Verse. 3911 (AR)

٣٧ - ٱلصَّافَّات

37 - As-Saffat (AR)

وَاِنَّ اِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِيْنَ۝۱۲۳ۭ
Wainna ilyasa lamina almursaleena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإن إلياس» بالهمزة أوله وتركه «لمن المرسلين» قيل هو ابن أخي هارون أخي موسى، وقيل غيره أرسل إلى قوم ببعلبك ونواحيها.

123

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذه القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ } بغير همزة على وصل الألف والباقون بالهمزة وقطع الألف، قال أبو بكر بن مهران: من ذكر عند الوصل الألف فقد أخطأ، وكان أهل الشام ينكرونه ولا يعرفونه، قال الواحدي وله وجهان أحدهما: أنه حذف الهمزة من إلياس حذفاً، كما حذفها ابن كثير من قوله: {أية : إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ } تفسير : [المدثر: 35] وكقول الشاعر:شعر : ويلمها في هواء الجو طالبة تفسير : والآخر أنه جعل الهمزة التي تصحب اللام للتعريف كقوله: {وَٱلْيَسَعَ }. المسألة الثانية: في إلياس قولان: يروى عن ابن مسعود أنه قرأ وإن إدريس، وقال إن إلياس هو إدريس، وهذا قول عكرمة، وأما أكثر المفسرين فهم متفقون على أنه نبي من أنبياء بني إسرائيل وهو إلياس بن ياسين، من ولد هارون أخي موسى عليهم السلام، ثم قال تعالى: {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ } والتقدير اذكر يا محمد لقومك: {إِذْ قَالَ لقومه أَلاَ تَتَّقُونَ } أي ألا تخافون الله، وقال الكلبي ألا تخافون عبادة غير الله. واعلم أنه لما خوفهم أولاً على سبيل الإجمال ذكر ما هو السبب لذلك الخوف فقال: {أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ } وفيه أبحاث: الأول: في (بعل) قولان أحدهما: أنه اسم علم لصنم كان لهم كمناة وهبل، وقيل كان من ذهب، وكان طوله عشرين ذراعاً وله أربعة أوجه، وفتنوا به وعظموه، حتى عينوا له أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياء، وكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة، والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس وهم أهل بعلبك من بلاد الشأم، وبه سميت مدينتهم بعلبك. واعلم أن قولهم بعل اسم لصنم من أصنامهم لا بأس به، وأما قولهم إن الشيطان كان يدخل في جوف بعلبك ويتكلم بشريعة الضلالة. فهذا مشكل لأنا إن جوزنا هذا كان ذلك قادحاً في كثير من المعجزات، لأنه نقل في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم كلام الذئب معه وكلام الجمل معه وحنين الجذع، ولو جوزنا أن يدخل الشيطان في جوف جسم ويتكلم. فحينئذٍ يكون هذا الاحتمال قائماً في الذئب والجمل والجذع، وذلك يقدح في كون هذه الأشياء معجزات القول الثاني: أن البعل هو الرب بلغة اليمن، يقال من بعل هذه الدار، أي من ربها، وسمي الزوج بعلاً لهذا المعنى، قال تعالى: {أية : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ }تفسير : [البقرة: 228] وقال تعالى: {أية : وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا } تفسير : [هود: 72] فعلى هذا التقدير المعنى، أتعبدون بعض البعول وتتركون عبادة الله. البحث الثاني: المعتزلة احتجوا بهذه الآية على كون العبد خالقاً لأفعال نفسه، فقالوا: لو لم يكن غير الله خالقاً لما جاز وصف الله بأنه أحسن الخالقين، والكلام فيه قد تقدم في قوله تعالى: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } تفسير : [المؤمنون: 14]. البحث الثالث: كان الملقب بالرشيد الكاتب يقول لو قيل: أتدعون بعلاً وتدعون أحسن الخالقين. أوهم أنه أحسن، لأنه كان قد تحصل فيه رعاية معنى التحسين وجوابه: أن فصاحة القرآن ليست لأجل رعاية هذه التكاليف، بل لأجل قوة المعاني وجزالة الألفاظ. واعلم أنه لما عابهم على عبادة غير الله صرح بالتوحيد ونفى الشركاء، فقال: {ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءابَائِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ } وفيه مباحث. البحث الأول: أنا ذكرنا في هذا الكتاب أن حدوث الأشخاص البشرية كيف يدل على وجود الصانع المختار، وكيف يدل على وحدته وبراءته عن الأضداد والأنداد، فلا فائدة في الإعادة. البحث الثاني: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم {ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءابَائِكُمُ } كلها بالنصب على البدل من قوله: {أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } والباقون بالرفع على الاستئناف، والأول اختيار أبي حاتم وأبي عبيد، ونقل صاحب «الكشاف» أن حمزة إذا وصل نصب، وإذا وقف رفع، ولما حكى الله عنه أنه قرر مع قومه التوحيد قال: {فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } أي لمحضرون النار غداً، وقد ذكرنا الكلام فيه عند قوله: {أية : لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ } تفسير : [الصافات: 57] ثم قال تعالى: {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } وذلك لأن قومه ما كذبوه بكليتهم، بل كان فيهم من قبل ذلك التوحيد فلهذا قال تعالى: {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } يعني الذين أتوا بالتوحيد الخالص فإنهم لا يحضرون ثم قال: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلأَخِرِينَ * سَلَـٰمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ } قرأ نافع وابن عامر ويعقوب (آل ياسين) على إضافة لفظ آل إلى لفظ ياسين والباقون بكسر الألف وجزم اللام موصولة بياسين، أما القراءة الأولى ففيها وجوه الأول: وهو الأقرب أنا ذكرنا أنه إلياس بن ياسين فكان إلياس آل ياسين الثاني: (آل ياسين) آل محمد صلى الله عليه وسلم والثالث: أن ياسين اسم القرآن، كأنه قيل سلام الله على من آمن بكتاب الله الذي هو ياسين، والوجه هو الأول لأنه أليق بسياق الكلام، وأما القراءة الثانية ففيها وجوه الأول: قال الزجاج يقال ميكال وميكائيل وميكالين، فكذا ههنا إلياس وإلياسين والثاني: قال الفراء هو جمع وأراد به إلياس وأتباعه من المؤمنين، كقولهم المهلبون والسعدون قال:شعر : أنا ابن سعد أكرم السعدينا تفسير : ثم قال تعالى: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ } وقد سبق تفسيره، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } قال المفسرون: إلياس نبيّ من بني إسرائيل. وروي عن ٱبن مسعود قال: إسرائيل هو يعقوب وإلياس هو إدريس. وقرأ «وَإِنَّ إِدْرِيسَ» وقاله عكرمة. وقال: هو في مصحف عبد اللّه «وَإِنَّ إِدريسَ لَمِن الْمُرْسَلِينَ» وانفرد بهذا القول. وقال ابن عباس: هو عمّ اليسع. وقال ابن إسحاق وغيره: كان القَيِّم بأمر بني إسرائيل بعد يوشع كالب بن يوقنا ثم حِزقيل، ثم لما قبض اللّه حِزقيل النبي عظمت الأحداث في بني إسرائيل، ونسوا عهد اللّه وعبدوا الأوثان من دونه، فبعث اللّه إليهم إلياس نبيًّا وتبعه اليسع وآمن به، فلما عتا عليه بنو إسرائيل دعا ربه أن يريحه منهم فقيل له: ٱخرج يوم كذا وكذا إلى موضع كذا وكذا فما ٱستقبلك من شيء فاركبه ولا تَهَبْه. فخرج ومعه اليسع فقال: يا إلياس ما تأمرني. فقذف إليه بكسائه من الجوّ الأعلى، فكان ذلك علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل، وكان ذلك آخر العهد به. وقطع اللّه على إلياس لذة المطعم والمشرب. وكساه الريش وألبسه النور، فطار مع الملائكة، فكان إنسيًّا مَلَكياً سماويًّا أرضيًّا. قال ابن قتيبة: وذلك أن اللّه تعالى قال لإلياس: «سلني أعطك». قال: ترفعني إليك وتؤخر عني مذاقة الموت. فصار يطير مع الملائكة. وقال بعضهم: كان قد مرض وأحس الموت فبكى، فأوحى اللّه إليه: لِمَ تبك؟ حرصاً على الدنيا، أو جزعاً من الموت، أو خوفاً من النار؟ قال: لا، ولا شيء من هذا وعِزَّتِك، إنما جزعي كيف يحمدك الحامدون بعدي ولا أحمَدك! ويذكرك الذاكرون بعدي ولا أذكرك! ويصوم الصائمون بعدي ولا أصوم! ويصلّي المصلون ولا أصلي فقيل له: «يا إلياس وعزتي لأؤخرنك إلى وقت لا يذكرني فيه ذاكر». يعني يوم القيامة. وقال عبد العزيز بن أبي روّاد: إنّ إلياس والخضر عليهما السلام يصومان شهر رمضان في كل عام ببيت المقدس يوافيان الموسم في كل عام. وذكر ابن أبي الدنيا؛ إنهما يقولان عند افتراقهما عن الموسم: ما شاء اللّه ما شاء اللّه، لا يسوق الخير إلا اللّه، ما شاء اللّه ما شاء اللّه، لا يصرف السوء إلاّ اللّه؛ ما شاء اللّه ما شاء اللّه، ما يكون من نعمة فمن اللّه؛ ما شاء اللّه ما شاء اللّه؛ توكلت على اللّه حسبنا اللّه ونعم الوكيل، وقد مضى في «الكهف». وذكر من طريق مكحول حديث : عن أنس قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بفَجِّ الناقة عند الحجر، إذا نحن بصوت يقول: اللهم اجعلني من أمة محمد المرحومة، المغفور لها، المتوب عليها، المستجاب لها. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «يا أنس، ٱنظر ما هذا الصوت». فدخلت الجبل، فإذا أنا برجل أبيض اللحية والرأس، عليه ثياب بيض، طوله أكثر من ثلثمائة ذراع، فلما نظر إليّ قال: أنت رسول النبي؟ قلت نعم؛ قال: ارجع إليه فأقرئه مني السلام وقل له: هذا أخوك إلياس يريد لقاءك. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معه، حتى إذا كنا قريباً منه، تقدّم النبي صلى الله عليه وسلم وتأخرت، فتحدّثا طويلاً، فنزل عليهما شيء من السماء شبه السّفرة فدعواني فأكلت معهما، فإذا فيها كمأة ورمّان وكرفس، فلما أكلت قمت فتنحيت، وجاءت سحابة فاحتملته فإذا أنا أنظر إلى بياض ثيابه فيها تهوي به؛ فقلت للنبي صلى الله عليه وسلم: بأبي أنت وأمي! هذا الطعام الذي أكلنا أمن السماء نزل عليه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سألته عنه فقال يأتيني به جبريل في كل أربعين يوماً أكلة، وفي كل حول شربة من ماء زمزم، وربما رأيته على الجبّ يملأ بالدلو فيشرب وربما سقاني»تفسير : . . قال الثعلبى: اختلف الناس في قوله عز وجل هاهنا «بَعْلاً» فقالت طائفة: البعل هاهنا الصنم. وقالت طائفة: البعل هاهنا مَلَك. وقال ٱبن إسحاق: ٱمرأة كانوا يعبدونها. والأوّل أكثر. وروى الحكم بن أبان عن عكرمة عن ٱبن عباس: «أَتَدْعُونَ بَعْلاً» قال: صنماً. وروى عطاء بن السائب عن عكرمة عن ٱبن عباس: «أَتَدْعُونَ بَعْلاً» قال: رَبًّا. النحاس: والقولان صحيحان؛ أي أتدعون صنماً عملتموه ربًّا. يقال: هذا بعل الدار أي ربّها. فالمعنى أتدعون ربًّا ٱختلقتموه، و«أَتَدْعُونَ» بمعنى أتُسمُّون. حكى ذلك سيبويه. وقال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي: البعل الربّ بلغة اليمن. وسمع ٱبن عباس رجلاً من أهل اليمن يسوم ناقة بمنًى فقال: مَن بعلُ هذه؟. أي مَن ربّها؛ ومنه سمي الزوج بعلاً. قال أبو دؤاد:شعر : ورأيتُ بَعْلَكِ في الوغَى مُتقلِّداً سيفًا ورُمْحا تفسير : مقاتل: صنم كسره إلياس وهرب منهم. وقيل: كان من ذهب وكان طوله عشرين ذراعاً، وله أربعة أوجه، فُتِنوا به وعظّموه حتى أخدموه أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلال، والسَّدَنة يحفظونها ويعلِّمونها الناس، وهم أهل بعلبك من بلاد الشام. وبه سُميت مدينتهم بعلبك كما ذكرنا. {وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ} أي أحسن من يقال له خالق. وقيل: المعنى أحسن الصانعين؛ لأن الناس يصنعون ولا يخلقون. {ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ } بالنصب في الأسماء الثلاثة قرأ الربيع بن خيثم والحسن وٱبن أبي إسحاق وٱبن وثّاب والأعمش وحمزة والكسائي. وإليها يذهب أبو عبيد وأبو حاتم. وحكى أبو عبيد أنها على النعت. النحاس: وهو غلط وإنما هو على البدل ولا يجوز النعت هاهنا؛ لأنه ليس بتخلية. وقرأ ٱبن كثير وأبو عمرو وعاصم وأبو جعفر وشيبة ونافع بالرفع. قال أبو حاتم: بمعنى هو اللّه ربكم. قال النحاس: وأولى مما قال ـ أنه مبتدأ وخبر بغير إضمار ولا حذف. ورأيت علي بن سليمان يذهب إلى أن الرفع أولى وأحسن؛ لأن قبله رأس آية فالاستنئاف أولى. ٱبن الأنباري: من نصب أو رفع لم يقف على «أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ» على جهة التمام؛ لأن اللّه عز وجل مترجم عن «أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ» من الوجهين جميعاً. قوله تعالى: {فَكَذَّبُوهُ} أخبر عن قوم إلياس أنهم كذبوه. {فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} أي في العذاب. {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } أي من قومه فإنهم نجوا من العذاب. وقرىء «الْمُخْلِصِينَ» بكسر اللام وقد تقدّم. {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ } تقدّم. {سَلاَمٌ عَلَىٰ آلِ يَاسِينَ } قراءة الأعرج وشيبة ونافع. وقرأ عكرمة وأبو عمرو وٱبن كثير وحمزة والكسائي: «سَلامٌ عَلَى إِلْيَاسِينَ». وقرأ الحسن: «سَلامٌ عَلَى ٱلْيَاسِينَ» بوصل الألف كأنها ياسين دخلت عليها الألف واللام التي للتعريف. والمراد إلياس عليه السلام، وعليه وقع التسليم ولكنه ٱسم أعجمي. والعرب تضطرب في هذه الأسماء الأعجمية ويكثر تغييرهم لها. قال ابن جِنِّي: العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية تلاعباً؛ فياسين وإلياس والياسِين شيء واحد. الزمخشريّ: وكان حمزة إذا وصل نصب وإذا وقف رفع. وقرىء: «على إِلياسين» و «إِدْرِيسينَ وإِدْرَسينَ وَإِدْرَاسِينَ» على أنها لغات في إلياس وإدريس. ولعل لزيادة الياء والنون في السريانية معنى. النحاس: ومن قرأ: {أية : سَلاَمٌ عَلَىٰ آلِ يَاسِينَ} تفسير : [الصافات: 130] فكأنه واللّه أعلم جعل ٱسمه إلياس وياسين ثم سلم على آله؛ أي أهل دينه ومن كان على مذهبه، وعلِم أنه إذا سلم على آله من أجله فهو داخل في السلام؛ كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«حديث : اللهم صلّ على آل أبي أوفى»تفسير : وقال اللّه تعالى: {أية : أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [غافر: 46]. ومن قرأ «إِلياسِين» فللعلماء فيه غير قول. فروى هارون عن ابن أبي إسحاق قال: إلياسين مثل إبراهيم يذهب إلى أنه اسم له. وأبو عبيدة يذهب إلى أنه جُمع جمَع التسليم على أنه وأهل بيته سلّم عليهم؛ وأنشد:شعر : قَدْنِيَ من نَصْر الْخُبَيْبِينَ قَدِي تفسير : يقال: قدني وقَدِي لغتان بمعنى حَسْب. وإنما يريد أبا خُبَيْب عبد اللّه بن الزبير فجمعه على أن من كان على مذهبه داخل معه. وغير أبي عبيدة يرويه: الخُبَيْبَيْن على التثنية، يريد عبد اللّه ومُصْعَبا. ورأيت عليّ بن سليمان يشرحه بأكثر من هذا؛ (قال) فإن العرب تسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالِبة على أنهم سموا كل رجل منهم بالمهلَّب. قال: فعلى هذا «سَلامٌ عَلَى إِلْيَاسِينَ» سمّى كل رجل منهم بإلياس. وقد ذكر سيبويه في كتابه شيئاً من هذا، إلا أنه ذكر أن العرب تفعل هذا على جهة النسبة؛ فيقولون: الأشعرون يريدون به النسب. المهدوي: ومن قرأ «إلياسِين» فهو جمع يدخل فيه إلياس فهو جمع إلياسيّ فحذفت ياء النسبة؛ كما حذفت ياء النسبة في جمع المكسَّر في نحو المهالبة في جمع مهلبيّ، كذلك حذفت في المسلَّم فقيل المهلّبون. وقد حكى سيبويه: الأشعرون والنميرون يريدون الأشعريين والنميريين. السهيليّ: وهذا لا يصح بل هي لغة في إلياس، ولو أراد ما قالوه لأدخل الألف واللام كما تدخل في المهالبة والأشعريين؛ فكان يقول: «سَلامٌ على الإلياسيِن» لأن العَلَم إذا جمع ينكر حتى يعرّف بالألف واللام؛ لا تقول: سلام على زيدين، بل على الزيدين بالألف واللام. فإلياس عليه السلام فيه ثلاث لغات. النحاس: وٱحتج أبو عبيد في قراءته «سَلامٌ عَلَى إِلْيَاسِينَ» وأنه ٱسمه كما أن ٱسمه إلياس؛ لأنه ليس في السورة سلام على «آل» لغيره من الأنبياء صلى الله عليه وسلم، فكما سُمِّي الأنبياء كذا سُمِّي هو. وهذا الاحتجاج أصله لأبي عمرو وهو غير لازم؛ لأنا بينا قول أهل اللغة أنه إذا سلم على آله من أجله فهو سلام عليه. والقول بأن ٱسمه «إلياسين» يحتاج إلى دليل ورواية؛ فقد وقع في الأمر إشكال. قال الماوردي: وقرأ الحسن «سَلامٌ عَلَى يَاسِينَ» بإسقاط الألف واللام وفيه وجهان: أحدهما أنهم آل محمد صلى الله عليه وسلم؛ قاله ٱبن عباس. الثاني أنهم آل ياسين؛ فعلى هذا في دخول الزيادة في ياسين وجهان: أحدهما أنها زيدت لتساوي الآي، كما قال في موضع: {طُورِ سَيْنَآءَ} وفي موضع آخر «طورِسِينِينَ» فعلى هذا يكون السلام على أهله دونه، وتكون الإضافة إليه تشريفاً له. الثاني أنها دخلت للجمع فيكون داخلاً في جملتهم فيكون السلام عليه وعليهم. قال السهيلي: قال بعض المتكلمين في معاني القرآن: آل ياسين آل محمد عليه السلام، ونزع إلى قول من قال في تفسير «يۤس» يا محمد. وهذا القول يبطل من وجوه كثيرة: أحدها أن سياقة الكلام في قصة إلياسين يلزم أن تكون كما هي في قصة إبراهيم ونوح وموسى وهارون وأن التسليم راجع عليهم، ولا معنى للخروج عن مقصود الكلام لقول قيل في تلك الآية الأخرى مع ضعف ذلك القول أيضاً؛ فإن «يۤس» و «حۤمۤ» و «الۤمۤ» ونحو ذلك القول فيها واحد، إنما هي حروف مقطَّعة، إما مأخوذة من أسماء اللّه تعالى كما قال ابن عباس، وإما من صفات القرآن، وإما كما قال الشعبي: للّه في كل كتاب سرّ، وسرّه في القرآن فواتح القرآن. وأيضاً فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لي خمسة أسماء» تفسير : ولم يذكر فيها «يۤس». وأيضاً فإن «يۤس» جاءت التلاوة فيها بالسكون والوقف، ولو كان ٱسماً للنبي صلى الله عليه وسلم لقال: «يسِنُ» بالضم؛ كما قال تعالى: {أية : يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ} تفسير : [يوسف: 46] وإذا بطل هذا القول لما ذكرناه؛ فـ«إلياسين» هو إلياس المذكور وعليه وقع التسليم. وقال أبو عمرو بن العلاء: هو مثل إدريس وإدراسين، كذلك هو في مصحف ٱبن مسعود. «وَإِنَّ إِدْرِيسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ» ثم قال: سَلامٌ عَلَى إِدراسِين» {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ } تقدّم.

ابن كثير

تفسير : قال قتادة ومحمد بن إسحاق: يقال: إلياس هو إدريس، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبيدة بن ربيعة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إلياس هو إدريس، وكذا قال الضحاك. وقال وهب بن منبه: هو إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران، بعثه الله تعالى في بني إسرائيل بعد حزقيل عليهما السلام، وكانوا قد عبدوا صنماً يقال له: بعل، فدعاهم إلى الله تعالى، ونهاهم عن عبادة ما سواه، وكان قد آمن به ملكهم ثم ارتد، واستمروا على ضلالتهم، ولم يؤمن به منهم أحد، فدعا الله عليهم، فحبس عنهم القطر ثلاث سنين، ثم سألوه أن يكشف ذلك عنهم، ووعدوه الإيمان به إن هم أصابهم المطر، فدعا الله تعالى لهم، فجاءهم الغيث، فاستمروا على أخبث ما كانوا عليه من الكفر، فسأل الله أن يقبضه إليه، وكان قد نشأ على يديه اليسع بن أخطوب عليهما الصلاة والسلام، فأمر إلياس أن يذهب إلى مكان كذا وكذا، فمهما جاءه فليركبه ولا يهبه، فجاءته فرس من نار، فركب، وألبسه الله تعالى النور، وكساه الريش، وكان يطير مع الملائكة ملكاً إنسياً سماوياً أرضياً. هكذا حكاه وهب بن منبه عن أهل الكتاب، والله أعلم بصحته. { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ} أي: ألا تخافون الله عز وجل في عبادتكم غيره؟ { أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ} قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وعكرمة وقتادة والسدي: بعلاً، يعني: رباً. قال عكرمة وقتادة: وهي لغة أهل اليمن، وفي رواية عن قتادة قال: وهي لغة أزد شنوءة. وقال ابن إسحاق: أخبرني بعض أهل العلم أنهم كانوا يعبدون امرأة اسمها بعل. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه: هو اسم صنم كان يعبده أهل مدينة يقال لها بعلبك غربي دمشق، وقال الضحاك: هو صنم كانوا يعبدونه. وقوله تعالى: {أَتَدْعُونَ بَعْلاً} أي: أتعبدون صنماً؟ {وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ } أي: هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، قال الله تعالى: { فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} أي: للعذاب يوم الحساب { إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} أي: الموحدين منهم، وهذا استثناء منقطع من مثبت. وقوله تعالى: { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلأَخِرِينَ} أي: ثناء جميلاً { سَلَـٰمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ} كما يقال في إسماعيل: إسماعين، وهي لغة بني أسد، وأنشد بعض بني نمير في ضب صاده:شعر : يقولُ رَب السوقِ لَمَّا جِيْنا هذا وربِّ البيتِ إسرائينا تفسير : ويقال: ميكال وميكائيل وميكائين، وإبراهيم وإبراهام، وإسرائيل وإسرائين، وطور سيناء وطور سينين، وهو موضع واحد، وكل هذا سائغ، وقرأ آخرون (سلام على إدراسين) وهي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه، وقرأ آخرون: (سلام على آل ياسين) يعني: آل محمد صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ } قد تقدم تفسيره، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِنَّ إِلْيَاسَ } بالهمزة أوّله وتركه {لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } قيل هو ابن أخي هٰرون أخي موسى وقيل غيره، أُرْسِلَ إلى قوم ببعلبك ونواحيها.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وإن إلياس لمن المرسلين} فيه قولان: أحدهما: أنه إدريس قاله ابن عباس وقتادة، وهي قراءة ابن مسعود: وابن إدريس. الثاني: أنه من ولد هارون، قاله محمد بن إسحاق، قال مقاتل: هو إلياس بن بحشر، وقال الكلبي هو عم اليسع. وجوز قوم أن يكون هو إلياس بن مضر. وقيل لما عظمت الأحداث في بني إسرائيل بعد حزقيل بعث الله إليهم إلياس عليه السلام نبياً، وتبعه اليسع وآمن به، فلما عتا عليه بنو إسرائيل دعا ربه أن يقبضه إليه ففعل وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وصار مع الملائكة إنيساً ملكياً، أرضياً سماوياً، والله أعلم. قوله عز وجل: {أتدعون بعلاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني ربّاً، قاله عكرمة ومجاهد. قال مقاتل هي لغة أزد شنوءة، وسمع ابن عباس رجلاً من أهل اليمن يسوم ناقة بمنى فقال: من بعل هذه أي ربها، ومنه قول أبي دؤاد: شعر : ورأيت بعلك في الوغى متقلداً سيفاً ورمحا تفسير : الثاني: أنه صنم يقال له بعل كانوا يعبدونه وبه سميت بعلبك، قاله الضحاك وابن زيد وقال مقاتل: كسره إلياس وذهب. الثالث: أنه اسم امرأة كانوا يعبدونها، قاله ابن شجرة. {وتذرون أحْسَنَ الخالقين} فيه وجهان: أحدهما: من قيل له خالق. الثاني: أحسن الصانعين لأن الناس يصنعون ولا يخلقون. قوله عز وجل: {سلامٌ على إِلْ يَاسِينَ} قرأ نافع وابن عامر: سلامٌ على آل ياسين بفتح الهمزة ومدها وكسر اللام، وقرأ الباقون بكسر الهمزة وتسكين اللام، وقرأ الحسن: سلام على ياسين بإسقاط الألف واللام، وقرأ ابن مسعود: سلام على ادراسين، لأنه قرأ وإن إدريس لمن المرسلين. فمن قرأ الياس ففيه وجهان: أحدهما: أنه جمع يدخل فيه جميع آل إلياس بمعنى أن كل واحد من أهله يسمى الياس. الثاني: أنه إلياس فغير بالزيادة لأن العرب تغير الأسماء الأعجمية بالزيادة كما يقولون ميكال وميكاييل وميكائين. قال الشاعر: شعر : يقول أهل السوق لما جينا هذا وربِّ البيت إسرائينا تفسير : ومن قرأ آل ياسين ففي قراءته وجهان: أحدهما: أنهم آل محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس. الثاني: أنهم آل إلياس. فعلى هذا في دخول الزيادة في ياسين وجهان: أحدهما: أنها زيدت لتساوي الآي، كما قال في موضع طور سيناء، وفي موضع آخر طور سينين، فعلى هذا يكون السلام على أهله دونه وتكون الإضافة إليه تشريفاً له. الثاني: أنها دخلت للجمع فيكون داخلاً في جملتهم ويكون السلام عليه وعليهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِلْيَاسَ} إدريس "ع"، أو نبي من ولد هارون وجوز قوم أن يكون إلياس بن مضر.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} قرأ العامة إِلياس بهمزة مكسورة همزة قطع، وابن ذكوان بوصلها، ولم ينقلها عنه أبو حيان بل نقلها عن جماعةٍ غيره، ووجه القراءتين أنه اسم أعجمي تلاعبت به العرب فقطعت همزته تارة وصلتها أخرى، وقالوا فيه إلياسين كجبرائين، وقيل: تحتمل قراءة الوصل أن يكون اسمه ياسين ثم دخلت عليه "أل" المعرفة كما دخلت على "يَسَعَ"؛ وقد تقدم. وإلياسُ هذا قيل: ابن (إِلـ) ياسين المذكور بعد ولد هارون أخي موسى، وقال ابن عباس هو ابن عم اليَسَعَ، وقال ابن إسْحَاقَ: هو الياس بن بشير بن فِنْحَاص بن العيران بن هارون بن عمران، ووري عن عبد الله بن مسعود قال: إلياس هو إدريس وفي مصحفه "وَإنَّ إِدْريس لَمِنَ المُرْسَلِينَ" وبها قرأ عبد الله والأعمش وابن وثاب، وهذا قول عكرمة، وقرىء إدْرَاسِـ(ـيل) وإبراهيم وإبراهام، وفي مصحف أبي قراءته وإن أَيلِيسَ بهمزة مكسورة ثم ياء ساكنة بنقطتين من تحت ثم لام مكسورة ثم ياء بنقطتين من تحت ساكنة، ثم سين مفتوحة مهملة. قوله: "إذ قال" ظرف لقوله "لَمِنَ المُرْسَلِينَ" والتقدير: اذكر يا محمد لقومك إذ قال لقومه: أَلاَ تَتَّقُونَ أي لا تخافون الله. ولما خوفهم على سبيل الاحتمال ذكر ما هو السبب لذلك التخويف فقال:{أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ}. قوله: "بَعْلاً" القراء على تنوينه منصوباً وهو الربّ بلغة اليمن سمع ابن عباس رجلاً منهم يُنْشِد ضَالَّةً فقال آخر: أنا بَعْلُها، فقال: الله أكبر وتلا الآية. ويقال: مَنْ بَعْلُ هذه الدار؟ أي مَنْ رَبُّها؟ وسمي الزوج بعلاً لهذا المعنى، قال تعالى: {أية : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} تفسير : [البقرة:228]، وقال: {أية : وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً} تفسير : [هود:72] فعلى هذا التقدير: المعنى أتعبدون بعض البعول وتتركون عبادة الله تعالى وقيل: هو علم لصنَم بعينه، وقيل: هو علم لامرأة بعينها أتتهم بضلالٍ فاتبعوها، ويؤيده قراءة من قرأ: "بَعْلاَء" بزنة حمراء. قوله: "وَتَذَرُونَ" يجوز أن يكون حالاً، على إضمار مبتدأ، وأن يكون عطفاً على "تَدْعُونَ" فيكون داخلاً في حيِّز الإنكار. قوله: {ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ} قرأ الأخَوَانِ بنصب الثلاثة من ثلاثة أوجه: النصب على المدح أو البدل أو البيان إن قلنا: إنَّ إضافة "أفعل" إضافة محضة، والباقون بالرفع إمَّا على أنه خبر ابتداء مضمر أي هو الله، أو على أن الجلالة مبتدأ وما بعده الخبر، روي عن حمزة أنه كان إذا وصل نصب، وإِذا وقَفَ رفع. وهو حَسَنٌ جداً. وفيه جمع بين الرِّوَايَتَيْنِ. فصل قال المفسرون: لما قَبَضَ الله حِزْقِيلَ - عليه (الصلاة و) السلام - عَظُمَت الأحداثُ في بني إسرائيل وظهر فيهم الفساد والشك وعبدوا الأوثان من دون الله - عز وجل - فبعث الله إليهم إلياس نبيًّا، وكانت الأنبياء من بني إسرائيل، يبعثون من بعد موسى بتجديد ما نَسُوا من التوراة وبنو إسرائيل كانوا متفرقين في أرض الشام، وسبب ذلك أن يُوشَع بْن نُون لما فتح الشام بوّأها بني إسرائيل وقسمها بينهم فأحل سبطاً منهم ببعلبك ونواحيها وهم السبط الذين كان منهم إلياس فبعثه الله إليهم نبياً وعليهم يومئذ ملك يقال له أحب قد أضلّ قومه وأجبرهم على عبادة الأصنام وأن يعبد هو وقومه صنماً يقال له بَعْل وكان طوله عشرينَ ذارعاً وله أربعةُ أوجه فجعل إلياس يدعوهم إلى الله - عَزَّ وَجَل - وهم لا يسمعون إلى ما كان من الملك فإنه صدقه وآمن به ثم ذكروا قصة طويلة وذكروا في آخرها ان إلياس رفع إلى السماء وكساه الله الرِّيش وقطع عنه لِذَّة المطعم والمشرب فكان إنسيًّا ملكياً أرضياً سمائياً، قال ابن أبي دُؤَادَ: إنَّ الخضر وإلياسَ يصومان شهر رمضان ببيت المقدس ويوافيان الموسم في كل عام. وقيل: إنَّ إِلياس وكّل بالفيافي والخِضْرَ وكّل بالعمار. ثُمَّ قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} أي لمحضرون النار غداً {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} من قومه الذين أوتوا بالتوحيد الخالص فإنّهم محضرون {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ }. قوله: {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ} استثناء من فاعل "فكذبوه" وفيه دلالة على أن في قومه من لم يكذبه فلذلك استثنوا ولا يجوز أن يكونوا مُسْتَثْنَيْنَ من ضمير "لَمُحْضَرُونَ"؛ لأنه يلزم أن يكونوا مُنْدَرِجِينَ فيمن كذب لكنهم لم يحضروا لكونهم عباد الله المخلصين. وهو بين الفساد. (و) لا يقال: هو مُسْتَثْنًى منه استثناء منقطعاً؛ لأنه يصير المعنى لكن عباد الله المخلصين من غير هؤلاء لم يحضرُوا. ولا حاجة إلى هذا بوجه إذ به يَفْسُد نَظْمُ الكَلاَمِ. قوله تعالى: "على إل ياسين" قرأ نافع وابن عامر "آلِ يَاسِينَ" بإضافة "آل" - بمعنى الأهل - إلى ياسين والباقون بكسر الهمزة وسكون اللام موصولة بيَاسِين؛ كأنه جمع إلياس جمع سَلاَمَةٍ، فأما الأولى فإنه أراد بالآل إِلياسَ ولدَ يَاسِين كما تقدم وأصحابَه، وقيل: المراد بياسين هذا إلياس المتقدم فيكون له اسمان مثل إسماعيل وإسماعين وميكائل وميكائين، وآلُهُ: رَهْطُه وقومه المؤمنون، وقيل: المراد بياسين، محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - وقيل: المراد بياسين اسم القرآن كأنه قيل سلام على من آمن بكتاب الله الذي هو يَاسِينُ. وأما القراءة الثانية، فقيل: هي جمع إلْيَاس المتقدم وجمع باعتبار أصحابه (كـ)المَهَالِبَةِ والأَشَاعِثَةِ في المُهَلَّبِ وَبنِيهِ والأَشْعَث وقَوْمِهِ. وهو في الأصل جمع المنسوب إلى إلياس والأصل إلياسي كَأَشْعرِي، ثم استثقل تضعيفهما فحذفت إحدى يائي النسب، فلما جمع جمع سلامة التقى ساكنان إحدى اليائين(و) ياء الجمع فحذفت أولاهما لالتقاء الساكنين فصار الياسين كما ترى ومثله الأَشْعَرُونَ والخُبَيْبُونَ، قال: شعر : 4221- قَدْنِي مِنْ نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِ(ي) ............... تفسير : وقد تقدم طَرَفٌ من هذا آخر الشعراء عند قوله: {أية : ٱلأَعْجَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 198] إلاَّ أنَّ الزمخشري قد رد هذا بأنه لو كان على ما ذكر لوجب تعريفه بأل، فكان يقال على الإِلْياسِين. قال شهاب الدين: لأنه متى جمع العلم جمع سلامة أو ثني لزمته الألف واللام لأنه تزول علميته فيقال: الزَّيْدَان، والزَّيْدُون، والزَّينْبَاتُ، ولا يلتفت إلى قولهم: جمَاديَان وعمايتان عَلَمَيْ شَهْرَيْنِ، وَجَبَلَيْنِ لندورهما. وقرأ الحسنُ وأبو رجاء على الياسِينَ بوصول الهمزة لأنه يجمع الياسين وقومه المنسوبين إليه بالطريق المذكورة. وهذه واضحة لوجود "الـ" المعرفة كالزَّيْدِينَ. وقرأ عبد الله على إدْراسين لأنه قرأ في الأول: وإن إدريس، وقرأ أبي علي إيليسين لأنه قرأ في الأول وإن إيليسَ كما تقدم عنه، وهاتان القراءتان تدلاّن على أنّ "الياسين" جمع إلياس.

البقاعي

تفسير : ولما كان إلياس أعظم المتجردين من أتباعهما المجددين لما درس من أحكام التوراة، وكان ترك أحكامها مع ما وصفت به من البيان وما دعت إليه من الاستقامة في غاية من الضلال تكاد أن لا يصدق مثلها, أشار إلى الزيغ عنه بياناً لأن القلوب بيده سبحانه فقال مؤكداً: {وإن إلياس} أي الذي كان أحد بني إسرائيل عند جميع المفسرين إلا ابن مسعود وعكرمة، وهو من سبط لاوي، ومن أولاد هارون عليه السلام، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو عم اليسع عليهم السلام، وأرسلناه إلى من كان منهم في أرض بعلبك ونواحيها، فلما لم يرجعوا إليه نزعنا عنه الشهوات الإنسانية وخلقناه بالأوصاف الملكية، ولا يبعد أن يكون الداعي إلى تسميته بهذا الاسم ما سبق في علم الله أنه ييأس ممن يدعوهم إلى الله فيكون ممن يأتي يوم القيامة وما معه إلا الواحد أو الاثنان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه الشيخان: البخاري في الرقاق والطب، ومسلم في الإيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما:حديث : عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه رهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحدتفسير : ، فجعل سبحانه اسمه مناسباً لأمره في قومه بيأسه منهم حين فر إلى الجبال من شرهم، ويأسهم من القدرة على قتله، فإنهم اجتهدوا في ذلك حتى أعياهم، وأدل دليل على هذا المعنى قراءة ابن عامر بخلاف عنه بوصل الهمزة في الدرج وفتحها في الابتداء، وإن قال العلماء كما حكاه السمين في إعرابه: إن ذلك من تلاعب العرب بالأسماء العجمية، قطعوا همزته تارة ووصلوها أخرى، يعني فخاطبهم سبحانه بما ألفوه من لسانهم {لمن المرسلين} أي إلى من بدل أمر التوارة ونابذ ما دعت إليه {إذ قال لقومه} منكراً عليهم ما من حقه الإنكار بقوله: {ألا تتقون *} أي يوجد منكم تقوى وخوف، فإن ما أنتم عليه يقتضي شراً طويلاً، وعذاباً وبيلاً، وما أنتم عليه من السكون والدعة يقتضي أنه لا خوف عندكم أصلاً، وذلك غاية الجهل والاغترار بمن تعلمون أنه لا خالق لكم ولا رازق غيره. ولما كان هذا الإنكار سبباً للإصغاء، كرره مفصحاً بسببه فقال: {أتدعون بعلاً} أي إلهاً ورباً، وهم صنم كان لهم في مدينة بعلبك كان من ذهب طوله عشرين ذراعاً وله أربعة أوجه، فكان الشيطان يدخل في جوفه ويتكلم بشريعة الضلالة، والسدنة يحفظونها، وهم أربعمائة ويعلمونها الناس، ويحتمل أن يكون علماً على الصنم المذكور فيكون المفعول الثاني منوياً، وحذف ليفهم الدعاء الذي لا دعاة يشبهه وهو الدعاء بالإلهية، ومن قرأ شاذاً "بعلاء" بوزن "حمراء" فهو إشارة إلى كثرة حث امرأة الملك على عبادة بعل وقتل إلياس عليه السلام، وطاعة زوجها لها في ذلك - كما حكاه البغوي، فاستحق التأنيث لذلك، فأنث لكثرة ملابستها له، والجنسية علة الصنم. ولما كان دعاؤهم إياه للعبادة بينه بقوله: {وتذرون} ومادة "وذر" تدور على ما يكره، فالمعنى: وتتركون ترك المهمل الذي من شأنه أن يزهد فيه، ولو قيل: وتدعون - تهافتاً على الجناس لم يفد هذا وانقلب المراد. ولما كان الداعي لا يدعو إلا بكشف ضر أو إلباس نفع، فكان لا يجوز أن يدعو إلا من يقدر على إعدام ما يشاء وإيجاد ما يريد، قال منبهاً لهم على غلطهم في الفعل والترك: {أحسن الخالقين *} أي وهو من لا يحتاج في الإيجاد والإعدام إلى أسباب فلا تعبدونه. ولما كان الإنسان يعلم يقيناً أنه لم يرب نفسه إلا بالإنشاء من العدم ولا بما بعده، وكان الإحسان أعظم عاطف للإنسان، قال مبيناً لمن أراد مذكراً لهم بإحسانه إليهم وإلى من يحامون عنهم، ويوادون من كان يوادهم بالتربية بعد الإنشاء من العدم الذي هو أعظم تربية مفخماً للأمر ومعظماً بالإبدال في قراءة الجماعة بالرفع: {الله} فذكر بالاسم الأعظم الجامع لجميع الصفات تنبيهاً على أنه الأول المطلق الذي لم يكن شيء إلا به {ربكم} أي المحسن إليكم وحده. ولما كانوا ربما أسندوا إيجادهم إلى من قبلهم غباوة منهم أو عناداً قال: {ورب آبائكم الأولين *} أي الذين هم أول لكم، فشمل ذلك آباءهم الأقربين، ومن قبلهم إلى آدم عليه السلام. ولما كان من أعظم المقاصد - كما مضى - التسلية والترجية، سبب عن دعائه قوله: {فكذبوه} ولما كانت الترجية مستبعدة، سبب عن التكذيب قوله مؤكداً لأجل تكذيبهم: {فإنهم لمحضرون *} أي مقهورون على إقحامنا إياهم فيما نريد من العذاب الأدنى والأكبر، وذكرهم بالسوء واللعن على مر الآباد وإن كرهوا {إلا عباد الله} أي الذين علموا ما لهم من مجامع العظمة فعملوا بما علموا فلم يدعوا غيره فإنهم لم يكذبوا؛ ثم وصفهم بما أشار إليه من الوصف بالعبودية والإضافة إلى الاسم الأعظم فقال: {المخلصين *} أي لعبادته فلم يشركوا به شيئاً جلياً ولا خفياً، فإنهم ناجون من العذاب. ولما جاهد في الله تعالى وقام بما يجب عليه من حسن الثناء، جازاه سبحانه فقال: عاطفاً على "فإنهم لمحضرون" {وتركنا عليه} أي من الثناء الجميل وجميع ما يسره: {في الآخرين *} أي كل من كان بعده إلى يوم الدين. ولما كان السلام اسماً جامعاً لكل خير لأنه إظهار الشرف والإقبال على المسلم عليه بكل ما يريد، أنتج ذلك قوله: {سلام} ولما كان في اسمه على حسب تخفيف العرب له لغات إحداهما توافق الفواصل، فكان لا فرق في تأدية المعنى بين الإتيان بما اتفق منها، وكان ما كثرت حروفه منها أضخم وأجل وأفخم، وكان السياق بعد كثير من مناقبه لنهاية المدحة، كان الأحسن التعبير بما هو أكثر حروفاً وهو موافق للفواصل ليفيد ذلك تمكينه في الفضائل ولتحقق أنه اسم أعجمي لا عربي مشتق من الياس وإن أوهمت ذلك قراءة ابن عامر بوصل همزته فقال: {على آل ياسين *} ومن قرأ آل يس فيجوز أن يكون المراد في قراءته ما أريد من القراءة الأخرى لأن أهل اللغة قالوا: أن الآل هو الشخص نفسه، ويس إما لغة في إلياس أو اختصرت اللغة الثانية التي هي إلياسين فحذف منها الهمزة المكسورة مع اللام، ويجوز أن يكون المراد بآله أتباعه، ويكون ذلك أضخم في حقه لما تقدم مما يدعو إليه السياق، ويجوز أن يقصد بهذه القراءة جميع الأنبياء المذكورين في هذه السورة الذين هو أحدهم، أي على الأنبياء المذكورين عقب سورة يس دلالة على ما دعت إليه معانيها من الوحدانية والرسالة والبعث وإذلال العاصي وإعزاز الطائع المجرد لنفسه في حب مولاه عن جميع العوائق، القاطع للطيران إليه أقوى العلائق، وخص بهذا هذه القصة لأنها ختام القصص المسلم فيها على أهلها.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏ {‏وإن إلياس لمن المرسلين‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآيات‏.‏ قال‏:‏ إنما سمي بعلبك لعبادتهم البعل، وكان موضعهم البدء، فسمي بعلبك‏. وأخرج ابن عساكر عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏{‏وإن إلياس‏}‏ قال‏:‏ إن الله تعالى بعث إلياس إلى بعلبك، وكانوا قوماً يعبدون الأصنام، وكانت ملوك بني إسرائيل متفرقة على العامة، كل ملك على ناحية يأكلها، وكان الملك الذي كان إلياس معه يقوم له أمره ويقتدي برأيه، وهو على هدي من بين أصحابه، حتى وقع إليهم قوم من عبدة الأصنام فقالوا له‏:‏ ما يدعوك إلا إلى الضلالة والباطل، وجعلوا يقولون له‏:‏ أعبد هذه الأوثان التي تعبد الملوك، وهم على ما نحن عليه‏؛‏ يأكلون، ويشربون، وهم في ملكهم يتقلبون، وما تنقص دنياهم‏‏ من ربهم الذي تزعم أنه باطل، وما لنا عليهم من فضل‏.‏ فاسترجع إلياس، فقام شعر رأسه وجلده، فخرج عليه إلياس‏.‏ قال الحسن رضي الله عنه‏:‏ وإن الذي زين لذلك الملك امرأته، وكانت قبله تحت ملك جبار، وكان من الكنعانيين في طول، وجسم، وحسن، فمات زوجها، فاتخذت تمثالاً على صورة بعلها من الذهب، وجعلت له حدقتين من ياقوتتين، وتوجته بتاج مكلل بالدر والجوهر، ثم أقعدته على سرير، تدخل عليه فتدخنه، وتطيبه، وتسجد له، ثم تخرج عنه، فتزوجت بعد ذلك هذا الملك الذي كان إلياس معه، وكانت فاجرة، قد قهرت زوجها، ووضعت البعل في ذلك البيت، وجعلت سبعين سادنا، فعبدوا البعل، فدعاهم إلياس إلى الله، فلم يزدهم ذلك إلا بعداً‏.‏ فقال إلياس‏:‏ اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك، وعبادة غيرك، فغير ما بهم من نعمتك، فأوحى الله إليه‏:‏ إني قد جعلت أرزاقهم بيدك‏.‏ فقال‏:‏ اللهم أمسك عنهم القطر ثلاث سنين، فأمسك الله عنهم القطر، وأرسل إلى الملك فتاه اليسع، فقال‏:‏ قل له إن إلياس يقول لك أنك اخترت عبادة البعل على عبادة الله، واتبعت هوى امرأتك، فاستعد للعذاب والبلاء، فانطلق اليسع، فبلغ رسالته للملك، فعصمه الله تعالى من شر الملك، وأمسك الله عنهم القطر، حتى هلكت الماشية، والدواب، وجهد الناس جهداً شديدا‏ً.‏ وخرج إلياس إلى ذروة جبل، فكان الله يأتيه برزقه، وفجر له عيناً معيناً لشرابه وطهوره، حتى أصاب الناس الجهد، فأرسل الملك إلى السبعين، فقال لهم‏:‏ سلوا البعل أن يفرج ما بنا، فأخرجوا أصنامهم، فقربوا لها الذبائح، وعطفوا عليها، وجعلوا يدعون حتى طال ذلك بهم، فقال لهم الملك‏:‏ إن إله إلياس كان أسرع إجابة من هؤلاء، فبعثوا في طلب إلياس، فأتى فقال‏:‏ أتحبون أن يفرج عنكم‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فاخرجوا أوثانكم، فدعا إلياس عليه السلام ربه أن يفرج عنهم، فارتفعت سحابة مثل الترس‏.‏ وهم ينظرون، ثم أرسل الله عليهم المطر، فأغاثهم، فتابوا ورجعوا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن ابن مسعود قال ‏{‏إلياس‏} ‏ هو إدريس‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ كان يقال أن ‏ {‏إلياس‏} ‏ هو إدريس عليه السلام‏.‏ وأخرج ابن عساكر عن كعب رضي الله عنه قال‏:‏ أربعة أنبياء اليوم أحياء‏.‏ اثنان في الدنيا‏.‏ إلياس، والخضر‏.‏ واثنان في السماء‏:‏ عيسى، وإدريس‏.‏ وأخرج ابن عساكر عن ابن شوذب رضي الله عنه قال‏:‏ الخضر عليه السلام من وفد فارس، وإلياس عليه السلام من بني إسرائيل، يلتقيان كل عام بالموسم‏.‏ وأخرج ابن عساكر عن وهب رضي الله عنه قال‏:‏ دعا إلياس عليه السلام ربه أن يريحه من قومه، فقيل له‏:‏ انظر يوم كذا وكذا‏.‏‏.‏. فإذا هو بشيء قد أقبل على صورة فرس، فإذا رأيت دابة لونها مثل لون النار فاركبها، فجعل يتوقع ذلك اليوم، فإذا هو بشيء قد أقبل على صورة فرس، لونه كلون النار، حتى وقف بين يديه، فوثب عليه، فانطلق به، فكان آخر العهد به، فكساه الله الريش، وكساه النور، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، فصار في الملائكة عليهم السلام‏. وأخرج ابن عساكر عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ إلياس عليه السلام موكل بالفيافي‏.‏ والخضر عليه السلام بالجبال، وقد أعطيا الخلد في الدنيا إلى الصيحة الأولى، وإنهما يجتمعان كل عام بالموسم‏. وأخرج الحاكم عن كعب رضي الله عنه قال‏:‏ كان إلياس عليه السلام صاحب جبال وبرية، يخلو فيها يعبد ربه عز وجل، وكان ضخم الرأس، خميص البطن، دقيق الساقين، في صدره شامة حمراء، وإنما رفعه الله تعالى إلى أرض الشام، لم يصعد به إلى السماء، وهو الذي سماه الله ذا النون‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏‏"حديث : ‏الخضر هو إلياس‏ ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل وضعفه عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"‏كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فنزلنا منزلاً، فإذا رجل في الوادي يقول‏:‏ اللهم اجعلني من أمة محمد المرحومة، المغفورة، المثاب لها، فاشرفت على الوادي، فإذا طوله ثلثمائة ذراع وأكثر‏.‏ فقال‏:‏ من أنت‏؟‏ قلت‏:‏ أنس خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ أين هو‏؟‏ قلت‏:‏ هو ذا يسمع كلامك قال‏:‏ فأته وأقرئه مني السلام، وقل له أخوك إلياس يقرئك السلام‏.‏ فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فجاء حتى عانقه، وقعدا يتحدثان فقال له‏:‏ يا رسول الله إني آكل في كل سنة يوماً، وهذا يوم فطري، فكل أنت وأنا، فنزلت عليهما مائدة من السماء، وخبز، وحوت، وكرفس، فأكلا وأطعماني، وصليا العصر، ثم ودعني وودعه، ثم رأيته مر على السحاب نحو السماء قال الحاكم‏:‏ هذا حديث صحيح الإِسناد، وقال الذهبي‏:‏ بل هو، موضوع، قبح الله من وضعه‏.‏ قال‏:‏ وما كنت أحسب، ولا أجوِّز، أن الجهل يبلغ بالحاكم أن يصحح هذا‏"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏أتدعون بعلا‏ً}‏ قال‏:‏ صنما‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏أتدعون بعلا‏ً} ‏ قال‏:‏ ربا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم وإبراهيم الحربي في غريب الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما‏؛‏ أنه أبصر رجلاً يسوق بقرة، فقال‏:‏ من بعل هذه‏؟‏ فدعاه فقال‏:‏ ممن أنت‏؟‏ قال‏:‏ من أهل اليمن‏.‏ فقال‏:‏ هي لغة ‏{‏أتدعون بعلا‏ً} أي رباً‏.‏ وأخرج ابن الأنباري عن مجاهد رضي الله عنه؛‏ استام بناقة رجل من حمير فقال له‏:‏ أنت صاحبها‏؟‏ قال‏:‏ أنا بعلها، فقال ابن عباس ‏ {‏أتدعون بعلا‏ً} ‏ أتدعون رباً‏.‏ ممن أنت‏؟‏ قال‏:‏ من حمير‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه قال‏:‏ مر رجل يقول‏:‏ من يعرف البقرة‏؟‏ فقال رجل‏:‏ أنا بعلها فقال له ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ تزعم أنك زوج البقرة‏؟‏ قال الرجل‏:‏ أما سمعت قول الله ‏ {‏أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين‏}‏ قال‏:‏ تدعون بعلاً، وأنا ربكم فقال له ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ صدقت‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏أتدعون بعلا‏ً} ‏ قال‏:‏ رباً بلغة ازدة شنوأة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في قوله ‏ {‏أتدعون بعلا‏ً} ‏ قال‏:‏ صنماً لهم، كانوا يعبدونه في بعلبك، وهي وراء دمشق، فكان بها البعل الذي يعبدونه‏. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله ‏{‏أتدعون بعلا‏ً} ‏ قال‏:‏ ربا باليمانية يقول الرجل للرجل‏:‏ من بعل الثوب‏؟‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قيس بن سعد قال‏:‏ سأل رجل ابن عباس رضي الله عنه عن قوله ‏{‏أتدعون بعلا‏ً} ‏ فسكت عنه ابن عباس رضي الله عنهما، ثم سأله، فسكت عنه، فسمع رجلاً ينشد ضالة، فسمع آخر يقول‏:‏ أنا بعلها‏.‏ فقال ابن عباس‏:‏ أين السائل‏؟‏ اسمع. ما يقول السائل‏.‏ أنا بعلها‏.‏ أنا ربها ‏ {‏أتدعون بعلا‏ً} ‏ أتدعون ربا‏. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله {‏سلام على إل ياسين‏}‏ قال‏:‏ هو إلياس‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك أنه قرأ ‏"‏سلام على ادراسين‏"‏ وقال‏:‏ هو مثل إلياس مثل عيسى، والمسيح، ومحمد، وأحمد، وإسرائيل، ويعقوب‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏سلام على إل ياسين‏}‏ قال‏:‏ نحن آل محمد ‏ {‏إل ياسين‏}‏‏ .

القشيري

تفسير : "إلياس": قيل هو إدريس، وقيل غيره، وكان بالشام، واسمُ صَنَمِهم "بَعْل"، ومدينتهم بعلبك.. نذر قومَه فكذَّبوه، ووَعظَهم فما صَدَّقُوه، فأهلَكَ قومَه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وان الياس لمن المرسلين} اى الى بنى اسرائيل وهو الياس بن ياسين بن شير بن فخاص بن الغيرار بن هارون ابن عمران وهو من سبط هارون اخى موسى بعث بعد موسى هذا هو المشهور وعليه الجمهور ودل عليه ما فى بعض المعتبرات ان الموجود من الانبياء بابدانهم العنصرية اربعة اثنان فى السماء ادريس وعيسى واثنان فى الارض الخضر والياس فادريس والياس اثنان من حيث الهوية والتشخيص. وقال جماعة من العلماء منهم احمد بن حنبل ان الياس هو ادريس اى اخنوخ ابن متوشلخ بن لمك وكان قبل نوح كما قالوا خمسة من الانبياء لهم اسمان الياس هو ادريس ويعقوب هو اسرائيل ويونس هو ذوالنون وعيسى هو المسيح ومحمد هو احمد صلوات الله عليهم اجمعين ووافقهم فى ذلك بعص اكابر المكاشفين فعلى هذا معناه ان هوية ادريس مع كونها قائمة فى انيته وصورته فى السماء الرابعة ظهرت وتعينت فى انية الياس الباقى الى الآن فتكون من حيث العين والحقيقة واحدة ومن حيث التعين الصورى اثنتين كنحو جبرائيل وميكائيل وعزرائيل يظهرون فى الآن الواحد فى مائة الف مكان بصور شتى كلها قائمة بهم وكذلك ارواح الكمل كما يروى عن قضيب البان الموصلى قدس سره انه كان يرى فى زمان واحد فى مجالس متعددة مشتغلا فى كل بامر غير ما فى الآخر وليس معناه ان العين خلع الصورة الادريسية ولبس الصورة الالياسية والالكان قولا بالتناسخ

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وإِنَّ إِلياس لَمِنَ المرسلين} وهو إلياس بن ياسين بن العيزار، من سبط هارون عليه السلام. قال ابن إسحاق: لَمَّا قبض الله حزقيل النبي، عظمت الأحداث في بني إسرائيل، ونسوا عهد الله، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إلياس، وبنو إسرائيل حينئذ متفرقون في أرض الشام، وفيهم ملوك كثيرة. وذلك أن يوشع لمَّا فتح الشام بعد موسى عليه السلام وملكها، بوّأها بني إسرائيل، وقسمها بينهم، وأحلّ سبطاً منهم ببعلبك ونواحيها. ومنهم السبط الذي نشأ منهم إلياس. انظر الثعلبي. وقيل: إلياس هو إدريس. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه: "وإن إدريس" موضع إلياس. والمشهور ما تقدّم. {إِذ قال لقومه ألا تتقون} ألا تخافون الله، {أتَدْعُون بَعْلاً} هو عَلَم لصنم، كان من ذهب، وكان طوله عشرين ذراعاً، وكان له أربعة أوجه، فافتتنوا به وعظّموه، حتى أخدموه أربعمائة سادن، وجعلوهم أنبياءه. وكان الشيطان يُوسوس إليهم شريعة من الضلالة، وكان موضعهم يُسمى "بك" فركب معه وصار "بعلبكّ"، وهو من بلاد الشام، قلت: ويسمونه اليوم عكا، وفيه قبر صالح عليه السلام، وقيل: إن إلياس والخضر حيان، يلتقيان كل سنة بالموسم، فيأخذ كل واحد من شعر صاحبه. قيل: إن إلياس وُكِّلَ بالفيافي، والخضر وُكِّلَ بالبحار. وقيل: إن الله قطع عنه لذة المطعم والمشرب، وألبسَ الريش، وطار مع الملائكة، فصار إنسيًّا ملكيًّا، أرضيًّا سماويًّا. فهو ما زال حيًّا. فالله أعلم. ثم قال: {وتَذَرُونَ أحسنَ الخالقين} أي: تعبدون صنماً جامداً، وتتركون عبادة الله الذي هو أحسن الخالقين. {الله رَبَّكم وربَّ آبائِكم الأولين} من نصب الثلاثة فبدل، ومن رفعها فمبتدأ وخبر. {فكذَّبوه} فسلّط الله عليهم، بعد رفعه، أو موته، عدوًّا، فقتل ملكهم وكثيراً منهم، {فإِنهم لمُحضَرونَ} في النار، وإنما أطلقه اكتفاء بالقرينة، أو: لأن الإحضار المطلق مخصوص بالشر. {إِلا عبادَ الله المخلَصين} من قومه، فإنهم ناجون من حضور العذاب، {وتركنا عليه} الثناء الحسن {في الآخرين}. {سلامٌ على آل ياسين} وهو إلياس وأهله؛ لأن "ياسين" اسم أبيه. وقرأ أكثر القراء: إلياسين، بكسر الهمزة ووصل اللام، أي: إلياس وقومه المؤمنين، كقولهم: الخُبَيْبون والمهَلَّبون، يعنون عبد الله بن الزبير وقومه. والمهلَّب وأتباعه. {إِنا كذلك نجزي المحسنين. إِنه من عبادنا المؤمنين} وقيل: آل ياسين هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأهله، والسياق يأباه. الإشارة: يُؤخذ من قوله تعالى: {ألا تتقون أتدعون بعلاً...} الخ، أن مدار التقوى هو توحيد الله، والانحياش إليه، والبُعد عن كل ما سواه، والرجوع إلى الله في كل شيء، والاعتماد عليه في كل حال. ويؤخذ من قوله: {سلام على آل ياسين} في قراءة المد، أن الرجل الصالح ينتفع به أهله وأقاربه، وهو كذلك؛ فإن عَظُمَ صلاحه تعدّت منفعته إلى جيرانه وقبيلته، فإذا كبر جاهه شفع في الوجود بأسره. ثم ذكر لوطاً، عليه السلام، فقال: {وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ...}

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر {الله ربكم ورب آبائكم} نصباً. الباقون بالرفع. من نصب جعله بدلا من قوله {أحسن الخالقين} ومن رفع استأنف الكلام، وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب {سلام على آل ياسين} على إضافة (آل) إلى (ياسين). الباقون {على ألياسين} موصولة. من أضاف اراد به على آل محمد صلى الله عليه وآله لأن (يس) اسم من اسماء محمد على ما حكيناه. وقال بعضهم: أراد آل الياس عليه السلام. وقال الجبائي اراد أهل القرآن، ومن لم يضف أراد الياس. وقال: الياسين، لان العرب تغير الاسماء العجمية بالزيادة كما يقولون: ميكائيل وميكائين، وميكال وميكائل، وفي أسماعيل اسماعين قال الشاعر: شعر : يقول اهل السوق لما جينا هذا ورب البيت اسرائينا تفسير : وفي قراءة عبد الله {وإن إدريس لمن المرسلين سلام على إدراسين} وقيل أيضاً إنه جمع، لانه اراد الياس ومن آمن معه من قومه، وقال الشاعر: شعر : قدني من نصر الخبيبين قدي تفسير : فجعل ابن الزبير أبا خبيباً ومن كان على رأيه عدداً ولم يضفهم بالياء فيقول: خبيبين، فخفف في الشعر مثل الأشعرين، وكما قالوا: سيرة العمرين وخير الزهدمين، وإنما أحدهما زهدم والآخر كردم. وقال قوم: تقديره على {آل ياسين} فخفف، لانه أراد الياساً وقومه، كما قالوا: الاشعرون والمهليون. قال الشاعر: شعر : انا ابن سعد اكرم السعدينا تفسير : وكلهم قرأ {وإن الياس} بقطع الهمزة إلا ان أبا عامر، فانه فصل الهمزة وأسقطها في الدرج، فاذا ابتدأ فتحها، قال ابو علي النحوي: يجوز أن يكون حذف الهمزة حذفاً، كما حذفها ابو جعفر في قوله {أية : إنها لإحدى الكبر} تفسير : ويحتمل أن تكون الهمزة التي تصحب لام التعريف، وهي تسقط في الدرج، وأصله (ياس). اخبر الله تعالى أن الياس من جملة من أرسله الله إلى خلقه نبياً داعياً إلى توحيده وطاعته حين {قال لقومه ألا تتقون} الله بترك معاصيه وفعل طاعاته، فاللفظ لفظ الاستفهام والمراد به الانكار، كما يقول القائل ألا تتقي الله يا فلان في أن تظلم او تزني، وما اشبه ذلك، وإنما يريد بذلك الانكار. ثم قال لهم {أتدعون بعلا} قال الحسن والضحاك وابن زيد: المراد بالبعل - ها هنا - صنم كانوا يعبدونه، والبعل في لغة اهل اليمن هو الرب، يقولون من بعل هذا الثوب أي من ربه - وهو قول عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي - ويقولون: هو بعل هذه الدابة أي ربها، كما يقولون: رب الدار ورب الفرس، وزوج المرأة بعلها، والنخل والزرع إذا استقى بماء السماء فهو بعل، وهو العذي، خلاف السقي. والاصل في الرب المالك فالزوج رب البضع، لانه مالكه. ومعنى الآية أتدعون بالالهية صنماً عادلين عن أحسن الخالقين، وهذا إنكار عليهم أن يعتقدوا أن غير الله إله او يقولون لغيره يا إلهي. وقال قتادة: الياس وهو إدريس، وقال ابن اسحاق: هو من ولد هارون، وهو اسم نبي وهو أعجمي، فلذلك لم ينصرف، ولو جعل (افعالا) من الاليس وهو الشجاع الجريء لجاز. ثم بين لهم الذي هو أحسن الخالقين، فقال {الله ربكم} الذي خلقكم {ورب آبائكم} أي الذي دبركم وخلقكم، وخلق آباءكم {الأولين} يعني من مضى من آبائكم وأجدادكم. ثم حكى ان قومه كذبوه ولم يصدقوه، وأن الله أهلكهم وأنهم لمحضرون عذاب النار. ثم استثنى من جملتهم عباده الذين اخلصوا عبادتهم لله وبين انه أثنى عليهم في آخر الامم بأن قال {سلام على ألياسين} وآل محمد صلى الله عليه وآله هم كل من آل اليه بحسب او بقرابة، وقال قوم: آل محمد كل من كان على دينه، ولا خلاف بين النحويين أن اصل (آل) اهل فغلبوا الهاء همزة وجعلوها مدة لئلا يجتمع ساكنان، ألا ترى أنك اذا صغرت قلت أهيل ولا يجوز أويل، لأنه رد إلى الأصل لا إلى اللفظ. وقوله {افلا تعقلون} معناه تتدبرون وتتفكرون في ما نزل بهؤلاء القوم وتعتبرون به لتجتنبوا ما كانوا يفعلونه من الكفر والضلال. وفي قوله {لمحضرون} حذف، لان تقديره فانهم لمحضرون العقاب واليم العذاب لتكذيبهم والجزاء بما تقتضيه الحكمة فيهم. وهذا الابهام تغليظ في الوعيد بالعذاب، لانه لعظمه معلوم لا يخفى أمره، ووجه الحجة عليهم في قوله {ورب آبائكم الأولين} انه اذا كان الرب واحداً وجب اخلاص العبادة لواحد، لانه الذي يملك الضر والنفع في جميع الامور، وذلك يبطل عبادة الأوثان. ثم قال كما جازينا هؤلاء بهذا الجزاء وهو ان أثنينا عليهم في آخر الامم مثل ذلك نجزي من فعل الطاعات واجتنب المعاصي. ثم اخبر ان الياس كان جملة عباده المصدقين بجميع ما اخبر الله به من وعد ووعيد وغير ذلك، العاملين بما اوجب الله عليهم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ أَتَدْعُونَ بَعْلاً} أي: أتدعون ربّاً غير الله. وتفسير الحسن: كان اسم صنمهم بعلاً {وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ الأَوَّلِينَ} وهي تقرأ بالنصب والرفع. فمن قرأها بالنصب فهو يقول: {وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الخَالِقِينَ اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ الأَوَّلِينَ} [فلا تعبدونه]؛ ومن قرأها بالرفع فهو كلام مستقبل؛ يقول: {اللهُ ربُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأَوَّلِينَ}. قال: {فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} أي: في النار {إِلاَّ عِبَادَ اللهِ المُخْلَصِينَ} استثنى من آمن منهم. قال: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الأَخِرِينَ} أي: وأبقينا عليه، أي: على إلياس، الثناء الحسن في الآخرين. قال: {سَلاَمٌ عَلَى ءَالْ يَاسِينَ} قال الحسن: يعنيه ومن آمن من أمته. فمن قرأها بهذا فهو يريد هذا الذي فسَّرنا، [ومن قرأها موصولة (إِلْيَاسِينَ) يقول: هو اسمه إلياسين وإلياس] {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُؤْمِنِينَ}. {وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ المُرْسَلِينَ إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ} أي: غبَرت، أي: بقيت في عذاب الله {ثُمَّ دَمَّرْنَا الأَخَرِينَ} وقد فسَّرنا كيف كان هلاكهم في غير هذا الموضع. قال: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم} أي: على منازلهم {مُّصْبِحِينَ} أي: نهاراً {وَبِالَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} يقوله للمشركين، يحذره أن ينزل بهم ما نزل بهم.

اطفيش

تفسير : هو الياس بن ياسين سبط هارون اخي موسى بعث بعده ارسل الى قوم ببعلبك ونواحيها وقيل هو ادريس وهو قول ابن مسعود وقتادة وفي مصحفه وان ادريس لمن المرسلين وكذا قرأ الأعمش وأن ادريس وان ادريس لمن المرسلين وكذا قرأ في ما بعده سلام على ادريس وقرأه بعضهم ادراس وقرأه اني وان لاسين وقرأه ابن دكوان وان لياس بكسر اللام واسقاط الهمزة قبلها وهذه رواية عنه والاكثرون على ان الياس نبي من انبياء بني اسرائيل قال ابن عباس هو ابن عم اليسع وقال محمد بن اسحاق هو الياس بن بشير بن فنحاص بن الميزار بن عمران بن هارون.

اطفيش

تفسير : {وإنَّ إليْاسَ} الياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون أخى موسى، فهو اسرائيلى من سبط هارون عليه السلام، وقيل: هو من سبط يوشع، وقيل: ابن عم اليسع، وأنه بعث بعد حزقيل، وقيل: ذو الكفل، والحق أنه الياس المذكور فى قوله تعالى: "أية : ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا"تفسير : [الأنعام: 84] الخ فهو من ذرية ابراهيم عليه السلام، وقرأ ابن مسعود: وان ادريس بدل وان الياس، والياس والخضر حيان، وكَّل الياس بالفيافى، والخضر بالبحار، وقال الحسن: ماتا، ويقال: يصومان رمضان فى بيت المقدس، ويحجان كل عام، قيل: مات حزقيل النبى وعبدت بنوا اسرائيل الأصنام بعده. وغصبت امرأة الملك جنينة من مؤمن وقتلته، وكان يستخلفها اذا غاب، فأوحى الله تعالى الى الياس أنه ان لم يرد الى ورثة المؤمن جنينة قتلهما وألقاهما جيفتين فيها، فتوعد الياس بالقتل فهرب الى الجبال والكهوف، وبعث فى طلبه سبع سنين ولحقه ضر، وحزن وسأل الله تعالى أن يميته وقال: ملنى بنو اسرائيل ومللتهم، فقال الله تعالى: أنت وليى وأمينى، وماهذا وقت أخلى منك الأرض، قال: فاقحطهم سبع سنين، قال: أنا أرحم بعبادى، قال: فأربعا، قال: أنا أرحم بعبادى، ولك ثلاث وجاءهم بعدها فقال: ادعوا أصنامكم، فدعوا ولم يمطروا، ودعا الله واليسع يقول: آمين، فأمطروا بسحابة من جهة البحر كالترس، فعمت وحسن حالهم، ثم ارتدوا، فدعا الله تعالى أن يريحه منهم، فأوحى الله تعالى اليه أن يركب ما يجد فى موضع كذا، فوجد فيه فرسا بصورة نار فركبه الى السماء، واستخلف اليسع {لمِنَ المُرْسلين * إذ} متعلق من أو بمن ومدخولها لنيابتهما عنه، ويجوز أن يكون مفعولا به لا ذكر محذوفا مستأنفا أى اذكر وقت. {قال لِقَومه} طائفة من بنى اسرائيل لما فتح يوشع الشام أسكنهم بعلبك، بلد ركب اسمه من لفظ بعل بمعنى مالك وبكة وحذف التاء أو بك بلا تاء {ألا تتَّقُون} تحذرون عذاب الله الذى استوجبتم بالإشراك والمعاصى.

الالوسي

تفسير : قال الطبري: هو إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هٰرون أخي موسى عليهما السلام فهو إسرائيلي من سبط هٰرون، وحكى القتيبـي أنه من سبط/ يوشع، وحكى الطبرسي أنه ابن عم اليسع وأنه بعث بعد حزقيل، وفي "العجائب" للكرماني أنه ذو الكفل، وعن وهب أنه عَمَّرَ كما عمر الخضر ويبقى إلى فناء الدنيا. وأخرج ابن عساكر عن الحسن أنه موكل بالفيافي والخضر بالبحار والجزائر وأنهما يجتمعان بالموسم في كل عام، وحديث اجتماعه مع النبـي صلى الله عليه وسلم في بعض الأسفار وأكله معه من مائدة نزلت عليهما عليهما الصلاة والسلام من السماء هي خبز وحوت وكرفس وصلاتهما العصر معاً رواه الحاكم عن أنس وقال: هذا حديث صحيح الإسناد وكل ذلك من التعمير وما بعده لا يعول عليه. وحديث الحاكم ضعفه البيهقي، وقال الذهبـي: موضوع قبح الله تعالى من وضعه ثم قال: وما كنت أحسب ولا أجوز أن الجهل يبلغ بالحاكم إلى أن يصحح هذا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم وابن عساكر: عن ابن مسعود أن إلياس هو إدريس، ونقل عنه أنه قرأ {وإن أدريس لمن المرسلين} والمستفيض عنه أنه قرأ كالجمهور نعم قرأ ابن وثاب والأعمش والمنهال بن عمرو والحكم بن عتيبة الكوفي كذلك. وقرىء {إدراس} وهو لغة في إدريس كإبراهام في إبراهيم، وإذا فسر إلياس بإدريس على أن أحد اللفظين اسم والآخر لقب فإن كان المراد بهما من سمعت نسبه فلا بأس به وإن كان المراد بهما إدريس المشهور الذي رفعه الله تعالى مكاناً علياً وهو على ما قيل أخنوخ بن يزد بن مهلاييل بن أنوش بن قينان بن شيث بن آدم وكان على ما ذكره المؤرخون قبل نوح، وفي "المستدرك" عن ابن عباس أن بينه وبين نوح ألف سنة، وعن وهب أنه جد نوح أشكل الأمر في قوله تعالى { أية : وتلك حجتُنَا ءاتَيْنَـٰهَا إِبْرٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرّيَّتِهِ دَاوُودُ وَسُلَيْمَـٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ * وَإِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [الأنعام: 83-86] لأن ضمير {ذُرّيَّتَهُ } إما أن يكون لإبراهيم لأن الكلام فيه وإما أن يكون لنوح لأنه أقرب ولأن يونس ولوطاً ليسا من ذرية إبراهيم، وعلى التقديرين لا يتسنى نظم إلياس المراد به الذي هو قبل نوح على ما سمعت في عداد الذرية، ويرد على القول بالاتحاد مطلقاً أنه خلاف الظاهر فلا تغفل. وقرأ عكرمة والحسن بخلاف عنهما والأعرج وأبو رجاء وابن عامر وابن محيصن {وإن الياس} بوصل الهمزة فاحتمل أن يكون قد وصل همزة القطع واحتمل أن يكون اسمه ياسا ودخلت عليه أل كما قيل في اليسع، وفي حرف أبـي ومصحفه و {إن إيليس} بهمزة مكسورة بعدها ياء أيضاً ساكنة آخر الحروف بعدها لام مكسورة بعدها ياء أيضاً ساكنة وسين مهملة مفتوحة.

ابن عاشور

تفسير : أتبع الكلام على رسل ثلاثة أصحاب الشرائع: نوح وإبراهيم وموسى بالخبر عن ثلاثة أنبياء وما لقوه من قومهم وذلك كله شواهد لتسلية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وقوارع من الموعظة لكفار قريش. وابتدىءَ ذكر هؤلاء الثلاثة بجملة {وإنَّ إلياسَ لَمِنَ المُرسلينَ} لأنهم سواء في مرتبة الدعوة إلى دين الله، وفي أنهم لا شرائع لهم. وتأكيد إرسالهم بحرف التأكيد للاهتمام بالخبر لأنه قد يغفل عنه إذ لم تكن لهؤلاء الثلاثة شريعة خاصة. و {إلياس} هو (إيلياء) من أنبياء بني إسرائيل التابعين لشريعة التوراة، وأطلق عليه وصف الرسول لأنه أمر من جانب الله تعالى بتبليغ ملوك إسرائيل أن الله غضب عليهم من أجل عبادة الأصنام، فإطلاق وصف الرسول عليه مثل إطلاقه على الرسل إلى أهل أنطاكية المذكورين في سورة يس. و {إذ} ظرف متعلق بــــ {المرسلين}، أي أنه من حين ذلك القول كان مبلغاً رسالة عن الله تعالى إلى قومه. وقد تقدم ذكر إلياس في سورة الأنعام، والمراد بقومه: بنو إسرائيل وكانوا قد عبدوا بَعْلاً معبودَ الكنعانيين بسبب مصاهرة بعض ملوك يهوذا للكنعانيين ولذلك قام إلياس داعياً قومه إلى نبذ عبادة بَعْل الصنم وإفرادِ الله بالعبادة. وقوله: {ألاَ} كلمتان: همزة الاستفهام للإِنكار، و{لا} النافية، إنكار لعدم تقواهم، وحذف مفعول {تتَّقُونَ} لدلالة ما بعده عليه. و (بَعْل) اسم صنم الكنعانيين وهو أعظم أصنامهم لأن كلمة بعل في لغتهم تدل على معنى الذكورة. ثم دلت على معنى السيادة فلفظ البعل يطلق على الذكر، وهو عندهم رمز على الشمس ويقابله كلمة (تانيت) بمثنّاتين، أي الأنثى وكانت لهم صنمة تسمى عند الفينيقيين بقرطاجنة (تانيت) وهي عندهم رمز القمر وعند فينيقيي أرض فينيقية الوطن الأصلي للكنعانيين تسمى هذه الصَّنَمَة (العشتاروث). وقد أطلق على بعل في زمن موسى عليه السلام اسم «مُولك» أيضاً، وقد مثلوه بصورة إنسان له رأس عجل وله قرنان وعليه إكليل وهو جالس على كرسي مادّاً يديه كمن يتناول شيئاً وكانت صورته من نحاس وداخلها مجوف وقد وضعوها على قاعدة من بناء كالتنور فكانوا يوقدون النار في ذلك التنور حتى يحمى النحاس ويأتون بالقرابين فيضعونها على ذراعيه فتحترق بالحرارة فيحسبون لجهلهم الصنم تقبلها وأَكَلَها من يديه، وكانوا يقربون له أطفالاً من أطفال ملوكهم وعظماء ملتهم، وقد عبده بنو إسرائيل غير مرة تبعاً للكنعانيين، والعمونيين، والمؤوبيين وكان لبَعل من السدنة في بلاد السامرة، أو مدينة صرفة أربعُمائة وخمسون سادناً. وتوجد صورة بعل في دار الآثار بقصر اللُّوفر في باريس منقوشة على وجه حجارة صوروه بصورة إنسان على رأسه خوذة بها قرنان وبيده مقرعة. ولعلها صورته عند بعض الأمم التي عبدته ولا توجد له صورة في آثار قرطاجنة الفينيقية بتونس. وجيء في قوله: {وتَذرونَ أحسن الخالقِينَ} بذكر صفة الله دون اسمه العَلَم تعريضاً بتسفيه عقول الذين عبدوا بَعلاً بأنهم تركوا عبادة الرب المتصف بأحسن الصفات وأكملها وعبدوا صنماً ذاته وخش فكأنه قال: أتَدْعون صنماً بشعاً جمع عنصري الضعف وهما المخلوقية وقبح الصورة وتتركون من له صفة الخالقية والصفات الحسنى. وقرأ الجمهور {إليَاسَ} بهمزة قطع في أوله على اعتبار الألف واللام من جملة الاسم العلم فلم يحذفوا الهمزة إذا وصلوا {إنَّ} بها. وقرأه ابن عامر بهمزة وصل فحذفها في الوصل مع {إنَّ} على اعتبار الألف واللام حرفا لِلَمح الأصل. وأن أصل الاسم ياس مراعاة لقوله: {سَلامٌ على آلْ يَاسِينَ}. وللعرب في النطق بالأسماء الأعجمية تصرفات كثيرة لأنه ليس من لغتهم فهم يتصرفون في النطق به على ما يناسب أبنيَة كلامهم. وجملة {الله ربُّكُم وربُّ ءَابآئِكُمُ الأوَّلينَ} قرأ الأكثر برفع اسم الجلالة وما عطف عليه فهو مبتدأ والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً والخبر مستعمل في التنبيه على الخطأ بأن عبدوا {بعلاً}. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ويعقوب وخلف بنصب اسم الجلالة على عطف البيان لــــ {أحْسنَ الخالِقِينَ}، والمقصود من البيان زيادة التصريح لأن المقام مقام إيضاح لأصل الديانة، وعلى كلتا القراءتين فالكلام مسوق لتذكيرهم بأن من أصول دينهم أنهم لا ربّ لهم إلا الله، وهذا أول أصول الدين فإنه ربّ آبائهم فإن آباءهم لم يعبدوا غير الله من عهد إبراهيم عليه السلام وهو الأب الأول من حيث تميزت أمتهم عن غيرهم، أو هو يعقوب قال تعالى: {أية : ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنيّ إن اللَّه اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}تفسير : [البقرة: 132]، واحتراز بــــ {الأوَّلِينَ} عن آبائهم الذين كانوا في زمان ملوكهم بعد سليمان. وجمع هذا الخبر تحريضاً على إبطال عبادة «بعل» لأن في الطبع محبة الاقتداء بالسلف في الخير. وقد جمع إلياس من معه من أتباعه وجعل مكيدة لسدنة (بعل) فقتلهم عن آخرهم انتصاراً للدّين وانتقاماً لمن قتلتهم (إيزابل) زوجة (آخاب). وفي «مفاتيح الغيب»: «كان الملقب بالرشيد الكاتب يقول لو قيل: أتدعُون بعلاً وتدَعون أحسن الخالقين، أوْهَم أنه أحسن»، أي أوهم كلام الرشيد أنه لو كانت كلمة (تدعون) عوضاً عن {تذرون}. وأجاب الفخر بأن فصاحة القرآن ليست لأجل رعاية هذه التكاليف بل لأجْل قوة المعاني وجزالة الألفاظ ا هــــ. وهو جواب غير مقنع إذ لا سبيل إلى إنكار حسن موقع المحسنات البديعية بعد استكمال مقتضيات البلاغة. قال السّكّاكي: «وأصل الحسن في جميع ذلك (أي ما ذكر من المحسنات البديعية) أن تكون الألفاظُ توابع للمعاني لا أن تكون المعاني لها توابع، أعني أن لا تكون متكلفة». فإذا سلمنا أن (تذرون) و (تدعون) مترادفان لم يكن سبيل إلى إبطال أن إيثار (تدعون) أنسب. فالوجه إما أن يجاب بما قاله سعد الله محشي البيضاوي بأن الجناس من المحسنات فإنما يناسب كلاماً صادراً في مقام الرضى لا في مقام الغضب والتهويل. يعني أن كلام إلياس المحكيَّ هنا محكي عن مقام الغضب والتهويل فلا تناسبه اللطائف اللفظية (يعني بالنظر إلى حال المخاطَبين به لأن كلامه محكي في العربية بما يناسب مصدره في لغة قائله وذلك من دقائق الترجمة)، وهو جواب دقيق، وإن كابر فيه الخفاجي بكلام لا يليق، وإن تأمّلتَه جزمت باختلاله. وقد أجيب بما يقتضي منع الترادف بين فعلي {تذرون} و «تدعون» بأن فعل (يدع) أخص: إما لأنه يدل على ترك شيء مع الاعتناء بعدم تركه كما قال سعد الله، وإما لأن فعل يدع يدل على ترك شيء قبل العلم، وفعل (يذر) يدل على ترك شيء بعد العلم به كما حكاه سعد الله عن بعض الأيمة عازياً إياه للفخر. وعندي: أن منع الترادف هو الوجه لكن لا كما قال سعد الله ولا كما نُقل عن الفخر بل لأن فعل (يدع) قليل الاستعمال في كلام العرب ولذلك لم يقع في القرآن إلا في قراءة شاذّة لا سند لها خلافاً لفعل (يذر). ولا شك أن سبب ذلك أن فعل (يذر) يدل على ترك مع إعراض عن المتروك بخلاف (يدع) فإنه يقتضي تركاً مؤقتاً وأشار إلى الفرق بينهما كلام الراغب فيهما. وهنالك عدة أجوبة أخرى، هي بالإِعراض عنها أَحْرى. ومعنى {فكذَّبُوهُ} أنهم لم يطيعوه تملّقاً لملوكهم الذين أجابوا رغبة نسائهم المشركات لإِقامة هياكل للأصنام فإن (إيزابل) ابنة ملك الصيدونيين زوجة (أخاب) ملك إسرائيل لما بلغها ما صنع إلياس بسدنة بَعْل ثَأراً لمن قتلته (إيزابل) من صالحي إسرائيل أرسلت إلى إلياس تتوعده بالقتل فخرج إلى موضع اسمه (بئر سبع) ثم ساح في الأرض وسأل الله أن يقبضه إليه فأمره بأن يعهد إلى صاحبه (اليسع) بالنبوءة مِن بعده، ثم قبضه الله إليه فلم يعرفَ أحد مكانه. وفي كتاب «إيلياء» من كتب اليهود أن الله رفعه إلى السماء في مركبة يجرها فرسان، وأن (اليسع) شاهده صاعداً فيها ولذلك كان بعض السلف يقول: إن إلياس هو إدريس الذي قال الله فيه: {أية : إنه كان صديقاً نبياً ورفعناه مكاناً عليّاً}تفسير : [مريم: 56 - 57]، وقيل كان عبد الله بن مسعود يقرأ: {إن إدريس لمن المرسلين}عوض {وإنَّ إلياس} ويقرأ (سلام على إدراسين) على أنه لغة في إدريس. ولا يقتضي ما في كتب اليهود من رفعه أن يكون هو إدريس لأن الرفع إذا صحّ قد يتكرر وقد رفع عيسى عليه السلام. ومعنى {فإنَّهمُ لمُحضرونَ} أن الله يُحضرهم للعقاب، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين}تفسير : في هذه السورة [الصافات: 57]. واستثني من ذلك عبادُ الله المخلَصون وهم الذين اتبعوا إلياس وأعانوه على قتل سدنة (بعل). وتقدم القول فيه عند قوله تعالى:{ أية : إلاَّ عِبَادَ الله المُخلصين}تفسير : فيما سبق من هذه السورة [74]. وكذلك قوله: {وتركنا عليهِ في الآخرينَ سلامٌ على آل ياسينَ} إلى آخر الآية تقدم نظيره. وقوله: {آلْ ياسينَ} قيل أريد به إلياس خاصة وعبر عنه بــــ {ياسين} لأنه يُدعَى به. قال في «الكشاف»: ولعل لزيادة الألف والنون في لغتهم معنى ويكون ذكر {آل} إقحاماً كقوله: {أية : أدخلوا آل فرعون أشد العذاب}تفسير : [غافر: 46] على أحد التفسيرين فيه، وفي قوله: {أية : فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة}تفسير : [النساء: 54]. وقيل: إن ياسين هو أبو إلياس. فالمراد: سلام على إلياس وذويه من آل أبيه. وقرأ نافع وابن عامر {ءال يَاسِينَ} بهمزة بعدهَا ألف على أنهما كلمتان {آل} و (ياسين). وقرأه الباقون بهمزة مكسورة دون ألف بعدها وبإسكان اللام على أنها كلمة واحدة هي اسم إلياس وهي مرسومة في المصاحف كلها على قطعتين {آل ياسينَ} ولا منافاة بينها وبين القراءتين لأن آل قد ترسم مفصولة عن مدخولها. والأظهر أن المراد بــــ{آلْ ياسينَ} أنصاره الذين اتّبعوه وأعانوه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : آل محمد كلّ تَقي»تفسير : . وهؤلاء هم أهل (جبل الكرمل) الذين استنجدهم إلياس على سدنة بعل فأطاعوه وأنجدوه وذبحوا سدنة بعل كما هو موصوف بإسهاب في الإِصحاح الثامن عشر من سفر الملوك الأول. فيكون المعنى: سلام على ياسين وآله، لأنه إذا حصلت لهم الكرامة لأنهم آلُهُ فهو بالكرامة أولى. وفي قصة إلياس إنباء بأن الرسول عليه أداء الرسالة ولا يلزم من ذلك أن يشاهد عقاب المكذِّبين ولا هلاكَهم للرد على المشركين الذين قالوا: {أية : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين}تفسير : [يونس: 48] قال تعالى: {أية : قل ربِّ إمَّا تُرينِّي ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون}تفسير : [المؤمنون: 93 - 95]، وقال تعالى: {أية : فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون}تفسير : [غافر: 77] وفي الآية الأخرى {أية : وإلينا يرجعون}تفسير : [مريم: 40].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 123- وإن إلياس لَمنَ الذين أرسلناهم لهداية أقوامهم. 124- إذ قال إلياس لقومه - وكانوا يعبدون صنماً لهم -: أتستمرون على غيِّكم، فلا تخافون الله باتقاء عذابه؟. 125- أتعبدون الصنم المسمى بَعْلاً، وتتركون عبادة الله الذى خلق العالم فأحسن خلقه؟. 126- الله خلقكم وحفظكم أنتم وآباءكم الأولين، فهو الحقيق بالعبادة. 127- فكذَّبوه، فجزاؤهم أن يُحضروا إلى النار يوم القيامة. 128- إلا عباد الله الذين أخلصوا فى إيمانهم، فهؤلاء هم الفائزون. 129- وجعلنا له ذكراً حسناً على ألسنة من جاءوا من بعده. 130- سلام على إل ياسين، أو عليه وعلى آله بتغليبه عليهم. 131- إن مثل الجزاء الذى جازينا به آل ياسين نجزى كل محسن على إحسانه. 132- إن إلياس من عبادنا المؤمنين.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وإن إلياس لمن المرسلين: إلياس هو أحد أنبياء بني إسرائيل من سبط هارون أرسله الله تعالى إلى أهل مدينة بعلبك بالشام. أتدعون بعلا: أي صنما يسمى بعلا. وتذرون أحسن الخالقين: أي وتتركون عبادة الله أحسن الخالقين. فإنهم لمحضرون: أي في النار. إلا عباد الله المخلصين: أي فإنهم نجوا من النار. وتركنا عليه في الآخرين: أي أبقينا عليه في الآخرين ذكرا حسنا. سلام على إل ياسين: أي سلام منا على إلياس. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر إنعام الله تعالى على بعض أنبيائه ورسله فقال تعالى {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} وهو من سبط هارون عليه السلام أحد أنبياء بني إسرائيل أخبر تعالى أنه من المرسلين أي اذكر إذ قال لقومه وهم أهل مدينة بعلبك وما حولها {أَلاَ تَتَّقُونَ} أي الله تعالى بعبادته وترك عبادة غيره، وهذا دليل على أنه رسول. وقوله عليه السلام {أَتَدْعُونَ بَعْلاً} هذا إنكار منه لهم على عبادة صنم كبير لهم يسمونه بعلا، أي كيف تعبدون صنما بدعائه والعكوف عليه والذبح والنذر له، وتتركون عبادة الله أحسن الخالقين، الله ربكم ورب آبائكم الأولين. قال تعالى {فَكَذَّبُوهُ} أي في أنه لا إله إلا الله {أية : وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ} تفسير : [التوبة: 125] فاحضروا في جهنم فهم من المحضرين فيها، وقوله تعالى {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} أي الموحدين فإنهم ليسوا في النار بل هم في الجنة. وقوله تعالى {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ} أي وأبقينا له ذكراً حسنا في الذين جاءوا من بعده من الناس. وقوله تعالى {سَلاَمٌ} أي منّا {عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ} {إِنَّا كَذَلِكَ} أي كما جزينا إلياس لإِحسانه في طاعتنا {نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} وقوله {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي استحق تكريمنا والجزاء الحسن لأنه من عبادنا المؤمنين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير التوحيد، والتنديد بالشرك. 2- هلاك المشركين ونجاة الموحدين يوم القيامة. 3- فضل الإِحسان ومجازاة أهله بحسن الجزاء. 4- فضل الإِيمان وأنه سبب كل خير وكمال.

د. أسعد حومد

تفسير : (123) - يُقَالُ إِنَّ إِلْيَاسَ هُوَ إِدْرِيسُ، وَهُوَ نَبِيٌّ بَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ أَنْ عَبَدُوا الصَّنَمَ (بَعْلاً)، فَدَعَاهُمْ نَبِيُّهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ.

الثعلبي

تفسير : {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}، أخبرنا أبو محمد بن أبي القاسم بن المؤهل قال: حدّثنا أبو العباس الأصم قال: حدّثنا بكار بن قتيبة قال: حدّثنا أبو داود الطيالسي قال: حدّثنا قيس بن أبي إسحاق عن عبيدة بن ربيعة عن ابن مسعود قال: إلياس هو إدريس، وإسرائيل هو يعقوب، وإلى هذا ذهب عكرمة، وقال: هو في مصحف عبد الله: {وإن إدريس لمن المرسلين} وتفرّد عبد الله وعكرمة بهذا القول. وقال الآخرون: هو نبي من أنبياء بني إسرائيل. قال ابن عباس: وهو ابن عمّ اليسع، وقال ابن إسحاق: هو إلياس بن ياسين بن العيزار بن هارون بن عمران، وقال أيضاً محمد بن إسحاق ابن ياسر والعلماء من أصحاب الأخبار: لمّا قبض الله سبحانه حزقيل النبي عظمت الأحداث في بني إسرائيل، وظهر فيهم الفساد والشرك، ونسوا عهد الله، ونصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله، فبعث الله إليهم إلياس (عليه السلام): نبياً وإنما دانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام يبعثون إليهم تجديد ما نسوا من التوراة، وبنو إسرائيل يؤمئذ متفرّقون في أرض الشام وفيهم ملوك كثيرة وكان سبب ذلك أنّ يوشع بن نون لما فتح أرض الشام بعد موسى وملكها بوّأها بني إسرائيل وقسّمها بينهم، فأحلّ سبطاً منهم بعلبك ونواحيها، وهم سبط إلياس الذي كان منهم إلياس فبعثه الله إليهم نبيّاً، وعليهم يؤمئذ ملك يقال له: [أجب] قد ضلّ أضل قومه، وأجبرهم على عبادة الأصنام، وكان يعبد هو وقومه صنماً يقال له: بعل، وكان طوله عشرين ذراعاً، وكانت له أربعة وجوه. قال: فجعل إلياس يدعوهم إلى الله سبحانه، وهم في كلّ ذلك لا يسمعون منه شيئاً إلاّ ما كان من أمر الملك الذي كان ببعلبك، فإنه آمن به وصدّقة وكان إلياس يقوم أمره ويسدده ويرشده وكان لأجب الملك هذا امرأة يُقال لها أزبيل، وكان يستخلفها على رعيته إذا غاب عنهم في غزاة أو غيرها، فكانت تبرز للناس كما يبرز زوجها وتركب كما يركب، وتجلس في مجلس القضاء فتقضي بين الناس، وكانت قتّالة للأنبياء. قال: وكان لها كاتب رجل مؤمن حكيم يكتمها إيمانه، وكان كاتبها قد خلّص من يدها ثلاثمئة نبي كانت تريد قتل كل واحد منهم إذا بعث سوى الذين قبلهم ممن يكثر عددهم، وكانت في نفسها غير محصنة، ولم يكن على وجه الأرض أفحش منها، وهي مع ذلك قد تزوجت سبعة ملوك من بني إسرائيل وقتلتهم كلّهم بالاغتيال، وكانت معمّرة حتى يُقال: إنها ولدت سبعين ولداً. قال: وكان لأجب هذا جار من بني إسرائيل، رجل صالح يُقال له (مزدكي) وكانت له جنينة يعيش منها ويقبل على عمارتها ويزينها، وكانت الجنينة إلى جانب قصر الملك وامرأته، وكانا يشرفان على تلك الجنينة يتنزهان فيها ويأكلان ويشربان ويقيلان فيها، وكان أجب الملك مع ذلك يحسن جوار صاحبها مزدكي ويحسن إليه، وامرأته أزبيل تحسده على ذلك لأجل تلك الجنينة، وتحتال في أن تغصبها إياه لما تسمع الناس يكثرون ذكر الجنينة ويتعجبون من حسنها، ويقولون: ما أحرى أن تكون هذه الجنينة لأهل هذا القصر ويتعجبون من الملك وامرأته كيف لم يغصباها صاحبها. فلم تزل امرأة الملك تحتال على العبد الصالح مزدكي في أن تقتله وتأخذ جنينته والملك ينهاها عن ذلك فلا تجد عليه سبيلاً. ثم إنه اتفق خروج الملك إلى سفر بعيد، وطالت غيبته، فاغتنمت امرأته أزبيل ذلك للحيلة على مزدكي، وهو غافل عمّا تريد به، مقبل على عبادة ربه وإصلاح معيشته، فجمعت أزبيل جمعاً من الناس وأمرتهم أن يشهدوا على مزدكي أنه سبّ زوجها أجب فأجابوها إلى ملتمسها من الشهادة عليه. وكان من حكمهم في ذلك الزمان على من سبّ الملك القتل إذا قامت عليه البيّنة بذلك فأحضرت مزدكي، وقالت له: بلغني أنّك شتمت الملك وعبته. فأنكر مزدكي ذلك، فقالت المرأة: إنّ عليك شهوداً، وأحضرت الشهود فشهدوا بحضرة الناس عليه بالزور، فأمرت بقتل مزدكي فقتل وأخذت جنينته غصباً فغضب الله عليهم بقتل العبد الصالح. فلما قدم الملك من سفره أخبرته الخبر، فقال لها: ما أصبت ولا وفقتِ ولا أرانا نفلح بعده أبداً، وإنا كنّا عن جنينته لأغنياء، قد كنّا نتنزه فيها، وقد جاورنا وتحرّم بنا مذ زمان طويل، فأحسنا جواره وكففنا عنه الأذى، لوجوب حقه علينا، فختمت أمره بأسوأ الجوار، وما حملكِ على اجترائكِ عليه إلاّ سفهك وسوء رأيك وقلّة تفكرك في العواقب. فقالت: إنما غضبت لك وحكمت بحكمك. فقال لها: أوما يسعه حلمك ويحدوك عظيم خطرك على العفو عن رجل واحد فتحفظين له جواره؟ قالت: قد كان ما كان. فبعث الله تعالى إلياس (عليه السلام) إلى أُجب الملك وقومه وأمره أن يخبرهم أنّ الله سبحانه قد غضب لوليّه حين قتلوه بين أظهرهم ظلماً، وآلى على نفسه أنهما إن لم يتوبا عن صنعهما ولم يردّا الجنينة على ورثة مزدكي أن يهلكهما يعني أجب وامرأته في جوف الجنينة أشرّ ما يكونان بسفك دميهما ثم يدعهما جيفتين ملقاتين فيها حتى تتعرى عظامهما من لحومهما ولا يمتّعان بها إلاّ قليلاً. قال: فجاء إلياس وأخبره بما أوحى الله تعالى إليه في أمره وأمر امرأته والجنينة، فلما سمع الملك ذلك اشتد غضبه عليه ثم قال له: يا إلياس والله ما أرى ما تدعو إليه إلاّ باطلاً، والله ما أرى فلاناً وفلاناً، سمى ملوكاً منهم قد عبدوا الأوثان - إلاّ على مثل ما نحن عليه يأكلون ويشربون ويتنعّمون مملكين ما ينقص من دنياهم ولا من أمرهم الذي تزعم أنه باطل، وما نرى لكم علينا [ولا] عليهم من فضل. قال: وهمّ الملك بتعذيب إلياس وقتله، فلما سمع إلياس ذلك وأحسّ بالشر، رفضه وخرج عنه، فلحق بشواهق الجبال، وعاد الملك إلى عبادة بعل. فارتقى إلياس أصعب جبل وأشمخه، فدخل مغارة فيه، فيقال: إنه قد بقي فيه سبع سنين شريداً طريداً خائفاً يأوي إلى الشعاب والكهوف يأكل من نبات الأرض وثمار الشجر، وهم في طلبه قد وضعوا عليه العيون، يتوقعون أخباره ويجتهدون في أخذه، والله سبحانه وتعالى يستره ويدفع عنه. فلما تمّ له سبع سنين أذن الله تعالى في إظهاره عليهم وشفاء غيظه منهم، فأمرض الله سبحانه ابناً لأجب وكان أحبّ ولدِه إليه، وأعزهم عليه، وأشبههم به فأدنف حتى يئس منه، فدعا صنمه بعلاً وكانوا قد فتنوا ببعل وعظموه، حتى جعلوا له أربعمئة سادن فوكلوهم به وجعلوهم أُمناءه، فكان الشيطان يدخل في جوف الصّنم فيتكلّم بأنواع الكلام، وأربعمئة يصغون بآذانهم إلى ما يقول الشيطان، ويوسوس إليهم الشيطان بشريعة من الضلال فيكتبونها للناس فيعملون بها، ويسمونهم الأنبياء. فلما اشتدّ مرض ابن الملك طلب إليهم الملك أن يتشفعوه إلى بعل ويطلبوا لابنه من قِبَلِهِ الشفاء والعافية فدعوه فلم يجبهم، ومنع الله بقدرته الشيطان عن صنمهم فلم يمكنه الولوج في جوفه ولا الكلام،وهم مجتهدون في التضرع إليه وهو لا يزداد إلاّ خمودا. فلما طال عليهم ذلك قالوا لأجب: إنّ في ناحية الشام آلهة أُخرى، وهي في العظم مثل إلهِك، فابعث إليها الأنبياء ليشفعوا لك إليها، فلعلّها أن تشفع لك إلى إلهك بعل، فإنه غضبان عليك، ولولا غضبه عليك لكان قد أجابك وشفى لك ابنك. قال أجب: ومن أجل ماذا غضب عليّ، وأنا أطيعه وأطلب رضاه منذ كنت، لم أسخطه ساعة قط؟ قالوا: من أجل أنك لم تقتل إلياس، وفرطت فيه حتى نجا سليماً، وهو كافرٌ بإلهك، يعبد غيره، فذلك الذي أغضبه عليك. قال أُجب: وكيف لي أن أقتل إلياس يومي هذا، وأنا مشغول عن طلبه بوجع ابني؟ فليس لإلياس مطلب، ولا يعرف له موضع فيقصد، فلو عوفي ابني تفرّغت لطلبه، ولم يكن لي همّ ولا شغل غيره حتى آخذه فاقتله، فأُريح إلهي منه وأُرضيه. قال: ثم إنه بعث أنبياءه الأربعمئة ليشفعوا إلى الآلهة. التي بالشام، ويسألوها أن تشفع إلى صنم الملك ليشفي ابنه. فانطلقوا حتى إذا كانوا بحيال الجبل الذي فيه إلياس، أوحى الله سبحانه إلى إلياس أن يهبط من الجبل ويعارضهم ويستوقفهم ويكلمهم، وقال له: "لا تخف فإني سأصرف عنك شرّهم، وأُلقي الرّعب في قلوبهم" فنزل إلياس من الجبل، فلما لقيهم استوقفهم، فلما وقفوا، قال لهم: "إنّ الله سبحانه أرسلني إليكم وإلى مَن وراءكم، فاسمعوا أيُّها القوم رسالة ربكم لتبلغوا صاحبكم، فارجعوا إليه وقولوا له: إنّ الله يقول لك: ألست تعلم يا أجب أنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا إله بني إسرائيل الذي خلقهم ورزقهم وأحياهم وأماتهم، أفجهلك وقلة علمك حملك على أن تشرك بي، وتطلب الشفاء لابنك من غيري ممن لا يملكون لأنفسهم شيئاً إلاّ ماشئت؟ إنّي حلفت باسمي لأغيظنّك في ابنك ولأُميتنه في فوره هذا حتى تعلم أنّ أحداً لا يملك له شيئاً دوني". فلما قال لهم هذا رجعوا، وقد مُلئوا منه رعباً، فلما صاروا إلى الملك قالوا له ذلك وأخبروه بأن إلياس انحط عليهم وهو رجل نحيف طويل، قد قشف وقحل وتمعط شعره وتقشر جلده، عليه جبّة من شعر وعباءة قد خللها على صدره بخلال، فاستوقفنا، فلما صار معنا قذفت له في قلوبنا الهيبة والرعب، وانقطعت ألسنتنا، ونحن في هذا العدد الكبير وهو واحد، فلم نقدر على أن نكلّمه ونراجعه ونملأ أعيننا منه، حتى رجعنا إليك، وقصّوا عليه كلام إلياس، فقال أجب: لا ينتفع بالحياة ما كان إلياس حيّاً، ما الذي منعكم أن تبطشوا به حين لقيتموه وتوثقوه وتأتوني به، وأنتم تعلمون أنه طلبي وعدوّي؟ فقالوا: قد أخبرناك ما الذي منعنا منه ومن كلامه والبطش به. قال أجب: ما يُطاق إذن إلياس إلاّ بالمكر والخديعة. فقيّض له خمسين رجلاً من قومه من ذوي القوة والبأس، وعهد إليهم عهده وأمرهم بالاحتيال عليه والاعتناء به، وأن يطمعوه في أنهم قد آمنوا به هم ومن وراءهم ليستنيم إليهم ويغترّ بهم فيمكنهم من نفسه، فيأتوا به ملكهم. فانطلقوا حتى ارتقوا ذلك الجبل الذي فيه إلياس (عليه السلام)، ثم تفرّقوا فيه وهم ينادونه بأعلى أصواتهم، ويقولون: يا نبي الله ابرز لنا وأشرف بنفسك فإنا قد آمنا بك وصدقناك، وملكنا أُجب وجميع قومنا، وأنت آمن على نفسك، وجميع بني إسرائيل يقرؤون عليك السلام ويقولون: قد بلّغتنا رسالة ربك وعرفنا ما قلت وآمنا بك، وأجبناك إلى ما دعوتنا فهلّم إلينا، فأنت نبينا ورسول ربنا، فأقم بين أظهرنا واحكم فينا، فإنا ننقاد لما أمرتنا وننتهي عما نهيتنا، وليس يسعك أن تتخلف عنا مع إيماننا وطاعتنا، فتداركنا وارجع إلينا، وكلّ هذا كان منهم مماكرة وخديعة. فلما سمع إلياس مقالتهم وقعت بقلبه، وطمع في إيمانهم وخاف الله، وأشفق من سخطه إن هو لم يظهر ولم يجبهم بعد الذي سمع منهم، فلمّا أجمع على أن يبرز لهم، رجع إلى نفسه فقال: "لو أنّي دعوت الله سبحانه وتعالى وسألته أن يعلمني ما في أنفسهم ويطلعني على حقيقة أمرهم"، وذلك أنّ الله سبحانه وفقه وألهمه التوقّف والدعاء والتحرز، فقال: "اللهم إن كانوا صادقين فيما يقولون فائذن لي في البروز إليهم، وإن كانوا كاذبين فاكفنيهم وارمهم بنار تحرقهم". فما استتمّ قوله حتى حصبوا بالنار من فوقهم أجمعين. قال: وبلغ أجب وقومه الخبر فلم يرتدع من همه بالسوء، واحتال ثانياً في أمر إلياس، وقيّض فئة أُخرى مثل عدد أُولئك، أقوى منهم وأمكن من الحيلة والرأي فأقبلوا حتى توغلوا [في] تلك الجبال. متفرقين، وجعلوا ينادون: يا نبي الله إنا نعوذ بالله وبك من غضب الله وسطواته، إنا لسنا كالذين أتوك قبلنا، إنّ أولئك فرقة نافقوا وخالفوا، فصاروا إليك ليكيدوا بك من غير رأينا ولا علمنا، وذلك أنهم حسدونا وحسدوك وخرجوا إليك سراً، ولو علمنا بهم لقتلناهم ولكفيناك مؤونتهم، والآن فقد كفاك ربك أمرهم وأهلكهم بسوء نياتهم وانتقم دونك منهم. فلما سمع إلياس مقالتهم دعا الله بدعوته الأُولى، فأمطر عليهم النار فاحترقوا عن آخرهم. وفي كل ذلك ابن الملك في البلاء الشديد من وجعه كما وعده الله سبحانه وتعالى على لسان نبيّه إلياس، لا يُقضى عليه فيموت ولا يُخفف عنه من عذابه، فلما سمع الملك بهلاك أصحابه ثانياً إزداد غضباً إلى غضب، وأراد أن يخرج في طلب إلياس بنفسه إلاّ أنه شغله عن ذلك مرض ابنه، فلم يمكنه، فوجه نحو إلياس الكاتب المؤمن الذي هو كاتب امرأته، رجاء أن يأنس به إلياس، فينزل معه وأظهر للكاتب أنه لا يريد بإلياس سوءاً، وإنما أظهر له ذلك لما اطّلع عليه من إيمانه، وأنّ الملك مع اطلاعه على إيمانه كان مغضياً عنه فيه؛ لما هو عليه من الأمانة والكفاءة والحكمة وسداد الرأي والبصر بالأُمور فلما وجّهه نحوه أرسل معه فئة من أصحابه، وأوعز إليهم دون الكاتب أن يوثقوا إلياس ويأتوه به إن أراد التخلف عنهم، وإن جاء مع الكاتب واثقاً به آنساً لمكانته لم يوحشوه ولم يرّوعوه. ثم أظهر للكاتب الإنابة، وقال له: إنه قد آن لي أن أتوب واتّعظ، وقد أصابتنا بلايا من حريق أصحابنا، والبلاء الذي فيه ابني، وقد عرفت أنّ ذلك بدعوة إلياس، ولست آمن أن يدعو على جميع من بقي منا فنهلك بدعوته، فانطلق لنا إليه وأخبره أنا قد تبنا وأنبنا، وإنّه لا يصلحنا في توبتنا، وما نُريد من رضا ربنا وخلع أصنامنا إلاّ أن يكون إلياس بين أظهرنا، يأمرنا وينهانا، ويخبرنا بما يُرضي ربنا. قال: وأمر قومه فاعتزلوا الأصنام وقال له: أخبر إلياس أنّا قد خلعنا آلهتنا التي كنا نعبد وأرجأنا أمرها حتى ينزل إلياس إلينا فيكون هو الذي يحرقها ويهلكها، وكان ذلك مكراً من الملك. فانطلق الكاتب والفئة حتى علا الجبل الذي فيه إلياس، ثم ناداه، فعرف إلياس صوته، فتاقت نفسه إليه وأنس به، وكان مشتاقاً إلى لقائه. قال: وأوحى الله سبحانه وتعالى إلى إلياس أن انزل إلى أخيك الصالح، فالقه وجدد العهد به. فنزل إليه وسلم عليه وصافحه وقال له: ما الخبر؟ فقال المؤمن: إنه بعثني إليك هذا الجبار الطاغية وقومه، ثم قصّ عليه ما قالوا، ثم قال له: إني لخائف إن رجعت إليه ولست معي أن يقتلني، فمرني بما شئت أفعله وأنتهي إليه، وإن شئت انقطعت إليك فكنت معك وتركته، وإن شئت جاهدته معك، وإن شئت ترسلني إليه بما تحبّ فأبلغه رسالتك، وإن شئت دعوت ربك فجعل لنا من أمرنا فرجاً ومخرجاً. قال: فأوحى الله سبحانه إلى إلياس أنّ كلّ شيء جاءك منهم مكر وكذب ليظفروا بك، وإنّ أجب إن أخبرته رسله أنّك قد لقيت هذا الرجل ولم يأتِ بك إليه اتهمه وعرف أنه قد داهن في أمرك فلم يأمن أن يقتله فانطلق معه، فإنّ انطلاقك معه عذره وبراءته عند أجبّ، وإنّي سأشغل عنكما أجب، فأضاعف على ابنه البلاء حتى لا يكون له همّ غيره ثم أُميته على شرّ حال، فإذا مات هو فارجع عنه ولا تقم. قال: فانطلق معهم حتى قدموا على أجب فلما قدموا عليه شدّد الله الوجع على ابنه وأخذ الموت يكظمه فشغل الله بذلك أجب وأصحابه عن إلياس، ورجع إلياس سالماً إلى مكانه. فلما مات ابن أُجب، وفرغوا من أمره وقلّ جزعه، انتبه لإلياس وسأل عنه الكاتب الذي جاء به، فقال: ليس لي به علم وذلك أنه شغلني عنه موت ابنك والجزع عليه ولم أكن أحسبك إلاّ وقد استوثقت منه. فأضرب عنه أجب وتركه لما كان فيه من الجزع على ابنه. فلما طال الأمر على إلياس ملّ المكث في الجبال والمقام بها واشتاق إلى العمران والناس، نزل من الجبل وانطلق حتى نزل بامرأة من بني إسرائيل، وهي أُمّ يونس بن متّى ذي النون، فاستخفى عندها ستة أشهر ويونس بن متى يومئذ مولود يرضع، وكانت أُمّ يونس تخدمه بنفسها وتواسيه بذات يدها ولا تدّخر عنه كرامة تقدر عليها. قال: ثم إنّ إلياس سئم ضيق البيوت بعد تعوده فسحة الجبال دوحها فأحبّ اللّحوق بالجبال، فخرج وعاد إلى مكانه، فجزعت أُمّ يونس لفراقه [وأوحشها] فقده ثم لم تلبث إلاّ يسيراً حتى مات ابنها حين فطمته، فعظمت مصيبتها فيه، فخرجت في طلب إلياس فلم تزل ترقى الجبال وتطوف فيها حتى عثرت عليه ووجدته فقالت له: إني قد فجعت بعدك بموت ابني فعظمت فيه مصيبتي واشتد لفقده بلائي وليس لي ولد غيره فارحمني وادع ربك جل جلاله ليُحيي لي ابني ويجبر مصيبتي، وإني قد تركته مسجّى لم أدفنه، وقد أخفيت مكانه. فقال لها إلياس: "ليس هذا مما أُمرت به، وإنما أنا عبدٌ مأمور أعمل بما يأمرني ربي، ولم يأمرني بهذا" فجزعت المرأة وتضرعت، فأعطف الله سبحانه قلب إلياس لها، فقال لها: "ومتى مات ابنك؟" قالت: منذ سبعة أيام. فانطلق إلياس معها وسار سبعة أُخرى حتى انتهى إلى منزلها فوجد ابنها يونس بن متّي ميتاً منذ أربعة عشر يوماً، فتوضأ وصلّى ودعا فأحيا الله يونس بن متّي بدعوة إلياس. فلما عاش وجلس، وثب إلياس وانصرف وتركه وعاد إلى موضع ما كان فيه. فلما طال عصيان قومه ضاق بذلك إلياس ذرعاً وأجهده البلاء، قال: فأوحى الله سبحانه إليه بعد سبع سنين وهو خائف مجهود: "يا إلياس ما هذا الحزن والجزع الذي أنت فيه؟ ألست أميني على وحيي، وحجّتي في أرضي، وصفوتي من خلقي؟ فسلني أُعطك فإني ذو الرحمة الواسعة والفضل العظيم" قال: "تميتني فتلحقني بآبائي فإني قد مللت بني إسرائيل وملّوني، وأبغضتهم فيك وأبغضوني". فأوحى الله سبحانه إليه: "يا إلياس، ما هذا باليوم الذي أُعري منك الأرض وأهلها، وإنما قوامها وصلاحها بك وأشباهك وإن كنتم قليلاً، ولكن تسألني فأُعطيك". قال إلياس: "فإن لم تمتني يا إلهي فأعطني ثاري من بني إسرائيل". قال الله سبحانه: "وأي شيء تريد أن أُعطيك يا إلياس؟" قال: "تمكنّني من خزائن السماء سبع سنين فلا تنشأ عليهم سحابة إلاّ بدعوتي، ولا يمطر عليهم سبع سنين قطرة إلاّ بشفاعتي، فإنهم لا يذلّهم إلاّ ذلك". قال الله سبحانه وتعالى: "يا إلياس، أنا أرحم بخلقي من ذلك وإن كانوا ظالمين". قال: "فستّ سنين". قال: "أنا أرحم بخلقي من ذلك وإن كانوا ظالمين". قال: "فخمس سنين". قال: "أنا أرحم بخلقي من ذلك وإن كانوا ظالمين، ولكنّي أُعطيك ثأرك ثلاث سنين، أجعل خزائن المطر بيدك، ولا تنشأ عليهم سحابة إلاّ بدعوتك، ولا ينزل عليهم قطرة إلاّ بشفاعتك". قال إلياس: "فيأي شيء أعيش؟" قال: "أُسخرّ لك جنساً من الطير ينقل إليك طعامك وشرابك من الريف والأرض التي لم تقحط". قال إلياس: "قد رضيت". قال: فأمسك الله عنهم المطر حتى هلكت الماشية والدواب والهوام والشجر، وجهد الناس جُهداً شديداً، وإلياس على حالته مستخف من قومه يوضع له الرزق حيثما كان، وقد عرفه بذلك قومه، فكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في البيت قالوا: لقد دخل إلياس هذا المكان، فطلبوه ولقي منهم أهل ذلك المنزل شيئاً. قال ابن عباس: أصاب بني إسرائيل ثلاثَ سنين القحطُ، فمرّ إلياس بعجوز، فقال لها: هل عندك طعام؟ فقالت: نعم، شيء من دقيق وزيت قليل. قال: فدعا بهما ودعا فيه بالبركة ومسَّه حتى ملأ جرابها دقيقاً وملأ خوابيها زيتاً، فلمّا رأى بنو إسرائيل ذلك عندها قالوا: من أين لك هذا؟ قالت: مرّ بي رجل من حاله كذا وكذا فوصفته بصفته، فعرفوه وقالوا: ذلك إلياس، فطلبوه فوجدوه فهرب منهم. ثم إنه آوى ليلة إلى بيت امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب وكان به ضر، فآوته وأخفت أمره، فدعا له فعوفي من الضر الذي كان به، واتّبع اليسع إلياس فآمن به وصدّقه ولزمه، وكان يذهب به حيثما ذهب، وكان إلياس قد أسنّ وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً. ثم إن الله سبحانه أوحى إلى إلياس: "إنك قد أهلكت كثيراً من الخلق ممن لم يعصِ سوى بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر يحبس المطر من بني إسرائيل". فيزعمون والله أعلم أنّ إلياس قال: "يا ربّ دعني أكن أنا الذي أدعو لهم به، وآتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلّهم أن يرجعوا وينزعوا عمّا هم عليه من عبادة غيرك". قيل له: "نعم". فجاء إلياس إلى بني إسرائيل فقال لهم: "إنكم قد هلكتم جوعاً وجهداً، وهلكت البهائم والدواب والطير والهوام والشجر لخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، فإن كنتم تحبون أن تعلموا ذلك فاخرجوا بأصنامكم [تلك] فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون، وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم، ودعوت الله ففرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء". قالوا: أنصفت. فخرجوا بأوثانهم فدعوها فلم تستجب لهم ولم يفرّج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، ثم قالوا لإلياس (عليه السلام): يا إلياس إنا قد هلكنا فادع الله لنا. فدعا لهم إلياس ومعه اليسع بالفرج عنهم مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس على ظهر البحر، وهم ينظرون، فأقبلت نحوهم وطبقت الآفاق، ثم أرسل الله تعالى عليهم المطر وأغاثهم وحييت بلادهم. فلما كشف الله عنهم الضر نقضوا العهد، ولم ينزغوا عن كفرهم، ولم يقلعوا عن ضلالتهم، وأقاموا على حيث ما كانوا عليه، فلما رأى إلياس ذلك دعا ربه عز وجل أن يريحه منهم، فقيل له فيما يزعمون انظر يوم كذا وكذا، فاخرج فيه إلى موضع كذا، فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه. فخرج إلياس ومعه اليسع بن أحطوب، حتى إذا كان بالموضع الذي أمر، أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه إلياس، فانطلق به الفرس، فناداه اليسع: يا إلياس، ما تأمرني؟ فقذف إليه بكسائه من الجوّ الأعلى، وكان ذلك علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل، فكان ذلك آخر العهد به، ورفع الله سبحانه إلياس من بين أظهرهم، وقطّع عنه لذّة المطعم والمشرب، وكساه الرّيش، فكان إنسيّاً ملكيّاً، أرضيّاً سماويّاً، وسلّط الله تعالى على أجب الملك وقومه عدّواً لهم، فقصدهم من حيث لم يشعروا بهم حتى رهقهم، فقتل أجب ملكهم وأزبيل امرأته في بستان مزدكي، فلم تزل جيفتاهما ملقاتين في تلك الجنينة حتى بليت لحومهما ورمت عظامهما. ونبّأ الله سبحانه بفضله اليسع، وبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل وأوحى إليه وأيده بمثل ما أيدّ به عبده إلياس، فآمنت به بنو إسرائيل، فكانوا يعظّمونه وينتهون إلى أمره، وحكم الله تعالى فيهم قائم إلى أن فارقهم اليسع. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدّثنا الحسن بن عبد العزيز الجدوي عن ضمرة عن السدي بن يحيى عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: إلياس والخضر عليهما السلام يصومان شهر رمضان ببيت المقدس، ويوافيان الموسم في كلّ عام. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن ماجة قال: حدّثنا الحسن بن أيوب قال: حدّثنا عبد الله بن أبي زياد قال: حدّثنا يسار قال: حدّثنا بشر بن منصور قال: حدّثني سعيد بن أبي سعيد البصري قال: قال حدّثني العلاء البجلي عن زيد مولى عون الطفاوي عن رجل من أهل عسقلان كان يمشي بالأردن عند نصف النهار، فرأى رجلاً فقال: يا عبد الله من أنت؟ قال: فجعل لا يكلمني، قلت: يا عبد الله من أنت؟ قال: "أنا إلياس" قال: فوقعت عليَّ رعدة، فقلت: ادع الله يرفع عني ما أجد حتى أفهم حديثك وأعقل عنك. قال: فدعا لي بثماني دعوات: "يابرّ يارحيم ياحنان يامنان ياحي ياقيوم"، ودعوتين بالسريانية لم أفهمهما. قال: ورفع الله عنّي ما كنت أجدُ، فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين يدي، قال: فقلت له: يوحى إليك اليوم؟ قال: "منذ بعث الله سبحانه محمداً رسولاً فإنه ليسَ يُوحي إليّ" قال: قلت له: كم الأنبياء اليوم أحياء؟ قال: "أربعة، اثنان في الأرض، واثنان في السماء، في السماء عيسى وإدريس، وفي الأرض إلياس والخضر". قلت: كم الأبدال؟ قال: "ستون رجلاً، خمسون منهم من لدن عريش مصر إلى شاطئ الفرات، ورجل بالمصيصية ورجلان بعسقلان وسبعة في سائر البلدان، كلّما أذهب الله بواحد، جاء الله بآخر، بهم يدفع عن الناس وبهم يمطرون". قلت: فالخضر أين يكون؟ قال: "في جزائر البحر". قلت: فهل تلقاه؟ قال: "نعم". قلت: أين؟ قال: "بالموسم" قلت: فما يكون من حديثكما؟ قال: "يأخذ من شعري وآخذ من شعره". قال: وذاك حين كان بين مروان بن الحكم وبين أهل الشام القتال، فقلت: فما تقول في مروان بن الحكم؟ قال: "ما تصنع به؟ رجل جبّار عات على الله سبحانه، القاتل والمقتول والشاهد في النار". قال: قلت: فإني قد شهدت فلم أطعن برمح ولم أرمِ بسهم ولم أضرب بسيف، وأنا أستغفر الله عز وجل من ذلك المقام أن أعود إلى مثله أبداً. قال: "أحسنت، هكذا فكن". قال: فأني وإياه قاعدان، إذ وُضع بين يديه رغيفان أشد بياضاً من الثلج، أكلت أنا وهو رغيفاً وبعض آخر ثم رفع فما رأيت أحداً وضعه ولا أحداً رفعه. قال: وله ناقة ترعى في وادي الأردن، فرفع رأسه إليها فما دعاها حتى جاءت فبركت بين يديه فركبها، قلت: أُريد أن أصحبك. قال: "إنك لا تقدر على صحبتي". قلت: إني خلوّ، مالي زوجة ولا عيال. قال: "تزوج وإياك والنساء الأربع: إياك والناشز والمختلعة والملاعنة والمبارية، وتزوّج ما بدا لك من النساء". قال: قلت: إني أُحبّ لقاءك. قال: "إذا رأيتني فقد لقيتني"، ثم قال: "إني أُريد أن أعتكف في بيت المقدس في شهر الله المبارك رمضان". قال: ثم حالت بيني وبينه شجرة، فوالله ما أدري كيف ذهب، فذلك قوله عز وجل: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ} أتعبدون {بَعْلاً}؟ وهو اسم صنم لهم كانوا يعبدونها، ولذلك سمّيت مدينتهم بعلبك، وقال مجاهد وعكرمة والسدّي: البعل الرب بلغة أهل اليمن، وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال ابن عباس: وسألت أعرابياً يقول: لآخر: من بعل هذه الناقة؟ يعني صاحبها. قال الفراء: هي بلغة هذيل. {وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ}، فلا تعبدونه: {ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ}، قرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب بنصب الهاء والبائين على البدل، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم ورواية حفص عن عاصم، وقرأ الآخرون برفعها على الاستئناف. {فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} في العذاب والنار {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} من قومه فإنهم [ناجون من النار] {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ} قرأ ابن محيص وشيبة {سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ} موصولاً. وقرأ ابن عامر ونافع ويعقوب (آل ياسين) بالمدّ. الباقون: {إِلْ يَاسِينَ} بالقطع والقصر، فمن قرأ آل ياسين بالمد، فإنه أراد آل محمد عن بعضهم، وقيل: أراد إلياس، وهو أليق بسياق الآية، ومن قرأ إل ياسين فقد قيل: إنها لغة في إلياس مثل إسماعيل وإسماعين وميكائيل وميكائين، وقال الفراء: وهو جمع، أراد إلياس وأتباعه من المؤمنين كقولهم: الأشعرون والمكيون وقال الكسائي: العرب تثني وتجمع الواحد كقول الشاعر: شعر : قدني من نصر الخبيبين قدي تفسير : وإنما هو أبو خبيب عبد الله بن الزبير. وقال الآخر: شعر : جزاني الزهدمان جزاء سوء تفسير : وإنما هو زهدم، وفي حرف عبد الله (وإن إدريس لمن المرسلين، وسلامٌ على ادراسين). {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ}، أي على آثارهم ومنازلهم، {مُّصْبِحِينَ}: وقت الصباح، {وَبِٱلْلَّيْلِ} أيضاً تمرّون، وها هنا تمّ الكلام، ثم قال {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}، فتعتبروا؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كلمة (إلياس) تُكتب هكذا بالسين، والبعض لا يكتبون السين، إنما يكتبون اسمها فيقولون (إلياسين) فهما عَلَم على هذا النبي الكريم نقول: إلياس أو إلياسين اسم لمسمى واحد، وهو غير اليَسَعَ عليهم جميعاً السلام. وهذه الآيات توضح أن سيدنا إلياس جاء بقضية عقدية، لا بمنهج تكليفي، جاء ليُصحح القمة العقدية في الإيمان بواجب الوجود الإله الواحد الذي يجب أنْ يُدْعى وحده، وموكب الرسالات من لَدُنْ آدم عليه السلام إنما جاء ليصحح صِلَة المخلوق بالخالق. لذلك أثبت له أنه الخالق الرازق، وأنه العليم القادر الحكيم العزيز .. الخ، فهو الذي خلقك وأنعم عليك، لتتلقى أوامره برضاً، وتُقبل عليها باطمئنان، وإنْ لم تكُنْ عبادتك له جزاء ما قدَّم لك من النعم التي هيَِّأها لك قبل أن توجد، فلا تكُنْ عبادتك له خوفاً من عقابه حين تعود إليه. معنى {أَلاَ تَتَّقُونَ} [الصافات: 124] ألاَ للحثّ وللحضِّ على التقوى، أو للعرض كما تقول: هل لك من كذا؟ وقوله {أَتَدْعُونَ بَعْلاً} [الصافات: 125] أي: تعبدون صنماً اسمه بَعْلاً {وَتَذَرُونَ} [الصافات: 125] تتركون {أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ} [الصافات: 125]. الحق سبحانه حين يصف نفسه بأنه تعالى (أحسن الخالقين) يعني: أنه سبحانه لا يضنُّ على عبده بصفة الخَلق، فالإنسان الذي يُعمِل عقله في الكون، ويخترع شيئاً نافعاً لمجتمعه يُسمِّيه الله خالقاً، لأنه أبدع شيئاً جديداً لم يكُنْ موجوداً. فهو خالق، والله أحسن الخالقين، لأن الله يخلق من عدم محض، أما أنت فتخلق من موجود، خلق الله فيه حياةً ونمواً وحركة .. الخ، وخَلْقُك جامد ثابت عند شيء معين، وقد سبق أنْ بيَّنا الفرق بين الاثنين. وتأمل هنا: الحق سبحانه ينكر عليهم أنْ يعبدوا صنماً، ويتركوا عبادة الله لكن لم يقُلْ: وتذرون الله، إنما {وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ} [الصافات: 125] فذكر الوصف المشوِّق الدال على أحقيته تعالى في العبادة، وكأنهم سألوا، ومَنْ أحسن الخالقين؟ فقال سبحانه: {ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} [الصافات: 126] فأنا أحسن الخالقين، وأنا ربّكم وأنا ربُّ آبائكم الأولين، المستحق للعبادة. فماذا كان الجواب؟ {فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَإِنَّ إِلْيَاسَ} ابن ياسين من أولاد هارون أخي موسى {لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 123] من عندنان المؤيدين بوحينا وإلهامنا. اذكر يا أكمل الرسل {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} حين انحرفوا عن سبيل السلامة وطرق الاستقامة بالظلم على عباد الله والخروج عن حدوده {أَلاَ تَتَّقُونَ} [الصافات: 124] وتحذرون عن بطش اله أيها المفسدون المفرطون في الإشراك بالله والدعوة إلى غير الله. {أَتَدْعُونَ} أيها الجاهلون {بَعْلاً} أي: صنماً مسمى به في المهمات والملمات {وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ} [الصافات: 125] أي: تتركون الدعوة والرجوع إلى الحق الحقيق بالإطاعة والانقياد، المستحق للعبودية والرجوع إليه في الخطوب. {ٱللَّهَ} بالرفع على الاستئناف، والنصب على البدل، وكذلك {رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} [الصافات: 126] برفع البائين ونصبهما على الخبر والبدل على القراءتين؛ أي: مربيكم ومظهركم في كتم العدم وأسلافكم أيضاً، فتعدلون عن عبادته، وتعبدون ما لا ينفعكم ولا يضرطم ظلماً وزوراً. وبعدما سمعوا منه دعوته إلى التوحيد، ورفض عبادة آلهتهم، وقدحه إياها {فَكَذَّبُوهُ} تكذيباً، ولم يلتفتوا إلى قوله ودعوته بل طردوه، وعزموا أن يقتلوه {فَإِنَّهُمْ} بشؤم تكذيبهم رسول الله، وإبائهم عن دعوته إلى التوحيد، واتخاذهم الأصنام والأوثان آلهة دون الله، شركاء معه في استحقاق العبادة والرجوع إليه في الوقائع {لَمُحْضَرُونَ} [الصافات: 127] في العذاب الأليم، مؤبدون في نار الجحيم أبد الآبدين. {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} [الصافات: 128] منهم، المبادرين إلى الإيمان بعدما سمعوا دعوة الرسل بلا ميل منهم إلى الإنكار والتكذيب. {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ} أي: على إلياس أيضاً ذكراً جميلاً {فِي ٱلآخِرِينَ} [الصافات: 129] حيث يقولون حين ثنائهم عليه وتكريمهم أياه: {سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ} [الصافات: 130] وهو لغة في إلياس؛ كجبريل في جبرائيل، وسينين في سيناء. {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 131] المستحفظين عل أحكامنا ومقتضيات أوامرنا ونواهينا. وكيف لا نجزيه أحسن الجزاء؟! {إِنَّهُ مِنْ} جملة {عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الصافات: 132] المتكنين في مقر التوحيد واليقين، الفائزين بمقام الكشف والشهود.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يمدح تعالى عبده ورسوله، إلياس عليه الصلاة والسلام، بالنبوة والرسالة، والدعوة إلى اللّه، وأنه أمر قومه بالتقوى، وعبادة اللّه وحده، ونهاهم عن عبادتهم، صنما لهم يقال له "بعل" وتركهم عبادة اللّه، الذي خلق الخلق، وأحسن خلقهم، ورباهم فأحسن تربيتهم، وأدرَّ عليهم النعم الظاهرة والباطنة، وأنكم كيف تركتم عبادة من هذا شأنه، إلى عبادة صنم، لا يضر، ولا ينفع، ولا يخلق، ولا يرزق، بل لا يأكل ولا يتكلم؟" وهل هذا إلا من أعظم الضلال والسفه والغي؟!! { فَكَذَّبُوهُ } فيما دعاهم إليه، فلم ينقادوا له، قال اللّه متوعدا لهم: { فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } أي يوم القيامة في العذاب، ولم يذكر لهم عقوبة دنيوية. { إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ } أي: الذين أخلصهم اللّه، ومنَّ عليهم باتباع نبيهم، فإنهم غير محضرين في العذاب، وإنما لهم من اللّه جزيل الثواب. { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ } أي: على إلياس { فِي الآخِرِينَ } ثناء حسنا. { سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ } أي: تحية من اللّه، ومن عباده عليه. { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ } فأثنى اللّه عليه كما أثنى على إخوانه صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين.