على دعائه، والمؤمِّن أحد الداعين. ثم يقول سبحانه عن موسى وهارون: {إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الصافات: 122] ثم ينتقل السياق إلى نبي آخر، هو سيدنا إلياس: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر قصة الخليل إبراهيم، وقصة الذبيح والفداء، أعقبها بذكر قصص بعض الأنبياء، كموسى وهارون، ويونس ولوط، وما في هذه القصة من العظات والعبر، وختم السورة الكريمة ببيان أن النصر والغلبة للرسل وأتباعهم المؤمنين. اللغَة: {أَبَقَ} هرب {ٱلْمَشْحُونِ} المملوء {سَاهَمَ} قارع أي ضرب القُرعة قال المبرّد: وأصله من السهام التي تُجال {ٱلْمُدْحَضِينَ} المغلوبين، وأصله من الزلق، يُقال: دَحضت حجته وأدحضها اللهُ أي غُلب وهُزم قال الشاعر: شعر : قتلنا المُدْحضين بكلِّ فجٍّ فقد قرَّت بقتلهم العُيون تفسير : {مُلِيمٌ} آتٍ بما يُلام عليه {ٱلْعَرَآءِ} الأرض الفيحاء لا شجر فيها، ولا معلم، قال الفراء، العراءُ المكانُ الخالي {يَقْطِينٍ} القرعُ المعروف والمسمَّى بالدباء، قال الجوهري: اليقطين ما لا ساق له كشجر القرع ونحوه {سَاحَتِهِمْ} الساحةُ: الفناء. التفسِير: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} اللام موطئة للقسم أي وعزتنا وجلالنا لقد أنعمنا على موسى وهارون بأنواع النعم والمنافع الدينية والدنيوية ومنها نعمة النبوة والرسالة {وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} أي ونجيناهما وقومهما - بني إسرائيل - من الغم والمكروه العظيم، وهو استعباد فرعون إياهم مع التعذيب بقتل الأبناء، واستحياء النساء {وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ} الضمير يعود على موسى وهارون وبني إسرائيل أي ونصرناهم على أعدائهم - الأقباط - فكانوا الغالبين عليهم بعد أن كانوا تحت أيديهم مقهورين {وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ} أي أعطيناهما الكتاب البليغ في بيانه، الكامل في حدوده وأحكامه، وهو التوراة {وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} أي وهديناهما الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه قال الطبري: وهو الإِسلام دينُ الله الذي ابتعث به أنبياءه {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ} أي تركنا عليهما الثناء الجميل، والذكر الحسن {سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} أي سلام منا على موسى وهارون {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي كذلك نفعل بمن أحسن وأخلص العبودية لله {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي وإِنَّ الياس - أحد أنبياء بني إسرائيل - لمن الرسل الكرام الذين أرسلتُهم لهداية الخلق قال أبو السعود: هو إلياس بن ياسين من سبط هارون أخي موسى {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ} أي حين قال لقومه من بني إسرائيل ألا تخافون الله في عبادتكم غيره؟ {أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ} أتعبدون هذا الصنم - المسمَّى بعلاً - وتتركون عبادة ربكم أحسن الخالقين؟ {ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} أي تتركون عبادة أحسن الخالقين، الذي هو ربكم وربُّ آبائكم السابقين قال القرطبي: و"بعل" اسم صنم لهم كانوا يعبدونه وبذلك سميت مدينتهم بعلبك، والمعنى: أتدعون رباً اختلقتموه وهو هذا الصنم، وتتركون أحسن من يقال له خالق وهو "الله" ربكم وربَّ آبائكم الأولين؟ {فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} أي فكذبوا نبيَّهم فإِنهم لمحضرون في العذاب {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} أي لكنْ عباد الله المؤمنين فإِنهم نجوا من العذاب {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ} أي تركنا على إلياس الثناء الحسن الجميل إلى يوم الدين {سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ} أي سلام منا عليه وعلى آل ياسين قال المفسرون: المراد بـ {إل ياسين} هو إلياس ومن آمن معه جمعوا معه تغليباً كما قالوا للمهلَّب وقومه المهلَّبون، واختار الطبري أنه اسم لإِلياس فيقال: إلياس، وإل ياسين مثل ميكال وميكائيل، وأن له اسمين فيسمى "إلياس" و{إل ياسين} {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ} تقدم تفسيره، وإِنما ختم الآيات بعد ذكر كل رسول بالسلام عليه، وبهاتين الآيتين الكريمتين لبيان فضل الإِحسان والإِيمان، وأن هؤلاء الرسل الكرام كانوا جميعاً من المتصفين بهذه الصفات، فلذلك استحقوا التحية والسلام، والذكر الحسن بين الأنام، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين {وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي وإِنَّ لوطاً لأحد رسلنا لهداية قومه {إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ} أي اذكر حين خلصناه من العذاب هو ومن آمن معه من أهله وأولاده {إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ} أي إلا امرأته الكافرة فإِنها لم تؤمن فكانت من الباقين في العذاب ومن الهالكين {ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ} أي ثم أهلكنا المكذبين من قومه أشدَّ إهلاك وأفظعه، وذلك بقلب قراهم حيث جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل، ولهذا عبَّر بـ {دَمَّرْنَا} {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ} أي وإِنكم يا أهل مكة لتمرون على منازلهم في أسفاركم وتشاهدون آثار هلاكهم صباحاً ومساءً، وليلاً ونهاراً {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}؟ أي أتشاهدون ذلك ثم لا تعتبرون؟ ألا تخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم؟ {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي وإِن يونس لأحد رسلنا المرسلين لهداية قومه {إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} أي اذكر حين هرب إلى السفينة المملوءة بالرجال {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ} أي فقارع أهل السفينة فكان من المغلوبين بالقرعة فألقوه في البحر قال المفسرون: إن يونس ضاق صدراً بتكذيب قومه، فأنذرهم بعذاب قريب، وغادرهم مغضباً لأنهم كذبوه، فقاده الغضب إلى شاطىء البحر حيث ركب سفينة مشحونة، فناوأتها الرياح والأمواج، فقال الملاحون: هٰهنا عبدٌ أبق من سيده، ولا بدَّ لنجاة السفينة من إلقائه في الماء لتنجو من الغرق، فاقترعوا فخرجت القُرعة على يونس فألقوه في البحر {فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} أي فابتلعه الحوت وهو آتٍ بما يُلام عليه من تخليه عن المهمة التي أرسله الله بها، وترك قومه مغاضباً لهم، وخروجه بغير إِذنٍ من ربه {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ} أي لولا أنه كان من الذاكرين الله كثيراً في حياته {لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أي لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، وأصبح بطنه قبراً له فلم ينج أبداً، ولكنه سبَّح اللهَ واستغفره وناداه وهو في بطن الحوت بقوله {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 87] فاستجاب الله تضرعه ونداءه {فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ} أي فألقيناه من بطن الحوت على الساحل، بالأرض الفضاء التي لا شجر فيها ولا ظل، وهو سقيم مريض مما ناله من الكرب قال عطاء: أوحى الله تعالى إلى الحوت إني قد جعلت بطنك له سجناً، ولم أجعله لك طعاماً، فلذلك بقي سالماً لم يتغير منه شيء {وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ} أي وأنبتنا فوقه شجرة لتظله وتقيه حرَّ الشمس، وهي شجرة القرع ذات الأوراق العريضة قال ابن جزي: وإِنما خصَّ القرع بالذكر لأنه يجمع كبر الورق، وبرد الظل، والذبابُ لا يقربه، فإِن لحم يونس لما خرج من البحر كان لا يحتمل الذباب، وكان هذا من تدبير الله ولطفه، فلما استكمل قوته وعافيته ردَّه الله إلى قومه ولهذا قال {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} أي وأرسلناه بعد ذلك إلى قومه الذين هرب منهم وهم مائة ألفٍ بل يزيدون قال المفسرون: كانوا مائة وعشرين ألفاً وقيل: وسبعين ألفاً، وهم أهل نينوى بجهة الموصل، و"أو" بمعنى بل أي بل يزيدون {فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} أي فآمنوا بعد أن شاهدوا أمارات العذاب الذي وُعدوا به فأبقيناهم ممتعين في الدنيا إلى حين انقضاء آجالهم قال في التسهيل: روي أنهم خرجوا بالأطفال وأولاد البهائم، وفرقوا بينهم وبين الأمهات، وناحوا وتضرعوا إلى الله، فرفع الله العذاب عنهم.. ولما انتهى من الحديث عن الرسل الكرام رجع إلى الحديث عن المكذبين من كفار مكة فقال {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ}؟ أي اسأل يا محمد واستخبر كفار مكة - على سبيل التوبيخ والتقريع لهم - كيف زعموا أن الملائكة بنات الله، فجعلوا للهِ الإِناث ولأنفسهم الذكور؟ إنهم يكرهون البنات ولا يرضون نسبتهنَّ لأنفسهم، فكيف يرضونها لله عز وجل ويختصون بالبنين؟ {أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ} توبيخٌ آخر على بهتانهم واستهزاء بهم وتجهيل أي بل أخلقنا الملائكة الأطهار حين خلقناهم، وجعلناهم إناثاً وهم شاهدون لذلك حتى يقولوا مثل هذا البهتان؟ {أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ} أي ألا فانتبهوا أيها الناس إن هؤلاء المشركين من كذبهم وافترائهم ينسبون إلى الله الذرية والولد {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} أي وهم كاذبون قطعاً في قولهم الملائكة بناتُ الله قال أبو السعود: والآية استئناف مسوقٌ لإِبطال أصل مذهبهم الفاسد، ببيان أن مبناه ليس إلا الإِفك الصريح، والافتراء القبيح، من غير أن يكون لهم دليلٌ قطعاً {أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ}؟ توبيخٌ وتقريع أي هل اختار جل وعلا البناتِ وفضلهن على البنين؟ {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}؟ تسفيهٌ لهم وتجهيل أيْ أيُّ شيء حصل لكم حتى حكمتم بهذا الحكم الجائر؟ كيف يختار لنفسه أخسَّ الجنسين على زعمكم؟ {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أي أفليس لكم تمييز وإدراك تعرفون به خطأ هذا الكلام؟ قال أبو السعود: أي أفلا تتذكرون بطلان هذا ببديهة العقل، فإِنه مركوزٌ في عقل كل ذكي وغبي {أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ} توبيخ آخر أي أم لكم برهان بيّن وحجة واضحة على أن الله اتخذ الملائكة بناتٍ له؟ {فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي فأتوا بهذا الكتاب الذي يشهد بصحة دعواكم فيما تزعمون.. والغرضُ تعجيزهم وبيان أنهم لا يستندون - في أقوالهم الباطلة - على دليل شرعي، ولا منطق عقلي.. وينتقل إلى أسطورةٍ أُخرى لفَّقها المشركون، حيث زعموا أن هناك صلة بين الله سبحانه وبين الجنِّ، وأنه من التزاوج بين الله تعالى والجِنَّة ولدت الملائكة فيقول {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} أي جعل المشركون بين الله وبين الجنِّ قرابة ونسباً، حيث قالوا إنه نكح من الجنِّ فولدت له الملائكة {أية : سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً}تفسير : [الإسراء: 43] ثم زعموا أن الملائكة إناث، وأنهن بنات الله {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} أي لقد علمت الشياطين أنهم محضرون في العذاب قال الصاوي: وهذا زيادة في تبكيتهم وتكذيبهم كأنه قيل: هؤلاء الذين عظمتموهم وجعلتموهم بنات الله، أعلمُ بحالكم وما يئول إليه أمركم {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} أي تنزَّه وتقدَّس الله عما يصفه به هؤلاء الظالمون {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} استثناء منقطع أي لكنْ عباد الله المخلصين فإِنهم ينزهون الله تعالى عما يصفه به هؤلاء {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ} أي فإِنكم أيها الكفار وكل ما تعبدونه من الأصنام والشياطين لستم بقادرين على أن تُضلوا أحداً من عباد الله، إلاَّ من قضى الله عليه الشقاوة، وقدَّر أنه يدخل النار ويصلاها، ثم ذكر تعالى اعتراف الملائكة بالعبودية لله فقال {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} أي وما منا ملك إلا له مرتبة ومنزلة ووظيفة لا يتعداها، فمنا الموكَّل بالأرزاق، ومنا الموكَّل بالآجال، ومنَّا من يتنزل بالوحي، ولكلٍ منزلته من العبادة، والتقريب، والتشريف {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ} أي الواقفون في العبادة صفوفاً {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ} أي المنزهون الله سبحانه عن كل ما لا يليق بعظمته وكبريائه، نسبّح الله في كل وقتٍ وحين قال في التسهيل: وفي هذا الكلام الذي قالته الملائكة ردٌّ على من قال إنهم بناتُ الله، وشركاء الله، لأنهم اعترفوا على أنفسهم بالعبودية والطاعة لله، والتنزيه له جل وعلا {وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} الضمير لكفار قريش و{وَإِن} هي المخففة من "إنَّ" الثقيلة أي وإِن كان الحال والشأن أن كفار مكة كانوا ـ قبل أن ينزل عليهم القرآن - يقولون لو نزل علينا كتاب من كتب الأولين كالتوراة والإِنجيل لكنا أعظم إِيماناً منهم، وأكثر عبادةً وإِخلاصاً للهِ منهم، فلما جاءهم القرآن كفروا به ولهذا قال {فَكَفَرُواْ بِهِ} أي فكفروا وكذبوا بالقرآن أشرف الكتب السماوية {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} أي فسوف يرون عاقبة كفرهم بآيات الله، وهو وعيد وتهديد {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ} أي سبق وعدنا وقضاؤنا للرسل الكرام {إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ} أي إِنهم هم المنصورون على أعدائهم، والإِشارة إلى قوله تعالى {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ}تفسير : [المجادلة: 21] {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} أي وإِن جندنا المؤمنين لهم الغالبون في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالحجة والبرهان، وفي الآخرة بدخول الجنان قال المفسرون: نصرُ الله للمؤمنين محقق، ولا يقدح في ذلك انهزامهم في بعض المعارك، فإِن القاعدة هي بالظفر والنصرة، وإِنما يُغلبون في بعض الأحيان بسبب تقصيرٍ منهم أو ابتلاءً ومحنة {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ} أي أعرض عنهم يا محمد إلى مدة يسيرة، إلى أن تُؤمر بقتالهم {وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} أي وأبصرهم حين ينزل بهم العذاب، فسوف يبصرون عاقبة كفرهم {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ}؟ استفهام إنكاري للتهديد أي أيستعجلون بعذاب الله؟ روي أنه لما نزل {فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} استهزءوا وقالوا متى هذا يكون؟ فنزلت الآية ثم قال تعالى {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ} أي لا يستبعدوا ذلك فإِن العذاب إِذا نزل بفناء المكذبين فبئس هذا الصباح صباحهم، شبهه بجيشٍ هجم عليهم وقت الصباح فقطع دابرهم {وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ * وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} كرره تأكيداً للتهديد وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} أي تنزه وتقدس ذو العزة والجبروت عما يصفه به المشركون {وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ * وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي وسلامٌ منا على الرسل الكرام، والحمد لله في البد والختام لله ربّ الخلائق أجمعين. نزَّه تعالى نفسه عما وصفه به الكفار مما لا يليق به سبحانه، فإِنه حكى عنهم في هذه السورة أقوالاً كثيرة شنيعة، وختم بتعميم السلام على الرسل الكرام وبحمده سبحانه، وهو تعليم للعباد. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1ـ الطباق بين {تَدْعُونَ.. وَتَذَرُونَ} وبين {ٱلْبَنَاتِ.. وٱلْبَنِينَ}. 2ـ تتابع التوبيخ وتكراره مثل {أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ}؟ {أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً}؟ {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}؟ {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}؟ {أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ}؟ وكلها للتوبيخ والتبكيت. 3ـ التأكيد بعدة مؤكدات لتحقيق المعنى وتقريره مثل {إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} فقد أُكدت كل من الجملتين بإِن واللام. 4ـ الاستعارة التصريحية {إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} شبه خروجه بغير إذن ربه بإِباق العبد من سيّده. 5ـ الالتفات من الخطاب إلى الغيبة {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} الأصل وتجعلون، والالتفاتُ للإِشارة إلى أنهم ليسوا أهلاً للخطاب، وهم بعيدون من رحمة ربّ الأرباب. 6ـ الاستعارة التمثيلية {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ} مثل للعذاب النازل بهم بجيش هجم عليهم فأناخ بفنائهم بغتة، ونصحهم بعض النصاح فلم يلتفتوا إلى إنذاره ولا أخذوا أهبتهم، حتى اجتاحهم الجيش. قال الزمخشري: وما فصحت هذه الجملة ولا كانت لها الروعة التي يروقك موردها إلا لمجيئها على طريقة التمثيل. فَائِدَة: روى ابن أبي حاتم عن الشعبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سرَّه أن يكتال بالمكيال الأوفى فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ * وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} ".
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ } إلى آخر القصة. يذكر تعالى مِنَّتهُ على عبديه ورسوليه، موسى، وهارون ابني عمران، بالنبوة والرسالة، والدعوة إلى اللّه تعالى، ونجاتهما وقومهما من عدوهما فرعون، ونصرهما عليه، حتى أغرقه اللّه وهم ينظرون، وإنزال اللّه عليهما الكتاب المستبين، وهو التوراة التي فيها الأحكام والمواعظ وتفصيل كل شيء، وأن اللّه هداهما الصراط المستقيم، بأن شرع لهما دينا ذا أحكام وشرائع مستقيمة موصلة إلى اللّه، ومَنَّ عليهما بسلوكه. { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ } أي: أبقى عليهما ثناء حسنا، وتحية في الآخرين، ومن باب أولى وأحرى في الأولين { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):