Verse. 3927 (AR)

٣٧ - ٱلصَّافَّات

37 - As-Saffat (AR)

وَاِنَّ يُوْنُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِيْنَ۝۱۳۹ۭ
Wainna yoonusa lamina almursaleena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإن يونس لمن المرسلين».

139

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أن هذا هو القصة السادسة وهو آخر القصص المذكورة في هذه السورة، وإنما صارت هذه القصة خاتمة للقصص، لأجل أنه لما لم يصبر على أذى قومه وأبق إلى الفلك وقع في تلك الشدائد فيصير هذا سبباً لتصبر النبي صلى الله عليه وسلم على أذى قومه. أما قوله: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» قريء يونس بضم النون وكسرها. المسألة الثانية: دلت هذه الآية على أن هذه الواقعة إنما وقعت ليونس عليه السلام بعد أن صار رسولاً، لأن قوله: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ } معناه أنه كان من المرسلين حينما أبق إلى الفلك، ويمكن أن يقال: إنه جاء في كثير من الروايات أنه أرسله ملك زمانه إلى أولئك القوم ليدعوهم إلى الله، ثم أبق والتقمه الحوت فعند ذلك أرسله الله تعالى، والحاصل أن قوله: {لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } لا يدل على أنه كان في ذلك الوقت مرسلاً من عند الله تعالى، ويمكن أن يجاب بأنه سبحانه وتعالى ذكر هذا الوصف في معرض تعظيمه، ولن يفيد هذه الفائدة إلا إذا كان المراد من قوله: {لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } أنه من المرسلين عند الله تعالى. المسألة الثالثة: أبق من إباق العبد وهو هربه من سيده، ثم اختلف المفسرون فقال بعضهم: إنه أبق من الله تعالى، وهذا بعيد لأن ذلك لا يقال إلا فيمن يتعمد مخالفة ربه، وذلك لا يجوز على الأنبياء واختلفوا فيما لأجله صار مخطئاً، فقيل: لأنه أمر بالخروج إلى بني إسرائيل فلم يقبل ذلك التكليف وخرج مغاضباً لربه، وهذا بعيد سواء أمره الله تعالى بذلك بوحي أو بلسان نبي آخر، وقيل: إن ذنبه أنه ترك دعاء قومه، ولم يصبر عليهم. وهذا أيضاً بعيد لأن الله تعالى لما أمره بهذا العمل فلا يجوز أن يتركه، والأقرب فيه وجهان الأول: أن ذنبه كان لأن الله تعالى وعده إنزال الإهلاك بقومه الذين كذبوه فظن أنه نازل لا محالة، فلأجل هذا الظن لم يصبر على دعائهم، فكان الواجب عليه أن يستمر على الدعاء لجواز أن لا يهلكهم الله بالعذاب وإن أنزله، وهذا هو الأقرب لأنه إقدام على أمر ظهرت أماراته فلا يكون تعمداً للمعصية، وإن كان الأولى في مثل هذا الباب أن لا يعمل فيه بالظن ثم انكشف ليونس من بعد أنه أخطأ في ذلك الظن، لأجل أنه ظهر الإيمان منهم فمعنى قوله: {إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ } ما ذكرناه الوجه الثاني: أن يونس كان وعد قومه بالعذاب فلما تأخر عنهم العذاب خرج كالمستور عنهم فقصد البحر وركب السفينة، فذلك هو قوله: {إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ } وتمام الكلام في مشكلات هذه الآية ذكرناه في قوله تعالى: {أية : وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ } تفسير : [الأنبياء: 87] وقوله: {إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } مفسر في سورة يونس والسفينة إذا كان فيها الحمل الكثير والناس يقال إنها مشحونة، ثم قال تعالى: { فَسَـٰهَمَ } المساهمة هي المقارعة، يقال: أسهم القوم إذا اقترعوا، قال المبرد: وإنما أخذ من السهام التي تجال للقرعة {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ } أي: المغلوبين يقال: أدحض الله حجته فدحضت أي: أزالها فزالت وأصل الكلمة من الدحض الذي هو الزلق، يقال: دحضت رجل البعير إذا زلقت، وذكر ابن عباس في قصة يونس عليه السلام أنه كان يسكن مع قومه فلسطين فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفاً وبقي سبطان ونصف، وكان الله تعالى أوحى إلى بني إسرائيل إذا أسركم عدوكم أو أصابتكم مصيبة فادعوني أستجب لكم، فلما نسوا ذلك وأسروا أوحى الله تعالى بعد حين إلى نبي من أنبيائهم أن اذهب إلى ملك هؤلاء الأقوام وقل له حتى يبعث إلى بني إسرائيل نبياً، فاختار يونس عليه السلام لقوته وأمانته، قال يونس: الله أمرك بهذا قال: لا ولكن أمرت أن أبعث قوياً أميناً وأنت كذلك، فقال يونس: وفي بني إسرائيل من هو أقوى مني فلم لا تبعثه، فألح الملك عليه فغضب يونس منه وخرج حتى أتى بحر الروم ووجد سفينة مشحونة فحملوه فيها، فلما دخلت لجة البحر أشرفت على الغرق، فقال الملاحون: إن فيكم عاصياً وإلا لم يحصل في السفينة ما نراه من غير ريح ولا سبب ظاهر، وقال التجار: قد جربنا مثل هذا فإذا رأيناه نقترع، فمن خرج سهمه نغرقه، فلأن يغرق واحد خير من غرق الكل فخرج سهم يونس، فقال التجار: نحن أولى بالمعصية من نبي الله، ثم عادوا ثانياً وثالثاً يقترعون فيخرج سهم يونس، فقال: يا هؤلاء أنا العاصي وتلفف في كساء ورمى بنفسه فابتلعته السمكة فأوحى الله تعالى إلى الحوت: «حديث : لا تكسر منه عظماً ولا تقطع له وصلاً»تفسير : ثم إن السمكة أخرجته إلى نيل مصر ثم إلى بحر فارس ثم إلى بحر البطائح ثم دجلة فصعدت به ورمته بأرض نصيبين بالعراء، وهو كالفرخ المنتوف لا شعر ولا لحم، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين، فكان يستظل بها ويأكل من ثمرها حتى تشدد، ثم إن الأرض أكلتها فخرت من أصلها فحزن يونس لذلك حزناً شديداً، فقال: يا رب كنت أستظل تحت هذه الشجرة من الشمس والريح وأمص من ثمرها وقد سقطت، فقيل له يا يونس تحزن على شجرة أنبتت في ساعة واقتلعت في ساعة ولا تحزن على مائة ألف أو يزيدون تركتهم! انطلق إليهم، والله أعلم بحقيقة الواقعة. ثم قال تعالى: {فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ } يقال: التقمه والتهمه والكل بمعنى واحد، وقوله تعالى: {وَهُوَ مُلِيمٌ } يقال: ألام إذا أتى بما يلام عليه، فالمليم المستحق للوم الآتي بما يلام عليه. ثم قال تعالى: {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبّحِينَ * لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } وفي تفسير كونه من المسبحين قولان الأول: أن المراد منه ما حكى الله تعالى عنه في آية أخرى أنه كان يقول في تلك الظلمات {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 87] الثاني: أنه لولا أنه كان قبل أن التقمه الحوت من المسبحين يعني المصلين وكان في أكثر الأوقات مواظباً على ذكر الله وطاعته للبث في بطن ذلك الحوت، وكان بطنه قبراً له إلى يوم البعث، قال بعضهم: اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، فإن يونس عليه السلام كان عبداً صالحاً ذاكراً لله تعالى، فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى: {فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} وإن فرعون كان عبداً طاغياً ناسياً، فلما أدركه الغرق قال: {أية : آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل} تفسير : [يونس: 90] قال الله تعالى:{أية : ءالئَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ } تفسير : [يونس: 91] واختلفوا في أنه كم لبث في بطن الحوت، ولفظ القرآن لا يدل عليه. قال الحسن: لم يلبث إلا قليلاً وأخرج من بطنه بعد الوقت الذي التقمه، وعن مقاتل بن حيان ثلاثة أيام وعن عطاء سبعة أيام وعن الضحاك عشرين يوماً وقيل شهراً ولا أدري بأي دليل عينوا هذه المقادير، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : سبح يونس في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: ربنا إنا نسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة، فقال: ذاك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر، فقالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم، فشفعوا له فأمر الحوت فقذفه في الساحل» تفسير : فذاك هو قوله: {فَنَبَذْنَـٰهُ بِٱلْعَرَاء } وفيه مباحث: الأول: العراء المكان الخالي قال أبو عبيدة إنما قيل له العراء لأنه لا شجر فيه ولا شيء يغطيه. الثاني: أنه تعالى قال: {فنبذناه بالعراء} فأضاف ذلك النبذ إلى نفسه، والنبذ إنما حصل بفعل الحوت، وهذا يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى. ثم قال تعالى: {وَهُوَ سَقِيمٌ } قيل المراد أنه بلي لحمه وصار ضعيفاً كالطفل المولود كالفرخ الممعط الذي ليس عليه ريش، وقال مجاهد سقيم أي سليب. ثم قال تعالى: {وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مّن يَقْطِينٍ } ظاهر اللفظ يدل على أن الحوت لما نبذه في العراء فالله تعالى أنبت عليه شجرة من يقطين وذلك المعجز له، قال المبرد والزجاج كل شجر لا يقوم على ساق وإنما يمتد على وجه الأرض فهو يقطين، نحو الدباء والحنظل والبطيخ، قال: الزجاج أحسب اشتقاقها من قطن بالمكان إذا أقام به وهذا الشجر ورقه كله على وجه الأرض فلذلك قيل له اليقطين، روى الفراء أنه قيل عند ابن عباس هو ورق القرع، فقال: ومن جعل القرع من بين الشجر يقطيناً كل ورقة اتسعت وسترت فهي يقطين، قال الواحدي رحمه الله والآية تقتضي شيئين لم يذكرهما المفسرون أحدهما: أن هذا اليقطين لم يكن قبل فأنبته الله لأجله والآخر: أن اليقطين كان معروشاً ليحصل له ظل، لأنه لو كان منبسطاً على الأرض لم يمكن أن يستظل به. ثم قال تعالى: {وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } وفيه مباحث: الأول: يحتمل أن يكون المراد وأرسلناه قبل أن يلتقمه الحوت وعلى هذا الإرسال وإن ذكر بعد الالتقام، فالمراد به التقديم والواو معناها الجمع، ويحتمل أن يكون المراد به الإرسال بعد اللالتقام، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كانت رسالة يونس عليه السلام بعد ما نبذه الحوت، وعلى هذا التقدير يجوز أن يكون أرسل إلى قوم آخرين سوى القوم الأول، ويجوز أن يكون أرسل إلى الأولين ثانياً بشريعة فآمنوا بها. البحث الثاني: ظاهر قوله: {أَوْ يَزِيدُونَ } يوجب الشك وذلك على الله تعالى محال ونظيره قوله تعالى: {أية : عُذْراً أَوْ نُذْراً } تفسير : [المرسلات: 6] وقوله تعالى: {أية : لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } تفسير : [طه: 44] وقوله تعالى: {أية : لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً } تفسير : [طه: 113] وقوله تعالى: {أية : وَمَا أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } تفسير : [النحل: 77] وقوله تعالى: {أية : وَمَا أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } تفسير : [النحل: 77] وقوله تعالى: {أية : فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ } تفسير : [النجم: 9] وأجابوا عنه من وجوه كثيرة والأصح منها وجه واحد وهو أن يكون المعنى أو يزيدون في تقديركم بمعنى أنهم إذا رآهم الرائي قال هؤلاء مائة ألف أو يزيدون على المائة، وهذا هو الجواب عن كل ما يشبه هذا. ثم قال تعالى: {فَـئَامَنُواْ فَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ } والمعنى أن أولئك الأقوام لما آمنوا أزال الله الخوف عنهم وآمنهم من العذاب ومتعهم الله إلى حين، أي إلى الوقت الذي جعله الله أجلاً لكل واحد منهم.

القرطبي

تفسير : فيه ثمان مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } يونس هو ذو النون، وهو ٱبن متّى، وهو ابن العجوز التي نزل عليها إلياس، فاستخفى عندها من قومه ستة أشهر ويونس صبيّ يرضع، وكانت أم يونس تخدمه بنفسها وتؤانسه، ولا تدّخر عنه كرامة تقدر عليها. ثم إن إلياس سئم ضيق البيوت فلحق بالجبال، ومات ابن المرأة يونس، فخرجت في إثر إلياس تطوف وراءه في الجبال حتى وجدته، فسألته أن يدعو اللّه لها لعلّه يُحي لها ولدها؛ فجاء إلياس إلى الصبي بعد أربعة عشر يوماً من موته، فتوضأ وصلّى ودعا اللّه فأحيا اللّه يونس ابن متى بدعوة إلياس عليه السلام. وأرسل اللّه يونس إلى أهل نِينَوَى من أرض الموصل وكانوا يعبدون الأصنام ثم تابوا، حسبما تقدّم بيانه في سورة «يونس» ومضى في «الأنبياء» قصة يونس في خروجه مغاضباً. واختلف في رسالته هل كانت قبل التقام الحوت إياه أو بعده. قال الطبري عن شهر بن حَوْشَب: إن جبريل عليه السلام أتى يونس فقال: ٱنطلق إلى أهل نِينَوى فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم. قال: ألتمس دابة. قال: الأمر أعجل من ذلك. قال: ألتمس حذاء. قال: الأمر أعجل من ذلك. قال: فغضب فانطلق إلى السفينة فركب، فلما ركب السفينة احتبست السفينة لا تتقدّم ولا تتأخر. قال: فتساهموا، قال: فُسهِم، فجاء الحوت يبصبص بذنبه؛ فنودي الحوت: أيا حوت! إنا لم نجعل لك يونس رزقاً؛ إنما جعلناك له حرزاً ومسجداً. قال: فالتقمه الحوت من ذلك المكان حتى مَرَّ به إلى الأُبلّة، ثم ٱنطلق به حتى مرّ به على دجلة، ثم ٱنطلق حتى ألقاه في نِينوى. حدّثنا الحرث قال حدثنا الحسن قال حدثنا أبو هلال قال حدثنا شهر بن حَوْشَب عن ابن عباس قال: إنما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت؛ واستدل هؤلاء بأن الرسول لا يخرج مغاضباً لربه، فكان ما جرى منه قبل النبوّة. وقال آخرون: كان ذلك منه بعد دعائه من أرسل (إليهم) إلى ما أمره اللّه بدعائهم إليه، وتبليغه إياهم رسالة ربه، ولكنه وعدهم نزول ما كان حذرهم من بأس اللّه في وقت وقَّته لهم ففارقهم إذ لم يتوبوا ولم يراجعوا طاعة اللّه، فلما أظل القومَ العذابُ وغشيهم ـ كما قال اللّه تعالى في تنزيله ـ تابوا إلى اللّه، فرفع اللّه العذاب عنهم، وبلغ يونس سلامتهم وارتفاع العذاب الذي كان وعدهموه فغضب من ذلك وقال: وعدتهم وعدا فكذب وعدى. فذهب مغاضباً ربه وكره الرجوع إليهم، وقد جرّبوا عليه الكذب؛ رواه سعيد بن جُبير عن ابن عباس. وقد مضى هذا في «الأنبياء» وهو الصحيح على ما يأتي عند قوله تعالى {أية : وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } تفسير : [الصافات: 147]. ولم ينصرف يونس؛ لأنه ٱسم أعجمي ولو كان عربياً لانصرف وإن كانت في أوّله الياء؛ لأنه ليس في الأفعال يُفْعُل كما أنك إذا سمَّيت بيُعْفُر صرفته؛ وإن سمّيت بِيَعْفُر لم تصرفه. الثانية ـ قوله تعالى: {إِذْ أَبَقَ} قال المبرد: أصل أبق تباعد؛ ومنه غلام آبق. وقال غيره: إنما قيل ليونس أبق؛ لأنه خرج بغير أمر اللّه عز وجل مستتراً من الناس. {إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} أي المملوءة. «والفلك» يذكر ويؤنث ويكون واحداً وجمعا وقد تقدم. قال الترمذي الحكيم: سماه آبقاً لأنه أبق عن العبودية، وإنما العبودية ترك الهوى وبذل النفس عند أمور اللّه؛ فلما لم يبذل النفس عندما اشتدّت عليه العَزمة من المَلَك حسبما تقدّم بيانه في «الأنبياء» وآثر هواه لزمه اسم الآبق، وكانت عزمة الملك في أمر اللّه لا في نفسه، وبحظّ حقّ اللّه لا بحظ نفسه؛ فتحرى يونس فلم يصب الصواب الذي عند اللّه فسماه آبقا ومُلِيما. الثالثة: قوله تعالى: {فَسَاهَمَ} قال المبرد: فقارع، قال: وأصله من السهام التي تُجَال. {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ} قال: من المغلوبين. قال الفراء: دَحَضَتْ حجتُه وأدحضها اللّه. وأصله من الزلق؛ قال الشاعر: شعر : قَتلْنا الْمُدْحضِينَ بكُلِّ فَجٍّ فقد قرّتْ بقتلِهِمُ العيونُ تفسير : أي المغلوبين. الرابعة ـ قوله تعالى: {فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ } أي أتى بما يلام عليه. فأما الملوم فهو الذي يلام، ٱستحق ذلك أو لم يستحق. وقيل: المليم المعيب. يقال: لام الرجل إذا عمل شيئاً فصار معيباً بذلك العمل. {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ } قال الكسائي: لم تكسر «أن» لدخول اللام؛ لأن اللام ليست لها. النحاس: والأمر كما قال؛ إنما اللام في جواب لولا. «فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ» أي من المصلّين {لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أي عقوبة له؛ أي يكون بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. وٱختلف كم أقام في بطن الحوت. فقال السديّ والكلبيّ ومقاتل بن سليمان: أربعين يوماً. الضحاك: عشرين يوماً. عطاء: سبعة أيام. مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. وقيل: ساعة واحدة. واللّه أعلم. الخامسة ـ روى الطبري من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما أراد اللّه ـ تعالى ذكره ـ حبس يونس في بطن الحوت أوحى اللّه إلى الحوت أن خذه ولا تخدش لحماً ولا تكسر عظماً فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه من البحر؛ فلما ٱنتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسًّا فقال في نفسه ما هذا؟ فأوحى اللّه تبارك وتعالى إليه وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيح دوابّ البحر» قال: «فسبح وهو في بطن الحوت» قال: «فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة» قال: «ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال نعم. فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت بقذفه في الساحل كما قال تعالى: {وَهُوَ سَقِيمٌ}»تفسير : . وكان سقمه الذي وصفه به اللّه تعالى ذكره: أنه ألقاه الحوت على الساحل كالصبيّ المنفوس قد نشر اللحم والعظم. وقد روي: أن الحوت سار مع السفينة رافعاً رأسه يتنفس فيه يونس ويسبح، ولم يفارقهم حتى ٱنتهوا إلى البر، فلفظه سالماً لم يتغير منه شيء فأسلموا؛ ذكره الزمخشريّ في تفسيره. وقال ابن العربي: أخبرني غير واحد من أصحابنا عن إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد اللّه بن يوسف الجويني: أنه سئل عن الباري في جهة؟ فقال: لا، هو يتعالى عن ذلك. قيل له: ما الدليل عليه؟ قال: الدليل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تفضلوني على يونس بن متّى»تفسير : فقيل له: ما وجه الدليل في هذا الخبر؟ فقال: لا أقوله حتى يأخذ ضيفي هذا ألف دينار يقضي بها دَيْنَاً. فقام رجلان فقالا: هي علينا. فقال: لا يتبع بها ٱثنين؛ لأنه يشق عليه. فقال واحد: هي عليّ. فقال: إن يونس بن متّى رمى بنفسه في البحر فٱلتقمه الحوت، فصار في قعر البحر في ظلمات ثلاث، ونادى {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 87] كما أخبر اللّه عنه، ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم حين جلس على الرفرف الأخضر وٱرتقى به صعداً، حتى ٱنتهى به إلى موضع يسمع فيه صَرِيف الأقلام، وناجاه ربه بما ناجاه به، وأوحى إليه ما أوحى ـ بأقرب إلى اللّه تعالى من يونس في بطن الحوت في ظلمة البحر. السادسة ـ ذكر الطبري: أن يونس عليه السلام لما ركب في السفينة أصاب أهلها عاصف من الريح، فقالوا: هذه بخطيئة أحدكم. فقال يونس وعرف أنه هو صاحب الذنب: هذه خطيئتي فألقوني في البحر، وأنهم أبوا عليه حتى أفاضوا بسهامهم. «فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ» فقال لهم: قد أخبرتكم أن هذا الأمر بذنبي. وأنهم أبوْا عليه حتى أفاضوا بسهامهم الثانية فكان من المدحضين، وأنهم أبوا أن يلقوه في البحر حتى أعادوا سهامهم الثالثة فكان من المدحضين. فلما رأى ذلك ألقى نفسه في البحر، وذلك تحت الليل فابتلعه الحوت، وروي أنه لما ركب في السفينة تَقنَّع ورقد فساروا غير بعيد إذ جاءتهم ريح كادت السفينة أن تغرق، فٱجتمع أهل السفينة فدعَوْا فقالوا: أيقظوا الرجل النائم يدعو معنا؛ فدعا اللّه معهم فرفع اللّه عنهم تلك الريح. ثم ٱنطلق يونس إلى مكانه فرقد، فجاءت ريح كادت السفينة أن تغرق، فأيقظوه ودعوا اللّه فٱرتفعت الريح. قال: فبينما هم كذلك إذا رفع حوت عظيم رأسه إليهم أراد أن يبتلع السفينة، فقال لهم يونس: يا قوم! هذا من أجلي! فلو طرحتموني في البحر لسرتم ولذهب الريح عنكم والرَّوْع. قالوا: لا نطرحك حتى نتساهم، فمن وقعت عليه رميناه في البحر. قال: فتساهموا فوقع على يونس؛ فقال لهم: يا قوم ٱطرحوني! فمن أجلي أوتيتم؛ فقالوا: لا نفعل حتى نتساهم مرة أخرى. ففعلوا فوقع على يونس. فقال لهم: يا قوم ٱطرحوني! فمن أجلي أوتيتم؛ فذلك قول اللّه عز وجل: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ } أي وقع السهم عليه؛ فٱنطلقوا به إلى صدر السفينة ليلقوه في البحر، فإذا الحوت فاتح فاه، ثم جاءوا به إلى جانب السفينة، فإذا بالحوت، ثم رجعوا به إلى الجانب الآخر، فإذا بالحوت فاتح فاه؛ فلما رأى ذلك ألقى بنفسه فٱلتقمه الحوت؛ فأوحى اللّه تعالى إلى الحوت: إني لم أجعله لك رزقاً ولكن جعلت بطنك له وعاء. فمكث في بطن الحوت أربعين ليلة فنادى في الظلمات {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [المؤمنون: 88] وقد تقدم ويأتي. ففي هذا من الفقه أن القُرْعة كانت معمولاً بها في شرع مَن قبلنا، وجاءت في شرعنا على ما تقدم في «آل عمران» قال ٱبن العربي: وقد وردت القرعة في الشرع في ثلاثة مواطن: الأول ـ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع إليه أن رجلاً أعتق ستة أعبد لا مال له غيرهم، فأقرع بينهم؛ فاعتق اثنين وأرقّ أربعة. الثالث: حديث : أن رجلين ٱختصما إليه في مواريث قد درست فقال: «ٱذهبا وتوخَّا الحق وٱستهِما وليحلل كل واحد منكما صاحبه»تفسير : . فهذه ثلاثة مواطن، وهي القَسْم في النكاح، والعِتق، والقسمة، وجريان القرعة فيها لرفع الإشكال وحسم داء التشهي. واختلف علماؤنا في القرعة بين الزوجات في الغزو على قولين؛ الصحيح منهما الإقراع،؛ وبه قال فقهاء الأمصار. وذلك أن السفر بجميعهن لا يمكن، وٱختيار واحدة منهن إيثار فلم يبق إلا القرعة. وكذلك في مسألة الأعبد الستة؛ فإن كل اثنين منهما ثلث، وهو القدر الذي يجوز له فيه العتق في مرض الموت، وتعيينهما بالتشهي لا يجوز شرعاً؛ فلم يبق إلا القرعة. وكذلك التشاجر إذا وقع في أعيان المواريث لم يميز الحق إلا القُرْعة، فصارت أصلاً في تعيين المستحق إذا أشكل. قال: والحق عندي أن تجري في كل مشكل، فذلك أبين لها، وأقوى لفصل الحكم فيها، وأجلى لرفع الإشكال عنها؛ ولذلك قلنا: إن القرعة بين الزوجات في الطلاق كالقرعة بين الإماء في العتق. السابعة ـ الاقتراع على إلقاء الآدمي في البحر لا يجوز. وإنما كان ذلك في يونس وزمانه مقدّمة لتحقيق برهانه، وزيادة في إيمانه، فإنه لا يجوز لمن كان عاصياً أن يُقتل ولا يرمى به في النار أو البحر، وإنما تجرى عليه الحدود والتعزير على مقدار جنايته. وقد ظنّ بعض الناس أن البحر إذا هال على القوم فٱضطروا إلى تخفيف السفينة أن القرعة تضرب عليهم، فيطرح بعضهم تخفيفاً؛ وهذا فاسد؛ فإنها لا تخفّ برمي بعض الرجال وإنما ذلك في الأموال، ولكنهم يصبرون على قضاء اللّه عز وجل. الثامنة ـ أخبر اللّه عز وجل أن يونس كان من المسبِّحين، وأن تسبيحه كان سبب نجاته؛ ولذلك قيل: إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عَثَر. قال ٱبن عباس: «مِنَ الْمُسَبِّحِينَ» من المصلّين. قال قتادة: كان يصلّي قبل ذلك لحفظ اللّه عز وجل له فنجّاه. وقال الربيع بن أنس: لولا أنه كان له قبل ذلك عمل صالح {لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } قال: ومكتوب في الحكمة ـ إن العمل الصالح يرفع به إذا عثر. وقال مقاتل: «مِنَ الْمُسَبِّحِينَ» من المصلّين المطيعين قبل المعصية. وقال وهب: من العابدين. وقال الحسن: ما كان له صلاة في بطن الحوت؛ ولكنه قدّم عملاً صالحاً في حال الرخاء فذكره اللّه به في حال البلاء، وإن العمل الصالح ليرفع صاحبه، وإذا عَثَر وجد مُتّكَأً. قلت: ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من ٱستطاع منكم أن تكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل»تفسير : فيجتهد العبد، ويحرص على خَصْلة من صالح عمله، يخلص فيها بينه وبين ربه، ويدّخرها ليوم فاقته وفقره، ويخبؤها بجهده، ويسترها عن خلقه، يصل إليه نفعها أحوج لما كان إليه. وقد خرّج البخاري ومسلم من حديث ٱبن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : بينما ثلاثة نفر ـ في رواية ممن كان قبلكم ـ يتماشَوْن أخذهم المطر فأوَوْا إلى غار في جبل فٱنحطت على فم الغار صخرة من الجبل فٱنطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض ٱنظروا أعمالاً عملتموها صالحة للّه فٱدعوا اللّه بها لعله يَفْرُجها عنكم» تفسير : الحديث بكماله وهو مشهور، شهرته أغنت عن تمامه. وقال سعيد بن جبير: لما قال في بطن الحوت: {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} قذفه الحوت. وقيل: {مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ} من المصلّين في بطن الحوت. قلت: والأظهر أنه تسبيح اللسان الموافق للجنان، وعليه يدلّ حديث أبي هريرة المذكور قبل الذي ذكره الطبري. قال: فسبح في بطن الحوت. قال: فسمعت الملائكة تسبيحه؛ فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة. وتكون «كان» على هذا القول زائدة؛ أي فلولا أنه من المسبحين. وفي كتاب أبي داود عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : دعاء ذي النون في بطن الحوت «لا إِلٰهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمينَ» لم يدع به رجل مسلم في شيء قط إلا ٱستجيب له»تفسير : وقد مضى هذا في سورة «الأنبياء» فيونس عليه السلام كان قبل مصلّياً مسبِّحاً، وفي بطن الحوت كذلك. وفي الخبر: فنودي الحوت: إنا لم نجعل يونس لك رزقاً؛ إنما جعلناك له حِرْزاً ومسجداً. وقد تقدم.

البيضاوي

تفسير : {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } وقرىء بكسر النون. {إِذْ أَبَقَ } هرب، وأصله الهرب من السيد لكن لما كان هربه من قومه بغير إذن ربه حسن إطلاقه عليه. {إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } المملوء. {فَسَـٰهَمَ } فقارع أهله. {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ } فصار من المغلوبين بالقرعة، وأصله المزلق عن مقام الظفر. روي أنه لما وعد قومه بالعذاب خرج من بينهم قبل أن يأمره الله، فركب السفينة فوقفت فقالوا: ها هنا عبد آبق فاقترعوا فخرجت القرعة عليه، فقال أنا الآبق ورمى بنفسه في الماء. {فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ } فابتلعه من اللقمة. {وَهُوَ مُلِيمٌ } داخل في الملامة، أو آت بما يلام عليها أو مليم نفسه، وقرىء بالفتح مبنياً من ليم كمشيب في مشوب. {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبّحِينَ } الذاكرين الله كثيراً بالتسبيح مدة عمره، أو في بطن الحوت وهو قوله {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ }تفسير : [الأنبياء: 87] وقيل من المصلين. {لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } حياً وقيل ميتاً، وفيه حث على إكثار الذكر وتعظيم لشأنه، ومن أقبل عليه في السراء أخذ بيده عند الضراء. {فَنَبَذْنَـٰهُ } بأن حملنا الحوت على لفظه. {بِٱلْعَرَاء } بالمكان الخالي غما يغطيه من شجر أو نبت. روي أن الحوت سار مع السفينة رافعاً رأسه يتنفس فيه يونس ويسبح حتى انتهوا إلى البر فلفظه، واختلف في مدة لبثه فقيل بعض يوم وقيل ثلاثة أيام وقيل سبعة، وقيل عشرون وقيل أربعون. {وَهُوَ سَقِيمٌ } مما ناله قيل صار بدنه كبدن الطفل حين يولد. {وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ } أي فوقه مظلة عليه. {شَجَرَةً مّن يَقْطِينٍ } من شجر ينبسط على وجه الأرض ولا يقوم على ساقه، يفعيل من قطن بالمكان إذا أقام به، والأكثر على أنها كانت الدباء غطته بأوراقها عن الذباب فإنه لا يقع عليه، ويدل عليه أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتحب القرع، قال: «حديث : أجل هي شجرة أخي يونس»تفسير : . وقيل التين وقيل الموز تغطى بورقه واستظل بأغصانه وأفطر على ثماره. {وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ } هم قومه الذين هرب عنهم وهم أهل نينوى، والمراد به ما سبق من إرساله أو إرسال ثان إليهم أو إلى غيرهم. {أَوْ يَزِيدُونَ } في مرأى الناظر أي إذا نظر إليهم، قال هم مائة ألف أو يزيدون والمراد الوصف بالكثرة وقرىء بالواو. {فَـئَامِنُواْ } فصدقوه أو فجددوا الإِيمان به بمحضره. {فَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ } إلى أجلهم المسمى، ولعله إنما لم يختم قصته وقصة لوط بما ختم به سائر القصص تفرقة بينهما وبين أرباب الشرائع الكبر وأولى العزم من الرسل، أو اكتفاء بالتسليم الشامل لكل الرسل المذكورين في آخر السورة. {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ } معطوف على مثله، في أول السورة أمر رسوله أولاً باستفتاء قريش عن وجه إنكارهم البعث، وساق الكلام في تقريره جاراً لما يلائمه من القصص موصولاً بعضها ببعض، ثم أمر باستفتائهم عن وجه القسمة حيث جعلوا لله البنات ولأنفسهم البنين في قولهم: الملائكة بنات الله، وهؤلاء زادوا على الشرك ضلالات أخر، التجسيم وتجويز الفناء على الله تعالى، فإن الولادة مخصوصة بالأجسام الكائنة الفاسدة، وتفضيل أنفسهم عليه حيث جعلوا أوضع الجنسين له وأرفعهما لهم، واستهانتهم بالملائكة حيث أنثوهم ولذلك كرر الله تعالى إنكار ذلك وإبطاله في كتابه مراراً، وجعله مما {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً }تفسير : [مريم: 90] والإِنكار ها هنا مقصور على الأخيرين لاختصاص هذه الطائفة بهما، أو لأن فسادهما مما تدركه العامة بمقتضى طباعهم حيث جعل المعادل للاستفهام عن التقسيم.

ابن كثير

تفسير : قد تقدمت قصة يونس عليه الصلاة والسلام في سورة الأنبياء، وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى» تفسير : ونسبه إلى أمه، وفي رواية: إلى أبيه. وقوله تعالى: { إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو الموقر، أي: المملوء بالأمتعة {فَسَـٰهَمَ} أي: قارع {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ} أي: المغلوبين، وذلك أن السفينة تلعبت بها الأمواج من كل جانب، وأشرفوا على الغرق، فساهموا على من تقع عليه القرعة في البحر؛ لتخف بهم السفينة، فوقعت القرعة على نبي الله يونس عليه الصلاة والسلام ثلاث مرات، وهم يضنون به أن يلقى من بينهم، فتجرد من ثيابه ليلقي نفسه، وهم يأبون عليه ذلك، وأمر الله تعالى حوتاً من البحر الأخضر أن يشق البحار، وأن يلتقم يونس عليه السلام، فلا يهشم له لحماً، ولا يكسر له عظماً، فجاء ذلك الحوت، وألقى يونس عليه السلام نفسه، فالتقمه الحوت وذهب به، فطاف به البحار كلها. ولما استقر يونس في بطن الحوت، حسب أنه قد مات، ثم حرك رأسه ورجليه وأطرافه، فإذا هو حي، فقام فصلى في بطن الحوت، وكان من جملة دعائه: يا رب اتخذت لك مسجداً في موضع لم يبلغه أحد من الناس، واختلفوا في مقدار ما لبث في بطن الحوت، فقيل: ثلاثة أيام، قاله قتادة. وقيل: سبعة، قاله جعفر الصادق رضي الله عنه، وقيل: أربعين يوماً، قاله أبو مالك. وقال مجاهد عن الشعبي: التقمه ضحى، ولفظه عشية، والله تعالى أعلم بمقدار ذلك، وفي شعر أمية بن أبي الصلت:شعر : وأَنْتَ بفَضْلٍ منكَ نَجَّيْتَ يونُساً وقَدْ باتَ في أضعافِ حُوتِ لَيالِيا تفسير : وقوله تعالى: { فَلَوْلآ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } قيل: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء. قاله الضحاك بن قيس وأبو العالية ووهب بن منبه وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير، وقد ورد في الحديث الذي سنورده إن شاء الله تعالى ما يدل على ذلك إن صح الخبر، وفي حديث ابن عباس: «حديث : تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة»تفسير : . وقال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير والضحاك وعطاء بن السائب والسدي والحسن وقتادة: { فَلَوْلآ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ} يعني: المصلين، وصرح بعضهم بأنه كان من المصلين قبل ذلك، وقال بعضهم: كان من المسبحين في جوف أبويه، وقيل: المراد { فَلَوْلآ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ}: هو قوله عز وجل: {أية : فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلآ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـى ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الأنبياء: 87 ــــ 88] قاله سعيد بن جبير وغيره. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب: حدثنا عمي، حدثنا أبو صخر: أن يزيد الرقاشي حدثه أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه ــــ ولا أعلم إلا أن أنساً يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن يونس النبي عليه الصلاة والسلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات، وهو في بطن الحوت، فقال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فأقبلت الدعوة تحف بالعرش، قالت الملائكة: يا رب هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيدة غريبة، فقال الله تعالى: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: يا رب ومن هو؟ قال عز وجل: عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مستجابة؟ قالوا: يا رب أولا ترحم ما كان يصنع في الرخاء، فتنجيه في البلاء؟ قال: بلى، فأمر الحوت فطرحه بالعراء» تفسير : ورواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب به، زاد ابن أبي حاتم: قال أبو صخر حميد بن زياد: فأخبرني ابن قسيط وأنا أحدثه هذا الحديث: أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: طرح بالعراء، وأنبت الله عز وجل عليه اليقطينة، قلنا: يا أبا هريرة وما اليقطينة؟ قال: شجرة الدباء. قال أبو هريرة رضي الله عنه: وهيأ الله له أروية وحشية تأكل من خشاش الأرض ــــ أو قال: هشاش الأرض ــــ قال: فتتفشح عليه، فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت. وقال أمية بن أبي الصلت في ذلك بيتاً من شعره، وهو:شعر : فَأَنْبَتَ يَقْطيناً عليهِ برحمةٍ من اللّهِ لَولا اللّهُ أُلفِيَ ضاحِيا تفسير : وقد تقدم حديث أبي هريرة رضي الله عنه مسنداً مرفوعاً في تفسير سورة الأنبياء، ولهذا قال تعالى: {فَنَبَذْنَـٰهُ} أي: ألقيناه {بِٱلْعَرَآءِ} قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: وهو الأرض التي ليس بها نبت ولا بناء، قيل: على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن، فالله أعلم {وَهُوَ سَقِيمٌ} أي: ضعيف البدن، قال ابن مسعود رضي الله عنه: كهيئة الفرخ ليس عليه ريش، وقال السدي: كهيئة الصبي حين يولد، وهو المنفوس، وقاله ابن عباس رضي الله عنهما وابن زيد أيضاً، { وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ} قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ووهب بن منبه وهلال بن يساف وعبد الله بن طاوس والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني وغير واحد قالوا كلهم: اليقطين هو القرع. وقال هشيم عن القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير: وكل شجرة لا ساق لها، فهي من اليقطين. وفي رواية عنه: كل شجرة تهلك من عامها، فهي من اليقطين، وذكر بعضهم في القرع فوائد، منها: سرعة نباته، وتظليل ورقه لكبره ونعومته، وأنه لا يقربها الذباب، وجودة تغذية ثمره، وأنه يؤكل نيئاً ومطبوخاً بلبه وقشره أيضاً. وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب الدباء، ويتتبعه من حواشي الصحفة. وقوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} روى شهر بن حوشب عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إنما كانت رسالة يونس عليه الصلاة والسلام بعد ما نبذه الحوت، رواه ابن جرير: حدثني الحارث قال: حدثنا الحسن، حدثنا أبو هلال عن شهر، به، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: أرسل إليهم قبل أن يلتقمه الحوت. (قلت): ولا مانع أن يكون الذين أرسل إليهم أولاً أمر بالعود إليهم بعد خروجه من الحوت، فصدقوه كلهم وآمنوا به، وحكى البغوي أنه أرسل إلى أمة أخرى بعد خروجه من الحوت، كانوا مئة ألف أو يزيدون. وقوله تعالى: {أَوْ يَزِيدُونَ} قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عنه: بل يزيدون، وكانوا مئة وثلاثين ألفاً. وعنه: مئة ألف وبضعة وثلاثين ألفاً. وعنه: مئة ألف وبضعة وأربعين ألفاً، والله أعلم، وقال سعيد بن جبير: يزيدون سبعين ألفاً. وقال مكحول: كانوا مئة ألف وعشرة آلاف، رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال: سمعت زهيراً يحدث عمن سمع أبا العالية يقول: حدثني أبي بن كعب رضي الله عنه: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: { وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} قال: يزيدون عشرين ألفاً ورواه الترمذي عن علي بن حجر عن الوليد بن مسلم عن زهير عن رجل عن أبي العالية عن أبي بن كعب به، وقال: غريب. ورواه ابن أبي حاتم من حديث زهير به. قال ابن جرير: وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول في ذلك: معناه إلى المئة الألف، أو كانوا يزيدون عندكم، يقول: كذلك كانوا عندكم. ولهذا سلك ابن جرير ههنا ما سلكه عند قوله تعالى: {أية : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} تفسير : [البقرة: 84] وقوله تعالى: {أية : إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} تفسير : [النساء: 77] وقوله تعالى: {أية : فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ} تفسير : [النجم: 9] المراد ليس أنقص من ذلك، بل أزيد. وقوله تعالى: {فَـآمَنُواْ} أي: فآمن هؤلاء القوم الذين أرسل إليهم يونس عليه السلام جميعهم، {فَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} أي: إلى وقت آجالهم؛ كقوله جلت عظمته: {أية : فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَآ إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [يونس: 98].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وإن يونس لمن المرسلين} قال السدي: يونس بن متى نبي من أنبياء الله تعالى بعثه إلى قرية يقال لها نينوى على شاطىء دجلة: قال قتادة: وهي من أرض الموصل. {إذ أبق إلى الفُلك المشحون} والآبق الفارّ إلى حيث لا يعلم به، قال الحسن: فر من قومه وكان فيما عهد إليهم أنهم إن لم يؤمنوا أتاهم العذاب، وجعل علامة ذلك خروجاً من بين أظهرهم، فلما خرج عنه جاءتهم ريح سوداء فخافوها فدعوا الله بأطفالهم وبهائمهم فأجابهم وصرف العذاب عنهم فخرج مكايداً لقومه مغاضباً لدين ربه حتى أتى البحر فركب سفينة وقد استوقرت حملاً، فلما اشتطت بهم خافوا الغرق. وفيما خافوا الغرق به قولان: أحدهما: أمواج من ريح عصفت بهم قاله ابن عباس. الثاني: من الحوت الذي عارضهم، حكاه ابن عيسى، فقالوا عند ذلك: فينا مذنب لا ننجو إلا بإلقائه، فاقترعوا فخرجت القرعة على يونس فألقوه، وهو معنى قوله تعالى: {فساهَم} أي قارع بالسهام، قاله ابن عباس والسدي. {فكان من المدحضين} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من المقروعين، قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: من المغلوبين، قاله سعيد بن جبير، ومنه قول أبي قيس: شعر : قتلنا المدحضين بكل فج فقد قرت بقتلهم العيون تفسير : الثالث: أنه الباطل الحجة، قاله السدي مأخوذ من دحض الحجة وهو بطلانها فلما ألقوه في البحر آمنوا. قوله عز وجل: {فالتقمه الحوت وهُو مليم} قال ابن عباس: أوحى الله تعالى إلى سمكة يقال لها اللخم من البحر الأخضر أن شقي البحار حتى تأخذي يونس، وليس يونس لك رزقاً، ولكن جعلت بطنك له سجناً، فلا تخدشي له جلداً ولا تكسري له عظماً، فالتقمه الحوت حين ألقي. وفي قوله: {وهو مليم} ثلاثة تأويلات: أحدها: أي مسيء مذنب، قاله ابن عباس. الثاني: يلوم نفسه على ما صنع، وهو معنى قول قتادة. الثالث: يلام على ما صنع، قاله الكلبي. والفرق بين الملوم والمليم أن المليم اذا أتى بما يلام عليه، والملوم إذا ليم عليه. {فلولا أنه كان مِن المسبحين} فيه أربعة أوجه: أحدها: من القائلين لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، قاله الحسن. الثاني: من المصلين قاله ابن عباس. الثالث: من العابدين، قاله وهب بن منبه. الرابع: من التائبين، قاله قطرب. وقيل تاب في الرخاء فنجاه الله من البلاء. {للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} قال قتادة: إلى يوم القيامة حتى يَصير الحوت له قبراً، وفي مدة لبثه في بطن الحوت أربعة أقاويل: أحدها: بعض يوم، قال الشعبي: التقمه ضحى ولفظه عشية. الثاني: ثلاثة أيام، قاله قتادة. الثالث: سبعة أيام، قاله جعفر. الرابع: أربعون يوماً، قاله أبو مالك، وقيل إنه سار بيونس حتى مر به إلى الإيلة ثم عاد في دجلة إلى نينوى. {فنبذناه بالعراء} فيه أربعة أوجه: أحدها: بالساحل، قاله ابن عباس. الثاني: بالأرض، قاله السدي، قال الضحاك: هي أرض يقال لها بلد. الثالث: موضع بأرض اليمن. الرابع: الفضاء الذي لا يواريه نبت ولا شجر، قال الشاعر: شعر : ورفعت رِجْلاً لا أخاف عثارها ونبذت بالبلد العراء ثيابي تفسير : {وهو سقيم} فيه وجهان: أحدهما: كهيئة الصبي، قاله السدي. الثاني: كهيئة الفرخ الذي ليس له ريش، قاله ابن مسعود لأنه ضعف بعد القوة، ورق جلده بعد الشدة. قوله عز وجل: {وأنبتنا عليه شجرة من يقطين} فيها خمسة أقاويل: أحدها: أنه القرع، قاله ابن مسعود. الثاني: أنه كل شجرة ليس فيها ساق يبقى من الشتاء إلى الصيف، قاله سعيد بن جبير. الثالث: أنها كل شجرة لها ورق عريض، قاله ابن عباس. الرابع: أنه كل ما ينبسط على وجه الأرض من البطيخ والقثاء، رواه القاسم بن أبي أيوب. الخامس: أنها شجرة سماها الله تعالى يقطيناً أظلته رواه هلال بن حيان. وهو تفعيل من قطن بالمكان أي أقام إقامة زائل لا إقامة راسخ كالنخل والزيتون، فمكث يونس تحتها يصيب منها ويستظل بها حتى تراجعت نفسه إليه، ثم يبست الشجرة فبكى حزناً عليها، فأوحى الله تعالى إليه: أتبكي على هلاك شجرة ولا تبكي على هلاك مائة ألف أو يزيدون؟ حكاه ابن مسعود. وحكى سعيد بن جبير أنه لما تساقط ورق الشجر عنه أفضت إليه الشمس فشكاه فأوحى الله تعالى إليه: يا يونس جزعت من حر الشمس ولم تجزع لمائة ألف أو يزيدون تابوا إليّ فتبت عليهم. قوله عز وجل: {وأرسلناه إلى مائة ألفٍ أو يزيدون} فيهم قولان: أحدهما: أنه أرسل إليهم بعدما نبذه الحوت، قاله ابن عباس، فكان أرسل إلى قوم بعد قوم. الثاني: أنه أرسل إلى الأولين فآمنوا بشريعته، وهو معنى قول ابن مسعود. وفي قوله: {أو يزيدون} ثلاثة أوجه: أحدها: أنه للإبهام كأنه قال أرسلناه إلى أحد العددين. الثاني: أنه على شك المخاطبين. الثالث: أن معناه: بل يزيدون، قاله ابن عباس وعدد من أهل التأويل، مثله قوله فكان قاب قوسين أو أدنى يعنى بل أدنى، قال جرير: شعر : أثعلبة الفوارس أو رباحاً عدلت بهم طهية والخشابا تفسير : والمعنى أثعلبة بل رباحاً. واختلف من قال بهذا في قدر زيادتهم على مائة ألف على خمسة أقاويل: أحدها: يزيدون عشرين ألفاً، رواه أُبي بن كعب مرفوعاً. الثاني: يزيدون ثلاثين ألفاً، قاله ابن عباس. الثالث:يزيدون بضعة وثلاثين ألفاً، قاله الحكم. الرابع: بضعة وأربعين ألفاً رواه سفيان بن عبد الله البصري. الخامس: سبعين ألفاً، قاله سعيد بن جبير.

ابن عطية

تفسير : وهذا {يونس} بن متى صلى الله عليه وسلم، وهو من بني إسرائيل، وروي أنه نبىء ابن ثمانية وعشرين سنة فتفسخ تحت أعباء النبوءة كما يتفسخ الربع تحت الحمل، وقد تقدم شرح قصته ولكن نذكر منها ما تفهم به هذه الألفاظ، فروي أن الله بعثه إلى قومه فدعاهم مرة فخالفوه فوعدهم بالعذاب، وأعلمه الله تعالى بيومه فحدده يونس لهم، ثم إن قومه لما رأوا مخايل العذاب قبل أن يباشرهم تابوا وآمنوا فتاب الله عليهم وصرف العذاب عنهم، وكان في هذا تجربة ليونس فلحقت يونس غضبة، ويروى أنه كان في سيرتهم أن يقتلوا الكذاب إذا لم تقم له بينة، فخافهم يونس وغضب مع ذلك فـ {أبق إلى الفلك} أي أراد الهروب ودخل في البحر وعبر عن هروبه بالإباق، من حيث هو عبد الله فر عن غير إذن مولاه، فهذه حقيقة الإباق، و {الفلك} في هذا الموضع واحد، و {المشحون} الموقر، وهنا قصص محذوف إيجازاً واختصاراً، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه لما حصل في السفينة وأبعدت في البحر ركدت ولم تجر، والسفن تجري يميناً وشمالاً فقال أهلها إن فينا لصاحب ذنب وبه يحبسنا الله تعالى فقالوا لنقترع، فأخذوا لكل أحد سهماً وقالوا اللهم ليطف سهم المذنب، ولتغرق سهام الغير فطفا سهم يونس، ففعلوا نحو هذا ثلاث مرات في كل مرة تقع القرعة عليه، فأزمعوا معه على أن يطرحوه في البحر فجاء إلى ركن من أركان السفينة ليقع منه فإذا بدابة من دواب البحر ترقبه وترصد له فرجع إلى الركن الآخر فوجدها كذلك حتى استدار أركان السفينة ليقع منه بالمركب وهي لا تفارقه فعلم أن ذلك عند الله فترامى إليها فالتقمته، وروي أنما التقمته بعد أن وقع في الماء، وروي أن الله أوحى إلى الحوت أني لم أجعل يونس لك رزقاً وإنما جعلت بطنك له حرزاً وسجناً فهذا معنى {فساهم} أي قارع وكذلك فسر ابن عباس والسدي، و"المدحض" الزاهق المغلوب في محاضة أو مساهمة أو مسابقة ومنه الحجة الداحضة، و"المليم" الذي أتى ما يلام عليه، ألام الرجل دخل في اللوم، وبذلك فسر مجاهد وابن زيد ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : وكم من مليم لم يصب بملامة ومتبع بالذنب ليس له ذنب تفسير : ومنه قول لبيد بن ربيعة: [الكامل] شعر : سفهاً عذْلتَ ولمت غير مليم وهداك قبل اليوم غير حكيم تفسير : ثم استنقذه الله من بطن الحوت بعد مدة واختلف الناس فيها، فقالت فرقة بعد ساعة من النهار، وقالت فرقة بعد سبع ساعات، وقال مقاتل بن حيان بعد ثلاثة أيام، وقال عطاء بن أبي رباح بعد سبعة أيام، وقالت فرقة بعد أربعة عشر يوماً، وقال أبو مالك والسدي بعد أربعين يوماً، وهو قول ابن جريج أنه بلغه وجعل تعالى علة استنقاذه مع القدر السابق تسبيحه، واختلف الناس في ذلك فقال ابن جريج هو قوله في بطن الحوت سبحان الله، وقالت فرقة بل التسبيح وصلاة التطوع، واختلفت هذه الفرقة، فقال قتادة وابن عباس وأبو العالية صلاته في وقت الرخاء نفعته في وقت الشدة، وقال هذا جماعة من العلماء، وقال الضحاك بن قيس على منبره اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة إن يونس كان عبداً لله ذاكراً فلما أصابته الشدة نفعه ذلك، قال الله عز وجل: {فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون}، وإن فرعون كان طاغياً باغياً فلما أدركه الغرق قال آمنت فلم ينفعه ذلك، فاذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة. وقال قتادة في الحكمة: إن العمل يرفع صاحبه إذ عثر فإذا صرع وجد متكئاً، وقال الحسن بن أبي الحسن: كانت سبحته صلاة في بطن الحوت، وروي أنه كان يرفع لحم الحوت بيديه ويقول يا رب لأبنين لك مسجداً حيث لم يبنه أحد قبلي ويصلي، وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يونس حين نادى في الظلمات، ارتفع نداؤه إلى العرش فقالت الملائكة: يا رب هذا صوت ضعيف من موضع غربة، فقال الله هو عبدي يونس فأجاب الله دعوته. قال القاضي أبو محمد: وذكر الحديث وقال ابن جبير الإشارة بقوله {من المسبحين} إلى قوله {أية : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} تفسير : [الأنبياء: 87]. قال القاضي أبو محمد: وكثر الناس في هذا القصص بما اختصرناه لعدم الصحة، وروي أن الحوت مشى به في البحار كلها حتى قذفه في نصيبين من ناحية الموصل فنبذه الله في عراء من الأرض، و"العراء" الفيفاء التي لا شجر فيها ولا معلم ومنه قول الشاعر: شعر : رفعت رجلاً لا أخاف عثارها ونبذت بالبلد العراء ثيابي تفسير : وقال السدي وابن عباس في تفسير قوله {وهو سقيم}، إنه كان كالطفل المنفوش بضعة لحم، وقال بعضهم كان كاللحم النيء إلا أنه لم ينقص من خلقه شيء فأنعشه الله في ظل "اليقطينة" بلبن أروية كانت تغاديه وتراوحه، وقيل بل كان يتغذى من اليقطينة، ويجد منها ألوان الطعام، وأنواع شهواته واختلف الناس في "اليقطينة" فقالت فرقة هي شجرة لا نعرفها سماها الله باليقطينة وهي لفظة مأخوذة من قطن إذا أقام بالمكان، وقال سعيد بن جبير وابن عباس والحسن ومقاتل اليقطين كل ما لا يقوم على ساق من عود كالبقول والقرع والحنظل، والبطيخ ونحوه مما يموت من عامه، وروي نحوه عن مجاهد، وقال ابن عباس وأبو هريرة وعمرو بن ميمون "اليقطين" القرع خاصة. قال القاضي أبو محمد: وعلى هذين القولين فإما أن يكون قوله {شجرة} تجوزاً وإما أن يكون أنبتها عليه ذات ساق خرقاً للعادة، لأن الشجرة في كلام العرب إنما يقال لما كان على ساق من عود، وحكى بعض الناس أنها كانت قرعة وهي تجمع خصالاً برد الظل والملمس وعظم الورق وأن الذباب لا يقربها، وحكى النقاش أن ماء ورق القرعة إذا رش بمكان لم يقربه ذباب، ومشهور اللغة أن "اليقطين" القرع وقد قال أمية بن أبي الصلت في قصة يونس: [الطويل] شعر : فأنبت يقطيناً عليه برحمة من الله لولا الله ألفي ضاحيا تفسير : فنبت يونس عليه السلام وصح وحسن جسمه لأن ورق القرع أنفع شيء لمن تسلخ جلده كيونس صلى الله عليه وسلم، وروي أنه كان يوماً نائماً فأيبس الله تلك اليقطينة، وقيل بعث عليها الأرضة فقطعت عروقها فانتبه يونس لحر الشمس فعز عليه شأنها وجزع له، فأوحى الله تعالى إليه: يا يونس أجزعت ليبس اليقطينة ولم تجزع لإهلاك مائة ألف أو يزيدون تابوا فتيب عليهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُونُسَ} بعثه الله ـ تعالى ـ إلى نينوى من أرض الموصل بشاطىء دجلة.

النسفي

تفسير : {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ } الإباق: الهرب إلى حيث لا يهتدي إليه الطلب، فسمى هربه من قومه بغير إذن ربه إباقاً مجازاً {إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } المملوء. وكان يونس عليه السلام وعد قومه العذاب، فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمستور منهم فقصد البحر وركب السفينة فوقفت فقالوا: ههنا عبد آبق من سيده. وفيما يزعم البحارون أن السفينة إذا كان فيها آبق لم تجر فاقترعوا فخرجت القرعة على يونس فقال: أنا الآبق، وزج بنفسه في الماء فذلك قوله {فَسَـٰهَمَ } فقارعهم مرة أو ثلاثاً بالسهام. والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ } المغلوبين بالقرعة {فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ } فابتلعه {وَهُوَ مُلِيمٌ } داخل في الملامة. {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ } من الذاكرين الله كثيراً بالتسبيح. أو من القائلين {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أو من المصلين قبل ذلك. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. ويقال: إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر {لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } الظاهر لبثه حياً إلى يوم البعث. وعن قتادة: لكان بطن الحوت له قبراً إلى يوم القيامة. وقد لبث في بطنه ثلاثة أيام أو سبعة أو أربعين يوماً. وعن الشعبي: التقمه ضحوة ولفظه عشية {فَنَبَذْنَـٰهُ بِٱلْعَرَاءِ } فألقيناه بالمكان الخالي الذي لا شجر فيه ولا نبات {وَهُوَ سَقِيمٌ } عليل مما ناله من التقام الحوت. ورُوي أنه عاد بدنه كبدن الصبي حين يولد {وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً } أي أنبتناها فوقه مظلة له كما يطنّب البيت على الإنسان {مِّن يَقْطِينٍ } الجمهور على أنه القرع، وفائدته أن الذباب لا يجتمع عنده وأنه أسرع الأشجار نباتاً وامتداداً وارتفاعاً. وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لتحب القرع قال: «حديث : أجل هي شجرة أخي يونس»تفسير : {وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ } المراد به القوم الذين بعث إليهم قبل الالتقام فتكون «قد» مضمرة {أَوْ يَزِيدُونَ } في مرأى الناظر أي إذا رآها الرائي قال: هي مائة ألف أو أكثر. وقال الزجاج: قال غير واحد: معناه بل يزيدون. قال ذلك الفراء وأبو عبيدة ونقل عن ابن عباس كذلك {فَـئَامَنُواْ } به وبما أرسل به {فَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ } إلى منتهى آجالهم. {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ } معطوف على مثله في أول السورة أي على {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً } وإن تباعدت بينهما المسافة. أمر رسول الله باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أولاً، ثم ساق الكلام موصولاً بعضه ببعض، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها حيث جعلوا لله تعالى الإناث ولأنفسهم الذكور في قولهم الملائكة بنات الله مع كراهتهم الشديدة لهن ووأدهم واستنكافهم من ذكرهن {أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلَـٰئِكَةَ إِنَـٰثاً وَهُمْ شَـٰهِدُونَ } حاضرون تخصيص علمهم بالمشاهدة استهزاء بهم وتجهيل لهم لأنهم كما لم يعلموا ذلك مشاهدة لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم ولا بإخبار صادق ولا بطريق استدلال ونظر، أو معناه أنهم يقولون ذلك عن طمأنينة نفس لإفراط جهلهم كأنهم شاهدوا خلقهم {أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } في قولهم. {أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ } بفتح الهمزة للاستفهام، وهو استفهام توبيخ. وحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } هذا الحكم الفاسد. {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } بالتخفيف: حمزة وعلي وحفص {أَمْ لَكُمْ سُلْطَـٰنٌ مُّبِينٌ } حجة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بنات الله {فَأْتُواْ بِكِتَـٰبِكُمْ } الذي أنزل عليكم {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } في دعواكم {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ } بين الله {وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ } الملائكة لاستتارهم {نَسَباً } وهو زعمهم أنهم بناته أو قالوا إن الله تزوج من الجن فولدت له الملائكة {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } ولقد علمت الملائكة إن الذين قالوا هذا القول لمحضرون في النار {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } نزه نفسه عن الولد والصاحبة {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } استثناء منقطع من المحضرين معناه ولكن المخلصين ناجون من النار و {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ } اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه، ويجوز أن يقع الاستثناء من واو {يَصِفُونَ } أي يصفه هؤلاء بذلك ولكن المخلصون براء من أن يصفوه به {فَإِنَّكُمْ } يا أهل مكة {وَمَا تَعْبُدُونَ } ومعبوديكم {مَآ أَنتُمْ } وهم جميعاً {عَلَيْهِ } على الله {بِفَـٰتِنِينَ } بمضلين {إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ } بكسر اللام أي لستم تضلون أحداً إلا أصحاب النار الذين سبق في علمه أنهم بسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها. يقال: فتن فلان على فلان امرأته كما تقول أفسدها عليه. وقال الحسن: فإنكم أيها القائلون بهذا القول والذي تعبدونه من الأصنام، ما أنتم على عبادة الأوثان بمضلين أحداً إلا من قدر عليه أن يصلى الجحيم أي يدخل النار. وقيل: ما أنتم بمضلين إلا من أوجبت عليه الضلال في السابقة. و «ما» في {مَا أَنتُمْ } نافية و «من» في موضع النصب بـ {فاتنين} وقرأ الحسن {هُوَ صالُ ٱلْجَحِيمِ } بضم اللام، ووجهه أن يكون جمعاً فحذفت النون للإضافة وحذفت الواو لالتفاء الساكنين هي واللام في الجحيم ومن موحد اللفظ مجموع المعنى فحمل هو على لفظه والصالون على معناه. {وَمَا مِنَّا } أحد {إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } في العبادة لا يتجاوزه فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ } نصف أقدامنا في الصلاة أو نصف حول العرش داعين للمؤمنين {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ } المنزهون أو المصلون. والوجه أن يكون هذا وما قبله من قوله {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } من كلام الملائكة حتى يتصل بذكرهم في قوله {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ } كأنه قيل: ولقد علم الملائكة وشهدوا أن المشركين مفترون عليهم في مناسبة رب العزة وقالوا سبحان الله، فنزهوه عن ذلك واستثنوا عباد الله المخلصين وبرؤوهم منه وقالوا للكفرة: فإذا صح ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحداً من خلقه وتضلوه إلا من كان من أهل النار، وكيف نكون مناسبين لرب العزة وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه لكل منا مقام معلوم من الطاعة لا يستطيع أن يزل عنه ظفراً خشوعاً لعظمته، ونحن الصافون أقدامنا لعبادته مسبحين ممجدين كما يجب على العباد لربهم؟ وقيل: هو من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني وما من المسلمين أحد إلا له مقام معلوم يوم القيامة على قدر عمله من قوله تعالى: {أية : عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا }تفسير : [الإسراء: 79] ثم ذكر أعمالهم وأنهم الذين يصطفون في الصلاة ويسبحون الله وينزهونه عما لا يجوز عليه. {وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ } أي مشركو قريش قبل مبعثه عليه السلام {لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مّنَ ٱلأَوَّلِينَ } أي كتاباً من كتب الأولين الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل {لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } لأخلصنا العبادة لله ولما كذبنا كما كذبوا ولما خالفنا كما خالفوا، فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار والكتاب الذي هو معجز من بين الكتب {فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } مغبة تكذيبهم وما يحل بهم من الانتقام. و«إن» مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة وفي ذلك أنهم كانوا يقولونه مؤكدين للقول جادين فيه فكم بين أول أمرهم وآخره {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ } الكلمة قوله {إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } وإنما سماها كلمة وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد الموعد بعلوهم على عدوهم في مقام الحجاج وملاحم القتال في الدنيا وعلوهم عليهم في الآخرة. وعن الحسن: ما غلب نبي في حرب. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في العقبى. والحاصل أن قاعدة أمرهم وأساسه والغالب منه الظفر والنصرة وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة والعبرة للغالب. {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } فأعرض عنهم {حَتَّىٰ حِينٍ } إلى مدة يسيرة وهي المدة التي أمهلوا فيها أو إلى يوم بدر أو إلى فتح مكة {وَأَبصِرْهُمْ } أي أبصر ما ينالهم يومئذ {فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } ذلك وهو للوعيد لا للتبعيد، أو انظر إليهم إذا عذبوا فسوف يبصرون ما أنكروا، أو أعلمهم فسوف يعلمون. {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } قبل حينه {فَإِذَا نَزَلَ } العذاب {بِسَاحَتِهِمْ } بفنائهم {فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ } صباحهم. واللام في {ٱلْمُنْذَرِينَ } مبهم في جنس من أنذروا، لأن «ساء» و«بئس» يقتضيان ذلك. وقيل: هو نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة. مثّل العذاب النازل بهم بعدما أنذروه فأنكروه بجيش أنذر بهجومه قومه بعض نصّاحهم فلم يلتفتوا إلى إنذاره حتى أناخ بفنائهم بغتة فشن عليهم الغارة، وكانت عادة مغاويرهم أن يغيروا صباحاً فسميت الغارة صباحاً وإن وقعت في وقت آخر {وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } وإنما ثنى ليكون تسلية على تسلية وتأكيداً لوقوع الميعاد إلى تأكيد، وفيه فائدة زائدة وهي إطلاق الفعلين معاً عن التقييد بالمفعول وأنه يبصروهم يبصرون ما لا يحيط به الذكر من صنوف المسرة وأنواع المساءة. وقيل: أريد بأحدهما عذاب الدنيا وبالآخرة عذاب الآخرة. {سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ } أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها كأنه قيل ذو العزة كما تقول صاحب صدق لاختصاصه بالصدق، ويجوز أن يراد أنه ما من عزة لأحد إلا وهو ربها ومالكها كقوله، {أية : تعز مَن تَشَاء } تفسير : [آل عمران: 26] {عَمَّا يَصِفُونَ } من الولد والصاحبة والشريك {وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ } عم الرسل بالسلام بعدما خص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلاً {وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } على هلاك الأعداء ونصرة الأنبياء. اشتملت السورة على ذكر ما قاله المشركون في الله ونسبوه إليه مما هو منزه عنه وما عاناه المرسلون من جهتهم وما خولوه في العاقبة من النصرة عليهم، فختمها بجوامع ذلك من تنزيه ذاته عما وصفه به المشركون والتسليم على المرسلين، والحمد لله رب العالمين على ما قيض لهم من حسن العواقب. والمراد تعليم المؤمنين أن يقولوا ذلك ولا يخلّوا به ولا يغفلوا عن مضمنات كتاب الكريم ومودعات قرآنه المجيد. وعن علي رضي الله عنه: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه {سُبْحَـٰنَ رَبّكَ رَبّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ...} الآية هو يونُسُ بن مَتَّى صلى الله عليه وسلم، وهُو مِنْ بنِي إسرائيل. وقوله تعالى: {إِذْ أَبَقَ} الآية، وذلك أنه لما أخْبَرَ قَوْمَهُ بِوقْتِ مجيءِ العذَابِ، وغَابَ عَنْهُمْ، ثم إنَّ قَوْمَهُ لَما رَأَوْا مَخَايِلَ العَذَابِ أنابُوا إلى اللَّهِ، فَقبلَ تَوْبَتَهُمْ، فلَمّا مَضَى وقتُ العَذَابِ، وَلَمْ يُصِبْهُمْ، قال يونسُ: لا أرْجِعُ إليهمْ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، ورُوِي أنَّه كَانَ في سيرَتِهِمْ أَنْ يَقْتُلُوا الكَذَّابَ فَأَبقَ إلى الْفُلْكِ، أيْ: أَرَادَ الهُرُوبَ، ودَخَلَ في البَحْرِ، وعبَّر عَنْ هُرُوبِهِ بالإباقِ مِنْ حَيْثُ [إنَّه] فَرَّ عَنْ غَيْرِ إذْنِ مولاهُ، فَرُوِيَ عَنِ ابنِ مسعودٍ؛ أنه لمَّا حَصَلَ في السفينةِ، وأبْعَدَتْ في البحرِ، رَكَدَتْ وَلَمْ تَجْرِ؛ وغيرُها من السُّفُن يجري يميناً وشِمالاً، فقال أهلها إنَّ فينا لصَاحبَ ذَنْبٍ وَبِهِ يَحْبِسُنَا اللَّهُ تعالَىٰ، فقالُوا: لِنَقْتَرِعْ، فأَخَذُوا لِكُلِّ وَاحِدٍ سَهْماً، وَٱقْتَرَعُوا، فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلى يونُسَ، ثَلاَثَ مراتٍ، فَطَرَحَ حينَئِذٍ نَفْسَهُ، والْتَقَمَهُ الحُوتُ، ورُوي أَنَّ اللَّهَ تعالى أَوْحَى إلى الحوتِ أَني لَمْ أَجْعَلْ يُونُسَ لَكَ رِزْقاً، وإنما جَعَلْتُ بَطْنَكَ لَه حِرْزاً وسِجْناً، فهذا مَعْنَىٰ {فَسَـٰهَمَ}. والمُدْحَضُ: المغلوبُ في مُحَاجَّةٍ أوْ مَسَاهَمَةٍ، وعبارةُ ابنِ العَرَبِيِّ في «الأحكام»: «وأوْحَى اللَّه تعالَىٰ إلى الحُوتِ: إنا لَمْ نَجْعَلْ يونُسَ لَكَ رِزْقاً، وإنما جعلنا بَطْنَكَ له مَسْجِداً» الحديثَ، انتهى، ولَفْظَةُ «مَسْجِدٍ»: أَحْسَنُ من السِّجْنِ، فَرَحِمَ اللَّهُ عَبداً لَزِمَ الأَدَبَ لا سِيَّمَا مَعَ أنْبِيَائِهِ وأَصْفِيائِه، والـ«مُلِيمُ»: الّذِي أتَى مَا يُلاَمُ عَلَيه؛ وبذلك فَسَّر مجاهدٌ وابنُ زيد.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر عن طاوس في قوله ‏{‏وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون‏} ‏ قال‏:‏ قيل ليونس عليه السلام إن قومك يأتيهم العذاب يوم كذا وكذا‏.‏‏.‏ فلما كان يومئذ، خرج يونس عليه السلام، ففقده قومه، فخرجوا بالصغير، والكبير، والدواب، وكل شيء‏.‏ ثم عزلوا الوالدة عن ولدها، والشاة عن ولدها، والناقة والبقرة عن ولدها، فسمعت لهم عجيجاً، فأتاهم العذاب حتى نظروا إليه، ثم صرف عنهم‏.‏ فلما لم يصبهم العذاب، ذهب يونس عليه السلام مغاضباً، فركب في البحر في سفينة مع أناس، حتى إذا كانوا حيث شاء الله تعالى، ركدت السفينة، فلم تسر فقال صاحب السفينة‏:‏ ما يمنعنا أن نسير إلا أن فيكم رجلاً مشؤوماً قال‏:‏ فاقترعوا ليلقوا أحدهم، فخرجت القرعة على يونس، فقالوا‏:‏ ما كنا لنفعل بك هذا‏.‏ ثم اقترعوا أيضاً، فخرجت القرعة عليه ثلاثاً، فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت قال طاوس‏:‏ بلغني أنه لما نبذه الحوت بالعراء وهو سقيم، نبتت عليه شجرة من يقطين واليقطين الدباء، فمكث حتى إذا رجعت إليه نفسه يبست الشجرة، فبكى يونس عليه السلام حزناً عليها، فأوحى الله إليه‏:‏ أتبكي على هلاك شجرة ولا تبكي على هلاك مائة ألف‏؟‏‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ لما بعث الله يونس عليه السلام إلى أهل قريته، فردوا عليه ما جاءهم به، فامتنعوا منه، فلما فعلوا ذلك أوحى الله إليه‏:‏ إني مرسل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا‏.‏‏.‏ فأخرج من بين أظهرهم، فاعلم قومه الذي وعد الله من عذابه إياهم، فقالوا‏:‏ ارمقوه فإن هو خرج من بين أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم‏.‏ فلما كانت الليلة التي وعدوا العذاب في صبيحتها، أدلج فرآه القوم، فحذروا فخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم، وفرقوا بين كل دابة وولدها‏.‏ ثم عجوا إلى الله، وأنابوا واستقالوا، فأقالهم وانتظر يونس عليه‏ الخبر عن القرية وأهلها‏.‏ حتى مر مار فقال‏:‏ ما فعل أهل القرية‏؟‏ قال‏:‏ فعلوا أن نبيهم لما خرج من بين أظهرهم عرفوا أنه قد صدقهم ما وعدهم من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض، ثم فرقوا بين كل ذات ولد وولدها، ثم عجوا إلى الله، وتابوا إليه فقبل منهم، وأخر عنهم العذاب‏.‏ فقال يونس عليه السلام عند ذلك‏:‏ لا أرجع إليهم كذاباً أبداً، ومضى على وجهه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدالله بن الحارث قال‏:‏ لما خرج يونس عليه السلام مغاضباً أتى السفينة، فركبها فامتنعت أن تجري فقال أصحاب السفينة‏:‏ ما هذا إلا لحدث أحدثتموه‏!‏ فقال بعضهم لبعض‏:‏ تعالوا حتى نقترع، فمن وقعت عليه القرعة فالقوه في الماء، فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس عليه السلام، ثم عادوا فوقعت القرعة عليه في الثالثة، فلما رأى يونس ذلك قال‏:‏ هو أنا، فخرج فطرح نفسه في الماء، فإذا حوت قد رفع رأسه من الماء قدر ثلاثة أذرع، فذهب ليطرح نفسه، فاستقبله الحوت، فإذا هوى إليه ليأخذه، فتحول إلى الجانب الآخر، فإذا الحوت قد استقبله، فلما رأى يونس عليه السلام ذلك عرف أنه أمر من الله، فطرح نفسه، فأخذه الحوت قبل أن يمر على الماء، فأوحى الله إلى الحوت أن لا تهضم له عظماً، ولا تأكل له لحماً حتى آمر بأمري‏ بكذا وكذا وكذا‏.‏‏.‏‏.‏ حتى ألزقه بالطين، فسمع تسبيح الأرض، فذلك حين نادى‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لما ألقى يونس عليه سلام نفسه في البحر التقمه الحوت، هوى به حتى انتهى إلى مفجر من الأرض أو كلمة تشبهها، فسمع تسبيح الأرض ‏{‏فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين‏}‏ ‏[‏الأنبياء: 87‏]‏ فأقبلت الدعوة تحوم حول العرش، فقالت الملائكة‏:‏ يا ربنا إنا نسمع صوتاً ضعيفاً من بلاد غربة قال‏:‏ وتدرون ما ذاكم‏؟‏ قالوا‏:‏ لا يا ربنا قال‏:‏ ذاك عبدي يونس قالوا‏:‏ الذي كنا لا نزال نرفع له عملاً متقبلاً، ودعوة مجابة، قال‏:‏ نعم‏.‏ قالوا‏:‏ يا ربنا ألا ترحم ما كان يصنع في الرخاء، وتنجيه عند البلاء‏.‏ قال‏:‏ بلى فأمر الحوت فحفظه‏ ". تفسير : ‏وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه‏،‏ أن لفظه حين لفظه في أصل يقطينة وهي الدباء، فلفظه وهو كهيئة الصبي، وكان يستظل بظلها، وهيأ الله له أرواة من الوحش، فكانت تروح عليه بكرة وعشية، فتفشخ رجليها، فيشرب من لبنها حتى نبت لحمه‏. وأخرج ابن إسحاق والبزار وابن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ‏"حديث : ‏لما أراد الله حبس يونس عليه السلام في بطن الحوت، أوحى الله إلى الحوت أن خذه، ولا تخدش له لحماً، ولا تكسر له عظماً، فأخذه ثم أهوى به إلى مسكنه في البحر، فلما انتهى به إلى أسفل البحر، سمع يونس حساً فقال في نفسه‏:‏ ما هذا‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت‏:‏ إن هذا تسبيح دواب الأرض، فسبح وهو في بطن الحوت، فقالوا‏:‏ ربنا إنا نسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غربة قال‏:‏ ذاك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر قالوا‏:‏ العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم عمل صالح‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ فشفعوا له عند ذلك، فأمره، فقذفه في الساحل كما قال الله ‏{‏وهو سقيم‏}‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ إن يونس عليه السلام كان وعد قومه العذاب، وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام، ففرقوا بين كل والدة وولدها، ثم خرجوا، فجأروا إلى الله، واستغفروه، فكف الله عنهم العذاب، وغدا يونس عليه السلام ينتظر العذاب، فلم ير شيئاً، وكان من كذب ولم يكن له بينة قتل‏.‏ فانطلق مغاضباً، حتى أتى قوماً في سفينة، فحملوه وعرفوه، فلما دخل السفينة ركدت، والسفن تسير يميناً وشمالاً فقال‏:‏ ما بال سفينتكم‏؟‏‏!‏ قالوا‏:‏ ما ندري‏!‏ قال‏:‏ ولكني أدري‏ أن فيها عبداً أبق من ربه، وأنها والله لا تسير حتى تلقوه، قالوا‏:‏ أما أنت والله يا نبي الله فلا نلقيك‏.‏ فقال لهم يونس عليه السلام‏:‏ اقترعوا فمن قرع‏.‏ فليقع، فاقترعوا فقرعهم يونس عليه السلام ثلاث مرات، فوقع وقد وكل به الحوت، فلما وقع ابتلعه، فأهوى به إلى قرار الأرض، فسمع يونس عليه السلام تسبيح الحصى ‏{أية : ‏فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين‏}تفسير : ‏ ‏[‏الأنبياء: 87‏]‏ قال‏:‏ ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل، قال ‏ {‏فنبذ بالعراء وهو سقيم‏}‏ قال كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين، فكان يستظل بها ويصيب منها، فيبست فبكى عليها حين يبست، فأوحى الله إليه‏:‏ أتبكي على شجرة أن يبست، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم‏؟‏ فخرج فإذا هو بغلام يرعى غنماً فقال‏:‏ ممن أنت يا غلام‏؟‏ قال‏:‏ من قوم يونس قال‏:‏ فإذا رجعت إليهم، فاقرئهم السلام وأخبرهم إنك لقيت يونس، فقال له الغلام‏:‏ إن تكن يونس فقد تعلم أنه من كذب ولم يكن له بينة قتل، فمن يشهد لي قال‏:‏ تشهد لك هذه الشجرة، وهذه البقعة‏.‏ فقال الغلام ليونس‏:‏ مرهما فقال لهما يونس عليه السلام‏:‏ إذا جاء كما هذا الغلام فاشهدا له‏.‏ قالتا‏:‏ نعم‏.‏ فرجع الغلام إلى قومه، وكان له إخوة، فكان في منعة، فأتى الملك فقال‏:‏ إني لقيت يونس وهو يقرأ عليكم السلام، فأمر به الملك أن يقتل فقال‏:‏ إن له بينة، فأرسل معه، فانتهوا إلى الشجرة والبقعة فقال لهما الغلام‏:‏ نشدتكما بالله هل أشهدكما يونس‏؟‏ قالتا‏:‏ نعم‏.‏ فرجع القوم مذعورين يقولون‏:‏ تشهد لك الشجرة والأرض‏!‏ فأتوا الملك، فحدثوه بما رأوا، فتناول الملك يد الغلام، فأجلسه في مجلسه، وقال‏:‏ أنت أحق بهذا المكان مني، وأقام لهم أمرهم ذلك الغلام أربعين سنة‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال‏:‏ إن يونس بن متى كان عبداً صالحاً، وكان في خلقه ضيق، فلما حملت عليه أثقال النبوّة‏.‏ ولها أثقال لا يحملها إلا قليل‏.‏ تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل، فقذفها من يده، وخرج هارباً منها‏.‏ يقول الله لنبيه ‏{أية : ‏فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تكن كصاحب الحوت‏}تفسير : ‏ ‏[‏الأحقاف: 35‏].‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏فساهم فكان من المدحضين‏} ‏ قال‏:‏ من المسهومين قال‏:‏ اقترع فكان من المدحضين قال‏:‏ من المسهومين‏. وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏فساهم فكان من المدحضين‏}‏ قال‏:‏ احتبست السفينة، فعلم القوم أنها احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقرع يونس عليه السلام، فرمى بنفسه، ‏ {‏فالتقمه الحوت وهو مليم‏} ‏ أي مسيء فيما صنع ‏ {‏فلولا أنه كان من المسبحين‏}‏ قال‏:‏ كان كثير الصلاة في الرخاء فنجا، وكان يقال في الحكمة‏.‏ إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر، وإذا ما صرع‏‏ وجد متكأ ‏{‏للبث في بطنه إلى يوم يبعثون‏} ‏ يقول‏:‏ لصارت له قبر إلى يوم القيامة‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن وهب بن منبه رضي الله عنه أنه جلس هو وطاوس ونحوهم من أهل ذلك الزمان، فذكروا أي أمر الله أسرع‏؟‏ فقال بعضهم‏:‏ قول الله تعالى ‏{أية : كلمح البصر‏}تفسير : ‏[النحل: 77‏] وقال بعضهم‏:‏ السرير حين أتى به سليمان‏.‏ فقال ابن منبه‏:‏ أسرع أمر الله أن يونس على حافة السفينة، إذ أوحى الله تعالى إلى نون في نيل مصر، فما خرَّ من حافتها إلا في جوفه‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال ‏(التقمه حوت‏) ‏ يقال له نجم، فجرى به في بحر الروم، ثم النيل، ثم فارس، ثم في دجلة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏وهو مليم‏} ‏ مسيء‏.‏ وأخرج ابن الأنباري والطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله ‏ {‏وهو مليم‏} ‏ قال‏:‏ المليم المسيء والمذنب قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت أمية بن أبي الصلت وهو يقول‏: شعر : بريء من الآفات ليس لها بأهل ولكن المسيء هو المليم تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏وهو مليم‏}‏ قال‏:‏ مذنب‏. وأخرج أحمد في الزهد عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله ‏{‏فلولا أنه كان من المسبحين‏} ‏ قال‏:‏ لولا أنه حلاله عمل صالح ‏{‏للبث في بطنه إلى يوم يبعثون‏}‏ قال‏:‏ وفي الحكمة‏.‏ إن العمل الصالح يرفع صاحبه‏. وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فلولا أنه كان من المسبحين‏} ‏ قال‏:‏ من المصلين قبل أن يدخل بطن الحوت‏. وأخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فلولا أنه كان من المسبحين‏} ‏ قال‏:‏ ما كان إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت‏.‏ فذكر ذلك لقتادة رضي الله عنه فقال‏:‏ لا‏.‏ إنما كان يعمل في الرخاء‏. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏فلولا أنه كان من المسبحين‏} ‏ قال‏:‏ من المصلين‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏فلولا أنه كان من المسبحين‏}‏ قال‏:‏ العابدين الله قبل ذلك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن أبي الحسن رضي الله عنه ‏ {‏فلولا أنه كان من المسبحين‏}‏ قال‏:‏ لولا أنه كان له سلف من عبادة وتسبيح، تداركه الله به حين أصابه ما أصابه، نعمه في بطن الحوت أربعين من بين يوم وليلة، ثم أخرجه وتاب عليه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ‏ {‏فلولا أنه كان من المسبحين‏} ‏ قال‏:‏ نعلم والله أن التضرع في الرخاء استعداد لنزول البلاء، ويجد صاحبه متكأ إذا نزل به، وإن سالف السيئة تلحق صاحبها وإن قدمت‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك رضي الله عنه قال‏:‏ اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، فإن يونس عليه السلام كان عبداً صالحاً ذاكراً لله، فلما وقع في بطن الحوت قال الله ‏{‏فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون‏}‏ وإن فرعون كان عبداً طاغياً، ناسياً لذكر الله، فلما أدركه الغرق قال‏:‏ ‏{أية : ‏آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين‏}تفسير : ‏[‏يونس: 90‏]‏ فقيل له ‏{أية : ‏آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين‏}تفسير : [يونس: 90]‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فلولا أنه كان من المسبحين‏}‏ قال‏:‏ كان يكثر الصلاة في الرخاء، فلما حصل في بطن الحوت، ظن أنه الموت، فحرك رجليه، فإذا هي تتحرك، فسجد وقال‏:‏ يا رب اتخذت لك مسجداً في موضع لم يسجد فيه أحد‏. وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن الشعبي قال‏:‏ التقمه الحوت ضحى، ولفظه عشية، ما بات في بطنه‏. وأخرج الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ مكث يونس عليه السلام في بطن الحوت أربعين يوما‏ً.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه عن ابن جريج قال‏:‏ بقي يونس في بطن الحوت أربعين يوما‏ً.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك رضي الله عنه قال‏:‏ لبث يونس عليه السلام في بطن الحوت أربعين يوما‏ً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال‏:‏ لبث يونس في بطن الحوت سبعة أيام، فطاف به البحار كلها، ثم نبذه على شاطىء دجلة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال ‏ {‏التقمه الحوت‏} ‏ يقال له نجم، وإنه لبث ثلاثاً في جوفه، وفي قوله ‏ {‏فلولا أنه كان من المسبحين‏} ‏ قال‏:‏ كان كثير الصلاة في الرخاء، فنجا ‏ {‏للبث في بطنه‏}‏ قال‏:‏ لصار له بطن الحوت قبراً ‏{‏إلى يوم يبعثون‏} ‏ قال‏:‏ إلى يوم القيامة‏.‏ وفي قوله ‏{‏فنبذناه بالعراء‏} ‏ قال‏:‏ شط دجلة‏.‏ ونينوى على شط دجلة، مكث في بطنه أربعين يوماً يتردّد به في دجلة‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏فنبذناه بالعراء‏}‏ قال‏:‏ ألقيناه بالساحل‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن شهر بن حوشب رضي الله عنه قال‏:‏ انطلق يونس عليه السلام مغضباً، فركب مع قوم في سفينة، فوقفت السفينة لم تسر، فساهمهم، فتدلى في البحر، فجاء الحوت يبصبص بذنبه، فنودي الحوت أنا لم نجعل يونس لك رزقاً، إنما جعلناك له حرزاً ومسجداً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال‏:‏ لما ذهب مغاضباً، فكان في بطن الحوت قال من بطن الحوت‏:‏ إلهي من البيوت أخرجتني، ومن رؤوس الجبال أنزلتني، وفي البلاد سيرتني، وفي البحر قذفتني، وفي بطن الحوت سجنتني، فما تعرف مني عملاً صالحاً تروح به عني‏.‏ قالت الملائكة عليهم السلام‏:‏ ربنا صوت معروف من مكان غربة‏!‏ فقال لهم الرب‏:‏ ذاك عبدي يونس قال الله ‏ {‏فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون‏} ‏ وكان في بطن الحوت أربعين يوماً، فنبذه الله ‏ {‏بالعراء وهو سقيم‏} ‏ وأنبت ‏{‏عليه شجرة من يقطين‏}‏ قال‏:‏ اليقطين الدباء، فاستظل بظلها، وأكل من قرعها، وشرب من أصلها ما شاء الله‏.‏ ثم إن الله تعالى أيبسها، وذهب ما كان فيها، فحزن يونس عليه السلام، فأوحى الله إليه‏:‏ حزنت على شجرة أنبتها ثم أيبستها، ولم تحزن على قومك حين جاءهم العذاب، فصرف عنهم، ثم ذهبت مغاضباً‏. وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن حميد بن هلال قال‏:‏ كان يونس عليه السلام يدعو قومه، فيأبون عليه، فإذا خلا دعا الله لهم بالخير، وقد بعثوا عليه عيناً، فلما أعيوه، دعا الله عليهم، فأتاهم عينهم فقال‏:‏ ما كنتم صانعين فاصنعوا، فقد أتاكم العذاب، فقد دعا عليكم، فانطلق ولا يشك أنه سيأتيهم العذاب، فخرجوا قد ولهوا البهائم عن أولادها، فخرجوا تائبين فرحمهم الله تعالى، وجاء يونس عليه السلام ينظر بأي شيء أهلكها، فإذا الأرض مسودة منهم بدون عذاب، وذاك حين ذهب مغاضباً، فركب مع قوم في سفينة، فجعلت السفينة لا تنفذ، ولا ترجع فقال بعضهم لبعض، ماذا إلا لذنب بعضكم‏؟‏ فاقترعوا أيكم نلقيه في الماء ونخلي وجهنا، فاقترعوا، فبقي سهم يونس عليه السلام في الشمال فقالوا‏:‏ لا نفتدي من أصحابنا بنبي الله فقال يونس عليه السلام‏:‏ ما يراد غيري، فاقذفوني ولا تنكسوني، ولكن صبوني على رجلي صباً، ففعلوا وجاء الحوت شاحباً فاه، فالتقمه فاتبعه حوت أكبر من ذلك ليلتقمهما، فسبقه فكان يونس في بطن الحوت حتى رق العظم، وذهب اللحم والبشر والشعر، وكان سقيماً فدعا بما دعا به، فنبذ بالعراء وهو سقيم، فأنبت الله ‏ {‏عليه شجرة من يقطين‏} ‏ فكان فيها غذاه حتى اشتد العظم، ونبت اللحم والشعر والبشر، فعاد كما كان، فبعث الله عليها ريحاً، فيبست فبكى عليها، فأوحى الله إليه يا يونس أتبكي على شجرة جعل الله لك فيها غذاء، ولا تبكي على قومك أن يهلكوا‏؟ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال‏:‏ لما بعث الله يونس عليه السلام إلى قومه يدعوهم إلى الله وعبادته، وأن يتركوا ما هم فيه، أتاهم فدعاهم، فأبوا عليه، فرجع إلى ربه فقال‏:‏ رب إن قومي قد أبوا عليَّ وكذبوني قال‏:‏ فارجع إليهم فإن هم آمنوا وصدقوا، وإلا فاخبرهم أن العذاب مصبحهم غدوة، فأتاهم فدعاهم، فأبوا عليه قال‏:‏ فإن العذاب مصبحكم غدوة، ثم تولى عنهم فقال القوم بعضهم لبعض، والله ما جربنا عليه من كذب منذ كان فينا، فانظروا صاحبكم، فإن بات فيكم الليلة، ولم يخرج من قريتكم، ولم يبت فيها، فاعلموا أن العذاب مصبحكم، حتى إذا كان في جوف الليل، أخذ مخلاة فجعل فيها طعيماً له، ثم خرج فلما رأوه فرقوا بين كل والدة وولدها، من بهيمة أو إنسان، ثم عجوا إلى الله مؤمنين ومصدقين بيونس عليه السلام، وبما جاء به، فلما رأى الله ذلك منهم بعد ما كان قد غشيهم العذاب كما يغشى القبر بالثوب كشفه عنهم، ومكث ينظر ما أصابهم من العذاب، فلما أصبح رأى القوم يخرجون لم يصبهم شيء من العذاب قال‏:‏ لا والله لا آتيهم وقد جربوا عليَّ كذبة، فخرج فذهب مغاضباً لربه، فوجد قوماً يركبون في سفينة، فركب معهم، فلما جنحت بهم السفينة، تكفت ووقفت فقال القوم‏:‏ إن فيكم لرجلاً عظيم الذنب، فاستهموا لا تغرقوا جميعاً، فاستهم القوم فسهمهم يونس عليه السلام قال القوم‏:‏ لا نلقي فيه نبي الله، اختلطت سهامكم، فأعيدوها فاسهموا، فسهمهم يونس فلما رأى يونس عليه السلام ذلك قال للقوم‏:‏ فالقوني لا تغرقوا جميعاً، فألقوه فوكل الله تعالى به حوتاً، فالتقمه لا يكسر له عظماً، ولا يأكل له لحماً، فهبط به الحوت، إلى أسفل البحر، فلما جنه الليل،نادى في ظلمات ثلاث:‏ ظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلمة البحر ‏{أية : ‏أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين‏}تفسير : ‏ ‏[‏الأنبياء: 87‏]‏ فأوحى الله إلى الحوت‏:‏ أن ألقيه في البر، فارتفع الحوت، فألقاه في البر لا شعر له، ولا جلد، ولا ظفر، فلما طلعت عليه الشمس أذاه حرها، فدعا الله فأنبتت ‏ {‏عليه شجرة من يقطين‏} ‏ وهي الدباء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال‏:‏ لما ألقي يونس عليه السلام في بطن الحوت، طاف في البحور كلها سبعة أيام، ثم انتهى به إلى شط دجلة، فقذفه على شط دجلة، فأنبت الله ‏{‏عليه شجرة من يقطين‏}‏ قال من نبات البرية، فأرسله ‏ {‏إلى مائة ألف أو يزيدون‏}‏ قال‏:‏ يزيدون بسبعين ألفاً، وقد كان أظلهم العذاب، ففرقوا بين كل ذات رحم ورحمها من الناس والبهائم، ثم عجوا إلى الله، فصرف عنهم العذاب، ومطرت السماء دماً‏. وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد عن وهب قال‏:‏ أمر الحوت أن لا يضره، ولا يكلمه‏.‏ قال الله ‏{‏فلولا أنه كان من المسبحين‏} قال‏:‏ من العابدين قبل ذلك، فذكر بعبادته، فلما خرج من البحر نام نومة، فأنبت الله ‏ {‏عليه شجرة من يقطين‏}‏ وهي الدباء فأظلته، فبلغت في يومها، فرآها قد أظلته، ورأى خضرتها فأعجبته، ثم نام نومة فاستيقظ، فإذا هي قد يبست، فجعل يحزن عليها، فقيل أنت الذي لم تخلق، ولم تسق، ولم تنبت، تحزن عليها‏.‏ وأنا الذي خلقت مائة ألف من الناس أو يزيدون، ثم رحمتهم، فشق عليك‏. وأخرج ابن جرير من طريق ابن قسيط أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول‏:‏ طرح بالعراء، فأنبت الله عليه يقطينة، فقلنا يا أبا هريرة‏:‏ ما اليقطينة‏؟‏ قال‏:‏ شجرة الدباء‏.‏ هيأ الله تعالى له أروية وحشية تأكل من خشاش الأرض، فتفشخ عليه، فترويه من لبنها كل عشية وبكرة‏.‏ حتى نبت وقال ابن أبي الصلت قبل الإِسلام في ذلك بيتاً من شعر‏: شعر : فأنبت يقطيناً عليه برحمة من الله لولا الله ألفى ضاحيا تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {‏وأنبتنا عليه شجرة من يقطين‏} ‏ قال‏:‏ القرع‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله ‏{‏شجرة من يقطين‏} ‏ قال‏:‏ القرع‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ كنا نحدث أنها الدباء هذا القرع، الذي رأيتم أنبتها الله عليه يأكل منها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏شجرة من يقطين‏} ‏ قال‏:‏ القرع‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة وسعيد بن جبير في قوله {‏شجرة من يقطين‏} ‏ قالا‏:‏ هي الدباء‏.‏ وأخرج الديلمي عن الحسن بن علي رفعه ‏"‏كلوا اليقطين، فلو علم الله عز وجل شجرة أخف منها لأنبتها على يونس عليه السلام، وإذا اتخذ أحدكم مرقا فليكثر فيه من الدباء، فإنه يزيد في الدماغ، وفي العقل‏"‏‏. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه قال‏:‏ أنبت الله شجرة من يقطين، وكان لا يتناول منها ورقة فيأخذها إلا أروته لبنا‏ً.‏ أو قال‏:‏ يشرب منها ما شاء حتى نبت‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏وأنبتنا عليه شجرة من يقطين‏}‏ قال‏:‏ غير ذات أصل من الدباء، أو غيره من شجرة ليس لها ساق‏. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏وأنبتنا عليه شجرة من يقطين‏} ‏ قال‏:‏ كل شيء نبت، ثم يموت من عامه‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ ما بال البطيخ من القرع، هو كل شيء يذهب على وجه الأرض‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال‏:‏ كل شجرة لا ساق لها فهي من اليقطين، والذي يكون على وجه الأرض من البطيخ والقثاء‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه سئل عن اليقطين أهو القرع‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ ولكنها شجرة سماها الله اليقطين، أظلته‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قي قوله {وأرسلناه‏} قبل أن يلتقمه الحوت‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن وقتادة في قوله {وأرسلناه‏}‏ قالا بعثه الله تعالى قبل أن يصيبه ما أصابه، أرسل إلى أهل نينوى من أرض الموصل‏.‏ وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ إنما كانت رسالة يونس عليه السلام بعدما نبذه الحوت، ثم تلا ‏{‏فنبذناه بالعراء‏}‏ إلى قوله ‏ {‏وأرسلناه إلى مائة ألف‏}‏‏ . وأخرج الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه قال‏:‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله ‏{‏وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون‏}‏ قال‏:‏ يزيدون عشرين ألفا‏ً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏أو يزيدون‏} ‏ قال‏:‏ يزيدون ثلاثين ألفاً‏. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏أو يزيدون‏}‏ قال‏:‏ يزيدون بضعة وثلاثين ألفا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏إلى مائة ألف أو يزيدون‏} ‏ قال‏:‏ كانوا مائة ألف، وبضعة وأربعين ألفاً‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏مائة ألف أو يزيدون‏} ‏ قال‏:‏ يزيدون بسبعين ألفاً‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن نوف في قوله ‏{‏مائة ألف أو يزيدون‏} ‏ قال‏:‏ كانت زيادتهم سبعين‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فآمنوا فمتعناهم إلى حين‏} ‏ قال‏:‏ الموت‏.

القشيري

تفسير : فكان في أول أمره يطلب الاستعفاء من النبوة، ولكن لم يُعْفَ، ثم استقبله ما استقبله، فلم يلبث حتى رأى نَفْسَه في بطن الحوت في الظلمة.

اسماعيل حقي

تفسير : {وان يونس} ابن متى بالتشديد وهم اسم ابيه او امه. وفى كشف الاسرار اسم ابيه متى واسم امه تنجيس كان يونس من اولاد هود كما فى انوار المشارق وهو ذو النون وصاحب الحوت لانه التقمه. وامان ذو النون المصرى من اولياء هذه الامة فقيل انما سمى به لانه ركب سفينة مع جماعة فقد واحد منهم ياقوتا فلم يجده فآل رأيهم الى ان هذا الرجل الغريب قد سرقه فعوتب عليه فانكر الشيخ فحلف فلم يصدقوه بل اصروا على انه ليس الا فيه فلما اضطر توجه ساعة فاتى جميع الحوت من البحر فى فيها يواقيت فلما رأوا ذلك اعتذروا عن فعلتهم فقام وذهب الى البحر ولم يغرق باذن الله تعالى فسمى ذا النون {لمن المرسلين} الى بقية ثمود وهم اهل نينوى بكسر النون الاولى وفتح الثانية وقيل بضمها قرية على شاطئ دجلة فى ارض الموصل. وفى كلام الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر قد اجتمعت بجماعة من قوم يونس سنة خمس وثمانين وخمسمائة بالاندلس حيث كنت فيه وقست اثر رجل واحد منهم فى الارض فرأيت طول قدمه ثلاثة اشبار وثلثى شبر انتهى. ولما بعث اليهم دعاهم الى التوحيد اربعين سنة وكانوا يعبدون الاصنام فكذبوه واصروا على ذلك فخرج من اظهرهم واوعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث او بعد اربعين ليلة ثم ان قومه لما اتاهم امارات العذاب بان اطبقت السماء غيما اسود يدخن دخانا شديدا ثم يهبط حتى يغشى مدنيتهم حتى صار بينهم وبين العذاب قدر ميل اخلصوا الله تعالى بالدعاء والتضرع بان فرقوا بين الامهات والاطفال وبين الاتن والجحوش وبين البقر والعجول وبين الابل والفصلان وبين الضأن والحملان وبين الخيل والافلاء ولبسوا المسوح ثم خرجوا الى الصحراء متضرعين ومستغفرين حتى ارتفع الضجيج الى السماء فصرف الله عنهم العذاب وقبل توبتهم ويونس ينتظر هلاكهم فلما امسى سأل محتطبا مر بقومه كيف كان حالهم فقال هم سالمون وبخير وعافية وحدثه بما صنعوا فقال لا ارجع الى قوم قد كذبتهم وخرج من ديارهم مستنكفا خجلا منهم ولم ينتظر الوحى وتوجه الى جانب البحر

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وإِن يُونُسَ} بن متى، اسم أبيه، {لَّمِنَ المرسلينَ} إلى أهل نَيْنَوى، فكذَّبوه، فوعدهم بالعذاب، فلما رأى أمارات العذاب هرب عنهم، وهي معنى قوله: {إِذْ أَبَقَ} هرب. والإباق: الهرب إلى حيث لا يهتدي إليه الطلب، فسمي هربه من قومه ـ بغير إذن ربه ـ إباقاً، مجازاً. رُوي أنه لمَّا فرَّ عنهم، وقف في مكان ينتظر نزول العذاب بهم، وكان يُحب ذلك؛ لتكذيبهم إياه، فلما رأوا مخايل العذاب تابوا وخرجوا إلى الصحراء، يجأرون إلى الله تعالى، فكشف عنهم، فلما رأى يونس العذابَ انكشف عنهم، كره أن يرجع إليهم، فركب البحر، فأوى {إِلى الفُلْكِ المشحونِ}: المملوء بالناس والمتاع، فلما ركب معهم وقفت السفينة، فقالوا: هاهنا عبد آبق من سيده. وفيما يزعم أهل البحر: أن السفينة إذا كان فيها آبق لم تجرِ، فاقترعوا، فخرجت القرعةُ على يونس، فقال: أنا الآبق، وزجّ بنفسه في البحر، فذلك قوله: {فَسَاهَمَ}: فقارعهم مرة ـ أو ثلاثاً ـ بالسهام، {فكان من المدْحَضِين} المغلوبين بالقرعة. {فالتقمه الحوتُ} فابتلعه {وهو مُلِيمٌ} داخلٌ في الملامة، أو: آتٍ بما يُلام عليه، ولم يُلَم فإذا ليم كان مألوماً. {فلولا أنه كان من المسبِّحينَ} من الذاكرين كثيراً بالتسبيح، أو: من القائلين: {أية : لآَّ إِلَهَ إِلآَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّى كُنتُ مَنَ الظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 87] أو: من المصلين قبل ذلك؛ قال ابن عباس رضي الله عنه: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. قال الحسن: ما كان له صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدّم عملاً صالحاً فنجَّاه، وإنَّ العمل الصالح يرفع صاحبه، إذا عَثَرَ وجد متكئاً. هـ. أي: فلولا طاعته قبل ذلك {لَلَبِثَ في بطنه إِلى يوم يُبعثون} قيل: للبث حيًّا إلى يوم البعث. وعن قتادة: لكان بطن الحوت قبراً له إلى يوم القيامة. وقد لبث في بطنه ثلاثة أيام، أو: سبعة أو: أربعين يوماً. وعن الشعبي: التقمه ضحوة، ولَفَظَه عشية. قيل: أوحى الله تعالى إلى الحوت: إني جعلت بطنك ليونس سجناً ـ وفي رواية: مسجداً ـ ولم أجعله لك طعاماً. هـ. {فَنَبَذْناه} أي: أخرجناه {بالعراءِ} بالمكان الخالي، لا شجر فيه ولا نبات. أو: بالفضاء، {وهو سقيم} عليل مطبوخ، مما ناله من بطن الحوت. قيل: إنه عاد بدنه كبدن الصبي حين يُولد. {وأنبتنا عليه شجرةً} أي: أنبتناها فوقه، مُظلة كما يطنَّب البيتُ على الإنسان، {من يَقْطِينٍ} الجمهور على أنه القرع، وفائدته: أن الذباب لا تجتمع عنده، وأنه أسرع الأشجار نباتاً، وامتداداً، وارتفاعاً، وأن ورقه باطنها رطبة. وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتُحب القرع، فقال: "حديث : أجل، هي شجرة أخي يونس " تفسير : قلت: ولعلها النوع الذي يُسمى اليوم "السلاوي"؛ لأنه هو الذي ورقه لينة، وفيه منافع. رُوي أن ظبية كانت تختلف إليه، فيشرب من لبنها بكرة وعشية، حتى نبت لحمه، وأرسل الله تعالى على اليقطين دابة تقرض ورقها، فتساقطت حتى أذته الشمس، فشكاها إلى الله تعالى. وفي رواية: فحزن عليها، فقيل له: أنت الذي لم تخلُق، ولم تسقِ، ولم تُنبت، تحزن عليها وأنا الذي خلقت مائة ألف من الناس أو يزيدون تُريد مني أن أستأصِلَهم في ساعة واحدة، وقد تابوا، وتُبت عليهم، فأين رحمتي يا يونس، أنا أرحم الراحمين. هـ. {وأرسلناه إِلى مائةِ ألفٍ} المراد به القوم الذين بُعث إليهم قبل الالتقام، فتكون "قد" مضمرة، {أو يزيدون} في مرأى الناظر، أي: إذا رآها الرائي قال: هي مائة ألف أو أكثر. وقال الزجّاج: "أو" بمعنى "بل". وقيل: بمعنى الواو. قال ابن عباس: زادوا على مائة ألف عشرين ألفاً. وقال الحسن: بضعاً وثلاثين ألفاً. وقال ابن جبير: سبعين ألفاً. وقيل: وأرسلناه بعد الالتقام إلى مائة ألف. وقيل: قوماً آخرين. {فآمنوا} به، وبما أُرسل به، {فمتعناهم} بالحياة {إِلى حين} منتهى أجلهم، ولم يُعاجَلوا، حيث تابوا وآمنوا. الإشارة: في قصة يونس نكتة صوفية، ينبغي الاعتناء بها، وهو أن العبد إذا زلّت قدمُه، وانحطّ عن منهاج الاستقامة، لا ييأس ولا يضعُف عن التوجه، بل يلزم قرعَ الباب، ويتذكر ما سلف له من صالح الأعمال، فإن الله تعالى يرعى ذمام عبده، كما يرعى العبد ذمام سيده، وفي حال البُعد والغضب يظهر المحب الصادق من الكذّاب، وفي ذلك يقول ابن وفا رضي الله عنه: شعر : ونحن على العهد نرعى الذمام وعهد المحبين لا ينقضي صددت فكنت مليح الصدود وأعرضتَ أُفديك من معرض وفي حالة السخط لا في الرضا بيان المحب من المُبغض تفسير : وفيها أيضاً: الحث على الشفقة على عباد الله، وإن كانوا عصاة. قال القشيري: وفي القصة: أن الله تعالى أوحى إلى يونس بعد نجاته: قُلْ لفلانٍ الفَخَّار: يَكْسِرَ من الجرات ما عمله في هذه السنة كلّها، فقال يونس: يا ربِّ، إنه تعنَّى مدة في إنجاز ذلك، فكيف آمُره يكسرها كلّها؟ فقال له: يا يونس، يَرِقُّ قلبُك لخزاف يُتْلِفُ عَمَلَ سنةٍ، وأردتَ أن أُهْلِكَ مائةَ ألفٍ من عبادي؟ لم تخلقهم، ولو خَلَقْتَهم لرحمتهم. هـ. ثم وبَّخ قريشاً على قولهم: الملائكة بنات الله بعد ذكر هلاك مَن كفر من الأمم قبلهم، تهديداً. ثم وبَّخ قريشاً على قولهم: الملائكة بنات الله، بعد ذكر هلاك من كفر من الأمم قبلهم، تهديداً، فقال: {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ...}

الأعقم

تفسير : {وإن يونس لمن المرسلين} {إذ أبق إلى الفلك المشحون} {فساهم}، ويقال: أسهم القوم إذا قرعوا، يعني ألقوا السهام، والفلك المشحون السفينة المملوءة بالناس وغيرهم، واختلفوا في سببه فقيل أشرفوا على الغرق فرأوا أن طرح واحد لم يغرق الباقون، وقيل: رأوا حوتاً تعرض لهم فقالوا فينا مذنب، وقيل: احتبست السفينة، وروي أنه حين ركب السفينة وقفت فاقترعوا ووقعت القرعة على يونس ثلاث مرات فقال: أنا العبد الآبق وألقى نفسه في البحر، وقيل: أكرهوه وألقوه في البحر {فكان من المدحضين} المغلوب المقروع {فالتقمه الحوت وهو مليم} داخل في الملامة {فلولا أنه كان من المسبحين} من الذاكرين الله كثيراً بالتسبيح والتقديس، وقيل: هو قوله في بطن الحوت {أية : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}تفسير : [الأنبياء: 87]، وقيل: من المصلين، وعن ابن عباس: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة، وقيل: من المطيعين، وقيل: من العابدين {للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} الظاهر لبثه فيه حيَّاً إلى يوم البعث، وعن قتادة: لكان بطن الحوت له قبراً إلى يوم القيامة، وروي أنه حين ابتلعه أوحى الله إلى الحوت اني جعلت بطنك له سجناً ولم أجعله لك طعاماً، واختلفوا في مقدار لبثه فعن الكلبي: أربعون يوماً، وعن الضحاك: عشرون، وقيل: سبعة أيام، وعن بعضهم: ثلاثة أيام، وعن الحسن: لم يلبث إلا قليلاً، ثم أخرج من بطنه بعد الوقت الذي التقم فيه، وروي أن الحوت سار مع السفينة رافعاً رأسه يتنفس ويونس يسبح ولم يفارقهم حتى انتهوا إلى البرية فلفظه سالماً لم يتغير منه شيئاً قط، وروي أن الحوت لفظه بساحل قرية الموصل {فنبذناه بالعراء} العراء المكان الخالي لا شجر ولا شيء يغطيه، وروي أنه عاد بدنه كبدن الصبي حين يولد {وهو سقيم} ضعيف {وأنبتنا عليه شجرة من يقطين}، قيل: هو كل ما يسجد على وجه الأرض ولا يقوم على ساقه كشجرة البطيخ والحنظل، حديث : وقيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنك تحبّ القرع، قال: "أجل هي شجرة أخي يونس"تفسير : ، وقيل: هي شجرة الموز، وقيل: كان يستظل بالشجرة وكانت وعلة تختلف اليه فشرب من لبنها، وروي أنه مرّ زمان على الشجرة فيبست فبكا جزعاً، فأوحي اليه: بكيت على شجرة ولم تبكي على مائة ألف في يد الكفار؟ وقوله: {وأرسلناه إلى مائة ألف} المراد به ما سبق من إرساله إلى قومه، وقيل: هو إرسال ثان بعد ما جرى عليه إلى الأولين وإلى غيرهم {أو يزيدون} في مرأى الناظر إذا رآهم الرائي قال: هم مائة ألف أو أكثر، والغرض الوصف بالكثرة، ولا يجوز أن يكون أو يزيدون عطف على قوله مائة ألف لأنه فعل والتقدير إلى مائة وجماعة يزيدون على مائة ألف أو يزيدون والايهام في حق المخاطبين، وقرئ ويزيدون {فآمنوا فمتعناهم إلى حين} إلى أجل مسمى {فاستفتهم} الآية نزلت في قريش وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله، يعني سلهم يا محمد وإنما هو سؤال إنكار وتوبيخ {ألربك البنات ولهم البنون} يعني كيف اخترتم لأنفسكم البنين وأضفتم البنات إلى الله {أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون} يعني اشهدوا خلقهم فعلموا أنهم اناث، قال سبحانه: {ألا إنهم من إفكهم ليقولون} {ولد الله وإنهم لكاذبون} في ذلك، تعالى الله عمَّا يقولون علوَّاً كبيراً {أم لكم سلطان مبين} أي حجة نزلت عليكم من السماء، وخبر بأن الملائكة بنات الله {فأتوا بكتابكم} الذي أنزل عليكم في ذلك {إن كنتم صادقين} وهذه الآيات صادرة عن سخط عظيم وإنكار فظيع.

الهواري

تفسير : قال: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ المَشْحُونِ} أي: الموقر بأهله، فرّ من قومه إلى الفلك. وكان فيما عهد يونس إلى قومه أنهم إن لم يؤمنوا أتاهم العذاب، وجعل العَلَم بينه وبينهم أن يخرج من بين أظهرهم وأن يفقدوه. فخرج مغاضباً لقومه، مكايداً لدين ربه، ولم يجز له ذلك عند الله، في تفسير الحسن. فخرج حتى ركب في السفينة. فلما ركبها فلم تسر قال أهل السفينة: إن فيكم لمذنباً. قال: فتساهموا فقُرِع يونس، وهو قوله: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} أي: من المقروعين. وقال مجاهد: من المسهومين. فأوحى الله إلى الحوت فالتقمه. وهو قوله: {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} وهذا تفسير الحسن. [قال بعضهم]: وبلغنا والله أعلم أن يونس دعا قومه زماناً إلى الله، فلما طال ذلك وأبوا أوحى الله إليه أن العذاب يأتيهم يوم كذا وكذا، فلما دنا الوقت تنحّى عنهم. فلما كان قبل الوقت بيوم جاء فجعل يطوف بالمدينة وهو يبكي ويقول: يأتيكم العذاب غداً. [فسمعه رجل منهم، فانطلق إلى الملك، فأخبره أنه سمع يونس يبكي ويقول: غداً يأتيكم العذاب] فلما سمع ذلك الملكُ دعا قومه، فأخبرهم بذلك، وقال: إن كان هذا حقاً فسيأتيكم العذاب غداً، فاجتمِعوا حتى ننظر في أمرنا؛ فاجتمعوا. فخرجوا من المدينة من الغد؛ فنظروا فإذا بظلمة وريح شديدة قد أقبلت نحوهم، فعلموا أنه الحق. ففرّقوا بين الصبيان وبين أمهاتهم، وبين البهائم وبين أمهاتها، ولبسوا الشعر، وجعلوا التراب والرماد على رؤوسهم تواضعاً لله، وتضرّعوا إليه وبكوا وآمنوا. فصرف الله عنهم العذاب. فاشترط بعضهم على بعض أن لا يكذب أحدهم كذبة إلا قطعوا لسانه. وذكر بعضهم أنهم لمّا رأوا الأمر غشيهم قامت فيهم الخطباء فقال الأول: اللهم إنك أمرتنا ألا نردَّ سؤَّالنا، ونحن اليوم سؤَّالك فلا تردّنا. ثم قام الثاني فقال: اللهم إنك أمرتنا أن نعتق رقابنا، ونحن اليوم رقابك فأعتقنا. ثم قام الثالث فقال: اللهم إنك أمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا، وقد أخطأنا أنفسنا فاعف عنا. فصرف الله عنهم. فجاء يونس من الغد، فنظر فإذا المدينة على حالها، وإذا الناس داخلون وخارجون؛ فقال: أمرني ربي أن أخبر قومي أن العذاب يأتيهم فلم يأتهم، فكيف ألقاهم؟ فانطلق حتى أتى إلى ساحل البحر فإذا بسفينة في البحر، فأشار إليهم فأتوا، فحملوه وهم لا يعرفونه. فانطلق إلى ناحية من السفينة فتقنّع ورقد. فما مضوا إلا قليلاً حتى جاءتهم الريح وكادت السفينة تغرق، فاجتمع أهل السفينة ودعوا الله. ثم قالوا: أيقظوا هذا الرجل يدعو الله معنا. ففعلوا، فرفع الله عنهم تلك الريح. ثم انطلق إلى مكانه فرقد. فجاءت ريح كادت السفينة تغرق، فأيقظوه، فدعوا الله فارتفعت الريح. فتفكّر العبد الصالح وقال: هذا من خطيئتي، أو قال: هذا من ذنوبي أو كما قال فقال لأهل السفينة: شُدُّوني وثاقاً وألقُونِي في البحر. فقالوا: ما كنا لنفعل وحالك حالك، ولكنا نقترع فمن أصابته القرعة ألقيناه في البحر. [فاقترعوا فأصابته القرعة. فقال: قد أخبرتكم. فقالوا: ما كنا لنفعل، ولكن اقترعوا. فاقترعوا الثانية فأصابته القرعة، ثم اقترعوا الثالثة فأصابته القرعة]. وهو قول الله تعالى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} أي: من المقروعين. ويقال: من المسهومين، أي: وقع السهم عليه. فانطلق إلى صدر السفينة ليلقي نفسه في البحر فإذا هو بحوت فاتح فاه، ثم جاء إلى ذنب السفينة فإذا بالحوت فاتحاً فاه، ثم جاء إلى جنب السفينة فإذا هو بالحوت فاتحاً فاه، ثم جاء إلى الجانب الآخر فإذا بالحوت فاغراً فاه. فلما رأى ذلك القى بنفسه، فالتقمه الحوت. فأوحى الله إلى الحوت: أن لا تأكل عليه ولا تشرب عليه، وقال: إني لم أجعله لك رزقاً، ولكن جعلت بطنك له سجناً، فلا تقطع له شعراً ولا تكسر له عظماً. فمكث في بطن الحوت أربعين ليلة فنادى في الظلمات كما قال الله: {أية : أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 87] قال الله: (أية : فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ) تفسير : [الأنبياء: 87]. والظلمات ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت. قال الله: {أية : وَكَذَلِكَ نُنجِي المُؤْمِنِينَ}تفسير : [الأنبياء: 88 ] وأوحى الله إلى الحوت أن يلقيه إلى البحر. قال الله: {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ} أي: وهو مريض مثل الصبي. فأصابته حرارة الشمس فأنبت الله عليه شجرة من يقطين، وهي القرعة، فأظلّته؛ فنام. فاستيقظ، وقد يبست. فحزن عليها. فأوحى الله إليه: أحزنت على هذه الشجرة وأردت أن أهلك مائة ألف من خلقي أو يزيدون، أي: بل يزيدون. وبلغنا أنهم كانوا عشرين ومائة ألف. فعلم عند ذلك أنه ابْتُلِي. فانطلق فإذا هو بذَوْدِ غنم، فقال للراعي: اسقني لبناً، فقال: ما ها هنا شاة لها لبن. فأخذ شاة منها فمسح على ضرعها بيده، فدرّت بإذن الله. فشرب من لبنها. فقال له الراعي: من أنت يا عبد الله، لَتُخبِرَنِّي. قال: أنا يونس. فانطلق الراعي إلى قومه فبشّرهم به. فأخذوه وجاءوا معه إلى موضع الغنم فلم يجدوا يونس. فقالوا: إنا قد اشترطنا لربّنا ألا يكذب أحد منا إلا قطعنا لسانه. فتكلّمت الشاة بإذن الله وقالت: قد شرب من لبني. وقالت شجرة كان قد استظل بظلّها: قد استظل بظلّي. فطلبوه فأصابوه. فرجع إليهم. فكان فيهم حتى قبضه الله. وكانوا بمدينة يقال لها نينوى من أرض الموصل، وهي على دجلة. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: في دجلة ركب السفينة، وفيها التقمه الحوت، ثم أفضى به إلى البحر، فدار في البحر ثم رجع إلى دجلة، فثم نبذ بالعراء، فأرسل إليهم بعد ذلك. قال الله: {وَأَرْسَلْنَاهُ إلَى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ}. قال الحسن: فأعاد الله له الرسالة فآمنوا عن آخرهم، ولم يشذَّ منهم أحد. وقال مجاهد: {وَأَرْسَلْنَاهُ إلَى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} قبل أن يلتقمه الحوت. قوله: {وَهُوَ مُلِيمٌ} أي: مذنب في تفسير مجاهد.

اطفيش

تفسير : {وإن يونس} وقريء بكسر النون. {لمن المرسلين إذ أبق} هرب لاياقه الهرب الخاص وهو الهرب من السيد استعمل هنا في مطلق الهروب اذ ما هرب الا عن قومه ولكن حسنه انه هرب بغير اذن الله فكأنه ابق عن الله وليس باق عنه فذلك مجاز مرسل أو استعارة. {إلى الفلك المشحون} المملوء بالخليقة.

اطفيش

تفسير : {وإنَّ يونس لمن المُرْسَلين} قيل أرسل وهو ابن ثمان وعشرين سنة فى ملوك الطوائف من الفرس، وهو ابن متى بوزن حتى، وهو أبوه على الصحيح وقيل أمه.

الالوسي

تفسير : {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } يروى على ما في "البحر" أنه عليه السلام نبىء وهو ابن ثمان وعشرين سنة، وحكى في "البحر" أنه كان في زمن ملوك الطوائف من الفرس وهو ابن متى بفتح الميم وتشديد التاء الفوقية مقصور، وهل هذا اسم أمه أو أبيه؟ فيه خلاف فقيل اسم أمه وهو المذكور في "تفسير عبد الرزاق"، وقيل:/ اسم أبيه وهذا ـ كما قال ابن حجر ـ أصح، وبعض أهل الكتاب يسميه يونان ابن ماثى، وبعضهم يسميه يونه ابن امتياي؛ ولم نقف في شيء من الأخبار على اتصال نسبه، وفي اسمه عند العرب ست لغات تثليث النون مع الواو والياء والهمزة، والقراءة المشهورة بضم النون مع الواو. وقرأ أبو طلحة بن مصرف بكسر النون قيل أراد أن يجعله عربياً مشتقاً من أنس وهو كما ترى.

ابن عاشور

تفسير : يونس هو ابن متّى، واسمه بالعبرانية (يُونان بن آمتاي)، وهو من أهل فلسطين، وهو من أنبياء بني إسرائيل أرسله الله إلى أهل (نينوَى) وكانت نينَوى مدينة عظيمة من بلاد الأشوريين وكان بها أسرى بني إسرائيل الذين بأيدي الأشوريين وكانوا زهاء مائة ألف بقُوا بعد (دانيال). وكان يونس في أول القرن الثامن قبل المسيح، وقد تقدم ذكره وذكر قومه في الأنعام وسورة يونس. و {إذ} ظرف متعلق بــــ{المُرسلينَ}، وإنما وُقتت رسالته بالزمن الذي أبَق فيه إلى الفُلك لأن فَعلته تلك كانت عندما أمره الله بالذهاب إلى نينَوى لإِبلاغ بني إسرائيل أن الله غضب عليهم لأنهم انحرفوا عن شريعتهم. فحينما أوحى الله إليه بذلك عَظم عليه هذا الأمر فخرج من بلده وقصد مرسى (يافا) ليذهب إلى مدينة (ترشيش) وهي طرطوسِية على شاطىء بلاد الشام فهال البحر حتى اضطر أهل السفينة إلى تخفيف عدد ركابها فاستهموا على من يطرحونه من سفينتهم في البحر فكان يونس ممن خرج سهم إلقائه في البحر فالْتَقَمه حوت عظيم وجرت قصته المذكورة في سورة الأنبياء، فلما كان هروبه من كلفة الرسالة مقارناً لإِرساله وُقّت بكونه من المرسلين. و {أبَقَ} مصْدره إِباق بكسر الهمزة وتخفيف الباء وهو فرار العبد مِن مالكه. وفعله كضرب وسمع. والمراد هنا: أن يونس هرب من البلد الذي أوحي إليه فيه قاصداً بلداً آخر تخلصاً من إبلاغ رسالة الله إلى أهل (نِينْوَى) ولعله خاف بأسَهم واتّهم صبرَ نفسه على أذاهم المتوَّقعَ لأنهم كانوا من بني إسرائيل في حماية الأشوريين. ففِعل {أبَق} هنا استعارة تمثيلية، شبّهت حالة خروجه من البلد الذي كلّفه ربه فيه بالرسالة تباعداً من كلفة ربه بإباق العبد من سيده الذي كلّفه عملاً. و {الفُلك المشحون}: المملوء بالراكبين، وتقدم معناه في قصة نوح. وساهم: قَارع. وأصله مشتق من اسم السَّهم لأنهم كانوا يقترعون بالسهام وهي أعواد النبال وتُسمّى الأزلام. وتفريع {فَسَاهَمَ} يؤذن بجمل محذوفة تقديرها: فهال البحر وخاف الراكبون الغرق فساهم. وهذا نظير التفريع في قوله تعالى: {أية : أن اضرب بعصاك البحر فانفلق}تفسير : [الشعراء: 63] والمذكور في كتاب «يونان» من كتب اليهود: أن بعضهم قال لبعض: هلمّ نُلْققِ قرعة لنعرف مَن هو سبب هذه البلية فألقَوا قرعة فوقعت على يونس. وعن ابن عباس ووهب بن منبه أن القرعة خرجت ثلاث مرات على يونس. وسنُة الاقتراع في أسفار البحر كانت متَّبعة عند الأقدمين إذا ثقُلت السفينة بوفرة الراكبين أو كثرة المتاع. وفيها قصة الحيلة التي ذكرها الصفدي في «شرح الطغرائية»: أن بعض الأصحاب يدعي أن مركباً فيه مسلمون وكفار أشرف على الغرق وأرادوا أن يرموا بعضهم إلى البحر ليخفّ المركب فينجو بعضهم ويسلم المركب فقالوا: نقترع فمن وقعت القرعة عليه ألقيناه. فنظر رئيس المركب إليهم وهم جالسون على هذه الصورة فقال: ليس هذا حكماً مرضياً وإنما نَعدّ الجماعة فمن كان تاسعاً ألقيناه فارتضَوْا بذلك فلم يزل يعدهم ويلقي التاسع فالتاسع إلى أن ألقى الكفار وسلم المسلمون وهذه صورة ذلك (وصوَّر دائرة فيها علامات حمر وعلامات سود، فالحمر للمسلمين ومنهم ابتداءُ العَدّ وهو إلى جهة الشِمال) قال: ولقد ذكرتها لنور الدين علي بن إسماعيل الصفدي فأعجبته وقال: كيف أصنع بحفظ هذا الترتيب فقلت له: الضابط في هذا البيت تجعل حروفه المعجمة للكفار والمهملة للمسلمين وهو:شعر : اللَّه يقضي بكل يسر ويرزق الضيف حين كانا ا.هــــ تفسير : وكانت القرعة طريقاً من طرق القضاء عند التباس الحق أو عند استواء عدد في استحقاق شيء. وقد تقدم في سورة آل عمران (44) عند قوله: {أية : وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}تفسير : وهي طريقة إقناعية كان البشر يصيرون إليها لفصل التنازع يزعمون أنها دالة على إرادة الله تعالى عند الأمم المتدينة، أو إرادة الأصنام عند الأمم التي تعبد الأصنام تمييزَ صاحب الحق عند التنازع. ولعلها من مخترعات الكهنة وسَدنة الأصنام. فلما شاعت في البشر أقرتها الشرائع لما فيها من قطع الخصام والقتال، ولكن الشرائع الحقَّ لما أقرتها اقتصدت في استعمالها بحيث لا يُصار إليها إلا عند التساوي في الحقّ وفقدانِ المرجِّح، الذي هو مؤثر في نوع ما يختلفون فيه، فهي من بقايا الأوهام. وقد اقتصرت الشريعة الإِسلامية في اعتبارها على أقل ما تعتبر فيه. مثل تعيين أحد الأقسام المتساوية لأحد المتقاسِمين إذ تشاحوا في أحدها، قال ابن رشد في (المقدمات): «والقرعة إنما جعلت تطييباً لأنفس المتقاسمين وأصلها قائم في كتاب الله لقوله تعالى في قصة يونس: {فساهم فكان من المدحضين}. وعندي: أن ليس في الآية دليل على مشروعية القرعة في الفصل بين المتساويين لأنها لم تحك شرعاً صحيحاً كان قبل الإِسلام إذ لا يعرف دين أهل السفينة الذين أجرَوْا الاستهام على يونس، على أن ما أُجري الاستهام عليه قد أجمع المسلمون على أنه لا يجري في مثله استهام. فلو صح أن ذلك كان شرعاً لمن قبلنا فقد نسخه إجماع علماء أمتنا. قال ابن العربي: الاقتراع على إلقاء الآدمي في البحر لا يجوز فكيف المسلم فإنه لا يجوز فيمن كان عاصياً أن يقتل ولا أن يرمَى به في النار والبحر. وإنما تجري عليه الحدود والتعزيرُ على مقدار جنايته. وظَنّ بعض الناس أن البحر إذا هال على القوم فاضطروا إلى تخفيف السفينة أن القرعة تضرب عليهم فيطرح بعضهم تخفيفاً، وهذا فاسد فلا تُخفَّف برَمْي بعض الرجال وإنما ذلك في الأموال وإنما يصبِرون على قضاء الله. وكانت في شريعة من قبلنا القرعة جائزة في كل شيء على العموم. وجاءت القرعة في شرعنا على الخصوص في ثلاثة مواطن: الأول: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه". الثاني: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رُفع إليه أن رجلاً أعتق في مَرض موته ستة أعبد لا مال له غيرهم فأقرع بين اثنين وهما معادل الثلث وأرقّ أربعة". الثالث: "أن رجلين اختصما إليه في مواريث درست، فقال: اذهبا وتوخيا الحق واستَهِما وليُحَلل كل واحد منكما صاحبَه". واختلف علماؤنا في القرعة بين الزوجات عند الغزو على قولين: الصحيح منهما الاقتراعُ، وبه قال أكثر فقهاء الأمصار، وذلك لأن السفر بجميعهن لا يمكن واختيار واحدة منهن إيثار فلم يبق إلا القرعة. وقال القرافي في «الفرق» (240): متى تعينت المصلحة أو الحق في جهة لا يجوز الاقتراع لأن في القرعة ضياع الحق ومتى تساوت الحقوق أو المصالح فهذا موضع القرعة دفعاً للضغائن فهي مشروعة بين الخُلَفاء إذا استوت فيهم الأهلية للولاية والأيمةِ والمؤذنين إذ استووا والتقدم للصف الأول عند الازدحام وتغسيل الأموات عند تزاحم الأولياء وتساويهم وبين الحاضنات والزوجات في السفر والقسمة والخصوم عند الحكام في عتق العبيد إذا أوصى بعتقهم في المرض ولم يحملهم الثلث. وقاله الشافعي وابن حنبل. وقال أبو حنيفة: لا تجوز القرعة (بينهم). ويعتق من كل واحِد ثلثُه ويستسعَى في قيمته ووافق في قيمة الأرض. قال: والحق عندي أنها تجري في كل مشكل اهــــ. قلت: وفي «الصحيح» «عن أم العلاء الأنصارية أنه لما اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين وقع في سهمهم عثمانُ بن مظعُون» الحديث. وقال الجصاص: (احتج بهذه الآية بعض الأغمار في إيجاب القرعة في العبيد يعتقهم المريض. وذلك إغفال منه لأن يونس ساهم في طرحه في البحر وذلك لا يجوز عند أحد من الفقهاء كما لا تجوز القرعة في قتل من خرجت عليه وفي أخذ ماله فدلّ على أنه خاص فيه). وقال في سورة آل عمران: «ومن الناس من يحتج بإلقاء الأقلام في كفالة مريم» على جواز القرعة في العبيد يعتقهم الرجل في مَرضه ثم يموت ولا مال له غيرهم وليس هذا (أي إلقاء الأقلام) من عتق العبيد في شيء لأن الرضى بكفالة الواحِد منهم مَريمَ جائزٌ في مثله ولا يجوز التراضي على استرقاق من حصلت له الحرية، وقد كان عتق الميّت نافذاً في الجميع فلا يجوز نقله بالقرعة عن أحد منهم إلى غيره كما لا يجوز التراضي على نقل الحرية عمن وقعت عليه. والإِدحاض: جعل المرء داحضاً، أي زالقاً غير ثابتِ الرِجلين وهو هنا استعارة للخسران والمغلوبية. والالتقام: البلْع. والحوت الذي التقمه: حوتٌ عظيم يبتلع الأشياء ولا يعضّ بأسنانه ويقال: إنه الحوت الذي يسمّى (بَالَيْن) بالافرنجية. والمُليم: اسم فاعل من ألام، إذا فعل ما يلومه عليه الناس لأنه جعلهم لائمين فهو ألاَمَهم على نفسه. وكان غرقه في البحر المسمّى بحر الروم وهو الذي نسميه البحر الأبيضَ المتوسط، ولم يكن بنهرِ دجلة كما غلط فيه بعض المفسرين. و{كان من المسبحين} بقوله: {أية : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين }تفسير : ، كما في سورة الأنبياء (87) فأنجاه الله بسبب تسبيحه وتوبته فقذفه الحوت من بطنه إلى البر بعد أن مكث في جوف الحوت ثلاث ليال، وقيل: يوماً وليلة، وقيل: بضع ساعات. ومعنى قوله: {إلى يوم يُبعثون} التأبيد بأن يميت الله الحوت حين ابتلاعه ويبقيهما في قعر البحر، أو بأن يختطف الحوت في حجر في البحر أو نحوه فلا يطفوَ على الماء حتى يبعث يونس يوم القيامة من قعر البحر.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وإن يونس لمن المرسلين: أي وإن يونس بن متى الملقب بذي النون لمن جُملة المرسلين. إذ أبق إلى الفلك المشحون: أي إذ هرب إلى السفينة المملوءة بالركاب. فساهم فكان من المدحضين: أي اقترع مع ركاب السفينة فكان من المغلوبين. فالتقمه الحوت وهو مليم: أي ابتلعه الحوت وهو آتٍ بما يلام عليه. للبث في بطنه إلى يوم يبعثون: أي لكان بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. فنبذناه بالعراء: أي فألقيناه في بطن الحوت بالعراء أي بوجه الأرض بالساحل. وهو سقيم: أي عليل كالفرخ المنتوف الريش. شجرة من يقطين: أي الدباء: القرع. إلى مائة ألف أو يزيدون: أي أرسلناه إلى مائة ألف نسمة بل يزيدون بكذا الف. فآمنوا فمتعناهم إلى حين: أي فآمن قومه عند معاينة أمارات العذاب فأبقاهم الله إلى آجالهم. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر من أنعم الله تعالى عليهم بما شاء من وجوه الإِنعام. فقال عز وجل عطفا عما سبق {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي وإن عبدنا يونس بن متى ذا النون لمن جُملة من مننّا عليهم بالنبوّة والرسالة. {إِذْ أَبَقَ} أي في الوقت الذي هرب من قومه لما لم يؤمنوا به وواعدهم العذاب وتأخر عنهم فاستعجل فهرب من المدينة وهي نينوي من أرض الموصل بالعراق، فوصل الميناء فوجد سفينة مبحرة فركب وكانت حمولتها أكبر من طاقتها فوقفت في عرض البحر لا تتقدم ولا تتأخر فرأى رُبّان السفينة أنه لا بد من تقليل الشحنة وإلاّ غرق الجميع، وشح كل راكب بنفسه فاقترعوا فكان يونس من المدحضين أي المغلوبين في القرعة فرموه في البحر فالتقمه حوته، وهو مليم أي فاعل ما يلام عليه من فراره من دعوة قومه إلى الله لما ضاق صدره ولم يطق البقاء معهم. وهذا معنى قوله تعالى {إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ}. وقوله تعالى {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ} أي بطن الحوت {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أي يوم القيامة بأن يصير بطن الحوت قبراً له أي فلولا أن يونس كان من المسبحين أي المكثرين من الصلاة والذكر والدعاء والتسبيح قبل البلاء لما كان يُلهم قوله لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ولما كان يستجاب له ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : تعرّف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة" تفسير : فإِن صوت يونس سمع تحت العرش فعرفه بعض الملائكة فذكروا ذلك لربهم تعالى فأخبرهم أنه عبده يونس، وأنه كان من المكثرين الصلاة والذكر والدعاء قبل البلاء فلذا استجاب الله تعالى ونجاه من الغم، وهو معنى قوله تعالى {فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ} أي بوجه الأرض العارية من الشجر وكل ظل وهو كالفرخ المنتوف الريش نضج لحمه من حرارة جوف الحوت وأنبت تعالى عليه شجرة من يقطين أي فرع تظلله بأوراقها الحريرية الناعمة والتي لا ينزل بساحتها الذباب، وسخر له أُروية "غزالة" فكانت تأتيه صباح مساء فتفشح عليه أي تفتح رجليها وتدني ضرعها منه فيرضع حتى يشبع إلى أن تماثل للشفاء وعاد إلى قومه فوجدهم مؤمنين لتوبة أحدثوها عند ظهور امارات العذاب فتاب الله عليهم. وقوله تعالى {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} أي أرسلناه إلى قومه وهم أهل نينوي وكان تعدادهم مائة ألف وزيادة كذا ألفا فآمنوا أي بالله ربّا وبالإِسلام دينا وبيونس نبيا ورسولا وتابوا بترك الشرك والكفر فجزيناهم على إيمانهم وتوبتهم بأن كشفنا عنهم العذاب الذي أظلهم، ومتعناهم أي أبقينا عليهم يتمتعون بالحياة إلى نهاية آجالهم المحدودة لهم في كتاب المقادير. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير نبوة يونس ورسالته وضمن ذلك تقرير رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. 2- مشروعية الركوب في السفن البحرية. 3- مشروعية الاقتراع لفض النزاع في قسمة الأشياء ونحوها. 4- فضل الصلاة والذكر والدعاء والتسبيح وعظيم نفعها عند الوقوع في البلاء. 5- تقرير مبدأ "تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة". 6- بركة أكل اليقطين أي الدباء القرع إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكلها ويلتقطها من حافة القصعة. 7- فضل قوم يونس إذ آمنوا كلهم ولم تؤمن أمة بكاملها إلاّ هم.

د. أسعد حومد

تفسير : (139) - وَإِنَّ يُونُسَ رَسُولٌ مِنْ رَسُلِ اللهِ تَعَالَى، (وَقَدْ أَرْسَلَهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى أَهْلِ نِينَوَى، وَكَانَتْ عَاصِمَةَ الآشُورِيِّينَ فِي وَقْتٍ مَا، وَهِيَ قُرْبَ المُوصِلِ).

الثعلبي

تفسير : {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ}. هرب {إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ}، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (عليه السلام) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملاّحون: ها هنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟واقترعوا ثانياً وثالثاً فوقعت القرعة على يونس، فقال: "أنا الآبق" وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: {فَسَاهَمَ}: فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ} المقروعين المخلوعين المغلوبين. {فَٱلْتَقَمَهُ}: فابتلعه والتقمة {ٱلْحُوتُ} وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجناً ولم أجعله لك طعاماً، {وَهُوَ مُلِيمٌ} مذنب، قد أتى بما يلام عليه. {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ} المنزهّين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 87] وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملاً صالحاً، {لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} لصار بطن الحوت قبراً له إلى يوم القيامة. {فَنَبَذْنَاهُ}: طرحناه {بِٱلْعَرَآءِ} قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفِناء الفراء بالأرض الواسعة. السدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد: عريان. قال الشاعر: شعر : [ترك الهام... بالعراء صار للخير حاصر العبقا] تفسير : {وَهُوَ سَقِيمٌ} عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوماً. السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوماً. {وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ} أي له، وقيل: عنده، كقوله: {أية : وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ}تفسير : [الشعراء: 14] أي عندي {شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ} قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، {وَأَرْسَلْنَاهُ} يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده،ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. {إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر: شعر : فلما اشتد أمر الحرب فينا تأملنا رياحاً أو رزاماً تفسير : أي ورزاماً، وقال مقاتل: بل يزيدون. واختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف؛ فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفاً، ابن حيان: سبعون ألفاً، {فَآمَنُواْ} عند معاينة العذاب، {فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} انقضاء آجالهم. {فَٱسْتَفْتِهِمْ}: فسل يا محمد أهل مكة {أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ} ؛ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، {أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ}: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: {أية : أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ}تفسير : [الزخرف: 19]. {أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى}. قرأ العامة بقطع الألف؛ لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل {أية : أَسْتَكْبَرْتَ}تفسير : [ص: 75] و{أية : أَسْتَغْفَرْتَ}تفسير : [المنافقون: 6] و {أية : أَذْهَبْتُمْ}تفسير : [الأحقاف: 20] ونحوها. وقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: {لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ} ويقولون {أَصْطَفَى} {ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ} ثم رجع إلى الخطاب: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ}: برهان بيّن على أنّ الله ولداً {فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ* وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً}: فجعلوا الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنًّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس بنات الله. قال الكلبي: قالوا (لعنهم الله): بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ} يعني قائلي هذا القول {لَمُحْضَرُونَ} في النار. {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ}؛ فإنهم من النار ناجون. {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} يعني الأصنام {مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} أي مع ذلك {بِفَاتِنِينَ}: بمضلّين {إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ} أي إلاّ من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار. أخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكربن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألاّ يُعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلماً من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ}، وقد فصلت هذه الآية بين الناس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أُذني): ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلاّ ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلاّ هذه الآية الواحدة لكفى بها: {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ}. {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ} يعني إلاّ من له {مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلاّ وعليه ملك مصلَ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق: {إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة. {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ} في الصلاة، {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ * وَإِن كَانُواْ} وقد كادوا يعني أهل مكة {لَيَقُولُونَ} لام التأكيد: {لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ}: كتاباً مثل كتبهم، {لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ * فَكَفَرُواْ بِهِ} فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: {أية : أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ}تفسير : [الأنعام: 157]. {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}، وهذا وعيد لهم. {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ}، وهي قوله: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ}تفسير : [المجادلة: 21]. {إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ} قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. {وَأَبْصِرْهُمْ}: أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم {فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} ما أنكروا: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ} وذلك أنّ رسول الله(عليه السلام) لما أوعدهم العذاب، قالوا: متى هذا الوعد؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية. {فَإِذَا نَزَلَ} العذاب {بِسَاحَتِهِمْ}: بناحيتهم وفِنائهم {فَسَآءَ}: فبئس {صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ}: الكافرين. أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: {فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ} قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي عليه السلام:"حديث : الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ". تفسير : {وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ * وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} تأكيد للأُولى. {سُبْحَانَ رَبِّكَ} إلى آخر السورة أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أُسد بن عبد الله الأصفهاني قال: حدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه: "حديث : إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين؛ فإنما أنا رسول من المرسلين ". تفسير : قال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: {سُبْحَانَ رَبِّكَ} إلى آخر السورة. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ * وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: "من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ * وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}". [أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لِم؟ إقرأ. فقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي،فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين و (لتسئلن عن النبأ العظيم).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أولاً: أثبت الحق سبحانه لسيدنا يونس - عليه السلام - أنه مُرْسَل {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 139] فلنأخذ هذه الفكرة في الاعتبار قبل الدخول في قصته، ولنفهم القصة في هذا الإطار، حتى إذا ما حدث منه شيء لا يليق برسول في نظرك، فاعلم أنه لا يطعن في منزلته كرسول، فالذي أرسله شهد له بالرسالة ولم يعزله منها، ولم يُجرِّده من منزلته بعد ما حدث. إذن: حين تسمع قصته لا تَقُلْ أن هذا الفعل لا يليقُ برسول؛ لأنك لست أغيرَ على الله من الله. وتأمل قول الله فيه {إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} [الصافات: 140] معنى أبق: هرب وليس الهروب المطلق، إنما هروب العبد من سيده، لا هروبه من مستأجره، ولا هروب ابني مني، فهذا لا يُعَدُّ أبُوقاً. فكلمة (أبق) فيها ملحظ العبودية المطلقة للسيد الأعلى، فالله سيده وهو عبده. لأن العبد مملوك بملك اليمين فهو بذاته مِلْك لي حين آخذه أسيراً، نعم بذاته، لأن الله حقن بهذا الملْك دمه، فبدل أنْ أقتله في الحرب أسرْتُه واستعبدته، فهو لا يصير عبداً إلا إذا أسرْته، وما دُمْت أسرْته وقدرْت عليه تستطيع قتله، إذن: ملّكك اللهُ رقبته، لأنه حمى دمه أنْ يُرَاق. فلا داعي إذن للمقارنة بين الرقِّ والحرية، وإنْ أردتَ المقارنة، فقارن بين رِقٍّ وقتل، ولو خيَّرْتَ العبد نفسه بين أن يعيش عند سيد يخدمه، وبين القتل لاختار العبودية. إذن: العبودية هنا ليست سُبَّة في الإسلام، إنما هي جميل أَسْداه الإسلام إلى هؤلاء العبيد. ومحمد صلى الله عليه وسلم ما جاء ليشرِّع للرقِّ، ويزيد من أعداد الرقيق إنما جاء ليقضي على الرِّق، وليجفِّف منابعه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جاء والرق موجود في المجتمع وبكثرة، حيث كان له ثلاثة وعشرون مصدراً يأتي الرقُّ منها، فماذا فعل الإسلام؟ سَدَّ كل هذه المصادر، ولم يَبْقَ منها إلا الأسير في حرب شرعية، ثم أخذ يُعدِّد مصارف الرق ويفتح الأبواب لتحرير الرقيق كما رأينا في الكفَّارات وفي التطوع بتحرير الرقاب. فإنْ لم ترتكب ذنباً يستدعي كفارةً وعَتْقَ رقبة ولا حاجةَ لك في التطوع بعتق رقبة واحتفظتَ بما لديك من الرقيق فلتكرمه. وقد وضع لنا النبي صلى الله عليه وسلم دستوراً نسير عليه في معاملة الرقيق، حين قال: "حديث : هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما يغلبه، فإن كلَّفه ما يغلبه فليُعنه عليه ". تفسير : هكذا أمر الإسلام في مسألة العبيد، والإسلام أبقى على الرقِّ من الحرب المشروعة؛ لأن لي عدواً كافراً يحاصرني ويحاربني، ويأخذ أولادي أَسْرى عنده، فلا بُدَّّ من المعاملة بالمثل، أسَرُوا مِنّا نأسِر منهم، فَدوْا أسْراهم نفدي أَسْرانا، أطلقوا السراح نطلق .. وهكذا، إذن: المتأمل في هذه المسألة يجد أن محمداً صلى الله عليه وسلم ما جاء لِيُشرِّع للرقِّ، إنما جاء ليُشرِّع للعتق. وقوله تعالى في شأن سيدنا يونس {إِذْ أَبَقَ} [الصافات: 140] ليس مأخذاً على نبي الله يونس، لأن (أبَقَ) تعني أنه معترفٌ بأنه عبد لربه، هذه اللقطة لم يأتِ لها تفصيل هنا، إنما جاء في سورة أخرى لنعرف أن المسألة ليستْ (ميكانيكا)، المسألة مرادات حَقٍّ تأتي في موضعها لحكمة، ولسيدنا يونس سورة باسمه، ولن يُذكر اسمه إلا مرة واحدة، ثم يذكر في غير السورة المسمَّاة باسمه كل تاريخه. فمعنى (أَبَقَ) هرب من سيده أو ترك قومه دون إذن من ربه، وهذه المسألة فُصِّلَتْ في قوله تعالى {أية : وَذَا ٱلنُّونِ} تفسير : [الأنبياء: 87] أي: صاحب الحوت، وهو سيدنا يونس {أية : إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً} تفسير : [الأنبياء: 87] والمغاضب غير الغاضِب، المغاضب: فيها مفاعلة ومشاركة، فهو غاضب، والمقابل له أيضاً غاضب، فهي مثل شارك محمد علياً، فهي شارك عليّ مُحمداً، أما غاضب فيعني من ناحيته هو فحسب. لكن مُغَاضباً لمن؟ الطرف الآخر هنا هم القوم لما كذبوه وآذوه لم يُطِق، فهو ليس مُغَاضِباً لربه، إنما مغاضباً لقومه وعنده أمل، وظن في ربه أن يسامحه في هذا التصرف؛ لذلك قال تعالى بعدها: {أية : فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} تفسير : [الأنبياء: 87] البعض فهم (نقدر) من القدرة، وحاشا لله أن يظن نبي الله أن الله لن يقدر عليه، ولن يعيده إلى قومه. إنما معنى (نقدر) هنا أي: نُضيِّق عليه، كما في قوله تعالى: {أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ} تفسير : [الطلاق: 7] فهي ثقة منه في رحمة من أرسله، وأنه سبحانه لن يُضيِّق عليه أنْ يُنفِّس عن عواطفه حين ترك قومه دون إذن من ربه. ومعنى (الفُلْك) السفينة (المشْحُون) المملوء، وهذا يدلُّنا على أن السفينة حملاً خاصاً، لا ينبغي أنْ يزيد، وإلاَّ تعرضت السفينةُ للغرق حسب قاعدة أرشميدس، وبهذه القاعدة تطفو الأشياء، وعليها قامتْ فكرة الغوَّاصات، معنى غواصة يعني: تغوص تحت الماء، لأن وزنها أثقلُ من إزاحة الماء؛ لذلك يقولون: خِفْ تعوم. وما دام أن الفلك مشحون، والعدد أزيد من حِمْل السفينة فقرر القبطان أن يُلقي بأحد الركاب لِيَخفَّ الحملُ، فأجروا القرعة، فخرج سهم سيدنا يونس، فألقَوْا به في البحر فالتقمه الحوت، هذا معنى {فَسَاهَمَ ..} [الصافات: 141] أي: دخل معهم في القرعة، وألقى بسهمه مع سهامهم، {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ} [الصافات: 141] معنى {ٱلْمُدْحَضِينَ} [الصافات: 141] المدْحَض الخاسر في الصفقة، والمراد القرعة حيث كان من نصيبه أنْ يُلْقى هو في البحر. والقرعة طريقة للاختيار، تبرئ مالك السفينة من أنْ يُتَّهم بالتحيز أو المحاباة، وعملية إلقاء السهام مسألة قدرية خالصة، لا دَخْلَ فيها للهوى، وهي دليلٌ على عدالة الحكم؛ لذلك كثيراً ما نلجأ في إجراء القرعة إلى طفل صغير، يختار الأوراق الملقاة مثلاً، لماذا؟ لأنه لا يستطيع التمييز بينها؛ لذلك يأتي اختياره قَدَراً مُنزَّهاً عن الهوى. فقوله تعالى {فَسَاهَمَ} [الصافات: 141] يعني: دخل معهم في القرعة يعطينا لقطة اجتماعية تعفينا من الحرج والضغائن، لأنه إذا وُجد شيء لا يتسع للطالبين له، لا يصح أنْ يميزَ القائمُ عليه بين هؤلاء الطالبين؛ لأن تمييزَ واحدٍ على الآخر يُورِث في النفس شيئاً، وإجراء القرعة اختيار قدري لا دخْلَ لأحد فيه. وهذه المسألة لجأ إليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث : حينما دخل المدينة والتفَّ الناس حوله، كُلٌّ يريد أنْ يأخذ بزمام ناقته صلى الله عليه وسلم ليذهب برسول الله إلى بيته، فكيف يفعل رسول الله وهو يريد ألاَّ يكسرَ خاطر أحد منهم؟ لقد حسم رسول الله هذا الموقف، حين قال: "دعوها فإنها مأمورة"" تفسير : فأخرج نفسه من الاختيار، وتركه لله تعالى ولقدره، وسارتْ الناقة حتى بركتْ عند ديار بني النجار. قد يقول قائل: هل تنجو السفينة أو تغرق بسبب شخص واحد خَفَّ من وزنها أو زادَ عليه؟ نقول: نعم ألم تسمع عن القشَّة التي قصمتْ ظهر البعير، فأنت حين تُحمِّل الجمل يتحمَّل على قدر طاقته، حتى إذا زدْتَ عليه عوداً واحداً برك بحمله، والحقيقة أن العود الواحد أو القشة لا تقصم ظهر البعير، إنما مجموع العيدان والقشة الأخيرة هي فقط التي رجَّحتْ الوزن ووصلت به إلى درجة عدم التحمُّل، كذلك الحال في سفينة سيدنا يونس، حيث توقف نجاتها من الغرق على إلقاء واحد من ركابها، وهلاك واحد خير من هلاك الجميع. ونتعلم من هذه المسألة أنه لا مانعَ حين يحل الخطر بالجماعة أنْ يدفعه عنهم أحدهم، والقرعة هي التي تحدد هذا الواحد. ثم يقول سبحانه {فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} [الصافات: 142] أي: ابتلعه الحوت، وقد فعل عليه السلام ما يُلاَم عليه، واللوم نوع من العتاب، وفَرْق بين ما تُلاَم عليه وما تُعَاقب عليه، سيدنا يونس فعل ما يُعاتَبُ عليه من ربه - عز وجل - وكأن الله يقول له: لقد تسرعتَ حين تركتَ قومك وضِقْتَ بهم لأول إيذاء تتعرَّض له، وكان عليك أنْ تصبر، وأنْ تتحمل الأذى في سبيل دعوتك. فاللوم ضَرْب من العتاب، لا يصل إلى درجة العقاب، وغالباً ما ينشأ العتاب بين الأحبة لاستبقاء المودة، لذلك قال الشاعر: شعر : أمّا العِتَابُ فَبِالأَحِبَّةِ أَخْلَقُ والحبُّ يَصْلُحُ بالعِتَاب وَيَصْدُقُ تفسير : ومعلوم أنك لا تعاتب إلا مَنْ تحرص عليه ليظل في صحبتك. إذن: يشفع لسيدنا يونس هنا عدة أشياء أولها {إِذْ أَبَقَ} [الصافات: 140] يعني: كان عبداً لله تعالى، ثم {أية : فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} تفسير : [الأنبياء: 87] أي: لا نُضيِّق عليه، وهذا حُسْن ظن بالله، ثم {وَهُوَ مُلِيمٌ} [الصافات: 142] فالله عاتبه ولامه مجرد لَوْمٍ، على أمر لا يصحُّ من نبي، والعتاب دليل المحبة. وقوله تعالى: {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 144] التسبيح يعني: التنزيه المطلق لله تعالى فكوْنه من المسبحين جعله موضعاً للَّوْم والعتاب، لا للإيذاء والعذاب، فلولا إيمانه وتسبيحه لَظَلَّ في بطن الحوت إلى يوم يُبْعَثُون. مسألة عتاب الحق سبحانه لنبيه يونس على تركه لقومه وتخلِّيه عنهم، لمجرد أنهم عاندوه وكذَّبوه يُذكِّرنا بسنة الله تعالى في رسُله، وهي النُّصْرة والتأييد {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ} تفسير : [غافر: 51]. لكن قد يتأخر هذا النصر، مع أن الله قادر أنْ ينصرهم من أول وهلة، لكن الحق سبحانه يريد بذلك أمرين: أولاً: أنْ يستشريَ الفسادُ ويعُمَّ، حتى يضيق الناس به فيتطلَّعون إلى الحق وإلى الخير، ويَسعَوْنَ هم إليه. ثانياً: ليُمحِّص اللهُ المؤمنين بالرسل، ويميز منهم أصحاب الثبات والقدرة على تحمُّل مشاقِّ الدعوة فيما بعد. إذن: تأخُّر النّصْرة ليس خُذْلاناً للرسل، ولا تخلياً عنهم، فما كان الله تعالى ليرسل رسولاً ويتخلَّى عنه.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ} فأَبَقَ: قَرَع. والفُلْك: السَّفينةُ والمَشحونُ: المملوءُ المُوقرُ. فَساهمَ فكانَ مِنَ المُدْحَضِين: أَي قَارَعَ والمُدحضُ: المُبْطلُ الحُجةُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ } إلى آخر القصة. وهذا ثناء منه تعالى، على عبده ورسوله، يونس بن متى، كما أثنى على إخوانه المرسلين، بالنبوة والرسالة، والدعوة إلى اللّه، وذكر تعالى عنه، أنه عاقبه عقوبة دنيوية، أنجاه منها بسبب إيمانه وأعماله الصالحة، فقال: { إِذْ أَبَقَ } أي: من ربه مغاضبا له، ظانا أنه لا يقدر عليه، ويحبسه في بطن الحوت، ولم يذكر اللّه ما غاضب عليه، ولا ذنبه الذي ارتكبه، لعدم فائدتنا بذكره، وإنما فائدتنا بما ذُكِّرنا عنه أنه أذنب، وعاقبه اللّه مع كونه من الرسل الكرام، وأنه نجاه بعد ذلك، وأزال عنه الملام، وقيض له ما هو سبب صلاحه. فلما أبق لجأ { إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } بالركاب والأمتعة، فلما ركب مع غيره، والفلك شاحن، ثقلت السفينة، فاحتاجوا إلى إلقاء بعض الركبان، وكأنهم لم يجدوا لأحد مزية في ذلك، فاقترعوا على أن من قرع وغلب، ألقي في البحر عدلا من أهل السفينة، وإذا أراد اللّه أمرا هيأ أسبابه. فلما [اقترعوا] أصابت القرعة يونس { فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ } أي: المغلوبين. فألقي في البحر { فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ } وقت التقامه { مُلِيمٌ } أي: فاعل ما يلام عليه، وهو مغاضبته لربه. { فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ } أي: في وقته السابق بكثرة عبادته لربه، وتسبيحه، وتحميده، وفي بطن الحوت حيث قال: {أية : لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ }. تفسير : { لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أي: لكانت مقبرته، ولكن بسبب تسبيحه وعبادته للّه، نجاه اللّه تعالى، وكذلك ينجي اللّه المؤمنين، عند وقوعهم في الشدائد. { فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ } بأن قذفه الحوت من بطنه بالعراء، وهي الأرض الخالية العارية من كل أحد، بل ربما كانت عارية من الأشجار والظلال. { وَهُوَ سَقِيمٌ } أي: قد سقم ومرض، بسبب حبسه في بطن الحوت، حتى صار مثل الفرخ الممعوط من البيضة. { وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ } تظله بظلها الظليل، لأنها بادرة باردة الظلال، ولا يسقط عليها ذباب، وهذا من لطفه به، وبره. ثم لطف به لطفا آخر، وامْتَنَّ عليه مِنّة عظمى، وهو أنه أرسله { إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ } من الناس { أَوْ يَزِيدُونَ } عنها، والمعنى أنهم إن ما زادوا لم ينقصوا، فدعاهم إلى اللّه تعالى. { فَآمَنُوا } فصاروا في موازينه، لأنه الداعي لهم. { فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } بأن صرف اللّه عنهم العذاب بعدما انعقدت أسبابه، قال تعالى: {أية : فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ }.

همام الصنعاني

تفسير : 2550- معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه في قوله تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ}: [الآية: 139-140]، قال: قيل ليونس: إنَّ قَوْمَكَ يأيتهم العذاب يوم كذا وكذا، فلما كان يومئذٍ، خَرَجَ يُونُس، ففقده قومه، فخرجوا وخرجوا بالصغير والكبير والدواب، وكل شيء، ثم عزلوا الوالدة عن ولدها، والشاة عن ولدها، والبقرة عن ولدها، والناقة عن ولدها؛ فسمعت لهم عجيجاً، فأتاهم العذاب حتى نظورا إليه، ثم صُرِفَ عنهم، فلم يصبهم العذاب، ذَهَبَ يُونُس مغاضباً، فركِبَ في البحر في سفينةٍ مع ناسٍ، حتى إذا كانوا حيث شاء الله، ركدت السفينة فلم تَسِرْ، فقال صاحب السفينة: ما يمنعها أن تسير إلا أنَّ فيكم رجُلاً مشئوماً، قال: فاقترعوا، ليلقوا أحدهم، فخرجت القرعة على يُونُس، فقالوا: ما كنا لنفعل بك هذا، ثم اقترعوا فخرجت أيضاً عليه، حتى خرجت القرعة ثلاثاً، فرمى بنفسه {فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ}: [الآية: 142]، قال: م عمر، قال قتادة: أيْ مُسِيء.